Полный текст (1 611 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والخائف يصلي إلى أي جهة قدر ومن اشتبهت عليه القبلة تحرى ...
ــ
الجهة كما أنه لا خلاف في عدم اشتراط نية الاستقبال عينا عند التوجه إلى عينها كما يفيد ظاهر كلامهم فإنه قال في الذخيرة: وثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة فمن اشترط إصابة العين اشترط نية العين لعدم إمكان إصابة العين حينئذ إلا من حيث النية فانتقل ذلك إليها ومن لم يشترط إصابة العين لم يشترط نية العين لعدم الحاجة إلى ذلك فإن إصابة الجهة تحصل من غير إصابة نية العين وبهذا ظهر أن قولهم لو نوى بناء الكعبة والمقام لا يجوز إلا أن يريد الجهة وكذا لو نوى محراب مسجد مبني على رأي الجرجاني كذا في شرح المنية.
(والخائف) من عدو آدمي أو غيرها من الغرق (يصلي إلى أي جهة يقدر) لتحقق العجز وكذا المريض الذي لا يقدر على التوجه ولو وجد موجها عند الإمام خلافا لهما وكذا إذا لم يجد مكانا يابسا يصلي فيه أو كانت دابته جموحا بحيث لو نزل لا يركب إلا بمعين أو شيخا كبيرا كذلك (ومن اشتبهت عليه القبلة) لفقد الدلائل المتقدمة ولو بمكة والمدينة أو مسجد مظلم ولا يلزمه مس الجدران خوف الهوام ولا أن يقرع الأبواب (تحرى) أي وجب عليه التحري ولو بسجود تلاوة وقيده القدوري بأن لا يكون في حضرته من يسأله فإن كان وهو من أهل ذلك المكان مقبول الشهادة قدم على التحري وحد الحضرة أن يكون بحيث لو صاح به سمعه وقيد غيره بأن المساء متغيمة فلو كانت مصحية لا يجوز ولو جاهلا لأنه ليس بعذر وكان المصنف استغنى عن القيد الأول بذكر الاشتباه وذلك أن تحققه إنما يكون عند فقد الدليل وأهمل الثاني لعدم اعتباره عند آخرين وعليه إطلاق عامة المتون قيد بالاشتباه لأنه لو لم يتحر أعاد إلا إن علم الإصابة بعد فراغه لأن ما شرط لغيره يراعي حصوله لا تحصيله ولو خالف جهد تحريه لا تجزئه لأنها قبلته واختلف في كفره وعن الإمام أنه يخشى عليه الكفر واستشكله في فتح القدير بأن هذا التعليل يقتضي الفساد فيما إذا لم يشك وذاك التعليل يقتضي الصحة وأجاب بأنه لما حكم بفساد صلاته بناء على دليل شرعي وهو تحريه فلا ينقلب جائزا لأنه اعتقد الفساد قبل ظهور الصواب فيؤاخذ باعتقاده بخلاف ما إذا لم يتحر وعلى هذا لو صلى في ثوب عنده أنه نجس فإذا هو طاهر أو على أنه محدث أو أن الوقت لم يدخل فظهر أنه متوضئ وأن الوقت دخل فإنه لا يجزئه هذا كله إذا وقع تحريه على شيء فإن لم يقع قيل: يؤخر وقيل: يصلي إلى الجهات الأربع قال في الظهيرية: ولو صلى مع ذلك إلى جهة جاز أصاب أو لا واختلف المتأخرون فيما إذا صلى إلى الجهات الأربع
стр. 177
وإذا أخطأ لم يعد وإن علم به في صلاته استدار ولو تحرى قوم جهات وجهلوا حال أمامهم يجزئهم ....
ــ
فتحول رأيه إلى الجهة الأولى قيل: يتم وقيل: يستقبل ولو تذكر أنه ترك سجدة من الأولى فسدت كما في البغية (وإن أخطأ لم يعد) لأنه أتى بما أمر به بخلاف ما إذا صلى في ثوب أو توضأ بماء على ظن طهارته فإذا هو نجس حيث يعيد لترك المأمور به أعني الصلاة على طهارة وفي الطاهر.
(وإن علم به) أي بالخطأ (في صلاته استدار) لأنه تبدل الاجتهاد كالنسخ وقد روي أن أهل قباء لما علموا بنسخ القبلة في صلاتهم استداروا وكلامه شامل لما إذا علم به بعد ما قعد قدر التشهد أو في سجود السهو. اعلم أن مسائل التحري تنقسم باعتبار القسمة العقلية إلى عشرين قسما لأنه إما أن لا يشك ولا يتحرى أو شك وتحرى أو لم يتحر أو تحرى بلا شك وكل وجه على خمسة لأنه إما أن يظهر صوابه أو خطؤه في الصلاة أو خارجها أو لا يظهر أما الأول فإن ظهر خطؤه استقبل مطلقا أو صوابه قبل الفراغ قيل: هو كذلك لأنه قوى حاله والأصح لا ولو بعده أو لم يظهر كان أكبر رأيه الإصابة فكذلك لا يستقبل وحكم الثاني في الصحة في الوجوه كلها كما في الكتاب وحكم الثالث الفساد في الوجوه كلها أو لو أكبر رأيه أنه أصاب على الأصح إلا إذا علم يقينا بالإصابة بعد الفراغ والرابع لا وجود له خارجا.
فرع: تحول رأي المسبوق واللاحق بعد فراغ الإمام فسدت صلاة اللاحق واستدار المسبوق (ولو تحرى قوم) مع إمام (جهات) في ليلة مظلمة وصلى الإمام إلى جهة وكل واحد إلى أخرى والحال أنهم قد (جهلوا حال إمامهم تجزئهم) الصلاة إذا كانوا خلفه لتوجه كل منهم إلى قبلته أعني جهة تحريه قيدنا بكونهم خلفه لأن من تقدم على إمامه تفسد صلاته قال في المعراج: وكذلك لو لم يتم تعيين الإمام بل رأى رجلين يصليان فنوى الاقتداء بواحد لا بعينه وكذا إذا لم يتعين فعل الإمام والله الموفق للصواب.
стр. 178
باب صفة الصلاة
فرضها التحريمة ...
ــ
باب صفة الصلاة
شرط في المشروط بعد بيان الشروط وهي مصدر وصفت الشيء صفة ووصفا إذا كشفت حاله وأجليت شأنه قيل: لا فرق بين الوصف والصفة لغة والمتكلمون فرقوا فجعلوا الوصف ما قام الواصف والصفة ما قام بالموصوف وجوز في فتح القدير ثبوت هذا الفرق لغة أيضا إذ لا شك في أن الوصف مصدر وصفه إذا ذكر ما فيه والصفة هي ما فيه ولا ينكر أن يطلق الوصف ويراد به الصفة بهذا اندفع قول العيني: ليت شعري من أين للمتكلمين التخصيص إذ كل منهما مصدر يصح أن يتصف به الفاعل والمفعول على أنه لا مشاحة في الاصطلاح وهي هنا بمعنى الكيفية المشتملة ععلى فرض وواجب وسنة ومندوب لاشتمال الباب على الكل وهذا أولى من قوله في الفتح المراد بالصفة هنا الأوصاف النفسية لها وهي الأجزاء العقلية الصادقة على الخارجية التي هي أجزاء الهوية من القيام الجزئي والركوع والسجود فتدبر.
(فرضها التحريمة) أي التكبيرة الأولى سميت بذلك لأن بها تحرم الأمور المباحة قبلها دون غيرها والتحريم جعل الشيء محرما والتاء لتحقيق الاسمية أو للوحدة وعبر بالفرض المفسر بما لا بد منه الشامل للركن والشرط بجعله التحريمة والقعدة من صفتها وهما شرطان لاتصالهما بالأركان أما القعدة فستأتي وأما التحريمة ففيها روايتان والأصح أنها شرط واختار الطحاوي وغيره رواية الركنية قيل: الأول قولهما والثاني قول محمد وأثر الخلاف يظهر في أن بطلان الوصف هل يوجب بطلان الأصل قالا: لا يوجبه وقال محمد يوجبه وفيما إذا شرع في الظهر قبل الزوال فلما فرغ من التحريمة زالت الشمس جاز عندهما خلافا له كذا في السراج وهو سهو والحق ما في الشرح: لو شرع فيه قبل ظهور الزوال فظهر قبل فراغه منها ويظهر أيضا في بناء النفل على الفرض فإنه جائز بإجماع أصحابنا كذا في الشرح لكن مع الكراهة في السراج وأراد إجماع القائلين بأنها شرط إما بناء على الفرض على مثله فجوزه أبو اليسر والظاهر خلافه بل حكى في السراج الإجماع على عدم صحته ولا خلاف في جواز بناء النفل على النفل والنفل والفرض عليه. واعلم أنه يشترط في التحريمة كونه قائما حتى لو وجد الإمام راكعا فكبر إن كان إلى القيام أقرب صح وإلا لا، ولو أراد بها تكبير الركوع لفت نيته وقالوا: يكتفى من الأخرس
стр. 179
والقيام والقراءة والركوع والسجود ...
ــ
والأمي بالنية ولا يلزمهما تحريك اللسان هو الصحيح لأن الواجب حركة بلفظ مخصوص فإذا تعذر نفس الواجب لا يحكم بوجوب غيره إلا بدليل وأقول: ينبغي أن يشترط القيام في نيتهما لقيامهما مقام التحريمة وإن تقديمها لا يصح ولم أره لهم وأما باقي التكبيرات فقال في طلاق الفتح: إنه يحرك لسانه بها كالقراءة انتهى وكأن الفرق أن تكبيرة الإحرام لها خلف هو النية بخلاف غيرها.
(والقيام) هو استواء النصف الأعلى وحده أن يكون بحيث لو مد يديه إلى ركبتيه لا ينالهما ويكره على أحد القدمين إلا لعذر وقد يترك وجوبا في مسائل وجوازا في أخرى منها لو كان به جرح لو سجد لسال أو أدمى وهو قاعد ولو قائما جاز والأول أولى ومنها شيخ لا يقدر على القراءة قائما ويقدر عليها قاعدا ولو صلى في الفصلين مع الحدث أو قائما وترك القراءة لم يجز ومنها لو كانت بحيث لو صلت قائمة انكشف عن عورتها ما يمنع الصلاة ولو قاعدة لا تعين القعود ولو كان الثوب يغطي جسدها وربع رأسها فتركت تغطية الرأس لم يجز ولو أقل من الربع جاز كما في الشرح ومنها لو كان بحيث لو صلى قاعدا قدر على الصوم وقائما لا رجح في المجتبى أنه يصلي قاعدا مع الإمام لكن الفتوى أنه يصلي في بيته قائما كما في الخلاصة (والقراءة) للأمر بها في النص وعلى ذلك انعقد الإجماع خلافا لمن شذ وهما ركن زائد لسقوطه في بعض الصور من غير ضرورة للمقتدي واعترض بأن بيان تسميته ركنا وزائدا تدافعا وأجيب بأنه ركن باعتبار أن انتفاءه يوجب انتفاء الماهية في حالة وزائد لقيامها بدونه في أخرى فمعنى الزائد هو الجزء الذي إذا انتفى كان الحكم المركب باقيا بحسب الشرع وهذا قد يكون باعتبار الكيفية كالإقرار في الإيمان أو الكمية كالأقل في المركب من الأكثر حيث يقال للأكثر: حكم الكل ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يسقط بلا ضرورة ليلزم كونه زائدا وسقوطه فيما مر لضرورة الاقتداء ومن هنا ادعى ابن الملك أنه أصلي ولو سلم فلا تلزم زيادته ألا ترى أن غسل الرجلين يسقط بالمسح بلا ضرورة فالأولى أن يقال: الزائد هو الساقط في بعض الأحوال بخلاف الأصلي.
(والركوع) وهو انحناء الظهر وفي منية المصلي أنه طأطأة الرأس ومقتضى الأول أنه مع القدرة لا يخرج بالطأطأة عن العهد قال الحلبي: وهو حسن (والسجود) للأمر بهما وهو وضع بعض الوجه على الأرض بما لا سخرية فيه فيدخل الأنف وخرج
стр. 180
والقعود الأخير قدر التشهد والخروج بصنعه ...
ــ
الحد والذقن والصدع ووضع إصبع واحدة من القدمين شرط وعرفه بعضهم بوضع الجبهة قال في البحر: وليس بصحيح لما سيأتي من أن الاقتصار على الأنف كاف عند الإمام وإن كان الفتوى على قولهما وأنت خبير بأن التعريف حيث جاء على الراجح فلا وجه لدعوى عدم صحته.
(والقعود الأخير) للإجماع وهو (مقدار التشهد) إلى قوله عبده ورسوله هو الأصح للعلم بأن شرعيته لقراءته وهذا أقل ما ينصرف إليه اسم التشهد عند الإطلاق لكن ما شرع لغيره كيف يكون آكد من ذلك الغير فالأولى أن يقال: إن سبب شرعيته الخروج وفي الولوالجية ما يفيد أن الموالاة وعدم الفاصل فيه غير شرط حيث قال: صلى أربعا فلما جلس جلسة خفيفة ظن أنها ثالثة فقام ثم تذكر فجلس وقرأ بعض التشهد جازت صلاته وإلا فسدت واختلف في ركنيته وفي البدائع الصحيح أنه ليس بركن أصلي وهذا يقتضي أنه زائد إلا أن الظاهر شرطيته لقولهم: لو كان ركنا لتوقفت الماهية عليه لكنها لا تتوقف عليه فإن من حلف لا يصلي يحنث بالرفع من السجود دون توقف على القعدة فعلم أنها شرعت للخروج وهذا لأن الصلاة أفعال وضعت للتعظيم وليس القعود كذلك.
(والخروج) من الصلاة (بصنعه) بقول ولو لفظ السلام أو فعل ينافي الصلاة بعد إتمامها وإن كره تحريما لترك السلام إذ تعيينه إنما هو واجب والفرض مطلق الخروج عند الإمام خلافا لهما وهذا قول البردعي أخذا من الاثني عشرية لمعنى آخر سيأتي قيل: وأثر الخلاف على تخريج البردعي يظهر فيما لو سبقه حدث في الأخير بعد ما قعد منه قدر الفرض تمت صلاته عندهما لا عنده حتى يتوضأ ويخرج منها بمناف هو السلام فلو لم يفعل حتى أتى بمناف آخر فسدت عنده كذا في المنية وشرحها وهذا يقتضي تخصيص المنافي بالسلام وقد علمت أنه أعم.
تكميل: بقي من الفرائض إتمامها والانتقال من ركن إلى آخر كما عده بعضهم قيل: لأن الأمر بالصلاة يوجب ذلك إذ لا وجود لها بدون إتمامها واعلم أنه هل يشترط لصحة هذه الفرائض الاستيقاظ؟ فرجحوا في القراءة اشتراطه كما في المحيط
стр. 181
وواجبها قراءة الفاتحة وضم سورة وتعيين القراءة في الأولتين ورعاية الترتيب في فعل مكرر ..
ــ
وغيره حتى لو قرأ نائما لا يجزئه واختار الفقيه الإجزاء قال في الفتح: وهو الأوجه إذ الاختيار المشروط قد وجد ابتداء وهو كاف ألا ترى أنه لو ركع وسجد ذاهلا عن فعله كل الذهول تجزئه قال في البحر: وهذا يفيد أنه لو ركع وسجد نائما يجزئه والمنصوص عليه أنه لا يجزئه قال في المبتغى: لو ركع وهو نائم لا يجوز إجماعا وعرف من هذا جواز القيام نائما وإن نص بعضهم على عدمه وأما القعدة الأخيرة ففي منية المصلي أنه لا يعتد بها وفي جامع الفتاوى يعتد بها وعلله في التحقيق الأصولي بأنها ليست بركن ومبناها على الاستراحة فيلائمها النوم ثم لا يخفى أن في قولهم: لو ركع نائما إيماء إلى أنه لو ركع فنام أجزأه وأن ما في السراج والمحيط لو أتى النائم بركعة تامة فسدت صلاته لأنه زاد ركعة غير معتد بها مبني على اختيار فخر الإسلام في القراءة وأن القيام منه غير معتد به.
(وواجبها قراءة الفاتحة) للمواظبة وسيأتي أنها سنة في الأخيرين من الفرض واجبة في الكل من ركعات الوتر والنفل والعيدين وقالوا: لو ترك أكثرها سجد للسهو لا إن ترك أقلها ولم أر لهم ما إذا ترك النصف ولو خاف فوت الوقت لو قرأ الفاتحة والسورة قرأ في كل ركعة آية في جميع الصلوات إن خاف فوت الوقت في الزيادة كذا في القنية (وضم) أقصر (سورة) وما يقوم مقامها وهو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة في الأوليين بعد الفاتحة وفي المجتبى قال أصحابنا: لو ترك الفاتحة يؤمر بها بالإعادة ولو ترك السورة لا ورده في البحر بأنه لا فرق بين واجب وواجب وأومأ بالضم إلى أن تقدم الفاتحة واجب فلو قرأ حرفا في السورة قبلها ساهيا سجد للسهو ولو كرر ما قبل السورة ساهيا سجد للسهو كما رجحه في المجتبى وغيره (وتعيين القراءة في) الركعتين (الأولتين) من الفرض,
(ورعاية الترتيب في فعل مكرر) في كل ركعة كذا في الكافي زاد الشارح في
стр. 182
...
ــ
جميع الصلاة كعدد الركعات حتى لو نسي سجدة من الأولى وقضاها في آخر الصلاة جاز كذا وفي ما يقضيه المسبوق بعد سلام الإمام أول صلاته عندنا ولو كان الترتيب فرضا لما جاز ورده في البحر بأن ما يقضيه المسبوق أول صلاته حكما لا حقيقة وأيضا ليس هو أولها مطلقا بل في حق القراءة وآخرها في حق التشهد ولا يصح أن يدخل تحت الترتيب الواجب إذ لا واجب عليه ولا نقص في صلاته وأقول: هذا وهم إذ الترتيب بين الركعات ليس إلا واجبا قال في الفتح: إلا أنه سقط حق المسبوق لضرورة الاقتداء وما في الشرح مأخوذ من الخبازية والنهاية وعليه جرى في الدراية والفتح.
قيدت بالمتكرر لأن رعاية ما لا يتكرر في كل ركعة فرض كذا في الكافي إلا أنه في سجود السهو منه قال: لو قدم ركنا بأن ركع قبل أن يقرأ أو سجد قبل أن يركع سجد للسهو لأن مراعاة الترتيب واجبة عندنا وفيه تناقض ظاهر وبه استدل صدر الشريعة على أن قيد التكرار لا مفهوم له كما أنه واجب بين ما لا يتكرر كالركوع والقراءة قال: ويخطر ببالي أنه احتراز عما لا يتكرر فيها على سبيل الفريضة وهو التحريمة والقعدة فإن الترتيب في ذلك فرض وأجيب عن التناقض بأن معنى فرضية الترتيب هنا توقف صحة الثاني على وجود الأول حتى لو ركع بعد السجود لم يعتد إجماعا فيعيد السجود ومعنى وجوده أن الإخلال به لا يفيد الصلاة إذا أتى به والحاصل أن الترتيب بين ما يتعدد في كل ركعة أو في كل الصلاة واجب وبين المتحد في كل الصلاة كالقعدة وجميع ما سواه فرض حتى لو تذكر بعد القعود قبل السلام أو بعده قبل أن يأتي بمناف ركعة أو صلبية أو تلاوية أتى بها وأعاد القعدة وسجد للسهو ولو ركوعا قضاه في مع ما بعده من السجود أو قياما أو قراءة صلى ركعة وكذا بين المتحد في كل ركعة كالقيام والركوع فما في النهاية من أن الترتيب غير شرط بين ما يتعدد في كل الصلاة أو يتحد في كل ركعة وبين ما يتعدد في كل ركعة ليس على الإطلاق بل بين السجود والمتحد في كل ركعة تفصيل إن كان سجود ذلك الركوع بأن يكون من ركعة فالترتيب شرط وإن كان ركوعا من الركعة وسجودا من أخرى بأن تذكر في سجدة ركوع ركعة قبل ركوع هذه السجدة قضى الركوع وسجدتيه وإن كان على القلب بأن تذكر في الركوع أنه لم يسجد قبلها سجدها وهل يعيد الركوع والسجود المتذكر فيه ففي الخانية نعم لارتفاضه بالعود وفي الهداية أنه مندوب فقط.
стр. 183
وتعديل الأركان والقعود الأول والتشهد ولفظ السلام وقنوت الوتر ..
ــ
(وتعديل الأركان) وهو تسكين الجوارح حتى تطمئن مفاصله وأدناه قدر تسبيحة هذا تخريج الكرخي وهو الصحيح وعلى تخريج الجرجاني هو سنة وقال الثاني: هو فرض ونقله الطحاوي عن الثلاثة قال العيني: وهو المختار إلا أن الذي نقله الجم عنهما ما سمعت على أن خلاف الثاني لم يذكر في ظاهر الرواية وعبارته في الأسرار قال علماؤنا: الطمأنينة في الركوع والسجود وفي الانتقال من ركن إلى ركن ليس بركن وكذلك الاستواء بين السجدتين وبين الركوع والسجود وحمل في الفتح قول الثاني على الفرض العملي وعليه حمل في البحر ما نقله الطحاوي فيما رحجه العيني لغرابته لم أر من عرج عليه حتى أوله بين العصريين بالمختار من قوليه.
(والقعود الأول) للمواظبة وما صححه الترمذي من "أنه ﵊ سهى عنه فلم يعد إليه" واختار الكرخي والطحاوي استنانه والأول أصح قال في البدائع: وأكثر ما شيخنا يطلقون اسم السنة إما لأن وجوده عرف بها أو لأن المؤكدة في معنى الواجب وهذا يقتضي رفع الخلاف وأراد بالأول ما ليس بآخر إذ المسبوق بثلاث في الرباعية يقعد ثلاث قعدات والواجب منها ما عدا الأخيرة وسيأتي أنها قد تكون أكثر لكن يرد عليه ما في الفتح من سبق الحدث لو استخلف المسافر مقيما حين سبقه الحدث كانت القعدة الأولى فرضا في حقه وقد يجاب بأن هذا عارض وقراءة التشهد في كل القعدات في ظاهر الرواية استحسانا وهو الصحيح وقيل: سنة ولا خلاف في وجوبه الأخيرة خلافا لما في شرح ابن عوف ووقع في بعض نسخ الوقاية.
(والتشهد) وعبارة المصنف أولى قال أبو الليث في خزانته: وأكثر ما يقع في الصلاة عشر مرات كمن أدرك الإمام فيه في المغرب ثم تشهد معه الثالثة وعليه سهو فسجد معه وتشهد ثم تذكر سجود تلاوة فسجد معه وتشهد ثم سجد للسهو وتشهد معه وقد بقي عليه ركعتان بتشهدين فيما يقضي ووقع له ما وقع في الأول (و) إصابة (لفظ السلام) للمواظبة وأفاد عليكم ليس منه كالتحويل يمينا وشمالا ولذا لو اقتدى به بعد لفظ السلام قيل: قوله عليكم لا يصح (و) قراءة (قنوت الوتر)
стр. 184
وتكبيرات العيدين والأسرار فيما يجهو ويسر وسننها رفع اليدين للتحريمة ونشر أصابعه
ــ
وهو مطلق الدعاء وإما خصوص اللهم إنا نستعينك فسنة فقط حتى لو أتى بغيره جاز إجماعا.
(وتكبيرات العيدين) الزوائد الآتية في بابه هو الأصح للإضافة ولذا لم يقل القنوت للوتر والتكبيرات للعيدين وهو إما للفرض أو للوجوب والأول منتف فتعين الثاني ونوزع بأنها ليست من الشارع فلا تصبح مثبتة واعلم أن تكبير الركوع من الركعة الثانية منه ومن الثالثة في الوتر واجب نبه عليه الشارح في السهو ولفظ التكبير في العيدين واجب كما في المستصفى وسيأتي ما فيه (والإسرار فيما يجهر) فيه (ويسر) لف ونشر مرتب للمواظبة واجبان اعتمادا على ما سيأتي.
(وسننها رفع اليدين للتحريمة) لأنه ﵊ كان يفعله ولو تركه يأثم وقيل: لا وعن الإمام ما يدل عليه وقال الصفار إن اعتاده أثم لا إن كان أحيانا وفي الخلاصة: وهو المختار وقال في الفتح: وينبغي أن يكون شقي هذا القول محمول على القولين فلا خلاف حينئذ ولا إثم لنفس الترك بل لأن اعتياده للاستخفاف وإلا فمشكل أو يكون واجبا انتهى وهو مبني على إناطة الإثم بترك الواجب فقط قال في البحر: والذي يظهر من كلامهم أنه قد يكون بترك السنة أيضا فقد رجحوا الإثم بترك السنن الصلوات والجماعة ولا ينكر بأنه مقول بالتشكيك على معنى أنه في الواجب أشد من ترك السنة ومن نفاه جعله من الزوائد بمنزلة المندوب أقول: ويؤيده ما في الكشف الكبير معزيا إلى أصول أبي اليسر حكم السنة أن يندب إلى تحصيلها ويلام على تركها مع لحوق إثم يسير وكون الاعتبار للاستخفاف يوجب إثما فقط فيه نظر ففي البزازية لو لم ير السنة حقا كفر لأنه استخفاف (ونشر أصابعه) لأنه ﵊ كان إذا كبر رفع يديه ناشرا أصابعه. وكيفيته أن لا يضم كل الضم ولا يفرج كل التفريج بل ينزلها على حالها كذا في الشرح وفي المعراج معنى النشر في الحديث النشر على الطي بأن لم يجعلها فيما يضم الأصابع إلى الكف قال شيخ الإسلام: وظن بعضهم أن المراد به التفريج
стр. 185
وجهر الإمام بالتكبير والثناء والتعوذ والتسمية والتأمين سرًا ووضع يمينه على يساره تحت سرته وتكبير الركوع والرفع منه وتسبيحه ثلاثًا وأخذ ركبتيه بيديه وتفريج أصابعه وتكبير السجود وتسبيحه ثلاثًا
ــ
وهو غلط بل أراد به النشر عن الطي يعني يرفعهما منصوبتين لا مضمومتين حتى تكون الأصابع إلى القبلة انتهى وهذا المعنى نبه عليه الشارح بعد في قوله وركع.
(وجهر الإمام بالتكبير) بقدر الحاجة لاحتياجه إلى الإعلام بالدخول والانتقال قيد بالإمام لأن المأموم والمنفرد لا يجهران به لعدم الحاجة إليه (والثناء والتعوذ والتسمية والتأمين سرًا) نصب على المصدرية أي: تسر سرًا على معنى يسرها المصلي سرًا وهو قيد في الأربعة (ووضع يمينه على يساره تحت سرته) لقول علي كرم الله وجهه: من السنة وضع اليمين على اليسار تحت السرة.
(وتكبير الركوع) لأنه ﵊ (كان يكبر عند رفع وخفض) (والرفع منه) بالرفع عطف على التكبير لا بالجر لاقتضائه التكبير عند الرفع وليس بالسنة وهذا عندهما وقال الثاني: فرض وهو رواية عن الإمام والصحيح الأول (تسبيحه) أي: الركوع (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات بيان لأدناه كما سيأتي (وأخذ ركبتيه بيديه) في الركوع (وتفريج أصابعه) لحديث أنس: (إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين أصابعك).
(وتكبير السجود) لما روينا قال الشارح: ولو قال: والرفع منه لكان أولى لأن التكبير عند الرفع منه وكذا الرفع نفسه سنة انتهى وجوابه أنه استغنى عن ذلك بقوله بعد: والقومة أي: من السجود والجلسة أي: بين السجدتين وبه تندفع دعوى التكرار بناء على أن المراد بالقومة القومة من الركوع على أن في استفادة الحكمين المذكورين من قوله: والرفع نظرًا لأنه إن كان مرفوعًا عطفًا على التكبير أفاد سنية الرفع أو مجرورًا عطفًا على السجود أفاد سنية التكبير عند الرفع وعن الإمام أنه فرض وجه الظاهر أن الانتقال المقصود يتحقق بدونه بأن يسجد على وسادة ثم تنزع لكن هذا لا يتم إلا على قول من لم يشترط الرفع (وتسبيحه) أي: السجود (ثلاثًا) لقوله ﵊: (إذا سجد أحدكم فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاثًا).
стр. 186
ووضع يديه وركبتيه وافتراش رجله اليسرى ونصب اليمنى والقومة والجلسة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء وآدابها نظره إلى موضع سجوده
ــ
(ووضع يديه وركبتيه) على الأرض حال السجود لما سيأتي (وافتراش رجله اليسرى ونصب اليمنى) عند جلوسه للتشهد لأنه ﵊ فعل كذلك (والقومة والجلسة) وهذا أعني استنان القومة بين الركوع والسجود قولهما وقال الثاني: فرض قال في (فتح القدير): وينبغي أن تكونا واجبتين للمواظبة ولعله كذلك عندهما ففي (الخانية) المصلي إذا ركع لم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا/ تجزئه صلاته عند أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو وقدمنا عنه حمل قول الثاني بالفرضية على الفرض العملي فيرتفع الخلاف انتهى، وأنت خبير بأن صحة رفع الخلاف موقوفة على أن يراد بالواجب على قولهما أقوى نوعيه وهو ما يفوت الجواز بفوته لكنه لا يفوت على قولهما ويفوت على قوله فأنى يرتفع وقد صرح في السهو بذلك حيث قال: لو ترك القومة والجلسة فسدت صلاته عند أبي يوسف خلافًا لهما نعم ذكر كثير أنها واجبة تجبر بالسهو كما في (الخانية).
ففي (المجتبى) عن صدر القضاة إتمام الركوع، وإكمال كل ركن واجب عندهما وعند أبي يوسف فرض وكذلك رفع الرأس من الركوع والانتصاب والقيام والطمأنينة فيه فيجب أن يكمل الركوع حتى يطمئن كل عضو منه وكذا السجود، ولو ترك شيئًا من ذلك ساهيًا يلزمه سجدتا السهو وعامدًا يكره أشد الكراهة ويلزمه أن يعيد الصلاة وفي (المحيط) لو ترك القومة بين الركوع والسجود ساهيًا يلزمه سجود السهو قال ابن أمير حاج: وهذا هو الصواب.
(والصلاة على النبي ﷺ ) في القعدة الأخيرة وقد حكى غير واحد إجماع المتقدمين والمتأخرين على عدم وجوبها فيها وإن من قال بذلك لا سلف له وسيأتي الكلام على أقسامها وأحكامها (والدعاء) لنفسه ولوالديه المؤمنين ولجميع المؤمنين بعد التشهد لما حسنه الترمذي مرفوعًا قيل: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ قال: (جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة) بناء على أن المراد بالدبر ما قبل الفراغ منها كما قال بعضهم: ويصح أن يراد به عقبه وهذا عندنا محمول على صلاة لا سنة بعدها على خلاف فيه سيأتي مبينًا إن شاء الله تعالى.
(وآدابها نظره إلى موضع سجوده) في القيام وفي الركوع إلى ظهر قدميه وفي
стр. 187
وكظم فمه عند التثاؤب، وإخراج كفيه من كميه عند التكبير، ودفع السعال ما استطاع، والقيام حين قيل حي على الفلاح، وشروع الإمام مذ قيل قد قامت الصلاة.
ــ
السجود إلى أرنبة أنفه وفي القعود إلى حجره وعند التسليمة الأولى إلى منكبه الأيمن وعند الثاني إلى منكبه الأيسر وبهذا علمت ما في كلامه من القصور وإيهام خلاف المقصود (وكظم فمه) أي: ضم بعضه إلى بعض المراد سده (عند التثاؤب) ليندفع به خوفًا من ضحك الشيطان منه بفعله كما أخبر به ﵊ وكأنه لما فيه من التكاسل فيما محله النشاط والخضوع قال في (القاموس): تثاءب أصابه كسل وفترة كفترة النعاس فإن لم يقدر غطاه بيده أو كمه واعلم أنه ﷺ محفوظ من التثاؤب كما في (تاريخ البخاري) (ومصنف أبي شيبة) زاد الثاني أن ذلك عام في الأنبياء ذكره ابن حجر المكي في (شرح الشمائل).
(وإخراج كفيه من كميه عند التكبير) لأنه أقرب إلى التواضع إلا لنحو برد (ودفع السعال ما استطاع) لأنه أجنبي عن الأفعال وإلا فسد حيث لا عذر (والقيام) أي: قيام المصلي ولو إمامًا (حين قيل: حي على الفلاح) مسارعة لامتثال الأمر هذا إذا كان الإمام بقرب المحراب فإن لم يكن وقف كل صف انتهى إليه الإمام على الأصح كذا في (الخلاصة) وفي (الشرح) وهو الأظهر ولو دخل من أمامهم قاموا حين يقع بصرهم عليه هذا إذا كان الإمام غير المؤذن فإن اتحدوا قام في المسجد أجمعوا على أن القوم لا يقومون ما لم يفرغ من الإقامة وإن خارجه قام كل صف ينتهي إليه.
(وشروع الإمام مذ قيل قد قامت الصلاة) عندهما وقال الثاني: إذا فرغ من الإقامة محافظة على فضيلة إجابتهما ولهما إن قد هنا للتحقيق فيسرع صونًا لكلام الأمين عن الكذب والمتابعة في الأذان لا في الإقامة كذا في (الشرح) ونظر فيه في (البحر) بما سبق من أنها مندوبة مع أنه قدم أيضًا أنه لا إجابة فيها كما في (الشرح) وهو أحق لما أنها تفوت هذه الفضلية ولو شرع بعد فراغه منها فلا بأس به إجماعًا كذا في (الظهيرية).
стр. 188
فصل
وإذا أراد الدخول في الصلاة كبر، ورفع يديه حذاء أذنيه
ــ
فصل
هو لغة الحاجز مصدر إما بمعنى الفاعل كرجل عدل أي: فاصل عما ذكر قبله وبعده أو بمعنى المفعول أي: مفصول عما قبله فإذا قلت في كذا رفعته على الخبرية بمحذوف منونًا أو ساكنًا للوقف وعرفًا طائفة من المسائل داخلة تحت كتاب: (وإذا أراد الدخول في الصلاة) أي صلاة كانت (كبر) إن كان قادرًا على ما سبق قال في (الفتح): ولا يجوز قبل الإمام ولو مده ففرغ الإمام قبله أو كبر غير عالم بذلك جاز على قياس قولهما لا على قياس قول أبي يوسف انتهى وقوله ففرغ الإمام قبله سبق قلم والصواب ففرغ المقتدي قبله ليتأتي الخلاف كما في (التجنيس) ومبنى الخلاف على أنه عند الإمام ومحمد لو قال الإمام الله ولم يزد على ذلك يجوز فكذا إذا كان قول المقتدي قبل فراغ/ الإمام لأن افتتاحه مع افتتاح الإمام لكن في (الخانية) لو وقع قول المقتدي أكبر قبل الإمام فالأصح أن لا يكون شارعًا عندهم وكذا لو أدركه في الركوع وكان قوله الله في قيامه وأكبر في ركوعه، وأجمعوا على أنه لو فرغ من قولة الله أكبر قبل فراغ الإمام لا يكون شارعًا في أظهر الروايات انتهى. واختلفوا في شروعه في صلاة نفسه بذلك والأصح أن لا يكون شارعًا كذا في (السراج) وقوله أو كبر غير عالم حينئذ سهو بل الحكم في المسألة كما في (المحيط) وغيره إن كان أكبر رأيه أنه كبر قبله لا يجزئه وإلا أجزأه. (ورفع يديه حذا أذنيه) أي: قريبًا من أذنيه وكان المراد القرب التام ولذا عبر صدر الشريعة بالمماسة وإطلاقه يفيد أن لا فرق بين الرجل والمرأة لكن هذا في رواية الحسن والأصح أنها ترفع إلى منكبيها قال في (البحر): ولا فرق على الروايتين بين الحرة والأمة انتهى.
وأقول: إن المذكور في (السراج) أن الأمة كالرجل في الرفع وكالحرة في الركوع والسجود والقعود وسكت عن وقت الرفع واختار في (الخانية) (والخلاصة) (والتحفة) (والبدائع) (والمحيط) قرانه في التكبير بأن يبدأ عند بدايته ويختم به عند ختمه وعزاه البقالي إلى أصحابنا جميعًا واختار في (البداية) أنه يرفع أولاً ثم يكبر قال السرخسي: وهذا قول أكثر المشائخ وفي (الفتح) وغيره وهو قول عامة علمائنا وثمن قول ثالث وهو أنه بعد التكبير والكل مروي عنه ﵊ وما في (الهداية) أولى ولو لم يرفع حتى فرغ منه فات محله وينبغي أن يأتي به على
стр. 189
ولو شرع بالتسبيح أو بالتهليل أو بالفارسية صح
ــ
القول الثالث ما لم يطل الفصل وإذا لم يمكنه الرفع إلا بالزيادة على المسنون أو بأحدهما فعله.
(ولو شرع في صلاته بالتسبيح أو بالتهليل) أراد غير التكبير مما يدل على التعظيم خاصًا كان أو مشتركًا وخصه قوم بالخاص. وأما المشترك كالرحيم فلا وجزم به في (الخانية) إلا أنه في (المجتبى) قال: الأصح هو الصحة بكل اسم من أسمائه تعالى كذا ذكر الكرخي وأفتى به المرغيناني، والخلاف مقيد بما إذا لم يقرنه بما يزيل الاشتراك أما إذا قرنه به كالرحيم بعباده صح اتفاقًا كما أنه لو قرنه بما يفسدها لا يصح اتفاقًا كالعالم بالموجود والمعدوم وبأحوال الخلق كما أشار إليه البزازي وسكت المصنف عن الكراهة. قال السرخسي: والأصح عدمها وإن لفظ التكبير إنما هو أولى فقط ورجح غيره إثباتها وهو الأولى وقد ذكره في (التجريد) مرويًا عن الإمام كذا في (الفتح).
وفي (المستصفى): لو شرع بغير التكبير ساهيًا لا سجود عليه إلا في افتتاح صلاة العيد وخصه كأنه لما في صلاته من زيادة التكبير لكن في (فتح القدير): الثابت بالخبر اللفظ أي: الله أكبر فيجب العمل به حتى يكره لمن يحسنه تركه كما قلنا في القراءة مع الفاتحة وفي الركوع مع السجود ومع التعديل كذا في (الكافي) وهو يفيد وجوبه ظاهرًا؛ إذ هو يقتضي المواظبة التي لم تقترن بترك فينبغي أن يعول على هذا انتهى وفيه فائدتان: الأولى أن الخلاف إنما هو في كراهة التحريم الثانية أن هذا الحكم عام في كل صلاة عيد كانت أو غيره لكني أقول: في إيجابه على القول بشرطية التحريمة إشكال نعم هو على القول بركنيتها بين ولم أر من تعرض لهذا فتدبره وخصه الثاني بالمعرف والمنكر زاد في (الخلاصة) والله الكبار مخففًا ومثقلاً كطوال وطوال والصحيح قولهما كما في (التحفة) وغيرها ولو اقتصر على المبتدأ قيل: جاز عند الإمام وفي (التجريد): هذا رواية الحسن وبشر عن الثاني وظاهر الرواية أنه لابد من الخبر لأن التعظيم الذي بمعنى التكبير حكم على المعظم وأثر الخلاف يظهر فيما لو طهرت لعشرة وفي الوقت ما يسع المتبدأ فقط وجبت الصلاة عليها في رواية الحسن وفي ظاهر الرواية لا لكن في (عقد الفرائد) قال: الفتوى على الوجوب وفيما إذا وقع الاسم مع الإمام والصفة قبله كما مر كان شارعًا في رواية الحسن لا على الظاهر وينبغي أن تظهر فيما سبق أيضًا من أنه لو أدركه في الركوع فأوقع الاسم قائمًا والصفة فيه حيث يصير شارعًا في رواية الحسن لا على الظاهر (أو بالفارسية) أراد بها غير العربية (صح) عند الإمام وشرطا عجزه في رواية الحسن وعلى
стр. 190
كما لو قرأ بها عاجزًا أو ذبح وسمى بها، لا باللهم اغفر لي
ــ
هذا الخلاف الخطبة والقنوت والتشهد والتعوذ وتسبيحات الركوع والسجود والصلاة على النبي ﷺ والاستغفار وقالوا في الأذان: يعتبر التعارف إلا أنه في أذان (السراج) قال: الأصح أنه لا يصح وإن عرف أنه أذان. (كما لو قرأ بها) القرآن/ (عاجزًا) شرطه دلالة على أنها مع القدرة لا تجوز وهو الذي رجع إليه الإمام كما رواه نوح بن أبي مريم والرازي وهو الأصح وهذا أولى من قول الشارح ليصح بالإجماع قيد بالفارسية لأنه لو قرأ التوراة والإنجيل والزبور لم يجز عاجزًا كان أو قادرًا قال في (الهداية): والخلاف في الإجزاء بالفارسية ولا خلاف في عدم الفساد وهذا يخالف ما ذكره النسفي وقاضي خان من أنها تفسد عندهما واختار في (فتح القدير) أن المقروء إن كان قصصًا أو أمرًا أو نهيًا فسدت وإن ذكرًا أو تنزيهًا لا. أقول: وينبغي أن يكون شقي هذا القول محمول على القولين ويشهد بهذا الاختيار ما في (الخلاصة) من زلة القارىء لو أبدل كلمة من القرآن بأخرى تقاربها في المعنى إن من القصص ونحوها فسدت وإن حمدًا أو تنزيهًا أو ذكرًا لا وقالوا: لو قرأ بالشاذ لا تفسد اتفاقًا وفي (الظهيرية) لو قرأ ما ليس في مصحف العامة كقراءة ابن مسعود وأبي فسدت عند الثاني والأصح أنها تفسد وفي قول شمس الأئمة تفسد وأول الفساد في (المحيط) بما إذا اقتصر عليه.
قال في (البحر): وما سبق من الحمل يأتي هنا وعندي بينهما فرق وذلك أن الفارسي مع القدرة على العربي ليس قرآنًا أصلاً لانصرافه في عرف الشرع إلى العربي فإذا قرأ قصة صار متكلمًا بكلام الناس بخلاف الشاذ فإنه قرآن إلا أن في قرآنيته شكًا فلا تفسد به ولو قصة وحكوا الاتفاق فيه على عدمه فما في (المحيط) أوجه (أو ذبح حيوانًا وسمى بها) حيث يصح ولو قادرًا كالتلبية والإسلام واللعان وأداء الشهادة عند الحاكم والعقود بلا خلاف وكذا لو حلف لا يدعو فلانًا فدعاه بالفارسية حنث كذا في (المعراج).
(لا) يصح الشروع فيها (باللهم اغفر لي) ونحوها مما كان خبرًا كلا حول ولا
стр. 191
ووضع يمينه على يساره تحت سرته
ــ
قوة إلا بالله أو ما شاء الله كان واختلف في البسملة ومقتضى ما في (الشرح) ترجيح عدم الصحة معللاً بأنه للتبرك فكأنه قال: بارك الله لي وفي شرح (المنية): وهو الأشبه وفي (السراج): وهو الأصح وفي (فتاوى المرغيناني): إنه الصحيح وخالف صاحب (البحر) جمهور الشارحين فجعل النفي راجعًا إلى الشروع والتسمية على الذبيحة وأقول: المحدث عنه إنما هو الشروع وذكر التسمية ليس إلا تبعًا ولا معنى لإرادة المصنف خصوص اللهم اغقر لي بل كل ما كان خبرًا على ما علمت وقد مر أن الراجح في التسمية عدم الإجزاء وإن رجح الإجزاء بحث أو لا نعلم خلافًا في الإجزاء للذبح فرجوع النفي إلى الشروع أظهر والحاصل أنه إن أريد خصوص اللهم اغفر اتجه ما في (البحر) أو كل ما كان خبرًا اتجه ما في (الشرح) قيد باغفر لي بأنه لو حذفه كان شارعًا في رواية لأنه معناه عند البصري يا الله وهو الأصح كما في (المحيط) ولا يكون شارعًا في أخرى لأن معناه عند الكوفيين يا الله آمنا بخير قال في (الجوهرة): وهو الأصح وهذا يقتضي الاتفاق على الصحة بيا الله.
(ووضع) المصلي (يمينه على يساره) يعني: الكف على الكف ويقال على المفصل قاله العيني وكلامه يحتملهما وفيه إيماء إلى بيان كيفية الوضع فما في (البحر) من أنه لم يبين ذلك لعدم ذكره في الظاهر فيه نظر وعند الثاني يقبض باليمين رسغ اليسرى واختاره الهندواني وقال محمد: يضعهما كذلك يكون الرسغ وسط الكف قال السرخسي: واستحسن كثير من المشايح أخذ الرسغ بالإبهام والخنصر ووضع الباقي ليكون جامعًا بين الأخذ والوضع المرويين في السنة وهو المختار (تحت سرته) إلا المرأة والخنثى المشكل ففوق الصدر وسكت عن أول وقته وظاهر الرواية أنه يضع كما فرغ من التكبير لما أنه سنة لكل قيام فيه ذكر مسنون ولذا قالوا: إنه يضع في الثناء والقنوت وتكبيرات الجنازة بخلاف القومة وتكبيرات العيد قال في (الفتح): وهذا في القومة إنما يتم إذا قيل بأن التحميد والتسميع ليس سنة فيها بل في نفس الانتقال إليها لكنه خلاف ظاهر المنصوص والواقع أنه قل ما يقع التسميع إلا في القيام حالة الجمع بينهما ودفعه في (البحر) بأن كلامهم في قيام له قرار وهذا لا قرار له وزاده في الضابط مستدلاً على ذلك بقول بعضهم أجمعوا أنه لا يسن الوضع في القيام المتخلل بين الركوع والسجود لأنه لا قرار له ولا قراءة فيه
стр. 192
مستفتحًا
ــ
وأقول: في الإجماع نظر فقد ذكر في (السراج) عن النسفي والحاكم والجرجاني والفضلي أنه يعتمد في القومة والجنازة وزوائد العيد وهو المناسب لما حكاه الشارح عن بعضهم/ أنه سنة لكل قيام وحكى شيخ الإسلام في موضع أنه على قولهما يمسك في القومة التي بين الركوع والسجود لأن في هذا القيام ذكرًا مسنونًا وهو التسميع أو التحميد وخص قولهما لما أنه عند محمد سنة القراءة وقولهما هو ظاهر الرواية كما في (السراج) وهذا التعليل في حق المؤتم والإمام في خير المنع بناء على أن التسميع أو التحميد إنما هو سنة حالة الانتقال نعم هو في حق المنفرد بناء على أنه يجمع بينهما مسلم لما أنه يقول ربنا لك الحمد إذا استوى قائمًا في الجواب الظاهر وهو الصحيح كما في (القنية) ولا نسلم أن هذا قيام لا قرار له مطلقًا لقولهم: إن مصلي النافلة ولو سنة يسن له أن يأتي بالأدعية الواردة نحو ملء السموات والأرض إلى آخره بعد التحميد واللهم اغفر لي وارحمني بين السجدتين واعلم أن الحدادي قيد الإرسال فيما ليس فيه ذكر مسنون بما إذا لم يطل القيام أما إذا أطاله فيعتمد وفي (الخلاصة) وكذا يرسل في ظاهر الرواية في كل قيام له ذكر فيه ولا يطول وهذا يقتضي أن يزاد في الضابط السابق أو يطول والله الموفق.
(مستفتحًا) حال من فاعل وضع أي قائلاً سبحانك اللهم وبحمدك فيه إيماء إلى أن الوضع يكون عند الشروع ولو حذف العاطف فعن الإمام أنه صواب وظاهر الرواية أنه يقتصر على المشهور ولم يذكر في المشاهير وجل ثناؤك وقد قال أبو حفص: إنه مكروه وقال مشايخنا: لا يؤمر به ولا ينهى عنه كذا في (المعراج) أطلقه فشمل الإمام والمأموم إلا بالمسبوق إذا كان الإمام يجهر بالقراءة كما صححه في (الذخيرة) كذا في (البحر) والأولى أن يقال: إلا إذا شرع الإمام في القراءة مسبوقًا كان أو مدركًا جهر أو لا لما في (الصغرى).
أدرك الإمام في القيام أو الركوع يثني ما لم يبدأ الإمام بالقراءة وقيل: في المخافتة يثني وإن كان الإمام في القراءة بخلاف الجهرية وفي (البحر) أيضًا: لو أدركه في الركوع تحرى إذ أكبر رأيه أنه لو أتى به أردكه في شيء منه أتى به وإلا لا والسجود كالركوع في غيرهما لا يأتي به وقيل: يأتي به في القعدة وينبغي التفصيل السابق ودل كلامه أنه لا يأتي بدعاء التوجه وعن الثاني أنه يأتي به بادئًا بالثناء في
стр. 193
وتعوذ
ــ
رواية وهو الأصح ومخير في أخرى وأجمعوا أنه يأتي به في النافلة بعد التحريمة في الأصح قائلاً: وأنا من المسلمين فلو قال: وأنا أول المسلمين قيل: فسدت والأصح لا لأنه تال لا مخبر ومعاني الثناء معروفة في المطولات (وتعوذ) لم يقل متعوذًا لاقتضاء كون التعوذ مقارنًا للوضع وليس كذلك بخلاف الاستفتاح وكونها حالاً منتظرة خلاف الأصل وإنما يأتي به للأمر به في الآية والصارف له عن الوجوب إجماع السلف على سنيته كذا في (البحر) معزيًا إلى (الكافي) وفي دعوى الإجماع نزاع فقد روي الوجوب عن عطاء والثوري وإن كان جمهور السلف على خلافه كما في (الفتح) وأبهم صفته لاختلاف اختيار القراء فيها فروي عن حمزة أستعيذ قال في (الهداية): وهو الأولى موافقة لنظم القرآن واختاره الهندواني وقال شيخ الإسلام: إنه المختار وفي (المجتبى): وبه يفتى واختار أبو عمرو وابن كثير وعاصم أعوذ وبه أخذ أصحابنا وأكثر أهل العلم كذا في (المعراج) وجعله الشارح ظاهر المذهب وادعى بعضهم إجماع القراء عليه من حيث الرواية وهذا لأن السين إنما دخلت في الأمر دلالة على طلب الاستعاذة فالقائل أعوذ ممتثل لا أستعيذ لأنه طلب للاستعاذة لا متعوذ ولذا كان أعوذ هو المنقول من استعاذته ﵊ وقول الجوهري عذت بفلان واستعذت به التجأت إليه مردود عليه عند أهل اللسان كذا في (النشر) لابن الجزري ولا ينبغي له أن يزيد عليه نحو إنه هو السميع العليم كما
стр. 194
سرًا للقراءة فيأتي به المسبوق لا المقتدي ويؤخر عن تكبيرات العيدين وسمى سرًا
ــ
روى نافع وغيره (سرًا) حال من فاعل تعوذ ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف بل هو أولى لأن مجيء المصدر المنكر حالاً وإن كثر إلا أنه سماعي وجعله في (البحر) قيدًا في الاستفتاح أيضًا وهو بعيد وعليه فهو من التنازع (للقراءة) فيه إيماء إلى أنه تبع لها وهذا قول الإمام والثالث ولم يذكر في عامة نسخ (المبسوط) (والمنظومة وشروحها) قول الإمام وقول الثاني وهو رواية عن محمد أنه تبع للثناء وهو الأصح كما في (الخلاصة) واختاره صدر الإسلام وقيد بقراءة القرآن لأن القاريء في غيره على أستاذه لا يتعوذ كما في (الذخيرة) وظاهره أن الاستعاذة لم تشرع إلا عند قراءة القرآن أو في الصلاة وفيه نظر ظاهر كذا في (البحر).
وأقول: ليس ما في (الذخيرة) في المشروعية وعدمها بل في الاستنان وعدمه وفي قوله للقراءة إيماء إلى أنه لو تذكره بعد الفاتحة لا يتعوذ. قال في (البحر): وفي كلامه إشارة إلى أن محل التعوذ بعد الثناء فلو عكس أعاده ولا يخفى بعد هذه الإشارة إذ الواو/ لا تفيد ترتيبًا.
(فيأتي به المسبوق) تفريع على أنه للقراءة فيه يظهر أثر الخلاف، أي: إذا قام إلى قضاء ما سبق به لما أنه أو أن في قراءته (لا) يأتي به (المقتدي) لعدم قراءته وقال الثاني يأتيان به (ويؤخر) التعوذ أي يؤخر الإمام (عن تكبيرات العيدين) وعند الثالث لا يؤخر بل يأتي به بعد الثناء (وسمى) القاريء من الإمام والمنفرد لا المقتدي لاتفاقهم على أنها للقراءة وقد سبق أنه لا يتعوذ فأولى أن لا يسمي أي قال لفظًا بسم الله الرحمن الرحيم لا مطلق الذكر كما في الذبيحة والوضوء. (سرًا) حال من الضمير في سمى مساررًا في ابتداء كل ركعة سرية كانت أو جهرية وما في (منية المصلي) من أنه لا يأتي بها في الجهرية فغلط فاحش ودل كلامه أنه لا يسمي بين الفاتحة والسورة وهو قولهما وقال محمد ليس في السرية وجعله في (الخلاصة) رواية الثاني عن الإمام وفي (المستصفى): وعليه الفتوى وفي (البديع): الصحيح قولهما وفي (العتابية) و (المحيط): قول محمد هو المختار، ونقل ابن الضياء في (شرح
стр. 195
في كل ركعة وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور ليست من الفاتحة ولا من كل سورة وقرأ الفاتحة وسورة أو ثلاث آيات وأمن الإمام
ــ
الغزنوية) عن (شرح عمدة المصلي) إنما اختير قول أبي يوسف هذا لأن لفظة الفتوى آكد وأبلغ من لفظة المختار ولا خلاف أنه لو سمى كان حسنًا وكونها (في) أول (كل ركعة) هو الأصح كما في (السراج) وعن الإمام تخصيص الأولى وادعى الزاهدي أن نقل هذه الرواية غلط لإجماع أصحابنا على حسنها في أول كل ركعة وإنما الخلاف في الوجوب فعندهما تجب في الثانية لا الأولى. وروى هشام أنها لا تجب إلا مرة واحدة والصحيح الوجوب في كل ركعة وعلى ذلك جرى الشارح في السهو وجزم في (البحر) بضعفه والحق أنهما قولان مرجحان إلا أن المتون على الأول ووجه الثاني كما في (البدائع) أنها من الفاتحة بخبر الواحد لكنه يوجب العمل فصارت منها عملاً فمن لزمه قراءة الفاتحة لزمته التسمية احتياطًا.
وأقول: في إيجاب السهو بتركها منافاة من أنه لا يجب بترك أقل الفاتحة فتدبر (وهي آية) واحدة افتتح بها السورة خرج بها ما في النمل لما أنه بعض آية اتفاقًا (من القرآن) للإجماع على كتابتها في المصاحف مع الأمر بتجريدها عما ليس قرآنًا ولم يكفر جاحدها لعدم تواتر كونه قرآنًا والأصح أنها آية في حق حرمتها على الجنب لا في حق جواز الصلاة بها كذا في (المجتبى) وكأنها للاختياط (أنزلت للفصل بين السور) كالديباجة والطراز للسورة (ليست من الفاتحة ولا من كل سورة) على الأصح كما في (المحيط) وفي هذا رد لقول الحلواني أكثر المشايخ على أنها من الفاتحة ومن ثم قيل لوجوبها وجعله في (الذخيرة) رواية الثاني عن الإمام وبه أخذ وهو أحوط ولما قاله بعضهم ليست قرآنًا لاختلاف العلماء فيها.
(وقرأ الفاتحة و) قرأ بعدها (سورة أو ثلاث آيات) قصار أو آية طويلة وجوبًا كما مر قال الشارح إلا أن الفاتحة أوجب حتى يؤمر بالإعادة ينزلها دون السورة وفيه نظر ظاهر إذ كل صلاة أديت مع كراهة التحريم وجب إعادتها ولا شك أن ترك السورة الواجبة يوجب التحريم نعم إثم تارك الفاتحة آكد كذا في (البحر) (وأمن الإمام) أي:
стр. 196
والمأموم سرًا وكبر بلا مد
ــ
قال آمين بالمد والقصر مع التخفيف على الأشهر أي استجب وحكى الواحدي التشديد مع المد والإمالة وبه سقط ما قيل: إنه خطأ فاحش وحينئذ فلا تفسد الصلاة به كما هو قول الثاني قيل: وعندهما تفسد قال في (الواقعات): والفتوى على قول الثاني وقيل: الفتوى على قولهما كذا في (السراج) والذي في (التجنيس) عنهما عدم الفساد وعليه الفتوى وهو الأولى ولو حذف الياء مادًا لم تفسد عند الثاني لوجوده في القرآن وفي القصر مع التشديد لا يبعد الفساد (والمأموم) والمنفرد لحديث الشيخين: (إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له) دل بعبارته على المأموم وبإشارته على الإمام وهذا هو ظاهر الرواية وروى الحسن عن الإمام عدم تأمين الإمام والأصح أن معنى الموافقة هو الموافقة في الوقت وقيل: في الصفة والخشوع والإخلاص والمراد بالملائكة هم الحفظة وقيل: غيرهم لرواية مسلم (فإنه من وافق قوله أهل السماء غفر له) وأجاب الأولون بأن الحفظة إذا قالوها قالها من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء تأمينًا (سرًا) هذا بإطلاقه بفيد تأمين المأموم في السرية إذا سمعه وقيل: لا يؤمن لأن جهره لا عبرة به.
(وكبر) بعد الفراغ من القراءة (بلا مد) حتى لو مد/ همزة الاسم أو الخبر فسدت ولو في التحريمة لا يصير شارعًا وخيف عليه الكفر إن قاصدًا قال في (المعراج): هذا من حيث الظاهر إذ الهمزة للإنكار وضعًا أما من حيث أنه يجوز أن يكون للتقرير فلا يلزم الكفر وتبعه في (العناية) ثم قال بعدما نقل عن (الخلاصة) ولو مد ألف أكبر تكلموا في كفره ولا تجوز صلاته لأنه إن لزم الكفر فظاهر وإلا كان كلامًا فيه احتمال الكفر فيخشى عليه الكفر وهو خطأ أيضًا شرعًا لأن الهمزة إذا دخلت على كلام منفي كما في قوله تعالى: ﴿ألم نشرح﴾ (الانشراح: ١) تكون للتقرير لا في كلام مثبت ظاهر كذا قيل وأيضًا أفعل التفضيل لا يحتمل المد انتهى ولا يخفى عليك ضعف هذا القيل إذ لا يشترط في التقرير دخوله على منفي لما أنه حمل المخاطب على الإقرار بأمر قد استقر عنده بثبوته أو نفيه بل أغلب أحواله
стр. 197
وركع ووضع يديه على ركبتيه وفرج أصابعه وبسط ظهره وسوى رأسه بعجزه وسبح فيه ثلاثًا
ــ
دخوله على المثبت وكذا أولوا التقرير في ﴿ألم نشرح﴾ بما بعد النفي والهمزة فيه ليست في التحقيق إلا للإنكار الإبطالي وإنكار النفي نفي له ونفي النفي إثبات ومثله ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ (الزمر: ٣٦) قال في (المطول): وبه علم أن التقرير لا يجب أن يكون بالحكم الذي دخل عليه الهمزة بل بما يعرف المخاطب من ذلك الحكم وقد يقال: التقرير على معنى التحقيق والتثبت انتهى قال في (البحر): ولعل المراد هنا لاستدعاء الأول مخاطبًا وليس موجودًا انتهى. ولا يخفى أنه يجوز أن يكون فرضًا وبهذا التقرير ظهر لك أن ما قاله ابن أمير حاج من أنه لا ينبغي أن يختلف في عدم صحة الشروع به مبني على أن الاستفهام حقيقي ومقتضى كونه تقديريًا أن يصح ولو مد باء أكبر قيل: تفسد لأنه جمع كبر وهو طبل ذو وجه واحد أو اسم من أسماء أولاد الرجيم وفي (القنية): لا تفسد لأنه إشباع وهو لغة قوم واستبعده الشارح بأنه لا يجوز إلا في الشعر وقيل: هو جمع كبير وفي (المبتغى): لا تفسد وقيل: تفسد قال الحلبي: فظاهره ترجيح عدم الفساد وعليه يتخرج صحة الشروع به ويوافقه ما في (الخلاصة) معزيًا إلى زلة القاريء للشهيد. لو قال: الله أكبار يصير شارعًا قلت: لكن ينبغي أن يقيد بما إذا لم يقصد به المخالفة كما ذهب إليه ابن مقاتل ذكره في (خزانة الأكمل) انتهى.
أقول: إذا كان جمعًا للكبير فلا أثر لإرادته المخالفة في اللفظ فقط ومد الراء خطأ كمد الهاء أما مد لام الاسم فحسن ما لم يخرج عن حده كذا في (الشرح) وحده أن لا يبالغ بحيث من ذلك الإشباع ألفًا بين اللام والهاء فإن فعل كره ولا تفسد على المختاركذا في (شرح المنية).
(وركع) ظاهره أنه يكبر قائمًا ثم يركع ويحتمل أن يريد أن يكبر مع الانحطاط كما عبر به في (الجامع) وهو الأصح ولو تبعه المصلي لكان أولى وفي (الخلاصة): ويركع حين يفرغ في القراءة وهو منتصب هو الصحيح (ووضع يديه على ركبتيه) ناصبًا ساقيه واحناؤهما شبه القوس كما يفعله العامة مكروه كذا في (الروضة) (وفرج أصابعه) لأنه أمكن من الأخذ بالركبة (وبسط ظهره وسوى رأسه) فلا يرفعهما ولا يخفضهما (بعجزه) وهو مؤخره ويسن أن يلصق به كعبيه (وسبح فيه ثلاثًا) لحديث ابن ماجة (إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا وذلك أدناه وإذا سجد
стр. 198
ثم رفع رأسه واكتفى الإمام بالتسميع
ــ
فليقل سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه) وفي (أبي داود): لما نزل قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ (الواقعة: ٩٦) فقال ﵊: (اجعلوها في ركوعكم) ولما نزل قوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (الأعلى: ١) قال: (اجعلوها في سجودكم) وسبحان اسم مصدر منصوب بفعل محذوف تقديره سبحت ربي ولا يستعمل غالبًا إلا مضافًا إلى المفعول به كما هو الظاهر هنا وقيل: ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل إذ المعنى تنزيه الله تعالى ولما كان الركوع تواضعًا وتذللاً ناسب أن يجعل مقابله العظمة لله ولما كان السجود غاية التسفل ناسب أن يجعل مقابله العلو لله تعالى وهو القهر والاقتدار لا العلو في المكان تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، قال الحلبي: وينبغي أن يكون واجبًا لأن المواظبة الظاهرة من حاله ﵊ والأمر به متظافرين عليه فيسجد لتركه ساهيًا ويعاد لو عامدًا وأجاب في (البحر) بأن عدم تعليمه للأعرابي صارف عنه وقد صرح غر واحد بأن الأمر للندب وعليه فقولهم: لو تركه ونقص عن الثلاث كره أي: تنزيهًا واختلف في معنى الأدنى على. أقوال: ثالثها أدنى كمال السنة ويندب الأعلى بعد أن ينصرف عن وتر خمس أو سبع أو تسع إلا أن الإمام يقتصر على الأدنى وقيل: يزيد رابعة ليتمكن المقتدي من/ الثلاث فلو رفع رأسه قبلها فالأصح وجوب متابعته بخلاف ما لو سلم قبل تمام تشهده حيث لا يتابعه لوجوبه كذا قالوا ومقتضاه أنه لو سلم وهو في أدعية التشهد يتابعه والناس عنه غافلون.
فرع
أطال الإمام الركوع أو السجود لإدراك الجائي قال الإمام: أخشى عليه أمرًا عظيمًا وقال أبو مطيع: لا بأس بذلك ليدرك الركعة ويؤجر وقيل: إن عرف الجائي كره وإلا لا وهو تأويل المروي ولا خلاف أنه لو ثقل على القوم لا يفعل وهذا إذا أراد به حق القوم فإن أراد به التقرب إلى الله تعالى لم يكره وفاقًا كذا في (البزازية)، (ثم رفع رأسه من الركوع واكتفى الإمام بالتسميع) يعني قوله: سمع الله لمن حمده أي: قبل من حمده فهو دعاء بقبول الحمد وضمن سمع استحباب ولذا عدي باللام وإلا فأصله التعدي بنفسه بنحو ﴿يسمعون الصيحة بالحق﴾ (ق: ٤٣) ويحتمل أن يكون دعاء
стр. 199
والمؤتم والمنفرد بالتحميد ثم كبر ووضع ركبتيه ثم يديه ثم وجهه بين كفيه بعكس النهوض وسجد بأنفه وجبهته وكره بأحدهما
ــ
من الإمام للمأمومين واكتفى الإمام به لحديث الشيخين: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد) قسم بينهما والقسمة تنافي الشركة وهذا عند الإمام وقلما يجمع بينهما وهو رواية عنه اختارها الطحاوي، إلا أنه يأتي بالتحميد في نفسه كما في (الهداية) أي: سرًا.
(والمؤتم والمنفرد بالتحميد) أي: بقوله: اللهم ربنا ولك الحمد وهو أفضلها لأنه يجمع الدعاء والاعتراف إذ المعنى يا الله يا ربنا استجب لنا ولك الحمد على هدايتك ويليه حذف الواو ويليه حذف اللهم فقط ويليه المعروف قيل: أما اكتفاء المؤتم فبالإجماع أي: بين الإمام وصاحبيه على الظاهر وإلا فعن الإمام أنه يجمع أيضًا ذكره الأقطع وأما المنفرد فعلى ظاهر الرواية كما في (الخانية) وفي (الخلاصة): إنه الصحيح وعليه أكثر المشايخ كما في (المبسوط) وقيل: يجمع قال الشهيد: وعليه الاعتماد وفي (الهداية) (والمجمع): إنه الأصح فيأتي بالتسميع حالة الرفع وبالتحميد حالة الاستواء كما مر ولو فاته حال الرفع لم يأت به حال الاستواء قال التمرتاشي: وقيل: يأتي به مع التحميد وبقي رواية ثالثة هو أنه يأتي بالتسميع لا غير قال في (البحر): وينبغي أن يعول عليها ولم أر من صححها. وأقول: قد رأيت ذلك ولله الحمد ففي (السراج) عن شيخ الإسلام إنها الأصح وقال الرازي: ينبغي على قول الإمام أن يقتصر المنفرد عليه لأنه إمام في حق نفسه.
(ثم كبر ووضع ركبتيه) أولاً (ثم يديه) هذا لم يكن متخففًا فإن كان وضع اليدين أولاً لأنه القدر الممكن أي: من غير عسر (ثم وجهه بين كفيه) مقدمًا بين كفيه ثم جبهته (بعكس النهوض) أي: القيام لأنه الثابت من فعله ﵊ (وسجد بأنفه) أي: عليه قدمه على الجبهة لأن في الاقتصار عليه خلافًا كذا في (المعراج) وقال غيره: لقربه من الأرض إذا سجد وهو أولى (وجبهته) وهو اسم لما اكتنفه الجبينان وأفاد أن السجود على غيرهما لا يصح وقد مر تعريفه.
(وكره) السجود (بأحدهما) فقط أما كراهة الاقتصار على الأنف أي: على ما صلب منه فقول الإمام: وروى عنه أنه لا يجوز وبه قالا وعليه الفتوى قيل: مبنى الخلاف على أنهما عضو واحد عنده، وعضوان عندهما وأجمعوا على عدم جوازه على ما لان
стр. 200
أو بكور عمامته
ــ
منه وهذا الترجيح لا يوافقه رواية ولا القوى من (الدراية) لأن المأمور به إنما هو السجود، وهو يتحقق بالأنف فتوقف أجزائه على وجه آخر معه زيادة بخبر الواحد، وغاية ما تقتضيه المواظبة معه الوجوب ولا يبعد أن يقول به الإمام، ويحمل الكراهة المروية عنه على التحريم وأما الرواية فظاهره هذا، ولو حمل قولهما لا يجوز الاقتصار إلا من عذر على وجوب الجمع كان أحسن إذ به يرتفع الخلاف بناء أن الكراهة عنده للتحريم كما مر، ولم يخرجا عن الأصول إذ يلزمهما الزيادة بخبر الواحد هذا حاصل ما في (الفتح) وأما كراهة الاقتصار على الجبهة فيتبع المصنف فيه صاحب (الخلاصة) و (المفيد) والمذكور في (البدائع) و (التحفة) و (التجنيس) عدمها.
وأقول: لو حملت الكراهة في رأي من أثبتها على التنزيه ومن نفاها على التحريم لارتفع التنافي وعبارته في (السراج): المستحب أن يضعهما واعلم أن ظاهر (الشرح) يفيد أن وضع أكثرها شرط إذ قد نقل عن نصير أنه سئل عن من وضع جبهته على حجر صغير فقال: إن وضع الأكثر جاز وإلا لا فقيل له: إن وضعه قدر الأنف منها ينبغي أن يجوز على قوله فأجاب بأنه عضو كامل قال في (البحر): وفيه بحث إذ السجود يصدق بوضع بعض الجبهة ولا دليل على اشتراط الأكثر نعم هو واجب للمواظبة واستدل بما في (المجتبي) سجد/ على طرف من أطراف جبهته جاز ثم نقل ما عن نصير فدل على ضعفه وفي (المعراج): وضع جميع أطراف الجبهة ليس بشرط بالإجماع فإذا اقتصر على بعض الجبهة جاز وإن قل كذا ذكر أبو جعفر.
(أو) سجد (بكور عمامته) بفتح الكاف أي: دورها حيث يكره أيضًا لكن تنزيهًا لما فيه من ترك كمال التعظيم ولابد من كونه على الجبهة أما لو كان على الرأس ولم تصب الأرض جبهته ولا أنفه لم يصح وكثيرًا ما يتساهل فيه العوام كذا في (شرح المنية) ودل كلامه على جواز السجود على الحائل غير أنه إن كان منفصلاً كالحشيش والقطن فما دام يجد حجم الأرض يجوز، لا إن لم يجد حجمها وإن كان متصلاً كالكف فالأصح الجواز، وكذا في الفخذ من عذر على المختار لا دونه. قال في (الفتح): والذي ينبغي ترجيح الفساد على الكف والفخذ ولا يعلم خلاف في عدم الجواز في الركبة قال في (البحر): وكأنه لأن السجود يقع على حرف الركبة وهو لا يأخذ قدر الواجب من الجبهة وأقول: إن عني بالواجب الفرض نافاه ما اختاره من أنه لو وجد بوضع بعضها وإن قل، وإن عني به ما هو المصطلح عليه اقتضى أنه يصح مع الإثم لا أنه لا يصح، وغير خاف أن هذه المسألة مؤيدة بما مر عن نصير والأصح عدم جوازه على الكم المبسوط على النجاسة وقول المرغيناني: الصحيح
стр. 201
وأبدى ضبعيه وجافى بطنه عن فخذيه ووجه أصابع رجليه نحو القبلة وسجد فيه ثلاثًا والمرأة تنخفض وتلزق بطنها بفخذيها ثم رفع رأسه مكبرًا
ــ
الجواز ليس بشيء ولا كلام على جوازه على فاضل ثوبه غير أنه إن لم يكن لدفع الأذى كره هذا وأما السجود على ظهر مصل للضيق فإن اتحدت الصلاتان وكان المسجود عليه ساجدًا على الأرض جاز وإلا لا.
(وأبدى) أي: فرج وقيل: أظهر وقول العيني أنه بالهمز وهم (ضبعيه) بسكون الموحدة لا غير كما في (المغرب) لكن حكى شيخ الإسلام الضم أيضًا أي: عضديه وقيل: وسطهما وباطنهما ولعل المراد هنا الثاني لحديث الشيخين كان ﵊ (إذا سجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه).
(وجافى) أي: باعد (بطنه عن فخذيه) لحديث أبي داود كان ﵊ (إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) والحكمة فيه إظهار كل عضو بنفسه وأنه غير معتمد على غيره في أداء الخدمة قال في (الهداية): وتبعه الشارح وقيل: إن كان في صف لا يجافي كيلا يؤذي جاره واعترضه في (البحر) بأن الإيذاء لا يحصل من مجرد المجافاة فما في (المجتبى) من أنه لا يبدي ضبعيه أولى انتهى إلا أن الظاهر بينهما تلازمًا عاديًا (ووجه أصابع رجليه نحو القبلة) لأنه ﵊ فعل ذلك أخرجه البحاري من رواية أبي حميد وصرح في (التجنيس) بكراهة تركه (وسبح فيه ثلاثًا) لما سبق.
(والمرأة تنخفض) أي: تضم نفسها فلا تبدي ضبعيها (وتلصق بطنها بفخذيها) لأنه استر لها وقدمنا أن الأمة في هذا كالحرة (ثم يرفع رأسه) من السجدة الأولى (مكبرًا) واختلف في مقدار الشرط منه فقيل: هو أن يكون إلى القعود أقرب وهو الأصح وقيل: أن لا يشكل على الناظر أنه رافع ورجحه في (البدائع) وقيل: هو ما ينطلق عليه اسم الرفع ورجحه في (المحيط) قال في (الدراية): وهذا قريب من الأول انتهى.
ولا يخفى قرب الثاني منه أيضًا وروى الحسن رابعة هي مقدار ما تمر الرمح بينه وبين الأرض وظاهر (الكافي) في رجوعها إلى الثالثة والذي ينبغي التعويل عليه
стр. 202
وجلس مطمئنًا وكبر وسجد مطمئنًا وكبر للنهوض بلا اعتماد وقعود والثانية كالأولى إلا أنه ليثني ولا يتعوذ ......
ــ
هي الأولى (وجلس) بين السجدتين (مطمئنًا) اقتداء بفعله ﵊ وتقدم أنه سنة وفي (شرح المنية): الأصح وجوبه بناء على اختياره السابق وليس فيه دعاء مسنون وما ورد فيه محمول على النفل وقد قال الثاني: سألت الإمام أيقول إذا رفع رأسه من الركوع والسجود اللهم اغفر لي قال: يقول ربنا لك الحمد وسكت ولقد أحسن في الجواب إذ لم ينه على الاستغفار (وكبر) أيضًا (وسجد) ثانية حال كونه (مطمئنًا وكبر) بعد ذلك (للنهوض) أي: القيام إلى الثانية وفي ذكر النهوض دون القيام إيماء إلى أنه لا يأتي بما ينافيه ولم يكتف بذلك بل نفاه بقوله: (بلا اعتماد وقعود) على الأرض وبلا تعوذ بين السجدتين مبالغة في التحريض عليه وبيانًا لمحل الخلاف واتباعًا للمأمور أعني ما أخرجه الترمذي كان ﵊ (ينهض في الصلاة على صدور قدميه) والعمل عليه عند أهل العلم وفي أبي داود (نهي عن أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض للصلاة) وما روي من أنه ﵊ فعل ذلك محمول على حالة الكبر كذا في (الهداية).
قال في (البحر): ويرد عليه أن هذا المحمل يحتاج إلى دليل وقد قال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فكذا/ والله أعلم. قال الحلواني: إن الخلاف في الأفضلية حتى لو جلس فلا بأس به عندنا وأقول: لا تنافي بين ما في (الهداية) وما قاله الحلواني بوجه إذ المدعى طلب النهوض وتركه يوجب خلاف الأولى وهو مرجع لا بأس به في أغلب استعماله ولا ينافيه ما في (المعراج) من أن جلسة الاستراحة مكروهة عندنا إذ المراد بها التنزيه وكذا قول الطحاوي: لا بأس به بأن يعتمد على الأرض شيخًا كان أو شابًا وهو قول عامة العلماء فقوله في (البحر) الأوجه أن يكون سنة فيكره تركه ممنوع.
والركعة (الثانية كالأولى) في جميع ما مر (إلا أنه لا يثني) بضم المضارعة من أثنى ولا يجوز (الفتح) لأن من ثنى عطف وليس مرادًا (ولا يتعوذ) لأنهما لم يشرعا
стр. 203
ولا يرفع يديه إلا في فقعس صمعج وإذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى وجلس عليها ونصب يمناه ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه
ــ
إلا مرة واحدة وهذا لأن التعوذ لدفع الوسوسة فلا يتكرر ما اتحد المجلس كما لو تعوذ وقرأه وبهذا اندفع قول الحلبي: ينبغي أن يتعوذ في الثانية على قولهما لما أنه سنة القراءة وهي تعاد في كل ركعة.
(ولا يرفع يديه) على وجه السنة (إلا في) سبع مواطن يجمعها حروف (فقعس صمعج) لخبر (لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن) وعددها كما هنا أي: بقاع ولذا حذف التاء وقد أحسن ابن الفصيح إذ نظمها في بيت على الترتيب فقال:
فتح قنوت عيد استلم الصفاء .... مع مروة عرفات الجمرات
وهي سبع بناء على أن الصفا والمروة واحد نظرًا إلى السعي إلا أن صفته مختلفة ففي الثلاثة الأول كالتحريمة وفي الاستلام والرمي حذاء منكبيه غير أنه يجعل باطنهما نحو الحجر في الأول وفي الثاني نحو الكعبة في ظاهر الرواية وفيما عدا ذلك كالداعي وأورد على الحصر رفع اليدين في الاستسقاء للدعاء وأجيب بأنه مبني على السنن الأصلية والرفع في الدعاء من الزوائد أو أنه مستحب فقط كما في (المعراج) وبالثاني جزم في (القنية) حيث قال: المستجب أنه يرفع يديه عند الدعاء نحو إبطيه باسطًا كفيه ويكون بينهما فرجة وإن قلت، ولا يضع إحدى يديه على الأرض فإن كان به عذر أو برد فأشار بالمسبحة قام مقام كفيه ومسح اليدين على الوجه عقيبه سنة وقيل: ليس بشيء والأول أصح انتهى. والرفع في غير هذه المواضع مكروه فلو فعله في الصلاة قيل: فسدت والمختار لا (وإذا فرغ من سجدتي الركعة الثانية افترش رجله اليسرى) فجعلها بين إليتيه (وجلس عليها ونصب يمناه ووجه أصابعه) في المنصوبة (نحو القبلة) هذا وصف عائشة ﵂ قعوده ﵊ فكان سنة في مطلق الصلاة فما في (المجتبى) هذا في الفرض وفي النفل يجلس كيف يشاء كالمريض بعد أن الكلام في السنة ممنوع.
(ووضع يديه على فخذيه) كل يد على فخذها (وبسط أصابعه) لحديث مسلم عن ابن عمر مرفوعًا أنه ﵊ فعل كذلك وينبغي أن يكون أطراف
стр. 204
وهي تتورك وقرأ تشهد ابن مسعود ﵁
ــ
الأصابع على حرف الركبة لا متباعدة عنها كذا في (الفتح) وقال الطحاوي: يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه كما في الركوع لرواية ابن عمر ذلك في (الخلاصة) ولا يأخذ الركبة هو الأصح وفيه إيماء إلى ترجيح الكيفية الأولى.
قال في (البدائع): لأن الأصابع عليها تكون موجهة إلى القبلة لا على الثانية انتهى. لكنه إنما يتم أن لو عطفت الأصابع على الركبة كذا في (البحر) ولا يخفى أن وضع اليدين عليها يستلزمه، وفي إطلاق اليسط إيماء إلى أنه لا يشير بالسبابة عند الشهادتين عاقدًا الخنصر والتي تليها محلقًا الوسطى والإبهام وهذا قول كثير من المشايخ وعليه الفتوى كما في عامة الفتاوى وجزم في (منية المفتي) بكراهته ورده في (فتح القدير) بأنه خلاف الرواية و (الدراية) ففي مسلم كان ﵊ (يشير بإصبعه التي تلي الإبهام) قال محمد: ونحن نصنع بصنعه ﵊ وهو قول الإمام وفي (المجتبى): لما اتفقت الروايات وعلم من أصحابنا جميعًا في كونها سنة وكذا عن الكوفيين والمدنيين وكثرت الأخبار والآثار كان العمل بها أولى وفي (التحفة): الإشارة مستحبة وهي الأصح قاله العيني.
ثم قال الحلواني: يقيم الإصبع عند النفي ويضعه عند الإثبات ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات (وهي تتورك) لأنه أستر لها (وقرأ بعد ذلك تشهد ابن مسعود) المعروف في الكتب الستة، وهي التحيات لله أي: العبادات القولية والصلوات أي: البدنية والطيبات أي: المالية فكلها لله تعالى لا لغيره قيل: إنه ﵊ حياه به ليلة الإسراء بهذا فأكرمه الله تعالى بثلاث مقابلة، وهي قوله: السلام عليك أيها النبي، وهو إما بمعنى الأمان من الآفات ورحمة الله أي إحسانه، وبركاته بمعنى: زيادة/ الخيرات فأحب ﵊ إعطاء سهم من هذه الكرامة لإخوانه وصالحي المؤمنين فقال: السلام علينا معاشر الأنبياء والملائكة وعلى عباد الله الصالحين من الإنس والجن وفي (الدراية) عن زين الأئمة (أن جبريل ﵊ أمره أن يحيي ربه بهذه التحية ثم أجابه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) وصفه بالعبودية لأنه أشرف صفات المخلوقين إذ هي الرضا بما يفعل الرب، ولذا لم تسقط في العقبى وقدمها على الرسالة ردًا لقول اليهود
стр. 205
وفيما بعد الأوليين اكتفى بالفاتحة
ــ
والنصارى في عزير والمسيح وحكى الرافعي الشافعي ﵀ أنه ﵊ كان يقول في تشهده (وأني رسول الله) وفي (المعراج) عن (النظم) لابد أن يقصد في ألفاظ التشهد معناها التي وضعت له كأن يحيي الله تعالى ويسلم على نبيه وعلى نفسه وعلى أولياء الله تعالى أي: أنه يقصد الإنشاء بهذه الألفاظ لا الإخبار وهذا ظاهر في أن الضمير في علينا يعود على الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة قالهما النووي واستحسنه السروجي وهو أولى مما في (السراج) من أنه حكاية عن سلام الله تعالى عليه لا ابتداء السلام من المصلي. واعلم أنه قد مر أن التشهد واجب لكن بقي هل هو خصوص من تشهد ابن مسعود أو ما هو أعم منه قال في (البحر): الظاهر أن خصوصه واجب كما في (السراج) ويكره أن يزيد في هذا التشهد حرفًا أو ينقص منه أو يبتدأ بحرف قبل آخر بناء على أنها تحريمية وأقول: عبارة بعضهم بعد سرد وجوه ترجيحات تشهد ابن مسعود فكان الأخذ به أولى قال الشارح: في وجوه الترجيحات له: أنه ﵊ أمره أن يعلمه الناس فيما رواه أحمد والأمر للوجوب فلا ينزل عن الاستحباب وهذا صريح في نفي الوجوب وعليه فالكراهة السابقة تنزيهية ولا كلام أن الواجب منه إلى قوله: عبده ورسوله فإن زاد عليه في الأولى بأن قال: اللهم صل على محمد فإن ساهيًا قيل: أو عامدًا سجد للسهو لتأخير القيام عن محله وقيل: لابد أن يقول: وعلى آل محمد والأول أصح.
(وفيما بعد الأوليين) أي: من الفريضة إذ الكلام فيها ولما سيأتي قال الشارح وهذا أحسن من قول القدوري وفي الأخيرين لشموله المغرب (اكتفى بالفاتحة) هذا ظاهر في وجوبها وهو رواية الحسن عن الإمام ورجحه ابن الهمام قال العيني: وهو الصحيح لكن ظاهر الرواية أنها سنة فيهما وعليه فالمعنى اكتفى بالقراءة المسنونة بالفاتحة، ولو سبح لم يكن مسيئًا لأن القراءة فيهما شرعت على سبيل الذكر حتى قالوا: إنه ينويه دون القراءة ولذا تعينت الفاتحة وشرع الإخفاء فيهما ولو سكت عمدًا أساء ولا سهو عليه في الصحيح من الروايات كذا في (الدراية) ولذا رجحه في (الذخيرة) و (المجتبى) قال في (الخانية): وعليه الاعتماد إلا أن ظاهر ما في (الذخيرة)
стр. 206
والقعود الثاني كالأول وتشهد وصلى على النبي ﷺ
ــ
و (البدائع) أنه لا يكون مسيئًا بالسكوت وأن القراءة أفضل فقط وعلى ذلك جرى الشارح ولم أر ما لو قرأ سورة غير الفاتحة وينبغي على ما في (الدراية) أن المقروء وإن ذكرًا أو تنزيهًا لا يكون مسيئًا وإلا كان قراءة سورة أبي لهب وهل يزيد عليها؟ قال في (البحر): الظاهر أنه يباح له ذلك لما في مسلم كان ﵊ (يقرأ في الظهر قدر حمس عشرة آية) ولذا قال فخر الإسلام: إن السورة مشروعة في الأخريين نفلاً وفي (الذخيرة) أنه المختار وفي (المحيط) وهو الأصح وعلى ما في (الاختيار) من كراهة الزيادة على التنزيه إذ الاكتفاء بالفاتحة أولى كذا في (البحر).
وأقول: لا يخفى ما بين دعوى الإباحة وأن الترك أولى من التنافي إذ المباح ما استوى طرفاه والمندوب ما ترجح فعله على تركه. (والقعود الثاني كالأول وتشهد) في الثانية أيضًا (وصلى على النبي ﷺ ) ولو مسبوقًا كما رجحه في (المبسوط) لكن رجح قاضي خان أنه يترسل في التشهد، قال في (البحر): وينبغي الإفتاء به انتهى.
ولعله لأنه يقضي آخر صلاته في حق التشهد وهذا ليس آخرًا فأنى يأتي بالصلاة والدعاء وسئل محمد عن كيفيتها فقال: يقول: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد وأخرجه البيهقي بلفظ الأمر وزاد (وارحم محمدًا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم) ومن ثم كان الأصح عدم كراهة الترحم قال في (البحر): والخلاف فيما إن كان ضمن صلاته أما الابتداء فمكروه اتفاقًا كما أفاده ابن حجر وأقول: عبارة الشارح في آخر الكتاب تقتضي أن الخلاف/ في الكل وذلك أنه قال: اختلفوا في الترحم على النبي ﷺ بأن يقول: اللهم ارحم محمدًا قال بعضهم: لا يجوز لأنه ليس فيه ما يدل على التعظيم كالصلاة.
وقال بعضهم يجوز: لأنه ﵊ كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله تعالى واختاره السرخسي لوروده في الأثر ولا عتب على من اتبع وقال أبو جعفر وأنا أقول: وارحم محمدًا للتوارث به في بلاد المسملين واستدل بعضهم على ذلك بتفسير الصلاة بالرحمة واللفظان إذا استويا في الدلالة صح قيام أحدهما مقام الآخر ولذا أقر ﵊ الأعرابي على قول: اللهم ارحمني ومحمدًا وخص إبراهيم إما لقوله: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾ (البقرة: ١٢٩) أو لأن المطلوب منها صلاة
стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يتخذ بها خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً وعلى الثاني فالتشبيه ظاهر وجزم كثير بأنه راجع إلى الأول وأن قوله: وعلى آل محمد استئناف وصل مضمر وقيل: المسؤول المشاركة في أصل الصلاة لا في قدرها، وقيل: المطلوب مقابلة الجملة بالجملة فإن في آل إبراهيم خلائق من الأنبياء لا تعد وليس في آل محمد نبي فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجمل التي فيها خلائق من الأنبياء قاله النووي في (شرح مسلم) وروى ابن صبرة عن محمد بن زياد في العالمين وهي في (مسلم) وغيره، وبهذا اندفع ما في (منية المصلي) من أنه لا يقولها. اعلم أنه لا خلاف أن الصلاة عليه ﷺ أمر بها في السنة الثانية من الهجرة وقيل: في ليلة الإسراء حكاهما السخاوي في (القول البديع) ثم هي فرض في العمر مرة عملاً بالأمر وعلى هذا لو صلى في أول بلوغه صلاة أجزأته الصلاة في تشهده عن الفرض ووقعت فرضًا ولم أر من نبه على هذا وقد مر نظيره في الابتداء بغسل اليدين، واجبة كلما سمع اسمه من نفسه أو من غيره لا في ضمن صلاة عليه فيما اختاره الطحاوي وصححه في (التحفة) وغيرها فيتكرر الوجوب بتكررها ولو اتحد المجلس على الأصح كما في (المجتبى).
إلا أنه في التلاوة من (الكافي) رجح الاكتفاء بمرة وأن الزائد مندوب ولا نعلم خلافًا في وجوب التنزيه عند سماع اسمه تعالى وأنه يكفيه مع التكرار ثناء واحد وفي (المجتبى) الصلاة تقضي بخلاف التنزيه فإنه لا يصير دينًا بالترك والفرق أن كل وقت محل للأداء فلا يكون محلاً للقضاء قال في (الفتح): وهذا الفرق ليس بظاهر انتهى. ولعل وجهه أنه وإن كان كل وقت محلاً إلا أن محليته في تفريغ ذمته بالقضاء أولى منه بغيره واختار الكرخي الاستحباب كلما ذكر قال السرخسي: وهو المختار للفتوى وجعله في (شرح المجمع) قول عامة العلماء والله الموفق.
تنبيه: ينبغي أن يخص من قول الطحاوي بوجوب الصلاة كلما سمع اسمه ﵊ التشهد الأول فإنه يشتمل على ذكر اسمه ﵊ وتكره الصلاة في هذه الحالة تحريمًا على ما مر فضلاً عن الوجوب ويلزم على قوله: أن الصلاة في قعود التشهد الثاني واجبة ولا ينافيه ما مر من أن الواجب إلى قوله: عبده ورسوله لأن ذلك من حيث التشهد وهذا من حيث الصلاة ولم أر من نبه على ذلك وها هنا فوائد الأولى قال في (المجتبى) معزيًا إلى (خزانة الأكمل): هذا في حق الأمة أما هو فلا يجب عليه أن يصلي على نفسه انتهى. بناء على أن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لا تتناول الرسول بخلاف ﴿يا أيها الناس﴾ ﴿يا عبادي﴾ كما عرف في الأصول: الثانية: كثر السؤال عن الحكمة في تأكيد التسليم بالمصدر دون الصلاة فأجاب
стр. 208
ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن والسنة
ــ
الفاكهي بأن الصلاة مؤكدة بأن وكذا بإعلامه أن الله يصلي عليه وملائكته ولا كذلك السلام فحسن تأكيده بالمصدر إذ ليس ثم ما يقوم مقامه وأجاب ابن حجر بأن الصلاة لما قدمت في اللفظ فكان للتقديم مزية في الاهتمام حسن تأكيد السلام المتأخر في الذكر لئلا يتوهم قلة الاهتمام به لتأخره. الثالثة: لم أضيفت الصلاة إلى الله تعالى وملائكته دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام، وأجاب ابن حجر أيضًا بأنه يحتمل أن السلام من التحية والانقياد فأمر به المؤمنون لصحتها منهم والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام كذا في القول (البديع) للسخاوي.
(ودعا) لنفسه ولأبويه المؤمنين والمؤمنات أما الدعاء للكافرين بالمغفرة فلا يجوز بل ادعى القرافي المالكي البهنسي أنه كفر وأن الدعاء بقولهم: اللهم اغفر للمؤمنين جميع/ ذنوبهم حرام فقد دلت الأحاديث على أنه لابد من دخول طائفة من المسلمين النار ونقله الأسنوي أيضًا عن الشيخ عز اليدين بن عبد السلام شيخ القرافي وأقرهما عليه ورده ابن أمير حاج. واعلم أنه ذكر في قواعده أن من الحرام أيضًا أن يسأل الله تعالى أن يجعله في مكانين متباعدين في زمن واحد وأن يسأله المستحيلات العادية كنزول المائدة إلا أن يكون نبيًا أو وليًا وأن يسأل الاستغناء عن التنفس ليسلم من الاختناق ومن ذلك أن يسأله العافية من المرض مدى الدهر وأن يقول: اللهم أعطنا خير الدنيا وخير الآخرة واصرف عنا شر الدنيا وشر الآخرة إلا أن يقصد به الخصوص إذ لابد أن يدركه بعض الشر ولو سكرات الموت ومن ذلك أن يسأل الله تعالى نفي أمر دل السمع على نفيه كأن يقول: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا مع أنه ﵊ قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وأن يقول: اللهم اجعلني أول من تنشق عنه الأرض ومن ذلك اللهم قدر الخير وأن يدعوه بألفاظ الأعجمية لاشتمالها على ما ينافي جلال الله تعالى ومنه الدعاء على غير الظالم وبقوله: اللهم اسقه خمرًا أو أعنه على .... انتهى ملخصًا.
وفيه ما هو مناقش فيه والله الموفق بمنه (بما) أي: باللفظ الذي (يشبه ألفاظ القرآن) لفظًا ومعنى بكونه فيه نحو: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) وليس منه لأنه إنما أراد به الدعاء لا القراءة (والسنة) بالنصب عطفًا على ألفاظ القرآن أي: بما يشبه السنة
стр. 209
لا كلام الناس وسلم
ــ
والجر عطفًا على القرآن أي: ألفاظ السنة نحو ما في (مسلم): (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) لا يدعو بما يشبه كلام الناس قال في (الدراية): فسره أصحابنا بما لا يستحيل سؤاله من غير الله تعالى كأعطني كذا وزوجني امرأة وبما (لا) يشبه (كلام الناس) بما يستحيل سؤاله منهم، كقوله: اللهم اغفر لي كذا في (الأيضًاح).
وقال الفضلي: ما لا يوجد في القرآن يفسد سواء استحال سؤاله أو لا كذا في (الخبازية) انتهى. وفي (الكافي) نحو ما في (الأيضًاح) وفي (الخلاصة): والحاصل أنه إن سأل ما يستحيل من الخلق لا تفسد إذا كان في القرآن وكان مأثورًا وفي (الجامع الصغير) لم يشترط كونه في القرآن وكونه مأثورًا بل قال: إن كان لا يستحيل سؤاله من الخلق تفسد وإن كان يستحيل لا تفسد انتهى. وقد عملت أن هذا التقيد اختيار الفضلي والمذهب الإطلاق وعلى هذا فما في (الذخيرة) لو قال: اغفر لزيد ولعمرو تفسد لأنه ليس في القرآن مبني على ذلك الاختيار وكذا ما في (الظهيرية).
لو قال: اغفر لعمي ولخالي تفسد اتفاقًا وبذلك صرح في (الخلاصة) حيث قال: أو قال: اغفر لعمي أو لخالي تفسد اختيار الفضلي ودعوى الاتفاق إما مؤولة باتفاق المشايخ القائلين بهذا الاختيار أو ممنوعة بدليل ما في (المجتبى) وفي أقربائي أو أعمامي اختلاف المشايخ وإلا فلا فرق يظهر بين اغفر لعمي ولأخي وارزقني بقلاً وقثاء (ومن بقلها وقثائها) حيث فسدت في الأول لا الثاني، لأن الثاني في القرآن دون الأول ومقتضى المذهب عدم الفساد فيما يستحيل والفساد فيما لا يستحيل، وجعل في (الهداية) ارزقني من الثاني لما أن الرزق يطلق مجازًا على المخلوق ولو زاد فلانة فالأصح الفساد بخلاف ارزقني الحج فإن الأصح عدمه كارزقني رؤيتك وهذا التخريج ينبغي اعتماده قال الشارح: ومحل الفساد ما إذا لم يقعد قدر التشهد فإن قعد بعد تمت صلاته قالوا: وينبغي له أن يدعوه بما يحفظ لا بما يحضر تحرزًا عن المفسد.
(وسلم) أي: قال السلام عليكم ورحمة الله ولا يقول وبركاته كما في (المحيط) قال النووي: لأنه لم يثبت فيه شيء فكان بدعة لكن في (الحاوي) القدسي أنه مروي وأفاد العلامة الحلبي أن الراوي له أبو داود من حديث وائل بن حجر والسنة
стр. 210
مع الإمام كالتحريمة عن يمينه ويساره ناويًا القوم والحفظة
ــ
فيه خفض الثانية عن الأولى وخصها في (منية المصلي) بالإمام قال: ومن المشايخ من قال: يخفض الأولى أيضًا (مع الإمام) نبه على أنه تسليم مقارنًا لتسليم الإمام وهو أصح الروايتين (كالتحريمة) أي: كما أنه يحرم مقارنًا لتحريمة الإمام باتفاق الروايات ولذا جعلها مشتبهًا به وقالا: بعده قيل: الخلاف في الجواز وقيل: في الأولوية وهو الصحيح (عن يمينه) مرة (و) عن (يساره) أخرى فلو عكس سلم عن يمينه فقط ولو سها عن اليسار أتى به ما لم يخرج من المسجد وفي (السراج) أو يتكلم والصحيح أنه إن استدبر القبلة لا يأتي به كذا في (القنية) ولو تلقاء وجهه سلم عن يساره وثبت في السنة أنه عليه/ الصلاة والسلام كان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر (ناويًا) حال من فاعل سلم لأن السلام على هؤلاء قربة فيحتاج إلى النية (القوم) فيه إيماء إلى أنه لا ينوي النساء لكراهة حضورهن حضرن أم لا وما في (البحر) أن المدار في النية وعدمها على حضورهن وعدمه لا يتم إلا على قول من علل العدم بالعدم وأراد بالقوم الذين معه في الصلاة لما في (مسلم): (إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه عن يمينه وعن شماله).
قال النووي: أراد به الجنس من الحاضرين عن يمينه ويساره ويلحق به من كان ورائه وأمامه دلالة لأن المقصود به التودد وأما ما قالوا من أنه لما اشتغل بمناجاة ربه صار بمنزلة الغائب وعند التحل بمنزلة من قدم من سفر فلا يفيد الاقتصار على من معه في الصلاة بل يعم كل من حضر مع أن الصحيح الذي عليه الأكثر اختصاصه بمن معه في الصلاة للخطاب وقول الحاكم أن ينوي جميع المؤمنين والمؤمنات ولو من الجن قال السرخسي: هذا عندنا في سلام التشهد لعدم الخطاب به فما في (الخلاصة) من أنه ينوي من كان معه في المسجد ضعيف كذا في (البحر) وأقول: يمكن تخريج ما في (الخلاصة) على الراجح ولفظه وينوي من كان معه في المسجد هو الصحيح فعلى هذا لا ينوي النساء في زماننا انتهى إذ المعنى من معه في الصلاة كائنًا في المسجد بدليل ما بعده وهذا أولى من الجزم بضعفه.
(والحفظة) جمع حافظ سموا بذلك إما لحفظهم أعماله فهم الكرام الكاتبون
стр. 211
والإمام في الجانب الأيمن أو الأيسر أو فيهما لو محاذيًا
ــ
أو ذاته من الجن وأسباب المخاطب منهم جميع من معه وعليه فلا ينوي عددًا محصور لاختلاف الأخبار في عددهم وينبغي أن يظهر أثر الخلاف في الصبي فعلى الأول لا ينوي الحفظة وينويهم على الثاني.
تتمة: قال عياض: الجمهور على أن المراد بالملائكة في قوله ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) الكرام الكاتبون، قال القرطبي: والأظهر أنهم غيرهم واختلف في محل جلوسهما فقيل الفم وأن اللسان القلم والريق المداد لخبر (نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجلس الملائكة الحافظين) وقيل: تحت الشعر على الخنك وقيل: على اليمين والشمال كما هو ظاهر النص قيل: ويفارقه كاتب السيئات عند الغائط والجماع وفي الصلاة ثم اختلف فيما يكتبانه فقيل: ما فيه أجر ووزر روي ذلك عن محمد كما في (الاختيار) واستدل على ذلك في (الكشاف) بقوله ﵊: (كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرًا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب السيئات دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر).
وقيل: كل شيء حتى أنينه في المرض واختلف في وقت محو المباح والذي عليه الأكثر وهو قول المحققين أنه يوم القيامة والأصح أن كيفية الكتابة والمكتوب فيه مما استأثر الله تعالى بعلمه. فائدة في (تفسير العلامة أحمد الكارزوني) المعروف بالأخوين الأصح أن الكافر أيضًا تكتب أعماله إلا أن كاتب اليمين كالشاهد على كاتب اليسار انتهى.
(والإمام) عطف على القوم (في الجانب الأيمن أو الأيسر) إن كان (أو) ناويًا له (فيهما) أي: في التسليمتين (لو محاذيًا) كذا رواه الحسن عن الإمام لأنه ذو حظ من الجانبين ونوى الإمام بالتسليميتين أيضًا القوم والحفظة وقصره العيني على القوم ولا وجه له يظهر وقوله في (البحر): إن قوله ناويًا القوم والحفظة يعم الإمام والمأموم سهو إذ قوله حينئذ ونوى الإمام تكرار تخص نعم قد قيل: إنه لا ينوي القوم استغناء بإشارته إليهم بالسلام والأصح أنه يويهم وعلم من كلامه أن المنفرد ينوي الحفظة لا غير
стр. 212
وجهر بقراءة الفجر وأوليي العشاءين ولو قضاء والجمعة والعيدين ويسر في غيرها كمتنفل بالنهار وخير المنفرد فيما يجهر
ــ
وقدم القوم على الملائكة هنا وفي (الجامع) وعكس ذلك في (المبسوط)، وكلاهما واحد إذ الواو لا تفيد ترتيبًا كذا في (الشرح) وأيضًا النية عمل القلب وهي تنتظم الكل بلا ترتيب لكن قال فخر الإسلام: للبداءة أثر في الاهتمام ولذا قال أصحابنا في الوصايا بالنوافل: إنه يبدأ بما بدأ به الميت فما في (الجامع) الذي هو آخر المصنفين دال على أن مؤمني البشر أفضل من الملائكة.
قال في (المحيط): وهذا أي: تفضيل الجملة على الجماعة قول بعض أهل السنة والمختار عندنا أن خواص بني آدم وهم الأنبياء والمرسلون أفضل من جملة/ الملائكة وعوام بني آدم وهم الأتقياء أفضل من عوام الملائكة وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم والمراد الأتقياء من الشرك بدليل ما في (الروضة) أجمعت الأمة على أن الأنبياء أفضل الخليقة وأن نبينا ﵊ أفضلهم وأن أفضل الخلائق بعد الأنبياء الملائكة الأربعة وحملة العرش والروحانيون، وأن الصحابة والتابعين والشهداء والصالحين أفضل من سائر الملائكة واختلفوا بعد ذلك.
قال الإمام: سائر الناس أفضل من سائر الملائكة وقالا: سائر الملائكة أفضل والله أعلم. وجهر أي: الإمام لقوله بعد: وخير المنفرد لكن بحسب الجماعة فإن زاد عليه أساء قال في (الخلاصة) ولو اقتدى بعدما قرأ الفاتحة أو بعضها يعني سرًا أعادها (وجهرا بقراءة صلاة الفجر وأوليي العشاءين) أي المغرب والعشاء (ولو) كان المصلي (قضاء) لما أنه يحكي الأداء.
(و) يجهر أيضًا بقراءة (الجمعة والعيدين) والتراويح والوتر في رمضان للتوارث (ويسر) بالقراءة (في غيرها) من أخيرتي العشاء وثالث المغرب وصلاة النهار (كمتنفل) أي: كما يسر المتنفل (بالنهار) بلا خلاف (وخير المنفرد فيما يجهر) فيه بين الجهر والإخفاء أداء كان أو قضاء هو الأصح ورجح في (الهداية) أنه يخافت في القضاء حتمًا، قيد بالمنفرد لأن الإمام لا يخير فيما يجهر كما لا يخير فيما يسر فيه على الأصح.
وفي (مختصر عصام) أنه يخير وجعله في (العناية) ظاهر الرواية استدلالاً بعدم وجوب السهو عليه لو جهر ساهيًا وفيه نظر لأنه إنما وجب على الإمام لعظم جنايته بارتكابه الجهر والإسماع بخلاف المنفرد كذا في (الشرح)، قال في (الفتح): وفيه نظر ظاهر لأنا لا ننكر أن واجبًا قد يكون آكد من واجب لكن لم ينط سجود السهو إلا
стр. 213
كمتنفل بالليل ولو ترك السورة في أولى العشاء قرأها في الأخريين
ــ
بترك الواجب لا بآكد الواجبات فحيث كانت المخافتة واجبة على المنفرد ينبغي أن يجب بتركها سجود السهو (كمتنفل) أي: كما خير المتنفل المنفرد (بالليل) بين الجهر والإخفاء والجهر أفضل ما لم يؤذ نائمًا ونحوه والتقييد بالمنفرد لابد منه لوجوب الجهر في التراويح على الإمام وكان المصنف استغنى عن التقييد لكون الكلام فيه، ولم أر من عرج على هذا من شراح هذا الكتاب قيد بالقراءة لأن الأذكار التي لا يقصد بها الإعلام لا يجهر فيها بل يسر كالتشهد والتأمين والتسبيحات ومنه القنوت في اختيار صاحب (الهداية).
وقال غيره يجهر به هذا واختلف في حد الجهر والإخفاء فاختار الكرخي أنه إسماع نفسه والمخافتة تصحيح الحروف قالوا: وإلى ذلك أشار محمد في (الأصل) عند إعطاء حكم تخيير المنفرد في الجهرية حيث قال: إن شاء قرأ في نفسه وإن شاء جهر فأسمع نفسه قال في (البدائع): وهذا أصح وأقيس وصرح محمد في (الآثار) بأنه إذا حرك شفتيه بالاستثناء فقد استثنى، وهو قول أبي حنيفة واختار الهندواني ونسبه في (الذخيرة) إلى الحلواني أن الجهر إسماع غيره والمخافتة إسماع نفسه زاد في (المجتبى) أو من يقربه وعليه أكثر المشايخ وهو الأصح وإذا علمت هذا فما في (الخلاصة) لو قرأ في المخافتة بحيث سمع رجل أو رجلان لا يكون جهرًا والجهر أن يسمع الكل مشكل وجعله في (المعراج) قول الفضلي وكأنه اختيار له ويتخرج على الخلاف كل ما يتعلق بالنظق كالطلاق والعتاق والاستثناء وتسمية الذبائح وسجود التلاوة والبيع وقيل: الصحيح في البيع أنه لابد أن يسمع المشتري كذا في (الفتح). أقول: ينبغي أن يكون كذلك في كل ما يتوقف تمامه على القبول ولو غير مبادلة كالنكاح.
(ولو ترك) المصلي قراءة (السورة في أولى العشاءين) مثلاً عمدًا كان أو سهوًا وخصهما وإن كان الظهر كذلك لقوله بعد جهرًا (قرأها في الأخيرين) تبع (الجامع الصغير) بالإخبار الجاري من المجتهد مجرى إخبار الشارع الذي هو آكد من الأمر دلالة على الوجوب وهو الأصح كما في (غاية البيان) وصرح في (الأصل) بالاستحباب قال في (الفتح): ولا يخفى أنه أصرح فيجب التعويل عليه في (الدراية)، وكون الإخبار آكد رده في (البحر) بأنه في إخبار الشرع لا في غيره ولا يخفى أن أمر المجتهد ناشيء عن أمر الشارع فكذا إخباره، نعم، قال في (الحواشي السعدية): إنما
стр. 214
مع الفاتحة جهرًا ولو ترك الفاتحة لا وفرض القراءة آية
ــ
يكون دليلاً إذا كان مستعملاً في الأمر الإيجابي وهو ممنوع لم لا يجوز أن يكون المراد الاستحبابي وتكون القرينة عليه ما في الأصل كما أريد بما مر من قوله: افترش رجله اليسرى ووضع يديه على فخذيه. وأمثال ذلك (مع الفاتحة) فيه إيماء إلى أنها واجبة أيضًا وقيل: لا يجب كذا في (البحر) وينبغي ترجيحه وإلى أنه يقدم الفاتحة وقيل: السورة لالتحاقها بالأوليين والأول أشبه ولو نسي الفاتحة فقرأ السورة قرأ الفاتحة ثم السورة وعن الثاني يركع/ والأول اظهر (جهرًا) هذا ظاهر الرواية عن الإمام وهو الصحيح وغير رواية إنما يجهر بالسورة فقط قال التمرتاشي: وهو الصحيح وصرح شيخ الإسلام بأنه الظاهر من الجواب ولا يكون جمعًا للالتحاق وهذا عندهما وقال الثاني: لا يقضيها.
(ولو ترك) قراءة (الفاتحة) في الأوليين (لا) يقرأها في الآخرين والفرق أن قراءة الفاتحة شرعت على وجه يترتب عليها السورة فلو قضاها في الأخريين ترتبت الفاتحة على السورة وهو خلاف الموضوع بخلاف ما إذا ترك سورة لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع.
(وفرض القراءة) في الصلاة (آية) وهي لغة العلامة إما على صدق من أتى بها أو على انقطاع ما بعدها وما قبلها عنها وعرفًا كما قال الجعبري قرآن مركب من جمل ولو تقديرًا ذو مبدأ أو مقطع مندرج في سورة، قال في (البحر): وفي بعض (حواشي الكشاف) أنها طائفة من القرآن مترجمة أقلها ستة أحرف ويرد عليه ﴿لم يلد﴾.
وأقول: قد قيل: بأن الآية هي وما بعدها سورة، ثم قيل: إن آي الإخلاص أربع وقيل: خمس فيجوز أن يكون ما في (الحواشي) بناء على الأول وفي (شرح المصابيح) لزين العرب إنها تقال لكل جملة دالة على حكم من أحكامه تعالى ولكل كلام منفصل عما قبله وبعده بفصل توقيفي آية وكونها توقيفية هو الأصح قال الزمخشري ولذا عدو ﴿ألم﴾ و ﴿المص﴾ آية دون ﴿ألم﴾ و ﴿الر﴾ ثم كون الفرض ما ذكر هو ظاهر الرواية وعن الإمام أنه ما ينطلق عليه اسم القرآن ولم يشبه قصد خطاب أحد قال القدوري: وهو الصحيح من مذهب الإمام وعنه أنه ثلاث آيات قصار أو آية طويلة وبه قالا وهو أحوط كذا في (الأسرار) وقيل: الخلاف مبني على أن الحقيقة المستعملة
стр. 215
وسنتها في السفر الفاتحة وأي سورة شاء
ــ
عنده أولى من المجاز المتعارف وعندهما بالعكس قال في (الدراية): وفيه تأمل ووجهه أنه منع ما دون الآية بناء على عدم كونه قارئًا عرفًا وأجاز الآية لأنه يعد بها قارئًا عرفًا فالحق أن مبنى الخلاف في قيام العرف في عده قارئًا بالقصيرة نعم ذلك مبناه على رواية (القدوري) كذا في (الفتح).
وأثر الخلاف يظهر فيمن لا يحسن إلا آية واحدة يلزمه التكرار عندهما ثلاثًا لا عنده، أما المحسن ثلاثًا لو كرر واحدة ثلاثًا ففي (المجتبى) أنه لا يتأدى به الفرض عندهما وحكى في (الخلاصة) اختلاف المشايخ على قولهما ثم إطلاق المصنف يفيد عدم الفرق بين ما هي كلمات نحو (فقتل كيف قدر) وكلمتين نحو (ثم نظر) أو كلمه اسمًا أو حرفًا نحو (مد هامتان) (ص) (ق) (ن) إذ هي آيات عند بعض القراء وفي الثالث خلاف السرخسي والأصح أنه لا يجوز لأنه يسمى عادًا قال في (البحر): وهو مسلم في نحو صاد لعدم انطباق تعريف الآية عليه أما (مد هامتان) فالمذكور في (البدائع) وغيرها الجواز على قول الإمام من غير ذكر خلاف وأقول: هذا ظاهر في أنه فهم المنع في (مدهامتان) على قوله لعدم كونها آية وهو ممنوع بل لأنه لابد من قدر زائد على ذلك وهو كونه قارئًا عرفًا كما يفصح عن ذلك تعليله لكن في (التجنيس) ذكر السرخسي أن الأشبه الجواز في (ص) و (ن) و (مد هامتان) بالأولى والأول أولى وكون (ص) حرف غلط بل الحرف مسمى ذلك وليس المقروء وهو الاسم صار كلمة كذا في (الفتح).
وفي (الحواشي السعدية): لعله باعتبار الكتابة هو صورة الحرف ولو اقتصر على نصف آية طويلة فإن العامة على الجواز لأن بعض هذه الآيات تزيد على ثلاث آيات قصار وهذا يومئ إلى أن النصف ليس قيدًا.
تنبيه: قد عرف بما ذكرنا أن حفظ قدر ما يجوز به الصلاة من القرآن فرض عين والفاتحة وسورة واجب وأما حفظ جميع القرآن ففرض كفاية كذا في (المضمرات) وأما المسنون سفرًا وحضرًا فسيأتي والمكروه نقص شيء من الواجب قال في (الفتح): وحيث كانت هذه الأقسام ثابتة في نفس الأمر فما قيل: لو قرأ البقرة ونحوها وقع الكل فرضًا كإطالة الركوع والسجود مشكل إذ لو كان كذلك لم يتحقق قدر القراءة إلا فرضًا فأين باقي الأقسام انتهى وجوابه أن هذه الأقسام بالنظر إلى ما قبل الإيقاع.
(وسنتها في السفر) قراءة (الفاتحة وأي سورة شاء) لخبر أبي داود وغيره أنه عليه
следующие страницы →