أن يصافه أحد قبل رفع الإمام ويدل لذلك حديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي - وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ﴿زادك الله حرصاً ولا تعد﴾ (١) , فالنبي - دعا له ونهاه أن يعود لأن المشروع ألا يدخل الإنسان في الصلاة حتى يصل إلى الصف ولم يأمره بإعادة الركعة فدل هذا على أن ركعته صحيحة, أما إن رفع الإمام من الركوع قبل أن تزول فرديته فصلاته غير صحيحة.
س٩٦: مصافة الصبي المميز هل يعتبر الإنسان معها منفرداً أم لا ؟
ج/ على خلاف, والراجح في ذلك قول الجمهور أن مصافة الصبي إذا كان مميزاً أنها صحيحة وبناء على هذا لو حضر شخص منفرد وحضر معه صبي مميز فصافه خلف الصبي فإنه لا يعتبر منفرداً لحديث أنس وفيه ﴿فقام رسول الله - وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف﴾ (٢) , والذي يطلق عليه وصف اليتيم هو الذي لم يبلغ, وهذا وإن كان في صلاة نافلة لكن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل يفرق بينهما.
س٩٧: لو جاء شخص وصافّ امرأة خلف الصف فهل تزول فرديته أم لا ؟
ج/ مصافة المرأة إن كان الصف لم يكتمل فصلاة هذا المنفرد باطلة لأن مصافة المرأة لا تكفي, أما إن كان الصف قد اكتمل فصلاته صحيحة ليس لمصافة المرأة ولكن لوجود العذر وهو اكتمال الصف.
س:٩٨: لو جاء شخص وصافّ محدثاً أو متنجساً (٣) فما حكم صلاة هذا الشخص, هل نحكم عليه بأنه منفرد أم لا؟
стр. 282
ج/ هذه المسألة لا تخلو من حالتين:
١ - أن يكون الصف مكتملاً فصلاته صحيحه لوجود العذر أصلاً باكتمال الصف, أما صلاة من معه أما المتنجس فصلاته صحيحة لأن من كان عليه نجاسة ولم يعلم إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة لأنه يعذر بالجهل والنسيان. أما إن كان محدثاً فصلاته باطلة لأن المحدث لا يعذر بالجهل والنسيان,
وإنما صحت صلاة المتنجس إذا لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الصلاة ولم تصح صلاة المحدث للقاعدة ﴿أن من ما كان من قبيل المنهيات فإن الإنسان يعذر فيه بالجهل والنسيان, وما كان من قبيل المأمورات فإن الإنسان لا يعذر فيه بالجهل والنسيان﴾.
٢ - أن يكون الصف غير مكتمل, فهذه الحالة لا تخلو من أربع حالات هي:
أ. أن يعلما بالنجاسة جميعاً فصلاتهما باطلة, أما الأول فلإنفراده, وأما المتنجس أو المحدث فبطلان صلاتهما لتعمدهما ذلك.
ب. إذا جهلا النجاسة جميعاً فالأول صلاته صحيحة لأنه صافّ من يظن صحة صلاته وكذلك المتنجس صلاته صحيحة لأنه معذور بالجهل والنسيان بخلاف من صلى وعليه حدث فيجب عليه الإعادة لعدم عذره بالجهل والنسيان للقاعدة السابقة.
ج. أن يعلم المتنجس بنجاسته والمحدث بحدثه ومن صف مع أحدهما لا يعلم بذلك فالراجح هنا صحة صلاته دون صلاتهما فلا تصح.
د. أن يعلم الطاهر بنجاسة الآخر والآخر لا يعلم أن عليه نجاسة فتصح صلاة كل منهما, فالمتنجس تصح صلاته لعذر كما تقدم, ومن معه تصح صلاته لعدم انفراده.
س٩٩: هل تصح صلاة المأموم يسار الإمام مع خلو يمينه ؟
ج/ هذه المسألة على خلاف والراجح في ذلك قول جمهور أهل العلم أن صلاة المأموم تصح عن يسار الإمام حتى مع خلو يمينه ويدل لذلك حديث ابن عباس ﵄ ﴿أن النبي - قام يصلي ذات ليلة من الليل وكان ابن عباس ﵄ قد نام عنده, فدخل معه ابن عباس ووقف عن يساره فأخذ برأسه من ورائه
стр. 283
فجعله عن يمينه﴾ (١) فابن عباس ﵄ كبر تكبيرة الإحرام وهو عن يسار الإمام ولو كانت الصلاة لا تصح لأمره النبي - بإعادة التحريمة, أما الذين قالوا بأنها تصح فاستدلوا على ذالك بأن النبي - أدار ابن عباس عن يساره إلى يمينه ويجاب عن هذا أن هذا مجرد فعل ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب وإنما يدل على أن يمين الإمام هو الموقف الشرعي, لأنه لو كان الأمر للوجوب لقال النبي - لابن عباس لا تعد لمثل هذا كما قال ذلك لأبي بكرة حين ركع قبل أن يدخل في الصف (٢).
س١٠٠: أين يكون موقف المرأة بالنسبة لصف الرجال ؟
ج/ تكون خلف الصف حتى ولو لم يكن في الجماعة امرأة غيرها, وكذلك لو صلت خلف رجل ليس معه أحد وهي منفردة فإنها تكون خلفه كذلك ويدل لذلك حديث أنس بن مالك ﵁ (أن جدته مُليكة دعت رسول الله - لطعام صنعته له فأكل منه, ثم قال ﴿قوموا فلأصل لكم﴾ قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد أسود من طول ما لُبس فنضحته بماء, فقام عليه رسول الله - وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا فصلى بنا ركعتين ثم انصرف (٣).
ولأن المرأة لا موقف لها مع الرجل, ولأن وقوفها في صف الرجال مكروه, لأمره - بتأخيرهن.
س١٠١: تقدم أن المرأة تصلي خلف الرجال منفردة, فهل حكمها كذلك مع جماعة النساء ايضاً ؟
ج/ حكمها ليس كذلك بل هي مع جماعة النساء كالرجل مع جماعة الرجال, أي لا يصح أن تقف خلف إمامتها ولا خلف صف نساء, بل إذا كن نساء فإن المرأة يجب أن تكون في الصف, ولا تصح صلاتها منفردة خلف الصف ولا خلف إمامة النساء
стр. 284
إلا عند تعذر المصافة, وهي كمسألة صلاة المنفرد خلف الصف, وقد تقدم بيانها (١).
س١٠٢: ما الحكم لو أن المرأة صلت بجانب الرجل عن يمينه ؟
ج/ صلاتها صحيحة وهو كذلك , لكن ذلك خلاف السنة لأن موقفها يكون خلف الإمام كما تقدم, أما لو صلت عن يسار الإمام مع خلو يمينه وقد تقدم بيان هذه المسألة (٢).
س١٠٣: ما الحكم لو أن المرأة صلت بصف الرجال ؟
ج/ صلاتها صحيحة ولا تبطل صلاة من يليها أو من خلفها من الرجال وهو قول الجمهور وذلك لعدم المبطل ولأن الأصل صحة الصلاة.
الخلاصة:
المرأة لا تخلو من أمرين:
١. أن تكون معها امرأة أو نساء فحكمها حكم الرجال مع الإمام (٣).
٢. أن تكون المرأة مع رجل أو مع رجال, وهذه تقدم أن موقفها يكون خلفهم.
س١٠٤: أين يكون موقف المأموم من الإمام من حيث المكان ؟
ج/ موقف المأموم من الإمام لا يخلو من حالتين:
١ - أن يكون المأموم داخل المسجد فيصح الإقتداء بالإمام ولو لم تتصل الصفوف, أو كان بينهما حائل كأن صلى الإمام في المصباح والمأموم في ساحة المسجد أو سطحه, قال النووي ﵀ في المجموع (٤): للإمام والمأموم في المكان ثلاثة أحوال:
стр. 285
أحدهما: أن يكونا في المسجد فيصبح الإقتداء سواء قربت المسافة بينهما أم بعدت لكبر المسجد, وسواء اتحد البناء أم اختلف كصحن المسجد وصفّته, وسرداب فيه وبئر مع سطحه وساحته والمنارة التي هي من المسجد تصح الصلاة في كل هذه الصور وما أشبهها إذا علم صلاة الإمام, ولم يتقدم عليه سواء كان أعلى منه أو أسفل, ولا خلاف في هذا ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين لكن يشترط أيضاً أن يكون مع المأموم من يزيل فذيته وأيضاً عدم اتصال الصفوف بعضها مع بعض خلاف السنة إذا لم يكن حاجة.
٢ - أن يكون المأموم خارج المسجد فهذه الحالة على خلاف والراجح في ذلك: اشتراط اتصال الصفوف مع إمكان الإقتداء إما برؤية أو سماع تكبير ولا تعتبر الرؤية, قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى: وأما صلاة المأموم خلف الإمام خارج المسجد أو في المسجد وبينهما حائل, فإن كانت الصفوف متصلة جاز باتفاق الأئمة, وإن كان بينهما طريق أو نهر تجري فيه السفن ففيه قولان معروفان وهما روايتان عن أحمد ... وأما إذا كان بينهما حائل يمنع الرؤية والإستطراق ففيهما عدة أقوال في مذهب أحمد وغيره ... ولا ريب أن ذلك جائز مع الحاجة مطلقاً, مثل أن تكون أبواب المسجد مغلقة ... وقد تقدم أن واجبات الصلاة والجماعة تسقط بالعذر (١).
وقال أيضاً (٢): وأما صلاة الجمعة وغيرها فعلى الناس أن يسدو الأول كما في الصحيحين عن النبي - أنه قال ﴿ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يسدون الأول فالأول ويتراصون في الصف﴾ , فليس لأحد أن يسد الصفوف المؤخرة مع خلو المقدمة, ولا يصف في الطرقات والحوانيت مع خلو المسجد ومن فعل ذلك استحق التأديب, ولمن جاء بعده تخطيه ويدخل لتكميل الصفوف المقدمة فإن هذا لا حرمة له ... وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء, وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط بحيث لا يرون الصفوف ولكن
стр. 286
يسمعون التكبير من غير حاجة فإنه لا تصح في أظهر قولي العلماء, وكذلك من صلى في حانوته والطريق خال لم تصح صلاته وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به بل عليه أن يذهب إلى المسجد فيسد الأول فالأول.
وفي موضع آخر (١): وسئل ﵀ عن صلاة الجمعة في الأسواق وفي الدكاكين والطرقات اختياراً هل تصح الصلاة أم لا؟
فأجاب: (إن اتصلت الصفوف فلا بأس بالصلاة لمن تأخر ولم يمكنه إلا ذلك وأما إذا تعمد الرجل أن يقعد هناك ويترك الدخول إلى المسجد كالذي يقعدون في الحوانيت فهؤلا مخطئون مخالفون للسنة).
وفي موضع آخر (٢) قال: (إذا امتلاء الجامع جاز أن يصلي في الطرقات, فإذا امتلأت صلوا فيما بينها من الحوانيت وغيرها, وأما إذا لم تتصل الحوانيت فلا).
س١٠٥: ما الحكم لو كان الإمام أعلى من المأموم؟ كأن يكون الإمام في الطابق الأعلى وهو في الطباق الأسفل ؟
ج/ لا حرج في ذلك ولا كراهة في ذلك حتى ولو كان علة الإمام أكثر من ذراع (٣) ويدل لجواز ذلك حديث سهل بن سعد أن النبي - لما صنع المنبر صلى عليه يصعد ويقرأ ويركع وإذا أراد أن يسجد نزل من المنبر فسجد على الأرض, وقال ﴿فعلت هذا لتقتدوا بي ولتعلموا صلاتي﴾ (٤).
س١٠٦: ما حكم عكس ذلك, أي لو كان المأموم أعلى من الإمام ؟
ج/ لا بأس بذلك ولا كراهة لما ورد عن أبي هريرة ﵁ ﴿أنه صلى على سقف المسجد لصلاة الإمام﴾ (٥).
стр. 287
س١٠٧: ما حكم اتخاذ المحاريب ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين فقال: والصحيح أنه " أي اتخاذ المحاريب " مباح فلا نأمر به ولا ننهى عنه, والقول أنه مستحب أقرب إلى الصواب من القول بأنه مكروه, لأن الذي ورد النهي عنه كمذابح النصارى أي أن نتخذ المحاريب كمحاريب النصارى أما إذا كانت تختلف عنهم فلا كراهة, لأن العلة في المحاريب المشابهة لمحاريب النصارى هي التشبه بهم فإذا لم يكن تشبه فلا كراهة (١).
س١٠٨: ما حكم إطالة الإمام القعود مستقبل القبلة بعد انقضاء الصلاة ؟
ج/ يكره ذلك, لحديث عائشة ﴿كان النبي - إذا سلم لم يقعد إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام (٢)﴾ , فلا يلبث الإمام جالساً على هيئته قبل السلام بل ينصرف ويقبل على المأمومين, وعدم فعل ذلك خلاف السنة, وفيه حبس للمأمومين لنهيهم عن الانصراف حتى ينصرف الإمام وفيه تشويش عليهم ولا يكره اليسير.
س١٠٩: إذا سلّم الإمام هل يلزمه الانصراف إلى المأمومين أم لا ؟
ج/ هو مخير بين أمرين:
١ - إما أن يقوم وينصرف, ويدل لذلك حديث عقبة بن عامر قال ﴿صليت وراء النبي - بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه (٣)﴾.
٢ - أو يستقبلهم بوجهه لحديث سمرة بن جندب قال ﴿كان النبي - إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه﴾ (٤) , ولما روى زيد بن خالد الجهني ﵁ قال ﴿صلى لنا رسول الله
стр. 288
- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليلة فلما أنصرف أقبل على الناس, فقال ...﴾ (١).
س١١٠: إذا كان هناك ثمة نساء فما السنة في حق الإمام بالنسبة للانصراف ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ بكلام جميل وفيه رد على دعاة الاختلاط حيث قال رحمه الله تعالى: (يلبث قليلاً مستقبل القبلة من أجل أن, ينصرف النساء كما ثبت ذلك عن النبي - ﴿أنه كان يمكث في مكانه يسيراً إذا كان فيه النساء من أجل أن ينصرفن﴾ (٢) , وذلك لأن الرجال إذا انصرفوا قبل انصراف النساء لزم من هذا اختلاط الرجال بالنساء, وهذا من أسباب الفتنة حتى أن الرسول - قال ﴿خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها﴾ (٣) , لأن أولها أقرب إلى الرجال من آخرها, فهو أقرب إلى الاختلاط, وفي هذا دليل واضح جداً على أن من أهداف الإسلام بُعدُ النساء عن الرجال, وأن المبدأ الإسلامي هو عزل الرجال عن النساء, خلاف المبدأ الغربي الكافر الذي يريد أن يختلط النساء بالرجال, والذي انخدع به كثير من المسلمين اليوم, وصاروا لا يبالون باختلاط المرأة الرجال, بل يرون أن هذه هي الديمقراطية والتقدم, وفي الحقيقة أنها التأخر, لأن اختلاط المرأة بالرجال هو إشباع لرغبة الرجل على حساب المرأة, فأين الديمقراطية كما يزعمون؟ إن هذا هو الجور, أما العدل فأن تبقى المرأة مصونة محروسة, لا يعبث بها الرجال لا بالنظر, ولا بالكلام, ولا باللمس, ولا بأي شيء يوجب الفتنة, لكن ضعف الإيمان والبعد عن تعاليم الإسلام, صار هؤلا المخدوعون منخدعين بما عليه الأمم الكافرة, ونحن نعلم بما تواتر عندنا أن الأمم الكافرة الآن تئن أنين المريض المدنف تحت وطأة هذه الأوضاع, وتود أن تتخلص من هذا الاختلاط, ولكنه لا يمكنها الآن فقد اتسع الخرق على الراقع, لكن الذي يؤسف له أيضاً من يريد من المسلمين أن يلحقوا بركب هؤلا
стр. 289
الذين ينادون بما يسمونه الحرية, وهي في الحقيقة حرية هوى لا حرية هدى كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان
فالرق الذي خلقوا له هو الرق لله , بأن تكون عبداً لله هؤلا هربوا, وبلوا برق النفس والشيطان, فصاروا الآن ينعقون ويخططون من أجل أن تكون المرأة والرجل على حد سواء في المكتب, وفي المتجر, وفي كل شيء, ولا شك أن هؤلا أشهد بالله أنهم غاشون لدينهم وللمسلمين, لأن الواجب أن يتلقى المسلم تعاليمه من كتاب الله وسنة رسوله - وهدي السلف الصالح, ونحن إذا رأينا تعاليم الشارع الحكيم محمد - وجدنا أنه يسعى بكل ما يستطيع إلى إبعاد المرأة عن الرجل, فيبقى الرسول - في مصلاه إذا سلم حتى ينصرف النساء من أجل عدم الاختلاط, هذا مع أن الناس في ذلك الوقت أطهر من الناس في أوقاتنا هذه, وأقوى أيماناً كما قال النبي - ﴿خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (١)﴾ , (٢).
س١١١: ما الحكمة في إقبال الإمام على المأمومين بعد الصلاة ؟
ج/ قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قيل الحكمة في استقبال المأمومين: أن يعلمهم ما يحتاجون إليه.
وقيل: الحكمة تعريف الداخل أن الصلاة قد انقضت, وقال الزين بن المنير: استدبار المأمومين إنما هو الحق الإمامة فإذا انقضت الصلاة زال السبب, فاستقبالهم حينئذ يرفع الخيلاء والترفع على المأمومين (٣).
س١١٢: ما حكم انصراف المأموم قبل الإمام ؟
стр. 290
ج/ هذا خلاف السنة ولحديث أنس ﵁ أن النبي - قال ﴿لا تسبقوني بالانصراف﴾ (١) , إلا أن يخالف الإمام السنة في إطالة الجلوس أو ينحرف الإمام فلا بأس حينئذ من انصراف المأموم.
س١١٣: ما حكم وقوف المأمومين بين السواري إذا قطعن الصفوف ؟
ج/ يكره ذلك, واختلف العلماء في مقدار السواري التي تقطع الصفوف:
فقال بعضهم مقدار ثلاثة أذرع, وقال بعضهم مقدار قيام ثلاثة رجال, وهذا أقل من ثلاث أذرع.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (وأما السواري التي مثل سوارينا هذه فهي صغيرة لا تقطع الصفوف لا سيما إذا تباعد ما بينها وعلى هذا فلا يكره الوقوف بينها, ومتى صارت السواري على حد يكره الوقوف بينها فإن ذلك مشروط بعدم الحاجة فإن احتيج إلى ذلك كأن كانت الجماعة كثيرة والمسجد ضيقاً فإن ذلك لا بأس به من أجل الحاجة, لأن وقوفهم بين السواري في المسجد خير من وقوفهم خارج المسجد, وما زال الناس يعملون به في المسجدين, المسجد الحرام والمسجد النبوي عند الحاجة, وإنما كره ذلك لأن الصحابة كانوا يتوقون هذا حتى أنهم أحياناً يُطردون طرداً (٢) , ولأن المطلوب في المصافة التراص من أجل أن يكون الناس صفاً واحداً, فإذا كان هناك سواري تقطع الصفوف فات هذا المقصود للشارع) (٣).
س١١٤: ما حكم حضور المسجد لمن أكل كراثاً أو بصلاً ونحو ذلك مما له رائحة كريهة ؟
стр. 291
ج/ قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (وأكل البصل (١) مباح لمن يرغبه ويشتهيه, وإن أكله تحيلاً على إسقاط الجمعة أو الجماعة حرم ذلك) (٢).
قال في كشاف القناع: ويكره حضور المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو فجلاً ... وكذا جزّار له رائحة منتنة, ومن له صناعة, وزيات, ونحوه من كل ذي رائحة منتنة, لأن العلة الأذى (٣).
وبناءً على هذا فلا يحضر الجماعة من أكل شيئاً من ذلك, ونحوها الجماعة في المسجد, سواء أكلها تحيلاً أو لكونه مشتهيها, وعدم حضوره لا لعذر, ولكن لأذيته, وعلى هذا فلا يكتب له أجر الجمعة والجماعة ويدل لذلك حديث أنس ﵁ أن النبي - قال ﴿من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلي معنا﴾ (٤) , ولمسلم ﴿فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم﴾.
﴿فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة﴾
هذا الفصل عقده المؤلف لبيان فصل الأعذار التي تسقط الجمعة والجماعة, ولا شك أن الجمعة آكد بكثير من الجماعة بإجماع المسلمين على أنها فرض عين, لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٥).
أما صلاة الجماعة فإنه سبق ذكر الراجح فيها وأنها فرض عين (٦) , لكن آكديتها ليست كآكدية صلاة الجمعة, ومع ذلك تسقط هاتان الصلاتان للعذر, وسقوطهما
стр. 292
بالأعذار التي سيأتي بيانها مأخوذ من قاعدة عامة في الشريعة الإسلامية وهي قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١) , وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٢)﴾ , وقوله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٣) , فكلما وجدت المشقة وجد التيسير, ومن القواعد المعروفة عند الفقهاء ﴿أن المشقة تجلب التيسير﴾.
س١١٥: ما هي الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة ؟
ج/ الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة هي:
أولاً: المرض, لأنه - لما مرض تخلف عن المسجد, وقال ﴿مروا أبا بكر فليصل بالناس (٤)﴾.
س١١٦: ما ضابط المرض الذي يكون مسبباً لإسقاط الجمعة والجماعة ؟
ج/ الضابط في ذلك هو: ما يلحق معه حرج ومشقة لو ذهب الإنسان للصلاة, لأن من قواعد الشريعة أن المشقة تجلب التيسير, ويدل لذلك ما يلي:
أ- قوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٥)﴾ , وقوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٦).
ب- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - قال ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتو منه ما استطعتم﴾ (٧).
ج- أن النبي - لما مرض صلى في بيته (٨).
стр. 293
ثانياً: الخائف من حدوث المرض, لأنه مرض, وصور ذلك كمن به جرح ويخشى من حضور الجمعة والجماعة أن يحصل له التهاب في الجرح, وهو ما يسمى (بالشمم) فهذا لا يشق عليه حضور الجمعة والجماعة, ولكنه يخشى من حدوث المرض, فهذا مريض يعذر معه بترك الجمعة والجماعة.
ثالثاً: المدافع أحد الأخبثين, والأخبثان هما: البول والغائط, ويلحق بهما الريح, ويدل لذلك ما يلي:
١) حديث عائشة ﵂ أن النبي - قال ﴿لا صلاة بحضرة طعام, ولا هو يدافعه الأخبثان﴾ (١) , والنفي هنا بمعنى النهي, أي لا تصلوا بحضرة طعام, ولا حال مدافعة الأخبثين.
٢) أن الصلاة حال مدافعة الأخبثين يمنع من إكمال الصلاة وخشوعها, وهذا نقص في ذات العبادة, وترك الجماعة نقص في أمر خارج, والمحافظة على ذات العبادة أولى.
٣) أن انحباس هذين الأخبثين مع المدافعة يضر البدن ضرراً بيناً, لأن الله جعل خروج هذين الاخبثين راحة للإنسان, فإذا حبسهما صار في هذا مخالفة للطبيعة التي خلق الإنسان عليها, وهذا قاعدة طبية ﴿أن كل ما خالف الطبيعة, فإنه ينعكس بالضرر على البدن﴾.
رابعاً: من له ضائع يرجوه.
مثال ذلك:
كأن يكون له جمل شارد مثلاً, فإذا تخلف عن الجماعة والجمعة وذهب للبحث عنه يرجو وجوده, وحضوره للجمعة والجماعة ثم ذهابه بعد ذلك لا يرجو وجوده, فإنه يكون معذور في هذه الحالة.
خامساً: إذا كان لا يخاف ضياع ماله, أو فواته, أو ضرراً فيه, فإنه يكون معذوراً بترك الجمعة والجماعة.
стр. 294
ضياع ماله: كما لو عنده مال يخشى إذا ذهب عنه أن يسرق.
وفواته: كما لو كان له جمل شارد مثلاً, وقيل له أن جملك في المكان الفلاني, وحضرت الصلاة وخشي إن ذهب يصلي الجمعة أو الجماعة أن تذهب الدابة عن المكان الذي قيل له إنها فيه, فهذا خائف من فواته, فله أن يترك الصلاة ويذهب إلى ماله ليدركه.
أو ضرراً فيه: كأن يكون له خبز في تنور مثلاً, ويخشى إن ذهب إلى الجمعة أو الجماعة أن يحترق خبزه, فله أن يتخلف عن الجمعة والجماعة, لكن كما تقدم لا يتحين وضع خبزه أو طعامه في وقت إقامة الجمعة والجماعة, لكن لو وقع منه إتفاقاً لا قصداً فله أن يتخلف.
س١١٧: هل يفرق بين المال الكثير والمال القليل بحيث يتخلف عن الجمعة والجماعة إذا كان المال كثيراً بخلاف المال اليسير أم لا فرق ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ حيث قال: (ظاهر كلام المصنف ﵀ أنه لا فرق بين المال الكثير والمال القليل الذي لا يعتبر شيئاً, لأنه أطلق فقال " من ضياع ماله " وقد يقال إنه يفرق بين المال الخطير الذي له شأن, وبين المال القليل في صلاة الجمعة خاصة, لأن صلاة الجمعة إذا فاتت فيها الجماعة لا تعاد, وغير الجمعة إذا فاتت فيها الجماعة يصليها كما هو) (١).
سادساً: إذا كان يخاف على مال استؤجر لحفظه كنظارة بستان ونحو ذلك, ولكن هذا إذا وقع صدفة أو لابد له منه, أما إذا كان يعلم حال استلامه حفظ المال أنه يؤدي به إلى التخلف عن الجمعة والجماعة, وله غنية عن ذلك, فلا ينبغي تعمده وترك ما أوجب الله عليه من حضور الجمعة والجماعة, ويسعى في وجود مؤونة لا تمنع الجماعة.
стр. 295
سابعاً: إذا حصل له أذى بمطر أو وحل (١) , أو ثلج, أو جليد, أو ريح باردة بليلة مظلمة.
المطر: أي أن السماء تمطر ويتأذى من المطر بخروجه, فإنه يعذر, أما إذا كان المطر خفيفاً فلا يعذر بذلك, والدليل على أن المطر عذر يبيح التخلف ما ورد عن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل حيى على الصلاة, قل: صلوا في بيوتكم, فكأن الناس استنكروا ذلك, فقال: أتعجبون من ذا فقد فعل ذلك من هو خير مني " يعني النبي - " إن الجمعة عزمة, وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض (٢).
الريح تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة بشروط:
١ - أن تكون الريح باردة, لأن الريح الساخنة ليس منها أذى ولا مشقة.
٢ - أن تكون الريح شديدة, لأن الريح الخفيفة لا مشقة منها ولا أذى, حتى ولو كانت باردة.
٣ - أن تكون في ليلة مظلمة, وهو قول المذهب (٣) وعليه الجمهور, ولكن ليس عليه دليل لأنه الحديث الذي استدل به من اشترط هذا الشرط, وهو حديث ابن عمر ﵄ ﴿أن منادي الرسول - ينادي في الليلة الباردة والمطيرة أن صلوا في رحالكم (٤)﴾ , ليس فيه اشتراط أن تكون الليل مظلمة.
وبناء على هذا فالراجح أن الذي يعذر معه الإنسان بالتخلف عن الجمعة والجماعة هي الريح الباردة الشديدة, ولا يشترط أن تكون الليلة مظلمة.
стр. 296
ثامناً: من الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة تطويل الإمام إذا كان طولاً زائداً عن السنة ويدل لذلك حديث جابر بن عبدالله ﵁ في قصة الرجل الذي صلى مع معاذ ﵁ وكان معاذ يصلي مع النبي - العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة, فدخل ذات ليلة في الصلاة فابتدأ سورة البقرة, فانفرد رجل وصلى وحده ومشى, فلما علم به معاذ ﵁ قال أنه قد نافق حين خرج عن جماعة المسلمين, ولكن الرجل شكا ذلك إلى النبي - , فدعا معاذاً فغضب عليه وقال له ﴿أتريد يا معاذ أن تكون فتاناً, إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف, ولم يوبخ الرجل﴾ (١).
س١١٨: هل يعذر المأموم بالتخلف عن الجمعة والجماعة بسرعة الإمام ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ حيث قال: (إن هذا من باب أولى أن يكون عذراً من تطويل الإمام, فإذا كان إمام المسجد يسرع إسراعاً لا يتمكن به الإنسان من فعل الواجب, فإنه معذور بترك الجماعة في هذا المسجد, لكن إن وجد مسجداً آخر تقام فيه الجماعة وجبت عليه الجماعة في المسجد الثاني) (٢).
س١١٩: إذا كان الإمام فاسقاً بحلق اللحية أو شرب الدخان أو إسبال ثوب فهل هذا عذر في ترك الجماعة ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ حيث قال: (إن قال بأن الصلاة خلفه لا تصح كما هو مذهب الحنابلة فهو عذر, وأما إذا قلنا بصحة الصلاة وهو الصحيح, فإن ذلك ليس بعذر لأن الصلاة خلفه تصح, وأنت مأموم بحضور الجماعة) (٣).
أعذار تبيح التخلف عن الجمعة والجماعة لم يذكرها المصنف ﵀
стр. 297
تاسعاً: من كان بحضرة طعام يحتاج إليه, ويدل لذلك حديث عائشة ﵂ السابق, ولحديث أنس ﵁ أن النبي - قال ﴿إذا حضر العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب (١)﴾ , وكان ابن عمر ﵄ يسمع قراءة الإمام وهو يتعشى (٢) , مع أن ابن عمر ﵄ من أشد الناس تمسكاً بالسنة.
والعلة في كون هذا معذوراً بالتخلف عن الجمعة والجماعة هو: التشويش المفضي إلى ترك الخشوع, وهذا خلل في ذات العبادة, وترك الجماعة خلل في أمر خارج, والمحافظة على ذات العبادة أولى.
س١٢٠: ما هي شروط تخلف من كان بحضرة طعام يشتهيه عن الجمعة والجماعة ؟
ج/ الشروط هي:
١ - أن يكون الطعام حاضراً, فإن لم يكن الطعام حاضراً, وهو جائع, فإنه لا يجوز له التخلف, لأنه لن يستفيد من هذا التأخر.
٢ - أن يكون نفسه تتوق إليه, لأن العلة من تخلفه عن الجمعة والجماعة خشية التشويش عليه, فإذا لم تكن نفسه تتوق إلى الطعام ولا تشتهيه زالت العلة فانتفى الحكم, والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
٣ - أن يكون قادراً على تناوله حساً وشرعاً, فإذا كان ممنوعاً منه حساً أو شرعاً, فإنه لا يتخلف.
الشرعي: كالصائم, فالصائم حتى لو كان جائعاً, وكان يشغله جوعه عن الصلاة فإنه لا يتخلف عن الجمعة والجماعة, لأنه ممنوع من تناول الطعام شرعاً.
والحسي: كما لو قدم له طعام حار لا يستطيع أن يتناوله لشدة حرارته, فهنا لا يتخلف, وإنما يصلي ولا تكره صلاته, ثم يأكل طعامه, لأن انتظاره لا فائدة منه.
стр. 298
س١٢١: هل يأكل بقدر ما يزيل انشغاله أم يأكل إلى حد الشبع ؟
ج/ يقال الراجح أنه يأكل إلى حد الشبع, لأن الرخصة عامة, كما ورد في الأدلة السابقة (١).
مسألة:
ليس للإنسان أن يتعمد وضع طعامه عند إقامة الجماعة, ثم يتخذ ذلك عادة ويتعلل بما ورد من أدلة شرعية, ولكن يقال ذا وقع هذا اتفاقاً لا قصداً.
س١٢٢: إذا فات خروج الخروج الوقت لو تخلف ليأكل الطعام فهل يقال له تخلف ولو خرج الوقت أم يصلي محافظة على الوقت مع انشغال ذهنه ؟
ج/ أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فقال: (هذا محل خلاف, فبعض العلماء يقول يؤخر الصلاة إذا انشغل قلبه بما حضر من طعام أو شراب أو غيره, حتى ولو خرج الوقت, ولكن أكثر أهل العلم يقولون: أنه لا يعذر بحضور العشاء في تأخير الصلاة عن وقتها وإنما يعذر حضور العشاء بالنسبة للجماعة, يعني أن الإنسان يعذر بترك الجماعة إذا حضر العشاء وتعلقت نفسه به, فليأكل ثم يذهب إلى المسجد, فإن أدرك الجماعة, وإلا فلا حرج عليه ...) (٢).
عاشراً: إذا كان يخاف بحضوره الجمعة أو الجماعة موت قريبة وهو غير حاضر, كأن يكون في سياق الموت ويخشى أن يموت وهو غير حاضر, وأحب أن يبقى عنده ليلقنه الشهادة وما أشبه ذلك, فهذا عذر.
الحادي عشر: إذا كان يخاف الضرر على نفسه, كخوفه من سبع ونحو ذلك, إذا خرج فإنه يعذر بالتخلف عن الجمعة والجماعة.
стр. 299
الثاني عشر: إذا كان يخاف على نفسه من سلطان يبحث عنه ليحبسه وهو ظالم له, ففي هذه الحال يعذر بترك الجمعة والجماعة, لأن في ذلك ضرر عليه, أما إذا كان السلطان يبحث عنه بحق, كأن يكون قد اعتدى على إنسان بقتل ونحو ذلك, والسلطان يطلبه ليقتص منه, فهذا ليس له أن يتخلف عن الجماعة ولا الجمعة, لأنه إذا تخلف أسقط حقين, حق الله في الجماعة والجمعة, والحق الذي يطلبه السلطان.
الثالث عشر: ملازمة غريم له ولا شيء معه, فهذا له التخلف عن الجماعة والجمعة, وهذه المسألة لا تخلو من أقوال:
١ - إذا حل وفاء الدين ولا شيء معه ولازمه الغريم وتكلم عليه, كأن يقول له في مجامع الناس يا فلان يا مماطل, يا كذاب ونحو ذلك, فهذا عذر يبيح له التخلف عن الجمعة والجماعة, ويحرم على الملازم ملازمته, لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ (١)﴾.
٢ - إذا حل وفاء الدين ومعه ما يسدد به ولازمه الغريم, فالواجب عليه أن يسدد ما عليه, ولا يحل له أن يتخلف عن الجمعة والجماعة, لأنه في تركهما في هذه الحال يكون اسقط حقين, حق الله في الجمعة والجماعة, وحق الآدمي في الوفاء.
٣ - إذا كان عليه دين مؤجل, ولم يحل وقته بعد, فهل له أن يتخلف أم لا؟
أجاب عن ذلك الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ فقال: (ينظر فإن كانت السلطة قوية بحيث لو اشتكاه على السلطة لمنعته من ملازمته, فإنه غير معذور, لأن له الحق أن يقدم الشكوى إلى السلطة, أما إذا كانت السلطة ليست قوية, أو أنها تحابي الرجل ولا تأخذ الحق منه, فهذا عذر بلا شك) (٢).
الرابع عشر:
إذا كان يخشى من فوات رفقته, فهو يعذر بترك الجمعة والجماعة لأمرين:
стр. 300
ا. لفوات مقصده. ... ٢. ولشغل قلبه.
ويدخل في ذلك فوات رحلة الطائرة, ولا فرق هنا بين سفر الطاعة كطلب علم أو حج وعمرة, أو سفر مباح كالسفر للتجارة ونحوها.
الخامس عشر: غلبة النعاس, خاصة إذا كان لا يدري ما يقول, كأن يكون النوم شديداً, فهنا يكون معذوراً بترك الجمعة والجماعة, ولذا فإنه ينام حتى يزول ما به من النعاس ثم يصلي براحة.
س١٢٣: الآكل للبصل ونحوه ومما له رائحة كريهة هل يعذر بترك الجمعة والجماعة أم لا ؟
ج/ يقال إن كان قصد بأكله البصل أن لا يصلي مع الجماعة فهذا حرام, ولا يحضر إلى المسجد, ليس لأنه معذور, بل دفعاً لأذيته, لأنه يؤذي الملائكة وبني آدم.
أما إذا قصد بأكله البصل ونحوه التمتع به, وأنه يشتهيه فليس بحرام, ولا يحضر الجمعة والجماعة, ويكون معذوراً, كالمسافر في رمضان إذا قصد بالسفر الفطر حرم عليه, وإن قصد السفر لغرض غير ذلك فله الفطر.
﴿باب صلاة أهل الأعذار﴾
الأعذار: جمع عذر, كقفل وأقفال, وهو ما يرفع اللوم عما حقه أن يلام عليه (١).
والمراد بها هنا: المرض, والسفر, والخوف, فهذه هي الأعذار التي تختلف بها الصلاة عند وجودها.
واختلاف الصلاة هيئة وعدداً بهذه الأعذار مأخوذ من قاعدة عامة في الشريعة وهي قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) , وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ
стр. 301
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (١)﴾ , وقوله ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (٢)﴾ , ومن القواعد المعروفة عند الفقهاء ﴿أن المشقة تجلب التيسير﴾.
وهذا التيسير سر من أسرار عظمة هذه الشريعة, فإن الناظر في التخفيفات الواردة في الشرع يرى أنها لا تخرج عن نوعين اثنين:
الأول: نوع شرع من أصله للتيسر, وهو عموم التكاليف الشرعية في الأحوال العادية.
الثاني: نوع من شرع لما يجدّ من الأعذار والعوارض, وهو المسمى بالرخص, وهو المقصود هنا.
فأما النوع الأول فإنه بأدنى تأمل يبدو جلياً أن هذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وتشريعاته ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته, فالتكاليف الشرعية يسيرة لا عسر فيها, سمحة لا تكلف فيها, سهلة لا تعقيد فيها, أنها لا تمثل قيوداً وأغلالاً في عنق الإنسان, وترهق كاهله, وهو كذلك " أي العبد " لا يمثل في ظل التزامه بها عبداً مسترقاً مسلوب الإرادة والاختيار, كما يخيل لبعض المستشرقين ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم إحَنٌ ودخن, فيكتبون عن الإسلام بروح التعصب, وعقلية المتحامل ويتكلمون بما لا يعلمون, ويهرفون بما لا يعرفون, يدفعهم التحامل والتعصب, ومقت الإسلام وأهله, إلى جانب جهلهم بمبادئ الإسلام وتشريعاته السمحة الندية, إنهم ومن لفّ لفهم يجهلون أن الأحكام الشرعية في حقيقتها توجيه وتشريف أكثر منها قيوداً وحدوداً, وأن التكاليف الربانية أمر ينسجم مع طبيعة الإنسان, ويتلاقى مع مزيته التي خصه الله بها من العقل والفهم, فاي حرج على الإنسان أن يتقيد بها ويعمل بمقتضاها؟ ما دام يعلم علم اليقين أنها منوط بها سعادته, وهو أهل لها, وفي تكليفه بها وتشريفه وتكريمه وتوجيهه وتسديده لتتم بها السعادة في الدنيا والآخرة.
وأما النوع الثاني من التخفيفات الواردة في الشرع لما يوجد من الأعذار والعوارض, وهو المسمى بالرخص, أن الرخص في الإسلام تعتبر دليل عيان يشهد له بأنه دين اليسر والسهولة, وشاهد عدل على سماحته وتجاوبه مع الفطر المستقيمة, وحساسيته
стр. 302
المرهفة لأحوال أهله , ومسارعته في تقديم ما تزول به مشقتهم وعناؤهم, وأن هذه الرخص تعد قاعدة عامة من قواعد الدين الكبرى, وتوجد في جوانب التشريع كله من عقائد وعبادات ومعاملات وأحوال شخصية وقضاء وعقوبات وغير ذلك (١).
س١٢٤: ماذا يلزم المريض حال صلاته للفريضة بالنسبة للقيام من عدمه ؟
ج/ يلزمه أن يصلي قائماً مع القدرة, وهذا بالإجماع, ولو كراكع, أي لو كان قيامه كصفة راكع, لكبر أو مرض أو حدب ونحوه, لزمه ذلك مهما أمكنه.
أو معتمداً أو مستنداً إلى شيء كعصا أو حائط ونحو ذلك.
ويدل لذلك حديث عمران بن حصين ﴿صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب﴾ (٢).
فإن لم يستطع صلى قاعداً, ويكون متربعاً, لحديث عائشة ﵂ قالت ﴿رأيت رسول الله - يصلي متربعاً﴾ (٣) , ويكون متربعاً في حال القيام والركوع لما ورد في حديث عائشة ﵂, ولأن التربع في الغالب أكثر طمأنينة وارتياحاً من الافتراش, ومن المعلوم أن القيام يحتاج إلى قراءة طويلة أطول من قول ﴿ربَّ اغفر لي وارحمني﴾ فلذلك كان التربع فيه أولى, ولأجل فائدة أخرى وهي التفريق بين القيام والقعود الذي في محله, لأننا لو قلنا يفترش في حال لم يكن هناك فرق بين الجلوس في محله وبين الجلوس البدلي الذي يكون بدل القيام.
س١٢٥: هل التربع في حال القيام والركوع لمن صلى جالساً ؟
ج/ لا, ليس بواجب وإنما هو سنة, فلو صلى مفترشاً ونحو ذلك فلا بأس, لعموم قول النبي - ﴿فإن لم تستطع فقاعداً﴾ ولم يبين كيفية قعوده.
مسألة:
стр. 303
إذا صلى الإنسان قاعداً لعدم استطاعته القيام, فإنه إذا جاء إلى ركن السجود فإنه يضع ما يستطيعه من أعضاء السجود على الأرض, فمثلاً يلاحظ على بعض الناس أنه إذا لم يستطع أن يسجد سجوداً تاماً فإنه يومئ أيماءَ, وهذا صحيح, لكن الخطأ أن بعض الناس في هذه الحالة يضع يديه على ركبتيه مع إمكانه وضعهما على الأرض.
ومن الخطأ ما يفعله بعض الناس أنه إذا لم يستطع أن يسجد سجوداً تاماً أنه يضع شيئاً مرتفعاً ثم يسجد عليه, وهذا لا يصح, فإن استطاع أن يسجد سجوداً تاماً وإلا يومئ إيماءَ.
س١٢٦: إذا لم يستطع أن يصلي قائماَ ولا قاعداً فكيف يصنع ؟
ج/ يصلي على جنبه, لحديث عمران بن حصين المتقدم (١) , ولم يبين في الحديث على أي الجنبين يكون, وبناء على هذا فالأفضل أن يختار الأيسر له, فإن كان الأيسر للمريض أن يكون على جنبه الأيمن فهذا أفضل, وإن كان العكس فهو أفضل كذلك, لأن المقام مقام رخصة وتسهيل, لكن إن تساوى الجنبان فالجنب الأيمن أفضل, لأن ذلك داخل في عموم حديث عائشة ﵂ ﴿كان النبي - يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (٢)﴾ , ويكون في هذه الحالة وجهه إلى القبلة, وإذا لم يستطع المريض أن يتوجه إلى القبلة, وليس هناك أحد يوجهه, أو كانت الحركة تضره صلى على أي جهة توجه.
س١٢٧: هل يصح أن يصلي مستلقياً على ظهره ورجلاه إلى القبلة مع قدرته الصلاة على جنبه ؟
ج /الراجح أنه لا يصح ذلك مع القدرة على الجنب, لأن النبي - قال لعمران بن الحصين ﴿فإن لم تستطع فعلى جنب﴾ , وهذه هيئة منصوص عليها من قبل الشرع, وتمتاز عن الاستلقاء بأنه وجه المريض إلى القبلة, أما الاستلقاء فوجه المريض إلى
стр. 304
السماء, فهو على الجنب أقرب إلى الاستقبال وبناءَ على هذا إن عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة.
س١٢٨: كيف يومئ بالركوع والسجود من صلى على جنب أو صلى مستلقياً ؟
ج/ يومئ برأسه إلى صدره, ويكون إيماءه إلى السجود أخفض منه إلى الركوع.
س١٢٩: إذا عجز عن الإيماء برأسه فماذا يصنع ؟
ج/هذه المسألة على خلاف, والراجح أنه تسقط عنه الأفعال, فتسقط عنه الحركة بالصلاة, ويصلي بقلبه, فيكبر تكبيرة الإحرام وينوي أنها للإحرام, ثم يقرأ, ثم يكبر وينوي أن هذه التكبيرة للركوع, ويسبح تسبيح الركوع ... (إلخ).
وإنما قيل بعدم سقوط الأقوال عنه لأنه قادر عليها, وقد قال تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) , ولا يومئ بطرفه خلافاً لمن قال بذلك, لأن الحديث الوارد في ذلك وهو قوله - ﴿فإن لم يستطع أومأ بطرفه﴾ (٢) حديث ضعيف, وبناءً على هذا فالراجح كما تقدم أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الأفعال دون الأقوال كما تقدم.
مسألة:
من الخطأ ما يعتقده بعض العامة أنه إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بالإصبع, فينصبون الإصبع حال القيام وحال الركوع يركع, وحال السجود يضم الإصبع, وهذا لا أصل له ولم تأتِ به السنة, ولم يقل به أحد من أهل العلم, فيجب تنبيه العامة على مثل هذه المسألة من قِبَل طلاب وطالبات العلم.
س١٣٠: من صلى قائماً ثم شق عليه القيام, أو صلى قاعداً ثم قدر على القيام, أو صلى قاعداً أو شق عليه القعود فماذا يفعل ؟
стр. 305
ج/ نقول من صلى على حال ثم قدر على ما هو أعلى منه, كما لو صلى قاعداً وقدر على القيام, أو صلى على جنب وقدر على القعود أو القيام انتقل إليه, وكذا من صلى على حال ثم احتاج إلى ما هو أدنى منه, كما لو صلى قائماً وشق عليه القيام انتقل إلى الجلوس أو على جنب حسب رغبته, ومثل ذلك لو صلى قاعداً وشق عليه فإنه يصلي على جنب, لقول الله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
س١٣١: إذا كان المصلي من أهل الجماعة فإذا صلى في بيته صلى قائماً وإذا صلى بالمسجد صلى جالساً فهل يصلي في بيته لتحصيل القيام أم يصلي في المسجد حتى ولو جلس ؟
ج/ في المسألة خلاف, والراجح في هذه المسألة أنه يجب عليه حضور الجماعة, حتى ولو أدى ذلك إلى صلاته قاعداً, لما ثبت في حديث ابن مسعود أن النبي - قال ﴿وكان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف﴾ (١) , ومثل هذا في الغالب لا يقدر على القيام.
س١٣٢: ما حكم صلاة الفريضة على الراحلة ؟
ج/ تصح إذا خشي التأذي إما بوحل أو مطر, فإذا كان يتأذى من النزول من على الراحلة لذلك فله أن يصلي على الراحلة, لكن عليه أن يوقف الراحلة ويستقبل القبلة ويومئ بالركوع والسجود, ومثل ذلك إذا خشي انقطاعاً عن رفقة بنزولة ونحو ذلك, ويدل لذلك قول يعلى بن أمية ﴿انتهى النبي - إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم, فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام, ثم تقدم النبي - فصلى بهم﴾ (٢).
والصلاة على الرواحل (٣) لا يخلو من أحوال:
стр. 306
١ - أن يكون في الراحلة مكان مخصص للصلاة, ويستطيع المصلي أن يأتي بأفعال الصلاة كاملة من قيام وركوع وسجود ونحو ذلك, فهذا له أن يصلي على الراحلة حتى ولو كان يعلم أنه يصل قبل خروج الوقت.
٢ - إذا لم يكن هناك مكان على الراحلة يستطيع من خلال ذلك أن يأتي بهيئة الصلاة كاملة, فهنا لا يخلو من حالتين:
أ. أن يصل قبل خروج الوقت, ففي هذه الحالة يؤخر الصلاة حتى يصل.
ب. أن يصل بعد خروج الوقت, فهنا يؤخر الصلاة بنية الجمع إذا كانت تجمع مع التي بعدها, وكان يصل قبل خروج وقت الصلاة الثانية, أما إن كانت الصلاة لا تجمع مع التي بعدها, أو كانت تجمع لكن لا يصل إلا بعد خروج وقت الثانية, فإنه في هذه الحالة يصلي على حسب حاله, وعليه استقبال القبلة في كل الفرض إن تمكن منه, ولا يؤخر الصلاة حتى يخرج الوقت.
﴿فصل في صلاة المسافر﴾
لما كان للسفر أحكام خاصة في الصلاة ناسب أن يعتني العلماء بذكر أحكامه في باب مستقل, والمسافر هو القسم الثاني من أهل الأعذار, وقد تقدم الكلام عن عذر المرض, وسيأتي الكلام بمشيئة الله تعالى عن عذر الخوف.
أولاً: قصر الصلاة في السافر.
وقصر الصلاة مشروع بالكتاب والسنة, وآثار الصحابة والإجماع.
من الكتاب قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (١).
ومن السنة حديث عائشة ﵂ قالت ﴿فرضت الصلاة ركعتين, ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في الحضر (٢)﴾.
стр. 307
وقال عمر ﵁ ﴿صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر (١)﴾.
والإجماع كذلك, قال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن لمن سافر سفراً تقصر في مثله الصلاة, مثل حج, أو جهاد أو عمرة, أن يقصر الظهر والعصر والعشاء, فيصلي كل واحدة منهما ركعتين, ركعتين) (٢) , وقد ذكر شيخ الإسلام وابن القيم رحمهما الله تعالى أن القصر قصران: قصر العدد, وقصر الأركان, فإذا اجتمع الخوف والسفر اجتمع القصران, وإذا انفرد السفر فقصر العدد, وإذا انفرد الخوف فقصر الأركان (٣).
س١٣٣: ما حكم قصر الصلاة الرباعية للمسافر ؟
ج/ على خلاف, والراجح أن الإتمام مكروه, وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: (وقال بعض أهل العلم أن الإتمام مكروه, لأن ذلك خلاف هدي النبي - المستمر الدائم, فإن الرسول - ما أتم أبداً في سفر, وقال ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ (٤) , وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥) , وهو قول قوي, بل لعله أقوى الأقوال (٦).
ثم قال الشيخ ﵀ في موضع آخر: (والذي يترجح لي, وليس ترجحاً كبيراً هو أن الإتمام مكروه وليس بحرام, وإن أتم لا يكون عاصياً, هذا من الناحية النظرية, وأما من الناحية العلمية فهل يليق بالإنسان أن يفعل شيئاَ يخشى أن يكون عاصياً فيه؟ فلا ينبغي من الناحية المسلكية والتربوية, بل افعل ما يكون هو السنة, فإن ذلك أصلح لقلبك, حتى وإن كان يجوز لك خلافه, وليس المعنى إما أن يكون الشيء واجباً أو حراماً أو لق الحرية في فعله أو تركه, فلا ينبغي للإنسان أن يتم, فأقل ما نقول أن الإتمام مكروه, لأن النصوص تكاد تكون متكافئة, فاحرص أن تصلي ركعتين في سفرك, ولا تزد على ذلك, ولكن إذا أتم الإمام فإنه يلزمك الإتمام فلا تقع
стр. 308
في المخالفة, وهذا من نظر الشرع لاتفاق الأمة, وإن كان ذلك خلاف الأولى بك لو صليت منفرداً) (١).
س١٣٤: أي الصلوات التي تقصر ؟
ج/ التي تقصر هي الصلاة الرباعية فقط, وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء.
أما المغرب والصبح فلا تقصران إجماعاً, قال ابن المنذر (٢).
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار, فإذا سقط منها ركعة بطل كونها وتراً, وإن سقط ركعتان بقي ركعة, وأما الصبح فإنه إذا سقط منها ركعة بقي ركعة, ولا نظير له في الفرض.
س١٣٥: هل يشترط للمقصر أن يكون السفر مباحاً أم يصح القصر حتى لمن سافر سفراً محرماً ؟
ج/ على خلاف, والراجح في ذلك أن السفر مبيح للقصر سواء كان السفر مباحاً أو محرماً, قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر, قال تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر (٣)﴾ , كما قال تعالى في آية التيمم ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٤) ولما تقدم من النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين (٥) , ولم ينقل قط أحد عن النبي - أنه خص سفراً من سفر مع علمه بأن السفر يكون حراماً ومباحاً, ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر لكان بيان هذا من الواجبات, ولو بّين هذا لنقلته الأمة, وما علمت عن الصحابة في ذلك شيئاً (٦).
стр. 309
س١٣٦: هل للسفر مسافة محددة أم لا ؟
ج/ على خلاف والراجح أنه لا حد للمسافة, وإنما يرجع في ذلك إلى العرف, لأنه لم يرد عن النبي - تقييد السفر بمسافة, وليس هناك حقيقة لغوية تقيده فكان مرجع ذلك إلى العرف, وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ﵀ كما في مجموع الفتاوى (١) , قال شيخ الإسلام ﵀: (ولم يحد النبي - مسافة القصر بحد لا زماني ولا مكاني, والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة ليس على شيء منها حجة, وهي متناقضة, ولا يمكن أن يحد ذلك بحد صحيح, فإن الأرض لا تذرع بذرع مضبوط في عامة الأسفار, وحركة المسافر تختلف, والواجب أن يطلق ما أطلقه صاحب الشرع, ويقيد ما قيده ... ومن قسّم الأسفار إلى قصير وطويل, وخص بعض الأحكام بهذا وبعضها بهذا, أو جعلها متعلقة بالسفر الطويل, فليس معه حجة يجب الرجوع إليها) (٢) , وبناء على هذا فالمسألة لا تخلو من أربع حالات هي:
١ - أن تكون المدة طويلة في مسافة طويلة, فهذا سفر لا إشكال فيه, كما لو ذهب من القصيم إلى مكة مثلاً, وبقي فيها عشرة أيام.
٢ - أن تكون المدة قصيرة والمسافة قصيرة كذلك, فهذا ليس بسفر, كما لو خرج مثلاً من بريدة إلى عنيزة (٣) في يوم ورجع في يومه.
٣ - أن تكون المدة طويلة والمسافة قصيرة, كما لو ذهب شخص من بريدة إلى عنيزة مثلاً, وأقام فيها يومين أو ثلاثة أيام مثلاً, فهذا يعتبر سفراً.
٤ - أن تكون المدة قصيرة والمسافة طويلة, كمن ذهب من بريدة مثلاً إلى جدة ورجع في يومه, فهذا يعتبر سفراً, لأن الناس يتأهبون له ويرون أنهم مسافرون.
س١٣٧: إنسان تائه خرج من بلده يتمشى أو يطلب جملاً شارداً فضل الطريق فصار تائهاً يطلب الطريق ولم يهتد إليه فهل يقصر الصلاة أم لا ؟
стр. 310
ج/ على خلاف, والراجح أنه يقصر الصلاة, لأنه يعتبر على سفر, قال شيخ الإسلام ﵀: (إن الصلاة تقصر في كل ما يسمى سفراً) (١).
س١٣٨: إذا أشكل على الإنسان هل هذا يسمى سفراً عرفاً أم لا فهل يقصر أم لا ؟
ج/ هذه المسألة يتجاذبها أصلان هما:
الأصل الأول: أن السفر مفارقة محل الإقامة, وحينئذ نأخذ بهذا الأصل, فيحكم بأنه سفر.
الأصل الثاني: أن الأصل الإقامة حتى يتحقق السفر, وما دام الإنسان شاكاً في السفر فهو شاك هل هو مقيم أو مسافر؟ والأصل الإقامة, وبناء على هذا فيقال بأن الإنسان إذا شك هل هذا سفر يسمى سفراً عرفاً أم لا؟ فالأحوط أن يتم الإنسان, لأن الأصل في الإنسان أنه مقيم, والسفر مشكوك فيه, فيتم حتى يتحقق أنه مسافر, للقاعدة الشرعية ﴿اليقين لا يزول بالشك﴾.
س١٣٩: من سافر من أجل أن يترخص فهل له ذلك أم لا ؟
ج/ مثال ذلك:
رجل سافر من أجل أن يقصر الصلاة, أو من أجل أن يفطر في نهار رمضان مثلاً, فهنا الراجح أنه لا يترخص, لأنه يعاقب بنقيض قصده, فكل من أراد التحايل على إسقاط الواجب, أو فعل المحرم عوقب بنقيض قصده.
س١٤٠: متى يباح للإنسان أن يترخص إذا سافر ؟
ج/ إذا فارق عامر بنيان قريته, لقوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ
стр. 311
عَدُوّاً مُبِيناً (١)﴾ , ولا يسمى ضارباً حتى يخرج, ولحديث أنس ﵁ قال ﴿صليت مع النبي - الظهر بالمدينة أربعاً, وبذي الحليفة ركعتين﴾ (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: (والمسافر لابد أن يسفر " أي يخرج " إلى الصحراء, فإن لفظ السفر يدل على ذلك, يقال: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته, فإذا لم يبرز إلى الصحراء, فإذا لم يبرز إلى الصحراء التي ينكشف فيها من بين المساكن لم يكن مسافراً) (٣).
وبناء على هذا نعلم خطأ بعض الناس حينما يعتقدون أنهم لا يبدءون في الرخصة إذا خرجوا من بلدهم إلا إذا قطعوا مسافة قصر فأكثر, بل يقال إذا خرج الإنسان من بلده وفارق عامر بلده بدأ في الترخص حتى ولو كان يرى بلده, وعلى هذا فمن خرج إلى المطار وكان المطار خارج البلد فله أن يترخص في المطار من القصر والجمع ويفطر ونحو ذلك, وليس بلازم أن ينتظر حتى تقلع الطائرة وتقطع مسافة قصر.
س١٤١:لو خرج الإنسان مسافراً وبعد أن فارق عامر قريته صلى وقصر الصلاة ثم حصل له عذر منعه من استكمال السفر فرجع إلى بلده فهل يعيد الصلاة التي قصرها ثانية أم لا ؟
ج/ يقال بأنه لا يعيد, لأن المعتبر نية المسافة لا حقيقتها, ولأنه أتى بها بأمر الله موافقة لشرعه, فتكون مقبولة, ولقول النبي - في حديث عائشة ﵂ ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (٤)﴾ , فمفهوم ذلك أن من عمل عملاً عليه أمر الله ورسوله فهو مقبول.
س١٤٢: متى يلزم المسافر الإتمام ؟
стр. 312
ج/ ذكر الفقهاء أنه يلزم المسافر الإتمام في عدة مسائل في بعضها نظر, سأشير إلى ذلك وهي:
١ - إذا دخل وقتها وهو في الحضر ثم سافر, قالوا بأنه يلزمه الإتمام في هذه الصورة.
مثال ذلك:
لو أذن المؤذن لصلاة الظهر وهو في البلد, ثم سافر, ثم صلى في الطريق, قالوا بأنه يتم الصلاة في هذه الحالة, ولكن في هذا نظر, فالصحيح أنه يقصر الصلاة في هذه الحالة, قال في الإنصاف: (اختاره " أي القصر " في الفائق , وحكاه ابن المنذر إجماعاً كقضاء المريض ما تركه في الصحة ناقصاً, وكوجوب الجمعة على العبد الذي عتق بعد الزوال, وكالمسح على الخفين " أي إذا لبس خفيه ثم سافر قبل المسح " مَسَحَ مَسْحَ مسافر) (١) , قال ابن المنذر في الإجماع: (وأجمعوا على أن لمن خرج بعد الزوال أن يقصر الصلاة) (٢) , ولأن العبرة بفعل الصلاة لا بالزمن.
٢ - إذا صلى خلف من يتم.
مثال ذلك:
رجل مسافر صلى خلف إمام مقيم, فإنه يتم خلفه الصلاة ولا يقصر للأدلة الآتية:
أ. حديث عائشة ﵂ أن النبي - قال ﴿إنما جعل الإمام ليؤتم به ... (٣)﴾ الحديث.
ب. ما ورد في حديث أبي هريرة رضي ﵁ أن النبي - قال ﴿... وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (٤)﴾ , وهذا يشمل كل ما أدرك الإنسان وكل ما فاته.
ج. ما ورد عن موسى بن سلمة الهذلي بلفظ: (كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً, وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين, قال: تلك سنة أبي
стр. 313
القاسم -) (١) , وروي بلفظ آخر عن موسى بن سلمة أنه قال ﴿سألت ابن عباس كيف أصلّ إذا كنت بمكة إذا لم أصلي مع الإمام؟ فقال: ركعتين , سنة أبي القاسم - (٢)﴾ , فهذه الأدلة تدل على أن المسافر إذا ائتم بمقيم فإنه يتم خلفه ولا يقصر ... ولكن متى يتم خلفه؟
يتم المسافر خلف المقيم إذا أدرك ركعة فأكثر, لعموم حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً ﴿من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٣)﴾ , وبناء على ذلك فلو جاء المأموم المسافر ودخل مع الإمام في التشهد الأخير (٤) فإنه يصلي قصراً إذا أقام لقضاء الصلاة.
٣ - إذا لم ينو القصر عند الإحرام , فقالوا في هذه الحالة يلزمه الإتمام, وهو مذهب الحنابلة والشافعية.
مثال ذلك:
رجل مسافر شرع في صلاة الظهر ولم ينو القصر عند تكبيرة الإحرام, وإنما نوى ذلك بعد ما كبر تكبيرة الإحرام, قال شيخ الإسلام ﵀: (وهو الصحيح الذي تدل عليه سنة النبي - فإنه كان يقصر بأصحابه, ولا يعلمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصر, ولا يأمرهم بنية القصر) (٥).
ويتفرع عن هذه المسألة مسالتين هما:
المسألة الأولى: إذا ائتم مسافر بإمام يشك فيه هل هو مسافر أم لا, هل يتم أم يقصر؟ وهذا يكون في محل يكثر فيه المسافرون, كالمطارات والمحطات ونحو ذلك, يقال هذه المسألة لا تخلو من أمرين:
стр. 314
أ. أن تكون هناك قرينة على أن الإمام مسافر, فهنا يقصر, كما لو صلى بهم من يرى عليه آثار السفر كحملة لعفش ونحو ذلك.
ب. إذا لم يكن هناك قرينة تدل على وضع الإمام هل هو مسافر أم لا, فهنا يلزمه الإتمام, لأن من شرط القصر أن ينويه نية جازمة لا تردد فيها.
لكن لو قال إن أتم الإمام أتممت معه, وإن قصرت فلا بأس بذلك, وهذا ليس من باب الشك, بل من باب تعليق الفعل بأسبابه, فسبب القصر قصر الإمام, وسبب الإتمام إتمامه.
المسألة الثانية: إذا دخل مسافر مع إمام مقيم, ثم فسدت صلاة المسافر بحدث أو نحوه, ثم ذهب ليتوضأ إن كان فسادها بحدث مثلاً, فرجع ووجدهم قد صلوا, فهل يعيدها تامة أم مقصورة؟
يقال هذا لا تخلو من أمرين:
أ. أن يبتدئ الصلاة وهو على طهارة, ثم أحدث مثلاً, فهذه الحالة على خلاف, والراجح أنه يقصر في هذه الصورة, خلافاً لمن قال أنه يتم, كما هو مذهب الحنابلة, والمالكية, والشافعية, لأنه إنما يلزمه الإتمام متابعة للإمام, وقد زالت التبعية, فلا يلزمه إلا صلاة مقصورة.
ب. أن يدخل الصلاة على غير طهارة أصلاً, فهنا يقصر الصلاة أي المسافر, حتى عند الحنابلة, لأن الصلاة لم تنعقد أصلاً.
٤ - من نوى الإقامة المطلقة في بلاد الغربة, كالعمال المقيمين للعمل, والتجار المقيمين للتجارة, وسفراء الدول ونحوهم ممن عزم على الإقامة إلا لسبب يقتضي نزوجهم فهؤلا حكمهم حكم المستوطنين من وجوب الصوم, وإتمام الصلاة ونحو ذلك, فهذا لا يترخص, فليس له القصر ولا الجمع ونحو ذلك من رخص السفر.
٥ - إذا نوى الإقامة في البلد الذي سافر إليه أربعة أيام فأكثر, أو أقام لحاجة وظن أنها لا تنقضي إلا بعد الأربعة, فقالوا في هذا لا يترخص, وهو قول الحنابلة والمالكية والشافعية, لكن المالكية والشافعية لا يحسبون يومي الدخول والخروج, وهذا
стр. 315
القول فيه نظر, فالصحيح أن حكم هؤلا حكم المسافرين, وأنهم يترخصون ما لم ينووا الاستيطان أو الإقامة المطلقة, وأدلة ذلك كثيرة منها:
أ. قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (١) , وقد علم سبحانه أن من الضاربين من يبقى أياماً وشهوراً, ولم يستثنى حالاً من الأحوال, ولا ضارباً من ضارب.
ب- حديث أنس ﵁ قال ﴿خرجنا مع رسول الله - من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع إلى المدينة (٢)﴾ , وفي رواية لمسلم ﴿خرجنا من المدينة إلى الحج﴾ , فالنبي - أقام إقامة لغرض الحج, مقيدة بزمن معين, وقد نواها من قبل ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة.
ج- حديث جابر ﵄ ﴿أن النبي - أقام بتبوك عشرين يقصر الصلاة﴾ (٣).
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى: (ومعلوم بالعادة أن مما يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة, حتى أنه كان يقول: اليوم أسافر, غدً أسافر).
د- ما ورد عن أبي حجرة نصر بن عمران قال: قلت لابن عباس ﴿أنا نطيل السفر بخراسان فكيف ترى؟ قال: صلَّ ركعتين, وإن أقمت عشر سنين﴾ (٤) , ﴿وأقام ابن عمر في أذربيجان ستة شهور يصلي ركعتين, وقد حال الثلج بينه وبين الدخول﴾ (٥) , ﴿وأقام أنس بالشام يقصر الصلاة سنتين (٦)﴾ , وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: (كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يزيد
стр. 316
على ركعتين) , وفي حديث أنس ﴿أن أصحاب رسول الله - أقاموا برام هرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة﴾ (١).
والخلاصة في ذلك أن المسافرين على ثلاثة أقسام:
أ- أن ينووا الإقامة المطلقة, فهؤلا حكمهم حكم المستوطنين فلا يترخصون برخص السفر كما تقدم (٢).
ب- أن ينووا إقامة لغرض معين مقيدة بزمن, ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم, تقدم الخلاف في ذلك (٣) , وذكرنا أن الراجح أن هؤلا لهم حكم المسافرين.
ج- أن ينووا إقامة لغرض معين غير مقيد بزمن, ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم, كمن قدم لمراجعة دائرة حكومية, أو لبيع سلعة أو شرائها, فهؤلا حكمهم حكم المسافرين حتى على مذهب الحنابلة, وحكاه ابن المنذر إجماعاً.
٦ - المسألة السادسة: إذا أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر حتى ضاق وقتها عنها.
مثال ذلك:
أخر صلاة العصر وهو مسافر حتى فاته الوقت, فقالوا بأن هذا لا يترخص, لأنه صار عاصياً بتأخيرها عمداً بلا عذر, ولكن الراجح أنه يقصر لعدم تحريم السبب.
﴿مسائل لم يذكرها المصنف: يلزم فيها المسافر الإتمام﴾
стр. 317
٧ - إن أحرم حضراً ثم سافر, أو في سفر ثم أقام, أو ذكر صلاة حضر في سفر, أو ذكر صلاة سفر في حضره, عبارة الفقهاء هذه تضمنت عدة مسائل يرون أنه يلزم الإتمام فيها سأذكرها مع التمثيل, والراجح في كل مسألة:
المسألة الأولى: إذا أحرم في الحضر ثم سافر.
مثال ذلك:
رجل كان في سفينة تجري في نهر يشق البلد, ثم كّبر للصلاة فتحركت السفينة وفارقت عامر بنيان قريته, وهو في أثناء الصلاة, فإنه يلزمه الإتمام, لأنه ابتدأ الصلاة في حال يلزمه إتمامها, فلزمه الإتمام.
المسألة الثانية: إذا أحرم في السفر ثم أقام, وهي عكس المسألة السابقة.
مثاله:
رجل كان في سفينة فابتدأ الصلاة قبل دخول البلد, ثم دخلت السفينة البلد وهو ما يزال في الصلاة, فهنا يلزمه الإتمام, لأنه اجتمع في هذه العبادة سببان: أحدهما يبيح القصر, والثاني يمنع القصر, فغلب جانب المنع, فالذي يبيح القصر السفر, وهو الذي ابتدأ الصلاة فيه, والذي يمنعه الإقامة, وهو الذي أتم الصلاة فيها, فيغلب هذا الجانب, لأن الفقهاء عندهم قاعدة وهي ﴿إذا اجتمع مبيح وحاظر فالحكم للحاظر﴾ , أو يقال يغلب جانب الحظر, ودليل هذه القاعدة حديث الحسن بن علي ﵄ أن النبي - قال ﴿دع ما يريبك إلى ما لا يريبك﴾ (١) , ولما ورد من حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي - قال ﴿... ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه﴾ (٢).
وما سبق في المسألتين الأولى والثانية هو قول الحنابلة, والراجح في ذلك, أما بالنسبة للمسألة الأولى, فإنه إذا صلى ركعة فأكثر في الحضر ثم سافر, فإنه يتم
стр. 318
صلاة مقيم, أما إن كبر للإحرام وفارق عامر بنيان قريته, وهو لم يصلَّ شيئاً, فإنه يتم صلاة مسافر, وكذلك بالنسبة للصلاة الثانية فإنه إذا أحرم في السفر ثم أقام, فإن كان صلى في حال سفره ركعة فأكثر ثم أقام أتم صلاة المسافر, وإلا صلى صلاة مقيم, لأن الإدراكات كلها تقيد بركعة, لحديث أبي هريرة ﵁ ﴿من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة﴾ (١).
المسألة الثالثة: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.
مثال ذلك:
رجل صلى في بلده الظهر على غير وضوء ناسياً فسافر, ثم تذكر أثناء السفر أنه صلى الظهر على غير طهارة في الحضر, فمن المعلوم هنا أنه لابد من إعادة الصلاة للقاعدة الشرعية ﴿أن باب الأوامر لا يعذر فيه الإنسان بالجهل والنسيان﴾ , ولكن هل يعيدها أربعاً بناء على أنه صلاها في الحضر أم يصليها ركعتين لأنه سيعيدها حال السفر؟
يقال: يصليها أربعاً, لحديث أبي هريرة مرفوعاً أن النبي - قال ﴿من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها﴾ (٢) , أي يصلي هذه الصلاة كما ذكرها, ولأن هذه الصلاة لزمته تامة, فوجبت عليه قضاؤها تامة, قال ابن المنذر في الإجماع: (وأجمعوا على أن من نسي صلاة في حضر فذكرها في السفر أن عليه صلاة الحضر, إلا ما اختلف فيه الحسن البصري) (٣).
المسألة الرابعة: إذا ذكر صلاة سفر في حضر, وهي عكس المسألة السابقة.
مثال ذلك:
стр. 319
صلى في السفر صلاة الظهر ركعتين, وهو مذهب أبي حنيفة ومالك, لما تقدم من حيث أبي هريرة ﵁ , وهذا ذكر صلاة مقصورة, فتلزمه صلاة مقصورة, ولأن القضاء يحكي الأداء, ولم يفته إلا ركعتان.
والخلاصة: أن المسألة الرابعة وما قبلها لها أربع صور:
١ - أن يذكر صلاة سفر في سفر, فإنه يقصر, كما لو صلى في سفر قصراً وهو على غير طهارة, ثم تذكر هذه الصلاة أنه صلاها على غير طهارة في سفر آخر, فهنا يقصر.
٢ - أن يذكر صلاة حضر في حضر, فهذا يتم, وهذه ظاهرة.
٣ - أن يذكر صلاة سفر في حضر, فهنا يقصر على الصحيح كما تقدم.
٤ - أن يذكر صلاة حضر في سفر, فهنا يتم.
فائدة:
ويسن للمسافر إذا أمَ مقيمين أن يقول: أتموا فإنا قوم سفر, لقول النبي - ذلك لأهل مكة, ولئلا يلتبس على الجاهل عدد الركعات.
﴿فصل في الجمع﴾
الجمع هو: ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى, وقولنا (ضم) يراد به ما يصح الجمع بينهما, وهما جمع الظهر مع العصر, والمغرب مع العشاء, وهذا التعريف يشمل التقديم, وجمع التأخير, والجمع كما سيأتي لأمرين هما: السفر, وللمشقة في الحضر, كالمرض وما أشبهه.
فائدة:
كل من جاز له القصر جاز له الجمع والفطر ولا عكس.
стр. 320
س١٤٣: ما حكم الجمع بين صلاتي الظهر والعصر, والمغرب والعشاء عند وجود سبب الجمع ؟
ج/ الراجح أن الجمع سنة إذا وجد سببه لوجهين:
الوجه الأول: أنه من رخص الله , والله يجب أن يوتى رخصه.
الوجه الثاني: أن فيه إقتداء برسول الله - , فإنه كان يجمع عند وجود السبب المبيح للجمع.
س١٤٤: أيهما أفضل جمع تقديم أم جمع التأخير ؟
ج/ الأفضل أن الإنسان يفعل الأرفق به, فإن كان الأرفق به جمع التقديم جَمَعَ جمع تقديم, والعكس كذلك, لأن أصل الجمع إنما شرع لرفع الحرج والمشقة, فإذا كان ذلك في أصله, فيكون كذلك في فرعه, ويدل لذلك حديث معاذ ﵁ ﴿أن النبي - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعهما إلى العصر يصليهما جميعاً, وإذا أرتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار, وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء﴾ (١).
ومما يجب أن يعلم من أراد الجمع أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً, فإن شاء جمع في وقت الأولى, أو في الثانية, أو في الوقت الذي بينهما, وأما ظن بعض العامة أنه لا يجمع إلا في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر, أو في أول وقت أحدهما فهذا لا أصل له.
س١٤٥: هل يجوز الجمع لمن كان نازلاً أم لا ؟
ج/ أما بالنسبة للمسافر السائر فهذا لا خلاف في جواز الجمع في حقه (٢) , ويدل لذلك حديث ابن عمر ﵄ ﴿أن النبي - كان يجمع إذا جد به