الأولى: أن يكون لحاجة فيجوز, كما لو كان الإنسان لا يعرف الفاتحة وأراد أن يقرأ بعدد آياتها من القرآن, وكذلك التسبيح للإمام فإن الفقهاء حددوا له التسبيح أي الإمام إلى عشر حتى لا يطيل على المأمومين فله عدّ ذلك, ومثل ذلك تكبيرات العيد والاستسقاء لو عدها حتى لا يخطئ فهذا لا بأس به ولا يكره.
الثانية: أن يكون لغير حاجة, فلا ينبغي ذلك, وقد يكره إذا أدى إلى انشغاله عن صلاته وإذهاب خشوعه.
الثامن والعشرون: الفتح على غير إمامه " أي الرد عليه إذا أخطأ " فلو كان الإنسان يصلي وفتح على من هو في صلاة أخرى, أو فتح على غير من هو في صلاة فهو مكروه لأمرين:
أ- أنه لا ارتباط بينك وبينه, بخلاف إمامك إذا غلط فهناك ارتباط بينك وبينه.
ب- أنه يوجب الإنسان بالاستماع إلى غير من يسن الاستماع إليه, فيوجب أن تتابعه وأنت غير مأمور بهذا, قال في الشرح الكبير مع الإنصاف (١) وفيه: (ويكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى, أو على من ليس في الصلاة, لأن ذلك يشغله عن صلاته, وقد قال النبي - ﴿إن في الصلاة لشغلاً﴾ , فإن فعل لم تبطل صلاته, لأنه قرآن وإنما قصد قراءته دون خطاب الآدمي فأما غير المصلي فلا بأس أن يفتح على المصلي).
التاسع والعشرون: الحركة اليسيرة إذا كانت لغير حاجة, ولا يتوقف عليها كمال الصلاة, كالعبث في الصلاة.
س٣٠: ما هي أقسام الحركة التي ليست من جنس الصلاة ؟
ج/ الحركة التي ليست من جنس الصلاة تنقسم إلى خمس أقسام:
١) حركة واجبة: وهي التي يتوقف عليها صحة الصلاة, كما لو ذكر أن على ثوبه نجاسة ثم تحرك لإزالتها.
стр. 142
٢) حركة مستحبة: وهي التي يتوقف عليها كمال الصلاة, كما لو حصل بينه وبين جاره فرجه ثم تحرك لسدها.
٣) حركة مباحة: وهي الحركة اليسيرة للحاجة أو الكثيرة للضرورة, فاليسيرة كما لو كان رجل يصلي في الظل فأحس ببرودة فتقدم أو تأخر أو تيامن أو تياسر من أجل الشمس, والكثير للضرورة كما لو تحرك خوفاً من عدو أو سبع أو نار.
٤) حركة محرمة: وهي الكثيرة المتوالية لغير الحاجة.
٥) حركة مكروهة: وهي اليسيرة لغير حاجة ولا يتوقف عليها كمال الصلاة, كالعبث في الصلاة.
﴿مبطلات الصلاة﴾
مبطلات الصلاة هي:
أولاً: كل ما أبطب الطهارة فإنه يبطل الصلاة, كخروج البول أو الغائط أو الريح ونحو ذلك في أثناء الصلاة, ما لم يكن الإنسان به سلس بول, فإنه لا يضر ما يخرج منه أثناء الصلاة.
ثانياً: كشف العورة عمداً, فهذا يبطل الصلاة, سواء كان المنكشف قليلاً أو كثيراً, وسواء طال الزمن أم قصر.
س٣١: ما هي أقسام كشف العورة ؟
ج/ كشف العورة أثناء الصلاة له أقسام هي:
١) كشف العورة عمداً, هذا كما تقدم أنه يبطل الصلاة سواء كان المنكشف قليلاً أو كثيراً, وسواء طال الزمن أو قصر.
٢) إذا كان فاحشاً عرفاً وطال الزمن, أعاد وإن يتعمد.
٣) إذا كان فاحشاً عرفاً وقصر الزمن, لم يعد إذا لم يعتمد, كما لو انكشف شعر المرأة مثلاً ولكنها سترته مباشرة, ولم يطل زمن الإنكشاف, فإن صلاتها صحيحة بشرط أن يكون ذلك عن غير عمد.
стр. 143
٤) إذا كان يسيراً غير عمد, فهذا على الراجح أن الصلاة لا تبطل باليسير إذا كان عن غير عمد, لحديث عمرو بن سلمة ﵁ وفيه ﴿وكنت أؤومهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء, فكنت إذا سجدت تكشفت عني, فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم, فاشتروا لي قميصاً عمانياً فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحتي به﴾ (١).
ثالثاً: استدبار القبلة, لأن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة (٢).
س٣٢: هل يستثنى أحد من شرط استقبال القبلة ؟
ج/ يستثنى من ذلك ما يلي:
١. العاجز عن استقبال القبلة كالمريض فهنا يتجه حيث كان وجهه, ودليل ذلك قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) , وقوله تعالى) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤) , ولقول النبي - ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾ (٥).
٢. حال اشتداد الحرب, فيسقط استقبال القبل’, وقد يقال هذا نوع من العجز, مثل لو كانت الحرب فيها كر وفر, فإنه يسقط عنه استقبال القبلة في هذه الحال, ومثل ذلك أيضاً لو هرب الإنسان من عدو, أو من سيل, أو من حريق أو من زلزال, أو ما أشبه ذلك, فإنه يسقط عنه استقبال القبلة.
٣. المتنفل السائر إذا كان مسافراً, ففي هذه الحالة يسقط عنه استقبال القبلة, حتى عند تكبيرة الإحرام على الراجح.
رابعاً: إذا اتصلت النجاسة بالمصلي ثم علم بها ولم يزلها في الحال, فإن أزالها حالاً صحت صلاته, ودليل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ ﴿أن النبي صلى ذات يوم بنعليه ثم خلع نعليه فخلع الصحابة نعالهم, فسألهم حين انصرف من الصلاة لماذا خلعوا
стр. 144
نعالهم؟ فقالوا رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا, فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى أو قذراً)﴾ (١)(٢).
خامساً: العمل الكثير عادة من غير جنس الصلاة لغير ضرورة, فهذا محرم يبطل الصلاة, وقد تقدم بيان أقسام الحركة في الصلاة (٣).
س٣٣: إلى كم ينقسم العمل في الصلاة ؟
ج/ العمل في الصلاة ينقسم إلى قسمين:
أ- عمل بدني. ... ب- عمل قلبي.
أما العمل البدني (الحركة في الصلاة) فقد تقدم ذكر أقسامها (٤).
س٣٤: تقدم أن من أقسام الحركة ما يبطل الصلاة فما هي شروط ذلك ؟
ج/ ثلاثة شروط هي:
١. أن تكون الحركة كثيرة عادة.
٢. أن تكون الحركة متوالية.
٣. أن تكون الحركة لغير ضرورة, فإذا توفرت هذه الشروط بطلت الصلاة.
س٣٥: العمل القلبي " أي انشغال القلب عن الصلاة " هل يبطل الصلاة أم لا ؟
ج/ يقال العمل القلبي لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون يسيراً, فهذا حكمه لا يبطل الصلاة إجماعاً, قال شيخ الإسلام ﵀ (٥): (والوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلاً باتفاق أهل العلم, بل ينقص الأجر, كما قال ابن عباس ﵁ ﴿ليس لق من صلاتك إلا ما عقلت منها﴾ أ. هـ).
стр. 145
٢ - أن يكون كثيراً بحيث غلب على أكثر الصلاة فقلبه خارج الصلاة, فحكم هذا أما من ناحية الاعتداد بها في الثوب فليس له من أجر الصلاة إلا ما عقل, قال ابن عباس ﵄: (ليس لق من صلاتك إلا ما عقلت منها) , وفي المسند مرفوعاً (إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها, أو ثلثها, أو ربعها, حتى بلغ عشرها) , وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح, ولو اعتد له بها ثواباً لكان من المفلحين.
س٣٦: وهل تجزئ إذا غلب الوسواس على الصلاة وتبرأ بها الذمة أم لا ؟
ج/ على خلاف, والراجح في ذلك إجزاء الصلاة وعدم وجوب إعادتها, بدليل حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال ﴿إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين, فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه فيذكر ما لم يكن يذكر, ويقول: اذكر كذا, اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى, فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس﴾ (١) , قالوا أن النبي - أمره في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدر كم صلى بأن يسجد سجدتي السهو ولم يأمره بإعادتها.
وقالوا أيضاً: ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة, وأما حقائق الإيمان الباطنة فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب.
وقال شيخ الإسلام ﵀ (٢): (أما ما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ من قوله " أني لأجهز جيشي في الصلاة " فذاك لأن عمر كان مأموراً ﵁ بالجهاد, وهو أمير المؤمنين فهو أمير الجهاد, فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلي الذي يصلي صلاة الخوف حال معاينة العدو, إما حال القتال, وإما غير حال القتال, فهو مأمور بالصلاة, ومأمور بالجهاد فعليه أن يؤدي الواجبين ... وعمر ﵁ قد ضرب الله
стр. 146
الحق على لسانه وقلبه, وهو المحدث الملهم, فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره) أ. هـ.
السادس: من مبطلات الصلاة الاستناد إذا كان قوياً لغير عذر, لأن القيام ركن, والمستند قوياً كغير قائم (١).
السابع: رجوع المصلي عالماً للتشهد الأول بعد الشروع في القراءة, وهذه المسألة يذكرها الفقهاء هنا وفي باب سجود السهو.
س٣٧: ما هي حالات القيام عن التشهد الأول ؟
ج/الحالات ثلاث هي:
١ - أن يذكره قبل أن ينهض " أي قبل أن تفارق فخذاه ساقيه " أي أنه لما تهيأ للقيام ذكر أن هذا محل التشهد الأول, ففي هذه الحال يجلس ويتشهد, فإذا أتم صلاته سجد للسهو بعد السلام, لأنه حصل عنده زيادة في الصلاة.
٢ - أن يذكره بعد أن يستتم قائماً, وقبل أن يشرع في قراءة الفاتحة, فهذا على الصحيح أنه لا يرجع, قال السعدي ﵀ (٢): والصحيح أنه إذا قام من التشهد الأول ناسياً ولم يذكر إلا بعد قيامه أنه لا يرجع ولو لم يشرع في القراءة, لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ ﴿أنه صلى فنهض في الركعتين, فسبحوا به فمضى, فلما أتم صلاته سجد سجدتي السهو, فلما انصرف قال: إن رسول الله - صنع ما صنعت﴾ (٣).
وعلى هذا فالصحيح في هذه الحالة انه لا يرجع ويسجد للسهو قبل السلام.
٣ - أن يذكره بعد الشروع في قراءة الركعة الأخرى, فيحرم الرجوع, بل يستمر ويسجد للسهو قبل السلام.
стр. 147
ولو رجع في هذه الحالة عالماً أي غير جاهل, عامداً أي غير ناسٍ, فصلاته باطلة لزيادته فعلاً من جنس الصلاة, أما إن فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً, فصلاته صحيحة.
الثامن: من مبطلات الصلاة تعمد زيادة ركن فعلي في الصلاة, كالركوع مثلاً, فلو زاد ركناً فعلياً في الصلاة, إن كان سهواً فلا تبطل الصلاة وإن كان عمداً بطلت الصلاة, وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أحكام الزيادة في باب سجود السهو. وقوله (فعلى) يخرج القولي, فلو زاد ركناً قولياً فإن صلاته لا تبطل, كما لو قرأ الفاتحة مرتين, أو صلى على النبي - مرتين ونحو ذلك, فإن صلاته لا تبطل.
التاسع: من مبطلات الصلاة أن يتعمد تقديم الأركان بعضها على بعض, كتقديم السجود على الركوع مثلاً, فهذا إن كان متعمداً بطلت الصلاة, وإن كان سهواً فلا تبطل الصلاة, ولكن يجب عليه أن يرجع إلى الركن الذي تركه ما لم يصل إلى محله من الركعة الثانية, فإن وصل إلى محله من الركعة الثانية بطلت الركعة الأولى وحلت الثانية مكانها, وسيأتي إن شاء الله تعالى هذا في باب سجود السهو.
العاشر: أن يتعمد السلام من الصلاة قبل إتمامها, وإذا سلّم المصلي قبل إتمام الصلاة فلا يخلو من حالتين:
١) أن يكون متعمداً, أي سلّم قبل إتمامها بقصد الخروج من الصلاة عمداً بطلت, لأنه على غير ما أمر الله به ورسوله - , بدليل حديث عائشة ﵂ أن النبي - قال ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ (١).
٢) إن كان سهواً, أي ظن أن الصلاة قد تمت ثم ذكر قريباً, أي من زمن قريب, أتمها وسجد, وسيأتي إن شاء الله أين يكون موضع السجود في باب سجود السهو, وإن لم يتذكر إلا بعد زمن كثير فإنه يعيد الصلاة من جديد.
لكن لو سلّم على أنها تمت الصلاة بناءً على أنه في صلاة أخرى لا تزيد على هذا العدد, مثل أن يسلم من ركعتين في صلاة الظهر بناء على أنها صلاة الفجر, فهنا
стр. 148
لا يبني على ما سبق, لأنه سلّم يعتقد أن الصلاة تامة بعددها وأنه ليس فيها نقص, فيكون قد سلّم من صلاة غير الصلاة التي هو فيها, ولهذا لا يبني بعضها على بعض في هذه الحالة.
الحادي عشر: تعمد إحالة المعنى في القراءة سواءً كانت الفاتحة أو غيرها, وإذا لحن المصلي في صلاته لحناً يحيل المعنى فلا يخلو من أمرين:
١. إذا كان عمداً فصلاته باطلة سواء كان ذلك في الفاتحة أو في غيرها.
٢. إذا كان سهواً فلا يخلو من أمرين:
أ- إن كان هذا اللحن في قراءة الفاتحة وذكر فلابد من تصحيحه, حتى لو ركع فإنه يرجع ويصحح ما لحن فيه ويسجد للسهو بعد السلام, وإن وصل إلى محل الفاتحة من الركعة الثانية بطلت الركعة الأولى وقامت الركعة الثانية مقامها ويسجد للسهو بعد السلام.
ب- أما إن كان اللحن في غير قراءة الفاتحة, فإن كان عمداً بطلت الصلاة كما تقدم, وإن كان سهواً وأحال المعنى جبره بسجود السهو.
مثال إحالة المعنى في الفاتحة كما لو قرأ (أنعمتُ) بضم التاء بدل فتحها.
مثال إحالة المعنى في غير الفاتحة كما لو قرأ (إنما يخشى اللهُ) بضم لفظ الجلالة بدل نصبها.
الثاني عشر: إذا دخل المصلي في الصلاة وهو عريان لأنه لم يجد ما يستر به عورته, ثم وجد ما يستر به عورته أثناء الصلاة فله حالتان:
١ - أن تكون السترة بعيدة عرفاً بحيث يحتاج إلى زمن طويل, أو عمل كثير فتبطل صلاته, لأنه لا يمكن الاستتار إلا بما ينافي الصلاة من العمل الكثير, وعلى هذا تكون هذه الحالة من مبطلات الصلاة.
٢ - أن تكون قريبة عرفاً, أي في مكان يعد في العرف أنه قريب, فالواجب على المصلي أن يستتر ويبني على صلاته, كأهل قباء لما علموا بتحويل القبلة استداروا
стр. 149
وأتموا صلاتهم , فحركتهم كانت لمصلحة الصلاة, لكن إذا كان لا يمكن أن يتناول هذه السترة إلا باستدبار القبلة بطلت صلاته.
الثالث عشر: العزم على قطع نية الصلاة, فإن عزم على قطع نية الصلاة بطلت الصلاة, وهذه المسألة لا تخلو من أحوال:
١ - أن يقطع نية الصلاة, فهذا تبطل صلاته بلا إشكال لقطع النية.
٢ - أن يعزم على القطع فتبطل صلاته, لأن النية عزم جازم ومع العزم على قطعها لا جزم فلا نية.
٣ - أن يتردد في قطعها, كمن يسمع من يطرق عليه الباب فيتردد هل يقطع صلاته أم لا؟ فهذا على خلاف والراجح أنه لا تبطل صلاته بذلك, لأن الأصل بقاء النية, والتردد لا ينافي ذلك.
٤ - إذا علّق القطع على شرط, كأن يقول: إن كلمني زيد قطعت صلاتي, فالأقرب في هذه المسألة عدم بطلان الصلاة لبقاء النية.
٥ - أن يعزم على فعل محظور في الصلاة لكنه لم يفعله, كأن يعزم على كلام زيد ولكنه لم يكلمه, أو يعزم على الأكل أو الشرب ولكنه لم يفعل, والراجح عدم بطلان الصلاة لعدم منافاته الجزم, لأنه قد يفعل المحظور وقد لا يفعله.
س٣٨: ما الحكم لو شك في نية العمل كما لو كبر ثم قرأ الفاتحة وسورة بعدها ثم شك هل نوى الصلاة أم لا, فهل يستأنف صلاته من جديد أم يستمر في صلاته ؟
ج/ الراجح أنه يستمر في صلاته, ويحرم خروجه منها لشكه في النية, قال شيخ الإسلام (١): (ويحرم خروجه لشكه في النية للعلم أنه ما دخل إلا بنية).
ولذا قال بعض السلف: لو أن الله تعالى كلفنا عملاً بلا نية لكان تكليفاً بما لا يطاق.
س٣٩: هل الدعاء بملاذ الدنيا من مبطلات الصلاة ؟
ج/ على خلاف, والراجح أنه لا يبطلو فلا بأس أن يدعو المصلي في صلاته بملاذ الدنيا, كما لو قال: اللهم ارزقني بيتاً فسيحاً ونحو ذلك, سواء كان ذلك في السجود
стр. 150
أو في التشهد الأخير, ولا تبطل الصلاة بذلك, وكيف تبطل الصلاة بعبادة؟ لأن الدعاء عبادة, ومما يدل لذلك أن النبي - لما علّم ابن مسعود ﵁ التشهد قال له ﴿ثم ليتخير من الدعاء ما شاء (١)﴾ , وفي لفظ ﴿ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به﴾ (٢) , وفي حديث أنس ﵁ أن النبي - قال ﴿ليسأل أحدكم ربه حتى شسع نعله﴾ (٣) وشسع النعل يتعلق بأمور الدنيا, ومن أجمع ما يدعى به في ذلك ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.
س٤٠: هل تبطل الصلاة بالدعاء لشخص معين بصيغة الخطاب كما لو قال مثلاً (غفر الله لك يا أبي) خاصة إذا كان الدعاء بكاف الخطاب أم لا ؟
ج/ الراجح أن ذلك لا يبطل الصلاة, لأن المصلي إذا قال: غفر الله لك يا فلان وهو يصلي, فإنه لا يعني أنه يخاطبه, ولكن يعني أنه مستحضر له غاية الاستحضار حتى كأنه أمامه, وقد ورد في حديث أبي الدرداء أن النبي - حين تفلت عليه الشيطان قال ﴿ألعنك بلعنة الله﴾ (٤) , فكون هذا مبطلاً للصلاة هذا فيه نظر, قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (ولكن درءاً للشبهة بدل أن نقول: غفر الله لق, فقل: اللهم اغفر له, فهذا جائز بالاتفاق) (٥).
الرابع عشر: من مبطلات الصلاة القهقهة في الصلاة, وهي الضحك بصوت مرتفع يسمع من حوله, فإن كان متعمداً بطلت صلاته.
قال شيخ الإسلام ﵀:) والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية فإنها تنافي الخشوع الواجب في الصلاة, وفيها من الاستخفاف والتلاعب ما يناقض مقصود الصلاة, فأبطلت لذلك لا لكونها كلاماً) (٦).
стр. 151
وقال السعدي ﵀: (والصواب كما قالوا: أن القهقهة في الصلاة كالكلام تبطلها) (١).
لكن لو قهقه رغماً عنه كما لو رأى أو سمع ما يؤدي إلى الضحك فضحك رغماً عنه, فإن صلاته على الراجح لا تبطل, لأنه لم يتعمد المفسد.
س٤١: هل تبطل صلاة المصلي بالتبسم ؟
ج/ لا تبطل صلاته بذلك, لأنه لم يظهر له صوت.
قال ابن المنذر (٢): (أجمع كل من من نحفظ عنه من أهل العلم غير ابن سيرين على أن التبسم في الصلاة لا يفسدها, وروينا عن ابن سيرين أنه قرأ ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا﴾ وقال: لا أعلم التبسم إلا ضحكاً, لكن الصحيح أنها لا تبطل الصلاة بالتبسم, والله أعلم.
الخامس عشر: الكلام في الصلاة عمداً لغير مصلحة الصلاة, فهذا يبطلها بالإجماع.
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى (٣): (وأجمعوا على أن من تكلم في صلاته عامداً وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها أن صلاته فاسدة).
أما إن كان سهواً فالصحيح أنها لا تبطل, قال السعدي ﵀: (والصحيح أن الكلام بعد سلامه سهواً لمصلحتها أو لغير مصلحتها لا يبطل الصلاة, وكذلك الكلام سهواً أو جهلاً في صلبها, لحديث ذي اليدين ,انه تكلم هو والنبي - بعد ما سلم النبي - من صلاته ظاناً أنه أتمها, ولم يأمر أحداً منهم بالإعادة (٤) , وكذلك لما تكلم معاوية بن أبي الحكم السلمي في الصلاة وشّمت العاطس لم يأمره النبي -
стр. 152
بالإعادة (١) , ولأن الناسي, والجاهل غير آثم فلا تبطل صلاته, ولقول الله تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢).
السادس عشر: تقدم المأموم على الإمام, والراجح في ذلك إن لم يكن هناك ضرورة لذلك فإن صلاة المأموم تبطل بتقدمه على إمامه, أما إن كان هناك ضرورة فلا تبطل, والضرورة تدعو إلى ذلك في أيام الجمعة, أو في أيام الحج في المساجد العادية, فإن الأسواق تمتلئ ويصلي الناس أمام الإمام.
وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال (٣): (وذلك لأن ترك التقدم على الإمام غايته أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة, والواجبات كلها تسقط بالعذر, وإن كانت واجبة في أصل الصلاة, فالواجب في الجماعة أولى بالسقوط, ولهذا يسقط عن المصلي ما يعجز من القيام والقراءة واللباس ... وأما الجماعة فإنه يجلس في الأوتار لمتابعة الإمام ولو فعل ذلك منفرداً عمداً بطلت صلاته, وإن أدركه ساجداً أو قاعداً كبر وسجد معه وقعد معه لأجل المتابعة مع أنه لا يعتد له بذلك وأيضاً ففي صلاة الخوف لا يستقبل القبلة, ويعمل الكثير .. لأجل الجماعة) أ. هـ.
السابع عشر: تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام, وذلك فيما لو أحدث الإمام وهو في الصلاة فعند الحنابلة والحنفية أن صلاة الإمام تبطل وكذا صلاة من خلفه, والصحيح في ذلك أن صلاة الإمام تبطل, وأما المأموم فصلاته صحيحة سواء أحدث الإمام وهو يصلي, أو كان محدثاً وتذكر في أثناء الصلاة, أو كان محدثاً ولم يتذكر إلا بعد انتهاء الصلاة, فالراجح هنا بطلان صلاة الإمام فقط وصحة صلاة المأمومين, وعلى هذا إذا أحدث الإمام أثناء الصلاة أو كان محدثاً ولم يتذكر إلا أثناء الصلاة فإنه يقطع صلاته ويستخلف أحداً يصلي بالجماعة, وإن لم يعلم
стр. 153
بالحدث إلا بعد انتهاء الصلاة أعاد الصلاة هو لوحده, وصلاة المأمومين في الحالات الثلاث صحيحة كما تقدم إلا من علم حدث الإمام قبل الصلاة ثم صلى خلفه فصلاته باطلة كالإمام, للأدلة الآتية:
أ. ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي - قال ﴿يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم, وإن أخطئوا فلكم وعليهم﴾ (١).
ب. أن عمر ﵁ لما طعن أخذ بيد عبدالرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة (٢).
ج. أن الأصل صحة صلاة المأمومين.
أما إذا لم يستخلف الإمام فإن المأمومين بالخيار, إذا شاؤا صلوا جماعة بأن يقدموا أحدهم وهو الأحسن, وإن شاؤا صلوا فرادى.
قال شيخ الإسلام ﵀: (والمأموم إذا لم يعلم بحدث الإمام حتى قضيت الصلاة أعاد الإمام وحده ..) (٣).
وفي الشرح الممتع (٤): (ليس هناك شيء تبطل به الصلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام إلا فيما يقوم فيه الإمام مقام المأموم .. مثل السترة فالسترة للإمام سترة لمن خلفه, فإذا مرت امرأة بين الإمام وسترته بطلت صلاة الإمام والمأموم).
الثامن عشر: إذا سلم المأموم قبل إمامه عامداً ذاكراً, فإن صلاة المأموم باطلة, لأنه سابق الإمام ومسابقة الإمام بأي صورة من صورها مبطلة للصلاة, أما إن كان المأموم جاهلاً أو ناسياً, فصلاته صحيحة إلا أن يزول عذره قبل أن يدركه الإمام فإنه يلزمه الرجوع ليأتي بما سبق فيه بعد إمامه, فإن لم يفعل عالماً ذاكراً بطلت صلاته, وإلا فلا.
стр. 154
مثال ذلك: مأموم ركع قبل إمامه مثلاً, إن كان عالماً ذاكراً بطلت صلاته, وإن كان ناسياً أو جاهلاً, فصلاته صحيحة, لكن إن تذكر أو علم قبل أن يركع الإمام وجب على المأموم أن يرفع ويركع بعد الإمام, فإذا لم يفعل ذلك عالماً بطلت صلاته, وإن أدركه الإمام في الركوع فلا شيء عليه.
التاسع عشر: من مبطلات الصلاة الأكل والشرب إذا كان عمداً.
س٤٢: كم عدد صور الأكل والشرب وما حكمها ؟
ج/ قال عثمان في حاشيته على المنتهى (١): " تنبيه" في الأكل والشرب ست عشرة صورة, وذلك لأن الأكل في الصلاة إما أن يكون عمداً أو لا, وعلى التقدير إما إن يكون كثيراً أو قليلاً وعلى التقادير الأربعة إما أن تكون الصلاة فرضاً أو نفلاً, فهذا ثمان صور, ومثلها في الشرب وتلخيصها:
١ - أن كثيرهما يبطل الصلاة مطلقاً سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً كان ذلك عمداً أو سهواً.
٢ - أن يسيرهما عمداً يبطل الفرض فقط دون النفل.
٣ - أن يسير الشرب لا تبطل به صلاة النفل ولو كان عمداً, وعللوا ذلك بأثر ونظر, أما الأثر فقالوا: أن عبدالله بن الزبير ﵁ وعن أبيه ﴿كان يطيل النفل وربما عطس فشرب يسيراً﴾ (٢) , وهذا فعل صحابي, وفعل الصحابي إذا لم يعارضه نص أو فعل صحابي آخر فهو حجة.
وأما النظر فلأن النفل أخف من الفرض, بدليل أن هناك واجبات تسقط في النفل ولا تسقط في الفرض, كالقيام واستقبال القبلة في السفر, فإذا كان النفل أخف وكان الإنسان ربما يطيلها كثيراً سُمح له بالشرب اليسير.
٤ - أن يكون الأكل والشرب يسيراً وسهواً, فهذا لا يبطل الفرض ولا النفل.
стр. 155
٥ - أن يكون الأكل يسيراً وعمداً فهذا يبطل الفرض, أما النفل فعلى خلاف والراجح أن ذلك يبطل الصلاة.
س٤٣: هل بلع ما بين الأسنان يعتبر من الأكل وبالتالي يبطل الصلاة ؟
ج/ قال في الإقناع (١): (ولا بأس ببلع ما بقي في فيه, أو بين أسنانه من بقايا الطعام بلا مضغ مما يجري به ريقه, وهو يسير).
وقال العنقري في حاشيته على الروض: (الذي يجري به الريق هو ماله جرم, فلا يجري إلا بالازدراد, والذي يجري به الريق وهو اليسير الذي لا يمكن الاحتراز منه).
العشرون: من مبطلات الصلاة قالوا: النحنحة في الصلاة, النفخ إذا بان حرفان. وكذا قالوا: إذا انتحب لا خشية لله.
ولكن يقال: أما بالنسبة للنحنحة فالصحيح أنها لا تبطل الصلاة بحال سواء كانت لحاجة أو لغير حاجة وسواء بان منها حرفان أم لا, لأن النبي - غنما حرم التكلم في الصلاة والنحنحة لا يدخل في مسمى الكلام أصلاً, فإنها لا تدخل بنفسها ولا مع غيرها من الألفاظ على معنى, ولا يسمى فاعلها متكلماً, وإنما يفهم مراده بقرينة فصارت كالإشارة.
كذلك النفخ على الصحيح فإنه لا يبطل الصلاة, قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف في النفخ: (فإن هذا ليس كلاماً في اللغة التي خاطبنا بها النبي - والكلام لابد فيه من لفظ دال على المعنى دلالة وصفية تعرف بالعقل فأما مجرد الأصوات الدالة على أحوال المصوتين فليس كل ما دل منهياً عنه في الصلاة كالإشارة فإنها تدل ... ومع هذا لا تبطل ... وفي المسند وسنن أبي داود عن عبدالله بن عمرو ﴿أن النبي - في صلاة الكسوف نفخ في آخر سجوده﴾ (٢).
стр. 156
أما البكاء فإن كان من خشية الله فإنه لا يبطل الصلاة لقوله تعالى ﴿خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ (١) , ولما ورد عن مطرف الشخير عن أبيه قال ﴿رأيت رسول الله يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ (٢) وكان أبو بكر ﵁ إذا قرأ غلبه البكاء, وعمر ﵁ يُسمع نشيجه من وراء الصفوف. وأما إذا كان البكاء لغير خشية الله كما لو أُخبر بموت شخص وهو في الصلاة ثم غلبه البكاء فإن صلاته صحيحة, كذلك ما يغلب على الإنسان من عطاس وتثاؤب فإنه لا يبطل الصلاة كذلك, قال شيخ الإسلام رحمه تعالى: (فأما ما يغلب على المصلي من عطاس وبكاء وتثاؤب فالصحيح عند الجمهور أنه لا يبطل وهو منصوص أحمد وغيره (٣).
﴿باب سجود السهو﴾
مناسبة هذا الباب: أنه لما ذكر الصلاة, شروطها وأركانها, وواجباتها, وسننها, وكيفيتها, وكان يعتري هذه الصلاة شيء من الخلل والسهو والنسيان, أعقب صفة الصلاة بالجابر الأول الذي هو الاستغفار (٤) , ثم الجابر الثاني هو سجود السهو, وإنما بدأ بسجود السهو قبل صلاة التطوع, لأنه في صلب الصلاة أو ملحق بها بخلاف صلاة التطوع فهو خارج عنها.
وسجود السهو اصطلاحاً: عبارة عن سجدتين يسجدهما المصلي لجبر الخلل الحاصل في صلاته, قال ابن القيم في بيان حكمة سجدتي السهو في مدارج
стр. 157
السالكين (١): (وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيماً للشيطان في وسوسته للعبد, وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة, ولهذا أسماهما النبي - بالمرغمتين وأمر من سها بهما).
والسهو تارة يتعدى بـ"عن" , وتارة بـ"في" , فإن عدي بـ"عن" صار مذموماً, وإن عدي بـ"في" صار معفواً عنه, فإذا قيل: سها فلان في الصلاة فهذا من باب المعفو عنه, وإذا قيل: سها فلان عن صلاته صار من باب المذموم, ولهذا قال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ, الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٢) , أي غافلون لا يهتمون بها ولا يقيمونها فهم على ذكر من فعلهم, بخلاف الساهي في صلاته, فليس على ذكر من فعله.
والسهو وقع من النبي - لأنه مقتضي الطبيعة, ولذا لما سها في صلاته قال ﴿إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني (٣)﴾ , فهو من طبيعة البشر, ولا يقتضي ذلك أن الإنسان مُعرضٌ في الصلاة, لأننا نجزم أن أعظم الناس إقامة للصلاة هو الرسول - ومع ذلك وقع منه السهو.
س٤٤: ما هي أنواع السهو الواردة في السنة ؟
ج/ السهو الوارد في السنة أنواع هي (الزيادة, النقص, والشك) وهذه كلها وردت عن النبي - الزيادة والنقص من فعله, والشك من قوله ﵊.
س٤٥: ما هي الصلاة التي يشرع لها سجود السهو ؟
ج/ الضابط أنه يشرع سجود السهو في كل صلاة ذات ركوع وسجود, قال في كشاف القناع (٤): (لأنه لا سجود في صلبها ففي جبرها أولى) وبناءً على هذا فصلاة الجنازة ليس فيها سجود سهو, لأنها ليست ذات ركوع ولا سجود.
стр. 158
قاعدة: سجود السهو واجب لكل فعل أو ترك إذا تعمده الإنسان بطلت صلاته, إذا كان من جنس الصلاة.
من أمثلة ذلك: المصلي يحرم عليه أن يقرأ شيئاً من القرآن في الركوع أو السجود, لقول النبي - ﴿ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً, أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم﴾ (١) أي حري أن يستجاب له.
لكن لو فعل المصلي ذلك سهواً فإنه لا يجب عليه سجود السهو لكنه يسن كما سيأتي, لأن فعل ذلك عمداً لا يبطل الصلاة فلا تنطبق عليه هذه القاعدة.
مثال آخر: لو تكلم الإنسان في الصلاة سهواً, فإنه لا يسجد للسهو حتى ولو كان المتكلم عمداً في الصلاة تبطل صلاته, لأن الكلام ليس من جنس الصلاة.
مثال آخر: لو ترك قول سبحان ربي العظيم في الركوع سهواً فإنه يسجد للسهو وجوباً, لأنه لو ترك ذلك عمداً فإن صلاته باطلة, وهذا الذكر من جنس الصلاة.
س٤٦: تقدم أن أنواع السهو في الصلاة على ثلاثة أقسام, زيادة, ونقص, وشك, فما هي أقسام الزيادة ؟
ج/ الزيادة في الصلاة على نوعين:
١ - زيادة أقوال.
٢ - زيادة أفعال.
فالزيادة في الأقوال تنقسم إلى قسمين:
أ. زيادة أقوال من جنس الصلاة, فهذا يشرع لها سجود السهو.
ب. زيادة أقوال من جنس الصلاة, وهذه لا يشرع لها سجود السهو, كما لو تكلم سهواً كما تقدم.
كذلك الزيادة في الأفعال تنقسم إلى قسمين أيضاً وهما:
стр. 159
أ. أفعال من جنس الصلاة, فهذه يشرع لها سجود السهو, كما لو زاد ركوعاً أو سجدة ونحو ذلك سهواً.
ب. أفعال من غير جنس الصلاة, كالأكل والشرب في الصلاة إذا وقع من الإنسان سهواً, فلا يشرع له سجود السهو, وهل تبطل الصلاة أم لا؟ تقدم بيان صور ذلك فليراجع (١).
س٤٧: متى يجب سجود السهو ؟
ج/ تقدم أن سجود السهو واجب لكل فعل أو ترك إذا تعمده الإنسان بطلت صلاته إذا كان من جنس الصلاة, وقد تقدم ذكر أمثلة على ذلك (٢).
س٤٨: متى يستحب سجود السهو ؟
ج/ سجود السهو تارة يكون واجباً كما تقدم, وتارة يكون مستحباً, ويكون مستحباً إذا ترك مسنوناً سهواً كان من عادته أنه يأتي به, كما لو ترك دعاء الاستفتاح سهواً وكان من عادته قراءته, فإنه يستحب له أن يسجد للسهو ولا يجب عليه, أما لو ترك المسنون عمداً فصلاته صحيحة ولا يشرع له سجود السهو لعدم وجود السبب وهو السهو, قال السعدي ﵀: (فإذا ترك مسنوناً لم تبطل الصلاة ولم يشرع السجود لتركه سهواً, فإن سجد فلا بأس, ولكنه يقيد بمسنون كان من عادته أن يأتي به فتركه سهواً, أما المسنون الذي لم يخطر على باله, أو كان من عادته تركه, فلا يحل السجود لتركه, لأنه لا موجب لهذه الزيادة) أ. هـ (٣).
س٤٩: ما الحكم لو سلم المصلي من الصلاة قبل إتمامها ؟
ج/ لا يخلو الأمر من حالتين:
стр. 160
١ - إن كان ذلك عمداً بطلت الصلاة, لأنه على غير ما أمر الله به ورسوله - وقد قال النبي - ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ (١) , فالله تعالى قد فرض صلاة الظهر مثلاً أربعاً, فإذا سلم من ثلاث أو من ركعتين متعمداً فقد أتى بما ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله - فتبطل.
٢ - إذا سلم قبل إتمامها سهواً, وهذه الحالة لا تخلو من قسمين:
أ- إذا سلم قبل إتمام الصلاة سهواً ظاناً أنها تمت.
مثال ذلك: لو كان يصلي الظهر فسلم من ثلاث ركعات سهواً وهو يظن أنه صلى أربعاً, فهذا إن ذكر قريباً ولم يطل الفصل فإنه يتم ما بقي من صلاته, ويسجد للسهو بعد السلام.
قال في الشرح الكبير (٢): (من سلم قبل إتمام صلاته ساهياً ثم علم قبل طول الفصل ولم ينتقض وضوئه, فصلاته صحيحة لا تبطل بالسلام ... ولا نعلم في جواز الإتمام في حق من نسي ركعة فما زاد, خلافاً) , بدليل حديث أبي هريرة ﵁ قال ﴿صلى بنا رسول الله - إحدى صلاتي العشي (٣) , " قال ابن سيرين: وسماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا " قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم, فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان, ووضع يده اليمنى على اليسرى, وشبك بين أصابعه ﴿ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى﴾ وخرجت السرعان من أبواب المسجد, فقالوا قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبوبكر وعمر فهابا أن يكلماه " وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين " قال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال لم أنسَ ولم تقصر, فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم, فتقدم فصلى ما ترك, ثم سلّم, ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول, ثم رفع رأسه فكبر, ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول, ثم رفع رأسه وكبر, فربما سألوه ثم سلم؟ قال: فنبئت أن عمران بن
стр. 161
حصين قال: ثم سلم (١)﴾ , فالنبي - قال ﴿لم أنسَ﴾ بناءً على إعتقاده, ﴿ولم تقصر﴾ بناءً على الحكم الشرعي.
لكن إذا لم يذكر إلا بعد فاصل طويل فإنه يستأنف الصلاة من جديد, والمرجع في طول الفصل من قصره إلى العرف, قال في الشرح الكبير: (والدليل على أن الصلاة تبطل بطول الفصل أنه أخل بالموالاة فبطلت صلاته, كما لو ذكر في يوم ثان, والمرجع في طول الفصل إلى العرف).
ب- أما إذا سلّم على أنها تمت الصلاة بناءً على أنه في صلاة أخرى لا تزيد على هذا العدد, فهنا لا يبني على ما سبق.
مثاله: لو سلّم من ركعتين في صلاة الظهر بناءً على أنها صلاة الفجر فهنا لا يبني على ما سبق, لأنه سلّم يعتقد أن الصلاة تامة بعددها وأنه بعددها وأنه ليس فيها نقص فيكون قد سلّم من صلاة غير الصلاة التي هو فيها, ولهذا لا يبني بعضها على بعض, قال في الكشاف (٢): (لا إن سلم من رباعية كظهر يظنها جمعة, أو فجراً فائتة, أو التراويح, فيبطل فرضه, لأنه ترك حكم استصحاب النية وهو واجب).
س٥٠: ما الحكم لو ترك المصلي واجباً من واجبات الصلاة ؟
ج/ ترك الواجب لا يخلو من حالتين:
١ - أن يكون ذلك عمداً, فصلاته باطلة.
٢ - أما إذا كان سهواً فإنه يجب عليه سجود السهو, لأن عمده يبطل الصلاة وهو من جنس الصلاة, وقد تقدم في القاعدة ﴿أن سجود السهو واجب لكل فعل أو ترك إذا تعمده الإنسان بطلت صلاته إذا كان من جنس الصلاة﴾.
س٥١: ما هي حالات ترك الواجب في الصلاة ؟
стр. 162
ج/ ترك الواجب لا يخلو من ثلاث حالات:
١ - إذا نقص واجباً فتذكره وهو في محله فإنه يأتي ولا شيء عليه.
مثال ذلك: لو نسي قول (سبحان ربي الأعلى) في السجود, ثم قبل أن ينهض تذكر, فإنه يأتي به ولا شيء عليه.
٢ - أن ينفصل عن محله ولكن قبل أن يتلبس بالركن الذي بعده, فإنه يرجع ويأتي بهذا الواجب, ويسجد للسهو بعد السلام, لأن هذا من قبيل الزيادة.
مثال ذلك: لو قام المصلي عن التشهد الأول, أي أنه نهض ولكن لم يستتم قائماً, فهنا يرجع ويأتي بالتشهد, ويسجد للسهو بعد السلام للزيادة.
٣ - أن يتذكر بعد أن يفارق الواجب ويتلبس بالركن الذي بعده وفهنا لا يرجع للإتيان بالواجب, بل يحرم عليه ذلك, ويسقط عنه الواجب ويجبره بسجود السهو, ويكون السجود قبل السلام, لأن هذا يعتبر نقصاً.
مثال ذلك: لو نسي التسبيح في الركوع ثم رفع من الركوع, وبعد أن اعتدل قائماً تذكر, ففي هذه الحالة لا يرجع, ويسجد للسهو قبل السلام للنقص.
س٥٢: ما الحكم لو شك في زيادة وقت فعلها ؟
ج/هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات:
١ - أن يتيقن الزيادة.
مثال ذلك: ركع وأثناء الركوع تيقن أن هذا الركوع زائداً وأنه ركع قبل ذلك فهنا يجب عليه أن يهوي للسجود مباشرة, ويسجد للسهو بعد السلام للزيادة.
٢ - أن يشك المصلي في الزيادة حين فعلها.
مثال ذلك: كما لو صلى وشك هل هذه هي الركعة الرابعة أم الخامسة, فهنا يجب عليه سجود السهو, لأنه أدى جزءاً من صلاته متردداً في كونه منها, ويكون السجود بعد السلام إن رجّح أحد الأمرين على الآخر, ويكون قبل السلام إذا لم يترجح عنده
стр. 163
شيء, لأنه إذا شك ولم يترجح عنده شيء يأخذ باليقين, واليقين هو الأقل, ففي هذا المثال يجعلها أربعاً ويسجد للسهو قبل السلام, كما سيأتي بيان القاعدة في السجود متى يكون قبل السلام ومتى يكون بعد السلام.
٣ - الشك في الزيادة بعد الانتهاء منها.
مثال ذلك: لو كان قائماً فشك هل زاد ركوعاً أو سجوداً, فهنا لا يسجد, لأنه شك في سبب وجوب السجود والأصل عدمه.
س٥٣: ما الحكم لو ترك السجود للسهو إذا وجب عليه ؟
ج/ ترك السجود للسهو لا يخلو من حالتين:
١ - أن يكون السجود للسهو واجباً قبل السلام (١) , فهنا إن تركه عمداً بطلت الصلاة, وإن تركه سهواً إن تذكره قريباً ولم يطل الفصل, فإنه يأتي به, وإن طال الفصل كأن يكون خرج من المسجد, أو فارقت المرأة مصلاها وطال الفصل فإنه يسقط.
٢ - أن يكون السجود للسهو بعد السلام, فهذا إن تركه سهواً رجه وأتى به إن لم يطل الفصل, فإن طال الفصل سقط عنه ولا شيء عليه, أما عمداً فهو آثم لكن صلاته صحيحة, وقد ذكرنا أن السجود إذا كان قبل السلام وتركه الإنسان عمداً فصلاته باطلة, أما إذا كان بعد السلام وتركه عمداً فصلاته صحيحة, والفرق بينهما أن السجود الذي محله قبل السلام واجب في الصلاة, لأنه قبل الخروج منها, والسجود الذي محله بعد السلام واجب لها, لأنه بعد الخروج منها, والذي تبطل به الصلاة إذا تعمد تركه هو ما كان واجباً في الصلاة لا ما كان واجباً لها, ولهذا لو ترك التشهد الأول مثلاً عمداً بطلت الصلاة, لأنه واجب في الصلاة, ولو ترك إقامة الصلاة عمداً لم تبطل صلاته, لأن الإقامة واجب للصلاة, وكذلك على القول الراجح لو ترك صلاة الجماعة عمداً فإن صلاته لا تبطل, لأن الجماعة واجبة للصلاة لا واجبة فيها, لكنه آثم لتركه صلاة الجماعة.
стр. 164
س٥٤: متى يسجد المصلي للسهو إذا سها في صلاته, هل يسجد قبل السلام أم بعد السلام ؟
ج/ إذا كان السجود قبل السلام في حالتين هما:
أ- إذا كان السهو عن نقص, كما لو نسي أن يقول (سبحان ربي الأعلى) في السجود مثلاً, بدليل حديث عبدالله بن بحينة ﵁ ﴿أن النبي - قام من ركعتين في الظهر فلم يجلس, فقام الناس معه فلما قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلّم﴾ (١) , وأيضاً المعنى يؤيد ذلك لأن الصلاة نقصت فاحتاجت إلى جابر والجابر يكون في الصلاة.
ب- إذا كان السهو عن شك ولم يترجح عنده أحد الأمرين.
مثال ذلك: شك المصلي هل صلى ثلاثاً أم أربعاً وتساوى الشك عنده فهنا يبني على اليقين, واليقين هو الأقل فيجعلها ثلاثاً ويأتي بركعة رابعة, ويسجد للسهو قبل السلام, لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - قال ﴿إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ , فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن, ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم, فإن كان صلى خمساً شفعن صلاته, وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان﴾ (٢).
ويكون السجود بعد السلام في حالتين هما:
أ. إذا كان السهو عن زيادة كما لو زاد ركوعاً أو سجوداً ونحو ذلك, ودليل ذلك حديث عبدالله بن مسعود ﴿﵁ أن رسول الله - صلى الظهر خمساً, فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمساً فسجد سجدتين بعد ما سلّم (٣)﴾.
ب. إذا كان السهو عن شك وترجح عنده أحد الأمرين, مثاله: شك في صلاة الظهر مثلاً هل صلى ثلاثاً أم أربعاً, فإن ترجح عنده أنها ثلاث يجعلها ثلاثاً ويأتي بركعة رابعة, وأن ترجح عنده أنها أربعاً جعلها أربعاً, وإن ترجح عند أنها أربعاً جعلها أربعاً
стр. 165
ثم يسجد سجدتين بعد أن يسلم, ويدل لذلك حديث عبدالله بن مسعود ﵁ أن النبي - قال ﴿إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم, ثم يسجد سجدتين (١)﴾.
وأيضاً المعنى يؤيد ذلك, وذلك حتى لا يجتمع زيادتان في الصلاة.
وهذا التقسيم هو الراجح في المسألة مع وجود الخلاف في ذلك, قال شيخ الإسلام ﵀: (وأظهر الأقوال وهو رواية عن الإمام أحمد التفريق بين الزيادة والنقص, وبين الشك مع التحري, والشك مع البناء على اليقين, فإذا كان السجود عن نقص كان قبل السلام, لأنه جابر لا تتم الصلاة به, وإن كان لزيادة كان بعد السلام, لأنه إرغام للشيطان لئلا يجمع بين زيادتين في الصلاة, وكذلك إذا شك وتحرى فإنه يتم صلاته, وإنما السجدتان إرغام للشيطان لئلا يجمع بين زيادتين في الصلاة, وكذلك إذا شك وتحرى فإنه يتم صلاته, وإنما السجدتان إرغام للشيطان فتكونان بعده, وكذلك إذا سلم وقد بقي عليه بعض صلاته ثم أكملها فقد أتمها والسلام فيها زيادة, والسجود في ذلك بعد السلام ترغيماً للشيطان, وأما إذا شك ولم يبين له الراجح فيعمل هنا على اليقين فإما أن يكون صلى خمساً أو أربعاً, فإن كان صلى خمساً فالسجدتان تشفعان له صلاته ليكون كأنه صلى ستاً لا خمساً, وهذا إنما يكون قبل السلام, فهذا القول الذي نصرناه تستعمل فيه جميع الأحاديث الواردة في ذلك) أ. هـ (٢).
س٥٥: هل السجود على التقسيم السابق واجب أم على سبيل الاستحباب ؟
ج/ الراجح أنه ما كان قبل السلام يجب السعود فيه قبل السلام, وما كان بعد السلام فإنه يجب أن يجد بعد السلام, وهذا على سبيل الوجوب لا على سبيل الاستحباب, قال شيخ الإسلام ﵀ (٣): (وما شرع من السجود قبل السلام يجب فعله قبل
стр. 166
السلام, وما شرع بعد السلام لا يفعل إلا بعده وجوباً, وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره, وعليه يدل كلام أحمد وغيره من الأئمة).
س٥٦: إذا كان سجوده بعد السلام فهل يتشهدان أم تشهداً واحداً ؟
ج/ المسألة على خلاف فبعضهم يقول: بأنه يتشهد التشهد الأخير ثم يسلم, ثم يسجد سجدتي السهو ثم يتشهد مرة ثانية ويسلم.
والراجح أنه لا يتشهد إلا مرة واحدة, فإذا سلّم من صلاته سجد سجدتي السهو ثم سلّم من دون أن يتشهد.
س٥٧: لو نسي الإنسان سجود السهو وخرج من المسجد, أو فارقت المرأة مصلاها فهل نقول أن هذا من أسباب سقوط سجود السهو حتى لو لم يطل الفصل أم لا ؟
ج/ على خلاف, والراجح في ذلك أن المعتبر طول الفصل, على هذا إذا تذكر الإنسان سجود السهو بعد خروجه من المسجد, أو المرأة بعد مفارقة مصلاها ولم يطل الفصل, فإن المصلي يرجع ويسجد, وإن طال الفصل فإنه لا يسجد, فالعبرة بطول الفصل من عدمه.
س٥٨: إذا نسي سجود السهو ثم أحدث فهل يسقط عنه السجود ولو لم يطل الفصل لحدثه أم لا ؟
ج/ الراجح في ذلك أنه إذا طال الفصل سقط عنه السجود, كما لو احتاج تحصيل الماء إلى وقت طويل. أما إذا كان الفاصل قصيراً بأن كان الماء حاضراً فتوضأ مباشرة ولم يطل الفصل فإن السجود لا يسقط فيتوضأ ويسجد للسهو, والله تعالى أعلم.
س٥٩: إذا سها المأموم مع الإمام في الصلاة فما حكمه ؟
ج/ إذا كان سهوا المأموم في الواجبات فالخلاصة في ذلك أن المأموم له حالتان:
стр. 167
١ - أن يكون غير مسبوق فلا يسجد إلا تبعاً لإمامه, وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك, قال ابن المنذر (١): (وأجمعوا على أنه ليس على من سها خلف الإمام سجود, وانفرد مكحول فقال: عليه وأجمعوا على أن المأموم إذا سجد إمامه أن يسجد معه).
مثال ذلك: أدرك المأموم الصلاة مع الإمام من أولها ثم نسي المأموم أن يقول مثلاً (سبحان ربي الأعلى) في إحدى السجدات فإنه لا يسجد للسهو, لأنه غير مسبوق, فلا يسجد إلا تبعاً لإمامه.
٢ - أن يكون مسبوقاً فيسجد في الحالات الآتية:
أ. إذا سها سواء كان سهوه مع الإمام, أو فيما انفرد به.
مثال ذلك: مأموم فاتته ركعة ونسي مثلاً قول (سبحان ربي العظيم) فيما أدركه مع الإمام, أو كان مثال ذلك بعد قيامه لقضاء ما فاته فهنا يسجد للسهو, حتى ولو سها الإمام وسجد للسهو قبل السلام, وكان سهو المأموم فيما أدركه مع الإمام, فإنه لا يسقط السهو عن المأموم.
مثال ذلك: مأموم فاته ركعة مع الإمام, وفي الركعة الثانية مع الإمام نسي المأموم التسبيح في الركوع مثلاً, كذلك حصل للإمام ما يوجب سجود السهو قبل السلام, وحينما انتهى الإمام من صلاته سجد للسهو وسجد المأموم معه, فهذا السجود لا يكفي للمأموم, بل إذا قام المأموم وقضى ما فاته فإنه يسجد للسهو, قال عثمان في حاشيته على المنتهى (٢): (وظاهره , سواء سجد مع الإمام لسهو الإمام أو لا فإن سجود المسبوق محله بعد سلام الإمام لا قبله كما عرفت).
ب. إذا كان سجود الإمام بعد السلام وكان المأموم مسبوقاً, فإن المأموم لا يتابع الإمام في السجود وإنما يسجد المأموم للسهو بعد قضاء ما فاته إن كان أدرك السهو
стр. 168
مع الإمام, وإن لم يكن أدرك السهو مع الإمام فإنه لا يسجد, وإن كان لا يعلم هل أدرك أم لا لكون سجود الإمام لسبب خفي فهنا في هذه الحالة يسجد المأموم كذلك.
ج. إذا لم يسجد الإمام والمأموم يرى وجوب سجود السهو, أو تركه الإمام سهواً وعند هذه المسألة قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله تعالى: (لو فرض أن الإمام لا يرى وجوب سجود السهو, والمأموم يرى وجوب سجود السهو, مثلاً: التشهد الأول فإن بعض العلماء يرى أنه سنة, كما هو مذهب الشافعي, وليس بواجب, فإذا ترك الإمام التشهد الأول ولم يسجد للسهو بناءً على أنه سنة, وإن السنة لا يجب لها سجود سهو, فهل على المأموم الذي يرى أن سجود السهو واجب سجود أم لا؟
الجواب: لا, لأن إمامه أنه لا سجود عليه, وصلاته مرتبطة بصلاة الإمام, وهو لم يحصل منه خلل, فالمأموم يجب أن يتابع الإمام, وقد قام بما يجب عليه, أما لو كان كان الإمام يرى وجوب سجود السهو وسبح به للسجود ولكنه لم يسجد فقال الفقهاء ﵏: يسجد المأموم إذا أيس من سجود إمامه, لأن صلاته مرتبطة بصلاة الإمام, والإمام فعل ما يوجب السجود وترك السجود من غير تأويل, فوجب على المأموم أن يجبر هذا النقص ويسجد) أ. هـ (١).
س٦٠: ما الحكم لو قام المصلي إلي ركعة زائدة ؟
ج/ هذه المسألة لا تخلو من حالتين:
١ - ألا يعلم بهذه الزيادة إلا بعد الفراغ منها, فهنا يسجد للسهو بعد السلام, أي يكمل التشهد ويسلم ويسجد سجدتين للسهو ويسلّم, وإنما يكون السجود للسهو في هذه الحالة بعد السلام, للأدلة الآتية:
أ. ما روى ابن مسعود ﵁ ﴿أن النبي - صلى خمساً فلما انفتل قالوا إنك صليت خمساً, فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلّم﴾ (٢).
ب. حديث ذي اليدين كما ورد ذلك من حديث أبي هريرة ﵁ ﴿فإن النبي - سلّم من ركعتين ثم ذكّروه, فأتم الصلاة وسلم, ثم سجد سجدتين وسلّم﴾ (٣) , فكونه سلّم من
стр. 169
ركعتين هذه زيادة وليس بنقص كما يعتقد البعض, وهنا سجد للسهو عن الزيادة بعد السلام.
ج. أن الزيادة, زيادة في الصلاة, وسجود السهو زيادة أيضاً, فكان من الحكمة أن يؤخر سجود السهو إلى ما بعد السلام لئلا يجتمع في الصلاة زيادتان.
٢ - ن يعلم المصلي بالزيادة في أثنائها, فهنا يجب عليه أن يجلس في الحال بدون تكبير, لأنه لو لم يجلس لزاد في الصلاة عمداً وذلك يبطلها, قال في المغني (١): (فإن مضى في موضع يلزمه الرجوع أو رجع في موضع يلزمه المضي, عالماً بتحريم ذلك فسدت صلاته, لأنه ترك واجباً في الصلاة عمداً).
ومن الخطأ ما يتوهمه بعض الناس أنه إذا قام إلى ركعة زائدة أن حكم ذلك حكم من قام عن التشهد فيظن أنه إذا قام إلى الزائدة وشرع في القراءة حرم عليه الرجوع, وهذا وهم وخطأ فالزائد لا يمكن الاستمرار فيه أبداً متى ذكر وجب عليه أن يرجع ليمنع هذه الزيادة, لأنه لو استمر في الزيادة مع علمه بها لزاد في الصلاة شيئاً عمداً وهذا لا يجوز.
وإذا جلس تشهد إن لم يكن تشهد, أي أنه إذا علم بالزيادة قلنا يجلس في الحال ويقرأ التشهد إلا أن يكون قد تشهد قبل أن يقوم للزيادة, وهل يمكن أن يزيد بعد أن يتشهد؟ الجواب: نعم يمكن ذلك بأن يتشهد في الرابعة, ثم ينسى ويظن أنها الثانية ثم يقوم للثالثة في ظنه, ثم يذكر بعد القيام بأن هذه هي الخامسة وأن التشهد الذي قرأ هو التشهد الأخير.
وبناءً على هذا فالخلاصة: أنه إذا علم أثناء الزيادة جلس في الحال, فإن كان التشهد سلّم مباشرة وسجد للسهو بعد السلام, وإن لم يكن تشهد فإنه يتشهد ويسلم ثم يسجد سجدتين بعد السلام.
стр. 170
س٦١: ما الحكم لو قام المصلي إلى ثالثة في صلاة مقصورة, أي رجل مسافر قام إلى ثالثة في صلاة الظهر مثلاً " لثالثة في حق المسافر زيادة " فهل يلزمه الرجوع في هذه الحال أو له أن يكمل ؟
ج/ الصحيح في ذلك أنه يرجع, لأن هذا الرجل دخل على أنه يريد أن يصلي ركعتين فليصلِ ركعتين ولا يزيد, وفي هذه الحال يسجد للسهو بعد السلام.
س٦٢: رجل يصلي صلاة الليل " وصلاة الليل مثنى مثنى " فقام إلى الثالثة ناسياً فما الحكم ؟
ج/ يرجع فإن لم يرجع بطلت صلاته, لأنه تعمد الزيادة, ولهذا نص الإمام أحمد ﵀ على أنه إذا قام في صلاة الليل إلى ثالثة فكرجل قام في صلاة الفجر إلى ركعة ثالثة أي إذا لم يرجع بطلت صلاته, لكن يستثنى من ذلك الوتر, فإن الوتر يجوز للإنسان أن يزيد فيه على ركعتين, فلو أوتر بثلاث جاز, وعلى هذا إذا دخل الإنسان بالوتر بنية أن يصلي ركعتين ثم يسلّم ثم يأتي بالثالثة لكنه نسي فقام إلى الثالثة بدون سلام, فنقول: له أم الثالثة, لأن الوتر يجوز فيه الزيادة على ركعتين.
س٦٣: إذا سبح للإمام ثقتان على أنه أخطأ في صلاته فهل يرجع إلى قولهما ؟
ج/ هذه المسألة لا تخلو من خمس حالات:
١ - أن يجزم بصواب نفسه " أي الإمام " ففي هذه الحالة يستمر ولا يلزمه الرجوع إليهما.
٢ - أن يجزم بصوابهما, فهنا يجب عليه الرجوع إلى قولهما.
٣ - أن يغلب على ظنه صوابهما, وهنا يجب عليه الرجوع إلى قولهما كذلك.
٤ - أن يغلب على ظنه خطؤهما, فهنا الأقرب أنه لا يأخذ بقولهما.
٥ - أن يتساوى الأمران, فهنا الأقرب أنه يأخذ بقولهما.
س٦٤: إذا قام الإمام لركعة زائدة وتيقن المأموم ذلك فهل يتابعه أم لا ؟
стр. 171
ج/ يقال لا يجوز له متابعة الإمام في هذه الزائدة إذا تيقنها بل يفارقه, قال في حاشية العنقري: (ومتى لم يرجع الإمام وكان المأموم على يقين من خطأ الإمام لم يتابعه, لأنه إنما يتابعه في أفعال الصلاة وليس هذا منها, وينبغي أن ينتظره هنا لأن صلاة الإمام صحيحة لم تفسد بزيادته فينتظره كما ينتظر الإمام المأمومين في صلاة الخوف) أ. هـ (١).
فإذا تابع الإمام في الزائدة من يعلم أنها زائدة فصلاته باطلة, لكن من تابع الإمام جهلاً بالحكم أو نسياناً فصلاته صحيحة للعذر, لأنه فعل هذا المحظور على وجه الجهل أو النسيان, ودليل ذلك قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا (٢)﴾.
س٦٥: ما حكم من قام عن التشهد الأول سهواً ؟
ج/ هذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات:
١ - أن يذكره قبل أن ينهض " أي قبل أن تفارق فخذاه ساقيه " أي أنه لما تهيأ للقيام ذكر أن هذا محل التشهد الأول, ففي هذه الحال يجلس ويتشهد, فإذا أتم صلاته سجد للسهو بعد السلام, لأنه حصل عنده زيادة في الصلاة.
وقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (٣) سؤالاً مفاده: مصلِ نهض من التشهد الأول وذكر قبل أن يستتم قائماً فهل يرجع للتشهد أو يستتم قائماً, ومتى يسجد للسهو قبل السلام أو بعده في تلك الحال؟
فأجاب ﵀ قائلاً: (إذا نهض المصلي عن التشهد الأول وذكر قبل أن يستتم قائماً فيجب عليه الرجوع, ويسجد للسهو, وموضعه بعد السلام).
٢ - أن يذكره بعد أن يستتم قائماً لكن قبل أن يشرع في القراءة, فهنا على الراجح أنه لا يرجع لأنه انفصل عن التشهد تماماً, حيث وصل إلى الركن الذي يليه, قال السعدي ﵀: (والصحيح أنه إذا قام من التشهد الأول ناسياً ولم يذكر إلا بعد قيامه أنه لا يرجع, ولو لم يشرع في القراءة, لحديث المغيرة أن النبي - قال ﴿إذا قام
стр. 172
أحدكم من ركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس, فإن استتم قائماً فلا يجلس وليسجد سجدتين (١)﴾ , وقولهم القراءة ركن مقصود, وكذلك القيام ركن مقصود, ولأن بقية الواجبات إذا لم يذكرها إلا بعد وصوله إلى الركن الذي بعدها فإنها تسقط) أ. هـ (٢).
٣ - أن يذكره بعد الشروع في قراءة الركعة الأخرى فهنا يحرم عليه الرجوع, بل يستمر ويسجد للسهو قبل السلام, فإن رجع عالماً عامداً بطلت صلاته, لا نسياناً أو جهلاً.
فائدة: ما ذكرناه في ترك التشهد الأول يجري على من ترك واجباً آخر مثل: التسبيح في الركوع, فلو نسي أن يقول (سبحان ربي العظيم) ونهض من الركوع وذكر قبل أن يستتم قائماً فإنه يلزمه الرجوع, وإن استتم قائماً حرم عليه الرجوع, وعليه أن يسجد للسهو لأنه ترك واجباً, ويكون قبل السلام, لأنه عن نقص, وهكذا في بقية الواجبات.
والقاعدة في نقص الواجبات كما في رسالة السهو للشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
" إذا ترك واجباً من واجبات الصلاة متعمداً بطلت صلاته, وإن كان ناسياً وذكره قبل أن يفارقه محله من الصلاة أتى به ولا شيء عليه, وإن ذكره بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه رجع فأتى به ثم يكمل صلاته ويسلّم ثم يسجد بعد السلام, وإن ذكره بعد وصوله إلى الركن الذي يليه سقط فلا يرجع إليه, فيستمر في صلاته ويسجد قبل السلام " أ. هـ (٣).
س٦٦: إذا قام الإمام عن التشهد الأول ناسياً فهل يلزم المأموم متابعته ؟
ج/ نعم يلزمه أن يتابعه في هذه الحال, لحديث ﴿إنما جعل الإمام ليؤتم به ... الحديث﴾ (٤) , ولأن الصحابة رضوان الله عليهم تابعوا النبي - لما قام عن
стр. 173
التشهد الأول سهواً كما ورد ذلك في حديث عبدالله بن بحينة ﵁ ﴿أن النبي - صلى بهم الظهر فقام الركعتين الأوليين ولم يجلس قبل أن يسلم ثم سلّم﴾ (١).
مسألة: من أنواع السهو في الصلاة الشك وهو النوع الثالث من أنواع السهو مع الزيادة والنقص.
والشك هو: التردد بين أمرين أيهما الذي وقع.
س٦٧: الشك لا يلتفت إليه في ثلاثة مواضع فما هي هذه المواضع ؟
ج/ المواضع هي:
١ - إذا كان الشك بعد الانتهاء من الصلاة فلا عبرة به إلا أن يتيقن الزيادة والنقصان, فإذا كان متيقناً عمل بمقتضى يقينه كما سيأتي بيانه.
مثال ذلك: إذا سلّم المصلي ثم شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ يقال لا تلتفت لهذا الشك فلا ترجع لصلاتك ولا تسجد للسهو, لأن الصلاة تمت على وجه شرعي, ولم يوجد ما ينقض هذا الوجه الشرعي, فالمصلي لما سلّم لا إشكال عنده أن الصلاة تامة وبرئت بها الذمة فورود الشك بعد أن برئت الذمة لا عبرة به, لكن إن كان الشك له قوة من النظر بحيث تأكد من ذلك فإن الشك هنا يعتبر ويعمل به.
٢ - إذا كان الشك وهماً, أي طرأ على الذهن ولم يستقر, كما يوجد هذا في الموسوسين فلا عبرة به أيضا فلا يلتفت إليه, والإنسان لو طاوع الوهم لتعب تعباً عظيماً.
٣ - إذا كثرت الشكوك مع الإنسان حتى صار لا يفعل فعلاً إلا شك فيه, إن توضأ شك, وإن صلى شك, وإن صام شك ... وهكذا في بقية العبادات, فهذا أيضاً لا عبرة به, لأن هذا مرض وعلة والكلام مع الإنسان الصحيح السليم من المرض, والإنسان الشكاك هذا يعتبر ذهنه غير مستقر فلا عبرة به.
стр. 174
س٦٨: بقينا في الشك إذا كان خالياً من هذه الأمور الثلاثة فما الحكم ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فقال: (إن الشك في الصلاة في هذه الحالة لا يخلو من أمرين:
الحالة الأولى: أن يترجح عنده أحد الأمرين, فيعمل بما ترجح عنده فيتم عليه صلاته فليتحرَ الصواب فليتم عليه ثم ليسلّم ثم يسجد سجدتين) (١).
الحالة الثانية: أن لا يترجح عنده أحد الأمرين, فيعمل باليقين وهو الأقل فيتم عليه صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلّم ثم يسلّم.
مثال ذلك: شخص يصلي العصر فشك في الركعة هل هي الثانية أو الثالثة؟ ولم يترجح عنده أنها الثانية أو الثالثة, فإنه يجعلها الثانية, فيشهد التشهد الأول ويأتي بركعتين ويسجد للسهو ويسلّم, ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - قال ﴿إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صبى ثلاثاً أم أربعاً؟ , فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم, فإن كان صلى خمساً شفعن صلاته, وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان﴾ (٢) , (٣) , والشك في ترك الركن يأخذ نفس الحكم ولا فرق.
س٦٩: إذا جاء المأموم والإمام راكع فكبر للإحرام ثم ركع ثم شك هل أدرك الإمام في الركوع أم أن الإمام رفع قبل أن يدركه فهل يعتبر مدركاً للركعة أم لا ؟
ج/ في هذه المسألة يقال: لإن ترجح عنده أحد الأمرين عمل بما ترجح فأتم عليه صلاته وسلّم ثم سجد للسهو وسلّم, إلا إن لا يفوته شيء من الصلاة فإنه لا يسجد للسهو, لأنه تقدم أن المأموم إذا كان غير مسبوق وكان سهو الإمام في الواجبات فإنه لا يسجد إلا تبعاً لإمامه وإن لم يترجح عنده شيء عمل باليقين, وهو أن الركعة فاتته فيتم عليه صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلّم ثم يسلّم.
стр. 175
س٧٠: لو بنى المصلي بعد الشك على اليقين أو على غالب ظنه ثم تبين أنه مصيب فيما فعل فهل يلزمه السجود ؟
مثاله: رجل شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً بدون ترجيح؟ فجعلها ثلاثاً بناءً على اليقين " كما تقدم أنه إذا لم يترجح لديه شيء يبني على اليقين واليقين هو الأقل " فهنا جعلها ثلاثاً وأتى بركعة رابعة, لكن في أثناء الصلاة هذه الركعة تيقن أن هذه هي الركعة الرابعة فهل يلزمه سجود للسهو أم لا؟
ج/ على خلاف والراجح أن عليه سجود السهو قبل السلام, كما تقدم لأن النبي - قال ﴿لم يدرِ كم صلى﴾ (١) , وهذا لجل أن يبني على ما عنده, وظاهره أنه لو درى فيما بعد فإنه يسجد لقوله ﴿فإن كان صلى خمساً شفعن صلاته, وإن كان صلى إتماماً كانتا ترغيماً للشيطان﴾ (٢) , ولأنه أدى هذه الركعة وهو شاك هل هي زائدة أو غير زائدة؟ فيكون أدى جزءاً من صلاته متردداً في كونه منها فيلزمه السجود, وهذا القول دليله وتعليله قوي, وفيه أيضاً ترجيح من وجه ثالث وهو الاحتياط (٣).
س٧١: ما حكم من نقص ركناً من أركان الصلاة ؟
ج/ نقص الركن من أركان الصلاة لا يخلو من قسمين:
١ - أن يكون ذلك عمداً فالصلاة باطلة.
٢ - أن يكون ذلك سهواً, وهذا القسم لا يخلو من ثلاث حالات:
أ. أن يكون المتروك تكبيرة الإحرام, فالصلاة هنا لم تنعقد أصلاً.
ب. أن يكون المتروك من الأركان غير تكبيرة الإحرام, كالركوع مثلاً, ويتذكر المصلي هذا الركن أثناء الصلاة, فهذه الحالة على خلاف, والراجح في ذلك: أن المصلي إذا وصل إلى محل هذا المتروك من الركعة التي بعدها لغت الركعة
стр. 176
السابقة, وإن لم يصل يرجع إلى هذا المتروك وأتى به, ويسجد في كلتا الحالتين للسهو بعد السلام.
مثال ذلك: مصلٍ نسي السجدة الأولى من الركعة الأولى مثلاً , إن تذكر قبل أن يصل إلى السجدة الأولى من الركعة الثانية رجع إلى السجدة وسجدها ثم أكمل بقية الصلاة ويسجد للسهو بعد السلام, وإن لم يتذكر هذه السجدة التي تركها إلا بعد أن وصل إلى محلها من الركعة الثانية لغت الركعة الأولى وقامت الثانية مقامها, وسجد للسهو بعد السلام كذلك.
ج. أن يترك المصلي ركناً من أركان الصلاة سهواً غير تكبيرة الإحرام, ولكنه لم يتذكر إلا بعد انتهاء الصلاة, فالحكم هنا إن كان المتروك في الركعة الأخيرة من الصلاة أتى به وبما بعده فقط, وإن كان المتروك في غير الركعة الأخيرة, فإنه يأتي بركعة كاملة على الصحيح, ويسجد للسهو بعد السلام.
مثال ذلك: مصلِ نسي السجدة الأولى من إحدى الركعات ولم يتذكر إلا بعد انتهاء الصلاة, إن كانت هذه السجدة المتروكة في الركعة الأخيرة من الصلاة أتى بالسجدة وبما بعدها فقط ثم سجد للسهو بعد السلام, وإن كانت هذه السجدة المتروكة في غير الركعة الأخيرة من الصلاة أتى بركعة كاملة وسجد للسهو بعد السلام أيضاً, وهذا إذا لم يطل الفصل أما إذا طال الفصل فإنه يستأنف الصلاة من جديد.
س٧٢: ما حكم من سها مراراً ؟
ج/ من سها مراراً كفاه سجدتان.
مثال ذلك: ترك قول (سبحان ربي العظيم) في الركوع, وترك التشهد الأول, وترك قول (سبحان ربي الأعلى) وفي السجود سهواً, فهذه ثلاثة أسباب توجب سجود السهو, فيكفي لها سجدتان لأن الواجب هنا من جنس واحد فدخل بعضه في بعض, كما لو أحدث ببول, وغائط, وريح, وأكل لحم إبل, فإنه يكفيه وضوء واحد, ولا يلزمه
стр. 177
أن يتوضأ لكل سبب وضوءاً, فهنا أسباب السجود تعددت لكن الواجب في هذه الأسباب واحد, وهو وجود السهو فتداخلت.
س٧٣: ما الحكم إذا اجتمع سببان أحدهما يوجب سجود السهو قبل السلام والآخر يوجب السجود بعد السلام, فهل يسجد قبل السلام أم بعد السلام ؟
مثال ذلك: مصلٍ ركع في ركعة ركوعين, فهنا زيادة توجب سجود السهو بعد السلام, وترك قول (سبحان ربي العظيم) في الركوع سهواً, فهنا نقص يوجب سجود السهو قبل السلام, فهل يسجد قبل السلام أم بعد السلام؟
ج/ مذهب الحنابلة يغلّب ما قبل السلام مطلقاً, فعلى هذا يسجد قبل السلام سجدتين تكفي عن السهوين معاً, لأن ما قبل السلام جبرة واجب, ومحله قبل أن يسلم فكانت المبادرة بجبر الصلاة قبل إتمامها أولى من تأخير الجابر.
﴿باب صلاة التطوع﴾
مناسبة هذا الباب لما قبله: لما ذكر المصنف ﵀ الجابر الثاني من جوابر الصلاة وهو سجود السهو أتبعه ﵀ بالجابر الثالث الذي هو صلاة التطوع.
س٧٤: ما معنى التطوع ؟
ج/ التطوع لغةً: فعل الطاعة, وهو يطلق على فعل الطاعة مطلقاً, فيشمل حتى الواجب, قال تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١) , مع أن
стр. 178
الطواف بهما ركن من أركان الحج والعمرة, والمراد بالتطوع في اصطلاح الفقهاء: كل طاعة ليست واجبة.
ومن حكمة الله ورحمته بعباده أنه شرع لكل فرض تطوعاً من جنسه ليزداد المؤمن إيماناً بفعل هذا التطوع, ولتكمل به الفرائض يوم القيامة, فإن الفرائض يعتريها النقص, فتكمل بهذه التطوعات التي من جنسها, فالوضوء واجب وتطوع, والصدقة ولجب وتطوع, والصيام واجب وتطوع, والحج واجب وتطوع, والجهاد واجب وتطوع, والعلم واجب وتطوع وهكذا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (والتطوع يكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن المصلي قد أتمها, وفيه حديث مرفوع رواه أحمد في المسند, وكذلك الزكاة وبقية الأعمال) (١).
س٧٥: ما أفضل التطوعات على سبيل العموم ؟
ج/ على خلاف في ذلك, والراجح أن يقال أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن, فقد نقول لشخص الأفضل في حقك الجهاد, والآخر الأفضل في حقك العلم, فإذا كان شجاعاً قوياً نشيطاً وليس بذاك الذكي, فالأفضل له الجهاد لأنه أليق به, وإذا كان ذكياً حافظاً قوي الحجة, فالأفضل له العلم, وهذا باعتبار الفاعل, وأما باعتبار الزمن فإننا إذا كنا في زمن تفشى فيه الجهل والبدع, وكثر من يفتي بلا علم, فالعلم أفضل من الجهاد وإن كنا في زمن كثر فيه العلماء, واحتاجت الثغور إلى مرابطين يدافعون عن البلاد الإسلامية, فهنا الأفضل الجهاد, وبناءً على هذا تحمل أجوبة - المختلفة, ومن ذلك ما ورد في حديث أبي هريرة أن رسول الله - سئل أي الأعمال أفضل؟ قال ﴿إيماناً بالله ورسوله, قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله, قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور﴾ (٢) , ومن ذلك ما ورد في حديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال ﴿سألت النبي - أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على
стр. 179
وقتها, قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين, قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله, قال حدثني بهن رسول الله - ولو استزدته لزادني (١)﴾ , ونحو ذلك من الأحاديث.
فإن لم يكن مرجح لا هذا ولا هذا فالأفضل العلم, قال الإمام أحمد: (العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته, قالوا كيف تصح نيته؟ قال: ينوي يتواضع وأن يرفع الجهل عن غيره) (٢) , وهذا صحيح لأن مبنى الشرع كله على العلم, حتى الجهاد مبناه على العلم, ويدل لهذا قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٣) , فنفى الله أن ينفر المسلمون كلهم إلى الجهاد, ولكن ينفر طائفة ويبقى طائفة لتتعلم حتى إذا رجع قومهم إليهم أخبروهم بما عندهم من الشرع.
س٧٦: ما أفضل التطوعات بالنسبة للصلاة ؟
ج/على خلاف في الترتيب في الأفضلية, والراجح أن الأفضلية على الترتيب الآتي:
الكسوف, ثم الوتر, ثم الاستسقاء, ثم التراويح.
وسبب التفضيل على تأكد الصلاة لأن ما تنوع في وجوبه فهو آكد.
س٧٧: ما معنى الوتر ؟
ج/ الوتر: اسم للركعة المنفصلة عما قبلها, ولثلاث, والخمس, والسبع, والتسع المتصلة, والإحدى عشرة.
س٧٨: ما حكم الوتر ؟
ج/ الراجح في ذلك قول الجمهور أنه سنة, والأدلة على ذلك كثيرة " أي على عدم وجوب الوتر " فمن ذلك:
стр. 180
أ- حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال ﴿جاء رجل من أهل نجد فإذا هو يسأل عن الإسلام, فقال رسول الله - خمس صلوات في اليوم والليلة, فقال هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع ... الحديث﴾ (١) , فأخبره أن الواجب من الصلوات في اليوم والليلة إنما هو الخمس.
ب- ومن ذلك حديث ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله - كان يصلي الوتر على راحلته, ولا يصلي عليها المكتوبة (٢)﴾ , فلو كان الوتر واجباً لم يجز فعله على الراحلة.
ج- ومن ذلك حديث علي ﵁ أنه قال ﴿ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول الله -﴾ (٣).
س٧٩: ما أقل الوتر ؟
ج/ أقله ركعة, لما ورد في حديث عبدالله بن عمر ﵄ أن النبي - قال ﴿الوتر ركعة من آخر الليل﴾ (٤) , ولقول النبي - في حديث ابن عمر ﴿صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما قد صلى﴾ (٥).
س٨٠: هل يكره الإتيان بواحدة ؟
ج/ الراجح في ذلك أنه لا يكره, وهو قول الجمهور لثبوته عن عشرة من الصحابة منهم أبو بكر وعثمان وعائشة ﵃ أجمعين, ومما يدل لذلك حديث ابن عمر ﵁ المتقدم ﴿صلاة الليل مثنى مثنى, فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة﴾.
س٨١: ما أكثر ركعات الوتر ؟
ج/ قيل بأنه إحدى عشرة, وقيل ثلاثة عشر ركعة.