Полный текст (1 611 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ويقضي ولو بلغ صبي، أو أسلم كافر أمسك يومه
ــ
الصوم يضر بلبن المرأة ويهزلها وإن لم يكن له أن يطأها ومنافع العبد مملوكة للمولى ولو كان غائبا وعندي أن إحالة المنع على الضرر وعدمه على عدمه أولى للقطع بأن صوم يوم لا يهزلها فلم يبق إلا منعه عن وطئها وذلك إضرار به فإن انتفى بأن كان مريضًا أو مسافرًا جاز.
(ويقضي) يوما مكانه قال في (الفتح): لا خلاف بين أصحابنا في وجوب القضاء إذا فسد عن قصد أو غير قصد بأن عرض الحاضر للصائمة المتطوعة انتهى. ويعكر عليه ما في (النهاية) لو حاضت الصائمة تطوعًا وجب القضاء في أصح الروايتين (ولو بلغ صبي أو أسلم كافر) في بعض النهار دل على ذلك قوله (أمسك) كل منهما بقية (يومه) والأصل شبه أد كل من صام في آخر النهار بصفة لو كان في أول النهار عليها للزمه الصوم فعليه الإمساك كذا في (الخلاصة) و (النهاية) و (العناية) لكنه غير جامع إذ لا يدخل فيه مع أكل في رمضان عمدًا لأن الصيرورة للتحول ولو لامتناع ما يليه ولا يتحقق المفاد بهما فيه ومن ثم قال في (الفتح): كل من تحقق بصفة في أثناء النهار أو قارن ابتداء وجودها طلوع الفجر وتلك الصفة بحيث لو كانت قبله واستمرت معه وجب عليه الصوم فإنه يجب عليه الإمساك تشبيهًا كالحائض والنفساء يطهران بعد الفجر أو معه والمجنون يفيق والمريض يبرأ والمسافر يقدم قبل الزوال أو بعده بعد الأكل والذي أفطر عمدًا أو خطأ أو مكرهًا أو أكل يوم الشك ثم استبان أنه من رمضان وقيل: الإمساك مستحب لا واجب انتهى.
وفيه بحث من وجوه الأول: أن ما فر منه وقع فيه أنه أتى بكلمة لو الامتناعية المفيدة لأن الصفة لم تكن موجودة أول اليوم فلا يشمل كلامه من أكل عمدًا كذا في (البحر) الثاني: أن قوله أو قارن إلى آخره حشو إذ المراد بأثناء النهار بعده ولا شك في صدقه عند طلوع الفجر وهذا لأنه إنما لم يلزمها الصوم لاتصال جزء من النهار بحيضها الثالث: أن كلامه يعطي أن الخلاف ثابت فيمن أكل عمدًا وما بعده وليس كذلك ففي (الخلاصة) أجمعوا أن من أفطر خطأ أو أكل متعمدًا أو مكرهًا أو أكل يوم الشك ثم ظهر أنه من رمضان أنه يلزمه التشبه نعم الخلاف ثابت فيما عدا هؤلاء فقيل: بالاستحباب ذكره ابن شجاع لأنه مفطر كيف يجب الكف وقد قال الإمام في الحائض تطهر نهارًا: لا يحسن أن تأكل وتشرب والناس صيام لكن صنيع محمد يدل على الوجوب حيث قال: فليصم وفي الحائض فلتدع قال الصفار: وهو الصحيح وقال بعض المتأخرين: إن صنيع محمد يدل على أن مختاره الوجوب لا أنه هو الصحيح مدفوع بأنه حكاية للمذهب لا لقوله عرف ذلك من مارس كتبه وما مر عن الإمام تعليل للوجوب أي: بل يقبح بدليل قوله في المسافر إذا أقام بعد الزوال إني
стр. 492
ولم يقض شيئًا، ولو نوى المسافر الإفطار ثم قدم، ونوى الصوم في وقته صح
ــ
ستقبح أنه يأكل ويشرب والناس صيام وترك القبيح شرعًا واجب وبهذا اندفع قول بعض المتأخرين هذا تعسف ظاهر فإن عدم الحسن لا يستلزم وجود القبح والقبيح إذا كان قبحه عن كواهل تنزيهية لا يجب تركه إذ استلزامه مع القرينة وهي ما جاء في المسافر مما لا كلام لمحيط ولا نسلم أن ارتكاب المكروه تنزيها قبيح.
تتمة: قال الرازي: يؤمر الصبي بالصوم إذا أطاقه وذكر أبو جعفر فيه اختلاف مشايخ بلخ والأصح أنه يؤمر به وسئل أبو جعفر أيضرب ابن عشر سنين على الصوم كالصلاة؟ قال: اختلفوا فيه فقيل: لا وبه قال مالك والصحيح أنه بمنزلة الصلاة فيضرب كذا في (الدراية) (ولم يفض) كل منهما (شيئًا) لأن الصوم غير واجب فيه عليهما خلافا لزفر في الكافر حيت أوجب عليه القضاء لأن إدراك جزء من الوقت مع الأهلية موجب كما في الصلاة قيل: وينبغي أن يكون جوابه في الصبي إذا بلغ كذلك وفرقنا بينهما بان التسبب في الصلاة الجزء الدائم عند الأهلية أي جزء كان فيتحقق الموجب في حقهما وفي الصوم الجزء الأول يعني من كل يوم ولم يصادفه أهلا قال في (الفتح): وعلى هذا فقولهم: الواجب المؤقت قد يكون الوقت فيه سببا للمؤدي وظرفًا له كوقت الصلاة أو سببًا ومعيارًا وهو ما يقع فيه مقدرًا كوقت الصوم تساهل إذ يقتضي أن السبب تمام الوقت فيهما وقد بان خلافه على ما مر من تحقيق المراد قد يقال: يلزم أن لا يجب الإمساك في نفس الجزء الأول من اليوم/ لأنه السبب للوجوب وإلا لزم سبق الوجوب على السبب لزوم تقدم السبب فالإيجاب لمحيط يستدعي سببًا سابقًا والفرض خلافه ولو لم يستلزم ذلك لزم كون ما ذكروه في وقت الصلاة من أن السببية تضاف إلى الجزء الأول فإن لم يؤد عقيبه انتقلت إلى ما يلي ابتداء الشروع فإد لم يشرع إلى الجزء الأخير تقررت السببية فيه واعتبر حال المكلف عنده مستغنى عنه إذ لا داعي له لجعله دون ما وقع فيه انتهى.
وفيه نظر كيف وقد ذكر عنهم انتقال السببية إلى ما يلي ابتداء الشروع انه إن لم يؤد في الجزء الأول فإن لم يؤد حتى خرج الوقت أضيف إلى السبب كله وهذا لأن السبب في الحقيقة إنما هو كل الوقت لكنه عدل عنه للضرورة ولا نسلم ما ادعاه من اللزوم إذ تقدم السبب إنما هو عند إمكانه فإذا لم يكن اكتفى بقرانه للمسبب كما هنا وقد صرحوا به (ولو نوى المسافر الإفطار) ليعمل بشرط إذ الحكم عند عدم نيته كذلك وكأنه إنما قيد به ليعلم الحكم فيما إذا لم ينو بالأولى وثم قدم) نهارا (ونوى الصوم في وقته) الذي (صح) لمحيط نيته وقيل: ما قبل نصف النهار على ما مر صح لأن السفر لا ينافي صحة الشروع ثم إن كان في رمضان لزمته النية لزوال المرخص في
стр. 493
ويقضي بإغماء سلوى يوم حدث في ليلته وبجنود غير ممتد وبإمساك بلا نية صوم وفطر
ــ
وقتها ألا ترى أنه لو كان مقيمًا في أول اليوم وهل سافر لا يباح له الفطر فهذا أولى لأنه إذا سافر قبل الزوال يكون لمحي أكثر الوقت مسافرا ومع هذا لا يباح له الفطر ففي ما إذا دخل المصل قبل الزوال وهو مقيم في أكتر اليوم أولى ولقائل أد يفرق بينهما بأنه إنما لا يباح له الإفطار صيانة للمؤدى عن البطلان وثمة لم توجد النية فلا يكونان مثلين حتى يشتغل بإثبات الأولوية.
(ويقضي) ما فاته (بإغماء) أي. بسببه لأنه مرض يضعف القوى (سوى يوم حدث) الإغماء (في ليلته) لأن الظاهر من حاله أد ينوي الصوم ليلاً حملاً له على الأجمل ولو حدث له ذلك نهارًا أمكن حمله كذلك بالأولى حتى لو كان متهتكًا يعتاد الأكل في رمصان أو مسافرًا قضى لكل كذا قالوا: وينبغي أن يقيد بمسافر يضره الصوم أما من لا يضره فلا تقض ذلك اليوم حملاً لأمره على الصلاح لما مر أن صومه أفضل وقول بعضهم: إن قصد صوم الغد في الليالي من المسافر ليس بظاهر ممنوع فيما إدا كان لا يضره قال الشمني: وهذا إذا لم يذكر أنه نوى أو لا أما إذا علم أنه نوى فلا شك في الصحة وإن علم أنه لم ينو فلا شك في عدمها أو كلامه ظاهر في أن فرض المسألة في رمضان دلو حدث له ذلك لمحي شعبان قضى الكل.
(و) يقصي أيضًا (بجنون غير ممتد) أي: مستوعب شهرًا فإد استوعبه سقط للزوج بخلاف الإغماء فإنه لا يستوعبه عادة وإلا ربما مات لفقد الغداء فانتفى الحرج في حقه والمراد بالاستيعاب أن لا يفيق مقدار ما يمكنه إنشاء الصوم لمحيط حتى لو أفاق في ليلة أو في آخر اليوم منه فقط لا قضاء عليه على ما عليه الفتوى كما في (الدراية) وإطلاقه يفيد عدم الفرق بين الأصلي والعارض قيل: وهو ظاهر الرواية وعن محمد أنه فرق بينهما فخص القضاء بالعارض واختاره بعض المتأخرين وجعله في (شرح الطحاوي) قول أصحابنا وفي (النهاية) عن الثاني في أن لا عن محمد قياس ولكني أستحسن عدم الفرق بينهما والمحفوظ عن محمد عدم القضاء في الأصلي ولا رواية فيه عن الإمام واختلف المتأخرون على قياس مذهبه والأصح أنه ليس عليه قضاء ما مضي (بإمساك بلا نية صوم) وفطور دون كفارة وقال زفر: عليه القضاء والكفارة بناء على أنه يتأذى بغير نية عنده من الصحيح للمقيم.
قلنا: المستحق إنما هو الإمساك بجهة العبادة ولا عبادة إلا بالنية كذا في (الهداية) قال بعض المتأخرين: المعتبر في المسألة عدم الفطر لا عدم نيته فكان حقه أن يقول: بلا نية صوم ولم يفطر وأنت خبير بأن هذا التوهم نشأ من عطف الفطر على الصوم وليس بالواقع بل هو معطوف على نية والمعنى بلا نية صوم (و) لا (فطر)
стр. 494
ولو قدم مسافر، أو طهرت حائض، أو تسحر ظنه ليلاً، والفجر طالع،
ــ
قيل: هذه المسالة من خواص مسائل (الجامع الصغير) ولا بد في تأويلها إذ دلالة حال المسلم كافية في وجود النية كما مر في المغمى عليه قال في (العناية): ورأيي أنه ليس بمحتاج إليه لأن الدلالة إنما تكفي إدا لم يعرف منه كالمغمى عليه والفرض في هذه المسألة العلم بأنه لم ينو بإخباره بذلك والدلالة إنما تعتبر إذا لم يخالفها صريح انتهى. وأيضا لا يستقيم خلاف زفر على هذا التأويل.
(ولو قدم مسافر أو طهرت حائض) في أثناء النهار بدليل الوجوب (أو تسحر ظنه ليلاً) قال في ما البحر): المراد بالظن هو التردد في بقاء الليل وعدمه/ سواء توجد عنده أو لا فيدخل الشك فإن الحكم فيه لو ظهر طلوع الفجر عدم وجوب الكفارة كما لو ظن والأفضل له أن لا يتسحر وقوله ليلا ليس بقيد لأنه لو ظن الطلوع وأكل مع دلك ثم تبين صحة ظنه فعليه القضاء ولا كفارة لأنه بنى الأمر على الأصل فلم تكمل الجناية فلو قال: ظنه ليلاً أو نهارًا لكان أولى انتهى.
وأقول: في شقي كلامه بحث أما الأول: فلأنه لا يصح أن يوجد بالظن هنا ما يعم الشك إذ لا يلائم قوله بعد أو أفطر كذلك والشمس حية كما ترى فالصواب بقاؤه على بابه غاية الأمر أنه لم يتعرض المسألة الشك وأما الثاني: فلأنه إنما قيد بالليل ليطابق دوله أو تسحر إذ لا خفاء أن التسحر أكل السحور وهو بفتح السين ما يؤكل وقت السحر وهو السدس الأخير من الليل واختار في ما (الظهيرية) ندبه وفي (البدائع) استنانه ما لم يشك في الطلوع فإن شك فالأفضل تركه وجعل تسحر بمعنى أكل تكلف مستغنى عنه.
(و) الحال أن (الفجر طالع) يعني في نفس الأمر كما هو ظاهر ما في (الشرح) لا بدليل قوله: هذا إذا تبين أنه أكل بعد ما طلع وإن لم يتبين لا شيء عليه وفي (البحر) أراد به تيقن الطلوع لما في (الظهيرية) لو غلب على ظنه أنه أكل بعد طلوع الفجر لا قضاء عليه ما لم يخبره رجل عدل في أشهر الروايات ولا يخفى أنه لا مطابقة بين الدعوى والدليل إد خبر الواحد المضاف إلى غالب الظن لا يفيد يقينًا وما في لا (البزازية) تسحر على تيقن أن الفجر طالع أو أفطر على تيقن أن الشمس غربت ثم وهو بخلافه قضى ولا كفارة عليه أراد به غالب الظن نعم في هده الحالة ليس له الأكل، ولو أكل ولم يتبين شيء قيل: يقضيه احتياطًا وصححه في (التحفة) وصحح في ما (الإيضاح) عدمه قيل: وهو ظاهر الرواية ولو شهدا على الطلوع وآخران على عدمه فأكل ثم بأن الطلوع قضى وكفر وفاقًا ولو شهدوا على الطلوع واثنان على عدمه فلا
стр. 495
أو أفطر كذلك، والشمس حية أمسك يومه وقضى ولم يكفر كأكله عمدا بعد أكله ناسيًا،
ــ
كفارة (أو أفطر كذلك) أي: إنه غروب الشهر (و) الحال أن (الشمس حية) سواء غلب على ظنه ذلك أو لا بخلاف ما إذا لم يظهر شيء نعم حل الفطر مقيد بما إذا غلب على ظنه الغروب أما إدا لم يغلب لا يفطر وإن أذن المؤذن كما في (البزازية) قيد بالظن لأنه لو شك في الغروب فبان أنها لم تغرب كفر وهذا فيما إذا كان ذلك أكبر رأيه أولى وبهذا التقرير علمت أنه لا يصح حمل الظن على ما يعم الشك لأنه لا يكون كذلك.
وقد قال في (البحر): هنا أراد بالظن في قوله كذلك غلبته وهذا ما سبق الوعد به ولو شهدا أنها غربت وآخران أنها لم تغرب ثم بان عدم الغروب قضي ولا كفارة عليه اتفاقًا والحاصل إما أن يتيقن أي: يغلب على ظنه أو يظن أو شك وكل من الثلاثة إما أن يكون في وجود المبيح أو قيام المحرم فهي ستة وكل منها على ثلاثة لأنه إما أن تبين صحة ما بدا له أو بطلانه أو لم يتبين شيء وكل من الثمانية عشر إما أن يكون في ابتداء الصوم أو في انتهائه فتلك ستة وثلاثون تعرف بما مر أسقط في (البحر) منها ثلاثًا مع أنهم ذكروه (امسك بقية يومه) أي: وجب عليه الإمساك تشبها بالصائمين كما مر.
(وقضي) أما فيما عدا المسافر والحائز فظاهر وأما هما فلثبوت أصل الوجوب في ذمتهما وإن تأخر وجوب الأداء عليهما (ولم يكفر) أما المسافر والحائض فلعدم الجناية منهما وأما في غيرهما فقال في (الهداية) القصور الجناية واعترض بأنه لا جناية من الفاعل أصلا كيف وقد صرحوا بأنه لا إثم عليه اللهم إلا أن يراد بها عدم تثبته كما قالوا في القتل الخلق من أنه لا يأثم فيه إثم القتل وإن أثم فيه إثم ترك العزيمة والمبالغة في التثبت حال الرمي (كأكله) يعني كما لا يجب التكفير بأكله (عمدًا بعد أكله ناسيًا) سواء ظن فطره به بان لا يبلغه الحديث أو عدم لمحطته بأن بلغه في ظاهر الرواية وهو الصحيح كما دل عليه الإطلاق أما إذا لم يبلغه فلان الاشتباه استند إلى القياس فتحققت الشبهة وأما إذا بلغه فلقيام الشبهة الحكمية وهي التي تحققت بقيام الدليل النافي للحرمة في ذاته ولا تتوقف على ظن الجاني واعتقاده كما سيجيء في الحدود ولو احتجم أو اكتحل أو لمس أو قبل بشهوة فظن الفطر ثم أكل متعمدًا كفر إلا إذا أفتاه فقيه به أو بلغه خبر وإن أخطا الفقيه ولم يثبت الخبر بعد أن يكون ممن يعتمد على فتواه في بلده كما رواه الحسن عن الإمام وبشر عن الثاني وابن رستم عن محمد بخلاف ما لو ادهن أو اغتاب حيث يكفر مطلقا كما في (البدائع) وجعل في (المحيط) الغيبة كالحجامة قال الشارح: والأول عليه عامة
стр. 496
ونائمة، ومجنونة وطئتا.
[٧] فصل
ــ
المشايخ والظاهر توضيح ما في (المحيط) للشبهة كذا في (البحر) وفي احتلم ثم تعمد الأكل/ كفر ولو جاهلاً فكذا عند الإمام في ظاهر الرواية وعند محمد أنه بعدما أفتاه فيقه بالفطر فلا كفارة وهو الصحيح ولو ذرعه القيء أو اغتسل فظن الفطر وأكل كفر على كل حال وقيده في بعض الروايات بالعالم أما الجاهل فكذلك عند الإمام خلافًا للثاني وقول محمد مضطرب ولو أكل ظانًا الفطر بإنزاله ناظرًا إلى محاسن امرأة فحكمه كالقيء.
(ونائمة ومجنونة وطئتا) عطف على المجرور أي: وكنائمة ومجنونة وطئتا ثم أكلتا عمدا بعد، لا كفارة عليهما لفساد الصوم قبله بالجماع وهذا لمحي النائمة ظاهر لا في المجنونة لأنه فرع صحة صومها ولا صحة له قال أبو سليمان الجوزجاني: قلت لمحمد: كيف تكون صائمة وهي مجنونة؟ فقال لي: دع هذا فإنه انتشر في الأفق فمنهم من قال: كأنها كانت في الأصل المجبورة فصحفت وعن ابن أبان قلت لمحمد: هذه المجنونة فقال: لا بل المجبورة أي: المكرهة قلت: ألا تجعلها كذلك قال: بلى ثم قال: كيف وقد سارت بها الركبان دعوها وأكثر المشايخ قالوا: تأويله أنها كانت عاقلة بالعة في أول النهار ثم جنت فجامعها زوجها ثم أفاقت وعلمت بما فعل بها الزوج كذا في (العناية) تبعًا (للنهاية) وغيرها وهذا يقتضي عدم تصحيفها وجزم في (الفتح) بأنها مصحفة من الكاتب مستندًا لما هو عن أبي سليمان وابن أبان قال: وتركها محمد بعد التصحيف لإمكان توجيهها انتهى.
وهذا يفيد رفع الخلاف السابق إذ لا تنافي بين تصحيفها وتأويلها وقد اندفع ما في (البحر) من أن كونها مجحفة مدفوع بإمكان، لكن لا يخفى أن ما عن أبي سليمان ليعمل نصًا في أن الكاتب صحفها بل وقعت من محمد كذلك غير انه لم يصلحها لانتشارها وإمكان تحويلها وأيضا استعمال مجبور بمعنى مجبر ضعيف.
[٨] فصل في النذر
أخره بما أوجبه الله تعالى لأنه قرعة بدليل أن من شرائط صحته أن يكون من
стр. 497
ومن نذر صوم يوم النحر أفطر، وقضي، وإن نوى يمينًا قضي وكفر،
ــ
جنسه واجما (و) أن لا يكون واجبًا بإيجابه تعالى كما سيأتي، (من نذر صور يوم النحر أفطر) أي: وجب عليه الفطر تحاميًا عن المعصية (وقصى)، فيه إيماء إلى أن النذر صحيح إذ الباطل لا يمضي وذلك أنه نذر بصوم مشروع والنهي لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح في ظاهر الرواية وروى الثاني عن الإمام عدم الصحة وبه قال زفر وروى الحسن عنه أنه إن عين الغد لم يصح وإن قال: غدًا فوافق يوهم النحر صح قياسًا على ما لو نذرت يوم حيضها حيث لا يصح.
ولو قالت: غدًا فوافق يوم حيضها صح وجعل في (السراج) شقي رواية الحسن محمل الروايتين توفيقًا بين الروايات وإطلاق المصنف يرده وقد صرحوا بأن ظاهر الرواية أنه لا فرق بين أن يصرح بذكر المنهي عنه أو لا ولا تنافي بين الصحة ليظهر أثرها في وجوب القضاء والحرمة للإعراض عن الضيافة. الحلم أن المذكور في (النهاية) أن شروط النذر ثلاثة في (الأصل) إلا إذا لمحام الدليل على خلافه أن يكون من جنسه واجمًا شرعًا فلا يسمح بعيادة المريض وأن لا يكون واجب عليه في الحال أو في ثاني الحال وقد من والثالث أن يكون مقصودًا لا وسيلة فلا يصح بالوضوء وسجدة التلاوة.
قال في (الواقعات): ومنه تكفين الميت وأسقط بعضهم الثاني وعليه جرى في (الفتح) كأنه استغنى بالثاني إد قولهم من جنسه واجب يفيد أن المنذور غير الواجب من جنسه وهاهنا عينه وزاد وأن لا يكون معصية وهذا بظاهره مضاد لقولهم بصحة نذر يوم النحر فيجب أن يراد كون المعصية باعتبار نفسه حتى لا ينفك شيء من أفراد الجنس عنها كالنذر بالزنى وشر ب الخمر فلا يلزمه الوفاء به لكنه ينعقد للكفارة بخلاف النذر بالطاعة حيت لا يكون يمينًا إلا بالنية على ما عليه الفتوى فلو فعل المعصية المحلوف عليها انحلت وأثم وإنما قال في (النهاية): إلا إذا قام إلى أخره لئلا يرد عليه النذر بالحج ماشيًا والاعتكاف وإعتاق الرقبة فإن النذر بها صحيح مع أن موجب له كذا قرره في (النهاية) وفيه نظير بل إنما صح النذر بها لأن من جنسها واجبًا أما الحج فلما صرح به الشارح من أن أهل مكة ومن حولها لا يشترط في حقهم الراحلة بل يجب المشي على القادر منهم وأما الاعتكاف فلان القعدة الأخيرة في الصلاة فوض وهي لبث كالاعتكاف وأما الإعتاق فلأن من جنسه واجبًا هو الإعتاق في الكفارة وأما كونه من غير سبب فليس مرادًا كذا في (البحر) وجعل بعض المتأخرين جنس الواجب في الاعتكاف هو الوقوف في عرفة لأنه الحبس واللبث خوان نوى يمينًا) بنذر الصمود (كفر) أيضًا أي: (مع القضاء) حيث لم يوف بالمنذور/ فيه إيماء
стр. 498
ولو نذر صوم هذه السنة أفطر أيامًا منهية، وهي يومًا العيد، وأيام التشريق وقضاها،
ــ
إلى أن الكفارة وحدها لا تجزئ عن الفعل وهو الظاهر عن الإمام لكن روي عنه أنه وجع عن ذلك قبل موته بسبعة أيام وقال: إنها تجزئ محنه واختاره الشهيد والسرخسي وبه يفتى قيد بنية اليمين لأنه لو لم ينو أو نوى النذر خاصة أو نوى أن لا يكون يمينًا بل نذرًا كان نذرًا فقط إجماعًا وعلم من كلامه بالأولى أنه لو توهمًا كفر أيضًا ولو نوى اليمين وأن لا يكون نذرًا كان يمينًا فقط فهذه وجوه خمسة والسادس منطوق (الكتاب) وهو ما إذا نوى اليمين ولم يخطر له النذر كان نذرًا ويمينًا عندهما كما لو نواهما وقال الثاني: يكون يمينًا في الأول ونذرًا في الثاني فقط لأن النذر حقيقة واليمين مجاز بدليل عدم توقفه على النية بخلاف اليمين فإذا نواه تعين بنيته أو نواهما تعينًا ولهذا أنه لا تنافي بين الجهتين لأنهما يقتضيان الوجوب إلا أن النذر يقتضيه لعينه واليمين لغيره فجمعنا بينهما عملاً بالدليلين كما جمعنا بين جهتي التبرع والمعاوضة بشوط العوض كذا في (الهداية) دي واعترضه في (الفتح) بلزوم التنافي من جهة أخرى هي أن الوجوب الذي يقتضيه اليمين وجوب يلزم بترك متعلقة الكفارة ولا كذلك النذر وتنافي اللزوم أقل ما يقتضي اليمين التغاير وغير خاف أنه لم يدع عدم التنافي من كل وجه كما لو ظاهر كلامه بل من حيث الوجوب وهذا القدر كاف في المطلوب وللناس في تحقيق مذهبهما أنواع من التوجيهات من رام إليها الوصول فعليه بالأصول. واعلم انه لو نذر صوم كل خميس والمسالة بحالها فأفطر أكثر من واحد كفر للأول فقط لانحلال اليمين بالأول كذا في (الولوالجية) لا والله الموفق.
(ولو نذر صوم هذه الصنة) لزمه جميعها دل على ذلك قوله (أفطر أيامًا منهية وهي يومًا العيد وأيام التشريق وقضاها) لأن النذر بالسنة المعينة نذر بهذه الأيام ولا شك في صحة النذر بها على ما مر قال في (العناية): هذا محمول على ما إذا نذر قبلها أما لو نذر بعدها لم يقض شيئًا وإنما يلزمه ما بقي من السنة قال الشارح: وهذا سهو لأن هذه السنة عبارة عن اثني عشر شهرًا من وقت النذر إلى وقت النذر وهذه المدة لا تخلو من هده الأيام ورده في (الفتح) بأنه هو السهو لأن المسالة كما هي في (الغاية) منقولة في (الخلاصة)، و (الخانية) في هذه السنة وهذا الشهر وهذا لأن كل سنة عربية معينة عبارة عن مدة معينة فإذا قال: هذه فإنما تفيد الإشارة إلى التي هو فيها فحقيقة كلامه أنه نذر المدة المستقبلة والماضية فيلغو في حق الماضي كما يلغو في قوله: لله علي صوم أمس ومما يناسب هذا لو قال: لله علي صوم أمس اليوم أو اليوم أمس لزمه صوم يوم ولو قال: غدًا هذا اليوم أو هذا اليوم غدًا لزمه أول الوقتين تفوه به ولو قال: شهرًا لزمه شهر كامل ولو قال: هذا الشهر وجب محليه بقية الشهر
стр. 499
ولا قضاء إن شرع فيها فأفطر.
ــ
الذي هو فيه فإن نوى شهرًا فهو على ما نواه وفيه تأييد لما في (الغاية) أيضًا قال في (البحر): ويمكن حمل ما فيها على ما إذا لم ينو وما في (الشرح) لا على ما إذا نوى توفيقًا وإن كان بعيدًا وبه ظهر أن ما في (الفتح) من أنه يلغو فيما مضى كما يلغو في قوله: لله علي صوم أمس ليحر بقوي أنه لو كان لغوا لما لزمه نيته.
وأقول: هذا وهم إد الذي يدعم بنية سنة أولها ابتداء النذر على ما مر لا ما مضى منها والمحكوم عليه باللغو إلزام ما مضى وحينئذ فتشبيهه بصوم الأمس صحيح فتدبر. قيد بهذه السنة لأنه لو نكرها لمحسن لثمرة التتابع اتحد الحكم إلا أنه يقضيها هنا متتابعة وإلا لم يصبح صوم هذه الأيام بل عليه أن يقضيها مع رمضان والفرق لا يخشى (ولا قضاء عليه إن شرع فيها ثم أفطر) يعني في الأيام المنهية أي: في صومها هذا هو ظاهر الرواية عن الثلاثة وعق الشيخين وجوبه لأن الشروع ملزم كالنذر فصار كالشروع في الصلاة في الوقت المكروه وجه الظاهر أن وجوب القضاء يستدعي وجوب الإتمام فإذا فوته وجب جبره به وهو هنا منتف بل المطلوب قطعه لارتكاب المنهي بمجرد الإمساك بخلاف النذر والشروع في الأوقات المكروهة حيث لم يصر مرتكبًا له بمجردهما بل حتى يقيده ما وذلك لأن الصلاة عبارة عن أركان معلومة فما لم يفعلها لم يتحقق لأن وجود الشيء بوجود جميع حقيقته فإذا قطعها لمحمد قطعه ما لم يطلب منه بعد فيكون مبطلا له فيلزمه القدماء وهذا يقتضي أن القطع بعد السجدة لا يوجبه ولا مخلص إلا بجعل الكراهة تنزيهية كذا في (الفتح). وأجاب في (البحر) بأن لنا مخلصًا مع جعلها تحريمية كما هو ظاهر المذهب هو أنه بالشروع فيها ليس مرتكبًا للنهي فوجب المضي وحرم القطع وبالسجدة حرم المصري فتعارض المحرمان ومع أحدهما وجوب فقدمنا حرمة القطع. وأقول: هذا يقتضي حرمة القطع بعد التقييد بالسجدة وليس كذلك.
خاتمة: نذر شهرًا لزمه كاملاً أو/ رجب فبهلاله أو جمعة فسبعة أيام نواها أو لا إلا أن ينوي اليوم فيصرف ولو نذر صوم السبت ثمانية أيام صام سبتين ولو قال سبعة فسبعة أسبت والفرق أن السبت في سبعة لا يتكرر فحمل كلامه على العدد بخلاف الأول وعلى هذا لو نذر صوم هذا اليوم أو يوم كذا شهرًا أو سنة لزمه ما تكرر منه في الشهر والسنة ولو نذر صوم اليوم الذي أكل فيه لمحوا شيء عليه على المشهور بخلاف الذي يأكل لمحيط حيث لا يصح إجماعا وفي نذر صوم يوم يقدم الآن فقدم بعد الأكل أو حصصها قال محمد: لا شيء عليه وأوجب الثاني عليه القدماء ولو قدم بعد الزوال لا شيء عليه أيضا عند محمد ولا رواية فيه عن غيره قال السرخسي: والأظهر التسوية
стр. 500
باب الاعتكاف
من لبث في مسجد
ــ
بينهما كذا في (البناية) ولو قال: أبدًا والمسألة بحالها فقدم بصد الأكل فلا شيء عليه ويلزم صوم كل يوم مثله فيما يستقبل وقال زفر: يقضيه ولو قدم في رمضان لم يلزمه شيء عند الثاني ولو عنى به اليمين كفر فقط إن قدم بعد نيته وإن قبلها فنواه ولم ينو عن رمضان بالنية ووقع عن رمضان وفي نذر يومين متتابعين من أول الشهر وآخره يلزمه الخامس عشر والسادس عشر. وأعلم أن الشيخ قاسم قال في (شرح في رب البحار): إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء ويكشف الستر قائلاً سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الفخمة أو الطعام أو الماء أو الشمع أو الزيت كذا باطل إجماعًا لوجوه منها أن النذر للمخلوق لا يجوز ومنها أن المنذور له بيت وهو لا يملك ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمن دون الحق واعتقاد هذا كفر تعم لو قال: يا الله إني نذرت لك إن شفيت مريضي ونحوه أن أطعم الفقراء الذين بباب السيدة نفيسة ونحوها أو أشتري حصيرًا لمسجدها أو زيتا لوقودها أو دراهم لمن يقوم بشعائرها مما يكون فيه نفع للفقراء وذكر الشيخ إنما هو محل لصرف النذر لكن لا يجوز صرفه إلا إلى الفقراء لا إلى أي علم يعلمه ولا لحاضر الشامخ إلا أن يكون واحدًا من الفقراء فإذا عرف هذا فما يؤخذا الدراهم والشمع والزيت ونحوها وينقل إلى شرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا بصرفها للفقراء الأحياء قولا واحدا انتهى. وقد ابتلي الناس بدلك ولا زعيما في موعد الشيخ أحمد البدوي ولقد قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني: لو كان العوام عبيدي لأعتقهم وأسقطت ولائي وذلك لأنهم لا يهتدون فالكل بهم يتعيشون.
[١٠] باب الاعتكاف
ذكره بعد الصوم لما أنه من شرطه يعني في بعض أنواعه على ما سيأتي ولأنه يطلب مؤكدًا في العشر الأخير من رمضان فناسب ختم الصوم به وهو لغة: افتعال من عكف اللازم أي: أقبل على الشيء وأقام به من حد طلب ومصدره العكوف ومنه ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ أ [الأعراف: ١٣٨] أو المتعدي بمعنى الحبس والمنع (من) باب ضرب ومصدره العكف ومنه ﴿والهدي معكوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] وشرعا (لبث في مسجد)
стр. 501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بنية فالركن أو اللبث وأما المسجد والنية فشرطان ولا حياء أن صحتها تتوقف على العقل والإسلام فلا حاجة لذكرهما في الشروط كما لمحي ما البدائع دم، نعم من الشرائط فيه الطهارة عن الحيف والنفاس وينبغي أن يكون هذا على رواية اشتراط الصوم في نفسه أما على عدمه وينبغي أن يكون من شوائب الحد فقط كالطهارة عن الجنابة ولم أر من تعرض لهذا وسببه في المنذور النذر وفي غيره النشاط الداعي إلى طلب الثواب وهو من أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص وحكمه لمحي الواجب سقوطه ونيل الثواب في غيره وسيأتي ما يفسده وما يمنع فيه، سق الاعتكاف بيان لصفته وبدأ بها اهتمامًا لبيان الأحكام وكونه آمنة هو الصحيح حلافا لما ذكوه القدومي من أنه يستحب.
قيل: والحق خلاف كل من الإطلاقين بل هو ينقسم إلى واجب وهو المنذور تعجيزا أو تعليقا وإلى سنة مؤكدة وهو اعتكاف العشر الأخير من رمضان وإلى مستحب وهو ما سواهما كذا في (الشرح) وعليه جرى في (الفتح) ما قال في (البحر): والظاهر أنه سنة في الأصل وهي مؤكدة وغير مؤكدة وأطلق عليها الاستحباب لأنها معناه وأما النذر فبعارض هو النذر وكأنه عنى بذلك الجواب عن الاطلاقية وهو ظاهر في أن القدومي أطلق اسم الاستحباب على المؤكدة وغيرها لأمنها بمعناه لكن لا يخفى ما في إطلاق المستحب على المؤكدة من المؤاخذة فالأقرب أن يقال. إنه اقتصر على نوع منه وهو غير المؤكدة وكلام المصنف لا غبار عليه لأن المشكك حقيقة لم هي أفراده وقيل: إنه آمنة على الحماية قال بعضهم: ويؤيده قول مالك: لم يبلغني أد أبا بكر وعمر وعثمان وابن المسيح ولا أحد لمحي سلف هذه الأمة اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الأحمق لكن ثبت في (الصحيحين ما: (أنه- صلي الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الله الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى).
وقال الزهري: عجبا للناس كيف تركوا الاعتكاف وقد كان رسول الله عبيطًا يفعل الشيء ويتركه وما ترك الاعتكاف حتى قبض يعني من غير عذر فقد جاء في الصحيح أنه تركه وذلك أنه أذن لعائشة فيه فضربت لها قبة فسمعت حمامة ففعلت كذلك ثم زينب فامض ﵊ بنزعها فنزعت وترك الاعتكاف في رمضان ثم اعتكف العشر الأول من شوال وبهذا استدل في (فتح القدير) عدم وجوبه مع
стр. 502
بصوم ونية،
ــ
المواظبة لكن لا يخفى أن الترك لعدد لا يعد تركا فالأولى ما قدمه من أنها لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنة ومدمنا في الطهارة إيضاحه وهو لبث بفتح اللام بمعنى المكث خبر لمحذوف ويجوز أن يكون نائبًا لفاعل والأول أولى في مسجد أي. مسجد جماعة وهو من له إمام ومؤذن أديت فيه الخمس أو لا قال في (البحر). أطلق في المسجد فأفاد أنه صح في كل مسجد وصححه في (غاية البيان) لإطلاق قوله: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧].
وأقول: فيه نطو ففي (الخلاصة) و (الثانية) ويصح في كل مسجد له أذان وإقامة وهو الصحيح وهذا هو مسجد الجماعة كما في (العناية) لما وقد نقل بعضهم أن صحته في كل مسجد قولهما وهذا الكتاب لم يوضع إلا لبيان أقوال إلى عام وعبارته في (غاية البيان) قال: الصحيح عندي أنه يصح في كل مسجد نعم اختار الطحاوي قولهما وروى الحسن عن الإمام أن كل مسجد له إمام ومؤذن معلوم يصلى فيه الخمس بالجماعة يصح الاعتكاف فيه وصححه بعض المشايخ كذا في (المتن،، قال في (الكافية. أراد به غير الجامع أما الجامع فيجوز وإن لم يصل فيه المصلى وثمة روايات أخو عن الإمام، هذا وأما أفضل الاعتكاف ففي المسجد الحرام ثم في مسجده- صلي الله عليه وسلم- ثم في المسجد الأقصى ثم في الجامع قيل: إذا كان يصلى فيه جماعة فإن لم يكن في مسجده أفضل لئلا يحتاج إلى الخروج ثم ما كان أهله أكثر قال في (البحر): وهذا ظاهر في عدم كراهة المجاورة بمكة والنووي عن الإمام الكراهة إلا أن يقال: مرادهم في أيام الموسم انتهى.
وأقول: لا يخفى أنه لا دلالة في الكلام على ما ادعى أما أولاً فلأنه لا يلزم من الاعتكاف في غير أيام الموسم المجاورة بل قد يكون خاليا عنها فيمن كان حول مكة وأما ثانيًا فلأنه لا يلزم أيضًا من كراهة المجاورة كون اعتكافه في المسجد ليس أفضل ألا ترى أن الصلاة فيه ونحوها من المجاور أفضل من غيرها (بصوم ونية) هذا في نقل رواية الحسن وفي رواية (الأصل) ليس الصوم بشرط فيه لقول محمد إذا دخل المسجد بنية الاعتكاف فهو معتكف ما أقام تارة له إذا خرج ولا خلاف في اشتراطه في النذر قال لمحي لا الفتح (: ولمحي هذا الاستنباط نحو لجواز القول بصحته ساعة مع اشتراط الصوم وإن لم يصح أقل من يوم ولا مانع صن عتبات شرط يكون أطول من مشروعه انتهى. ولا يخفى أن هذا التجهيز العقلي مما لا قائل به فيما نعلم فلا يصح حمل كلام محمد عليه قال في ما البدائع د: وأما اعتكاف التطوع فالصوم ليس بشرط
стр. 503
وأقله نقلاً ساعة، والمرأة تعتكف في مسجد بيتها ولا يخرج منه
ــ
لجوازه في ظاهر الرواية وروى الحسن أنه شرط واختلاف الرواية فيه مبني على اختلاف الرواية في اعتكاف التطوع أنه مقدر وذكر محمد في (الأصل (أنه غير مقدر فلم يكن الصوم شرطا فيه لأن الصوم مقدر بيوم إذ صوم بعض اليوم ليس بمشروع فلا يصلح شرطا لما ليس بمقدور انتهى.
وبهذا عرف أن ما في (البحر) أن الثقات يصرحون بان طاهر الرواية عدم اشتراطه فجاز أن يكود مستندا ما بل هو الظاهر من ضيق العطن بقي أن ظاهر اختيار المصنف له ولرواية الحسن مناف لقوله (وأقله نملأ ساعة) وحمله لحد اعتكاف العدو الأخير من رمضان حتى لو اعتكف فيه بلا صوم لمرض أو مصفو ينبغي أن لا يصح مدفوع بتصريحهم بأن الصعود إنما هو شرط في المنذور فقط وأقرب الأحوال أنه بين الروايتين فعلى رواية الحسن يجب بالشروع وعلى رواية (الأصلي لا وكلام المصنف أولا وثانيا ظاهر في اختيار رواية الحسن وإن حكى غيرها دل على ذلك قوله بعد فإن خرج ساعة بلا عذر سد وبطل بوطئه ونحو ذلك ولما كان المسجد شوطا لصفحة اعتكاف كل معتكف اواختصت المرأة بجوازه أيضا في غيره احتاج إلى بيان ذلك فقال: (والمرأة تعتكف) أي: يجوز لها بل هو الأفضل أن تعتكف أيضا (في مسجد بيتها) وهو المعد لصلاتها الذي يندب لها ولكل أحد اتخاذه كمالي (البزازية) ما فإن اعتكفت في المسجد كله حسما في (الثانية لا فمالي (غاية البيان ما من أن مسجد حيها أفضل من المسجد الأعظم معناه أقل كوجهة وظاهر ما في (النهاية، أنها كراهة تنزيهية حيث قال: ظاهر الرواية وهو المذكور في (الأصل) أنها لا تعتكف في المسجد وعن الإمام أنها تعتكف في أيهما فجاءت وأد مسجد بيتها أفصح وهو الصحيح وفي (البدائع) لا خلاف بين الأصحاب بأن اعتكافها في مسجد الجماعة صحيح وما في (الأصل) محمول على نفي الفصيلة وينبغي على قياس ما مر من أن المختار منعهن من الخروج في الصلوات كلها أن لا يتردد في متعهد من الاعتكاف في المسجد هذا وذات الزوج لا تعتكف إلا بإذنه فلو أذنها باعتكاف وهو فأرادت التتابع كاد له التفريق بخلاف شهر بعينه كذا في (المحيط) لا فإن لم يأذن كان له أن يأتيها إلا إن أذن بخلاف الأمة حيث يملكه بعد الإذن لكن مع الإساءة والإثم كما قال محمد والعبد كالأمة إلا المكاتب.
تنبيه: لم أر حكم اعتكاف الخنثى المشكل في بيته وينبغي أن لا يصح لاحتمال كونه ذكرًا (ولا يحرج) المعتكف أي: لا يجوز له أن يخرج (منه) أي: من المسجد هدا مبني على رواية الحسن يعني أنه يلزم بالشروع وقوله في ما البحث ما: أي:
стр. 504
إلا لحاجة نوعية كالجمعة أو طبيعية، كالبول والغائط فإن خرج ساعة بلا عذر فسد،
ــ
لا يخرج المعتكف اعتكافه واجبة أما نملأ فله ذلك عدول عن الظاهر بما لا داعي إليه على أن الواجب لم يسبق له ذكر (إلا لحاجة نوعية كالجمعة) والعيدين والأذان لو كان مؤذنًا وباب المئذنة خارج المسجد كذا في (السراج) ما، فيخرج لها حين تزول النصر هذا إذا كان منزله قريبا فإن بعد فعن محمد حين يرى أنه يبلغه وقت النداء وهو قبل الزوال هو الصحيح كما في (الخلاصة) لا ليتمكن من الأربع قبلها أو من الست في ولاية بضمه وكعتي التحية لكن قدمنا أن الفرض والسنة يجزئان عنها فهذه الرواية إما ضعيفة أو مبنية على أن كون الوقت مما يسع فيه السنة وأداء الفرض بعد قطع المسافة مما يعرف تخمينا لا قطعة فقد يدخل قبل الزوال لعدم مطابقته ظنه فلا يمكنه أن يبدأ بالسنة بل يبدأ بالتحية فينبغي أن يتحرى على هذا التقرير لأنه قل ما يصدق الحزب كدا في (الفتح (، ويمكث بعدها قدر ما يصلي أربعًا أو ستًا على حسب اختلافهم في سنة الجمعة كما مر ولو أتمه حيث لو صح والرجوع إلى الأصول أفضل لأن الإتمام في محل واحد أحجر على النفس.
(أو) لحاجة (طبيعية كالبول والغائط) والغسل أو احتلم ولا يمكنه الاغتسال في المسجد لما في الكتب الستة من حديث عائشة ﵂ كان ﵊: (إذا اعتكف لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان) ولأن هذه الأشياء مستثناة للعلم بوقوعها وعدم الاستغناء عنها ولا يمكث بعد فراغه من الطهور ولا يلزمه أن يأتي بيت صديقه القريب واختلف فيما لو كان له بيتان فأتى البعيد منهما قيل: فسد وقيل: لا كذا في (السراج) وينبغي أن يخرج على القولين ما لو ترك بيت الخلاء للمسجد القريب وأتى بيته (وإن خرج ساعة) زمانية (بلا عذرا يبيح الخروج عامدا كان أو ناسيا (فسد) اعتكافه ووجب محليه قضاؤه إن كان منذوره أو غيره على رواية الحسن إلا إذا أفسده وهذا قول الإمام وقالا: لا يفسد إلا إذا خرج أكثر النهار وقال محمد: وقول أبي حنيفة أقيس وقول أبي يوسفي أوسع قالوا: هذا الاستحسان قيد بعدم العذر لأنه لو كان به لم يفسد ومنه انهدام المسجد وتفرق أهله وإخراج السلطان أو غيره له والخوف على نفسه أو ماله وما لو طلقت وهي في المسجد فخرجت منه لمسجد بيتها وليس منه الخروج لجنازة أو لأداء شهادة وإن تعينت أو لنفيه عم أو لإنقاذ غريق أو حريق كذا في (الشرح)، وغيره والمذكور في (الخانية) وغيرها أن الخروج عامدا أو ناسيا أو مكرهًا بأن أخرجه السلطان أو الغريم أو خروج
стр. 505
وأكله وشره ونومه ومبايعته فيه، وكره إحضار المبيع والصمت
ــ
للبول فحبسه الغريم ساعة أو لعذر الموت مفسد مسند الإمام وعلله في المرض بأنه لا يغلب وقوعه فلم يصمد مستثنى عن الإيجاب، قال في (الفتح): فأفاد هذا التعليل الفساد في الكل وعن هذا فسد إذا عاد مريضًا أو شهد جنازة تعينت إلا أنه لا يأثم بل يجب محليه الخروج وهذا المعنى يفيد الفساد أيضا بالخروج لانهدام المسجد وقد
ذكره في (الخانية) أيضًا وتفرق أهله وانقطاع الجماعة عنه كذلك ونص الحاكم في (كافيه) فقال: وأما قول أبي حنيفة فاعتكافه فاسمع إذا خرج ساعة/ لغير غائط أو بول أو جمعة فالظاهر أن العذر الذي لا يغلب مسقط للإثم لا البطلان وإلا لكان النسيان أولى بعدم الفساد انتهى. لكن صرح به في (البدائع) وغيرها بأن عدم الفساد في تفريق الانهدام والإكراه استحسان لأنه مضطر إليه لما أنه بعد الانهدام خرج عن أن يكون معتكفًا لأنه لا يصلي بالجماعة الصلوات الخمس وهذا يفيد عدم الفساد تفريق أهله.
(وأكله) أي: المعتكف (وشربه ونومه ومبايعته فيه) أي: في المسجد فلو خرج لأجلها فسد لعدم الضرورة حتى لوهم يكن الأكل فيه خرج كما في (العناية) و (الظهيرية) وقيل: يخرج الأكل والشرب بعد الغروب حمله في (البحر) إحدى ما إذا لم يجد من يأتي له به أطلق المبايعة وقيدها في (الذخيرة لما وغيرها بالتي لا بد منها أما التجارة فمكروهة لأبنه منقطع لله تعالى فلا ينبغي الاشتغال بأمور الدنيا قيد بالمعتكف لأن مبايعة غيره فيه مكروهة للنهي وكذا نوعه قيل: إلا الغريب.
(وكره إحضار المبيع) فيه لأن المسجد محور عن حقوق العباد وهو شاغله بها والظاهر أنها تحكيمية لأنها محل إطلاقهم ودل التعليل أن المبيع أو كان لا يشغل البقعة كدراهم ودنانير وكتاب ونحوه لا يكوه إحضاره وأفاد إطلاقه أن إحضار الطعام المبيع الذي يشتريه للأكل مكروه وينبغي عدمها كما لا يخفى كذا في (البحر) وأقول: مقتضى التعليل الأول الكراهة وأن لم يشغل، وقوله وأفاد إطلاقه إلى آخره ظاهر في أن كلامه متناول بغير ما يأكله بناء على ما موفق إطلاق المبايعة وقد علمت أنها مقيدة بما لا بد منه وفي هذه الحالة يكوه له إحضار السلعة فيه.
(و) كله أيضا تحريما (الصمت) عدد محن السكوت للفرق بينهما وذلك أنه ضم الشفتين فإن طال سمي صمتًا وقد نبه على ذلك في (العناية) ما حيث قال هو ترك التحدث أو إطالة السكوت قيل: إلا أنه لم يصب في تخصيصه التحدي بإضافة الترك إليه فإن ما تعنى صدق محليه أنه ترك التحدث ولا يصدق محليه أنه صمت وأنت خبير بان الواو في قوله وإطالة بمعنى مع فلا يرد عليه ما ذكر فتدبر. وهذا الإطلاق
стр. 506
والتكلم إلا بخير وحرم الوطء ودواعيه
ــ
قيده حميد الدين بما إذا تعبد به كفعل المجوس فإن لم يتعبد به لم يكره وجزم به الشارح وغيره لخبر (من صمت نجا).
(و) كذا يكره له (التكلم) فيه (إلا بخير) أي: بكلام لا إثم فيه فيتكلم بالمباح لأنه خير عند الحاجة إليه لما أنه عبارة عن الشعير الحاصل وما من شانه أن يكون حاصلاً له إذا كان مؤثرًا والمباح عند الحاجة إليه كذلك كذا في ما العناية، وهو ظاهر ما في (الروح) وغيره وإليه يشير قول (الهداية) بعد لكنه يتحاشى ما يكون مؤثمًا وعبارة الإسبيبجابي ولا بأس أن يتحدث بما لا إثم فيه والظاهر أن المباح محمد الحاجة إليه خير لا محمد عدمها وهو محمل ما في (الفتح) قبيل الوتر أنه مكروه في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وبهذا التقرير اندفع ما في (البحر) من أن الأولى تفسير الخير بما فيه ثواب يعني أن المعتكف يكره له التكلم بالمباح بخلاف غيره إذ لا شك في عدم استغنائه محنه فأنى يكره له مطلقًا.
(و) حوم على المعتكف (الوطء) لقوة هـ تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] إذ المراد بها الوطء بقرينة ﴿فالآن باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧] ومعنى المسألة أنه لو خرج للحاجة الإنسانية حرم الوطء عليه لأنه معتكف وإلا فحرمة الوطء في المسجد لا يخصه ودل على هذا المعنى ما محق قيادة كانوا يخرجون ويقضون حاجتهم في الجماع يغتسلون فيوجعون فنزلت وعليه فالجار متعلق باسم الفاعل لا بالفعل فإن قلت: لا يتعلق بالفعل ونهوا عنه لما أن حرمته على المعتكف أشد قلت: لأنه لا يستفاد منه حينئذ حرمة الوطء خارجه وإذا علق باسم الفاعل علم منه ذلك وعرف أيضًا حرمته على المعتكف فيه بالأولى.
(و) حرم عليه أيضا (دواعيه) من الصف والقبلة كما في الحج والعمرة والاستبراء والظهار بخلاف الصوم والحيض والفرق أن الوطء في الاعتكاف ونحوه محظور لأن محظور الشعير ما نهي محنه بعد وجوده وقد جاءت لوائح النهي عنه في هذه الأبواب أما الاعتكاف فلما تلونا وأما الحج فلقوله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ [البقرة: ١٩٧] الآية وقال ﵊: (ألا لا توطأ الحبارى حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة) وقال تعالى: ﴿ومن قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣] فتعدت الحرمة إلى الدواعي أن الشبهات في باب المحرمات ملحقة بالحقيقة
стр. 507
ويبطل بوطئه، ولزمه الليالي أيضا بنذر اعتكاف أيام
ــ
بخلاف الصور فإن الكف ركنه لا محظوره وهذا لان قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] إنما تقتضي حرمة الكف وحرمة الوطء ثبتت ضمنًا فلم تتعد إلى الدواعي إذ لو تعدت وكان الكف ركتي والركنية لا تتبع بالشبهة فالحرمة تثبت بها وكان القياس في الحيض حرمة الدواعي فيه أيضا لصريح قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن احتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢] لكنها لم تحوم للزوج ولأن النص فيه معلول بعلة الأذى وهو لا يوجد في الدواعي وما في (الفتح) ما من أن النهي فيه ضمني لا قصدي وعليه جرى في (البحر) قال: إن الحرمة فيه لم تثبت بصريح النهي ففيه نظر ففي (العناية) أنه قصدي وفي (الغاية) ورد صحيح أن نهي في الحيض كالاعتكاف فكان ينبغي أن تحوم الدواعي وأجيب بما مر.
(وبطل) الاعتكاف بوطئها في قبل أو دبي لما مر من أنه محظور فكان مفسدًا عامدًا كان أو ناسيًا ليلاً أو نهارًا أنزل أو لا لأن له حالة مذكرة فلم يكن نسيانه عذر كحالة الإحرام والصلاة بخلاف الصوم قيد بالوطء لأن دواعيه لا يفسد بها إلا بالإنزال كالجماع فيما دون الفوج لأنه في معنى الجماع حينئذ بخلاف ما إذا لم ينقل لعدم معنى الجماع ولذات ما يفسد به الصوم وأورد أنه كان ينبغي أن يكون نفس المباشرة مفسدة عملا بظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧] وأجيب بأن الجماع لما كان مرادًا بالإجماع بطل أن يكون الحقيقة مرادف ولاكن الاعتكاف معتبر بالصوم فيكون فرعا محليه وقد أستقر أنها لا تفسد الصوم فكذا الاعتكاف إليه ألبير في (الأسرار) قال في (الدراية): وفيه تأمل ووجه ما في (الفتح (لا نسلم أنه من باب الحقيقة والمجاز بل المباشرة أمر كلي له جزئيات في الجماع فيما دون الفوج والمس باليد والجماع وأيها أريد كان حقيقة غير أنه لا يوجد به فردان من مفهومه في إطلاق واحد في سياق الإثبات وما نحن فيه سياق النهي وهو يفيد العموم فيفيد تحويم كل فرد من أفراد المباشرة جماعا أو غيره.
(ولزمه الليالي أيضًا) كالأيام (بنحو اعتكاف أياما بان يقول بلسانه: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام مثلاً حيث يلزمه الأيام بلياليها متتابعة وكذا يلزمه أيضًا بنذر اعتكاف ليال لأن ذكر أحدهما بلفظ الجمع يتناول الآخر دل على ذلك عرف الاستعمال يقال: ما رأيتك منذ أيام والمراد بلياليها وقال تعالى لزكريا ﵇: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وفي أخرى ﴿ثلاثة ليال سويًا﴾ [مريم: ١٠] والقصة واحدة ويدخل الليلة الأولى فيدخل قبل الغروب ويخرج بعد الغروب من آخر الأيام ولو نرى بالأيام الشهر صحت نيته لأنه نوى حقيقة
стр. 508
وليلتان بنذر يومين.
ــ
كلامه نجلاء ما إذا نوى بها الليالي حيث لا تصح ويلزمه الكل كما في (البدائع) ما ولو نوى الليالي خاصة بنحو اعتكافها صحت نيته ولا شيء عليه لعدم محليتها للصوم كذا في (الكافي) ولو نذر اعتكاف وهو بعينه ولو نوى الأيام دون الليالي أو قبله لا يصح إلا أن يقول شهود بالنهار أو إلا الليالي ولو قال: الأيام صح ولا يجب عليه شيء.
(و) لزمه (ليلتان بنذر) اعتكاف (يومين) لأن المثنى معنى جمع فيلحق به احتياطا والحاصل أنه إما أن يأتي بالمفرد أو المثنى أو المجموع وكل منهما إما أن يكون اليوم أو الليل وفي كل منهما إما أن ينوي الحقيقة أو المجاز أو لم ينوهما أو لم يكن له نية فهي أربعة وعشرون وقد علمت منها حكم المثنى والمجموع وبقي المفرد ولو ما إذا قال: لله علي اعتكاف يوم فيلزمه فقط نواه أو لا ولا تدخل الليلة إلا أن ينويها ولو نوى اعتكاف ليلة لم يصح ولو نود اليوم معها كما في (الظهيرين) لكن في (الثانية، أو نحو اعتكاف ليلة ونوى اليوم ينظمه الاعتكاف وإن لم ينو فلا شيء عليه والفوق بين ما إذا نوى اليوم معها وبين ما إذا نوى لها اليوم لا يخفى. واعلم أن كل ليلة تابعة لليوم الآتي إلا ليلة محرفة فإنها تابعة يوم النووية وليلة النحو فإنها تابعة ليوم عرفة كذا في (المحيطة. وفي أضحية (الولوالجية) أنها في أيام الأضحى تابعة لنهار ما مضى رفقة بالناس.
تتمة: نذر اعتكاف يوم أو شهر معين فاعتكف قبله صح ونذر اعتكاف أيام العيدين صحيح ويجب في غيورا لأن شرطه الصوم وهو فيها ممتنع والردة تفسد الاعتكاف وكذا الإغماء والجنون إذا تطاولا أيام فإن طاول جنونه سنة وجب عليه القضاء استحسانًا ويصح الاعتكاف مع الصبي العاقل، هذا وليلة القدر دائرة في رمضان إلا أنها تتقدم وتتأخر وقالا: لا تتقدم ولا تتأخر وأمر الخلاف يظهر فيما إذا قال لعبده بعد مضي ليلة منه أناسًا حر ليلة القدر قال الإمام: لا يعتق حتى ينسلخ رمضان من العام القابل لجواز أنها كانت في الشهر الماضي في الليلة الأولى وفي الآتي في الأخيرة وقالا: إذا مضى ليلة منه في العام القابل محتل ولا خلاف أنه لو قاله قبل دخول رمضان عتق إذا انسلخ االشهير قال في (المحيط): والفتوى علي قول الإمام لكن قيده بما إذا كان الحالف فقيها يعرف الاختلاف أما إذا كان عاميا فهي ليلة السابع والتشويق وفي (الثانية (المشهور عن الإمام أنها تدور في السنة وقد تكون في رمضان وقد تكون في غيره والله الموفق للصواب بمنه ويمنه.
стр. 509
كتاب الحج
هو زيارة مكان مخصوص
ــ
[١٦] كتاب الحج
لما تركب من المال والبدن وسط ن ما سبق مفوضة أخر كذا اختاره الكثير وفيه نظر بل هو عبادة بدنية محضة والمال إنما هو شرط في وجوبه لا أنه جزء مفهومه وأخره عن الصوم لأنه عبادة تمنع النفس عن شهواتها والحج يشتمل على السفر وقد يكون أي: السفر مشتهى لها أي: للنفس لما فيه تفويج الهموم اللازم في المقام أو لأن كلاً منهما عبادة هجرة عن المألوفات إلا أنها في الصوم عما هو أصلي فيه وهو نفسه فقدم وفي الحج عما هو خارج عنه وهما الأسهل والوطن وهو بفتح الحاء وبكسرها في لغة نجد وقيل: الأول الاسم، والثاني المصدر وقيل: قلبه اختاره على المناسك التي في جمع منسك بفتح السين بمعنى النسك وهو كل ما يتقرب به واختصت عرفت بأفعال الحج والعمرة وبها عبد الطحاوي والكوري تأسيس بالكتاب والسنة وهو لغة: القصد كذا في غير كتاب مت اللغة وقيده في (الفتح له بكونه إلى معظم لا مطلقه مستشهدًا بقوله:
وأشهد من عوف حلولاً كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
أي: يقصدونه معظمين إياه فإن بني سعد بق زيد كانوا يحجون عصابته إذا استهلوا رجب في الجاهلية إجلالا وإعظاما والحؤولي جمع حول كالأحوال كما في (القاموس) والسب بكسر المهملة العمامة والزبرقان لقب حريق بق بدر التميمي وأصله القمر لقب به لجماله والمزعفر يعمي المصبوغ عمامة به وكانت رؤساؤهم تفعل ذلك.
قال ابن السكيت: هذا معناه الأصلي ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة للنسك تقول: حججت البيت أحجه فانه حاج وشرعت ما أفادت بقوله: (هو زيارة مكان مخصوص) أي: قصد زيارته ففيه المعنى اللغوي مع زيادة وصف كذا في (الشرح) قال في (الفتح): والظاهر أنه عبارة عن الأفعال المخصوصة من الطواف والوقوف في وقته محرمة بنية الحج لأن أركانه الطواف والوقوف ولا وجود للشيء إلا بأجزائه الشخصية وماهيته منتزعة منها ولأن سائر العبادات السابقة جعلت اسمًا للأفعال فليكن الحج كذلك وحاول في (البحر) لا تخريج كلام المصنف على هذا، فقال: أراد
стр. 510
في زمان مخصوص بفعل بخصوص
ــ
بالزيارة الطواف والوقوف وبالمكان المخصوص الكعبة الشريفة وعرفات وبقوله وفي عمان مخصوصة في الطواف من طلوع الفجر يوم النحو إلى آخر العمر وفي الوقوف من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وأقول: فيه بحث إذ بتقديره يكون قوله: (بفعل مخصوص) حشود إذ المواد به كما قالوا: هو الطواف والوقوف على أن الجار متعلق بزيادة وإذا فسرت بالفعل آل المعنى إلا أنه فعل يفعل وفساده لا يخفى ويمكن أن يقال: المواد به الإحرام وبه يصير الثاني غير الأول وفسروا الزمان المخصوص بأشهر الحج وهو الذي ينبغي إذ الوقوف الذي هو أعظم أركانه مقيد به ولم يقل ة لأداء ركن حق أركان الدين كما في (النهاية) ليدخل في التعريف حج النفل لكن لا يخفى ما فيه من الإجمال ولقد أجحفت صاحب لا (العناية) في الاختصار إذ عرفه بزيارة البيت على وجه التعظيم لأمن الزيارة كل وقت ليبست حجة على أنه ليس هو مجردها إذ الوقوف أعظم أركانه كما قد علمت.
تكميل: ينبغي لمريد الحج أو الغزو أن يستأذن أبويه لكراهة الخروج مع كراهة أحدهما وهو محتاج إلى خدمته لا أن كان مستغنيا والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما وفي (النوازل): لو كان الابن صبيح الوجه فللأب منعه حتى يلتحي وينبغي للمديون أن يستأذن رب الدين ولو فقيرًا ولو كان به كفيل استأذنه أيضا ثم يستخير الله كذا قالوا ومعناه هل يشتري أو يكتري وهو يسافر في (البحر) أو في البر وهل رافق فلانا أو لا لأن الاستخارة في الواجب والمكروه ود وحرام لا محل لها وكيفيتها أن يصلي ركعتين يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص قائلاً الدعاء المعروف ويشاوره الرأي في سفره في وقت معين لا في الحج ثم يبدأ بالتوبة مراعيا شروطها في رد المظالم إلى أهلها عند الإمكان وقضاء ما قصر في فعله من العبادات والندم على تفريطه والعزم على أن لا يعود والاستحلال من ذوي الخصومات والمعاملات ويجتهد في تحقيق نفقة حلال ولا بدأه من رفيق صالح يذكوه إذا نسي ويصبره إذا/ لم جزع ويعينه إذا عجز وعق بعض الصالحين أن كونه من الأجانب أولى تباعدا عن ساحة القطيعة وينبغي له أن يرى المجاري ما يحمله ولا يحمل أكثر منه إلا بإذنه وعن بعض الأكابر أنه امتنع عن حمل بطاقة الإنسان لعدم إذن المجاري وبعد الإذن فينبغي له التباعد عن تحميل الدابة فوق طاقتها وفي إجارة (الخلاصة) حمل البعير مائتان وأربعون منذ والحمار مائة وخمسون وظاهر أن البغل كالحمار وتجريد السفر عن التجارة أحسن لكنه لو متجر لا ينقص ثوابه كالغازي ذكره الشارح في لا السير) وينبغي له التباعد عما فيه رياء وسمعة ومن ثم كره بعض العلماء الركوب في
стр. 511
فرض مرة على الفور
ــ
المحمل فالركوب في المحطة أولى وقيل إذا تجود عن قصد ذلك لا يكوه وعن الممارسة في شراء الجاد ومما يحتاجه والمشي لمن يطيقه ولا يسيء خلقه أفضل من الركوب وكره الإمام الحج على الحمار ويندب أن يكون خروجه في يوم الاثنين أو الخميس وآداب السفر كثيرة وفيما ذكرناه كفاية والله الموفق.
أفرضت أي: فرضه الله بقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]، والمراد المؤمنون بقرينة ومن كفر، (مرة) واحدة في العمر لقوله- صلي الله عليه وسلم- للأقرع بن حابس لما سأله حين إخباره ﵇ بفرض الله الحج أفي كل عام أم في العمر قال: (لا في العمر ولو قلتها لوجبت ما ولأن سببه البيت وهو واحد فإن قلت: فكيف قال: لو قلتها لوجبت قلت: لأنه الشارع هو الذي إليه نصب الأسباب كذا في (التلويح) والآية وإن كانت كافية في الاستدلال على نفي التكرار لأن الأمر لا يحتمله إلا أن إثبات النفي بمقتضى النفي أقوى (على الفور) وهو الإتيان به في أول أوقات الإمكان من فارت القدر غلت استعير للسرعة ثم أطلق على الحال التي لا تراخي فيها مجاز مرسل وهذا قول التالي وهو أصح الروايتين عن الإمام كما في (المحيط) و (الخانية) وفي (القنية) أنه المختار.
قال القدوري: وهو قول مشايخنا وبهذا استغني عن قول بعضهم عن الإمام ما يدل عليه وهو ما رواه ابق شجاع عنه أنه سئل عمق ملك ما يبلغه إلى بيت الله تعالى أيحج أم يتزوج؟ فقال: يحج ووجه الدلالة أنه أطلق الجواب بتقديم الحج على النكاح مع أنه يكون واجبًا في بعض أحواله وفي (التجنيس) له مال يكفي للحج وليعر له مسكن ولا خادمة أو خاف العزوبة فأراد أن يتزوج ويصرف الدراهم في ذلك إن كان قبل خروج أهل بلده إلى الحج يجوز لأنه لم يجب الأداء بعدوان كان وقت الخروج فليس له ذلك لأنه قد وجب عليه قال في (الفتح): ولا يخفى أن المنقول عن الإمام مطلق فإن كان الواقع وقوع السؤال أوان الخروج فهو خلاف ما في (التجنيس) وإلا فلا يفيد الاستشهاد والمطلوب انتهى وفيه نحو لظهور موافقته لما في (التجنيس) حيث كان السؤال أوان الخروج وقال محمد ة وهو رواية عن الإمام هو على التراخي لأن فرضه كان سنة تسع وحجه ﵇ كان سنة عشر ولنا أنه لا
стр. 512
بشرط حرية
ــ
يجوز إلا في وقت معين من السنة والموت فيها غير نادر فتأخيره بعد التمزق في وقته تعريض له على الفولت وهو لا يجوز وأما تأخيره ﵇ فلم يتحقق فيه تعريض الفوات وهو الموجب للفور لأنه كان يعلم بقاء الحياة إلى أن يعلم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ والحاصل أن الفورية واجب احتياطي حتى لو أتى به متراخية كان أداء اتفاقا وأثر الخلاف يظهر في الفسق بالتأخير والإثم ورد الشهادة.
قال أبو يوسف: نعم ونفاه محمد وأجمعوا أنه لو حج في آخر عمره لم يأثم ولو مات ولم يحج أثم كذا في (الروح)، قال في (البحر): ولا يخفى ما فيه فإن المشايخ اختلفوا على قول محمد فقيل: يأثم مطلقا وقيل: لا يأثم مطلقا وقيل: إن خاف الفوت بان ظهرت له مكايل الموت في قلبه فأخره حتى مات أثم وإن فاجأه الموت لا يأثم وينبغي اعتماد الأول وتضعيف الثاني لأنه حينئذ يفوت القول بفرضية الحج لأن فائدته الإثم عند عدم الفعل سواء كان مضيقًا أو موسعًا اللهم إلا أن يقال: فائدته وجوب الإيحاء به قبل موته فإن لم يوص أثم انتهى. وأقول: لم أر عن محمد القول بالإثم مطلقا إذ بتقديره يرتفع الخلاف فالظاهر أن هذا سهو نعم المنقول محنه كما في (الفتح) أنه على التراخي فلا يأثم إذا حج قبل موته فإذا مات بعد الإمكان ولم يحج ظهر أنه أثم ونقل القولين الأخيرين ثم قال: وصحة الأول غنية عن الوجه وعلى اعتباره قيل: يظهر الإثم من السنة الأولى وقيل من الأخيرة من سنة رأى في نفسه الضعف قيل: يأثم في الجملة غير محكوم بمعين بل علمه إلى الله تعالى. واعلم أن جزمهم بفسقه على قول الثاني بتأخيره يؤذن بأنه كبيرة وقولهم: إن الفورية/ واجبة يقتضي أنه صغيرة وبارتكابها لا يفسق بل لا بد من الإصرار عليها وأقول: لعل هذا هو وجه ما في (الثانية) و (الخلاصة) من أن الفتوى على سحقوا العدالة بتأخير الزكاة من غير عذر لحق الفقراء دون الحج خصوصا في زماننا قال ابن وهران: وما صححه قاضي خان أو المروي عن أبي يوسف انتهى. وحينئذ فيأثم بالتأخير فقط والله الموفق.
تتميم: قد يكون الحج واجبة وهو ما إذا جاوز الميقات بصير إحكام فإنه كما سياسي يجب عليه أحد النسكية إما الحج وإما العمرة فإذا اختار الحج اتصف بالوجوب وقد يتصرف بالحرمة كما إذا حج بمال حرام وبالكراهة كما إذا حج بغير إذن من يجب عليه استئذانه (بشرط حرية) فلا يجب على عبد مدبرًا كان أو مكاتبه أو مبغضًا أو مأذونًا له فيه ولو بمكة أو كانت أم ولد لعدم أهليته لملك الزاد والراحلة ولذا لم يجب على عبيد أهل مكة بخلاف اشتراط الزاد والراحلة في حق الفقير فإنه للتيسير لا لا للأهلية فوجب على فقراء مكة وبهذا التقرير وهو الفرق بين وجوب الصلاة
стр. 513
وبلوغ وعقل وصحة
ــ
والصوم على العبد دون الحج. أعلم أن الشروط منها شوط وجوب ووجوب أداء وصحة والمصنف لم يميز بينها مع حذف بعضها فالأول: التكليف والإسلام والحرية والوقت والاستطاعة والعلم بكونه فرضت ويثبت ذلك إما في الكون في دار الإسلام سواء نشأ على الإسلام أأو لا، أو بأحد ركني الشهادة إما العدد أو العدالة لو كان في غيره، والثاني: صحة البدن وزوال الموانع الحدسية وأما الطريق وعدم قيام العدة في حق المرأة وخروج الزوج أو المحرم معها والثالث الإحرام بالحج والزمان المخصوص والمكان المخصوص زاد ابن أمير حاج الإسلام وقد سبق عده في شرائط الوجوب وهو الظاهر إذ الكفار غير مخاطبين بما يحتمل السقوط من العبادات على الأصح خلافا للعراقيين وعلى قولهم: فهو من شوائب الصفحة فتدبر. والإسلام: فلا يجب على كافة حتى لو ملك ما به الاستطاعة ثم ألملم بعدما افتقد لا يجب عليه شيء بتلك الاستطاعة بخلاف ما لو ملكه مسلما فلم يحج حتى أفتقر حيت يتقرر وجوبه ديني في ذمته كذا في (الفتح (وهذا التقويم ظاهر على القول بالفورية لا التراخي كما يخفى.
(بلوغ) فلا يجب على صبي ومن في حكمه كالمعتوه بناء على ما اختاره فخبر الإسلام من عدم وجوب العبادات عليه وإن اختار الدبوسي وجوبها عليه احتياطا (وعقل) فلا يجب على مجنون لعدم تكليفه (وصحة) أي: صحة الجوارح كذا في (الشرح) وغيره. قال بعض المتأخرين: ويرد عليه المريض إذا كان صحيح الجوارح فإنه لا يجب عليه الحج أيضا ومن ثم فسرها بعضهم بصفحة البدن ويرد عليه أن الأعمى كذلك بدليل أن تصرفه ينفد من كل المال مع أنه لا يجب عليه الحج فالأولى أن يفسر سلامة البدن من الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في السفر فلا يجب على مقعد ومفلوج وشيخ لا يثبت على الراحلة بنفسه وأعمى وإن وجد قائدًا في المشهور عن الإمام ويلحق بهم المحبوس والخائف من السلطان الذي يمنع الناس من الخروج إلى الحج وكذا لا يجب الإحراج عنهم وظاهر الرواية عنهما وجوبه على هؤلاء إذا ملكوا الزاد والراحلة ومؤونة من يردعهم ويضعهم ويقودهم إلى أن المناسك وإذا وجب الأصل وجب البدء وهو الإحراج فإذا فعلوا أجزأه ما ما دام العجز مستمرًا فإن زال أعادوه واختاره في (التحفة) والخلاف مبني على أن الصحة هل أي من شرائط الوجوب أو وجوب الأداء قال الإمام بالأول وهما بالثاني وأثر الخلاف يظهر في وجوب الإحراج والإيفاء به لكنه مقيد بما إذا لم يقدر على الحج وهو صحيح فإن قدر عليه ثم زالت القدرة وجب الإحراج اتفاقا ولو مات في الطريق لا يجب عليه الإيفاء أي: اتفاقا. ولا كلام أنهم لو تكلفوا الحج سقط عنهم لأن عدم وجوبه
стр. 514
وقدرة زاد، وراحلة فعملت محن مسكنه، ومحمد لا بدء هـ منه، ونفقة ذهابه، وإيابه،
ــ
عليهم الحرج فإذا تحملوه وقع عن حجة الإسلام كالفقير إذا حج (و) بشرط (قدرة زاد) وسط لا إسراف فيه ولا تقتير بما به يصح بدنه معه فالمتحف المعتاد بأكل اللحم
ونحوه من الأطعمة المترفعة إذا قدر على ما تيسر من خبز وجبن دون لحم لا يعد قادرًا، وراحلة وهي لغة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وفي التعبير بها إيماء به إلى أنه لو قدر على غيرها من بغل أو حمار لم يجب ولم أره كذا في (البحر) وأراد القدرة بالملك أو الإجارة دون الإباحة والإعارة في الراحلة في الوقت الذي يخرج فيه أهل بلده حتى لو وهب له مال ليحج به لا يجب عليه سواء كان الواهب ممن يعتبر منته كالأجانب أو كالأبوين والولد لأن شرائط الوجوب لا يجب تحصيلها وتعتبر في الراحلة في حق كل إنسان ما يبلغه فالمترفه إذا قدر على رأسه كاملة المسمى عندنا، بالمكتب لا يجب عليه االحج إلا إذا قدر على شق تحمل لأنه لا يستطيع السفر كذلك بل قد يهلك وعلم أن هذه القدرة من شرائط الوجوب لا نعلم عن أحد خلافه كذا في (الفتح)
وفي (البحر) عن الأصوليين: أنها من شرائط وجوب الأعداء ولم يوافقهم الفقهاء على ذلك لأمن أثر الفرق إنما يظهر في الإيحاء به عند الموت وعدمه وذلك لا يتأتى في الفقير هذا كله في الآفاقي أما المكي فلا تشترط (الراحلة) في حقه لأنه لا يلحقه المشقة بالمشي فأشبه السعي إلى الجمعة حتى هو كان لا يستطيعه اشترطه (فضلت عن مسكنه) وعن مؤونته كما في (المحيط لا ولم يقل عن داره إيماء إلى أنه لو كان له دار لا يسكنها كان عليه بيعها لعبد لا يستخدمه بخلاف ما لو كانت كبيرة يمكنه الاستغناء ببعضها للسكنى وأن يحج بالفائض حدثا لا يجبا عليه بيع الزائد نعم هو أفضل وعوف بهذا عدم وجوب الكل وإلا اكتفى بسكنى الإجارة بالأولى (وعما لا بد منه) يعني في غيره بفرسه وسلاحه وثيابه وعبد خدمته وقضاء ديونه وإلا فالمسكن أيضًا مما لا بد منه كذا في (الفتح (ولحم كلامه ما لو كان عنده ما لو اشترى به مسكنًا وخادمة لا يبقى بعده ما يكفيه للحج حدثا لا يلزمه كما أشار إليه في (الخلاصة) ودخل في قضاء ديونه مصدقة النساء وقيل ة لا يمنع كذا في (السراج) وينبغي قصة الخلاف على المؤجل منها وهل يشترط أن يبقى له بعد ذلك رأسه مال يتجر به لو كان يتجه به لو كان تاجرًا أو آلات حرثه لو كان حراثًا قال بعض العلماء:
نعم ذكره في (الخانية) وجزم به في (النهاية) و (فتح القدير)، وعصاه في (السراج) (لروضة العلماء) وذكره في (الخلاصة) ثم قال: أما المحترف إذا ملك قدر ما يحج به (ونفقة أحماله وذهابه وإيابه) فعليه الحج انتهى.
يعني اتفاقا لأنه غير محتاج إلى رأسه ماله لقيام حوزته وينبغي أن يقيد بحرفة لا
стр. 515
وعياله، وأهن طريق، ومحرم
ــ
تحتاج إلى كل أما المحتاجة إليها فيشترط أن يبقى له قدر ما يشتري به وعق نفقة ذهابه وإيابه وإن لم يبق بعد الإياب شيء في ظاهر الرواية وقيل: لا بد أن يبقى بعده نفقة يوم وهو مروي عن الإمام كما في (الخلاصة لما ولا يخفى أن مقدار النفقة مدة ذهابه وإيابه إنما يعلم بطريق التخمين لا بطريق التحقق فلا يتفاوت قدم نفقة يوم في التخمين وعق الثاني نفقة وهو لأنه لا يمكنه التكعيب كما تقدم.
(وعياله) عمق يلزمه نفقته نفقة وسطا من غير تبذير ولا تقتير كذا في (الشرح) وقد يقال: هذا الإطلاق في الزوجة مبني على اعتبار حاله أما على ما سيأتي من أن الفتوى على اعتبار حالهما فالوسيط إنما يعتبر إذا كان أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا وأعلم أن نفقة الذهاب والإياب والعيال داخلة تحت ما لا بد منه فهو من عطف الخاص على العام اهتمامًا بيانه وعطف ما لا بد منه على المسكن عكسه.
(و) بشرطة (أمن الطريق) على نفسه وماله وقت خروج أهل بلده والاعتبار للغالب فإن غلبت السلامة عدم غلبة الخوف حتى لو غلب لوقوع النهب والغلبة من المحاربين مرارة أو سمعوا أن طائفة تعرضت للطريق ولها شوكة والناس يستضعفون أنفسهم محنهم لا يجب وما أفتى به الوادي من سقوطه عن أهل بغداد وقول الإسكان: في سنة سمت وثلاثين وثلاثمائة لا أقول: فإنه فرض في زماننا وقول البلخي: ليعر على أهل خراسان حج منذ كذا كذا سنة إنما كان وقت غلبة النهب والخوف في الطريق ثم زار ولله المنة وقول من قال: لا أوى الحج فوضع منذ عشرين سنة من حين خرجت القرامطة لأنه لا يتوصل إليه إلا بإرشادهم فتكون الطاعة سبب المعصية فيه نظر لأن هذا لم يكن في شأنهم إنما شأنهم استحلال قتل الأنفس وأخذ الأموال وكانوا يغلبون على أماكن يترصدون فيها للحاج وبتقديره فالإثم في مثله على الآخذ مما عرف من تقسيم الرشوة في كتب الفضاء كذا في (الفتح لا، ورده بعض المتأخرين بان ما ذكر في القضاء ليعر على إطلاقه بل فيما إذا كان المعطي مضطرة بان لزمه الإعفاء ضرورة عن نفسه أو ماله أما إذا كان بالالتزام منه في الإعطاء أيضا يجثم وما نحن فيه من هذا القبيل.
(و) بشرط (محرم) وهو من لا يجوز له مناطحتها على التأبيد بقرابة أو رضاع أو صهرية مسلمًا كان إلا أن يكون فاسقا أو كافرا إلا أن يكون مجوسيا يعتقد إباحة نكاحها حرب كان أو عبدا بشرط العقل والبلوغ قال الحمادي والمواهب كالبالغ وأدخل في (الظهيرين ما بنت موطوءته من الزنا حيث يكون محرما لها وفيه دليل على ثبوتها بالوطء الحرام وبما يثبت به حرمة المصاهرة كذا في (الثانية).
стр. 516
أو زوج لامرأة
ــ
(أو زوج لامرأة) قال بعض المتأخرين: هذا مما لا حاجة إليه لأن المحرم هنا يعمه قال في (الذخيرة): والمحور الزوج ومن لا يجوز له لم مناطحتها على التأبيد بنسب أو رضاع أو صهرية لأن المقصود من المحرم الحفظ والزوج يحفظها وقي (التحفة) بعد أن ذكر ما مر من الشرائط قال: هذا في حق الرجل أما في حق المرأة فلا بد من وجود هذه الشرائط مع شرطين آخرين أن يكون لها محرم من زوج أو من لا يحل له مناطحتها على التأبيد برضاع أو قرابة أو شهرية والثاني أن لا تكون معتدة من طلاق بائن أو رجعي أو وفاة انتهى. وبه استغني عما في (الحواشي السعدية ما مت أن ظاهر الاستثناء في قوله- صلي الله عليه وسلم- (لا تحقق امرأة إلا ومعها محرم) يفيد عدم جواز الحج لها مع أزواجهن وجوابه أنه يعلم جوازه معه بالدلالة انتهى.
لكن المذكور في (البدائع) و (العناية) وغيرهما تفسير المحرم بما هو وهو المناسب وحينئذ فيحتاج إلى ذكر الزوج وينبغي أن يشترط فيه ما شرط في المحرم واعلم أن المشايخ اختلفوا في أن سلامة البدن وأمن الطريق ووجود المحرم من شرائط الوجوب أو الأداء ذهب ابق شجاع إلى الأول قيل: وهو رواية عن الإمام وصححه في (البدائع ما والقاضي أبو حازم إلى الثاني ورجحه في (النهاية) تبعًا لقاضي خان واختاره في (الفتح) وأثر الخلاف يظهر في وجوب الوصية ونفقة المحرم وراحلته وفي تزوجها فعلى الأول لا يحب ومحلى الثاني يجب كذا قالوا: وفي (منية المفتى) أحرمت بلا محرم فهي كالمحار ورأيت العلامة ابق الكمال عن ظاهر كلامهم مال فقال فيما كتب على (الهداية) ما بعدما ذكر الاختلاف في أمن الطريق أهو شرط الوجوب أو الداء: المراد من شرط الوجوب شرط وجوب الأداء لا شرط الوجوب لأنه بنفس الوجوب لا يجب الإيفاء كالمريض والمسافر ومن جعله شرط نفصل الأداء لا شرط وجوبه قال بوجوب الوصية لأنه وجب عليه الأداء إلا أنه عثر في التأخير ثم قال: فإن قلت: شرط الأداء ما لا صحة للأداء بدونه وأصر تطويق ليس كذلك بالنسبة إلى الحج فإن أداءه ممكن بدونه قلت: من يقول إنه شرط الأداء لا يقول بصحة الحج بدونه إذ حينئذ لا يتوصل إليه إلا بالرشوة فتكون الطاعة سببًا للمعصية وإذا كانت سببًا للمعصية لا تبقى طاعة ذكره قاضي خان أنتهى.
وهذا الكلام الله أعلم بصحته بل الذي ينبغي أن لا يتودد فيه أن من قال: إنه شرط الوجوب أراء نفس الوجوب ومن قال: إنه شرط الأداء أراد وجوب الأداء على
стр. 517
في سفر فلو أحرم صبي، أو عبد فبلغن أو أعتق فمضى لم يجزه عن فرضه
ــ
ذلك جرى غير واحدة سواح ((الهداية) وحينئذ فحجه مع مقدم أمن الطريق صحيح إذ لو لم يصبح للزم عدم الصحة أيضًا مع عدم سلامة البدن وقد من فيه نقل الصحة وكذلك مع عدم المحرم. واعلم أن الخلاف في وجوب الإحصاء محله ما إذا مات قبل أمن الطريق فإن مات بعده فلا خلاف في وجوبه (في سفر) لخبر (الصحيحين): (لا تسافر امرأة ثلاثًا إلا ومعها محرم) زاد مسلم أو زوج والمراد البالغة إذ هي المخاطبة بالأوامر والنواهي أما الصبية التي لم تبلغ حد الشهوة لها أن تخرج بلا محرم فإن بلغتها خوطب وليها بمنعها منه إلا بمحرم فإن لم يكن لها ولى لم تستصحب فيه وأما جواز الخروج للمهاجرة والمأسورة بلا محرم فلأنه ليس سفرا لأنهما لا يقصدان مكانًا معينًا بل النجاة خوفا من الفتنة حتى لو وجدتا مأمنًا كعسكر المسلمين وجب محليهما القرار.
(فلو أحرم صبي) تفريع على اشتراط البلوغ والحرية وفيه إيماء إلى صحته منه بشرط أن يعقل وظاهر قوله في (المبسوط) لو أحرم صبي وهو يعقل أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا وينبغي له أن يجرده ويلبسه إزاره أو رداء يفيد أن إحرامه عنه مع عقله صحيح فمع عدمه أولى (أو عبد فبلغ) الصبي (أو أعتق) العبد قبل الوقوف ولم يذكره اكتفاء بقوله (فمضى) يعني كل منهما على إحرامه غير بحده غيره وهذا بعد الوقوف لا يتأتى (لم يجزه) ما أداه (عن فرضه) أي: الحج لأنه انعقد لأداء النفل فلا ينقلب للقرض وأورد أن الإحرام عندكم شوط فينبغي أن يجوز أداء الفرض بإحرام النفل كصبي توضأ ثم بلغ بالسن جاز له أن يصلي الفرض بذلك الوضوء وأجيب بأنه إنما يكون بالنية وبها يصير شارعًا في أفعاله فصار كصبي شرع في الصلاة وبلغ فيها بالحق فنوى أن يكون فوضا لا ينقلبا فيها كذا في (العناية) وفيه نظر إذ يجوز تقديمه على أشهر الحج عندنا فلو صار بالنية شارعا في أفعاله للزم تقديم الشروع فيها على الوقت واللازم باطل فكذا الملزوم والتحقيق أن يقال: إنه شرط يشبه الركن من حيت إمكان اتصال الأداء به فلا يؤدي الفرض بما انعقد منه للنفل والشرط المحض من حيث أنه لا يلزم اتصال الأداء به فراعينا الشبهين. قيد بقوله فمضى لأنهما لو جرداه بعد ذلك للفرض صح في الصبي لا في العبد لأمن إحرامه غير لازم لعدم أهليته بخلاف العبد قال في (الفتح لما: والكافر والمجنون كالصبي فلو حج كافر أو مجنون وآفاق وأسلم فجدد الإحرام أجزأهما اقيل: وهذا دليل على أن الكافر إذا
стр. 518
ومواقيت الإحرام ذو الحليفة
ــ
حج لا يحكم بإسلامه بخلاف الصلاة بجماعة انتهى وفيه بحث من وجهين الأول: أن المجنون لا يتصور منه الإحرام بنفسه وصحته من وليه كالصبي يحتاج إلى نقل الثاني: أن هذه الدلالة بعد أن موضوع المسالة أنه أحرم فقط ولم يقفز بعرفات ممنوعة كذا في (البحر) وأقول: معنى قولهم أو حج كافر أو مجنون أي: شرع فيه صورة بأن أتى بإحرامه وإن لم يعتبر ثم رأيته كذلك قال في ما (البدائع): أحرم العبد ثم عتق فاحرم بحجة الإسلام بعد العتق لا يكون ذلك عن حجة الإسلام بخلاف الصبي والمجنون والكافر والفرق أن إحرام الكافر والمجنون لم ينعقد لعدم الأهلية وإحرام الصبي العاقل وقع صحيحا لكنة غير لازم لكونه غير مخاطب فكان محتملا للانتقال فأما إحرام العبد فإنه وقع لازمة لكونه أملأ انتهى. وظاهر أن مقتضى صحة إحرام الولي عن الصبي الذي لم يعقل مسته عن المجنون بجامع عدم العقل في كل فإن قلت: هذا يقتضي جعل العقل والإسلام من شرائط الصحة وقد جعلوهما من شرائط الوجوب قلت: أما بالنظر إلى الحج من شرائط الوجوب وبالنظر إلى الإحرام من شرائط الصحة وأما تلك الدلالة فضعفها ظاهر كما يشير إلى ذلك لفظ قيل وجزمه في لا البحر، بإسلامه إذا أتى بسائر الأفعال ضعيف كما مر.
(ومواقيت الإحرام) جمع ميقات بمعنى الوقت المحدد استعير للمكان أعني مكان الإحرام كما استعير للوقت في قوله تعالى: ﴿هنالك ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] قال بعض المتأخرين: ومنه قولهم ووقته البستان وهو سهو ظاهر إذ المعنى كما في (المغرب) وغيره ميقات بستان بني عامر ولا ينافيه قول الجوهري الميقات موضع الإحرام لأنه ليس من دأبه التفرقة بين الحقيقة والمجاز وكأنه في (البحر) استند إلى ظاهر ما في لا الصحاح (فزعم أنه مشترك بين الوقت والمكان المعين والمواد هنا الثاني وأعرض محن كلامهم السابق وقد علمت ما هو الواقع. واعلم أن الفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها والزمان مدة مقسومة والوقت الزمان المفروض للأمر قاله البيضاوي وأن المواقيت ثلاث: ميقات الآفاقي وأهل الحل وأهل الحرم بدأ المصنف بالأصول وهو خمسة جمعت في قوله: عرق العراق يلملم اليمني ... وبذي الحليفة يحوم المدني للشام تحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن
... على الأخريين (ذو الحليفة) بحاء مهملة مضمومة وفاء لأهل المدينة على ستة أميال منها وقيل: سبعة بها آبار تسميها العوام آبار علي لأنه قاتل الجن في
стр. 519
وذات عرق والجحفة وقرن ويلملم لأهلها ولمن هو بها، وعيه تقديمه عليها لا عكسه،
ــ
بعضها قال الحلبي: وهو كذب (وذات عرق) بكاسر العين وسكون الراء لأهل العراق على مرحلتين من مكة قيل: وفي الحد بين نجد وشهامة والعرق في الأصل الأرض التي أحياها قوم بعد عثورها وقيل: في السبعة التي تنبت الطرفة ونحوها، (والجحفة) بضم المعجمة ومعاون المهملة موضع قريب من رابع والعوام يسمونها به وليس كذلك سميت بذلك لأن السيل صحف أهلها أي: استأصلهم لأهل مصر والشام (وقرن) بفتح القاف ومعاون الراء جبل مطل على عرفات لا خلاف في ضبطه بهذا بين رواة الحديث واللغة والفقه وأصحاب الأخبار وغيره ما وغلطوا الجوهري في قوله: إنه بفتح الراء وفي قوله: إن أليسا منسوب إليه كذا في (تهذيب الأسماء واللغات لا لأهل اليمن والحجاز ونجد وهامة والطائف، (ويلملم) بفتح المثناة التحتية وللأمين وربما أبدلوا الياء همزة جبل في جبال وهامة تهامة لأهل اليمن أي: لبعض أهلها لما أنه نجد وشهامة (لأهلها) أي: المواقيت (ولمن مر بها) من غير أهلها لخبر (الصحيحين) أنه- صلي الله علي وسلم- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجافة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم وقال: (هن لها ولما أتى عليهن من غير أهلهن) وفي (أبي داود) و (النسائي) ووقت لأهل العراق ذات عرق ولم يكونوا مسلمين لأنه علم بإسلامهم بعد ذلك وحيا.
(وصح) أي: جاز (تقديمه) أي: الإحرام (عليها) أي: على المواقيت بل هو الأفضل كما في (الشرح) لكنه مقيد بما إذا كان يؤمن على نفسه لأنه أكثر مشقة فكان أعظم أجرا وقد جاء عن الصحابة تفسير الأمر بإتمام الحج والعمرة بأنه يحرم من دويلة أهله وقال ﵊: (من أول من المسجد الأقصى بعمرة أو حجة غفر له ما تقدم من ذنبه لا رواه أحمد قيد بتقديمه على المواقيت لأن تقديمه محلى أشهر الحج مكروه مطلقا إجماعا اوجعله في (الظهيرين ما في التفصيل كالأول قال في (البحر): وهو خطأ لما هو فإنه شبيه بالركن فيكره تقديمه احتياطًا (لا) يجوز (عكسه) وهو تأخيره عن المواقيت قال في ما الهداية): وفائدة التوقيت المنع من التأخير لأنه يجوز التقديم بالإجماع واعترض بأنه يلزم عليه وجوب الإحرام من أول ميقات يمر به وإن أتى بعده آخر والمسطور لمحي فروعهم عدمه وقد قال الحاكم في (كافيه): من جاوز وقته غير محرم ثم أتى وقتل آخر فاحرم منه أجزأت وإحرامه من وقته أحب إلي ولذا كان الظاهر عن الإمام أن المدني لو جاوز ميقاته فاحرم من الجحفة
стр. 520
ولداخلها الحل، وللمكي الحرم للحج، والحل للعمرة
ــ
لأدم عليه والجواب أن المنع من الأخير مقيد بالميقات الأخير دل على ذلك ما عن عائشة أنها كانت إذا أرادت أن تحج أحرمت مع ذي الحليفة وإذا أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة ومعلوم أنه لا فرق في الميقات بين الحج والعمرة فلو لم تكن الجحفة ميقاتًا لها لما أحرمت بالعمرة منها قالوا: وما كان في بر أو نحو لا يمر بواحد من المواقيت يحرم إذا حاذى آخرها فعليه أن يجتهد فإن لم يكن بحيث يحاذي فعلى مرحلتين من مكة قال في (البحر): وذكرني بعض أقل العلم من الشافعية يعني به الشيخ شهاب الدين بن حجر شارح (المنهاج) ودا المثل مائل، وغيرهما وكان من إجلائهم وقد أدركته في آخر عموه أنه كان ينبغي على مسعاكم أن لا يلزم الإحرام من رابع بل من خليل لمحاذاته لآخر المواقيت وهو قرب المنازل وأجبته بجوابين الأول أن المحاذاة إنما تعتبر عند عدم المرور على المواقيت وأهل مصر يمرون على التحفة وإن لم تكن معروفة غاية الأمر أنهم يحومون قبلها احتياطا الثاني أن مرادهم المحاذاة القريبة ومحاذاة المارين بقرن بعيدة لأن بينهم وبينه بعض جبال.
وأقول: في الثاني ما لا يخفى لأن من لا يمر على المواقيت يحوم إذا حاذى آخرها قربت المحاذاة أو بعدت والحاصل أن الآفاقي إذا قصد دخول مكة وجب عليه الإحرام حق آخر المواقيت سواء أراد الحج أو العمرة أو القتال أو التجارة أو غير ذلك أما لو يصمد موضعه من الحل جاز له مجاوزته بلا إحرام وهو الحيلة لما أراد الدخول كذلك قال في ما البحري: وينبغي أن لا تجوز لله مور بالحج لابنه مأمور بحجة آفاقية وإذا دخلها بلا إحرام صارت مكية فكان مخالفة كما أنه يكون مخالفا أيضا لو أحرم بالعروة حتى دخلها (ولداخلها) أي: المواقيت زاد في (الفتح (أو كان في نفسها انتهى. ولك أن تقول: أراد بالداخل ما قابل الخارج (الحل) بكسر الحاء الموضع الذي بين المواقيت وبعد اليوم فاليوم في حقه كالمجلات للآفاقي هذا إذا لم يكن ساكنا في أرض الحرم فإن كان فيها كان ميقاته كأهل مكة كذا في (الفتح).
(و) الميقات (للمكي) يعني ساكن مكة أما القار في حرمها فليس بمكي وإن أعطي حكمه فقوله في (البحر): أراد به من كان داخل (الحرم) سواء كان بمكة أو لا عدول عن المعنى المجازي بلا دليل اليوم وحده من طريق المدينة ثلاثة أميال ومن طريق اليمن بالجعرانة والطائف سبعة وما بطن محرفة أحد عشر (للحج) أي: لمريده (والحل للعمرة) وعليه انعقد الإجماع وكان ﵇ عامر بذلك حتى لو أحرم المكي من الحل ومريد العمرة من اليوم لزمه دم.
стр. 521
باب الإحرام
وإذا أردت أن تحوم فتوضأ والغسل أفضل
ــ
[١٨] باب الإحرام
مناسبة ذكره بعد ذكر المواقيت التي لا يجوز للإنسان أن يجاوزها إلا محرمًا جلية أي: واضحة وهو لغة مصدر أحرم إذا دخل في حرمة لا تنتهك ورجل حرام أي محرم كذا في (الصحاح) وهذا أولى ص قوله في (العناية): إنه لغة مصادر أحرم إذا دخل في الحرام كوشتا إذا دخل في الشتاء وشوعًا الدخول في حرمات مخصوصة أي: التزامها غير أنه لا يتحقق شرعًا إلا بالنية مع الذكر والخصوصية كذا في (البشع، فيهما شوطان في تحققه لأجواء ماهيته كما توهمه في (البحر) إذا محرفة بنية النسك من الحج أو العمرة من الذكر أو الخصوصية وإذا تم لم يخرج عنه إلا بإتمام ما أحرم به إلا في الفوات فبالعمرة والإحصاء فبالذبح ولا بد في القضاء مطلقا ولو مظنونة حتى أحرم بالحج على حق أنه عليه فبان خلافه كان عليه المضي فيه فإن أبطله قضاه.
(وإذا أردت) أيها الطالب للحج أو العصور أولهما اختار الخطاب في هذا الباب تنبيهًا على الاهتمام بأحكام الإحرام لشدة الاحتياج إلى معرفتها بأن تحرمه أي: الإحرام (فتوضأ) بالمسكون يعني وضوءك للصلاة أو اغتسل (والغسل أفضل) لاختياره ﵊ له لما أنه أعم وأبلغ في التنظيف المطلوب في هذه الحالة ولذا أمر به الحائض والنفساء والصبي وقد أمر ﵊ أبا بكر حين نفست زوجته أسماء بابنه محمد أن يسموها أن تغتسل وأن تحرم بالحج) ولا يتصور حصول الطهارة لها ولذا لم يعتبر التيمم عند العجز عن الماء بخلاف الجمعة والعيدين كذا في (الشرح) وعزاه في (المعراج (إلى (روح بكر). وقال في (البحر): وفيه نظر لأن/ التيمم لم يشرع لهما محمد العجز إذا كان طاهرًا عم الجنابة ونحوها والكلام فيه.
وأقول: فيه نظر إذ مبناه على أن المخالفة راجعة إلى قوله: ولهذا لم يعتبر التيمم عند العجز والظاهر وجوعها إلى قوله والمراد بهذا الغسل تحصيل النظافة لا الطهارة بخلاف الجمعة والعيدين فإنه يلاحظ فيهما مع النظافة الطهارة أيضا لأنه إنما نوع للصلاة ولذا لم تؤمر به الحائض والنفساء مع أنه قد قيل: بأنهما يحضران العيد
стр. 522
والبس إزارًا، ورداء جديدين أو غسيلين، وتطيب، وصل ركعتين
ــ
كما مر نعم سوى في (الكافي) بين الإحرام والجمعة والعيدين وهو التحقيق لأن التراب لا أثر له في تحصيل النظافة لأنه ملوث ومحبو بقي أن هذا الغسل إنما شرع للإحرام فيشترط لنيل السنة فيه أن يحرم وهو على طهارته حتى اغتسل فأحدث ثم أحرم فتوضأ لم ينل فضله كذا في (البناية) لما معزيا إلى (جوامع الفقه). واعلم أنه ينبغي أن يندب الغسيل أيضًا لمن أهل عنه رفيقه أو أبوه لصغره لقولهم: إن الإحرام قائم بالمغمى عليه والصغير لا يمن أتى به لجوازه مع إحرامه عن نفسه وقد استقر ندبه لكل محرم هذا ويندب له أيضا كمال التنظيف من قص الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة وجماع أمله كذا في (الفتح) زاد غيره وحلق الرأس لمن لما اعتاده أو تسريح الشعر لما يعتده وغسل جسده بالخطمي والأشنان ونحوهما.
(والبس إزارًا) وهو ما يكون من السنة إلى الوجبة يذكر ويؤنث (ورداء) وهو ما يكون على الظهر ويسن أن يدخله تحت يمينه ويلقيه على كتفه الأيسر، وقيل: لير بسنة ولا يزره ولا يعقده ولا يخلله فإن فعل ذلك أساء ولا دم عليه حال كونهما (جديدين) قدم الجديد وأفضليته دفعة لقول بعض السلف بكراهته والأبيض منهما أفضل من غيره (أو غسيلين) لأنه- صلي الله عليه وسلم- (لبس الإزار والرداءة وأصحابه) رواه مسلم وهذا بيان السنة حتى لو اقتصر على لما تر العورة جاز (وتطيب) زاد القدومي إن كان طيب وفيه فائدتان الأولى أنه إن لم يكن عنده لا يطلبه كما في (العناية) الثانية أنه من سنن الفوائد لا الهدى كما في (الزواج) أطلقه فشمل أي: طيب كان بقيت عينه كالمسك والغالية أو لا في ظاهر الرواية هو المشهور وروى الأعلى عن محمد كراهة ما تبقى عينه وهو قول زفر قيل: لأنه إذا عرق تنتقل إلى موضع آخر من بدنه فيكون بمنزلة ابتدائه بعده لكنه تعليل في مقابلة النص وهو ما في (الصحيحين) من قول عائشة: (كأني أنظر إلى وبين الطيب في تفوق رسول الله طلا وهو محرم) والقميص اللمعان هذا في البدن أما الثوب ففيه روايتان والمأخوذ به أنه لا يجوز والفوز أنه اعتمد في البدن تابع والمتصل بالثوب منفصل عنه وأيضا المقصود من استناده وهو حصول الارتفاع حالة المنع منه حاصل بما في البدن فأغنى عن تجهيزه في الثوب (وصل) بعد ذلك (ركعتين) في غير وقت كراهة وأطلقه اكتفاء بما مر ولم
стр. 523
وفي دبر صلاتك تنوي بها الحج،
ــ
يقل شفعًا لعمومه وهذا الأحمر للندب وفي (الغاية، من السنة ويجزئ عنهما المكتوبة كالتحية ولو قرأ فيهما بالكافرون والإخلاص كان أفضل وقل: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني لأنه أداءه في أزمنة متفوقة وأماكن متباينة فناسب سؤال التيسر فيه وكذا في العمرة كما قال الكرخي فالقارئ أولى بخلاف الصلاة لأن مدتها يسيرة وأداؤها عادة متيسر كذا في (الهداية). وفي (التحفة) و (القنية) ما قال محمد: في الصلاة يجب أن يقول كذلك وعممه الشارح في كل العبادات وما في (الهداية) أولى.
(ولب دبر صلاتكم) بضم الباء وسكونها آخوها وهذا بيان الأفضل حتى لو لبى بعد ما استوت به راحلته جاز وقد اختلفت الروايات فيه الاله ﵇، وروايات أنه لبى بعد ما استوت به راحلته أكثر وأصح لكن أخرج أبو داود والحاكم وقال على شرط الشيخين من حديث جبير قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف الصحابة في إذلاله ﵇ فقال: إني لأعلم بذلك إنما كانت لرسول الله- صلي الله عليه وسلم- حظه حجة واحدة خرج رسول الله- صلي الله عليه وسلم- ظل حاجة فلما صلى بمسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه وأهل بالحج حيث فرغ من ركعتين فسمع ذلك منه أقوام حفظته عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك أقوام فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك أقوام فقالوا: إنما أهل على شرف البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين انتقلت به ناقته وأهل حيث علا شرف البيداء وبهذا يقع الجمع ويزول الإشكال (تنوي بها) أي: بهذه التلبية (الحج) إن كنت مفردا به لأنها شرط لكل عبادة وفيه إيماء إلى أنها حاصلة بقوله: اللهم إني أريد الحج إلى آخوه لأنها أمر آخر/ لم وراء الإرادة وهو العزم على الشيء كما قال البرازي وقد أفصح عن ذلك ما قاله الراغب أن في واعي الإنسان للفعل على مراتب السانح ثم الخاطر ثم الفكر ثم الإرادة قيم الهمة ثم العزم ولو قال بلسانه: نويت الحج وأحكمت به لبيك إلى آخوه كان حسني ليجتمع القلب واللسان كذا في (الشرح لما، فال في (الفتح): وعلى قياس ما قدمنا في شروط الصلاة إنما يحسن إذا لم يجتمع عزيمته لا إذا اجتمعت ولم تعلم الرواة لنسكه ﵇ فصلاً فصلاً قط وروى واحد منهم أنه سامعه ﵇ يقول: (نويات العمرة والحج لله تعالى).
стр. 524
وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد، والنعمة لك والملك لا شريك لك، وزد فيها
ــ
(وهي) أي: التلبية (لبيك) مصدر مثنى لب تثنية أريد بها التكثيف أو المبالغة مهزوم النصب والإضافة والعامل فيه لفظه أي: أجبتك إجابة بعد إجابة وكانه من الحث بالمكان أقام به فهو مصدر محذوف الزوائد وقيل: مخير ذلك قال بعضهم: وفي مشروعية التلبية تنبيه محلى! نص أم الله تعالى لعباده بأن وفودا ما إنما كان باستدعاء منه واختلف في الداعي والأظهر أنه الخليل كما في (السراج).
(اللهم) يا الله البيت (لبيك لا شريك لك) في ملكك (لبيك إن الحمد) بالكسر والفتح والأول أفضل قال في (المحيط): لابنه ﵇ فعله ورده في (البناية) بأنه لم يعرف نعم علل أكثرهم الأفضلية بأنه استئناف للثناء فتكون التلبية للذات بخلاف الفتح فإنه تعليل للتلبية أي: لبيك لأن الحمد لك (والنعمة والملكة وتعليق الإجابة التي لا نهاية لها بالذات أولى منه باعتبار صفة واعترض بان الكسر يجوز أن يكون تعليلاً مستأنفًا أيضًا ومنه ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، ﴿إنه ليس من أهلك﴾ [هود: ٤٦]، وفي الخبر (إنها في الطوافين عليكم والطوافات) ومنه أيضًا علم ابنك العلم إن العلم نافعه وأجيب بأنه وإن جاز فيه كل منهما إلا أنه يحمل هنا على الاستئناف لأولويته بخلاف الفتح إذ ليس فيه سوى التعليل وحكى الشراح عن الإمام الفتح وعن محمد والكسائي والفراء الكسر إلا أن المذكور في (الكشاف) اختيار الإمام الكسر والشافعي الفتح وهو الذي يعطيه ظاهر كلام هم والله أعلم.
والنعمة لك: بالنصب على المشهور ويجوز الرفع محلى الابتداء ومتعلق الجار هو الخبر وفي كل ما يصل إلى الخلق من النفع والملك بدعم الميم سعة المقدور وقوع الحمد والنعمة وإفراد الملك لأن الحمد متعلق بالنعمة ولذا يقال: الحمد لله على نعمه فكأنه قال: لا حمد إلا لك لأن له لا نعمى إلا لك وأما الملك فهو معنى مستقل بنفسه ذكر تحقيق أن النعمة كلها لله تعالى لما أنه صاحب الملك قاله ابن المنير (لا شريك لك) في شيء من ذلك (وزد فيها) أي: زد على هذه الألفاظ ما شئت كذا في (الشرح) فالظرف بمعنى على لأن الزيادة إنما تكون بعد الإتيان بها لا في خلالها كما
стр. 525
ولا تنقص، فغذا لبيت ناويًا فقد أحرمت، فاتق الرفث،
ــ
في (السراج) وعن ابن عمر كان يقول: لبيك وسعديك والخير بيدك والرغباء إليك وهي مندوبة كما قال الحلبي والظاهر أن المراد مطلقها المشتملة على الثناء لا بقيد كونها مأثورة (ولا تنقص) منها شيئًا لأنه هو المنقول عنه ﵇ باتفاق الروايات كذا في (الهداية) ومن ثم حكى ابن الملك الاتفاق على أن النقص مكروه وظاهر قول المصنف في (الكافي) أن لا يجوز أنها تحكيمية قال في (البحث): وفيه نظر ظاهر لأن التلبية سنة فإذا تركها أصلا ارتكب كراهة التنزيه فالنقص أولى وأقول: فيه نظر ففي (الفتح) التلبية مرة شوط والقيادة سنة قال في (المحيط): حتى يلزمه الإساءة بتركها ثم قال: إن رفع الصوت بها سنة وإن تركه مسيئا انتهى. فالنقص بالإساءة أولى.
واعلم أن دعوى كون النقص لم يقع في رواية معارض بما في لا البخاري ما عن عائشة: (إني لأعلم كيف كان رسول الله- صلي الله عليه وسلم- يلبي) ولم يذكر الملك وشريك لك. (فإذا لبيت) حال كونك (ناويًا فقد أحرمت) هذا الشرط غير معتبر المفهوم لأن ظاهر المذهب أنه يصير محرما بكل ثناء وتسبيح ولو كان يحسن التلبية حتى بالفارسية وإن كان يحسن العربية والفرق بينه وبين الصلاة على قولهما سعة باب الحج دونها بدليل أن غير الذكر أقيم مقامه كتقليد البدنة وسموق الهدي ثم إن هذه العبارة لا يستفاد منها إلا أنه يصير محرمًا عند النية والتلبية أما أن الإحرام بهما أو بأحدهما بشرط ذكر الآخر فلا وذكر الشهيد أنه يصيب شارعًا بالنية ولكن عند التلبية لأمنها كشروعه في الصلاة فإنه بالنية لكن عند التكبير لا به كذا في (الفتح (تبعا للشارح وبه اندفع ما قد يتوهم من ظاهر كلام المصنف أنه يصير شارعًا بالتلبية بشرط النية مع أن المحكي عن الشهيد عكسه كما مر، ومن ثم غير بعض المتأخرين العبارة فقال: إذا نوى ملبيًا فقد أحرم لأن الأصل في انعقاد الإحرام أو النية وأنت خبير بأن إذا كان المفاد إنما هو صيرورته لم محورا عندهما فالعبارتان على حد سمراء، فاتق الفاء فصيحة أي: إذا أحرمت (فاتق الرفث) لقوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ [البقرة: ١٩٧]، جيء بالنهي على صورة النفي مبالغة والرفث الجماع ومنه: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧] أو الكلام الفاحش لأنه من دواعيه أو ذكر الجماع بحضرة النساء فإن لم يكن لم يكره وعليه ابن عباس وذلك أنه أنشد وهو محرم:
وهن يمشين بنسا هميسا ... إن يصدق الطير ننك لميسا
فقيل له: أترفث وأنت محرم فقال: إنما الرفث بحضور النساء ضميرهن يعود
стр. 526
والفسوق، والجدال، وقتل الصيد، والإشارة إليه، والدلالة عليه، ولبس القميص، والسراويل
ــ
على الإبل والهميس صوت نقل أخفافها وكانوا يتفاءلون بالطيور عند صياحها فقال: (إن يصدق هذا الطير بنك لميسان) تفعيل اسم امرأة والخلاف في المراد في الآية وإلا فالكل ممنوع وظاهر صنيع غير واحد ترجيح ما عن ابن عباس. واعلم أنه يؤخذ من كلامه ما قاله بعضهم في قوله- صلي الله عليه وسلم-: (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) أن ذلك من ابتدأ الإحرام لأنه لا يتسمى حاجًا قبله.
(والفسوق) المعاصي كذا قالوا قال في (الحواشي السعدية): وهذا التفسير مشعر بكون الفسوق جمع فسق كعلم وعلوم إلا أن المناسب من حيث اللفظ والمعنى أن يكون مصدرا كالدخول انتهى.
وأقول: أما وجه كونه مناسبا من حيث اللفظ فلأنه حينئذ يتناسق مع الرفث والجدال وأما من حيت المعنى فلان الجمع ليس مواده إذ المنهي عنه إنما هو إيجاد الفسق لا بقيد كونه جمعة وحينئذ فالمصدر أولى، (والجدال) أي: الخصام وهو المنازعة والسباب بين الرفقة والمجاري وما قيل: من أنه مجادلة المشركين في تقديم الحج وتأخيره فذاك باعتبار الآية لا في كلام الفقهاء إذ لا معنى لنهينا عن المجادلة الماضية في عهد المشركين.
(و) اتق أيضًا (قتل الصيد) أي: المصيد لا المعنى المصدري إذ لا يصح إسناد القتل إليه قيل أي: ذبحه ورده بعض المتأخرين بان المحرم لا يحل له قتل الصيد بأي طريق كان وأقول: الكلام فيما يحرم بالإحرام ولا شك أنه الذبح أما غيره فلا يخص المحرم وعبر بالقتل إيماء إلى أن ذبحه قتل والمراد صيد البر لما سيأتي (والإشارة إليه) حال حضرته (والدلالة عليها حال غيبته لما سيأتي من حديث أبي قيادة ومحل تحريمهما ما إذا لم يعلم المحرم أما إذا مسلم فلا وقيل: يحرم مطلقا والأول أصح.
(و) اتق أيضًا (لبس القميص) لو قال المخيط لأغناه ذلك عن ذكر (السراويل) والقباء إلا أنه أراد اتباع الحديث وهو ما أخرجه أصحاب الكتب الستة من حديث ابن عمر قال رجل: يا رسول الله ما تأمرنا أن نلبي من الثياب في الإحرام قال: ما لا تلبسوا القميص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ولا الأخفاف إلا أن يكون أحد ليس له نعلان فليلبس الخفين وليقطع أسفل من الكعبين ولا يلبسوا شيئا مسه زعفران ولا ورس)، ولما كان ما لا يجوز لباسه محصورة بخلاف ما يجوز عدل- صلي الله عليه وسلم- في الجواب
стр. 527
والعمامة، والقلنسوة والقباء، والخفين إلا أن لا تجد النعلين فأقطعهما أسفل من الكعبين، والثوب المصبوغ بورس، أو زعفران أو عصفر إلا أن يكون غسيلاً لا ينفض
ــ
إلى المحصور ليعلم الجواز فيما عداه وهذا من أسلوب الحكيم قال الحلبي: والضابط لنا أن كل شيء معمول على قدر البدن أو بعضه بحيث يستمسك عليه بنفسه بخياطة أو لزق وغيرهما يكون لبسًا فتمتنع الزدية والبرنس والسراويل جمع سروال يذكر ويؤنث وسهولته ألبسته السروال فتسرول (والعمامة والقلنسوة والقباء) بان يدخل يديه في كميه قيد باللبس لأنه لو اتزر بالقميص أو جعل القباء على عاتقه من غير إدخال الكمين جاز عندنا (والخفين إلا أن لا تجد النعلين فاقطعها أسفل هن الكعبين) والكعب هنانو المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشمراخ لا العظم الناتئ كما في الطهارة على ما مر ولم يذكر هذا في الحديث لكن لما كان الكعب يطلق عليه وعلى الثاني حمل عليه احتياطي وعن هذا قال المشايخ: يجوز لبس المكعب لأن الباقي من الخفض بعد القطع كذلك كذا في (الفتح) ما وعلى هذا يجوز لبس الزرموجة دون الجوربين ثم ظاهر الحديث يفيد أنه لو وجد تعليق لا يحل له قطع الخفين لما فيه من إتلاف المال بغير حاجة.
(و) اتق أيضًا لبس (الثوب المصبوغ بورس) بفتح الواو وسكون التاء قال في (المغرب): إنه صبغ أصفر وقيل: نبت طيب الرائحة وفي (القانون، هو شيء أحمر يشبه الزعفران وبالأول جزم في (الصحاح) و (الديوان) وقال العيني: إنه الكركم (أو زعفران أو عصفر) لما روينا إلا أن يكون الثوب غسيلأ أي: مغسولاً لا ينفض: الفقهاء ينسبونه إلى الفاعل والصواب بناؤه للمفعول لأنه يقال نفضت الثوب أنفضه نفضًا إذا حركته ليسقط ما عليه فالثوب مرفوض لا نافض وأجاب في لا العناية لما وغيرها بأن هذا من المجاز في الاستناد وزعم بعض المتأخرين أن الإسناد حقيقي لادن النفض كما يسند إلى من يحرك الثوب كذلك يسندا إلى الثوب قال المطرزي: النفض تحريك الشيء ليسقط ما عليه من غبار أو غيره يقاضي ة نفضه فانتفض وثوب نافض ذهب بعض لونه من حمرة أو صفرة وقد نفض نفضل وحقيقته نفض صبغه والنفض عند الفقهاء التناثر وعن محمد أنه لا يتعدى أثر الصبغ إلى غيره أو يفوح منه رائحة الطيب ومنه قولهم ما لم يكن نفض ولا درع وقوله: (إلا أن يكون غسيلا لا ينفض) انتهى.
ولا يخفى أن هذا ليخفيه دلالة قاطعة على أنه معنى حقيقي بل مجازي لمن تأمل ثم قيل: يعني ينفض يتناثر قال العيني: وهذا أقرب لمادة اللفظ وقيل: يفوح والوجهان مرويان عن محمد واقتصر في (الخانية) لا على الثاني وهو الوجه لان المنع
стр. 528
وستر الوجه، والرأس، وغسلهما بالخطمي ومس الطيب،
ــ
ليس إلا للرائحة لا اللون بدليل لبس المصبوغ برغوة ثم رأيت في (المحيط) و (السراج) ما أنه الأفصح وفي (الخاطبة (لا ينبغي له أن يتوسد الثوب المصبوغ بالزعفران ولا أن ينام عليه.
(و) إتش أيضًا (ستر الرأس) والوجه لقوله- صلي الله علي وسلم- في المحرم الذي وقصته ناقته: (لا تخمروا رأسه (و) لا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) دل على أن للإحرام أثر في عدم تغطية (الوجه) غير أن أصحابنا قالوا: بتغطية وجه المحرم إذا مات لدليل آخر وهو ما روي أنه ﵇ (سئل عن محرم عامر بتخمير رأسه ووجهه) وإنما أمر بذلك لانقطاع الإحرام بالموت لقوله ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله لا) الحديث ولا شك أنه عمل قال بعض المتأخرين: وأما من وقصته ناقته فخص بقاء إحرامه فلذا نهاهم عن تخميرها وأراد سترو يعد تغطية لا ما لا يعد كحمل العدل والطبق والإجابة كذا في (الشرح)، ولا ينافيه ما في ما الثانية ما لو حمل المحرم على رأسه شيئا يلبسه الناس يكون لابسة وإن كان لا يلبسه الناس كالإهانة ونحوها لا يكون لابسة ويكره له تعصيب رأسه ولو فعل ذلك يوما أو ليلة كان عليه صدقة ولا شيء عليه لو عصب غيره من بدنه ولو لغير علة إلا أنه في هذه الحالة يكره.
(و) اتق أيضا (غسلهما) أي: الرأس والوجه وأراد به اللحية من إطلاق المحل على الحال بقرينة قوله: (بالخطمي) لأن الوجه لا يغسل به عادة وهو بكسر الخاء نبت قال الإمام: له رائحة طيبة وإن لم تكن زكية وقالا: بل يقتل الهوام ويليق الشاعر وأثر الخلاف لا يظهر في إنمائه للإجماع عليه بل في وجوب الدم عنده لا عندهما بل إنما تجب الصدفة والخلف إنما نشأ من الاشتباه فيه فهو لفظي كنكاح الصابئة ولذا قال بعضهم: لا خلاف في خطتي العراق لأن له رائحة طيبة كما لا خلاف في عدم وجوب الدم فيما لو غسل بالصابون والحرق أو الأشنان.
(و) اتق أيضًا (مس الطيب) وهو ما له رائحة طيبة كالزعفران والبنفسج والياسمين والغالية والورد والحرس لقوله- صلي الله عليه وسلم- (الحاج الشعث التفل) بكسر العين نعت وبفتحها مصدر وهو انتشار الشعر وتغيره لقلة تعهده والتفل بمثناة من التفل وهو ترك الطيب حتى توجد منه رائحة كريهة والمراد به استعماله في الثوب والبدن
стр. 529
وحلق رأسه، وقص شعره، وظفره لا الاغتسال، ودخول الحمام، والاستظلال بالبيت، والمحمل، وشد الهميان في وسطه، وأكثر التلبية متى صليت
ــ
حتى لو شمه كره فقط ولا شيء عليه كما في (الخانية) وغيرها وقالوا: لو ليس إزارًا مبخرًا لا شيء عليه لأنه ليس بمستعمل لجزء من الطيب وإنما حصل مجرد الرائحة ومن ثم قال في (الخانية) لو دخل بيتًا قد بخر فيه واتصل بثوبه شيء منه لم يكن عليه شيء.
(و) ليتق أيضًا (حلق الرأس) فيه التفات ظاهر (وقص شعره) أي: إزالته ولو بالقص والإحراق والنورة من أي مكان كان مباشرة أو تمكينًا وخص الحلق بالرأس والقص بالشعر لأنه المطلوب في حق غير المحرم لكنه منع منه لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، دل بعبادته على النهي عن حلق الرأس وبدلالته عن حلق شعر البدن قال الحلبي: ويستثنى من ذلك قلع الشعر النابت في العثن فقد ذكر بعض المشايخ أنه لا شيء فيه (و) قلم (ظفره) لأن في كل ذلك إزالة الشعث وقضاء التفث.
(لا) يتق (الاغتسال) لأنه- صلي الله عليه وسلم- (اغتسال وهو محرم) رواه مسلم (و) لا (دخول الحمام) لأنه عيه الصلاة والسلام (لما دخل الحمام في الجحفة قال: ما يعبأ الله بأوساخنا شيئًا) (و) لا (الاستظلال بالبيت) والفسطاط (والمحمل) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية وفيه العكس أيضًا لأنه- صلي الله عليه وسلم- (استتر من الحر حتى رمي جمرة العقبة) رواه مسلم وأبو داود ولابد لا يصيب وجهه ولا رأسه فإن أصاب واحد منها كره.
(و) لا يتق أيضًا (شد الهيمان في وسطه) بكسر الهاء من همي الماء والدمع يهمي هميًا إذا سأل سمي به لأنه يهمي ما فيه ما يجعل فيه الدراهم ويشد على الحقو وفتح الهاء فيه غلط لا فرق في ذلك بين نفقته ونفقة غيره وأشار إل أن له أيضًا شد المنطقة والسيف/ والسلاح، ولا يتق أيضًا الاكتحال بغير المطيب والاحتقان والفصد والحجامة وقلع الضرس وحك رأسه وبدنه لكن برفق إن خاف سقوط شيء من الشعر به، (وأكثر التلبية) ندبًا (متى صليت) فرضًا أو نفلاً في ظاهر الرواية وخصه الطحاوي بالفرائض المؤداة دون النوافل والفوائت إجراء لها مجرى تكبير التشريق
стр. 530
أو علوت شرفًا وهبطت واديًا، أو لقيت ركبًا وبالأسحار رافعًا صوتك،
ــ
(أو علوت) أي: صعدت (شرفًا) بفتحتين يعني مكانًا مرتفعًا وقيل: إنه بضم الشن جمع شرفة قال بعض المتأخرين: هذا غير مناسب لقوله: (أو هبطت واديًا) إنما المناسب من الأول انتهى. يعني ليتناسق المعطوف عليه إفرادًا إذا بتقدير الأول كان ينبغي أن يقول: أو هبطت أو دية يعني من الأمكنة العالية (أو لقيت ركبًا) وهو أصحاب الإبل في السفر ولا يطلق على ما دون العشرة وهذا خرج مخرج العادة وإلا فالحكم كذلك إذا لقي بعضهم بعضًا كما عبر به بعضهم.
(وبالأسحار) عطف على متى صليت أي: وفي وقت الأسحار قيل: لو قال: أو أسحرت لكان أولى وهو ظاهر وخص الأسحار لأن فيها يستجاب الدعاء فهذه مواضع خمسة كان- صلي الله عليه وسلم- يلبي فيها ذكره في (الإلمام) وفي رواية ابن أبي شيبه عن خثيمة: (كانوا يستحبون التلبية عند هذه المواضع وزاد أو إذا استقلت بالرجل راحلته) ولذا قال الشارح: وعند كل ركوب ونزول وكذا لو استعطف دابته وفي (البدائع) وغيرها وكذا عند استيقاظه من منامه وأخرج الحاكم عنه ﵇: (ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله) قال في (الفتح): وهذا دليل ندب الإكثار غير مقيد بتغير الحالات وندب أن يكررها كلمًا أخذ فيها ثلاث مرات ويأتي بها على الولاء ولا يقطعها بكلام ولو رد السلام في خلالها جاز لكنه يكره السلام عليه في هذه الحالة وإذا رأى ما يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة ثم يصلي على النبي- صلي الله عليه وسلم- سرًا ويدعو بما شاء من الأدعية وأن يتبرك بالمأثور فحسن (رافعًا صوتك) بها لقوله- صلي الله عليه وسلم-: (أتاني جبريل فأمرني أن أمر أصحابي في أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية) رواه أبو داود وغيره ولأنها من شعائر الحج والسبيل فيها الإظهار والإشهار كالأذان ونحوه ولا ينبغي أن يجهد نفسه كيلاً يتضرر ولا تنافي بين هذا وبين ما جاء (أفضل الحج العج والثج) أي: أفضل أفراد الحج حج يشتمل على هذا لا أفضل أفعاله إذ الطواف والوقوف أفضل منهما والعج رفع الصوت بالتلبية والثج إسالة الدم بالإراقة لأن الإنسان قد يكون جهوري الصوت طبعًا فيحصل الرفع العالي مع عدم نعيه به وهذا الحديث هو الصارف للأمر الأول عن الوجوب.
следующие страницы →