الركن السادس
الموالاة: وهذا هو الفرض السادس من فروض الوضوء, وهي أن يكون الشيء موالياً للشيء, أي عقبه بدون تأخير.
والقاعدة: ﴿أن كل العبادات البدنية المركبة من أجزاء فهذه لابد لها من الموالاة﴾.
من أمثلة ذلك:
التيمم: هذا عبادة بدنية مركبة من أجزاء مركبة لأنه عندنا الضرب على الأرض والثاني مسح الوجه, والثالث مسح اليدين, ثلاثة أجزاء لابد لها من الموالاة, فلا يصح أن يضرب على الأرض وبعد ساعة يمسح وجهه ويديه, لأنها عبادة بدنية مركبة من أجزاء فلابد من التوالي.
س٨٧: ما أدلة اشتراط الموالاة ؟
ج/ أدلة اشتراط الموالاة ما يلي:
أ- قوله تعالى في الآية - السابقة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَأغسلوا وُجُوهَكُمْ ... - الآية.
وجه الدلالة: أن جواب الشرط يكون متتابعاً لا يتأخر, ضرورة أن المشروط يلي الشرط.
ب- من السنة: أن النبي - توضأ متوالياً ولم يكن بفصل بين أعضاء وضوئه, وفي حديث أنس - - أن النبي - رأى رجلاً توضأ وترك على ظهر قدمه مثل موضع ظفر لم يصبه الماء فأمره أن يحسن الوضوء (١) - , وفي رواية - ارجع فأحسن وضوءك - (٢) , وعند الإمام أحمد - يعيد الوضوء - (٣).
س٨٨: من الحديثين السابقين ما الفرق بين إحسان الوضوء وإعادته ؟
ج/ الفرق بين اللفظين ظاهر إذا لم يُحمل أحدهما على الآخر أن الأمر بإحسان الوضوء أي إتمام ما نقص منه, وهذا يقتضي غسل ما ترك دون ما سبق, ويمكن حمل رواية مسلم على رواية أحمد, فلابد من إعادة الوضوء, ورواية أحمد سندها جيد قاله أحمد, وقال ابن كثير: حديثٌ صحيح.
ومن النظر: أن الوضوء عبادة واحدة فإذا فرّق بين أجزائها لم تكن عبادةَ واحدة.
س٨٩: ما ضابط الموالاة ؟
ج/ أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله, وتقييده بهذا أقرب إلى الضبط, ولكن يُستثنى من ذلك ما إذا فاتت الموالاة لأمر يتعلق بالطهارة كأن يكون بأحد أعضائه حائل يمنع وصول الماء كالبوية مثلاً إذا اشتغل بإزالته فإنه لا يضر, وكذلك لو نفذ الماء وجعل يستخرجه من البئر, أو انتقل من صنبور لآخر حتى ولو نشفت الأعضاء فإنه لا يضر.
أما إذا فاتت الموالاة لأمر لا يتعلق بالطهارة, كأن يجد على ثوبه دماً فيشتغل بإزالته حتى نشفت أعضاؤه فيجب عليه إعادة الوضوء لأن هذا لا يتعلق بطهارته.
стр. 37
- شروط الصلاة ثمانية -
أولاً: أن ينقطع ما يوجبه, أي ما يوجب الوضوء, فلو شرع في المضمضة مثلاً, وهو لا يزال يبول فمضمضته غير صحيحة.
س٩٠: ما المقصود بقولنا: ما يوجب الوضوء ؟
ج/ ما يوجب الوضوء المقصود به نواقض الوضوء, فلابد أن ينقطع ما يوجب الوضوء, ويستثنى من ذلك من كان عذره مستمراً كالمستحاضة ومن به سلس البول ونحو ذلك, فهذا له أن يشرع في الوضوء قبل انقطاع الخارج, لأنه حدثه مستمر.
ثانياً: النية, وهي لغة بمعنى القصد, والنية شرطٌ في جميع العبادات, لابد أن ينوي أنه يتوضأ تعبداً لله, لأنه قد يتوضأ إما للنظافة أو بقصد التعلم والتعليم, فلابد من النية التي تميز هذه الأفعال بعضها عن بعض, والنية شرطٌ لصحة العمل وقبوله وإجزائه, لقوله - - إنما الأعمال بالنيات (١) - , والنية محلها القلب, لأنها من أعمال القلوب وليست من أعمال الجوارح.
س٩١: ما حكم التلفظ بالنية ؟
ج/ التلفظ بالنية بعدة, وقد اختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن التلفظ بالنية بدعة لم يفعله الرسول - , وقال ابن القيم ﵀: (ولم يكن يقول في أوله نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة لا هو ولا أحد من أصحابه البتة, ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا بإسناد صحيح ولا ضعيف) (٢).
ثالثاً: الإسلام.
رابعاً: العقل.
خامساً: التمييز.
وهذه الشروط أي الإسلام والعقل والتمييز يلزم توفرها في كل عبادة إلا التمييز في الحج فلا يشترط.
س٩٢: ما الحكم لو توضأ الكافر أو الصغير أو المجنون ؟
ج/ إذا توضأ الكافر أو الصغير أو المجنون فلا يصح منه ذلك, ووضوءه غير صحيح, بمعنى لو توضأ الكافر ثم أسلم فلابد من إعادة الوضوء, ولو توضأ الصغير ثم بلغ فلابد من إعادة الوضوء, ولو توضأ المجنون ثم أراد الله وعقل فإن هذا الوضوء لا يصح فلابد من إعادته.
стр. 38
س٩٣: ما حد التمييز ؟
ج/ على خلاف والأقرب أن ذلك راجع للحال فإذا فَهمَ الخطاب وردَّ الجواب فهو مميز.
سادساً: أن يكون الماء طهوراً, فالماء النجس لا يصح الوضوء به ولا يرفع الحدث.
س٩٤: هل يشترط أن يكون الماء مباحاً ؟
ج/ لا يشترط ذلك, وعلى هذا لو توضأ الإنسان بالماء المغصوب أو المسروق أو المختلس فوضوءه صحيح على الراجح من أقوال أهل العلم, لأن النهي لا يوجه إلى ذات المنهي عنه, بل لأمر خارج وهو السرقة ونحوها, لكنه يأثم بفعله ولا شك.
سابعاً: إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة كالطين والعجين والبوية, ومثل ذلك المناكير الآن نحو ذلك, ليحصل الإسباغ المأمور به شرعاً.
ثامناً: الاستجمار قبل أن يشرع في الوضوء.
س٩٥: هل يجوز لشخص إذا أحدث أن يتوضأ للصلاة ثم بعد ذلك يستنجي أو يستجمر, أم لابد الاستنجاء أو الاستجمار بعد خروج النجاسة قبل الوضوء ؟
ج/ الراجح أنه لا يُشترط البدء بالاستنجاء أو الاستجمار.
وإنما يقال ذلك إذا كان الإنسان في حالة السعة فإننا نأمره أولاً بالاستنجاء ثم بالوضوء, وبناءً على ذلك فمن خرج منه نجاسة فلا حرج أن يتوضأ للصلاة أولاً ثم بعد ذلك يستنجي هذا هو الراجح, لقول النبي - كما في حديث علي - قال: كنت رجل مذاءً, فاستحييتُ أن أسأل رسول الله - لمكان ابنته مني, فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال - يغسل ذكره, ويتوضأ - (١) , وفي رواية - توضأ, وأغسل ذكرك (٢) - , فقوله في هذه الرواية توضأ وأغسل ذكرك دليل على أنه لا بأس أن يقدم الوضوء على الاستنجاء والاستجمار, قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (فيجوز تقديم غسله على الوضوء وهو أولى, ويجوز تقديم الوضوء على غسله) (٣).
وأما إذا نسي أو كان جاهلاً, فإنه لا يجسر الإنسان على إبطال صلاته أو أمره بإعادة الوضوء والصلاة.
مسألة:
عقد المصنف رحمه الله تعالى بعد ذلك فصلاً للنية حيث قال (فالنية هنا قصد رفع الحدث ..).
وهنا مسائل منها:
س٩٦: هل لابد أن ينوي بوضوءه رفع الحدث أم يكفي أن ينوي الطهارة لما تجب له ؟
стр. 39
ج/ يقال النية لها ثلاث صور:
١ - أن ينوي رفع الحدث وهذا ظاهر.
٢ - أن ينوي الطهارة لما تجب له الطهارة, كما لو نوى بوضوئه مس المصحف.
٣ - أن ينوي الطهارة لما يسن له الطهارة, كالوضوء لقراءة القرآن عن ظهر قلب.
ففي هذه الثلاث صور يرتفع حدثه, فمتى نوى شيئاً من هذه الثلاث صور فإن حدثه يرتفع.
س٩٧: ما المواضع التي يستحب لها الطهارة ؟
ج/ الطهارة مستحبة في المواضع الآتية:
١ - عند قراءة القرآن, وهذا إذا كان يقرأ القرآن عن هر قلب أما إذا كان سيمس المصحف فلابد من الطهارة.
٢ - عند الذكر, لما ورد عن المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي - وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه وقال - إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة - (١).
٣ - عند الدعاء, لما ورد أن النبي - دعاء بوضوء ثم رفع يديه فقال - اللهم اغفر لعبيد أبي عامر - (٢).
٤ - عند الآذان, قال في الإنصاف: (تستحب الطهارة للآذان وهذا بلا نزاع من حيث الجملة ولا تجب الطهارة الصغرى له بلا نزاع) (٣).
٥ - عند النوم, لما ورد في حديث البراء بن عازب أن النبي - قال - إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوؤك للصلاة .. الحديث - (٤).
٦ - عند الغضب, لما ورد في حديث عطية السعدي - وقد كان له صحبة أن النبي - قال - إن الغضب من الشيطان, وإن الشيطان خلق من النار, وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ - (٥).
٧ - ذكر ابن القيم مشروعية الوضوء بعد المعصية, وذكر حديث عن أبي بكر - ما من مسلم يذنب ذنبا إلا غفر الله له ذنبه (٦) -.
س٩٨: إذا شرع في الوضوء ثم شك هل نوى الوضوء أم لا ؟
ج/ لا يلتفت إلى ذلك لأن الشك لا يلتفت إليه في ثلاث مواضع هي:
стр. 40
١) إذا كان بعد الفراغ من العبادة فلا يؤثر الشك هنا إلا مع اليقين, فإذا تيقن بنى على يقينه, فإذا كان الشك له حظ من النظر كمن وجد بقعة جافة لم يصلها الماء وقد شك هل غسلها أم لا؟ فإنه يغسل هذا العضوء وما بعده.
٢) إذا كثر مع الإنسان, وهذا هو ما ابتلى به كثير من الموسوسين, فنجد أن الواحد منهم لا يعمل عملاً إلا وشك في أصل نيته, ثم يشك في أثناء العبادة, ويشك كذلك بعد الفراغ من العبادة, فتحاصره الشكوك من كل جانب, فالواجب عليه ألا يلتفت إلى ذلك.
٣) إذا كان وهماً لا حقيقة له فإنه لا يلتفت إليه.
وبناءً على ذلك فمن شرع في الوضوء ثم شك هل نوى أم لا؟ فإنه يستمر في وضوءه ولا شيء عليه, لأن من عمل شيئاً فقد نواه, فالنية أمرها سهل بحمد الله تعالى فهو من حين مجرد قيامه للوضوء وهو في نية الوضوء.
س٩٩: إذا شك بعد الفراغ من العبادة هل يلتفت إلى هذا الشك أم لا ؟
ج/ تقدم أنه من المواضع التي لا يلتفت فيها إلى الشك, الشك بعد الفراغ من العبادة, وهنا قاعدة تقول ﴿قطع نية العبادة بعد فعلها لا يؤثر﴾ , وكذلك الشك بعد الفراغ من العبادة سواء كان الشك في النية أو أجزاء العبادة فلا يؤثر إلا مع اليقين.
مثال ذلك:
رجل بعد أن صلى الظهر قال: لا أدري هل نويتها ظهراً أو عصراً؟ شكاً منه, فلا عبرة بهذا الشك ما دام أنه داخل على أنها الظهر, ولا يؤثر الشك بعد ذلك, ومما أنشد في هذا:
والشك بعد الفعل لا يؤثر ... وهكذا إذا الشكوك تكثر
لكن كما تقدم إذا تيقن بعد الشك فإنه يبني على يقينه.
س١٠٠: إذا كان الشك في أثناء العبادة ؟
ج/ الراجح أنه لا يلتفت إلى ذلك أيضاً, لأن الشك في هذه الحالة لا وجود له, لأن الإنسان إذا قام إلى الماء ليتوضأ فهذه هي النية التي يستطيع الفكاك عنها.
س١٠١: إذاً متى يعتبر الشك ؟
ج/ إذا كان الشك حقيقياً, ولم ينتج عن كثرة الشكوك وحصل قبل أن يفرغ من العبادة.
فإذا كان في أثناء الوضوء وشك هل غسل وجهه أم لا؟ وكان الشك حقيقياً ففي هذه الحال إن ترجح عنده أنه غسل اكتفى بذلك, وإن لم يترجح عنده أنه غسله وجب عليه أن يبني على اليقين وهو العدم,
стр. 41
أي أنه يغسل ذلك العضو الذي شك فيه فيرجع إليه ويغسله وما بعده, وإنما أوجبنا عليه أن يغسل ما بعده مع أنه قد غُسل من أجل الترتيب, وتقدم وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء وأدلة ذلك.
стр. 42
- صفة الوضوء -
س١٠٢: ما صفة الوضوء ؟
ج/ صفة الوضوء هي:
أولاً: النية والنية شرط لقوله - - إنما الأعمال بالنيات - (١).
ثانياً: ثم يسمّي, والصحيح أن التسمية سنّة وليست بواجبة كما سبق (٢).
ثالثاً: غسل الكفين, وهو سنة وليس بواجب, والدليل على ذلك قوله تعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ - (٣) الآية, فبدأ بغسل الوجه, فدّل على أن غسل الكفين في أول الوضوء ليس بواجب ولو كان غسل الكفين واجباً لذكر غسل الكفين أولاً, والدليل على سنية فعل النبي - - فإنه إذا أراد أن يتوضأ غسل كفيه ثلاثاً) (٤).
س١٠٣: ما حكم غسل اليدين " الكفين " للقائم من النوم ؟
ج/ فيه خلاف, والراجح قول الإمام أحمد أنه واجب يأثم الإنسان بتركه, وهذا إذا أراد الإنسان أن يغمسهما في الإناء, والدليل قول النبي - - إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده - (٥).
وهو واجب فقط عند الاستيقاظ من نوم الليل, أما نوم النهار فلا يجب غسل اليدين منه, لقول النبي - - باتت يده - والبوتة إنما تكون في الليل.
وقد ورد في سنن أبي داود بإسناده على شرط مسلم - إذا استيقظ أحدكم من الليل .. - فهنا التصريح بلفظ ... - الليل -.
رابعاً: المضمضة والاستنشاق, وقد تقدمت الأدلة التي تدل على وجوب المضمضة والاستنشاق (٦).
س١٠٤: ما كيفية المضمضة ؟
ج/ المضمضة لها كيفيتان:
стр. 43
١ - الكيفية الواجبة: وهي أن يدير الماء في فمه أدنى إدارة, وهذا يسقط به الواجب.
٢ - الكيفية المستحبة: وهي أن يدير الماء في جميع فيه (فمه).
ومن السنة عدم الفصل بين المضمضة والاستنشاق فيأخذ لهما غرفة واحدة, قال النووي كما في شرح مسلم (لم يثبت في الفصل حديث أصلاً بل الصواب تفضيل الجمع للأحاديث الصحيحة المتظاهرة وليس لها معارض) (١).
س١٠٥: هل يجب على من أراد الوضوء أن يزيل الأسنان المركبة إذا كانت تمنع وصول الماء إلى ما تحتها أم لا يجب ؟
ج/ الظاهر أنه لا يجب وهذا يشبه الخاتم, والخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء, بل الأفضل أن يحركه لكن ليس على سبيل الوجوب, لأن النبي - كان يلبسه (٢) , ولم ينقل عنه أنه كان يحركه عند الوضوء, وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان, لا سيما أنه يشق نزع هذه التركيبة عند بعض الناس.
س١٠٦: ما كيفية الاستنشاق ؟
ج/ الاستنشاق له كيفيتان:
١. كيفية واجبة: وهي أن يجذب الماء إلى داخل الأنف.
٢. كيفية مستحبة: وهي أن يجذب الماء إلى أقصى الأنف.
س١٠٧: ما حكم الانتثار بعد الاستنشاق ؟
ج/ حكمه سنة فلو استنشق ولم ينتثر صح ذلك, مع أنه ورد بلفظ الأمر كما في حديث أبي هريرة - أن النبي - قال - إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر ... الحديث (٣) - , والأمر للوجوب, لكن قلنا بسنيته لأن هناك صارف يصرفه من الوجوب إلى السنية, والصارف هو أن الاستنصار لتحصيل كمال لأن تطهير الأنف حصل بالاستنشاق.
س١٠٨: هل يجب الاستنشاق عند القيام من النوم ؟
ج/ الأقرب أنه لا يجب لكنه سنة, لحديث أبي هريرة - - إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنصر ثلاث مرات, فإن الشيطان يبيت على خياشيمه - (٤) والصارف عن الوجوب مع أنه ورد بلفظ الأمر
стр. 44
حديث ابن عباس ﵄ في منامه عند خالته ميمونة فقد قام النبي - وتوضأ ومع ذلك لم يذكر ابن عباس أن النبي - استنصر (١) فهذا هو الصارف, يتأكد ذلك في حق الحائض إذا استيقظت لكونها لا تتوضأ.
خامساً: غسل الوجه, بدليل قوله تعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... - (٢) , السنة أن يبدأ بالمضمضة والاستنشاق ولا يفصل بينهما ويكونان بغرفة واحدة ثمّ يغسل وجهه, وهذا الترتيب هو السنة, بدليل حديث عثمان وفيه - ثم المضمضة واستنشق واستنثر, ثم غسل وجهه ثلاثاً - (٣) , ولو أنه قدّم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق فلا بأس, لأن المضمضة والاستنشاق من الوجه, لكن ذلك خلاف الأولى.
س١٠٩: ما حد الوجه طولاً وعرضاً ؟
ج/ تقدم بيان ذلك.
س١١٠: إذا شرع المتوضئ في غسل الوجه في الوضوء فهل الأفضل أن يبدأ من أعلى الوجه أم من الأسفل ؟
ج/ الأفضل أن يبدأ من الأعلى ثم يحدره, لفعله - , ولأن أعلى الوجه أشرف, وليجري الماء بطبعه.
س١١١: ما هي أقسام الشعر بالنسبة للطهارة ؟
ج/ الشعر بالنسبة للطهارة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما يجب غسله ظاهراً وباطناً, وهذا في الغسل الواجب كغسل الجنابة أو الحيض أو النفاس, فيجب غسل الشعر ظاهراً وباطناً سواءً كان الشعر كثيفاً أو خفيفاً, لحديث عائشة ﵂ قالت - ثم يخلل شعره بيده حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته, أفاض الماء عليه ثلاث مرات - (٤).
كذلك الشعر الخفيف يجب غسله ظاهراً وباطناً في الوضوء, كما لو كان شعر اللحية خفيفاً كما لو كان يُرى الجلد من ورائها, وكذلك الحواجب والشارب والعُنفقة, والعُنفقة هي الشعر الذي يكون تحت الشفة السفلى بين الشفة السفلى واللحية وهذه تابعة للّحِيَة فلا يجوز حلقها.
القسم الثاني: ما يجب غسله ظاهراً ولا يجب غسله باطناً.
وهذا يكون في الشعر الكثيف في الوضوء كاللحية الكثيفة, لكن يستحب أن يخللها أحياناً, وسيأتي معنى التخليل إن شاء الله تعالى (٥).
стр. 45
القسم الثالث: ما لايجب غسله لا ظاهراً ولا باطناً وهذا في التيمم.
سادساً: غسل اليدين مع المرفقين, وأدلة ذلك:
قوله تعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (١) - ويدخل في ذلك غسل المرفقين وقد تقدم بيان هذه المسألة (٢).
ملاحظة:
لابد عند غسل اليدين البدء من أطراف الأصابع, لأن بعض الناس يبدأ عند غسل اليدين من مفصل الكف اكتفاءً بغسل الكفين في أول الوضوء, وهذا خطأ لأن غسل الكفين في أول الوضوء سنَة إلا للقائم من نوم الليل كما تقدم.
س١١٢: لو توضأ إنسان وفي عضو من أعضاءه ما يمنع وصول الماء إلى البشرة ولم يزله ناسياً ولم يتذكر إلا بعد فاصل طويل عرفاً, ومثل ذلك الغسل فعل يعذر بنسيانه أو جهله أم لا ؟
ج/ يقال لا يعذر بنسيانه ولا بجهله لأن هذا من باب المأمورات, والقاعدة في ذلك ﴿أن باب المأمورات لا يعذر فيه الإنسان بالجهل والنسيان﴾ , وبناء على هذا يؤمر من فعل ذلك بإعادة الغسل والوضوء وإعادة الصلوات التي صلاها وهو على هذه الحال.
س١١٣: ما الحكم لو كان الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة يسيراً ؟
ج/ إذا كان يسيراً فإنه يعفى عنه, والمرجع في ذلك إلى العرف, قال شيخ الإسلام ﵀: (منع يسير وسخ في ظفر ونحوه وصول الماء صحت الطهارة وهو وجه لأصحابنا, ومثله كل يسير منع وصول الماء حيث كان كدم وعجين) (٣).
وأما بالنسبة للحنا فعرض لا جرم له فلا يمنع الوضوء.
سابعاً: ثم يمسح جميع ظاهر رأسه من حد الوجه إلى ما يسمى قفا, والبياض فوق الأذنين منه, لقوله تعالى - وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ -.
س١١٤: هل يمسح جميع رأسه أم بعضه ؟
ج/ الراجح وجوب مسح جميع الرأس, وقد تقدم بيان هذه المسألة.
أما الظفائر وما استرسل من الشعر فهذا لا يجب مسحه.
стр. 46
س١١٥: ما كيفية مسح الرأس ؟
ج/ السنة إذا أراد الإنسان أن يمسح يبدأ من المقدمة (من حد الوجه) وتقدم حد الوجه أنه من منابت الشعر المُعتاد, ثم يذهب بيده إلى قفاه " إلى مؤخرة رأسه " ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه هذا هو السنة.
والدليل على ذلك: ما ثبت من حديث عبد الله بن زيد - أن النبي - بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردّهما إلى المكان الذي بدأ منه - (١) , وهل الأذنان من الرأس أم لا؟ تقدم بيان ذلك.
ملاحظة:
بعض النساء تقول أنني إذا رددت يدي إلى المقدمة يثور الشعر, وقد تكون تهيأت لمناسبة ونحو ذلك, فيقال ليس بلازم أن تردهما إلى المكان الذي بدأت منه, فيجزئ في ذلك أن تبدأ من مقدم الرأس ثم تذهب بهما إلى قفاها, أما كونها ترجعهما إلى مقدمة الرأس مرة ثانية على سبيل الاستحباب, وكل ما في الأمر إن لم تفعل ذلك فقد تركت السنة, والمؤمل في طالبة العلم أن تحرص على تطبيق السنة.
تنبيه:
لو أن المراة لفت شعر رأسها فوق الرأس فإنها لا يجب عليها أن تنقضه بل تمسح عليه. وكذلك لو كان على رأسها حلي أو حناء أو متشابك أو لفافات الشعر, فإنه لا يلزمها أن تنزع ذلك إذا أرادت أن تمسح رأسها في الوضوء.
س ١١٦: ما كيفية مسح الأذنين ؟
ج/ أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه " أي فتحات الأذن " وظاهر الأذنين بالإبهامين, قال ابن القيم ﵀: (وكان يمسح أذنيه مع رأسه, وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما " (٢).
أما الغضاريف فلا يجب مسحهما, لكن بعض العلماء قال إن تنظيفهما في بعض في بعض الأحيان من سنن الفطرة, وإنما قيل باستحباب تنظيفهما إلحاقاً لها بالراجم كما دل لذلك حديث عائشة ﵂ أن النبي - قال - عشر من الفطرة .. وذكر منها غسل البراجم .. - (٣) , والبراجم هي عقد الأصابع, وأيضاً لعموم أدلة التنظيف.
س١١٧: هل يأخذ ماءً جديداً لمسح الأذنين ؟
ج/ ليس من السنة أخذ ماء جديد للأذنين, لقوله - - الأذنان من الرأس - (٤) وبناء على هذا فيمسحهما بما فضل من ماء اختيار شيخ الإسلام (٥) وابن القيم (٦) ورأي أبي حنيفة (٧) , وأيضاً لم يثبت أن النبي - أخذ ماء جديد للأذنين الرأس, وهذا غير الماء الذي مسح به رأسه.
стр. 47
قال ابن القيم في الهدي: (لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديداً وإنما صح ذلك عن ابن عمر) , وفي مجموع الفتاوى لابن عثيمين ﵀ قال: (لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين, بل ولا يستحب على القول الصحيح, لأن جميع الواصفين لوضوء النبي - لم يذكروا أنه كان يأخذ ماءً جديداً لأذنيه, فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه) (١).
ثامناً: غسل الرجلين مع الكعبين, وقد تقدم بيان أدلة وجوب غسل الرجلين.
س١١٨: هل يجب غسل الكعبين ؟
ج/ الصحيح أنه يجب كما قلنا في المرفقين وقد تقدم ذكر هذه المسألة.
стр. 48
- سنن الوضوء -
س١١٩: ما سنن الوضوء ؟
ج/ سنن الوضوء هي:
أولاً: استقبال القبلة, حيث يرى المصنف ﵀ أن استقبال القبلة الوضوء من السنن, والراجح في ذلك عدم استحباب ذلك, لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل ولا دليل هنا.
ثانياً: السواك, يتأكد عند الوضوء وقد تقدم بيان هذه المسالة في باب السواك.
ثالثاً: غسل الكفين ثلاثاُ, هذا باتفاق أهل العلم, بدليل فعل النبي - فإنه إذا أراد أن يتوضأ غسل كفيه ثلاثاً (١) , ولأن الكفين آلة الوضوء فينبغي أن يبدأ بغسلهما قبل كل شيء حتى تكونا نظيفتين, وهذا في غير القائم من نوم الليل, لأن القائم من نوم الليل يجب عليه أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يشرع في الوضوء كما تقدم.
س١٢٠: إذا قام من نوم الليل وغسل يديه ثلاثاً للقيام من النوم إذا أراد الوضوء يسن له يغسل يديه ثلاثاً مرة أخرى أم لا ؟
ج/ الظاهر الاكتفاء بغسلهما عند الاستيقاظ فيدخل المندوب في الواجب, قال الشيخ عبدالرحمن بن حسن: (الظاهر الاكتفاء بغسلهما عند الاستيقاظ فيدخل المندوب في الواجب تبعاً كما يدخل غسل الجمعة في الغسل الواجب ونظائره كثيرة) (٢) , وهذا من التداخل في العبادات.
والقاعدة الشرعية تقول ﴿أن كل عبادتين اتحدتا في الجنس ولم تكن إحداهما مقصودة لذاتها وعينها فإنها تدخل في الأخرى﴾.
فغسل اليدين في ابتداء الوضوء ثلاثاً ليست مقصودة لذاتها وإنما لمجرد النظافة, فإذا غسل كفيه للقيام من نوم الليل أجزاء عن استحباب غسل الكفين ثلاثاً في بداية الوضوء.
ومن أمثلة ذلك أيضاً:
تحية المسجد والراتبة وسنة الوضوء هذه تتداخل, فلو أن إنساناً توضأ ودخل المسجد قبل صلاة الظهر وصلى على أنها راتبة تكفي عن تحية المسجد وتكفي عن سنة الوضوء أيضاً.
стр. 49
رابعاً: من السنة أن يبدأ الإنسان بالمضمضة والاستنشاق ثم يغسل وجهه, هذه السنة ولو عكس فلا بأس, وقد تقدم بيان ذلك.
خامساً: المبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم, بدليل قول النبي - للقيط بن صبرة - أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً - (١) , وعلة النهي عن المبالغة في المضمضة والاستنشاق للصائم, لأنها مظنّة أن يذهب شيء إلى جوف الإنسان, والنهي عن ذلك يشمل صيام الفرض والنفل كذلك.
سادساً: المبالغة في غسل سائر الأعضاء مطلقاً, لقوله - في الحديث المتقدم - أسبغ الوضوء - , قال ابن عمر: الإسباغ الإنقاء.
فائدة:
يجب على المسلم أن يحذر وساوس الشيطان وأن يلتزم السنة في ذلك, لأن بعض الناس يسرف في استخدام الماء في وضوئه فيداخله الشيطان, ثم ينتقل الأمر إلى مسألة الوسواس فيصعب عليه التخلص بعد ذلك, فعلى الإنسان أن يلزم السنة بدعوى تطبيق سنة المبالغة في غسل سائر الأعضاء فيقع الوسواس. قال ابن القيم ﵀ (٢) (لم يزد على ثلاث, بل أخبر أن " من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم " , فالموسوس مسيء متعد ظالم بشهادة رسول الله - فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به متعد فيه لحدوده؟ ".
سابعاً: تخليل اللحية الكثيفة, لحديث أنس أن النبي - كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال - هكذا أمرني ربي (٣) - , وعن عثمان - - أن النبي - كان يخلل لحيته - (٤).
س١٢١: ماكيفية تخليل اللحية الكثيفة ؟
ج/ أنه يأخذ كفاً من ماء ثم يضعه تحت حنكه ثم يخلل لحيته ثم يأخذ كفاً آخر ويفرك به جانبي اللحية.
س١٢٢: هل كان النبي - يخلل لحيته دائماً ؟
ج/ لا, بل أحياناً فالتخليل يستحب أحيانا وليس ذلك على سبيل الدوام, قال ابن القيم ﵀ (كان النبي - يفعله أحيانا ولم يواظب عليه) (٥).
стр. 50
ثامناً: تخليل الأصابع, أي تخليل أصابع اليدين والرجلين وهو في الرجلين آكد لحديث لقيط السابق - أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً - , ولحديث - توضأت فخلل بين أصابعك - (١).
قال ابن القيم ﵀ (وحديث المستورد بن شداد قال: رأيت النبي - إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره (٢) , وهذا إن ثبت فإنما كان يفعله أحياناً, ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والربيع وغيرهم, على أن في إسناده عبدالله بن لهيعة) (٣).
س١٢٣: ما كيفية تخليل الأصابع ؟
ج/ أما بالنسبة لأصابع اليدين فهو: أن يدخل أصابع يديه في بعض كالتشبيك ويحركهما. أما بالنسبة لأصابع الرجلين فإنه يدلك أصابع رجليه بخنصره اليسرى.
تاسعاً: التيامن, فهو من سنن الوضوء وهو خاص بالأعضاء الأربعة فقط وهما اليدان والرجلان, يُبدأ باليد اليمنى ثم اليسرى, والرجل اليمنى ثم اليسرى, أما الوجه فالنصوص تدل على أنه يُغسب مرة واحدة ومعنى ذلك أنه لا يغسل الجانب الأيمن أولاً ثم الأيسر وإنما يغسله مرة واحدة وكذلك الرأس, والأذنان يمسحان مرة واحدة لأنهما عضوان عن عضو واحد فهما داخلان في مسح الرأس.
والدليل على استحباب التيامن: أنه - - كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وفي شأنه كله - (٤) , وللقاعدة ﴿أن ما كان من باب التشريف والتكريم فإنه يندب فيه التيامن, وما كان بضده يندب فيه التياسر﴾ , وبناء على هذا فالسنة أن يقدم اليد اليمنى على اليد اليسرى, وأن يقدم الرجل اليمنى على الرجل اليسرى في الغَسل.
ولو قدم اليد اليسرى على اليد اليمنى فلا بأس, لأن اليدين عضو واحد, وكذلك الرجلين فمن قدم غسل اليسرى على اليمنى فلا بأس, ووضوءه صحيح لكن هذا خلاف السنة.
س١٢٤: هل من السنة مجاوزة محل الفرض, كأن يغسل العضد بعد غسل اليد أو الساق بعد غسل الرجل أم لا ؟
ج/ هذا ليس من السنة, قال ابن القيم ﵀: (ولم يثبت أنه تجاوز المرفقين والكعبين, ولكن كان أبو هريرة يفعل ذلك ويتأول حديث إطالة الغرة, وأما حديث أبي هريرة في صفة وضوء النبي - أنه غسل يديه حتى أشرع في العضدين ورجليه حتى أشرع في الساقين فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في
стр. 51
الوضوء ولا يدل على مسألة الإطالة) (١) , وفي إغاثة اللهفان ذكر الخلاف على قولين, واستدل لكل منهما, وذكر عدم الاستحباب هو اختيار شيخه ابن تيمية ﵀ (٢).
عاشراً: والغسلة الثانية والثالثة, فقد ورد البخاري أن النبي - توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثاً ثلاثاً (٣) ,*.
س١٢٥: ما صفات الوضوء الواردة في السنة ؟
ج/ الوضوء ورد على أربع صفات هي:
الصفة الأولى: أن يتوضأ مرة مرة, يعني يغسل كل عضو مرة واحدة وليس المقصود غرفة واحدة لأنه قد لا يبلغ العضو بغرفة واحدة, فالمقصود غسل العضو مرة واحدة سواء بغرفة أو غرفتين أو أكثر.
الصفة الثانية: أن يتوضأ مرتين مرتين.
الصفة الثالثة: أن يثلث يغسل كل عضو ثلاث مرات.
الصفة الرابعة: أن يخالف بين أعضاء الوضوء, وهذه الصفة ثبتت في حديث عبدالله بن زيد وفيه - .. فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات, ثم أدخل يده في التور فغسل وجهه ثلاثاً, ثم أدخل يده فغسلهما مرتين إلى المرفقين, ثم أدخل يده فمسح بهما رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة, ثم غسل رجليه - (٤) , والسنة أن يعمل بهذه الصفات جميعاً, قال ابن القيم ﵀ (بل السنة أن يتوضأ أحياناً مرة مرة وأحياناً مرتين مرتين, وأحياناً يخالف) , وللقاعدة عند شيخ الإسلام (أن السنة إذا تعددت فالسنة أن يأتي بهذا مرة وبهذه مرة) (٥).
ومما يلزم التنبيه عليه:
أن مسح الرأس إنما يكون مرة واحدة في كل الصفات السابقة.
س١٢٦: ما صفة المخالفة ؟
ج/ صفتها أن يغسل الوجه ثلاثاً, واليدين على مرتين, والرجلين على مرة واحدة, كما ثبت ذلك في حديث عبدالله بن زيد المتقدم, قال ابن القيم ﵀ (وأحياناً يخالف فيغسل الوجه ثلاثاً, واليدين مرتين, والرجلين مرة) (٦).
стр. 52
س١٢٧: ما فائدة العمل بالسنة إذا تعددت ؟
ج/ لهذا أربع فؤائد هي:
١ - العمل بالسنة.
٢ - إحياء السنة.
٣ - نقل العبادة من كونها عادة إلى عبادة, أي أنه يستحضر العبادة.
٤ - أنه أخشع للقلب, لأنه أستحضر العبادة وانتقل من العادة إلى تدبر العبادة.
وتطبيق السنة دليل على محبة العبد للنبي - , لأن في هذا دليل على اقتفاء الأثر, وتتبع سنة الرسول - , ولذلك يبدو أن من أعظم أسباب فقد جوهر العبادة وروحها إنما هو بسبب أننا اعتمدنا على صفة معينة, وأهملنا باقي السنن سواء كان ذلك في الطهارة أو في باب الصلاة.
الحادي عشر: استصحاب النية إلى آخر الوضوء حتى تكون أفعاله مقرونة بالنية.
س١٢٨: ما حالات النية بالنسبة للاستصحاب ؟
ج/ النية لها أربع حالات باعتبار الاستصحاب هي:
الأولى: أن يستصحب ذكرها من أول الوضوء إلى آخره, وهذا أكمل الأحوال.
الثانية: أن تعزب عن خاطره لكنه لم ينوِ القطع, وهذا يسمى استصحاب حكمها, أي بنى على الحكم الأول واستمر عليه, وهنا عبادته صحيحه.
الثالثة: أن ينوي قطعها أثناء العبادة, فلو نوى وهو يتوضأ مثلاً قطع النية, فلا يصح وضوئه لعدم استصحاب الحكم لقطعه النية أثناء العبادة.
الرابعة: أن ينوي عدم الطهارة بعد انتهائه من جميع أعضاءه, فهذا لا ينتقض وضوئه لأنه وجد الفعل, وهكذا كل عبادة نوى قطعها بعد الانتهاء منها فإنها لا تنقطع وعبادته صحيحة.
الثاني عشر: من السنة القول بعد الوضوء, ما ورد في الحديث - أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله, اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين, فإن من أسبغ الوضوء ثم قال هذا الذكر فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء - (١) رواه الترمذي ورواه أيضا مسلم دون قوله - اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين - , ويقول أيضاً ما ورد - سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك (٢) -.
стр. 53
س١٢٩: ما حكم رفع البصر إلى السماء عند ذكر الدعاء الوارد بعد الوضوء ؟
ج/ ورد عن النبي - من حديث عمر أن النبي - قال - من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء - (١) ولكن هذا الحديث ضعيف وفي سنده مجهول, وبناء على هذا فالصحيح عدم رفع البصر إلى السماء حال قول هذا الذكر.
س١٣٠: ما حكم تحريك السبابة أو استقبال القبلة إذا أراد التشهد بعد الانتهاء من الوضوء ؟
ج/ هذه الأشياء لا أصل لها, ولم يرد فيها دليل, فعلى هذا فهي ليست بمشروعة, فإذا انتهى الإنسان من الوضوء دعا على أي جهة كان ولا يرفع إصبعه لذلك.
س١٣١: هل يشرع للمتوضئ تنشيف الأعضاء بعد وضوءه ؟
ج/ قال ابن القيم ﵀ (ولم يكن النبي - يعتاد تنشيف أعضائه بعد الوضوء ولا صح عنه ذلك في حديث البتة, بل صح عنه خلافه) (٢) , وفي مجموع فتاوى العثيمين (تنشيف الأعضاء لا بأس به لأن الأصل عدم المنع, والأصل فيما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحل والإباحة حتى يقوم دليل على المنع) ثم أجاب عن حديث ميمونة حينما أتته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده (٣) فقال (هذا الفعل من النبي - يحتمل أنه فضية عين تحتمل عدة أمور: إما لأنه لسبب في المنديل .. أو يخشى أن يبله الماء ..) (٤).
س١٣٢: ما حكم إعانة المتوضئ في الوضوء ؟
ج/ يشرع للإنسان أن يتولى غسل أعضائه بنفسه بل ذكر بعض أهل العلم أنه يكره أن يتولى غير المتوضئ ذلك لغير الحاجة (٥) , أما صب الماء عليه فقد قال ابن القيم ﵀ في الزاد: (ولم يكن من هديه - أن يُصب عليه الماء كلما توضأ, ولكن تارة يصب على نفسه وربما عاونه من يصب عليه أحياناً كما في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أنه صب عليه في السفر لما توضأ) (٦) , ولكن ذلك في الأصل مباح, وأما تقريب وضوئه فلا بأس به ولا يقال إنه خلاف الأولى.
стр. 54
- باب المسح على الخفين -
س١٣٣: ما تعريف المسح في اللغة والاصطلاح ؟
ج/ المسح في اللغة: الإمرار.
اصطلاحاً: التعبد لله بإمرار اليد المبلولة على الخفين وما يلحق بهما.
س١٣٤: ما الفرق بين الخفاف والجوارب ؟
ج/ الخفان: تثنية خف, وهو ما يستعمل للرَّجل من الجلد.
والجوارب جمع جورب, وهو ما يستعمل للرجل من غير الجلد كالصوف والقطن أو الكتان ونحو ذلك.
س١٣٥: ما حكم المسح على الخفين؟ وما دليل ذلك ؟
ج/ المسح على الخفين جائز باتفاق أهل السنة والجماعة, وخالف في ذلك الرافضة, ولهذا ذكره بعض العلماء في كتب العقيدة لمخالفة الرافضة فيه (١) وصار شعاراً لهم.
والدليل على جوازه:
* من الكتاب: قوله تعالى - وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٢) - على قراءة الجر.
* ومن السنة: فقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي - , ومن ذلك حديث المغيرة بن شعبة - قال: كنت مع النبي - في سفر فأهويت لأنزع خفية فقال - دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين, فمسح عليهما (٣) - , قال الإمام أحمد (سبعة وثلاثون نفساً يروون المسح عن النبي -) (٤) , وقال الحسن (وقال الحسن حدثني سبعون من أصحاب النبي - أنه مسح على الخفين) (٥).
قال الناظم:
مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ... ومسح خفين وهذي بعض
قال الإمام أحمد ﵀ (ليس في قلبي من المسح شيء فيه أربعون حديثاً عن النبي -).
* ومن الإجماع: أجمع أهل السنة على جواز المسح على الخفين.
стр. 55
س١٣٦: هل الأفضل الغسل أم المسح ؟
ج/ الأقرب في ذلك هو التفصيل:
أن الإنسان يراعي حالة قدمه فإن كان لابساً فالأفضل المسح, ولا يقال أخلع لكي تغسل.
وإن كان خالعاً لشرابه فالغسل أفضل, ولا يقال ألبس لكي تمسح.
وهذا قال به شيخ الإسلام (١) وابن القيم (٢) وهو ظاهر فعل النبي - كما سيأتي, فالنبي - قال - دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين - , فهو راعى حالة قدمه ﵊.
- شروط المسح على الخفين -
شروط المسح على الخفين هي:
أولاً: لبسهما بعد كمال الطهارة, والدليل على ذلك حديث المغيرة قال كنت مع النبي - في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال - دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين, فمسح عليهما - (٣).
وحديث أنس أن النبي - قال - إذا توضأ أحدكم فليلبس خفيه وليمسح عليهما (٤) -.
س١٣٧: رجل يتوضأ لما غسل رجله اليمنى لبس الشراب قبل أن يغسل اليسرى, ثم غسل اليسرى ولبس الشراب مباشرة فما الحكم ؟
ج/ يقال الأحوط أن لا يلبس اليمنى حتى يغسل اليسرى, لكن لا يؤمر من فعل ذلك بإعادة الصلاة والوضوء, لكن يؤمر من لم يفعل ذلك وأتى ليسأل عن ذلك ألا يفعل ذلك مرة أخرى احتياطاً, لما ورد في حديث أنس السابق أن النبي - قال - إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه .. - فقوله - إذا توضأ - يرجح القول بأن الأحوط ألا يلبس الشراب للرجل اليمنى حتى يغسل اليسرى, لأن من لم يغسل اليسرى لا يصدق عليه أنه توضأ.
ثانياً: أن تكون الطهارة بالماء, تخرج طهارة التيمم.
س١٣٨: لو تيمم الإنسان لعدم وجود الماء أو لعدم القدرة على استعماله فإنه يرتفع حدثه, ثم لبس شراباً, فهل له أن يسمح عليهما بعد القدرة على استعمال الماء بناء على أنه على طهارة تيمم أم لا ؟
стр. 56
ج/ الجمهور يقولون لا يمسح عليهما إذا وجد الماء فلابد من خلعهما فلا يكتفي بطهارة التيمم, بل لابد من طهارة مائية, لقول الرسول - في الحديث السابق - إذا توضأ أحدكم فليلبس خفيه وليمسح عليهما -.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن ذلك فأجاب بقول (لا يجوز له أن يمسح على الخفين إذا كانت الطهارة طهارة تيمم لقوله - - .. فإني أدخلتهما طاهرتين - , وطهارة التيمم لا تتعلق بالرَّجل إنما هي في الوجه والكفين فقط, وعلى هذا أيضاً لو أن إنساناً ليس عنده ماء أو كان مريضاً لا يستطيع استعمال الماء في الوضوء فإنه يلبس الخفين ولو على غير طهارة, وتبقيان عليه بلا مدة محدودة حتى يجد الماء إن كان عادماً له أو يشفى من مرضه إن كان مريضاً, لأن الرَّجل لا علاقة لها بطهارة التيمم (١) -.
ثالثاً: أن يكون الخف الذي يسمح عليه ساتراً لمحل الفرض, ومعنى ذلك ألا يتبين شيء من الفروض من ورائه سواء كان ذلك من أجل صفائه أو خفته أو من أجل خروق فيه, والأقرب في ذلك أن يقال أنه لا يشترط أن يكون ساتراً لمحل الفرض فما دام يصدق عليه أنه خف والانتفاع به ما زال باقياً جاز المسح عليه, والدليل على ذلك ما يلي:
١. أن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة, وما ورد مطلقاً فإنه يجب أن يبقى على إطلاقه.
٢. وأيضاً الصحابة خفافهم لم تسلم من الخروق خصوصاً أنها تلي الأرض وكانوا يمشون عليها وقد خرجوا من المدينة إلى تبوك يباشرون بها الأرض, والأرض التي بين المدينة وتبوك صلبة فيستحيل أن لا يحصل فيها خروق ومع ذلك كانوا يمسحون على خفافهم, ولأن الصحابة الكثير منهم فقراء وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق, فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول - ولم ينبه عليه الرسول - دل على أنه ليس بشرط, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢).
س١٣٩: هل يشترط لجواز المسح على الخفين أن يثبت بنفسه أم لا؟ لأن الخف قد يكون واسعاً يثبت أثناء المشي !
ج/ لا يشترط ذلك, وقد سئل عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ عن ذلك فقال (الصحيح أنه لا يشترط ذلك, وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة فما دام يمكن أن ينتفع بهذا ويمشي به فما المانع؟ فقد يكون الإنسان ليس عنده إلا هذا الخف, أو كان مريضاً مقعداً يلبس مثل هذا الخف للتدفئة, فلا دليل على اشتراط هذا الشرط) (٣).
стр. 57
س١٤٠: ما حكم المسح على الشراب المسروق أو المغصوب ؟
المسح عليهما صحيح لكن مع الإثم لأن النهي لا يقتضي الفساد, إلا إذا عاد إلى ذات المنهي عنه أو وصفه اللازم, وهنا لم يعد إلى ذات المنهي عنه ولا إلى وصفه اللازم.
رابعاً: أن يكون المسح على طاهر, والطاهر ضد النجس والمتنجس, لأن النجاسة على قسمين هما:
١. نجاسة عينية: أي تكون عينه نجسه, كما لو كانت الخفاف من جلد الخنزير, فهذا لا يصح المسح عليه.
٢. نجاسة حكميه: أي عين الخف غير نجسه لكن طرأت عليه النجاسة فهنا يصح المسح عليه, وله أن يطوف بهما وهو لابسهما ويقرأ القرآن, لكن الصلاة ليس له أن يصلي بهما حتى يخلع الخف, لأن الصلاة تشترط لها طهارة الملبس, فإن كان على الشراب بول مثلاً, له أن يمسح ووضوئه صحيح ويرتفع حدثه لكن إذا أراد أن يصلي عليه أن يخلع خفيه.
س١٤١: إذا كانت الشراب يرى من ورائها البشرة, أي أنها شفافة, أو كانت مخروقة فهل يصح المسح عليها أم لا ؟
ج/ قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي ترى من ورائه البشرة, لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه أن يكون ساتراً, فإن الرَّجل ليست عورة يجب سترها, وإنما المقصود الرخصة على المكلف والتسهيل عليه, بحيث لا نلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء, بل نقول يكفيك أن تمسح عليه, هذه هي العلة التي من أجلها شرع المسح على الخفين, وهذه العلة كما ترى يستوي فيها الخف والجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل) (١).
س١٤٢: لو خلع الشراب وهو على طهارة مسح فهل تنتقض طهارته ؟
ج/ لا, لا تنتقض طهارته, لأن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي وهنا الأصل بقاء الطهارة, ويؤيد هذا القول من القياس أنه لو كان على رجل شعر كثير ثم مسح على شعره بحيث لا يصل إلى باطن رأسه شيء من البلل ثم حلق شعره بعد الوضوء, فطهارته صحيحه.
стр. 58
س١٤٣: متى تبدأ مدة المسح ؟
ج/ الراجح وهو الرواية الثانية عن الإمام أحمد بن حنبل, وهو اختيار النووي, وقال به الأوزاعي, وأبو ثور, والسعدي ﵏ أنه من أول مسح بعد الحدث.
وإذا قلنا أنه من أول مسح بعد حدث فلا يدخل في ذلك تجديد الوضوء, مثال ذلك إنسان توضأ لصلاة الظهر فلبس شرابه فدخل وقت صلاة العصر وما زال على طهارة فأراد أن يجدد الوضوء لصلاة العصر, فمسح على الشراب, هنا لا تبدأ مدة المسح من العصر, لأنه مسح لتجديد الوضوء ولم يحدث, فهنا شُرط أول مسح بعد حدث فلا يدخل تجديد الوضوء في ذلك, وإنما قلنا نبتدئ مدة المسح من أول مسح بعد الحدث, لأن الشرع جاء بلفظ المسح, والمسح لا يتحقق إلا بوجوده فعلاً, وهذا لا يكون إلا بابتداء المسح أول مرة, فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح بعد الحدث انتهى وقت المسح بالنسبة للمقيم, وإذا تمت اثنتان وسبعون ساعة انتهى المسح بالنسبة للمسافر.
س١٤٤: إذا سافر الإنسان سفر معصية, كما لو سافر ليشرب الخمر مثلاً فهل يترخص ويمسح مسح مسافر أم يمسح مسح مقيم ؟
ج/ الراجح أنه يمسح مسح مسافر, وهذا مذهب أبي حنيفة, وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية, وابن حزم والدليل على ذلك إطلاق الأدلة, لحديث على - وحديث عوف بن مالك, وسيأتي بيانها, وهذه الأدلة وغيرها مطلقة تشمل سفر الطاعة وسفر المعصية.
س١٤٥: ما مدة المسح لكل من المقيم والمسافر ؟
ج/ مدة المسح:
للمقيم يوم وليلة, وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن وهو قول جمهور العلماء لحديث علي - قال: قال النبي - - للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن, وللمقيم يوم وليلة - (١) , وحديث عوف بن مالك - أن النبي - أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر, ويوماً وليلة للمقيم (٢) -.
س١٤٦: ما حكم من مسح في السفر ثم أقام ؟
ج/ إذا سافر الإنسان وكان يمسح وهو مسافر " والمسافر كما تقدم يمسح ثلاث أيام بلياليهن " ثم أقام في بلده " رجع إلى بلده " أتم مسح مقيم, فإذا كان مسح في السفر أقل من يوم وليلة يتم اليوم وليلة في الإقامة إذا شاء ثم يخلع, لكن إذا كان مسح في السفر يوم وليلة فأكثر فهذا مجرد ما يقيم فإنه يخلع.
стр. 59
س١٤٧: ما الحكم فيمن مسح في الحضر ثم سافر ؟
ج/ الراجح أنه يمسح مسح مسافر, وهذا مذهب أبي حنيفة والرواية التي رجع إليها الإمام أحمد واختارها الخلال وأبو الخطاب, لأن السبب الذي يستبيح به مدة المسح ثلاثة أيام لا يزال موجوداً, لكن يُنتبه بشرط أن يسافر قبل انتهاء مدة مسح الإقامة, فلو سافر وقد مسح يوم وليلة فإنه لا يمسح مسح مسافر بل يبدأ من جديد.
س١٤٨: إذا شك في ابتداء مدة المسح " أي هل مسح وهو مسافر أم مسح وهو مقيم " فهل يتم مسح مقيم أم مسح مسافر ؟
ج/ على القول الراجح كما سبق أنه إذا مسح وهو مقيم ثم سافر قبل انتهاء مدة مسح الإقامة فإن هذه المسألة غير واردة, وبناء على هذا فالراجح أنه يتم مسح مسافر.
س١٤٩: مسألة أخرى, لو شك الإنسان في ابتداء المسح ووقته فماذا يفعل ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قائلاً (في هذه الحال يبني على اليقين فإذا شكَّ هل مسح لصلاة الظهر أو صلاة العصر فإنه يجعل ابتداء المدة من صلاة العصر, لأن الأصل عدم المسح ودليل هذه القاعدة ﴿أن الأصل بقاء ما كان على ما كان﴾ , وأن الأصل العدم , وأن النبي - شكى إليه الرجل يخيل إليه أن يجد الشيء في صلاته فقال - لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً (١) - أ. هـ (٢).
س١٥٠: ما صفة المسح ؟
ج/ صفة المسح:
يبل أصابعه ثم يبتدئ المسح من أصابعه أي أصابع رجله إلى ساقه, وقد وردت أثار عن النبي - وأصحابه أنه يمسح بأصابعه مفرًّقه حتى يعم المسح (٣) , ويمسح أعلاه, دون أسفله وعقبه, لأنهما ليسا أعلى القدم, قال ابن القيم ﵀ (وكان يمسح ظاهر الخفين ولم يصح عنه مسح أسفلهما إلا في حديث منقطع) (٤).
стр. 60
س١٥١: هل يسمح على الخفين جميعاً أم يبدأ باليمنى ثم اليسرى ؟
ج/ الأقرب أنه على أي صفة مسح أعلى الخف فإنه يجزئ, لكن الأفضل أن يكون المسح باليدين على الرجلين جميعاً " يعني اليد اليمنى تمسح الرجل اليمنى, واليد اليسرى تمسح الرجل اليسرى في نفس اللحظة " كما تُمسح الأذنان, لأن هذا هو ظاهر السنة, لقول المغيرة بن شعبة - - فمسح عليهما -.
س١٥٢: ما مبطلات المسح على الخفين ؟
ج/ مبطلات المسح هي:
أولاً: كل ما يوجب الغسل فهو يبطل المسح على الخفين, لأن المسح على الخفين إنما يكون في الطهارة الصغرى.
والدليل على ذلك:
حديث صفوان بن عسال قال - كان النبي - يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة - (١).
ثانياً: إذا ظهر بعض محل الفرض, كما لو ظهر من القدم بعض محل الفرض كالكعب مثلاً, أو خلع خفيه وكان على طهارة مسح, فهل تنقض طهارته هنا أم لا؟
يقال الراجح أن طهارته لا تنتقض حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء المعروفة, وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) , لأن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي, وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي وإلا فالأصل بقاء الطهارة, ويؤيد هذا القول من القياس أنه لو كان على رجل شعر كثير ثم مسح على شعره بحيث لا يصل إلى باطن رأسه شيء من البلل ثم حلق شعره بعد الوضوء فطهارته صحيحة.
ثالثاً: يبطل المسح بانقضاء المدة مع انتقاض الوضوء, أما إذا لم ينتقض الوضوء فإن انتهاء مدة المسح لا تنقض الوضوء, مثال ذلك لو توضأ إنسان لصلاة الظهر مثلاً ولبس الشراب وقبل العصر أحدث ثم توضأ ومسح من هنا تبدأ مدة المسح, وفي الغد في وقت الظهر أحدث وتوضأ ومسح ثم صلى الظهر وبقى طاهراً (طهارة مسح) , فله أن يصلي حتى تنتقض طهارة المسح, صحيح أن وقت المسح انتهى بانتهاء آخر وقت الظهر لكنه لم يُحدث بل استمر على طهارة الظهر فهنا لا تبطل طهارته.
стр. 61
لكن لو أنه أحدث بعد الظهر فهنا ينتهي وقت المسح, فلا يمسح وقت العصر, لأن المدة انتقضت والوضوء انتقض, فمدة المسح تبدأ من أول مسح بعد حدث وتنتهي بانقضاء مدة المسح مع انتقاض الوضوء.
تنبيه:
قول بعض العامة أن مدة مسح المقيم خمس صلوات, هذا غير صحيح لأن الإنسان قد يصلي أكثر من ذلك وهو مقيم, كما لو لبس الخفين لصلاة الفجر وبقى على طهارته إلى أن صلى العشاء فهذا يوم كامل لا يحسب عليه, فإذا مسح من الغد لصلاة الفجر هنا تبتدئ المدة من صلاة الفجر إلى اليوم الثالث من صلاة الفجر, ولو بقي على طهارته إلى صلاة العشاء يكون قد صلى خمس عشرة صلاة وهو مقيم.
س١٥٣: لو أن إنساناً توضأ لصلاة الظهر ثم لبس الشراب لما جاء وقت العصر أحدث ثم مسح عليهما ثم خلع الشراب لكنه استمر على طهارته " أي طهارة المسح " ولم يأت بأي ناقض من نواقض الوضوء فما الحكم ؟
ج/ الراجح أن وضوئه لا ينتقض بخلع الشراب, فله أن يصلي بوضوئه المغرب والعشاء ... الخ, إلى أن ينتقض وضوئه, لكن ليس له أن يعيد الشراب إلا بعد طهارة غسل.
- مسائل لم يذكرها المصنف ﵀
س١٥٤: ما الحكم إذا لبس خفاً على خف ؟
ج/ لذلك ثلاث حالات:
الحالة الأولى: إذا كان قبل الحدث فالحكم للفوقاني.
مثال ذلك:
لو توضأ لصلاة الظهر ثم لبس شراباً ثم بعد ذلك استمر على طهارته (طهارة مائية) جاء وقت العصر وهو ما زال على الطهارة ولم يمسح إلى الآن, أحس بالبرودة فأراد أن يلبس خفاً آخر أو شراباً آخر فلبس, فالحكم هنا للفوقاني ولا شك.
الحالة الثانية: إذا لبس الخف الثاني بعد الحدث.
стр. 62
مثال ذلك:
لو توضأ لصلاة الظهر ثم لبس الشراب ثم انتقض وضوءه بعد الصلاة, فأراد أن يلبس شراباً آخر قبل صلاة العصر وهو الآن ليس على طهارة مائية ولا على طهارة مسح, فهنا الحكم للتحتاني ولا يمسح على الأعلى, لأنه في هذه الحالة يكون لبسه على غير طهارة.
الحالة الثالثة: إذا لبس الثاني على الأول على طهارة مسح.
مثال ذلك:
لو توضأ لصلاة الظهر ثم لبس شراباً لما جاء وقت العصر أحدث ثم مسح وبعد صلاة العصر أحس ببرودة أو أنه بحاجة إلى لبس شراب أخر وهو لا زال على طهارة مسح, فهذا القول بأنه يمسح على الفوقاني قول قوي جداً.
س١٥٥: ما الحكم إذا كان يمسح على الأعلى ثم خلعه هل يمسح على الأسفل ؟
ج/ الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قال (الأحسن أنه إذا كان في سعة من أمره وخلع الأعلى أن يخلع الأسفل) (١) , ولكن لو لم يفعل فالظاهر أنه لا بأس بذلك.
س١٥٦: إذا مسح الإنسان على الكنادر ثم خلعها ومسح على الشراب فهل يصح مسحه أم لا ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قائلاً (المعروف عند أهل العلم أنه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به إلى ثانٍ, ومنهم من يرى أنه يجوز الانتقال إلى الثاني إذا كان الممسوح هو الأسفل ما دامت المدة باقية, وهذا هو القول الراجح, وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى, أو كنادر ومسج العليا فلا بأس به على القول الراجح ما دامت المدة باقية, لكن تحتسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني) (٢).
س١٥٧: إذا مسح الإنسان على خفيه بعد انتهاء المدة وصلى بهما فما الحكم ؟
ج/ لا يخلو الأمر من حالتين:
أ-إذا كان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح فإنه يجب عليه إعادة الوضوء وإعادة الصلوات التي صلاها, لأنه حينئذ على غير طهارة, ولا يعذر الإنسان بالجهل أو النسيان هنا, لأن هذا من باب المأمورات, وباب المأمورات لا يعذر الإنسان فيه بالجهل والنسيان.
ب-إذا كان بعد انتهاء مدة المسح لكن بقي الإنسان على طهارته فصلاته صحيحة, لأن انتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء, كما تقدم بيان ذلك.
س١٥٨: من توضأ ولبس الشراب بدون نية المسح عليها ثم بدأ له أن يمسح عليهما فهل له ذلك أم لابد من نية المسح عند لبسهما ؟
ج/ يقال لا يشترط نية المسح عند لبسهما, فلو أن إنساناً توضأ ولبس شراباً ولكنه لم ينو " حين اللبس " المسح عليها ثم بدأ له ذلك صح, لأن النية هنا غير واجبة فهذا عمل عُلق الحكم على مجرد وجوده فلا يحتاج إلى نية.
стр. 63
- المسح على الجبيرة -
س١٥٩: ما تعريف الجبيرة ؟
ج/ الجبيرة اصطلاحاً: هي الأخشاب ونحوها التي تسوى على موضع الكسر, أو توضع على موضع الجرح لكي يجبر الكسر أو يبرأ الجرح, والمراد بها في عرف الفقهاء (ما يوضع على موضع الطهارة لحاجة).
س١٦٠: هل يشترط أن توضع الجبيرة على طهارة ؟
ج/ الراجح أن ذلك ليس شرطاً.
س١٦١: ما أحوال الجبيرة ؟
ج/ الجبيرة لا تخلو من حالتين:
الأمر الأول: أن لا تتجاوز محل الحاجة " ومحل الحاجة هو الجرح وما حوله وما يحتاج إليه لشدة الجبيرة " فهنا يغسل ما يستطيع غسله ويمسح على الجبيرة.
الأمر الثاني: أن تتجاوز الجبيرة محل الحاجة, فإنه ينزع ما زاد على الحاجة ويمسح على الجبيرة, أما إذا كان يتضرر بنزع ما زاد على الحاجة, فإنها حينئذ تأخذ حكم الجبيرة فيمسح عليها.
س١٦٢: ما صفة المسح على الجبيرة ؟
ج/ صفة المسح على الجبيرة, أن يعمم الجبيرة بالمسح من جميع الجهات ليس من الأعلى فقط, لأن هذا هو ظاهر حديث صاحب ألشجه وهو قوله - ويمسح عليها (١) -.
س١٦٣: إذا كان الإنسان جرحه مكشوف ليس عليه شيء فماذا يفعل إذا أراد التطهر ؟
ج/ الأصل أنه يغسله, وإذا كان يضره الغسل كأن يتأخر البرء أو يتضرر من ذلك, فإنه يمسح على الجرح أما إذا كان لا يستطيع الغسل ولا المسح, فيقال هنا يتيمم ولا يمسح.
تنبيه:
الجمع بين التيمم والمسح هذا غير صحيح, كما يعتقد بعض الناس فالتيمم يُصار إليه إذا لم يستطع الإنسان أن يغسل الجرح ولا أن يمسح عليه أو لا يستطيع أن يمسح على الجبيرة.
стр. 64
س١٦٤: هل تشترط الموالاة والترتيب في التيمم ؟
ج/ الصحيح أنه لا يشترط ذلك, فإذا لم يستطع أن يُمر الماء على الجبيرة كاللصقة مثلاً ولا أن يمسح عليها يقال له تيمم كما تقدم ولكن متى يتيمم؟
يقال لا يلزم أن يتيمم بعد الوضوء مباشرة فلو أخر التيمم مدة طويلة فلا بأس بذلك كما لو توضأ وترك التيمم عند إرادة الصلاة فلا بأس ولو طال الفاصل بينهما.
مثال ذلك:
إنسان توضأ لصلاة الظهر قبل دخول وقت الظهر وكان على يده جبيرة, وهذه الجبيرة لا يستطيع أن يغسلها أو يمسح عليها, فإن يتيمم عنها كما تقدم ولا بأس أن يؤخر التيمم إلى وقت إرادة الصلاة, حتى لو كان بعد ساعة أو ساعتين من وضوءه فلا يشترط الموالاة.
كذلك لا يشترط الترتيب فلو كان في يده اليمنى جرح وعليه جبيرة لا يستطيع غسلها ولا المسح عليها, فيلزمه التيمم هنا كما تقدم, ولكن لا يلزمه أن يتيمم إذا وصل إلى محل الجبيرة وهو يتوضأ فلا يلزم الترتيب في ذلك, فإذا قلنا أنه لا يشترط الموالاة فالترتيب من باب أولى.
س١٦٥: ما الفرق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين ؟
ج/ الفروق بين المسح على الجبيرة والمسح على الخفين هي:
- ... - المسح على الجبيرة - ... - المسح على الخفين -
الأول ... أن المسح على الجبيرة عزيمة. ... أن المسح على الخفين ... رخصة.
الثاني ... المسح على الجبيرة غير مؤقت. ... المسح على الخفين مؤقت, وقد تقدم أنه للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ... بلياليهن.
الثالث ... أن المسح على الجبيرة يكون في الطهارتين الصغرى والكبرى. ... المسح على الخف أنما يكون في الطهارة الصغرى فقط دون الكبرى.
الرابع ... أن الجبيرة تعمم بالمسح كلها. ... أن الخف يمسح أعلاه فقط.
الخامس ... لا يشترط تقدم الطهارة. ... يشترط تقدم الطهارة.
س١٦٦: إنسان عليه حدث أكبر وأراد أن يغتسل وعلى جرحه جبيرة فهل يتيمم ؟
ج/ إذا كان الإنسان عليه جبيرة واحتاج إلى الغسل الواجب كالغسل من الحيض أو الجنابة أو النفاس فإنه يمسح على الجبيرة ويكتفي بذلك, وعلى هذا نعلم عدم صحة القول بأن الإنسان إذا كان عليه اللصقة التي توضع على الصدر أو الظهر ونحو ذلك, ثم احتاج إلى غسل واجب كغسل الجنابة أو الحيض فنجد أن البعض يمر الماء عليها ثم يتيمم بعد ذلك, والصحيح أنه لا يلزم التيمم فما دام جرى الماء عليها فلا يلزم بعد
стр. 65
ذلك التيمم, والصحيح أيضاً أنه لا تبطل الطهارة لبرء ما تحتها أو انتقاضها ويعيد شدها في الحال أو متى شاء وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀, وكذا إذا لم يستطع أن يمر الماء عليها ولكنه يستطيع أن يمسح عليها كفى ذلك, وإنما يكون التيمم إذا لم يستطع غسلهما ولا مسحها, ففي هذه الحالة يتيمم عنها.
- مسائل لم يذكرها المصنف -
س١٦٧: ما حكم المسح على العمامة والخمار ؟
ج/ لا بأس من المسح على العمامة, والعمامة ما يعمم به الرأس ويكور عليه وهي معروفة, والدليل على جواز المسح عليها حديث المغيرة ابن شعبة - عن النبي - - مسح على عمامته وعلى الناصية والخفين - (١).
وقد يعبر عنها بالخمار كما في صحيح مسلم - مسح على الخفين والخمار - ويعني بالخمار العمامة.
قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٢) (ومسح على العمامة مقتصراً عليها ومع الناصية, وثبت ذلك عنه فعلاً وأمراً في عدة أحاديث, لكن في قضايا أعيان يحتمل أن تكون خاصة في حال الحاجة والضرورة ويحتمل العموم كالخفين وهو أظهر والله أعلم).
أما المسح على الخمار بالنسبة للمرأة فمن أجاز المسح عليه إنما قال ذلك قياساً على عمامة الرجل, فالخمار للمرأة بمنزلة العمامة للرجل, والمشقة موجودة في كليهما, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣) (إن خافت المرأة من البرد ونحوه ومسحت على خمارها فإن أم سلمة كانت تمسح خمارها, وينبغي أن تمسح مع هـ١ابعض شعرها, وأما إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء, وفي فتاوى العثيمين (٤) رحمه الله تعالى (فإذا كانت هناك مشقة إما لبرودة الجو أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى فالتسامح في مثل هذا لا بأس به, وإلا فالأولى ألا تمسح).
س١٦٨: ما شروط المسح على الخمار والعمامة ؟
ج/ شروط المسح على الخمار والعمامة هي:
١.لبسهما بعد كمال الطهارة.
٢. التوقيت في المسح عليهما كالخفين للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.
стр. 66
س١٦٩: إذا لبدت المرأة رأسها بالحناء ونحوه فهل تمسح عليه ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ قائلاً (إذا لبدت المرأة رأسها بالحناء فإنها تمسح عليه, ولا حاجة إلى أن تنقض الرأس وتحتّ هذا الحناء, لأنه ثبت أن النبي - كان في إحرامه ملبداً رأسه, فما وضع على الرأس من التلبيد فهو تابع له, وهذا يدل على أن تطهير الرأس فيه شيء من التسهيل) (١).
стр. 67
- باب نواقض الوضوء -
س١٧٠: ما تعريف نواقض الوضوء ؟
ج/ النواقض جمع ناقض وهي العلل المؤثرة في إخراج الوضوء عما هو مطلوب منه. ونواقض الوضوء ومفسداته هي التي طرأت عليه أفسدته.
س١٧١: ما أنواع النواقض ؟
ج/ النواقض على نوعين هنا:
١ - نواقض مجمع عليها, وهو المستند إلى كتاب الله وسنة رسوله -.
٢ - نواقض فيها خلاف, وهي المبنية على اجتهادات أهل العلم ﵏ وعند النزاع يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله -.
س ١٧٢: ما نواقض الوضوء ؟
ج/ نواقض الوضوء هي:
أولاً: الخارج من السبيلين.
وهنا قاعدة هي ﴿كل ما خرج من السبيلين فهو ناقض سواء كان قليلاً أو كثيراً معتاد أو غير معتاد﴾.
المعتاد كالبول والغائط ونحوهما.
الغير معتاد مثل الريح الذي يخرج من فرج المرأة وليس من الدبر فإذا خرج فهو ناقض وكما قال بهذا بعض أهل العلم, والراجح أن ذلك لا ينقض, وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى عن ذلك فأجاب قائلاً (لا ينقض الوضوء الهواء الخارج من فرج المرأة, لأنه لا يخرج من محل نجس كالريح التي تخرج من الدبر) (١).
وسواء كان هذا الخارج من السبيلين طاهراً مثل الحصاة أو الريح غير ملوثة لو قابلت محلاً رطباً فأكسبته ريحاً كريهة, أو كان هذا الخارج نجساً والغائط, فكل ما خرج من السبيلين فهو ناقض.
والأدلة على ذلك ما يلي:
* قال تعالى - أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ - (٢).
* وما ورد في حديث صفوان بن عسال أن النبي - قال - ولكن من غائط وبول ونوم - (٣).
*وكما في قول النبي - في المذي - يغسل ذكره ويتوضأ (٤) -.
стр. 68
* وكما قال النبي - لما شُكي إليه الرجل يُخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال - لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً -.
* والإجماع منعقد على ذلك, قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدبر, وخروج البول من الذكر, وخروج المني, وخروج الريح من الدبر, وزوال العقل بأي وجه زال العقل أحداث ينقض كل منها الطهارة ويوجب الوضوء) (١).
واستثنى أهل العلم الريح التي تخرج من فرج المرأة فقالوا هذا ليس بناقض, وقد تقدم بيان ذلك.
ويستثنى من هذا القسم من حدثه دائم, فإنه لا ينقض وضوئه بخروجه كمن به سلس بول أو ريح أو غائط وله حال خاصة في التطهر.
س١٧٣: ما حكم الرطوبة التي تخرج من المرأة ؟
ج/ يقال الفرج له مجريان:
الأول: مجرى مسلك الذكر, وهذا يتصل بالرحم ولا علاقة له بمجاري البول ولا بالمثاني, ويخرج من أسفل مجرى البول.
الثاني: مجرى البول, وهذا يتصل بالمثاني ويخرج من أعلى الفرج, فإذا كانت هذه الرطوبة ناتجة عن استرخاء المثاني من مجرى البول فهي نجسة وناقضة للوضوء وحكمها حكم سلس البول وخروجها من هذا المجرى نادر.
أما إذا كانت من مسلك الذكر وهذا هو الغالب فهي طاهرة, لأنها ليست من فضلات الطعام والشراب, فليست بولاً والأصل عدم النجاسة حتى يقوم الدليل على ذلك, وعلى الصحيح أيضاً أنها لا تنقض الوضوء إذا كانت تخرج من مسلك الذكر, والله أعلم.
القسم الثاني من أقسام نواقض الوضوء:
خروج النجاسة من بقية البدن (غير السبيلين):
س١٧٤: ما أقسام خروج النجاسة من بقية البدن ؟
ج/ خروج النجاسة من بقية البدن على قسمين:
القسم الأول: إذا كان الخارج بولاً أو غائطاً, كما لو شُق بطن الإنسان ثم خرج من بطنه بول أو غائط فإن الوضوء ينتقض إذا خرج من أي مكان, وهذا هو المذهب سواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين,
стр. 69
وسواء كان الخارج من فوق المعدة أو من تحتها, وقال بعض أهل العلن إن كان المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء, وإن كان من تحتها فهو كالغائط, وهذا اختيار ابن عقيل ﵀ حيث قال: (الحكم منوط بما إذا انفتح المخرج تحت المعدة) (١) , وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (وهذا القول جيد بدليل أنه إذا تقيأ من المعدة فإنه لا ينقض وضوئه على القول الراجح) (٢).
القسم الثاني: إذا كان غير البول والغائط كالدم أو القيء, الأقرب في ذلك قول المالكية والشافعية أن هذه الأشياء لا تنقض الوضوء, قال في الاختيارات: (والدم والقيء وغيرهما من النجاسات الخارجة من غير الخارج المعتاد لا تنقض الوضوء ولو كثرت, وهذا مذهب مالك والشافعي) (٣).
س١٧٥: ما الأدلة التي تدل على أن غير البول والغائط كالدم والقيء غير ناقض للوضوء ؟
ج/ من أدلتهم:
١. الأصل بقاء الطهارة فمن ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل.
٢. ما ورد عن الحسن البصري أنه قال (كانوا يصلون في جراحهم) (٤) يقصد الصحابة ومع ذلك لم يرد عنهم حين الغزو أنهم كانوا يتوضئون.
٣. أيضاً استدلوا بما ورد في البخاري: (من قصة عباد بن بشر أصيب بسهام وهو يصلي فأستمر في صلاته) (٥) لما قام يحرس في معسكر المسلمين, فكان يسيل منه الدم ومع ذلك استمر في صلاته -.
٤. قصة عمر بن الخطاب - لما طعنه الشقي أبو لؤلؤة المجوسي وهو غلام فارسي للمغيرة بن شعبة استمر في صلاته وجرحه يثعُب دماً (٦).
٥. أن طهارته تثبت بمقتضى دليل شرعي, وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فلا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.
ثالثاً: زوال العقل وتغطيته.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: زواله بالكلية وهو رفع العقل وذلك بالجنون.
القسم الثاني: تغطيته بسبب يوجب ذلك لمدة معينة كالنوم والإغماء والسكر وما أشبه ذلك.
стр. 70
وزوال العقل بالجنون والإغماء والسكر هو في الحقيقة فقد له, وعلى هذا فيسيرها وكثيرها ناقض فلو صرع ثم استيقظ أو سكر أو أغمى عليه فإنه يلزمه استئناف الطهارة (١) , بخلاف النوم فإنه يخالف هذه الأشياء بأن يسيره لا ينقض الوضوء.
س١٧٦: والنوم هل هو ناقض أم لا ؟
ج/ على خلاف بين أهل العلم ﵏ على أقوال ثمانية أرجحها ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: (والنوم لا ينقض مطلقاً إن ظن بقاء طهارته, وهو أخص من رواية حكيت عن أحمد: (أن النوم لا ينقض بحال) (٢) , فالنوم مظنة الحدث, فإذا نام بحيث لو انتقض وضوئه أحس بنفسه, فإن وضوئه باق, وهذا القول تجتمع الأدلة فإن حديث صفوان بن عسال وفيه - .. ولكن من غائط وبول ونوم (٣) - , دل على أن النوم ناقض, وحديث أنس - - أن الصحابة ﵃ كانوا ينتظرون العشاء على عهد رسول الله - حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون (٤) - , وفي رواية أبي داود - يضعون جنوبهم - (٥) , فيُحمل ما ورد عن الصحابة على أنه لو أحدث لأحس بنفسه, ويحمل حديث صفوان على أنه لو أحدث لم يحس بنفسه.
رابعاً: مسه بيده " لا ظفره " فرج الآدمي المتصل بلا حائل, أو حلقه دبره, بدليل حديث بسرة بنت صفوان أن النبي - قال - من مس ذكره فليتوضأ - (٦) , وفي لفظ - من مس فرجه فليتوضأ (٧) -.
س١٧٧: مس الذكر هل هو ناقض للوضوء أم لا ؟
ج/ الراجح أنه لا يجب الوضوء من مس الذكر, لحديث طلق بن علي أنه سأل النبي - عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي - - إنما هو بضعة منك - (٨) , وبعض العلماء جمع بين حديثي بسرة وحديث طلق بحمل حديث بسرة على استحباب الوضوء وحديث طلق على نفي الوجوب (٩).
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في مجموع الفتاوى (١٠): (أن مس الذكر ليس بناقض للوضوء
стр. 71
وإنما يستحب له الوضوء وهو اختيار شيخ الإسلام وهو أقرب إلى الصواب لا سيما إذا كان غير عمد لكن الوضوء أحوط) أ. هـ.
وكذلك مس حلقة الدبر لا تنقض الوضوء لكن الأحوط الوضوء, وكذا مس الخصيتين فمن باب أولى أن ذلك لا ينقض الوضوء.
خامساً: مس المرأة للرجل ومس الرجل للمرأة بشهوة وبدون شهوة.
وهذا مختلف فيه بين أهل العلم.
س١٧٨: ما حكم مس المرأة للرجل ومس الرجل للمرأة بشهوة وبدون شهوة هل ينقض ذلك الوضوء أم لا ؟
ج/ الصحيح أن الوضوء لا ينتقض بذلك للأدلة التالية:
١ - حديث عائشة ﵂: (أن النبي - قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ - (١) , حدثت به ابن أختها عروة بن الزبير فقال: ما أظن المرأة إلا أنت فضحكت ... وهذا دليل إيجابي.
٢ - أن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صحيح صريح على ذلك.
٣ - أن الطهارة ارتفعت بمقتضى دليل شرعي, وما ثبت بمقتضى دليل شرعي, فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي, ولا دليل على ذلك, وهذا دليل سلبي.
س١٧٩: المرأة إذا وضأت طفلها وهي طاهرة هل يجب عليها أن تتوضأ أم لا ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فقال: (إذا توضأت المرأة طفلها أو طفلتها ومست الفرج فإنه لا يجب عليها الوضوء وإنما تغسل يديها فقط, لأن مس الفرج لغير شهوة لا يوجب الوضوء, ومعلوم أن المرأة التي تغسل أولادها لا يخطر ببالها الشهوة, فهي إذا وضأت الطفل أو الطفلة فإنما تغسل يديها فقط من النجاسة التي أصابتها, ولا يجب عليها أن تتوضأ (٢).
سادساً: غسل الميت أو بعضه.
لأن ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة كانوا يأمرون غاسل الميت بالوضوء (٣).
س١٨٠: تغسيل الميت هل ينقض الوضوء أم لا ؟
ج/ الراجح أنه لا ينتقض الوضوء, لأن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي ولا دليل على ذلك من كتاب الله ولا سنة رسوله - ولا من الإجماع, ويجاب عما ورد عن
стр. 72
هؤلا الصحابة الثلاثة: أن الأمر يحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب, وفرض شيء على عباد الله من غير دليل تطمئن إليه النفس أمر صعب, لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام.
وفي المختارات الجلية للسعدي: (ونقض الوضوء بتغسيل الميت فيه نظر, لأن الحديث الوارد فيه لم يثبت, وما روي عن ابن عمر وابن عباس في أمرهما من غسل الميت بالوضوء لا يتعين حمله على الوجوب ولا يزيل الأصل الثابت في بقاء الطهارة) (١).
ويؤيد عدم الوجوب حديث ابن عباس مرفوعاً - ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه, فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم - (٢).
وبناء على هذا فالأقرب أن من غسل ميتاً يستحب له الغسل ولا يجب عليه, لكن لم يقال بالوجوب لحديث ابن عباس السابق - ليس عليكم في غسل ميتكم .. - الحديث, ولقول ابن عمر ﵄ كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل - (٣).
سابعاً: أكل لحم الإبل, بدليل حديث البراء بن عازب وفيه قول النبي - - توضؤا من لحوم الإبل - (٤) , ولحديث جابر بن سمرة أن رجلاً سأل النبي - - أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ, قال أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل .. الحديث - (٥).
س١٨١: هل الكبد والرأس والشحوم وغيرها من أجزاء الإبل ناقضة للوضوء أم لا ؟
ج/ الراجح في ذلك أن كل أجزاء الإبل ناقضة للوضوء.
ومن الأدلة على ذلك:
١ - قالوا أنه باستقراء أدلة الشرع أي بالنظر بالأدلة الشرعية لم نجد أن حيواناً بعضه حلال وبعضه حرام وبعضه ينقض وبعضه لا ينقض, ولذلك قاسه صاحب الشرح الكبير على الخنزير, فالحيوان إما أن كله حلال كالإبل, وإما أن يكون كله حرام كالخنزير, وكذلك هنا يقال إما أن كله يكون ناقض أو يكون كله لا ينقض.
٢ - أنّ في الإبل أجزاء كثيرة قد تقارب الهبر, ولو كانت غير داخلة لبين ذلك رسول الله - , لعلمه أن الناس يأكلون الهبر وغيره.
стр. 73
٣ - أن النص يتناول بقية الأجزاء بالعموم المعنوي إذ لا فرق بين الهبر وهذه الأجزاء, لأن الكل يتغذى بدم واحد, وطعام واحد, وشراب واحد, قال السعدي ﵀: (والصحيح أن جميع أجزاء الإبل كالكرش والقلب والمصران ونحوها ناقضو لأنه داخل في حكمها ولفظها ومعناها, والتفريق بين أجزائها ليس له دليل ولا تعليل) (١).
س١٨٢: ما حكم الوضوء من مرق اللحم (لحم الإبل) ؟
ج/ في هذه المسألة وجه لأصحاب الإمام أحمد (٢): أنه يجب الوضوء لوجود الطعم في المرق, كما لو طبخنا لحم خنزير فإن مرقه حرام وهذا تعليل قوي جداً, وعلى هذا فالأحوط أن يتوضأ.
س١٨٣: ما حكم الوضوء من لبن الإبل ؟
ج/ الصحيح أن الوضوء من ألبان الإبل مستحب وليس بواجب لوجهين:
١ - أن الأحاديث الواردة كثيرة وصحيحة في الوضوء من لحوم الإبل, وأما الوضوء من ألبانها فالحديث الوارد في ذلك إسناده حسن وبعضهم ضعّفه (٣).
٢ - ما رواه أبو هريرة في قصة العرنيين - أن النبي - أمرهم أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها وألبانها (٤) - ولم يأمرهم أن يتوضئوا من ألبانها مع أن الحاجة داعية إلى ذلك, فدلّ على أن الوضوء منها مستحب.
ثامناً: الردة, لقول الله تعالى - لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ - (٥).
س١٨٤: هل الردة تنقض الوضوء أم لا ؟
ج/ قال شيخ الإسلام في الاختيارات: (قال أبو العباس في قديم خطه: خطر لي أن الردة تنقض الوضوء, لأن العبادة من شرط صحتها دوام شرطها استصحاباً في سائر الأوقات, وإذا كان كذلك فالنية من شرائط الطهارة على أصلنا والكافر ليس من أهلها, وهو مذهب أحمد) (٦) , وقال بهذا الأوزاعي وأبي ثور بدليل قوله تعالى في الآية - لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ - , والطهارة عمل وهي باقية حكماً تبطل بمبطلاتها فيجب أن تحبط بالشرك, ولأنها عبادة يفسدها الحدث فأفسدها الشرك كالصلاة والتيمم,
стр. 74
ولأن الردة حدث بدليل قول ابن عباس: (الحدث حدثان, حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان, وإذا أحدث لم تقبل صلاته بغير وضوء , لقول النبي - - لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ - (١).
س١٨٥: هل كل ما أوجب الغسل أوجب الوضوء أم لا ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ حيث قال: (المشهور عند فقهائنا ﵏ أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت, وبناء على ذلك فإنه لا بد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء, فإما أن يتوضأ مع الغسل, وإما أن ينوي بغسله الطهارة من الحدثين.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن نية الاغتسال عن الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء ولأن الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .. الآية (٢) - فلم يذكر الله تعالى في حال الجنابة إلا الإطَّهار " يعني التطهر " ولم يذكر الوضوء, ولأن النبي - قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل قال - خذ هذا الماء فأفرغه على نفسك ... - (٣) , وما ذهب إليه شيخ الإسلام أقرب إلى الصواب " وهو أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الحدث الأكبر فإنه يجزئ عن الأصغر, وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقض الوضوء" (٤) أ. هـ.
وسيأتي بيان موجبات الغسل في باب الغسل بمشيئة الله.
س١٨٦: ما الحكم فيمن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو تيقن الحدث وشك في الطهارة ؟
ج/ يبني على اليقين للقاعدة الشرعية التي تقول ﴿اليقين لا يزول بالشك﴾ , ولقول النبي - - إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه هل يخرج منه شيء أم لا, فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً (٥) - , وبناء على هذا يبني على الطهارة في الصورة الأولى, ويبني على الحدث في الصورة الثانية.
مثال ذلك:
لو توضأ الإنسان لصلاة الظهر ثم جاءت صلاة العصر وشكّ هل أحدث أم لم يحدث؟ " هو الآن متيقن من أنه قد تطهر لصلاة الظهر, ولما جاءت صلاة العصر شكّ هل أحدث أم لا " فالأصل أنه على طهارة ... لماذا؟
لأن الطهارة يقين والحدث شكّ.
стр. 75
ولو عكسنا المسألة:
أي توضأ لصلاة الظهر ثم قضى حاجته بعد الصلاة فهو تيقن أنه أحدث بعد صلاة الظهر لما جاءت صلاة العصر, شكّ هل توضأ بعد ما قضى حاجته أم لم يتوضأ؟ فالأصل هنا أنه محدث.
س١٨٧: ما الحكم لو تيقن الطهارة والحدث كذلك لكن جهل السابق منهما ؟
ج/ الأقرب أنه يجب الوضوء مطلقاً, ولعله في ذلك: أنه تيقن أنه حصل له حالان وهذان الحالان متضادان ولا يدري أيهما الأسبق, فلا يدري أيهما الوارد على الآخر فيتساقطان, وقد تيقن زوال تلك الحالة, فيجب عليه الوضوء احتياطاً كما لو جهل حاله قبلها.
وهذا القول هو الأحوط, أي القول بوجوب الوضوء, وهذا الوضوء إن كان هو الواجب فقد قام به, وإلا فهو سنة, والفقهاء ﵏ قالوا: إذا قوى الشك فإنه يسن الوضوء, لأجل أن يؤدي الطهارة بيقين.