Полный текст (1 611 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أو وجد عار ثوبًا أو قدر موم أو تذكر فائتة أو استخلف أميًا أو طلعت الشمس في الفجر أو دخل وقت العصر في الجمعة أو سقطت جبيرته عن برء أو زال عذر المعذور
ــ
لأنهما وإن عينا ثلاث آيات لكن لا بقيد كونها سورة واختلف فيما لو كان خلف قارئ والعامة على البطلان قيل: لأن الصلاة بالقراءة حقيقة فوق الصلاة بالقراءة حكمًا فلا يمكنه البناء عليها وقد يمنع بأنها من المقتدي القارئ ليست إلا حكمًا وبناء الكامل على مثله جائز وإن اختلفا شدة وضعفًا فلذا والله أعلم صحح في (الظهيرية) عدمه قال الفقيه: وبه نأخذ.
(أو وجد عار ثوبًا) تجوز فيه الصلاة بأن يكون ساترًا لعورة طاهرًا أو نجسًا وعنده ما يطهره، أو لا إلا أن ربعه طاهر (أو قدر موم) على الركوع والسجود لقوة حاله (أو تذكر فائتة) عليه أو على إمامه ولو وترًا وهو صاحب ترتيب وفي الوقت سعة سيأتي أنها تفسد فسادًا موقوفًا عند الإمام (أو استخلف أميًا) بعدما أحدث لعدم صلاحيته للإمامة واختار أبو جعفر وفخر الإسلام أنها بعد التشهد تامة إجماعًا وصححه في (الكافي) وغيره.
قال في (الفتح): وهو المختار لأن الاستخلاف عمل كثير في نفسه وإنما لا يؤثر ضرورة ولا ضرورة/ هنا لعدم الاحتياج إلى إمام لا يصلح (أو طلعت الشمس في الفجر) ليس المراد أن ينظر إلى القرص بل إذا رأى الشعاع الذي لو لم يكن ثمة حائل يمنعه لرأى القرص كذا في الشرح، (أو دخل وقت العصر في جمعة) قيل: كيف يتحقق الخلاف مع ما عرف من الخلاف في دخول وقت العصر؟ وأجيب بأنه يتأتى على رواية أن بين الوقتين وقتًا مهملاً قال في (العناية): وهذا يخالف قول المصنف أو دخل وقت العصر في الجمعة يعني وعلى تلك الرواية إنما خرج وقت الظهر فقط وقيل: يمكن أن يقعد في الصلاة بعدما قعد قدر التشهد إلى أن يصير الظل مثليه واستبعده في (العناية) واختار في توجيهه أنه على الرواية الموافقة لقولهما ولا يخفى أن التخريج على الصحيح أولى منه على المرجوح فالاستبعاد منظور فيه ولقد أبعد من قال: لم لا يجوز أن يكون هذا من تفريع الإمام على قولهما كما في المزارعة؟.
(أو سقطت جبيرته عن برء أو زال عذر المعذور) بانقطاعه وقتًا كاملاً فإذا انقطع بعد قعوده وقف الأمر وإلى هنا تمت المسائل اثني عشر ومن هنا لقبت باثني عشرية إلا أن هذه النسبة خطأ عند أهل العربية لأن العدد المركب العلمي إنما ينسب إلى صدره فتقول في خمسة عشر علمًا خمسي وغير العلمي لا ينسب إليه وزيد عليها مسائل؛ منها ما لو كان يصلي في الثوب النجس فوجد ما يزيلها لكن هذا داخل تحت قوله أو وجد عار ثوبًا كما سبق وقد أدخله الشارح فيه ثم زاده هنا وهذا عجيب ومنها
стр. 247
وصح استخلاف المسبوق
ــ
ما لو كان يصلي وقتًا فدخلت الأوقات المكروهة وهذا مستفاد من قوله أو طلعت الشمس في الفجر إذ لا فرق بين وقت ووقت، ومنها ما إذا خرج الوقت في المعذور قيل: وهذا مستفاد من قوله أو رأى متيمم ماء بجامع أن المفسد فيها ظهور الحدث السابق. واعلم أن البطلان في الأصل والوصف إلا في تذكر الفائتة وطلوع الشمس وخروج وقت الظهر في الجمعة كذا في (السراج) لهما أن هذه المعاني وإن كانت مفسدة كالحدث والكلام إلا أن حدوثهما إنما جاء بعد التمام وله على ما خرجه البردعي من هذه المسائل قيل: وعليه العامة أن الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض عنده لما أنه لا يمكنه أداء أخرى إلا بالخروج من الأولى وما لا يتوصل إلى الفرض إلا به يكون فرضًا.
قال الكرخي: وهذا غلط لأنه قد يكون بمعصية كحدث ولا يجوز أن يكون فرضًا إذ لو كان لاختص بما هو قربه وهو السلام فالحق أنه لا خلاف في أنه ليس فرضًا وإنما فسدت في هذه المسائل لأن ما يغيرها في أثنائها يغيرها في آخرها كنية الإقامة قال في (العناية): أراد بالمغير ما تجب الصلاة به بعد وجوده وعلى غير هذه الصفة الواجبة التي هي عليها قبله كما في هذه المسائل وقيل: أراد به كون الصلاة جائز الاجتماع به وبضده فإنها تصح بالتيمم والمسح والإيماء وأضدادها والمحققون على ما قاله الكرخي كما في (المجتبى) وفي (المعراج) وهو الصحيح ولو سلم القوم قبل إمامهم بعدما قعد ثم عرض له واحد من هذه العوارض بطلت صلاته دونهم.
(وصح استخلاف المسبوق) من إضافة المصدر إلى مفعوله ويجوز أن يكون إلى فاعله بأن يستخلف المسبوق مسبوقًا إلا أن التفريع الآتي ظاهر في الأول وإنما صح لوجود المشاركة في التحريمة بينه وبين الإمام والأولى أن لا يفعل وكذلك أن لا تقبل ولو قيل: فإن علم كمية صلاة الإمام وكانوا كلهم كذلك ابتداء من حيث انتهى إليه الإمام وإلا أتم ركعة وقعد ثم قام وأتم صلاة نفسه، ولا يتابعه القوم بل يصبرون إلى فراغه فيصلون ما عليهم وحدانًا ويقعد هذا الخليفة على كل ركعة احتياطًا وقيده في (الظهيرية) بما إذا سبق الإمام الحدث وهو قائم، قال في (البحر): ولم يبينوا ما إذا سبقه وهو قاعد ولم يعلم الخليفة كمية صلاته وينبغي على قياس ما قالوه أن يصلي الخليفة ركعتين وحده وهم جلوس فإذا فرغ قاموا وصلى كل أربعًا وحده والخليفة ما بقي ولا يشتغلون بالقضاء قبل فراغه، ولو أشار إليه الإمام أنه لم يقرأ في الأولتين قرأ في الأخريين ثم إذا قام قرأ أيضًا فتكون القراءة في جميع الركعات فرضًا. واعلم أن اللاحق والمقيم خلف المسافر كالمسبوق في أن الأولى عدم استخلافهما فلو وقع
стр. 248
فلو أتم صلاة الإمام تفسد بالمنافي صلاته دون القوم
ــ
أشار اللاحق إليهم أن لا يتابعوه حتى يفرغ أيضًا مما فاته لما أن الواجب عليه أن يبدأ بما فاته أولاً ثم يتابعونه فيسلم بهم فلو تركه قدم غيره ليسلم، ويقدم المقيم بعد الركعتين مسافرًا يسلم بهم ثم يقضي المقيمون ركعتين منفردتين بلا قراءة كما سبق/ حتى لو اقتدوا به بعد قيامه بطلت.
(فو أتم) المسبوق المستخلف (صلاة الإمام) أولاً كما هو اللازم عليه وفيه إيماء إلى أنه لا يقضي ما فاته أولاً فلو فعل كره فقط كما في (الخانية) و (الخلاصة) أي: تحريمًا لقوله في (الفتح): إنه يكون آثمًا وقال الحصيري: إنه الصحيح وجزم في (البدائع) بالفساد لما أنه انفراد في موضع الاقتداء وفي (الظهيرية) هو الأصح وأيده بما قالوه لو أدرك المسبوق إمامه في السجدة الأولى فركع وسجد سجدتين لا تفسد صلاته ولو في الثانية فسدت انتهى.
وكأن وجه الفساد أنه زاد في صلاته ركعة غير معتد بها وهذا إنما يأتي فيما لو أدركه في الثانية ولو صح كونه قاضيًا لما فسدت بخلاف الأولى لما أنه يجب عليه متابعة الإمام فيها فلم تكن الركعة كلها غير معتد بها وأنت خبير بأنه على ما في (الخانية) إنما يتميز كونه قاضيًا بنيته فإذا نوى بذلك قضاء ما فاته أولاً ينبغي أن لا تفسد (تفسد بالمنافي) كضحك ونحوه (صلاته) ومن حاله كحاله وكذا الإمام الأول إن لم يفرغ لا إن فرغ وهو الأصح (دون القوم) لأن المفسد في حقه وجد في خلال صلاته وبعد تمام الأركان في حقهم ولذا خرج عن الإمامة وصار منفردًا فيما يقضي إلا في أربعة مواضع لا يقتدي ولا يقتدى به قال في (البحر): واستثنى في (الدرر والغرر) من هذا أنه يصح استخلافه وهو سهو لأن كلامهم فيما إذا قام إلى قضاء ما سبق به وفي هذه الحالة لا يصح الاقتداء به أصلاً.
وأقول: عبارته فيها المسبوق فيما يقضي له جهتان جهة الانفراد حقيقة حتى يثني ويتعوذ ويقرأ وجهة الاقتداء حتى لا يؤتم به وإن صلح للخلافة أي: من حيث كونه مسبوقًا لا بخصوص كونه قاضيًا، ومن العجيب أن ما حكم عليه هنا بأنه سهو جزم به في (الأشباه والنظائر) على أنه مستثنى من قولهم ولا يقتدى به وقد علمت ما هو الواقع ويلزمه السجود بسهو إمامه وإن لم يحضر في سهوه ويأتي بتكبيرات
стр. 249
كما تفسد بقهقهة إمامه لدى اختتامه لا بخروجه من المسجد وكلامه ولو أحدث في ركوعه أو سجوده توضأ وبنى وأعادهما ولو ذكر راكعًا أو ساجدًا سجدة فسجدها لم يعدهما
ــ
التشريق، ولو كبر ناويًا الاستئناف صح بخلاف المنفرد (كما تفسد) صلاته (بقهقهة إمامه) ونحوها (لدى) أي: عند (اختتامه) أي: الإمام في قول الإمام وقالا: لا تفسد لأن هذا العارض لم يؤثر في صلاة الإمام مع صدوره منه، فالأولى أن لا يؤثر في المسبوق وله أن الحدث مفسد للجزء الذي يلاقيه من صلاة الإمام إلا أنه لما لم يحتج إلى البناء لتمام الأركان لم يضره ذلك بخلاف المسبوق لاحتياجه إليه وفساد هذا الجزء يمنعه من البناء عليه لأن البناء على الفاسد فاسد، والخلاف مقيد بما إذا لم يتأكد انفراده أما إذا تأكد بأن أتى بركعة تامة كأن قام قبل سلامه تاركًا للواجب أو في موضع يجوز له القيام قبله كأن خاف وهو ماسح تمام المدة لو انتظر سلامه وفي الجمعة والعيدين أو خاف المعذور خروج الوقت أو أن يبتدره الحدث أو أن تمر الناس بين يديه كما إذا كان في الصف الثاني مثلاً ثم فعل ذلك لم تفسد اتفاقًا قيد بالمسبوق لأن اللاحق فيه روايتان والأصح الفساد كما في (السراج).
لكن رجح في (الظهيرية) عدمه معللاً بأن النائم كان خلف الإمام والإمام تمت صلاته فكذا النائم قال في (البحر): وفيه نظر للفرق بينهما وذلك أن الإمام لم يبق عليه شيء بخلاف اللاحق وفي (الفتح) لو فعل الإمام ذلك بعدما قام اللاحق يقضي ما فاته لا تفسد وإلا تفسد عنده وأقول: قد سبق أن الإمام الأول إذا لم يفرغ من صلاته وقد أتى المسبوق الخليفة بمناف تفسد صلاته على الراجح مع أنه لاحق وهذا يعكر على ما في (الفتح) ويؤيد ما في (السراج) (لا) تفسد صلاة المسبوق (بخروجه) أي: الإمام (من المسجد وكلامه) اتفاقًا لأنهما قاطعان لا مفسدان.
(ولو أحدث) المصلي (في ركوعه أو) في (سجوده توضأ وبنى) على صلاته (وأعادهما) أي: فعلهما مرة أخرى لعدم الاعتداد بالمفعول أولاً أما على قول محمد فلأن إتمام الركن بالانتقال ولم يوجد وأما على قول الثاني فلأن السجدة وإن تمت بالوضع إلا أن القومة والجلسة فرض عنده ولا يتحقق لهما بغير الطهارة حتى لو لم يعدها فسدت ولو استخلف غيره دام المتقدم على ركوعه وسجوده.
(ولو ذكر) أي: تذكر حال كونه (راكعًا أو ساجدًا سجدة) صلبية أو تلاوية (فسجدها لم يعدهما) أي: الركوع والسجود لزومًا وإن ندبت الإعادة فظاهر ما في (الخانية) أنه يعيدهما والأصح لا، لما مر من أن الترتيب ليس بفرض فيما شرع مكررًا في كل الصلاة أو في كل الركعة بخلاف المتحد واعترض بأن انتفاء الافتراض لا
стр. 250
ويتعين المأموم الواحد للاستخلاف بلا نية.
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
يفسد الصلاة التكلم،
ــ
يستلزم/ ثبوت الأولوية لجواز الوجوب بل هو الثابت على ما مر في الواجبات من أن منها مراعاة الترتيب فيما شرع مكررًا وأجاب في (الكافي) بأنه سقط بالنسيان لكنه لم يدفع الاعتراض من الوارد على التعليل السابق بل تعليله إنما يكون بسقوط الوجوب بالنسيان كذا في (الفتح) أي: لم يعدهما فرضًا لأن مراعاة الترتيب في المكرر ليست بفرض ولا وجوبًا لسقوطه بالنسيان فتعين الندب لتقع الأفعال مرتبة بقدر الإمكان مع أن ما في (الكافي) ممنوع إذ الساقط بالنسيان إنما هو ترتيب الفوائت أما الواجبات فنسيانها يوجب السجود والجواب أنهم لم يمنعوا وجوب السجود إنما الممنوع لزوم الإعادة كذا في (البحر).
وقيد في (الفتح) ندبها بما إذا قضاها عقيب التذكير فإن أخرها إلى آخر الصلاة قضاها فقط وفي (الخانية): لو تخلل بين المتروكة وبين التي تذكرها فيها ركعة تامة لا ترتفض باتفاق الروايات وإن لم تكن تامة فكذلك في ظاهر الرواية وروى الحسن أنها ترتفض، قيد بالتذكر فيها لأنه لو تذكرها في القعدة فسجدها أعادها وبالسجدة لا لأنه لو تذكر في الركوع لم يقرأ السورة فعاد إليها أعاده (ويتعين المأموم الواحد) الصالح للإمامة (للاستخلاف بلا نية) لعدم المزاحم مع صيانة الصلاة أما غير الصالح كالصبي والمرأة فإن استخلفه بطلت صلاة الإمام أيضًا إجماعًا وإلا بطلت صلاة المقتدي فقط على الأصح كما في (المحيط) وغيره لأن الإمامة لم تتحول إليه لعدم صلاحيته فبقي بلا إمام، ولابد أن يقيد هذا بما إذا خرج الإمام من المسجد لما مر من أنه إذا لم يخرج فهو على إمامته حتى لو توضأ في المسجد وعاد إلى مكانه صح، ولو أحدثا معًا وخرجا من المسجد فسدت صلاة المقتدي دون الإمام كذا في (التجنيس) والله الموفق للصواب.
باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها
شروع في العوارض الاختيارية بعد الفراغ من السماوية وقدمها لأنها أعرق في العارضية (يفسد الصلاة) مطلقًا (التكلم) أي: النطق بالحروف سمي كلامًا أو لا، وهذا أولى من تعبير (المجمع) بالكلام كذا في (البحر) وفيه نظر إذ مبناه على أن المراد به النحوي وليس بمتعين لجواز أن يريد به اللغوي بل هو الظاهر أطلقه فشمل
стр. 251
والدعاء بما يشبه كلامنا، والأنين، والتأوه، وارتفاع بكائه من وجع أو مصيبة
ــ
الخطأ بأن قصد القراءة فجرى على لسانه كلام الناس والنسيان بأن قصد كلام الناس ناسيًا أنه في الصلاة والسهو والفرق بينه وبين النسيان أن الصورة الحاصلة عند العقل عما من شأنه الملاحظة في الجملة إن كانت بحيث يتمكن من ملاحظتها أي وقت شاء سمي ذهولاً وسهوًا أو إلاَّ بعد كسب جديد سمي نسيانًا وكلام النائم أيضًا وبالفساد قال كثير من المشايخ وهو المختار خلافًا لما اختاره فخر الإسلام قال في (البحر): وشمل أيضًا قراءة التوراة والإنجيل والزبور كما في (المجتبى) وقال في (الأصل): لم يجزئه وعن الثاني إن أشبه التسبيح جاز وأقول: يجب حمل ما في (المجتبى) على المبدل منها إن لم يكن ذكرًا أو تنزيهًا وقد سبق أن غير المبدل يحرم على الجنب قراءته ولو لدغته عقرب فقال: بسم الله فسدت عندهما خلافًا للثاني كذا في (السراج) وفي (الخانية) وقيل: لا تفسد وعليه الفتوى.
(و) يفسد أيضًا (الدعاء) من عطف الخاص على العام اهتمامًا بشأنه وتنصيصًا على الرد على من خالفه (بما) أي: بلفظ (يشبه كلامنا) هذا ينبغي أن يكون قيدًا في التكلم والدعاء كذا في (البحر).
وأقول: ظاهر ما في (الشرح) وعليه جرى العيني أنه قيد في الدعاء فقط وهو الظاهر لاشتمال الدعاء على ما يشبه كلامنا وما لا يشبهه بخلاف التكلم فإنه يفسد وإن لم يشبه كلامنا كالمهمل ولا شك أن كونه قيدًا فيه يخرجه فتدبر وقد مر الفرق بين ما يشبه كلامنا وما لا يشبه، (و) يفسدها أيضًا (الأنين) وهو صوت المتوجع كذا في (العناية) وخصه العيني بالحاصل من قوله آه، وقيل: هو قوله آه (والتأوه) وهو قوله أوه قال الحلبي: وفيه ثلاث عشرة لغة منها أة فيسميه الأول أنينًا والثاني تأوهًا اصطلاح انتهى. وأنت خبير بأن هذا إنما يتأتى على ما مر من أنه لفظ آه أما أنه صوت المتوجع فالفرق بين.
(و) يفسدها أيضًا (ارتفاع بكائه) إن حصل به حروف كما في (الفتح) وفي (الصحاح) البكاء يمد ويقصر فإذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها (من وجع) في بدنه (أو مصيبة) في نفسه أو ماله وهذا الجار والمجرور قيد في الثلاثة وإنما أفسد لأن فيه إظهار التأسف والوجع فكان من كلام الناس قال في (فتح القدير): وهذا صريح في أن كونه إظهارًا بلفظ هو المصير له كلامًا فلا يحتاج/ في تقديره إلى قولهم: لأنه إذا كان إظهارًا للوجع فكأنه قال: أدركوني وأعينوني إذا يعطي ظاهره أن كونه دالاً على ذلك الكلام صيره كلامًا وهو الحق وعن الثاني عدم الفساد في آه بناء على أصله أن الكلمة إن استعملت على
стр. 252
لا من ذكر جنة أو نار والتنحنح بلا عذر،
ــ
حرفين زائدين أو أحدهما زائد لا تفسد ولو أصليين أفسدت أما لو زادت على الحرفين أفسدت على كل حال كذا في (العناية) ويوافقه ما في (المجتبى) لا تفسد عنده في وقف مخففًا، والأصح الفساد في المشدد إلا أنه في (الخلاصة) قال: اختلف المشايخ في الثلاثة على قوله والأصح أنها لا تفسد فيحتمل أن عنه روايتين وحروف الزوائد عشرة قال الشيخ شعبان في تصحيح (ألفية ابن معطي): إنها جمعت عشرين جمعًا وسردها لكن بعضها مؤاخذ فيه ولم يجمعها أحد أربع مرات في بيت إلا ابن مالك في (شرح الكافية) حيث قال:
هناء وتسليم تلي يوم أنسه .... نهاية مسئول أمان وتسهيل
قال: وفيه نظر، لأن تلا ثلاثي من بنات الياء، وإذا رسم بها تكرر معنى وضع الياء كما تكرر معنى لفظ الهاء وليس بجيد، والصواب أنه يؤتى بها على لفظ المطابقة لفظًا وخطًا كقول بعضهم: سألتمونيها أو كقولي أسهل ما تنوي انتهى.
وليس المراد بكونها زوائد أن تكون كذلك حيث ما وقعت بل إنه لو زيد حرف كان من هذه الحروف ولهما أن الفساد إنما هو باللفظ المفيد للمعنى وإن لم يكن موضوعًا إذ المؤثر في الإفساد كونه خارجًا عن عمل الصلاة وذا لا يتوقف على الوضع (لا) يفسدها الأنين أو التأوه أو ارتفاع البكاء (من ذكر جنة أو نار) لدلالة ذلك على الخشوع المطلوب في الصلاة قيد بالأنين لأنه لو استعطف كلبًا أو هرة أو ساق حمارًا لا تفسد لأنه صوت لا هجاء له وبارتفاع البكاء لأنه لو خرج معه بلا صوت لم تفسد بلا خلاف كذا في (البحر) وأقول: هذا ظاهر في أن مجرد الصوت مفسد وقد بينا أنه لابد أن يحصل به حروف ولو وسوسه الشيطان فحوقل إن من أمور الدنيا فسدت لا من أمور الآخرة.
(و) يفسدها أيضًا (التنحنح بلا عذر) وهو وصف يطرأ على المكلف يناسب التخفيف عليه قيد بعدم العذر لأنه لو كان بعذر بأن كان مبعوث الطبع لم تفسد بلا خلاف وإن وجدت الحروف والأنين والتأوه كالتنحنح أورد أنه لو تنحنح لإصلاح صوته وتحسينه لا تفسد على الأصح وكذا لاهتداء الإمام عن خطئه أو لإعلام أنه في الصلاة فلو قال: وغرض صحيح لكان أشمل وأقول: لو فسر قوله بلا عذر أي: حاجة لاندفع هذا، نعم لو حذف قوله لا من ذكر جنة أو نار واستغنى عنه بقوله بلا عذر
стр. 253
وجواب عاطس بيرحمك الله، وفتحه على غير إمامه، والجواب بلا إله إلا الله،
ــ
لكان أولى لأنه حينئذ يكون قيدًا في الكل أعنى الأنين والتأوه وارتفاع البكاء والتنحنح (و) يفسدها أيضًا (جواب عاطس) لغيره (بيرحمك الله) لو قال: الحمد لله فإن عين الجواب اختلف المشايخ أو التعليم فسدت أو لم يرد واحدًا منهما لا تفسد اتفاقًا ولو قال العاطس بعد ترحمه، آمين فسدت صلاته أيضًا ولو قالها أيضًا من هو بجانبه لا تفسد كذا في (الخانية) وعلله في (الظهيرية) بأنه لم يدع له قال في (البحر): ويشكل عليه ما في (الذخيرة) إذا أمن المصلي لدعاء رجل ليس في الصلاة تفسد صلاته وهو مفيد لفساد صلاة الآخر وأقول/ إنا لا نسلم أن الثاني تأمين لدعائه لانقطاعه بالأول وإلى هذا يشير التعليل.
(و) يفسد أيضًا (فتحه) أي: المصلي (على غير إمامه) هذا شامل لفتح المقتدي على مثله وعلى غير المصلي وعليه وحده أي: على المصلي وحده وعلى إمام آخر ولفتح الإمام والمنفرد على أي شخص كان إن أراد به التعليم لا التلاوة، وقيد به لأن فتحه على إمامه غير مفسد سواء قرأ قدر ما تجوز به الصلاة أم لا انتقل إلى آية أخرى أم لا كرره أم لا هو الأصح لإطلاق الحديث أعني قوله ﵊: (إذا استطعمك الإمام فأطعمه) وقيده في (القنية) أن لا يسمعه المقتدي ممن ليس في الصلاة فلو سمعه وفتح به يجب أن تبطل صلاة الكل لأن التلقين من خارج، ويكره الفتح من ساعته كما يكره للإمام أن يلجئه إليه بل ينتقل إلى آية أخرى لا يلزم من وصلها ما يفسد الصلاة وإلى سورة أخرى أو يركع إذا جاء أوانه كذا في (المحيط) واختلف في أوانه ففي رواية إذا قرأ القدر المستحب وفي أخرى إذا قرأ قدر الفرض وعليها اقتصر الشارح والأولى/ هي ظاهر الدليل كما في (الفتح) لا القراءة.
(و) يفسدها أيضًا (الجواب) بنحو (لا إله إلا الله) من كل كلمة هي ذكر أو قرآن أريد به الجواب كما إذا سمع قول القائل أمع الله آخر أأخبر بخبر رسوله فقال: لا إله إلا الله أو سمع الأذان أو اسمه ﵊ فأجابه أو صلى أراد به الجواب أو لم يكن له نية ولو قال: لبيك عند قول القارئ ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ففي فسادها قولان وفي (القنية) قال: عند قراءة الإمام صدق الله ورسوله أو ذكر في التشهد الشهادتين عند ذكر المؤذن لهما وأراد الجواب فسدت وأدخل (البحر) هذه الفروع في جواب عاطس وما سلكناه أولى وهذا عندهما وقال الثاني: لا تفسد لأنه
стр. 254
والسلام
ــ
ثناء بصيغته فلا يتغير بعزيمته قلنا: ممنوع ألا ترى أن الجنب لو قرأ الفاتحة على قصد الثناء جاز قال في (الفتح): وأقرب ما ينقض به كلامه ما وافق عليه من الفساد بالفتح على قارئ غير الإمام فهو قرآن وقد تغير إلى وقوع الفساد به بالعزيمة انتهى وفيه نظر أما أولاً فلأن الثاني لا يقول بالإفساد به بالعزيمة كما في (الشرح) ولئن سلم فلكونه تعليمًا.
قال في (البحر): ولا خلاف في الفساد فيما لو قال لمن اسمه يحيى أو موسى ﴿يا يحيى خذ الكتاب بقوة﴾ (مريم: ١٢) ﴿أو يا بني اركب معنا﴾ (هود: ٤٢) أو نحو ذلك مريدًا به الخطاب إذ لا يشكل على أحد أنه متكلم لا قارئ قيد بالجواب لأنه لو استأذن على المصلي فسبح مريدًا به الإعلام أنه في الصلاة لا تفسد وكذا لو عرض للإمام شيء فسبح لما مر إلا أنه إذا قام إلى الأخيرين لا يسبح إذ لا يجوز له الرجوع إذا كان إلى القيام أقرب كذا في (البدائع) قال في (البحر): وينبغي الفساد حينئذ لعدم الحاجة ثم رأيته في (المجتبى) قال: لو قام إلى الثالثة في الظهر قبل أن يقعد فقال المقتدي: سبحان الله قيل: لا تفسد وعن الكرخي تفسد وأقول: الظاهر أن هذا الاختلاف له التفات إلى آخر هو أنه لو عاد بعدما كان إلى القيام أقرب ففي فساد صلاته خلاف وعلى عدمه فهو مفيد.
(و) يفسدها (السلام) عمدًا كان أو سهوًا اشتمل على خطاب أو لا كما في (الخلاصة) وقيده صدر الشريعة وصاحب (المجمع) بالعمد لأنه من الأذكار ففي غير العمد يجعل ذكرًا وفي العمد كلامًا بخلاف الرد لأنه محض كلام فيفسد مطلقًا فيحمل ما هنا على سلام التحية بقرينة عطف الرد عليه، وهذا لا فرق فيه بين الرد وغيره وما قاله صدر الشريعة على سلام التحليل، ولذا قال في (البدائع): السلام على إنسان مبطل مطلقًا وأما السلام وهو الخروج من الصلاة فمفسد إن كان عمدًا انتهى وقيده في (القنية) بما إذا كان قاعدًا أو قائمًا في صلاة الجنازة أما لو سلم قائمًا في غيرها فسدت.
وقيل: يبني لأنه سلم في غير محله فلا يعد نسيانه عذرًا لأن حالهما حالة مذكرة وفيها سلم المسبوق ودعا بدعاء كان له عادة أعاد ولو قال: أستغفر الله وهو عادته لا يعيد ولو قال بعد الترويحة سبحان الله إلى آخره كما هو المعتاد ينبغي أن تفسد ثم رأيت في (زاد الفقير) للعلامة ابن الهمام كلامًا حسنًا هنا قال: الكلام مفسد إلا السلام ساهيًا وليس معناه السلام على إنسان إذ صرحوا بأنه إذا سلم على إنسان ساهيًا فقال: السلام ثم علم فسكت تفسد صلاته بل المراد السلام للخروج
стр. 255
ورده، وافتتاح العصر أو التطوع
ــ
من الصلاة ساهيًا قبل ?تمامها ومعنى المسألة ?نه يظن أنه أكمل أما ?ذا سلم في الرباعية مثلاً ساهيًا بعد ركعتين على ظن أنها ترويحة ونحو ذلك تفسد فليحفظ هذا انتهى.
(ورده) بالفظ لما سيأتي من أنه باليد مكروه فقط وجعله في (المجمع) مفسدًا آخذًا من قولهم: لو صافح المصلي غيره بنية السلام فسدت قال حسام الأئمة: فعلى هذا تفسد إذا أراد بالإشارة لأنه كالتسليم باليد لكن قال الحلبي: صريح كلام الطحاوي يفيد أن عدم الفساد في الرد باليد هو قول الثلاثة وحينئذ فيحتاج إلى الفرق بينه وبين المصافحة وقول الشارح: إن المصافحة كلام معنى يرد عليه أن الرد عليه باليد كلام معني أيضًا فالأولى أن يعلل الفساد في المصافحة بأنه عمل كثير بخلاف الرد باليد وقد ذكر الشارح أنه يكره السلام على المصلي والقارئ والجالس للقضاء أو البحث في الفقه أو التخلي وزيد عليه مواضع وأحسن منن جمعها الشيخ صدر الدين الغزي فقال رحمه الله تعالى: سلامك مكروه على من تسمع .... ومن بعد ما أبدى يسن يشرع
مصل وتال ذاكر ومحدث ..... خطيب ومن يصغي ?ليهم ويسمع
مكرر فقه جالس لقضائه ..... ومن بحثوا في العلم دعهم لينفعوا
ومؤذن أيضًا أو مقيم مدرس .... كذا الأجنبيات الفتيات أمنع
ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم .... ومن هو مع أهل له يتمتع
ودع كافرًا أيضًا ومكشوف عورة .... ومن هو في حال التغوط أشنع
ودع آكلاً إلا إذا كنت جائعًا .... وتعلم منه أنه ليس يمنع
قال: وقد زدت عليه المتفقة على أستاذه كما في (القنية) ومغن ومطير الحمام وألحقته فقلت:
كذلك أستاذ مغنٍ مطير .... فهذا ختام والزيادة أنفع
(و) يفسدها أيضًا (افتتاح العصر أو التطوع) بأن صلى ركعة من الظهر مثلاً ثم افتتح العصر أو التطوع بتكبيرة فإن كان صاحب ترتيب كان شارعًا في التطوع عندهما خلافًا لمحمد أو لم يكن بأن سقط للضيق أو للكثرة صح شروعه في العصر لأنه نوى تحصيل ما ليس بحاصل فخرج عن الأول فمناط الخروج عن الأول صحة الشروع في المغاير ولو من وجه فلذا لو كان منفردًا فكبر ينوى الاقتداء أو عكسه أو
стр. 256
لا الظهر بعد ركعة الظهر وقراءته من مصحف،
ــ
إمامة النساء فسد الأول وكان شارعًا في الثاني وكذا لو نوى نفلاً أو واجبًا أو شرع في جنازة فجيء بأخرى فكبر ينويهما أو الثانية يصير مستأنفًا على الثانية كذا في (فتح القدير) وفيه إفادة أنه لو كبر وهو يصلي الظهر ناويًا العصر أيضًا صار متنفلاً عن الظهر وهو حسن (لا) يفسدها افتتاح (الظهر).
وقوله: (بعد ركعة الظهر) ظرف للافتتاح الملفوظ أو المقدر أي: يفسدها افتتاح العصر أو التطوع بعد ركعة الظهر ولا يفسدها افتتاح الظهر بعد ركعة الظهر ومعلوم أن هذا كله إذا لم يتلفظ بلسانه أما إذا قال: نويت أن أصلي كذا صار داخلاً في الثاني مطلقًا.
(و) يفسدها أيضًا (قراءته من مصحف) أراد به ما كتب فيه شيء من القرآن وهذا قول الإمام وقالا: يكره فقط لأنها عبادة ضمت إلى مثلها وله أن حمل المصحف وتقليب أوراقه عمل كثير يقطع من رآه أنه ليس في الصلاة ولأنه يتلقن منه فأشبه التلقن من غيره فهاتان علتان وعلى الثانية لا فرق بين المحمول وغيره في الفساد وقال السرخسي: وهو الصحيح ولا بين قراءته مما يمكن حمله أو لا كالمحراب وهو الأصح بقي لو لم يقدر على القراءة إلا منه فصلى بغيرها فالأصح أنه يجوز كذا في (الظهيرية) وفي (النهاية): عن الفضل أنه كان يقول في التعليل للإمام: أجمعنا على أنه لو لم يقدر على القراءة إلا من المصحف فصلى بغير قراءة جاز ولو كانت منه جائزة لما أبيحت بغير القراءة إلا أنهما لا يسلمان هذه المسألة وبه قال بعض المشايخ قال في (البحر): والظاهر أن ما في (الظهيرية) متفرع على العلة الأولى وما في (النهاية) على الثانية ثم قال: وإطلاقه يفيد أنه لا فرق بين القليل والكثير ولا بين الحافظ وغيره لكن قال الرازى: ما قاله الإمام محمول على غير الحافظ، أما الحافظ فلا تفسده صلاته في قولهم جميعًا وجزم به في (فتح القدير) و (النهاية) و (التبيين) وهذا وجيه انتهى.
وأقول: إطلاق عدم الفساد في الحافظ إنما يتم على العلة الثانية أما على الأولى فلا فرق بين الحافظ وغيره وعبارة الشارح ولو كان يحفظ وقرأ من غير حمل قالوا: لا تفسد لعدم الأمرين، وفي (الفتح) ولو كان يحفظ إلا أنه نظر وقرأ لا تفسد وهاتان العبارتان لا غبار عليهما.
стр. 257
والأكل والشرب
ــ
(و) يفسدها أيضًا (أكله وشربه) ولو ناسيًا لأن كل واحد منهما عمل كثير قال في (الخانية): لأنه عمل اليد والفم واللسان واستشكله الحلبي لو أخذ بسمسمة أو وقع في فيه قطرة مطر فابتلعهما فإنها تفسد مطلقًا كما نص عليه وليس كل أكل يفسد بل ما يفسد الصوم وهو أكل مقدار الحمصة كذا في (الشرح) تبعًا (للخلاصة) و (البدائع)، وجعل في (الخانية) هذا قول البعض وقال بعضهم: ما دون ملء الفم لا يفسد وفرق بين الصلاة والصوم وما في (الشرح) أولى ونبه بالأكل والشرب على أن العمل الكثير يفسد لا غيره واختلفوا في الفارق بينهما أقوال فقيل: ما يعمل بيد واحدة قليل وباليدين كثير واختاره أبو الفضل وقيل مفوض إلى رأي المصلي إن استكثره فكثير مفسد وإلا لا قال الحلواني: وهذا أقرب الأقوال إلى دأب الإمام وقيل: الكثير ثلاث والقليل ما دونه.
وقيل: إن كان العامل بحيث لو رآه راء على بعد تيقن أنه ليس في الصلاة فكثير وإن شك أنه فيها أو لم يشك فقليل قال في (البدائع): وهذا أصح وتبعه الشارح وغيره واختاره العامة كما في (الفتح) وقال الشهيد: إنه الصواب قال الحلبي: والظاهر أن مرادهم بالناظر من لا علم له بأنه في الصلاة قال في (البحر): ولم أر من رجح الأول، وقد يقال: إنه غير صحيح فإنه لو مضغ العلك في صلاته فسدت وليس فيه استعمال اليد وأقول: لا خفاء أن قيد الحيثية مراعى فمعنى ما يعمل باليدين كثير أي: من حيث أنه يعمل بهما والله أعلم.
فروع مهمة: أرضعته أو ارتضعها هو فنزل لبنها فسدت ولو مص مصة أو مصتين ولم ينزل لا تفسد ولو ثلاثًا فسدت وإن لم ينزل كذا في (الخلاصة) و (الخانية)، والمذكور في (المحيط) و (المنية) أنها تفسد بخروج اللبن من غير تقييد بعدد لا إن لم ينزل وصححه في (الدراية)، وفي (القنية) مص ثديها ثلاثًا فسدت وإلا فلا وفي (النوادر) ونزل لها لبن وهو الأصح وهذا ظاهر في أن الفساد بالثلاث مقيد بالنزول قال في (البحر): وقولهم لو أرضعت ولدها فسدت شمل لما إذا حمل إليها فدفعت إليه الثدي وما ارتضع من ثديها وهي كارهة وأقول: هذا سهو ظاهر وأنى يقال في ارتضاعه من غير فعل منها أنها أرضعته، ولو قبل المصلية ولو بغير شهوة أو مسها بشهوة فسدت، ولو قبلته ولم يشتهها لم تفسد كذا في (الخلاصة) قال في (الفتح): والله أعلم بوجه الفرق وذلك أنه لا صنع للمصلي في الوجهين وفي (المجتبي) لو قبل المصلية لا تفسد وقال أبو جعفر: إن كان بشهوة فسدت والأول مفيد للتسوية وعلى ما في (الخلاصة) قد فرق بأن الشهوة لما كانت
стр. 258
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في النساء أغلب كان تقبيله مستلزمًا لاشتهائها عادة بخلاف تقبيلها ولو نظر إلى فرجها بشهوة لا تفسد في المختار وإن صار مراجعًا، والفرق لا يخفى، ولو نتف ثلاث شعرات أو حك ثلاثًا في ركن أو كتب ثلاث كلمات أو رمى عن قوس أو ضرب إنسانًا كذلك فسدت، لكن قيد في (الخلاصة) مسألة الحك بما إذا رفع يده أما إذا لم يرفعها فلا فساد لأنه حك واحد وفي (الظهيرية) ما يخالفه حيث قال: ولو حك موضعًا واحدًا من جسده بدفعة واحدة فسدت وكل هذا مبني على قول من فسر الكثير بالثلاث أما على الراجح فلا يتقيد بها.
ولذا قال في (المحيط): لو كتب في صلاته على شيء فسدت صلاته وإن على شيء لا يرى لا تفسد ولم يقيده بالثلاث، نعم على قولهم لو قتل القمل قتلاً متداركًا فسدت إلا إن كان بين القتلات فرجه فجاز على كل الأقوال. وأما قولهم لو حرك رجلاً لا على الدوام لا تفسد ولو رجلين فسدت فمشكل إذ الظاهر أن تحريك اليدين فيها غير مبطل ليلتحق به تحريك الرجلين فالوجه قول بعضهم إن حركهما قليلاً لا تفسد ولو كثيرًا فسدت وكأن الفارق العرف، والحاصل أن الاختلاف في الفروع من هنا مبناه على الاختلاف في التخريج.
تكميل: بقى من المفسدات الموت والارتداد بالقلب والجنون والإغماء وكل ما أوجب الوضوء والغسل وترك ركن بلا قضاء أو شرط بلا عذر ومنها زلة القارئ وأحسن من لخص كلامهم فيها الكمال في (زاد الفقير) فقال: إن كان الخطأ في الإعراب ولم يتغير به المعنى ككسر قوامًا مكان فتحها وفتح باء نعبد مكان ضمها لا تفسد وإن غير كنصب همزة العلماء وضم هاء الجلالة من قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨) تفسد على قول المتقدمين.
واختلف المتأخرون فقال ابن الفضل وابن مقاتل وأبو جعفر الحلواني وابن سلام وإسماعيل الزاهد: لا تفسد وقول هؤلاء أوسع وإن كان بوضع حرف مكان حرف ولم يتغير المعنى نحو إياب لم تفسد وعن أبي يوسف نفسد وكثيرًا ما يقع في قراءة بعض القرويين والأتراك والسودان وإياك نعبد بواو مكان الهمزة والصراط الذين بزيادة الألف واللام وصرحوا في الصورتين بعدم الفساد وإن غير فإن أمكن الفصل بين الحرفين من غير مشقة كالطاء مع الصاد كالطالحات مكان الصالحات تفسد عند الكل وإن لم يمكن إلا بمشقة كالضاد والظاء اختلفوا وأكثرهم لم يفسدها وخرج عن هذا آيات كثيرة من يعالج مخارج الحروف وفي زيادة الحرف وإن لم يتغير المعنى نحو رادوه إليك لم تفسد وإلا فسدت نحو ﴿يس والقرآن الحكيم وإنك لمن المرسلين﴾ (يس: ١ - ٣)
стр. 259
ولو نظر إلى مكتوب وفهمه، أو أكل ما بين أسنانه، أو مر مار في موضع سجوده،
ــ
لأنه جعل جواب القسم قسمًا كذا ذكروه، والله أعلم بصحته وفي نقصه نحو فجاءهم في فجاءتهم لا تفسد/ إلا أن يكون الحرف من أصل الكلمة كما قال ربيًا أو عريًا في عربيًا فتفسد إما لتغيير المعنى أو لأنه يصير لغوًا إلا أن يكون لغوًا يصح حذفه ترخيمًا نحو يا مال في يا مالك وفي تعدد الحرف إن تغير فسدت وإلا فلا وقيل: فسدت لأنه لا يخلو عن تغيير وفيه ما لا يخفى وفي ذكر كلمة مكان أخرى فإما أن توجد مثل ألق بها الخطأ في الإعراب أو لا وعلى التقديرين إما أن يخالف التي جعلها موضعها معنى أو لا فهذه أربعة أوجه ففي الأول تفسد كما لو قرأ إنا كنا غافلين مكان فاعلين وفي الثاني لا تفسد كما لو قرأ الحكيم مكان العليم وليفهم من هذا معنى الموافقة وفي الثالث تفسد كما لو قرأ إن الفجار لفي جنات وفي الرابع لا تفسد كما لو قرأ طعام الفجار مكان الأثيم والله الموفق.
(ولو نظر) المصلي (إلى مكتوب) قرآن أو غيره (وفهمه) أما عدم الفساد بالقرآن فلا خلاف فيه وأما غيره فقيل: هو قول الثاني وبه أخذ مشايخنا وعند محمد تفسد وبه أخذ الفقيه قياسًا على ما إذا حلف لا يقرأ كتاب فلان فنظر فيه وفهمه والأصح أنه متفق عليه، والفرق أن الفساد بالعمل الكثير ولم يوجد والمقصود من اليمين الفهم وقد وجد وهل يكره ذلك؟ ففي (منية المصلي) ما يقتضيها حيث قال: ولو أنشأ شعرًا أو خطبة ولم يتكلم بلسانه لا تفسد وقد أساء وعلله شارحها بأنه اشتغل بما ليس من أعمال الصلاة بلا ضرورة ثم قال: وينبغي أن يجب عليه السهو إذا أشغله ذلك عن أداء ركن أو واجب انتهى.
(أو أكل ما بين أسنانه) مما هو دون الحمصة لأنه مما لا يمكن الاحتراز عنه ولهذا لا يبطل به الصوم فصار كالريق أما إذا كان حمصة فما فوقها أفسد كذا في (الشرح) تبعًا (للبدائع) و (شرح الطحاوي) وفي (الولوالجية) لو ابتلع ما بين أسنانه وكان قدر الحمصة فسد صومه دون صلاته، والفرق أن إفساد الصوم بوصول ما يتغذى به وقد وجد والصلاة بالعمل الكثير ولم يوجد وقدمنا عن (الخانية) أن ما دون ملء الفم لا يفسد قال في (البحر): وينبغي أن يكون محل الخلاف فيما إذا ابتلع ما بين أسنانه بلا مضغ أما إذا مضغه كثيرًا فلا خلاف في الفساد، وعلى هذا فلو عبر الصنف بالابتلاع لكان أولى وأقول: فيه بحث إذ قد تقرر أن العمل القليل لا يفسد ولا شك أن ما دون الحمصة غني عن الكثير من المضغ بل لا يتأتى فيه مضغ لتلاشيه بين الأسنان فلا يفسد بخلاف الحمصة ولا كلام في الكراهة كما في (منية المصلي).
(أو مر مار) أي مار كان (في موضع سجوده) أي: صلاته وهو من قدمه إلى
стр. 260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
موضع سجوده نبه بذلك على أن مروره فيما وراءه غير مكروه زاد في (الهداية) ولا يكون بينهما حائل وتحاذي أعضاء المار أعضاءه لو كان يصلي على الدكان واعتراض بأن بين هذين القيدين وبين التقييد بموضع السجود تنافيًا إذ الحائل كالأسطوانة والجدار لا يتصور أن يكون بينه وبين موضوع سجوده، وكذا إذا صلى على الدكان ولعله معنى قوله: في موضع سجوده في موضع قريب من موضع سجوده كذا في (العناية)، وأجاب في (البحر) بأنه متصور كما إذا صلى قريبًا من الجدار بالإيماء للمرض بحيث لو لم يكن الجدار لكان موضعه موضع سجوده وأنت خبير بأن هذا إنما يحتاج إليه في تفسير الحائل بالجدار والأسطوانة وليس بلازم لجواز أن تكون ستارة ترتفع إذا سجد وتعود إذا قام كما قال ملا سعدي.
واعلم أن اعتبار موضع السجود هو مختار السرخسي ورجحه الشارح وغيره، والذي اختاره فخر الإسلام أنه لو كان بحيث لو صلى صلاة الخاشعين كان بصره في قيامه في موضع سجوده وفي ركوعه في موضع قدميه وفي سجوده إلى أرنبته وفي قعوده إلى حجره وفي سلامه إلى منكبه ولا يقع بصره على المار لا يكره وإلا كره قال التمرتاشي: وهو الأصح أيده في (النهاية) بما مر من الصلاة في الدكان إذ كراهة المرور ثابتة اتفاقًا حيث وقعت محاذاة الأعضاء وإن لم يكن في موضع السجود وانتصر في (البحر) لما في (الهداية) بأنه يلزم على ما اختاره فخر الإسلام أن الموضع الذي يكره المرور فيه يختلف وهو بعيد وقد ذكر في (الهداية) مسألة الدكان فلا نزد عليه.
وأقول: إنما أورد المشايخ مسألة الدكان على ما اختار السرخسي لا على صاحب (الهداية) ولذا قال في (فتح القدير) وغيره: فكانت مسألة الدكان نقضًا لما اختاره شمس الأئمة بخلاف ما اختاره فخر الإسلام فإنه ممشى في كل الصور غير منقوص ولا مانع من كون موضع المرور مختلفًا، ثم إطلاق (الكتاب) يفيد أنه لا فرق بين المسجد وغيره إلا أن في المسجد اختلافًا ففي (الخلاصة) لا ينبغي لأحد أن يمر بينه وبين حائط القبلة فيه لكن في (المحيط) وغيره الأصح أنه لو مر عن بعد لا يكره وفي (الذخيرة) إن كان صغيرًا يكره مطلقًا في ظاهر المذهب وإليه أشار في (الأصل) وإن كان كبيرًا فقيل: يكره أيضًا، وقيل: هو بمنزلة الصحراء والحاصل أن المرور بين يديه في الصغير مكروه مطلقًا وفي الكبير عن قرب لا عن بعد، وينبغي أن يكون القريب موضع السجود أو وقوع بصر المصلي عليه على ما مر كما في الصحراء
стр. 261
لا تفسد وإن أثم وكره عبثه بثوبه وبدنه
ــ
أو أسفل الدكان إن حاذى أعضاؤه أعضاء المصلي إلا إن كان بينهما قدر قامة الرجل وكذا السترة والسرير وكل مرتفع (لا تفسد) صلاته في هذه الوجوه كلها.
(وإن أثم) فاعل ذلك أعني الناظر والآكل والمار وبهذا يكون كلامه مستوفيًا للفساد والكراهة في الكل، وقصره الشارح وغيره على المار وأنت خبير فإنك قد علمت ثبوت الكراهة في الناظر والآكل بل قد مر عن الحلبي ما يفيد أنها فيه تحريمة ولا كلام في المار لقوله ﵊: (لو يعلم المار ماذا عليه من الوزر لوقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) قال النواوى الراوي: ولا أدري قال أربعين عامًا أو شهرًا أو يومًا لكن أخرج البراز أربعين خريفًا وينبغي للمصلي في الصحراء أن يتخذ ستره إذا خاف المرور ويكره له تركها وينبغي أيضًا أن تكون مقدار ذراع في غلظ الإصبع وأن يغرزها إن أمكن وإلا وضعها على ما قيل: طولاً لا عرضًا والسنة أن يكون قريبًا منها وأن تكون على الجانب الأيمن وسترة الإمام سترة للقوم وفي إنابة الخط منابها عند فقدها روايتان والكثير على أنه لا ينوب وعلى أنه ينوب فقيل: يخط طولاً، وقيل: عرضًا. قال الإمام النووي: والأول هو المختار وله درؤه والأولى أن لا يفعل كما في (البدائع) والله الموفق.
(وكره عبثه بثوبه وبدنه) لما أخرجه القضاعي مرسلاً عن يحيى بن كثير عنه ﵊ (أن الله كره لكم ثلاثًا العبث في الصلاة والرفث في الصوم ولضحك في المقابر) وقدمنا أن الكراهة المطلقة يراد بها التحريم غير أنه ذكر هنا ما يكره تنزيهًا أيضًا مما مرجعه خلاف الأولى قال الحلبي: وكثيرًا ما يطلقون الكراهة عليه وحينئذ فالفارق الدليل، والعبث كل عمل ليس فيه غرض صحيح فلو كان لنفع كسلت العرق عن وجهه والتراب عنه وعن ثوبه فلا بأس به كذا قالوا، وتعقبهم في (شرح المنية) بأنه إذا كان يكره رفع الثوب كيلا يتترب وأنه وقع الخلاف في أنه يكره مسح التراب عن جبهته في الصلاة وندب تتريب الوجه في الصلاة مطلقًا فضلاً عن الثوب فيكون نفض التراب عملاً مفيدًا أو أنه لا بأس به مطلقًا فيه نظر ظاهر.
стр. 262
وقلب الحصى إلا للسجود مرة وفرقعة الأصابع
ــ
وأما أنه لا بأس بسلت العرق في الصلاة فهو قول بعض المشائخ واختاره في (الخانية) وغيرها، وفي (منية المصلي) يكره أن يمسح عرقه أو التراب عن جبهته في أثناء صلاته أو في التشهد قبل السلام ووفق بينهما بأن المراد بالعرق الممسوح عرق لم تدع الحاجة إلى مسحه وبالكراهة التنزيهية وحينئذ فلا منافاة بينهما وبين قولهم لا بأس لأن تركه أولى، ويحمل فعله ﵊ إن ثبت على الحاجة أو بيان الجواز قال في (النهاية): لما كان العبث بالثوب والبدن كليًا يشمل ما بعده حقيقة ورده في (العناية) بأن العبث في الثوب لا يشمل ما بعده من تقليب الحصى بل لأنه أكثر وقوعًا انتهى. وأنت خبير بأن هذا لا يخص تقليب الحصى إذ التحضر والإقعاء كذلك وأجاب في (البحر) بأن الشامل للتقليب وغيره العبث بالبدن وما قاله لا يتم إلا لو اقتصروا على العبث بالثوب وهذا ظاهر في أنه فهم أن الكلي ذكرهما وليس بالواقع بل ذكر كل منهما على ما يفصح عن ذلك وأن معنى كون العبث بالبدن شاملاً لسائر ما سيأتي هو أنه لا فرق بين كون البدن معبوثًا فيه أو آلة للعبث هذا وقول (الوقاية) وكره كل هيئة فيها ترك الخشوع أشمل لصدقها على كراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين قيده بالمصلي لأن عبث غيره إنما هو مكروه تنزيهًا فقط ومن ثم قال السروجي في قول (الهداية) ولأن العبث خارج الصلاة حرام فما ظنك بالصلاة فيه نظر إذ العبث بثوبه أو بدنه خارجها خلاف الأولى.
(و) كره أيضًا (تقلب الحصى) عن مكان السجود (إلا للسجود مرة) لما في الكتب الستة عن معيقب/ أنه ﵊ قال له: (لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة) ولأن فيه نوع عبث إلا أنه اغتفر إذا كان لا يمكنه السجود عليه لإصلاح صلاته كذا في (الهداية) أي: لا يمكنه السجود التام إذ لو أريد نفي الإمكان حقيقة لكان واجبًا، فيه إفادة أن التسوية بهذا الوصف أولى كذا في (البحر).
وأقول: ظاهر قوله: اغتفر يومئ إلا أنه رخصة وبه صرح في (البدائع) والأولى تركه وفي (النهاية) وغيرها أنه الأحب، قيده بالمرة لأن الزيادة عليها مكروهة في ظاهر الرواية وقيل يفعل مرتين كذا في (منية المصلي).
(و) كره أيضًا (فرقعة الأصابع) وهو غمزها أو مدها لتصوت للإجماع على
стр. 263
والتخصر والالتفات
ــ
كراهة ذلك فيها كذا في (الدراية) وكذا يكره تشبيكها كما في (المحيط) وغيره، وألحق في (المجتبى) منتظر الصلاة والماشي إليها بمن فيها والظاهر أنها تحريمية فيها للنهي عن ذلك وأما خارجها فقال الحلبي: لم أقف عليه لمشايخنا والظاهر أنها في غير هذين الموضعين لا لعبث ليست مكروهة ولو لإراحة الأصابع وإن لعبث كرهت تنزيهًا قال في (البحر): وينبغي أن يكون لغير حاجة مكروهًا تحريمًا لما مر عن (الهداية) وقد علمت أن ما في (الهداية) غير مسلم.
(و) يكره أيضًا (التخصر) لنهيه ﵊ عن (الاختصار في الصلاة) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة وفيه تأويلات أشهرها ما قاله ابن سيرين إنه وضع اليد على الخاصرة قال في (المغرب): وهي ما فوق الطفطفة والشراسيف وأراد بالأول: أطراف الخاصرة، وبالثاني: ما يشرف على البطن كذا في (النهاية).
وقد جاء مفسرًا هكذا عن ابن عمر قال في (السنن): وحكمته أنه في الصلاة راحة أهل النار، وقال ابن حبان: إنه فعل اليهود والنصارى في صلاتهم الذين هم أهل النار لا أن لهم راحة فيها وصرح في (المبسوط) بكراهته خارج الصلاة وينبغي أن تكون تحريمية فيها لا خارجها، وقيل: هو أن يتكئ على عصى في الصلاة وتسمى المخصرة كذا في (المجتبى) أي: في الفرض أما النفل فلا يكره فيه على الأصح كما في (المجتبى) وقيل: هو أن يختصر السورة فيقرأ منها آية أو آيتين ولا شك في كراهته لما أنه إخلال بالواجب وقيل: أن يحذف السجدة وسيأتي كراهته وكل هذه التأويلات ليس في اللفظ ما يمنع واحدًا منها إلا أن الأنسب هو الأول.
(و) كره أيضًا (الالتفات) وهو تحويل وجهه عن القبلة لخبر البخاري (أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) أطلقه تبعًا لعامة الكتب وقيده في (العناية) بعدم العذر أما للعذر فلا يكره وفي (منية المصلي) بما إذا عاد إلى الاستقبال من ساعته وجزم في (الخلاصة) و (الخانية) بأنه مفسد وأن المكروه إنما هو تحويل بعض الوجه فظاهر ما في (المنية) الفساد فيما إذا لم يعد من ساعته وعليه يحمل ما في (الخانية) كذا في (البحر) وفيه بحث ولا كلام أن تحويل الصدر مفسد
стр. 264
والإقعاء وافتراش ذراعيه ورد السلام بيده والتربع بلا عذر وعقص شعره
ــ
وقيده في (منية المصلي) بعدم العذر وكأنه يعني بالعذر ما إذا انحرف للوضوء من سبق الحدث على ما مر، ولو نظر بمؤخر عينه فقط لم يكره أي: تحريمًا والأولى تركه، ويكره أن يرفع بصره إلى السماء وأن يطأطئ رأسه وأن يتمايل يمنة أو يسرة كما في (السراج).
(و) كره أيضًا (الإقعاء) لنهيه ﵊ (عن إقعاء الكلب) وفسره الطحاوي بأن يقعد على إليتيه وينصب فخذيه ويضم ركبتيه إلى صدره واضعًا يديه على الأرض، وقال الكرخي: بأن ينصب قدميه ويقعد على عقبيه ويضع يديه على الأرض والأصح الذي عليه العامة هو الأول أي: كون هذا هو المراد بالحديث إلا أن ما قاله الكرخي غير مكروه كذا في (الفتح). قال في (البحر): وينبغي أن تكون الكراهة تحريمة على الأول تنزيهية على الثاني وأقول: إنما كانت تنزيهية على الثاني بناء على أن هذا الفعل ليس بإقعاء وإنما الكراهة لترك الجلسة المسنونة كما علل في (البدائع) ولو فسر الإقعاء بقول الكرخي تعاكست الأحكام.
(و) يكره أيضًا (افتراش ذراعيه) أي: بسطهما في حالة السجود للنهي عن ذلك ولأن فيه إظهار التكاسل والتهاون بحاله مع ما فيه من التشبه بالكلاب. (و) يكره أيضًا (رد السلام) بعده لأنه ليس من أفعال الصلاة وقد سبق ما فيه. (و) يكره أيضًا (التربع بلا عذر) لأن فيه ترك سنة الجلوس مع منافاته للخشوع وهذا يفيد أنها تنزيهية وما قيل من أنه من أفعال الجبابرة رد بأنه ﵊ (كان جل قعوده مع أصحابه في غير صلاته التربع) وكذا عمر، كذا في (الفتح). وعبارة العيني كان ﵊ يتربع في جلوسه في بعض أحواله وعامة جلوس عمر في مسجده ﵊ كان متربعًا ولا شك أن فعله عليه/ الصلاة والسلام مبرأ عن فعل الجبابرة ولو في الجملة.
(و) يكره أيضًا (عقص شعره) وهو جمعه على الرأس بشيء لئلا ينحل وقيل: هو لف ذوائبه حول رأسه كما يفعله النساء والكل مكروه لما في الكتب الستة من قوله ﵊ (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف شعرًا ولا
стр. 265
وكف ثوبه وسدله
ــ
ثوبًا) وفي العقص كف، ومن المكروه أيضًا اعتجاره العمامة وهو لفها حول رأسه وإبداء الهامة كما يفعله كذا في (الظهيرية).
وقيل: هو أن يكرر عمامته ويترك وسط رأسه مكشوفًا كهيئة الأشرار وقيل: هو أن يتنقب بعمامته فيغطي أنفيه لأنه ﵊ (نهى عن الاعتجار) كذا في (المحيط). وأقرب الأقوال هو الأول كما في (المغرب) أي: كون هذا هو المراد بالحديث لا أن غيره غير مكروه فقد صرح في (المحيط) بكراهة تغطية الأنف في الصلاة لنهي ابن عباس عنه ولا يبعد القول بالكراهة أيضًا على الثاني.
(و) يكره أيضًا (كف ثوبه) لما رويناه وهو رفعه بين يديه أو من خلفه إذا أراد السجود وفي (المغرب) عن بعضهم أن منه الاتزار فوق القميص وعليه فيكره أن يصلي مشدود الوسط وبه صرح في (العناية) معللاً بأنه صنيع أهل الكتاب وفي (الخلاصة) بعدمها قال في (الفتح): ويدخل فيه تشمير الكمين وقيده في (الخلاصة) وغيرها بأن يكون إلى المرفقين إلا أن الظاهر هو الإطلاق وفي (البحر) رأيت في بعض الفتاوى ولا يحضرني تعيينها أنه إن كان للصلاة كره لا إن عمله لعمل ثم حضرته الصلاة وأقول: المذكور في (القنية) و (الخانية) أنه لو شمر كميه لعمل كان يعمله قبل الصلاة اختلفوا في الكراهة وهو ظاهر في الكراهة فيما لو شمر لها.
(و) يكره أيضًا (سدله) أي: المصلي لما صرح الحاكم أنه ﵊ (نهى عنه) ويقال: سدل ثوبه سدلاً من باب ضرب أرسله من غير أن يضم جانبيه وأسدل خطأ قال في (الهداية): وهو أن يجعل ثوبه على رأسه وكتفيه ويرسل أطرافه من جوانبه وفي (فتح القدير) هذا يصدق على أن يكون المنديل مرسلاً بين كتفيه كما يفعله كثير فينبغي له أن يضعه عند الصلاة ويصدق أيضًا على لبس العبا من غير إدخاله اليدين فيه وقد صرح بالكراهة فيه انتهى. وهذا يومئ إلى أن الواو في التعريف بمعنى أو وذكر في (البدائع) هذا التعريف عن الكرخي بأو غير أنه زاد بعد قوله ويرسل أطرافه إذا لم يكن عليه سراويل، وعن الإمام يكره السدل على القميص والإزار
стр. 266
والتثاؤب وتغميض عينيه وقيام الإمام
ــ
لأنه صنيع أهل الكتاب فإن كان سدله بدون السراويل فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع وإن كان مع الإزار فكراهته للتشبيه بأهل الكتاب انتهى. بقي أن قوله في (الفتح): فينبغي له أن يضعه لا يتعين لأنه لو خالف بين طرفيه خرج عنها وأما الكراهة في لبس العبا من غير إدخال اليدين فعلى أحد القولين قال في (الخلاصة) والمختار عدمها ثم ظاهر كلامهم أنه لا فرق بين الثوب محفوظًا من الوقوع أو لا وعليه فيكره الطيلسان الذي يجعل على الرأس كما في (شرح الوقاية) ولا كراهة في البرنس لأنه مخيط واختلف في كراهة السدل خارجها والأصح أنه لا يكره كما في كراهة (القنية) أي: تحريمًا وإلا فمقتضى ما مر أنه يكره تنزيهًا قال الحلبي: هذا كله مع عدم العذر ولا كراهة مع العذر، ويكره اشتمال الصماء وهو أن يلف بثوب واحد رأسه وسائر بدنه فلا يدع منفذًا ليده وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك عن محمد نعم وعن غيره لا وستر المنكبين فيها مندوب يكره تنزيهًا انتهى ويكره تغطية القدمين في السجود كما في (الخلاصة).
(و) يكره أيضًا (التثاؤب) بالهمز لحديث الصحيحين (التثاؤب من الشيطان وإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع) ولذا يندب حبسه ما استطاع فإن لم يقدر وضع يده أو كمه على فيه كذا في (الشرح) لكن في (الخلاصة) إن أمكنه أن يأخذ شفتيه بسنه فلم يفعل وغطى فاه بيده أو كمه يكره كذا عن الإمام ووجهه أن التغطية مكروهة إلا لضرورة وهي منتفية، ثم المذكور في (مختارات النوازل) أن يضع ظهر يده قال الحلبي: وهل يفعل ذلك باليمنى أو اليسرى لم أقف عليه، وأفاد في (البحر) عن (المجتبى) أنه يغطي في القيام باليمنى وفي غيره باليسرى والذي رأيته أنه يغطي باليمنى وقيل: إن كان في القيام وإن كان في غيره فباليسرى.
(و) كره أيضًا (تغميض عينيه) ولو في السجود كما هو ظاهر الإطلاق للنهي عن ذلك، كما رواه عدي إلا إذا رأى ما يمنع خشوعه فلا يكره (و) يكره أيضًا (قيام الإمام)
стр. 267
لا سجوده في الطاق وانفراد الإمام على الدكان وعكسه، ولبس ثوب فيه تصاوير،
ــ
في الطاق أي: المحراب (لا) يكره (سجوده في الطاق) والفرق أن في الأول تشبيهًا بأهل الكتاب بخلاف الثاني. وقيل/: لاشتباه حاله على أهل اليمين واليسار وعليه فلا يكره إذا لم يشتبه قال السرخسي: والأول أوجه لأنه المناسب لإطلاق (الكتاب) لكن لا يخفى أن امتياز الإمام بالمكان مطلوب شرعًا حتى كان التقدم واجبًا عليه وغاية ما هنا كونه في خصوص مكان ولا أثر له لأنه يحاذي وسط الصف وهو المطلوب إذ قيامه في غير محاذاته مكروه وغايته اتفاق الملتين في بعض الأحكام ولا بدع فيه على أن أهل الكتاب إنما يخصون الإمام بالمكان المرتفع على ما قيل فلا يشتبه كذا في (الفتح) وأجاب في (البحر) بأن الامتياز المطلوب حاصل بتقدمه من غير أن يقف في مكان آخر فمتى أمكن تمييزه بلا تشبيه كره له خلافه ومن ثم قال في (التجنيس) وغيره: لو ضاق المسجد بمن خلفه لا بأس بقيامه في الطاق.
(و) كره أيضًا (انفراد الإمام على الدكان) للتشبيه أيضًا وأراد بها المكان المرتفع قدر ذراع وقيل: ما يقع به الامتياز وهو الأوجه كما في الفتح. (و) كره أيضًا (عكسه) وهو انفراد على الدكان لما فيه من الازدراء بالإمام وهذا هو ظاهر الرواية وروى الطحاوي عدمها لانتفاء التشبيه قال في (الخانية): وعليه عامة المشايخ، ولا خلاف في عدم الكراهة مع الحاجة كما في الجمعة والعيدين يعني لعذر الزحمة وعن الإمام أن منها إرادة تبليغ انتقالات الإمام عند اتساع المكان وكثرة المصلين وإرادة تعليم المأمومين أعمال الصلاة قاله الحلبي.
(و) كره أيضًا (لبس ثوب فيه تصاوير) لأنه يشبه حامل الصنم والصورة عام في ذي الروح وغيره والتمثال خاص بذي الروح وتمثال الشجر مجاز إن صح كذا في (المغرب) والمراد ذو الروح لعدم الكراهة في غيره عملاً بقول ابن عباس (إن كنت ولابد فاعلاً فعليك بتمثال غير ذي روح) وفيه إيماء إلى أن تمثال ذي الروح ممنوع ومن ثم قال في (الخلاصة) ويكره التصاوير على الثوب صلى أم لم يصل ولولا أن الباب معقود لما يكره في الصلاة لأمكن إجراء كلامه على عمومه أعني سواء أكان في الصلاة أو خارجها، وفي (المحيط) صلى بالناس وفي يده تصاوير لا يكره إمامته لأنه مستورة بالثياب فصار كصورة في نقش خاتم وهو غير مستبين وهذا يفيد تقييد الإطلاق بما إذا كان الثوب مكشوفًا قال في (البحر): ويفيد أيضًا عدم الكراهة مع
стр. 268
وأن يكون فوق رأسه أو بين يديه أو بحذائه صورة إلا أن تكون صغيرة
ــ
صورة فيها دنانير عليها صور صغار لاستتارها وغير خاف أن عدم الكراهة في الصغار غني عن التعليل بالاستتار بل مقتضاه ثبوتها إذا كانت منكشفة وسيأتي أنها لا تكره الصلاة لكن تكره كراهة تنزيه جعل الصورة في البيت لخبر (أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة).
(و) كذا يكره (أن يكون فوق رأسه) في السقف (أو بين يديه أو بحذائه) يمنة أو يسرة (صورة) قيد بذلك لأنها لو كانت خلفه أو تحت رجليه لا يكره الصلاة لكن تكره كراهة جعل الصورة في البيت لخبر (أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة) كذا في (شرح عتاب) لكنه مخالف لقولهم: أشدها كراهة أن تكون أمام المصلي ثم فوق رأسه ثم بحذائه ثم خلفه ومقتضى كراهتها مطلقًا على بساط مفروش وسيأتي أنه إذا لم يسجد عليها لم يكره وحقق في (فتح القدير) ثبوتها في التي خلفه باعتبار المكان كالصلاة في الحمام أم التي تحت قدمه فلا يكره جعلها في المكان ليتعدى إلى الصلاة وخبر جبريل بخصوص ذلك لما أخرجه ابن حبان: (استأذن جبريل في الدخول على النبي ﷺ فأذنه فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير فإن كنت لابد فاعلاً فاقطع رأسها أو اقطعها أو اجعلها بسطًا) انتهى.
وجعل في (المحيط) عدم الكراهة في التي خلفه رواية (الأصل) وفي (الجامع الصغير) وصرح بالكراهة وفي (العناية) أنه تنزيه المكان عما يمنع دخول الملائكة مستحب وفيه تنبيه على أن الكراهة باعتباره تنزيهية ثم قيل: المراد بالملائكة غير الحفظة إذ الحفظة لا يفارقون الإنسان إلا عند الجماع والخلاء كذا في (البخاري) وينبغي أن يراد بالحفظة ما مر أعم من الكرام الكاتبين والذين يحفظونه من الجن هذا واختلف المحدثون في امتناعهم بما على الدنانير فنفاه عياض وأثبته النووي والمراد ملائكة الرحمة (إلا أن تكون صغيرة) لا تبدو للناظرين على بعد لأنها لا تعبد عادة في هذه الحالة والكراهة باعتبارها وفي كراهية (الخلاصة) صلى ومعه دراهم فيها تماثيل
стр. 269
أو مقطوعة الرأس، أو لغير ذي روح، وعد الآي والتسبيح، لا قتل الحية والعقرب
ــ
ملك لا بأس بها لصغرها (أو) تكون الصورة (مقطوعة الرأس) أي: ممحوة إما بنحت أو بخيط خيط على جميعه حتى لو لم يبق لها أثرًا أو يصلي بمفرده ونحوها لأنها لا تعبد عادة في هذه الحالة، ومحو وجه الرأس كمحو الرأس/ كذا في (الخلاصة) بخلاف ما إذا قطعها بخيط من الحلقوم حيث لا تنتفي الكراهة لأن من الطيور ما هو مطوق قيد بالرأس لأن قطع الحاجبين أو العينين أو اليدين أو الرجلين لا يعدمها.
(أو) تكون الصورة (لغير ذي روح) لما مر عن ابن عباس ولا فرق في الشجر بين المثمر وغيره في قول (الكافي) خلافًا لمجاهد وجوز في (الخلاصة) لمن رأى صورة في بيت غيره أن يزيلها ويجب عليه، ولو استأجر مصورًا فلا أجر له لأن عمله معصية كذا عن محمد ولو هدم بيتًا فيه تصاوير ضمن قيمته خاليًا عنها.
(و) كره أيضًا (عد الآي) جمع آية (و) عد (التسبيح) في الصلاة باليد فرضًا كانت أو نفلاً باتفاق أصحابنا في ظاهر الرواية لأن ذلك ليس من أفعال الصلاة وعن الصاحبين في غير ظاهر الرواية عنهما لأنه لا بأس به وقيل: الخلاف في الفرائض ولا كراهة في النوافل اتفاقًا. وقيل: في النوافل ولا خلاف في الكراهة في الفرائض وصرح ابن أمير حاج بأن كراهة العد تنزيهية قال في (البحر): ظاهر قوله في (النهاية) الصحيح أنها لا تباح أصلاً يفيد أنها تحريمية.
وأقول: فيه نظر إذ المكروه تنزيهًا غير مباح أي: غير مستوي الطرفين، قيدنا العد باليد لأنه لو أحصى بقلبه أو غمز بأنامله فلا كراهة اتفاقًا وعليه يحمل ما جاء من صلاة التسبيح، ولو لم يمكنه ذلك وكان مضطرًا قال فخر الإسلام: يعمل بقولهما ولو عد بلسانه فسدت صلاته اتفاقًا وقيد بالآي لأن عد الناسي مكروه اتفاقًا وبالصلاة لأن العمد خارجها لا كراهة فيه في ظاهر الرواية وهو الأصح وكرهه بعضهم.
(لا) يكره (قتل الحية والعقرب) لخبر الشيخين (اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) وأدنى مراتب الأمر الإباحة وهذا الإطلاق قيده في (النهاية) بما إذا مرت بين يديه وخاف الأذى وإلا فيكره، أطلق في الحية فعم سائر أنواعها وهو الأصح غير أن الأولى هو الإمساك عما فيه علامة الجان لا للحرمة بل لدفع الأذى وقيل: ينذرها بقول خلى طريق المسلمين وارجعي بإذن الله تعالى وما إذا كان القتل بعمل كثير قال السرخسي: وهو الأظهر لأنه عمل رخص للمصلي فصار كالمشي بعد الحدث والاستقاء
стр. 270
والصلاة إلى ظهر قاعد يتحدث وإلى مصحف أو سيف معلق أو شمع أو سراج
ــ
من البئر، ورده في (النهاية) بأنه مخالف لما عليه عامة رواية شروح (الجامع الصغير) و (مبسوط) شيخ الإسلام من أن الكثير لا يباح قال في (الفتح): وهو الحق فيما يظهر إذ الأمر بالقتل لا يستلزم بقاء الصحة على نهج ما قالوه في صلاة الخوف من الفساد في القتال فيها ثم لا إثم عليه، والتنظير بالاستقاء ممنوع لما مر من أنه مفسد ودعوى أنه لا تفصيل في الرخصة يستلزم مثله في علاج الماء إذا كثر فإنه أيضًا مأمور بالنص مع أنه مفسد فما هو جوابه عنه فهو جوابنا في قتل الحية انتهى. قال الحلبي: ويندب قتل العقرب بالنعل اليسرى إن أمكن كذا أخرجه أبو داود ولا بأس بقياس الحية عليها قيد بالحية والعقرب لأن قتل القمل والبرغوث مكروه عند الإمام فتدفن وقال محمد: القتل أحب إلي وأي ذلك فعل لا بأس به، وكره الثاني كلاهما فيها كذا في (الظهيرية) قال الحلبي: ولعل الإمام إنما يختار الدفن لما فيه من التنزه عن إصابة دمها ليد القاتل وثوبه وإن عفي عنه عنده، هذا إذا تعرضت له بالأذى فإن لم تتعرض له كره الأخذ فضلاً عن غيره وهذا كله خارج المسجد أما في المسجد فلا بأس بالقتل بالشرط المذكور ولا يطرحها فيه بطريق الدفن ولا غيره إلا إذا غلب على ظنه أنه يظفر بها بعد الفراغ منها.
(و) بهذا التفصيل يحصل الجمع بين ما سبق عن الإمام أنه يدفنها في (الصلاة) وبين ما عنه أنه لو دفنها في المسجد أساء (و) لا يكره أيضًا (إلى ظهر) شخص (قاعد يتحدث) بعيدًا كان أو قريبًا وما عن ابن عباس (نهينا أن نصلي إلى النيام والمتحدثين) فمحمول في الأول على ما إذا خاف ظهور ما يضحكه من النائم أو يخجله إذا انتبه، وفي الثاني ما إذا رفعوا أصواتهم وخشي المصلي أن يزل في القراءة أو شغل البال وفي قوله: يتحدث إيماء إلى أنه لا كراهة لو لم يتحدث بالأولى، قيد بالظهر لأنها إلى الوجه مكروهة اتفاقًا، ولذا قال في (الذخيرة): يكره للإمام أن يستقبل المصلي وإن كان بينهما صفوف في ظاهر المذهب يعني إذا فرغ من صلاته للزوم الصلاة إلى وجهه وبه علم أن الاستقبال إن كان من المصلي فالكراهة عليه وإلا فعلى المستقبل قال الحلبي: وصرحوا بأنه لو صلى إلى وجه إنسان وبينهما ثالث ظهره إلى وجه المصلي لم يكره كأنه/ للفاصل وقياسه أنه لو صلى إلى وجه إنسان هو على مكان عال ينظره إذا قام لا إذا قعد لا يكره ولم أره لهم.
(و) كذا لا تكره الصلاة (إلى مصحف أو سيف معلق) موضوع بين يديه لأنهما لا يعبدان (أو شمع) بفتح الميم على الأوجه والسكون ضعيف مع أنه المستعمل قاله ابن قتيبة (أو سراج) هذا هو المختار كما في (غاية البيان). وقيل: يكره كما لو كان بين يديه جمر أو نار توقد التمرتاشي: وهو الأصح لأنهما لا يعبدهما أحد وفي
стр. 271
وعلى بساط فيه تصاوير إن لم يسجد عليها.
فصل
كره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء واستدبارها،
ــ
(القنية) المجوس يعبدون الجمر لا النار الموقدة حتى لا تكره النار الموقدة انتهى. قال في (البحر): وينبغي أن الشمع لو كان إلى جانبه كما يفعل في المساجد في رمضان فلا كراهة اتفاقًا. (و) لا يكره أيضًا (بساط فيه تصاوير) لذي روح (إن لم يسجد عليها) هكذا قيده في (الجامع الصغير) وأطلق في (الأصل) الكراهة لأن المصلي يعظم ووضع الصورة فيها تعظيم لها سجد عليها أو لا قال تاج الشريعة: والأصح ما في (الجامع) كذا في (البناية)، لأن القيام عليها إهانة والساجد عليها شبيه بالعابد ولو حمل المطلق على المقيد لارتفع الخلاف ولم يلح لي ما المانع لهم من ذلك.
تكميل: من المكروهات أيضًا الصلاة في ثياب المهنة وفسرها صدر الشريعة بما يلبسه في بيته ولا يذهب به إلى الأكابر ووضع دراهم ونحوها في فيه غير مانعة له من القراءة والعمل القليل والصلاة من مدافعة الأخبثين أو الريح وحمل صبي وأما حمله ﵊ لأمامة بنت زينب فقيل: منسوخ، والصلاة في مظان النجاسة كمعاطن الإبل والمجزرة والمغتسل والحمام وجزم في (زاد الفقير) لابن همام بأنه إذا غسل موضعًا في الحمام وصلى فيه فلا بأس به وكذا لو صلى في موضع نزع الثياب والله أعلم.
فصل فيما يكره خارج الصلاة
(كره) تحريمًا (استقبال القبلة بالفرج في الخلاء) بالمد بيت التغوط وبالقصر النبت وكذا يكره استقبال الشمس والقمر والريح كما في (البناية) ولو استقبل ناسيًا فتذكر ندب له الانحراف بقدر الإمكان كذا في (الشرح) وغيره وينبغي أن يجب ويدل على ذلك ما في (البزازية) لو تذكر بعد استقبالها فانحرف عنها فلا إثم عليه وقالوا: يكره لها إمساك الصبي نحوها للبول ويكره أيضًا مد الرجل إليها وإلى المصحف أو كتب الفقه إلا أن تكون على مكان مرتفع عن المحاذاة ولا يخفى تفاوت مراتب الكراهة في هذه المواضع (واستدبارها) لما أخرجه الستة: (إذا أتيتم
стр. 272
وغلق باب المسجد والوطء فوقه والبول والتخلي لا فوق بيت فيه مسجد
ــ
الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا) وهو بإطلاقه يعم الفضاء والبنيان ولا كلام في كراهة الاستقبال أما الاستدبار فهو أصح الروايتين وثمة ثالثة وهي عدم كراهتها وقيل: إن كان ذيله ساقطًا على الأرض فليس استقبالاً ولو كان رافعًا له قالوا: ينبغي أن يكون مكروهًا كذا في (البناية).
(و) يكره أيضًا (غلق باب المسجد) لأنه يشبه المنع من العبادة وقيل: لا بأس به إذا خاف على متاع المسجد في غير أوقات الصلاة وعليه الفتوى وهذا أولى من التقييد بزماننا كما قيل: إن المدار خوف الضرر فإن ثبت في زماننا في جميع الأوقات ثبت كذلك إلا في أوقات الصلوات أو لا فلا أو في بعضها ففي بعضها كذا في (الفتح) قال في (العناية): والتدبير في الغلق لأهل المحلة فإنهم إذا اجتمعوا على رجل وجعلوه متوليًا بغير أمر من القاضي يكون متوليًا انتهى. وقولهم تكره الخياطة في المسجد إلا إذا كان حارسًا له فينبغي أن يخرج على كراهة غلقه أما على عدمها فيكره مطلقًا لانتفاء الضرورة.
(و) كره أيضًا (الوطء فوقه والبول والتخلي) أي: التغوط لأنه مسجد إلى عنان السماء بفتح المهملة يعني السحاب ويروي عنان السماء أي: نواحيها قال ابن الأثير وكذا ترتيب الأحكام من حرمة مكث الحائض والجنب فيه ونحو ذلك ودل كلامه على أن إدخال النجاسة فيه لا يحل ومن هنا قيد بعض المتأخرين قولهم بجواز الاستصباح بالدهن النجس بغير المساجد، وفي (التجنيس): ينبغي لمن دخل المساجد أن يتعاهد النعل والخف عن النجاسة واختلف في كراهة إخراج الريح فيه أنه خلاف الأولى.
(لا) يكره البول والوطء والتخلي (فوق بيت فيه مسجد) أعد للصلاة وإن ندب اتخاذه لأمره ﵊ بذلك لأنه ليس مسجدًا حقيقة واختلف في مصلى العيد والجنازة قال في (النهاية): والمختار للفتوى أنه مسجد في حق جواز الاقتداء وإن انفصلت الصفوف رفقًا بالناس وفيما عدا ذلك ليس حكم المسجد قال في
стр. 273
ولا نقشه بالجص وماء الذهب
ــ
(البحر): فظاهره جواز البول ونحوه فيه وينبغي أن لا يجوز لأنه لم يعده/ لذلك وإنما تظهر الأحكام في حل دخول الجنب ونحوه وأقول: منع ما ذكر فيما ذكر عن المسجدية ممنوع وليس الكلام في غيرها واختلف أيضًا في المساجد التي عند الأسواق والحياض والأصح أنها ليس لها حرمة فإنه لا بأس بإدخال الميت فيها مع أنا أمرنا بتجنيب المساجد الموتى كذا في (النهاية).
(ولا) يكره أيضًا (نقشه بالجص) بالكسر والفتح معرب كج وتسميه العرب القصة (وماء الذهب) ونحوه، قيل: هذه العبارة مساوية لقول (الجامع) لا بأس بذلك بناء على أن المنفي كراهة التحريم أو أن لفظ لا بأس لا يلزم استعماله فيما تركه أولى وقد قال السرخسي: إن ما في (الجامع) فيه إشارة إلى أنه لا يأثم ولا يؤجر وقيل: يندب والخلاف في غير المحراب أما هو فيكره نقشه هذا إذا عمله من مال نفسه وأما المتولي لو عمله من مال الوقف أو وضع البياض فوق السواد ضمن كما في (الشرح) وغيره.
قال في (البحر): ولا يخفى أن محله ما إذا لم يفعله الواقف أما لو عمل البياض كان له ذلك لقولهم: إنه يعمر الوقف كما كان وقيد بكونه للتفاخر لأنه لو كان لإحكام البناء فلا ضمان، وبالمسجد لأن نقش غيره يوجب الضمان إلا المعد للاستغلال إذا زادت قيمته بذلك فلا بأس به وأراد بالمسجد داخله لقولهم: إن في التزيين ترغيب الناس في الاعتكاف والجلوس لانتظار الصلاة فيه فأفاد أنه لو زين خارجه كره.
خاتمة: يكره البصاق فيه لخبر: (إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد من النار) أي: ينضم فقيل: ذاته وقيل: ملائكته حكاهما ابن الأثير فإن اضطر كان البصاق فوق البواري خيرًا منه تحتها لما أنه مسجد حكمًا وما تحتها مسجد حقيقة واتخاذه طريقًا وصرح في (القنية) بفسقه ولا تتكرر عليه التحية لما أنه مسجد حكمًا بل يصليها كل يوم مرة وفي التعبير بالاتخاذ إيماءً إلى أنه لا يفسق بمرة أو مرتين ولذا عبر في (القنية) بالاعتياد ولو توسط فندم قيل: يخرج من المكان الذي فيه وقيل: يصلي ثم يخير وقيل: إن كان محدثًا خرج من حيث دخل وتخصيص مكان منه لنفسه لأنه يخل بالخشوع وهل له إزعاج غيره منه قال الأوزاعي: نعم وعندنا ليس له ذلك
стр. 274
باب الوتر والنوافل
الوتر واجب
ــ
كذا في (القنية)، والكلام المباح لأنه يأكل الحسنات، وقيده في (الظهيرية) بأن يجلس لأجله كذا في (البحر)، والإطلاق أوجه وغرس الأشجار فيه إلا لنفع له واتخاذ بئر وعمل الصفة فيه ومنه الكتابة بأجر لا بغيره إذا كتب العلم أو القرآن أما هؤلاء المكتبون الذين يجتمعون عندهم الصبيان واللغط فلا كذا في (الفتح) ومن عبر بالمسجد يحييه في غير الأوقات المكروهة أي: تحية ربه إذ الداخل لبيت الملك يحييه وتنوب عنها كل صلاة صلاها عند الدخول فرضًا كانت أو سنة وفي (البناية) معزيًا إلى (مختصر المحيط) إن دخوله بنية الفرض أو الاقتداء ينوب عنها وإنما يؤمر بها إذا دخله لغير الصلاة واتفقوا على أن الإمام لو كان يصلي المكتوبة أو أخذ المؤذن في الإقامة أنه يتركها وأنه يقدم الطواف عليها بخلاف السلام على النبي ﷺ انتهى.
والعامة قالوا: إنه يصليها كما دخل وهو الصحيح وقيل: يجلس ثم يقوم لها وفي (العناية) ولا يسقط بالجلوس عند أصحابنا لقولهم في الحاكم إذا دخل المسجد خير بين أن يصليها حين دخوله أو عند انصرافه فلا يسقط بالجلوس وهذا لأنها لتعظيم المسجد ففي أي وقت فعلها حصول المقصود والله أعلم بالصواب.
باب الوتر والنوافل
أخرهما عن الفرائض إيماء إلى انحطاط درجتهما وجمع بينهما لمناسبة الوتر للنوافل من حيث أنه زيادة على الفرائض ولأنه نفل عندهما وقدمه لقوته وهو خلاف الشفع وأوتر صلى الوتر والنفل لغة الزيادة وشرعًا زيادة عبادة شرعت لنا (الوتر واجب) هذا آخر أقوال الإمام وهو الظاهر من مذهبه وهو الأصح وعنه أنه سنة مؤكدة وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وعنه أنه فريضة وبه أخذ زفر وقيل بالتوفيق ففرض أي: عملاً وواجب أي: اعتقادًا وسنة أي: ثبوتًا وأجمعوا أنه لا يكفر جاحده وأنه لا يجوز بدون نية الوتر وأن القراءة تجب في كل ركعاته وأنه لا يجوز أداؤه قاعدًا أو على الدابة بلا عذر كما في (المحيط) قال في (الهداية) وأنه يجب قضاؤه واعترض بأنه فرع وجوب الأداء وأجيب بأن المراد إجماع الصحابة لقول الطحاوي: إن وجوبه ثبت بإجماعهم
стр. 275
وهو ثلاث ركعات بتسليمة
ــ
وإلى هذا يشير قوله في (الفتح): أن وجب بمعنى ثبت/ وهذا الجواب اختاره كثير من الشارحين ولا يخفى أن فيه عدولاً عن الظاهر، وقول بعضهم: المراد إجماع الأصحاب على ظاهر الرواية عنهم قال في (المحيط) أما على قوله فظاهر وأما على قولهما، فلقوله ﵊: (من نام عن وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره) فيه نظر إذ إيجاب القضاء دون الأداء مما لم يعهد ولو اجتمع قوم على تركه أدبهم الإمام وحبسهم فإن لم يمتنعوا قاتلهم كذا في (التجنيس) وغيره.
(وهو ثلاث ركعات بتسليمة) حتى لو اقتدى فيه بمن يسلم على رأس الركعتين فسلم فسد اقتداؤه وعلى الأصح وقيل: لا لأنه لم يخرج بسلام الإمام لما أنه مجتهد فيه، وفي (شرح الإرشاد): لا يجوز الاقتداء بالشافعي بالوتر إجماعًا لأنه اقتداء المفترض بالمتنفل وهذا يخالف ما مر لاقتضائه صحة الاقتداء إذا لم يسلم قال الشارح وهو الأصح لأن اعتقاد الوجوب ليس بواجب على الحنفي وكل منهما يحتاج إلى نية الوتر فلم يختلف نيتهما قال في (الفتح): وقد يشكل هذا الإطلاق بما في (التجنيس) وغيره من أن الفرض لا يتأدى بنية النفل ويجوز عكسه وعلى هذا أن لا يجوز وتر الحنفي اقتداء بوتر الشافعي بناء على أنه لم يصح شروعه في الوتر لأنه بنيته إياه إنما نوى النفل الذي هو الوتر ولا يتأدى الواجب بنية النفل وحينئذ الاقتداء به بناء على المعدوم في زعم المقتدي، نعم لو لم يخطر بخاطره عند النية صفة من السنة أو غيرها بل مجرد الوتر فينتفي المانع فيجوز لكن إطلاق مسألة (التجنيس) تقتضي أنه لا يجوز وهو غير بعيد للمتأمل انتهى.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه بنية الوتر إنما نوى نفلاً بل صلاة مخصوصة عينها بالوترية وهذا كاف في صحة الاقتداء ويدل عليه ما في باب الوتر من (التجنيس) لو اقتدى في الوتر بمن يراه سنة أو تطوعًا جاز الاقتداء بمنزلة من صلى الظهر خلف آخر وهو يرى أن الركوع سنة أو تطوعًا، وإن كان افتتح الوتر بنية التطوع أو بنية السنة لا يصح الاقتداء لأنه يصير اقتداء المفترض بالمتنفل انتهى.
فقوله ولأن الفرض لا يتأدى بنية النفل معناه حينئذ إذا نوى صريح النفل كالسنة أو التطوع ونية الوتر ليست نية له كما قد علمت وإذًا تحققت هذا ظهر لك أن قوله في (البحر): ما في (التجنيس) أولاً في الفرض القطعي والوتر ليس كذلك
стр. 276
وقنت في ثالثته
ــ
غير صحيح إذ مفاده أن الوتر يتأدى بنية النفل وهو خلاف الواقع فتدبره (وقنت) أي: المصلي قد مر أنه واجب إلا أن في تعيينه خلافًا حكاه في (المجتبى) فقيل: هو طول القيام لا الدعاء، وفي (الصغرى) أنه الدعاء دون طول القيام وينبغي ترجيحه والمراد من الدعاء مطلقه، وقول محمد ليس في القنوت دعاء مؤقت مجرى على إطلاقه.
وقيل: مقيد بغير اللهم إنا نستعينك إلى آخره واللهم اهدني ورجح بأن الإمام ربما كان جاهلاً فدعا بما يفيدها، وأيضًا فيه تبرك بالمأثور المتوارث سلفًا عن خلف وقول محمد محمول على أدعية المناسك وهذا يومئ إلى أن المراد بالقنوت في كلام محمد الطاعة، ونحفد فيه بمهملة أي: نسرع ولو أتى بها معجمة فسدت كما في (الخانية) قيل: ولا يقول الجد لكنه ثبت في (مراسيل أبي داود) وملحق بكسر الحاء وفتحها والكسر أفصح كذا في (الدراية) وفي (الصحاح) الفتح صواب ويصلي فيه على النبي ﷺ .
وقيل: الاستغناء بما في آخر التشهد وبالأول يفتى، واختلف فيمن لا يحسنه بالعربية أو لا يحفظه هل يقول يا رب أو اللهم اغفر لي ثلاثًا أو ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة أقوال والظاهر أن الخلاف في الأفضلية وأن الأخير أفضل (في ثالثته) أداء كان أو قضاء ولو شك أنه في الثانية أو الثالثة أتم الركعة وقنت فيها ثم ضم أخرى وقنت فيها أيضًا هو المختار كذا في (التجنيس). وفي (المحيط): لو شك أنه في الأولى أو الثانية أو الثالثة جلس في كل ركعة بعد القنوت فيها هو الأصح، وقيل: لا يقنت أصلاً لأنه في الأولى والثانية بدعة وترك السنة أولى من ارتكاب البدعة وجوابه منع كونه سنة بل واجب كما مر وما تردد بين بدعة وواجب أتى به احتياطًا، هذا وسكت المصنف عن صفته من الجهر والإخفاء لأنها لم تذكر في ظاهر الرواية وقد قال ابن الفضل: يخفيه الإمام والمقتدي. قال في (الهداية) تبعًا للسرخسي: إنه المختار.
وفي (المفيد) قال مشايخنا: المؤتم يخفي حتمًا لا الإمام، وأما المنفرد ففي (البدائع) أنه يخير هل يرسل في هذا الدعاء أو يعتمد اختيار الطحاوي والكرخي الأول وغيرهما الثاني وهو قول/ الإمام والثاني وهو الأصح، وفي (الحاوي) لم ير بعض أصحابنا التأمين والإرسال قال في (البناية): ومعنى الإرسال هنا أن يبسطهما كما يفعل الداعي ولو مسح بهما وجهه بعد فراغه قيل: فسدت كذا في (جوامع الفقه) فرع لو وقعت نازلة قنت الإمام في الصلاة الجهرية كذا في (البناية)، ونقل في
стр. 277
قبل الركوع أبدًا وقرأ في كل ركعة منه فاتحة الكتاب وسورة ولا يقنت في غيره ويتبع المؤتم قانت الوتر لا الفجر ...
ــ
(العناية) عن جمهور أهل الحديث أنه يقنت في كل الصلوات، (قبل الركوع) بيان لمحله من الثالثة فلو تذكره بعد الرفع منه لا يقنت كذا روي عن الإمام ولو فيه ففيه روايتان والأصح أنه لا يفعل ولو فعل ولو بعد الركوع لم يفسد كذا في (الخانية).
زاد في (الخلاصة) وعليه السهو قنت أو لم يقنت (أبدًا) أي: دائمًا في جميع السنة بعد أن كبر رافعًا يديه لما مر (وقرأ في كل ركعة منه الفاتحة وسورة) أي: سورة كانت إلا أنه لو قرأ في الأولى بالأعلى وفي الثانية بالكافرون وفي الثالثة بالإخلاص تبركًا بالمأثور كان حسنًا، وهذا على إيجاب القراءة في جميعه بالإجماع أما على قولهما فظاهر، وأما على قول الإمام فلأن وجوبه لما كان بالسنة وهي لا تفيد القطع وجبت القراءة في جميعه احتياطًا، وفي (التجنيس) الوتر بمنزلة النفل في حق القراءة إلا أنه يشبه المغرب من حيث أنه لو استتم قائمًا في الثالثة قبل القعود ثم تذكر لا يعود لأنها صلاة واحدة ينبغي أن تفسد لو عاد على ما سيأتي.
(ولا يقنت في غيره) أي: الوتر كالفجر وما روي عن قنوته ﵊ فيه فإنما كان شهرًا يدعو على قوم من العرب ثم تركه، والمشروع لا يترك (ويتبع المؤتم قانت الوتر) في قنوته ولو قبل الركوع قيل: هذا عند أبي يوسف وهو الأصح وعند محمد سكت ويؤمن وفي (الفتح) ويتابعونه إلى بالكفار.
ملحق: وإذا دعا باللهم اهدني أو غيره هل يتابعونه ذكر في (الفتاوى) خلافًا بين أبي يوسف ومحمد في قول محمد لا ولكن يؤمنون وقال بعضهم إن شاؤوا سكتوا (لا) أي: لا يتبع المؤتم القانت في (الفجر) عندهما وقال الثاني: يتابعه وفاء بحق الاقتداء ولهما أنه منسوخ ولا متابعة فيه فصار كما لو كبر في الجنازة خمسًا، ثم قيل: إنه يقعد تخفيفًا للمخالفة، وقيل: يقف ساكتًا وهو الأصح ولو كبر في الجنازة خمسًا قيل: يسلم والأصح أنه يقف ساكنًا أيضًا ويتابعه في السلام، قال في (البناية): ولم يذكروا أنه يقعد تخفيفًا للمخالفة كما في القنوت.
وأقول: مخالفته في الجنازة ليست بالقعود بل بالسلام لما أنه بعد تمام الأركان وقد ذكروه، ودلت المسألة على جواز الاقتداء بالشافعية وذلك لأن الاختلاف في أنه يتابعه أو لا يقف ساكتًا أو يقعد اتفاقًا على أنه لو كان مقتديًا وهذا فرع صحة الاقتداء به لكنه مشروط بأن يحتاط في موضع الخلاف، بأن لا يتوضأ من قلتين فيهما نجاسة وأن يغسل ثوبه من المني الرطب ويفرك اليابس، وأن يراعي الترتيب بين الفوائت، وأن يمسح ربع ناصيته وأن يتوضأ من القهقهة والفصد، وأن لا يكون الإمام صلى
стр. 278
والسنة قبل الفجر،
ــ
الوقتية قبل الاقتداء به، وقول العيني إن هذا عجيب لأن الشافعي أيضًا يقول بمثله في حق الحنفي تعجب في غير محله، لأن هذا لا يصلح مانعًا لقول الحنفي به والجامع لهذه الأمور أنه لا يتحقق منه ما يفسد صلاته في اعتقاده بنا على أن المعتبر هو رأي المقتدي وهو الصحيح الذي عليه الأكثر وقيل: رأي الإمام وعليه الهندواني وجماعة قال في (النهاية): وهو أقيس وعلى هذا فيصح وإن لم يحتط، ثم على الأول لو غاب عنه وقد عرف من حاله عدم الاحتياط ثم رآه يصلي فالأصح صحة الاقتداء به لكن قولهم لو علم منه عدمه لا يصح الاقتداء به قد يعكر على هذا فإنه سواء علم حاله في خصوص ما يقتدى به أو لا كذا في (الفتح) وما قيل: وأن لا يكون منحرفًا عن القبلة ولا متعصبًا ولا شاكًا في إيمانه رد بأن الانحراف ليس مذهب الشافعي وغاية التعصيب بلا استحلال أن يوجب فسقًا وهي خلف الفاسق صحيحه كذا في (البناية) قال في (الفتح): ولا مسلم يشك في إيمانه والمشيئة في الإيمان إما للتبرك أو باعتبار إيمان المؤافاة فنسأل الله المنان أن يثبتنا عليه في ذلك الأوان.
(والسنة قبل الفجر) مشروع في الرواتب المؤكدة والأصل فيها حديث الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من ثابر على اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة) وعددها كما هنا بدأ المصنف فيها بسنة الفجر لقوتها حتى روى الإمام وجوبها وروى الحسن إن أداها قاعدًا بلا عذر لا يجوز وجعله في (الخلاصة) مجمعًا عليه وأثر الخلاف يظهر في إصابتها بمطلق النية.
وفي (التجنيس) لو صلى ركعتين تطوعًا على ظن بقاء الليل فإذا الفجر طالع أجزأته عن ركعتي الفجر/ هو الصحيح وما في (الخلاصة) الأصح أنها لا تجزئه فمخرج إما على رواية الوجوب أو على أن السنة لا تصاب بنية النفل لكن قد يشكل عليه ما فيها أيضًا صلى أربع ركعات تطوعًا فتبين أن الأخيرتين بعد الفجر تحسب عن ركعتي الفجر عندهما وإحدى الروايتين عن محمد وبه يفتى، إذا احتسابهما في الأول أولى إلا أنه في (التجنيس) قال: الأصح عدم احتسابهما كما إذا صلى الظهر ستًا وقعد على الرابعة حيث لا تنوب الركعتان عن سنة الظهر هو الصحيح لأن السنة هي ما واظب عليها النبي ﷺ بتحريمة مبتدأة وترجيح (التجنيس) في المسألتين أوجه وقالوا: العالم إذا صار مرجعًا للفتوى جاز له ترك كل السنن إلا سنة الفجر صرحوا بأنه يأثم بتركها على الأصح كما في (المحيط) بل في (النوازل) لو ترك سنن
стр. 279
وبعد الظهر، والمغرب، والعشاء ركعتان، وقبل الظهر والجمعة، وبعدها أربع وندب الأربع قبل العصر،
ــ
الصلاة الصحيح أنه يأثم لأنه جاء الوعيد بالترك هذا إذا كان مع رسوخ وأدب فإن لم يكن دار بين الكفر والإثم بحسب الحالة الباعثة. تتمة: صلى ركعتي الفجر مرتين فالسنة آخرهما لأنهما أقرب إلى المكتوبة والسنة هي ما يؤدى متصلاً بالمكتوبة كذا في (المحيط) وهو مبني على أن الأفضل إيلاهما للفرض وقيل: تقديمهما أول الوقت وجزم في (الخلاصة) به وعليه فينبغي كون السنة أولاهما ولو أكل أو باع بعد سنة الفجر أو الظهر أعادها كذا في (الخلاصة).
ومن السنة أن يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص (وبعد) صلاة (الظهر والمغرب والعشاء ركعتان وقبل الظهر والجمعة وبعدها أربع) هذا هو ظاهر الرواية كما في (البدائع) وقال الثاني: بعد الجمعة ستة وبه أخذ الطحاوي وأكثر المشايخ كما في (عيون المذاهب) وعبارته في (التجنيس) وغيره: وكثير من مشايخنا أخذوا بقوله في (المنية) والسنة عندنا أن يصلي أربعًا ثم ركعتين هذا واختلف في أقواها بعد ركعتي الفجر ففي (القنية) قيل: الكل سواء والأصح أن الأربع التي قبل الظهر آكد وعليه جرى في (النهاية) و (العناية) وقال الحلواني: ركعتا المغرب ثم التي بعد الظهر ثم التي بعد العشاء ثم قبل الظهر وصححه الحسن وهو أحسن كذا في (فتح القدير) تكميل: في (القنية) أخر السنة حتى أداها في آخر الوقت لا تكون سنة.
وقيل: تكون والكلام بعد السنة، وكل عمل ينافي التحريمة لا يسقطها ولكن ينقض الثواب على الأصح ولو جيء بالطعام بعد الفرض فإن خاف ذهاب حلاوته أو بعضها تناوله ثم أتى بالسنة إلا إذا خاف فوت الوقت، ولو نذر السنن وأتى بالمندوب فهو السنة وقال تاج الدين: والد صاحب (المحيط) لا يكون إيتائها لأنها لما التزمها صارت أخرى فلا تنوب مناب السنة ورجح في (عقد الفرائد) الأول بأن النذر لا يخرجها عن كونها سنة ألا ترى أن من شرع في سنة الظهر ثم قطعها ثم أداها كانتا سنة وزادت وصف الوجوب بالقطع انتهى. ولكن يرد عليه ما في (القنية) أيضًا شرع في سنة من السنن أو التراويح لا يلزمه المضي ولا قضاؤها إذا أفسدها إلا أن يلتزم ضعفه وهو الظاهر (وندب الأربع قبل) صلاة (العصر) وإن شاء أتى بركعتين فالكل مروي من فعله ﵊.
стр. 280
والعشاء وبعدها، والست بعد المغرب،
ــ
(و) قبل صلاة (العشاء وبعدها) لأنها كالظهر من حيث أنه لا يكره التطوع قبلها ولا بعدها كذا في (الشرح) وغيره لكن ورد في الأربع بعدها نص صريح أخرجه أبو داود من حديث عائشة ﵂ قالت: (ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى فيه أربع ركعات أو ست ركعات) وهذا نص في المواظبة فمقتضى النظر كون الأربع دون الست سنة كذا في (فتح القدير) وأجاب في (البحر) بأن نقل المواظبة معارض بما في (الصحيحين) من حديث ابن عمر: (صليت معه ﵊ فصلى ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وحدثني أنه كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد الفجر) وقيل: إن شاء صلى ركعتين وقيل: الأربع قول الإمام والركعتان قولهما لما سيأتي كذا في (الشرح) وغيره وهذا بظاهره ربما أفاد أن الركعتين على قولهما أفضل من الأربع ولا يشك شاك أن الأربع بتسليمة أفضل من الركعتين فقط عند الكل.
(و) ندب (الست بعد المغرب) بثلاث تسليمات كما في (التجنيس) لخبر ابن عمر: من صلى بعد المغرب ستًا كتب من الأوابين وتلا قوله تعالى: ﴿فإنه كان للأوابين غفورًا﴾ (الإسراء: ٢٥) وسكت عن ندب الأربع بعد الظهر وبه صرح بعض المشايخ لحديث رواه أبو داود والترمذي. بقي هل المؤكدة محسوبة من/ المندوب في الوقتين أو لا؟ وعلى الأول هل تؤدى بتسليمة واحدة أو لا؟ اختلف علماء العصر فيه فمنعه قوم لأنه إذا نوى السنة لم يصدق عليه في الشفع الثاني أو المندوب لم يصدق في السنة قال في (الفتح): ووقع عندي أنه إذا صلى أربعًا بعد الظهر بتسليمة أو باثنتين وقع عن السنة والمندوب سواء احتسب هو الراتب منها أو لا وأطال فيه وأطاب.
تنبيه: هل الأولى وصل السنة التالية للفرض به أو لا؟ ففي (شرح الشهيد) أن القيام إلى السنة متصلاً بالفرض مسنون وصرح في (الاختيار) بأن كل صلاة بعدها سنة يكره الجلوس بعدها، وفي الثاني: كان ﵊: (إذا سلم مكث قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام فتباركت يا ذا الجلال والإكرام)، وقال الحلواني:
стр. 281
وكره الزيادة على أربع في نفل النهار وعلى ثمان ليلاً،
ــ
لا بأس به أن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد واختاره في (فتح القدير) لأن الثابت عنه ﵊ (أنه كان يؤخر السنة عن الأذكار) هذا وبقي من المندوبات صلاة الضحى وأقلها أربع ركعات وأوسطها ثمان ركعات أكثرها اثنتا عشر ركعة وذكر في (الذخائر الأشرفية) أن أوسطها أفضلها ووقتها بعد الطلوع إلى الزوال وصلاة الاستخارة ذكرها الشر وغيره ودعاؤها معروف ومشهور، وصلاة الحاجة ذكرها ابن أمير حاج وغيره وأحاديثها مذكورة في (الترغيب والترهيب) وكأن الفارق بينها أن الاستخارة لما يفعل في المستقبل والحاجة لما نزل به وحل، وقيام الليل وأحب الليالي العشر الأخيرة من رمضان والأول من ذي الحجة وليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان، ولا خفاء أنه يكون في كل عبادة تستوعب الليل أو أكثره ومن المعلوم كراهة النفل لجماعة إلا التراويح وعلم بهذا كراهة الجماعة في أول ليلة الجمعة من رجب وهي المسماة بصلاة الرغائب قال البزازي: ولا يخرجون عن الكراهة بنذرها.
(وكره الزيادة على الأربع) أي: أربع ركعات بتسليمة في نفل النهار وباتفاق الروايات لأنه لم يرد أنه ﵊ زاد على ذلك ولولا الكراهة لزاد تعليمًا للجواز كذا قالوا وهذا يفيد أنها تحريمية. (و) كره أيضًا الزيادة (على ثمان) ركعات (ليلاً) أي: في الليل. واعلم أنه لا خلاف في إباحة الثمان بتسليمة ليلاً كما لا خلاف في كراهة الزيادة عليها على ما اختاره القدوري تبعًا لفخر الإسلام وقول السرخسي الأصح أنه لا يكره لما فيه من وصل العبادة تصحيح للواقع من مذهبهم لكن رده في (البدائع) بأنه لو صح لما كرهت الزيادة على أربع في نفل النهار فالصحيح الكراهة لأنه لم يرد ذلك لأن غاية ما انتهت إليه الأعداد الواردة من صلاته ﵊ ليلاً فيما روته عائشة رضي الله تعالى عنها (إحدى عشرة ركعة ثلاث منهن وتر والباقي نافلة) هكذا استدل به فخر الإسلام وغيره، وروى الطحاوي بما ثبت عن عائشة من رواية الزهري أنه كان يسلم من كل اثنتين منهن ولم نجد عنه من فعله ولا من قوله أنه أباح أن يصلى في الليل بتكبيرة أكثر من ركعتين وبذلك نأخذ وهو
стр. 282
والأفضل فيهما الرباع وطول القيام أحب من كثرة السجود،
ــ
أصح القولين انتهى. قال الإتقاني: وهو الحق لأن كون الثمان نافلة هذا احتمال ويحتمل أن أربعًا منها فرض العشاء وأربعًا سنتها وثلاث ركعات وتر وليس في الحديث قيد التطوع وأقول: يلزم على ما قاله الطحاوي: أنه لم يصل الوتر لأنه لا ذكر له في هذه الأعداد فمتى فعله جاز واحتمال كون العشاء منها مدفوع بما سمعته من ثبوت سلامه وأجاب في (البحر) عما استدل به الطحاوي بما في (مسلم) عن عائشة كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا في الثامنة فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعو ثم ينهض ولا يسلم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله تعالى ويحمده ثم يسلم تسليمًا لكن مقتضاه عدم لزوم القعدة على رأس الركعتين من النفل وكلمتهم متفقة على لزومها.
(والأفضل فيهما) أي: في الليل والنهار (الرباع) غير منصرف للعدل عن أربعة والوصف ولا خلاف في النهار لأنه ﵊ (كان يصلي الضحى أربعًا لا يفصل بينهن بسلام) وهكذا جاء عنه في سنة الظهر والجمعة وأما في الليل فهو قول الإمام وقالا: المثنى أفضل لقوله ﵊ (صلاة الليل مثنى مثنى) واعتبارًا بالتراويح قال في (العيون): وبقولهما يفتى اتباعًا للحديث كذا في (المعراج).
ورده الشيخ قاسم بما استدل به المشائخ للإمام من حديث الصحيحين عن عائشة: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة/ ركعة يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن وكانت التراويح ركعتين تخفيفًا) وقوله: مثنى يحتمل أن يراد به أيضًا شفع ولا وتر وترجحت الأربع بزيادة منفصلة لما أنها أكثر من مشقة على النفس وقد قال ﵊: (إنما أجرك على قدر نصبك) (وطول القيام) في الصلاة (أحب من كثرة السجود) فيها في الركعات المتعددة كذا عن محمد وهو الصحيح كذا في (البدائع)، لما في (مسلم): لقوله ﵊ لذلك السائل:
стр. 283
والقراءة فرض في ركعتي الفرض. وكل النفل
ــ
(عليك بكثرة السجود) وظاهر ما في (المعراج) أن فضيلة القيام هي قول الإمام حيث قال: طول القيام أفضل وقال أبو يوسف: إن كان له ورد بالليل فكثرة السجود وإلا فطول القيام وقال محمد: كثرة الركوع والسجود أفضل واختاره في (البحر) لأن القيام وسيلة إلى الركوع والسجود ولذا سقط عن من لا يقدر عليهما فلا يكون أفضل من القعود وقولهم: إن كثرة القراءة تكثر بطول القيام وبكثرة الركوع والسجود إنما يكثر التسبيح لا يفيد الأفضلية لأنها ركن زائد مع اختلاف في ركنتيها بخلاف الركوع والسجود فإنهما ركنان أصليان إجماعًا مع أن القيام قد يختلف عن القراءة في الفرض فيما زاد على الركعتين.
وأقول: فيه نظر من وجوه أما أولاً فلأن القيام وإن كان وسيلة إلا أن أفضلية طوله إنما كانت بكثرة القراءة فيه وهي وإن بلغت كل القراءة تقع فرضًا بخلاف التسبيحات فإنها وإن كثرت لا تزيد على السنة، وأما ثانيًا فلأن كون القراءة ركنًا زائدًا مما لا أثر له في الفضيلة بخلاف الركوع والسجود، وأما ثالثًا فلأن كون القيام يختلف عن القراءة في الفرض ليس مما الكلام فيه إذ موضوع المسألة في النفل وفيه تجب القراءة في كل (و) لم أر في كلامهم ما لو تطوع الأخرس هل يكون طول قيامه أفضل كالقارئ أم لا فتدبره. (القراءة) في الصلاة (فرض) عملي (في ركعتي الفرض).
أما في خصوص الأوليين فقد سبق أنها واجبة وهذا هو ظاهر المذهب وإليه أشار في (الأصل) وهو الصحيح وقيل: فرض في الأوليين وصححه في (التحفة) وغيرها، وأجمعوا أنه قرأ في الأخريين فقط صحت، وأنه يجب عليه السهو وعلى هذا فأثر الخلاف إنما يظهر في سببه فعلى الأول ترك الواجب وعلى الثاني تأخير الفرض عن محله كذا في (البحر) لكن سيأتي في السهو أن تأخير الفرض فيه ترك واجب أيضًا ويمكن أن يظهر في اختلاف مراتب الإثم فعلى الأول يأثم إثم تارك الواجب وعلى الثاني إثم تارك الفرض العملي الذي هو أقوى نوعي الواجب على ما مر تحقيقه وفي (القنية) لم يقرأ في الأوليين وقرأ في الأخريين الفاتحة على وجه الثناء والدعاء لا تجزئه إلا أن المسطور في (التجنيس) أنه لو قرأ في الصلاة على وجه الثناء جازت صلاته لأن القراءة في محلها فلا يتغير حكمها بقصده وهكذا في (الظهيرية) ثم ذكر بعده ما في (القنية) عن الحلواني (و) في (كل النفل) لأن كل شفع منه صلاة على
стр. 284
والوتر، ولزم النفل بالشروع، ولو عند الغروب والطلوع
ــ
حدة والقيام إلى الثالثة كتحريمة مبتدأة ولذا لا يجب بالتحريمة الأولى إلا ركعتان ويستفتح في الثالثة كذا في (الهداية)، قال في (الفتح): وقياسه أن يتعوذ أيضًا واعترض بأنه لو كان كذلك لما صحت ترك القعدة ساهيًا لكنها تصح ويسجد للسهو ويجب العود إليها إذا تذكر بعد القيام ما لم يسجد وأجيب بأن هذا هو القياس وبه قال محمد وزفر في رواية وفي الاستحسان لا يفسد لأن التطوع شرع أربعًا كما شرع ركعتين فإذا ترك القعدة أمكن تصحيحها بجعلها واحدة كذا في (الفتح)، وحاصله بتسليم أن كل شفع صلاة على حدة إلا لعارض وعلى هذا قلا يثني ولا يتعوذ إذا لم يقعد ويدل على ذلك ما في (المجتبى) وغيره، ولا يستفتح في سنة الظهر والجمعة والتي بعدها لأنها صلاة واحدة وسيأتي أنه لو أفسدها قضى ركعتين فقط فكأنها أشبهت الظهر من وجه وفارقته من آخر فعملوا بالشبهين قال الشارح: والثمان كالأربع على الصحيح وفي (الخلاصة) نوى أربعًا تطوعًا لم يقعد على الركعتين عامدًا لا تفسد استحسانًا وهو قولهما وتفسد قياسًا وهو قول الإمام وزفر، ولو ستًا أو ثماني بقعدة واحدة فالأصح أنها تفسد قياسًا واستحسانًا وحكم سنة الظهر حكم النفل عن محمد أما على قول الإمام ففيها قياس أو استحسان في الاستحسان لا تفسد وفي القياس تفسد عنده وه المأخوذ به انتهى.
(و) في كل (الوتر) لأن فيه روائح النفلية فلزم فيه الاحتياط في القراءة لأنها ركن مقصود لنفسه لا كالقعدة (ولزم النفل) أي: لزم الصلاة/ (بالشروع) فيه وقول العيني صلاة كان أو صومًا من استعجال الشيء قبل أوانه وهلا قال: أو حجًا لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (محمد: ٣٣) أطلقه فعم كل نفل إلا أنه في (الخلاصة) قال: لو افتتح الظهر مع الإمام ينوي التطوع ثم تذكر أنه لم يصله فقطع التطوع ثم كبر ينوي الظهر لا شيء عليه وكذا لو دخل مع الإمام ينوي المكتوبة ثم كبر ينوي النافلة ثم أفسدها لم يكن عليه إلا المكتوبة وجه الأول في (القنية) بأن ما شرع فيه يصير مؤدى بأداء الظهر فيكون قطعه لإكماله، وقالوا: لو شرع في الظهر ثم تبين أنه أداء فأفسده لا شيء عليه لأنه إنما شرع فيه مسقطًا لا ملتزمًا، أطلق في الشروع فانصرف إلى الصحيح فلا يلزمه الشروع في غيره حتى لو شرع في صلاة أمي أو امرأة أو جنب أو محدث فأفسدها لا قضاء عليه كما في (البدائع) وفيها اقتدى متطوع بمفترض فقطعه ثم اقتدى به ولم ينو القضاء خرج عن العهدة ولو نوى تطوعًا آخر ذكر في (الأصل) أنه ينوب أيضًا في قول الإمام الثاني، وفي (الزيادات) لا ينوب (ولو) كان الشروع (عند الطلوع والغروب) والاستواء في ظاهر الرواية عن الإمام والأفضل
стр. 285
وقضى ركعتين لو نوى أربعًا وأفسده بعد القعود الأول أو قبله أو لم يقرأ فيهن شيئًا أو قرأ في الأوليين، أو الأخريين
ــ
قطعها وإن أتمها فلا قضاء عليه لكن أساء كذا في (البدائع) وينبغي القطع خروجًا عن المعصية، وعن الإمام أنه لا يلزمه بالشروع في هذه الأوقات اعتبارًا بالشروع في الصوم في الأوقات المكروهة والفرق على الظاهر صحت تسميته صائمًا بالشروع فيه وفي الصلاة لا إلا بالسجود ولذا حنث بمجرد الشروع في لا يصوم بخلاف لا يصلي كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(وقضى ركعتين لو نوى أربعًا) وشرع فيه دل على ذلك قوله (وأفسده) أي: المنوي (بعد القعود الأول) يعني بعد ما قام إلى الثالثة (أو قبله) لما مر من أن كل شفع صلاة على حدة والقيام إلى الثالثة بمنزلة تحريمة مبتدأة فإفساد الثاني بعد القعود لا يستلزم إفساد الأول خلاف إفساد الأول وهذا ظاهر الرواية عن الثلاثة وعن الثاني ثلاث روايات والأصح رجوعه إلى قولهما، قيد بنية الأربع لأنه لو لم ينو شيئًا قضى ركعتين فقط باتفاق الروايات كما في (الخلاصة) وإطلاقه يعم سنة الظهر فإذا أفسدها بعد القعود أو قبله قضى ركعتين أيضًا في ظاهر الرواية وجزم غير واحد بأنه عن الثاني يقضي أربعًا، واختاره بعض المشايخ لأنها صلاة واحدة وأنت قد علمت رجوعه، فالخلاف ليس بناء على قوله بل اختيار لبعض المشائخ وعزاه في (الدراية) للفضلي، وعليه فينبغي أن لا فرق في وجوب الأربع بين نيتها أو لا، لأنها صلاة واحدة وقيد بالقعود الأول لأنه، لو لم يقعد وأفسد الأخريين قضى أربعًا إجماعًا هذا إذا لم يقتد بمن تلزمه الأربع كمصلي الظهر فإن اقتدى به ثم أفسده لزمته الأربع سواء اقتدى في أوله، أو في القعدة الأخيرة كذا في (البدائع) (أو لم يقرأ فيهن) أي: في الأربع (شيئًا أو قرأ في) الركعتين (الأوليين) فقط أو قرأ في الركعتين (الأخريين) لا غير حيث يقضي ركعتين كذلك، هذا شروع في المسألة الملقبة بالثمانية لأنها على ثمانية أقسام لكنها في الحقيقة أقسام في ترك القراءة لا في نفسها ولذا لم يكن منها ما إذا قرأ في الكل مع أن القسمة العقلية تقتضيه وبه تصل الأقسام إلى ستة عشر وذلك أنه إما أن يكون قرأ في الكل أو ترك في الكل أو في الشفع الأول أو في الثاني أو في كل ركعة من الشفع وهذا صادق بأربع صور أو في الأولى والثانية أو الرابعة أو في الأولى والثانية من الشفع الثاني أو الأولى والثالثة أو الرابعة أو ترك في الثانية أو الثالثة أو الرابعة وترك في الثانية أو الثالثة أو الرابعة ولم يذكر الأول لما علمت وتداخلت منها سبعة لاتحاد الحكم فصارت ثمانية فعليك بتمييز المتداخلة بالتفتيش في
следующие страницы →