وهو يعيش في جو مملوء بالمغريات الجنسية، وإذا سافر إلى بلاد الغرب رأى ما هو أشد إغراء؟
وليس البحث الآن في المسألة الجنسية لأسأل ماذا يصنع في هذه المدة، بل البحث في الزواج، فكيف يمكن أن يتزوج؟ لا سيما وأنه مضطر -بحكم هذا النظام- أن يبقى بلا كسب ولا مورد ويبقى عالة على أبيه حتى يبلغ الثلاثين، ويبقى بعد ذلك بضع سنين أخرى بطبيعة الحال كي يجمع تكاليف الزواج، فيصير عمره خمساً وثلاثين. ومن المشاهَد أن كثيراً من الذين يبقون بلا زواج إلى هذه السن لا يتزوجون أبداً، لأن الدافع إلى الزواج يضعف بعدها ونار الغريزة تخمد، والشباب يكون قد ولى.
فالسبب الأول -في رأيي- هو نظام التعليم. وقد كان من المعروف في دمشق من نصف قرن، لمّا كان أكثر الناس يشتغلون بالتجارة ولا يعرفون هذا التعليم الجامعي، أن الشاب إذا صار في العشرين صارت له دكان، وصار صاحب مورد ورب تجارة، وصار زوجاً وأباً وصاحب أسرة، وأن البنت إذا بلغت الرابعة عشرة تتزوج.
* * *
والسبب الثاني: هذه العادات الشنيعة في الزواج، العادات التي تخرّب بيت الأب وبيت الخاطب معاً، وليس فيها -كما قلت في الحديث الماضي- نفع لأحد، إنما هي للتفاخر أمام الناس وللتكاثر والتسابق إلى التبذير والسرف، من المباراة في زيادة المهور وشراء الجهاز الفخم الذي يشتمل على أشياء أكثرها
стр. 107
لا حاجة إليه ولا لزوم له، ولقد دخلت غرفاً في أفخم الدور كُدِّست فيها التحف والتماثيل والمطرّزات واللوحات بلا ذوق ولا ترتيب، حتى صارت كأنها مخزن مفروشات لا غرفة استقبال، مع أن الأجانب الذين نقلدهم في حياتنا لا يضعون في أبهاء الاستقبال إلا الشيء الضروري، وإذا عمدوا إلى الزينة والترف علقوا لوحة لها قيمة فنية وأقاموا تحفة واحدة أثرية أو تذكارية، لا ترى لديهم إطاراً ضخماً غالياً فيه صورة سخيفة حمقاء، ولا ترى هذه المجموعات من الأطباق الصينية وعلب الزينة وقناني الطيب التي لا تُفتح ولا تُستعمل، وهم يفضّلون الأناقة والذوق على الثمن المادي للأشياء.
وهذه السلسلة من الحفلات، حفلة الخطبة ولبس الخاتم، وحفلة العقد، وربما سبقتها حفلة التلبيسة، وحفلة العرس، والسبعة الأيام وحفلة التعارف ... وكل حفلة تكلف المئات وتجمع أنماطاً من الناس ليس بينهم تفاهم ولا توادّ، وربما لم يكن بينهم تعارف سابق. وهذه الحفلات للرجال ضجة وصخب وفوضى أو صمت وتكلف وحديث خافت، وللنساء حفلات عرض أزياء، كل واحدة تعرض ثوبها وتنتقد ملابس الأخريات!
وهذه الحفلات مع ما يتبعها من الهدايا المقررة المتعارف عليها، التي يتفق أحياناً على نوعها وثمنها، تكلف الخاطب أكثر من المهر، وتكلف الأب هي والجهاز مثل ما تكلف الخاطب، وتكون نكبة على كل رجل تدعى زوجته أو ابنته إليها لأنه يضطر إلى شراء الملابس الجديدة ودفع ثمنها مما خصصه لخبز عياله أو ثمن ملابس أولاده.
стр. 108
ولما كنت في جزيرة جاوة (في أندونيسيا) رأيت أكثر الشباب متزوجين. فسألت عن طريقة الزواج فإذا هي أسهل وأقرب الطرق، فكنت أتذكّر صعوبة الزواج في بلادنا وهذه العراقيل التي أقيمت في طريقه، حتى صار الاتصال المحرَّم أسهل بمئة مرة من الزواج الحلال (أقول هذا وأنا في خجل وأسف) وصار الآباء يتغافلون عن هذا المنكر ويمهّدون له -حيث لا يشعرون- بإهمالهم التربية الدينية والخلقية، ويعارضون الزواج ويلقون أمام طالبه الأشواك.
* * *
والسبب الثالث أن أكثر الأزواج تركوا الشرع ولم يقفوا عند حدوده؛ فلم يعرف الزوج الواجب عليه لزوجته ولم يقم به، ولم تعرف الواجب عليها لزوجها ولم تقم به، فدخل -بذلك- الخلاف إلى أكثر البيوت، وصارت حياة المتزوجين جحيماً لا يطاق، وتتالت الدعاوى في المحاكم وفشا الطلاق. ورأى هذا الشبابُ العزاب وسمعوا أخباره فزادهم ذلك كراهة للزواج وانصرافاً عنه.
والسبب الرابع الفساد الخلقي، والفساد الخلقي الذي هو نتيجة لقلة الزواج صار سبباً من أسباب هذه القلة، وصارت مسألة الدور الذي أبطله المناطقة وجوّزه الشعراء، فقال أحدهم:
مسألةُ الدَّوْر أتَتْ ... بَيني وبين مَنْ أُحِبْ
لولا مشيبي ما جَفا ... لولا جَفاهُ لم أَشِبْ
الشاب الذي لا يتزوج وهو يجد الدافع إلى الزواج يسلك
стр. 109
طريق الفساد، وسهولةُ طريق الفساد تصرفه عن الزواج. وما له وللزواج ونفقاته ومشكلاته؟ وما له وللخلافات الزوجية وهو يقدر أن يوصل نفسه إلى كل ما تشتهيه بغير ذلك كله؟ وهنا أعود فأقرر أن بين مشكلة الزواج ومشكلة البغاء السري والعلني وحدة وامتزاجاً، فلا يمكن علاج إحداهما إلا بعلاج الأخرى.
والسبب الخامس هو نتيجة التعريف الذي بدأت به هذا الحديث. أما قلت لكم إن مشكلة الزواج هي وجود آلاف مؤلفة من البنات بلا أزواج ووجود آلاف مؤلفة من الشباب بلا زوجات؟
إن الشباب مختلفون غِنى وفقراً، وثقافة وجهلاً، وتُقى وتساهلاً، وجِدّاً وهَزلاً، وفي كل صنف من هؤلاء مثيله من البنات. ولو أن كل شاب يريد الزواج خطب مَن تُماثله في تفكيره ووضعه الاجتماعي ونظره إلى الحياة لما كان عشر هذا الاختلاف الزوجي الذي نراه الآن، ولا يحتاج ذلك إلا إلى جماعة من المصلحين يدعون إلى الزواج ويرغّبون فيه، ثم يدلون كل خاطب على الأسرة التي تناسبه. ولو وُجد في كل حيّ من أحياء البلد نفرٌ من هؤلاء المصلحين لحل بعض هذه المشكلة.
* * *
والخلاصة أن في البلد مشكلة زواج، وأن هذه المشكلة مرتبطة بمشكلة الفساد والأخلاق، ولا تُحَلّ إحداهما إلا بحل الأخرى. وأن سببها نظام التعليم أولاً، ثم هذه العادات في المهور والحفلات والهدايا، وهذه التكاليف التي لا تُحتمل، ثم ترك
стр. 110
المتزوجين أحكام الشرع حتى حل الخصام فيهم محل الوئام، ثم فَقْد الوسطاء واختيار الخاطب الفتاة التي لا تناسبه ولا تقاربه، وتفضيله الجمال فيها على الكمال، وتفضيله على الدين فيها المالَ وعلى الخلق والحشمة الإغراءَ والدلال.
ولي إلى هذا الموضوع رجعات إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 111
أسباب المشكلة
نشرت سنة ١٩٥٨
أمامي الآن كتابان، أحدهما من شاب موظف والآخر من آنسة شابة. الكتاب الأول يشير إلى مشكلة من أكبر المشكلات الاجتماعية في بلدنا، بل هي أكبرها بلا جدال، والكتاب الثاني يقدم الحلّ لهذه المشكلة. ولو أني أعددت العدة وهيأت الوسيلة ليصلا إليّ في يوم واحد لما وُفّقت إلى ما جاءت به هذه المصادفة العجيبة. وأكرر القول بأن الكتابين أمامي، فلا تظنوا أني أتخيّل، وفيهما الأسماء والعناوين ولكني لن أذكر منها شيئاً.
يقول صاحب الكتاب الأول إنه موظف صغير براتب لا يتجاوز مئتي ليرة، وأنه شريف المَحتد حسن الخلق، أحبّ أن يعصم نفسه بالزواج وأن ينشئ له أسرة، فخطب أول مرة فبحثوا عنه وسألوا، فلما لم ينكروا منه خلقاً ولا ديناً قالوا إن راتبه قليل. فخطب مرة ثانية وأفهمهم أن راتبه قليل، قالوا: "وما الراتب؟ هل هي بيعة يُبحث فيها عن الثمن؟ نحن لا نهتم بالمال". ففرح وقال: "هنا حَطَّ بنا الجَمّال (١) ". وكاد ينتهي الأمر لولا أنهم قالوا إنه قبيح الصورة، مع أنه جميل (هو الذي يشهد لنفسه بالجمال لا أنا،
стр. 112
وأنا لم أره ولا أعرف وجهه). فخطب مرة ثالثة وقال لهم: "لا نريد مشاكل، والشرط في الحقل ولا الخصومة في البيدر (١). أنا موظف صغير مرتبي مئتا ليرة سورية فقط، وشكلي كما ترون". قالوا: "قبلنا بشكلك وراتبك، ونحن نرحب بك، ولكنا لا نكتم عنك أن أخت البنت تزوجت بأربعة آلاف، ونحن لا نستطيع أن ننقص مهرها عن مهر أختها". فلما سمع بالأربعة الآلاف قال: "السلام عليكم". وخطب الرابعة، وقال لهم: "إن مرتبي كذا، وشكلي كذا، وأنا لا أدفع أكثر من ألف ليرة مهراً". قالوا: "أهلاً وسهلاً، قبلنا". وبعد مفاوضات ومحادثات لا آخر لها قالوا: "لا بد من أن تترك أهلك وتستأجر داراً وتفرش غرفة نوم". فحسب ذلك فوجده أثقل من ذلك المهر فولّى هارباً. وخطب الخامسة، ووضح كلّ شيء وقبلوا بكل شيء، وقُرئت الفاتحة، واجتمع بالمخطوبة، وأعد المال، وعُملت معاملة الزواج، ولكنهم رفضوا في اللحظة الأخيرة إذ تبين أن أم الشاب من النوع «البلدي»، لا تعرف شرائط الحفلات ولا قواعد الزيارات، وأنها شوهدت متلبسة بجريمة فظيعة، إذ استعملت في وليمة الخطبة شوكة اللحم في أكل البطيخ، وشربت الشوربة بصوت مسموع، وقشرت التفاحة وهي تمسكها بيدها!
ونسي صاحب الكتاب ذنباً آخر لهذه الأم «البلدية»، هي أنها كلما أكلت حركت ذقنها!
لذلك ترك التفكير بالزواج وكره النساء، حتى صار سوداوياً
стр. 113
موسوساً. وهو يختم كلامه بشتائم حارة منتقاة للبنات وآباء البنات (وأنا منهم مع الأسف) ولهذا المجتمع كله.
* * *
أما الكتاب الثاني فتقول صاحبته إنها إحدى ثلاث أخوات شابات يعشن في كنف أخيهن، وهو لا يقصر في الإنفاق عليهن، ولكنه كلما جاء خاطب ردّه وتمحّل له الحيل؛ فهذا ضيّق ذات اليد وهو يخاف أن يضيّق على أخته، وهذا جاهل ليس كفواً له وهو العالم الجليل (أي في رأي نفسه)، وهذا من أسرة مجهولة، وهذا مقطوع ليس له أحد فهو يخشى إذا كان خلاف ألا يجد من أهله من يكلمه في أمره، وهذا كثير الأهل له أم وأخت وامرأة أخ، فهو يخشى أن يظلمن أخته ... وإذا جاء خاطب لم يجد له علّة أغلى عليه المهر وأرهقه بالتكاليف. وهي تستشير وتستجير، وتخاف أن يشيع ذلك عنها فلا يُقبل الخُطّاب إليها وتبقى عانساً طول عمرها.
* * *
هذان هما الكتابان يا أيها السامعون، وهذه هي المشكلة الكبرى في حياتنا الاجتماعية: بنات شابات يملأن البيوت ينتظرن الزواج، وشباب عزاب يجوبون الطرقات يطلبون الزواج. ولكن بين الفريقين سداً منيعاً، يمنعهما من الاتصال الحلال فقط، أما في الحرام فليس بين الفريقين حجاب! وهذا السد هو الآباء، عفواً، لست أعني الآباء جميعاً، بل الذين لم يدركوا إلى الآن أن في الدنيا اليوم وباءً فتّاكاً يدمر الأخلاق ويبدّد الأعراض، وأنه لا
стр. 114
دواء له ولا منجى منه إلا بالزواج، وأن كل من يمنع الزواج أو يضع في طريقه العراقيل أو لا يسهّله وهو قادر على تسهيله يكون عاملاً على زيادة هذا الوباء ونشره، وأن الخطر فيه على الجنسين ولكن الخطر على البنات أشدّ، لأن الشاب يجني جنايته ويمضي والبنت هي التي تحمل عواقبها، ولأن المجتمع يغفر للشاب ويقول: "ولد أثم وتاب" ولكنه لا يغفر للمرأة أبداً ولا يقبل لها توبة، وأن والد البنت لو عقل لسعى هو في زواجها.
لا؛ لا يعرضها على الناس ولا يرمي بها إلى أول طالب لها، بل يتبع سبيل الشرع وطريق العقل، فينظر إلى دين الخاطب وإلى خلقه، فإن رضي دينه وخلقه نظر إلى وضع أسرته وعادات أهله وتفكيرهم، فإن كان هو وأسرته موافقين للبنت وأسرتها، متقاربَين في الغنى والفقر وفي العادات وفي الوسط، وكان يستطيع أن يعيّشها كما كانت تعيش في بيت أبيها (١)، فليقبل به.
أما المهر فلا بدّ منه، ولكن ليكن معتدلاً لا يرهق الخاطب ولا يضيع حق البنت. فإن كان الخاطب صالحاً وليس في يده مال حاضر (كأكثر الشباب) فليكن المهر مؤجَّلاً، فإن وفّقَ الله وعاشا بسلام لم يضره كثرته مع تأجيله.
المهر شيء لازم، أما الشيء الذي ليس بلازم ولا مطلوب، والذي يمنع الزواج حقاً ويصعّبه ويعرقل مسيره، فهو هذه العادات السيئة المتّبَعة في الزواج. وهذه العادات إنما يُسأَل عنها ويحمل تبعتها النساء. وأنا أقول بالعناية بكل ما ينفع الزوجين في حياتهما،
стр. 115
أما الذي لا يفيد الزوجين ولا تدوم منفعته إلا سبعة أيام فهذا الذي لا أقول به.
إن هذه العادات تكلف أكثر من المهر، تكلف الخاطب وتكلف الأب وربما كان فيها خراب البيتين. وحفلة العقد لا بد منها، وهي من السنة، ولكن المصيبة أولاً في الثياب؛ أنا أحضر بالبذلة التي ألبسها عشرين حفلة وأبقى عليها خمس سنين، أما الأم فلا تحضر حفلة البنت الثانية بالبذلة التي حضرت بها حفلة البنت الأولى، يا عيب الشؤم! كيف يراها الناس بها مرتين؟! والأخت كذلك، والعمة وبنت العم، وأخت سلفة امرأة العم، وحماة خالة السلفة ... كل واحدة تكلّف زوجها ثمن ثوب جديد لهذه الحفلة! أي أن الحفلة الواحدة تفسد موازنة أربعين أسرة، وربما أدت إلى خلاف يدمر حياتها الزوجية.
هذه واحدة، والثانية في طاقات الأزهار. أعرف حفلة عرس كانت في دمشق بلغ ثمن ما أحضر فيها من زهر ألفَي ليرة. ألفي ليرة حقيقة! أتدرون ماذا كان مصيرها؟ لم يتسع لها المكان فركم بعضها فوق بعض، فاستؤجر لها بعد يومين طُنْبُر (١) ليحملها إلى المزبلة. ألفا ليرة ألقيت على المزبلة وفي البلد ألفا أسرة تتمنى الليرة!
والثالثة: عُلَب الملبَّس، وثمن الواحدة منها لا يقل عن خمسة وسبعين قرشاً وقد يصل إلى خمس ليرات، وملؤها يكلف نصف ليرة، فاحسبوا كم يكون ثمن هذه العلب لحفلة متوسطة فيها مئة مدعو أو مدعوة.
стр. 116
هذا في حفلات الأوساط من أمثالنا، ولم أذكر الحفلات التي تكون في النوادي والفنادق والتي تشتمل على المئات من المدعوّين ويكون فيها من التبذير والمعاصي وإضاعة الأموال ما لا يدري به إلا الله.
ولا يقتصر الأمر على هذه الحفلة، فإن وراءها حفلة العرس والهدايا التي يشترط تقديمها إلى العروس و «النقوط»، وهي بلاء آخر: يكون عندك الفرح فيهدى إليك أشياء لا تحتاج إليها ولا تنتفع بها، وقد تتكرر الهدايا فيجيئك عشر ثريات وليس في دارك إلا أربع غرف، وإن بعتَها عيّروك ببيعها، فلا تدري ماذا تصنع بها. ثم يطالبونك بوفاء هذا الدين فجأة. تكون قد وضعت موازنتك وحسبت وجمعت واستعملت الجبر والهندسة وحساب اللوغارتمات حتى أوشكت أن تعدل النفقات بالواردات، فتفاجَأ بطلب مئة ليرة ثمن هدية لفلان الذي زوج بنته. فتقول: إذا كان في دار فلان الفرح بزواج بنته، فهل يلزم من ذلك أن يكون في داري الحزن لاختلال موازنتي؟
فتقول المرأة: وهل نسيت إذ أهدى إلى ابنتك الزهرية الثمينة المصنوعة من الفخار الصيني؟
تقول: وهل طلبت أن يهدى إلى بنتي زهرية ثمينة مصنوعة من الفخار الصيني؟ وما الذي استفدته أنا منها؟ وقد وضعت في دار بنتي لا في داري، ولو وُضعت في داري فما فائدتها إلا رجفة القلب من الخوف الدائم عليها أن تصطدم بها الخادم ويرميها الولد فتنكسر؟!
стр. 117
فتقول: لا بد من ذلك، عيب!
وما تزال تلح عليك وتثقب بذلك أذنيك حتى تستسلم وترفع الراية البيضاء، وتقول: خذوا اشتروا هدايا للناس بثمن خبز العيال وعلى العقل السلام.
هذه العادات التي يدافع عنها أمهات البنات، والحماقة التي تشتمل عليها رؤوس بعض الآباء، هي سبب المشكلة.
ولو أننا استطعنا الاستغناء عن الحفلات الكبيرة وقصرنا الأمر على الأقربين من الأهل، وألغينا الكماليات التي لا نفع لها، ومنها غطاء السرير (طقم التخت) الذي لا يستعمل إلا خمس مرات من العمر وثمن الرخيص منه يزيد عن مئة ليرة، أما الغالي فأعوذ بالله من ثمنه. ولو عقلنا أكثر لاستغنينا عن ثوب العرس الذي لا يُلبَس إلا أياماً ثم يعلق في الخزانة كما يعلق الهيكل العظمي في خزائن كلية الطب، لماذا ننفق المئات وربما أنفقنا الألوف ثمن هذا الثوب إذا كان لا يُلبس إلا أياماً؟ لماذا لا نستأجره أو نستعيره؟
أنا أرى أن ننظر في هذه النفقات، فما كان منها ضرورياً للعروسين مفيداً لهما في حياتهما الزوجية وكانا يقدران على دفع ثمنه قبلنا به، وما كان الغرض منه مجرد إعجاب الناس (كثوب الزفاف وغطاء السرير وطاقات الزهر وعلب الملبس) أبَيْناه. إن كل واحد منا يحب أن يثني الناس عليه ولكن دفع ألف ليرة لسماع كلمة إعجاب، كلمة «ما شاء الله، والله شيء حلو» حماقة، إن قيمتها أقل من ذلك بكثير.
стр. 118
وبعد، فإن فيما كتب الشاب في الكتاب الأول مبالغة. ولو أنه خطب من أمثاله، من ناس يعرفهم من قبل الخطبة ويعرفونه، لما ردّوه ولما اعترضوا على ماله ولا على شكله ولا على أبيه وأمه. ولو أن التي كتبت إليّ الكتاب الثاني راجعت القاضي لمّا جاءها الخاطب الصالح، وتيقن القاضي من صلاحه ومن تعنّت الولي، لزوّجها على رغم أنف أخيها.
* * *
يا أيها السامعون، إنه لا يُصلح ما نشكو من الفساد إلا تسهيل الزواج. وأنا أرى أن من يسعى في زواج ويعمل على إتمامه يكون ساعياً في خير وبرّ، عاملاً لمكرمة وفضيلة، ويكون قائماً بطاعة الله وخدمة الوطن.
فيا مَن عنده بنات: لا تردّوا الخاطب الصالح إذا جاءكم ولا ترهقوه بالمطالب. ويا أيها الشباب: عجلوا بالزواج، فإنكم لا تطيعون الله بعد إتيان الفرائض وترك المحرمات بأفضل من الزواج، تصونون به أخلاقكم وتحفظون به دينكم. ويا عقلاء البلد، ويا دعاة الإصلاح، ويا أرباب الأقلام، ويا أصحاب المنابر: اجعلوا الزواج من أول ما تعملون له وتسعون لتيسيره.
والله يوفقكم ويجزل ثوابكم.
* * *
стр. 119
إبراهيم بك هنانو قال لي ! (١)
نشرت سنة ١٩٤٦
هذا إنذار، أستحلف كل قارئ من قرّاء الرسالة في الشام أن يحدّث به وينشره ثم يحفظه ... فإنه سيجيء يوم تضطره أحداثه أن يعود إليه فيقول: "يا ليته قد نفعنا هذا الإنذار، يا ليتنا ... " ويومئذ لا تنفع شيئاً «ليت»؛ إنها لا ترد ما ذهب ولا ترجع ما فات!
وهذا إعذار إلى الله، ثم إلى كُتّاب التاريخ، لئلا يقولوا إنها لم ترتفع في دمشق صيحة إنكار لهذا المنكر ولم يعلُ فيها صوت ناطق بحق ... وإن كتّابها وأدباءها حضروا مولد سنّةٍ من «ألْعَن» سنن إبليس فلم يقتلوها وليدة ضعيفة، وتركوها تكبر وتنمو حتى صارت طاعوناً جارفاً، حتى غدت ناراً آكلة، حتى استحالت داهية دَهْياء أيسر ما فيها الخسف والمسخ والهلاك ... ونعوذ بالله من تذكير لا ينفع وإنذار لا يفيد.
стр. 120
وبعد، فقد حدثني صديق لي فقال:
كنت أمس في مجلس، وكنا نتحدث فيما كان «يوم العرض» من «مناظر الكَشّافات، ومنظر الأسيرة، والعروس» حديثَ إنكار وأسف لما كان، ونعجب كيف جاز على رجال هذا العهد الوطني وهم -فيما نرى- أهل الشهامة والمروءة والغيرة على الأعراض. وكان في المجلس الزعيم الجليل عضو مجلس النواب، إبراهيم بك هنانو (١)، فرأيته يُعرض عن هذا الحديث ويَصرف عنه، وانقاد له الحاضرون فضربوا في أحاديث أخرى. فلما انفضّ المجلس خرجت معه فعاد إلى يوم العرض وخبره، واختصّني بهذا الحديث وأذِن لي أن أنشره.
قال رعاه الله: إنك لتعجب كيف تم هذا الخزي وكيف مرّ على رجال هذا العهد الوطني فلم يتنبهوا له، وأنا أخبرك بسرّ ما تعجب منه، وقعت عليه مصادفة ... وذلك أني ذهبت قبل العرض بأيام في حاجة لي إلى منزل «فلان» الفرنسي، ومنزله في الميدان الذي يتقاطع فيه الشارعان الكبيران: شارع يوسف العظمة وشارع كلية الهندسة، فوجدت المنزل كأنه خال والمتاع مرصوص مربوط، فعلَ المتهيّئ للسفر. وكان النور يسطع من شق باب غرفته، فهممت أن أدخل عليه، فسمعت كلاماً وحديثاً. فانتحيت ناحية أنتظر تمام الحديث إذ ليس من الأدب أن أدخل على متحدثَيْن، فسقط إليّ كلام لا يستطيع المرء أن يغلق أذنيه عن مثله. ولم يكن استراق السمع من عادتي، غير أني وقفت، وقد أدركت أن «فلاناً» هذا يتحدث مع «رجل ...» أعرفه من
стр. 121
أذناب القوم ومن أعوانهم وممن رُفعوا إلى المناصب العالية. وكانا يتشاكيان الفراق ويتحدثان وكأنهما يتباكيان. وربّ كلمات يقطر منها الدمع، ورب حروف هي قلوب تتفطر! ويتذاكران الأيام الماضية وكيف دارت الأيام.
وكان من حديث صاحبنا الشامي الذي سمعته مترجماً إلى لغة القلم ولسان الأدب قوله (والخطاب للفرنسيين): لئن كُتب عليكم أن تذهبوا فإنكم ستعودون عاجلاً ثم لا تذهبون أبداً. على أني سأنتقم لكم، وسأعدّ وحدي العدّة لعودتكم. سأصنع في ليالٍ ما لم تصنعوه أنتم في ربع قرن وتسعة أشهر ... سأريكم قوتي. وليست القوة أن تسوق على عدوّك العسكرَ اللّجب والمدافع والدبابات تضرب بها قلعته، ولكن القوة أن تأتيه باسماً مصافحاً فتحتال عليه حتى يفتح لك قلعته بيده، فإذا أنت قد امتلكتها بلا حرب ولا ضرب. إني سأدسّ لهم دسيسة في عيد الجلاء؛ لا أصبر والله حتى ينتهي العيد. إنها فرصة إن لم أغتنمها لم أكد أجد مثلها. وأنا أعْرَفُ بأهل بلدي، وإن لم يكن دينهم من ديني؛ إنهم لا يؤتَون بالقوة ولا تنفع فيهم. وقد جربتم ورأيتم، فما قتلتم منهم مبغضاً لكم إلاّ وُلد عشرة هم أبغض منه لكم، وما هدمتم داراً من دورهم إلاّ هدمتم معها ركناً من «انتدابكم» عليهم، ولا أشعلتم النار في حيّ لهم إلاّ كانت هذه النار حماسة في قلوبهم عليكم ونار ثورة تتعبكم. ولا يؤخَذون بالشُّبَه تُلقى عليهم في دينهم، ولا بالثقافة التي تحمل الإلحاد والكفر تحت عناوين العلم والفنّ. وما جئتموهم بكتاب هو في زعمكم هدم لدينهم إلاّ أثرتم عليكم مشايخهم وجمعياتهم، فهبّوا يدافعون، فإذا أنتم قد قوّيتم بعملكم إيمانهم في صدورهم. وما يُنالون بالقوانين التي تبطل
стр. 122
قرآنهم، وقد علمتم حينما جربتم أن تأتوا بالظهير البربري مهذّباً ملطفاً لابساً ثوب «قانون الطوائف» ماذا جرى عليكم إذ أبطلتموه بأيديكم ... ولا بالأموال التي تشترون بها ضمائر زعمائهم وقادتهم: لأن من هذه الضمائر ما هو كالوقف (عندهم) لا يُباع ولا يُشرى ولا يوهب ... ولا بإرهاب الزعماء وحبسهم، وهذا هو الرجل الذي ضربه سنة ١٩٣٦ رجالُكم بعصيّهم صار هو رئيس الجمهورية التي تخرجون منها غداً ...
فقال له «فلان» الفرنسي: ومن أين تأتيهم أنت؟ وهل تقدر على ما عجزت عنه فرنسا؟
قال: نعم؛ ولو كنتم قد سمعتم مني ما عجزتم. إنّي آتيهم من الباب الذي لا يستطيع أن يراه أحد مفتوحاً إلاّ ولجه، إني أحاربهم بغرائزهم فأجعلهم يهدمون بيوتهم بأيديهم، وأثير عليهم نساءهم وأثيرهم على نسائهم، وألقي الضعف والخُلف فيهم، فأفسد عليهم رجولتهم وأخرّب أُسَرَهم، وأجعل رجالهم أخشاباً قد شغلت كل خشبة بهواها ولذتها ... إني آتيهم من باب «الغريزة الجنسية» الذي لم تدخل منه أمة إلاّ دخلت جهنم التي تحرقها، ولا تخرج منها -من بعدُ- أبداً.
قال الفرنسي: أما أدخلناهم نحن من هذا الباب؟ أما قلنا لهم: إن تعريض أجسام الشباب والشابات للهواء والشمس صحة لهم وقوة. فأبوا وقالوا: كلا، إنه تعريص (بالصاد)؟ أما قلنا لهم: إن هذا الحجاب همجية ووحشية، وإن التقدم والمدنية بالسفور؟ أما أنشأنا لذلك جمعيات؟ أما فتحت هذه الجمعيات مدارس؟ أما صنعت هذه المدارس أكثر مما صنعت الفرنسيسكان؟ إننا لم نصل
стр. 123
بعد ذلك كله إلى شيء.
قال الآخر: إن الصبر عند الصدمة الأولى، فإذا استطعت أن أضرب ضربة واحدة ضمنت النجاح، وإني سآتيهم عن طريق الوطنية؛ سأقول: إنه يوم عيد الوطن، عيد الجلاء، عيد الرجال والنساء ...
* * *
قال إبراهيم بك:
ثم دخل داخلٌ فتنحيت عن مكاني، فلم أسمع شيئاً بعد ذلك. فلما حضرت العرض، ورأيت الذي كان، عرفت من أين جاء البلاء. على أن هذا الرجل وأشباهه لم يصنعوا ما صنعوا حباً بفرنسا ولا إخلاصاً لها. إن قلوبهم أضيق من أن تتسع لإخلاص حتى ولو لفرنسا ... ولكن حباً بأنفسهم وحرصاً على لذتهم. إنهم يكادون يُجَنّون إذ يجدون سوريا لا تزال نساؤها مستترات متحجبات، ولا يفتؤون يسّاءلون أنْ: كيف السبيل إلى هتك الحجاب؟ لماذا لا تكون كفرنسا حيث لا تُستر عورة ولا يُحجب جمال ولا يُمنع من لذة طالبُها؟ لقد احتجّوا بالصحة وأن الحجاب ضعف ومرض، فكذّبهم كون المتحجبات أصح أجساماً وأقوى وأبعد عن المرض، وأن من السافرات مصابات بالزهري والسيَلان. واحتجوا بالتمدن وأن الحجاب رجعية وتوحش، فلم يصدقهم أحد. فجاؤوا هذه المرة فأخذونا على حين غرة وغفلة، وأفادهم أن كان الناس في الفرحة الكبرى، في عيد الجلاء، فقالوا للناس: "إنه يوم فرح، فلتشارك المدارس فيه الأمة. ليُظهر
стр. 124
الطلاب والطالبات سرورهم ويعلنوا عاطفتهم". ثم ذهبوا فأعدوا هذه «المناظر» التي كانت يوم العرض كبقعة النجس في ثوب العروس الأبيض!
ألا مَن كان يظن أنّ مثل هذا يكون في دمشق ولا تزلزل الأرض زلزالها؟ من كان يظن أن الآباء ينسون نخوتهم؟ وهؤلاء النفر من رجال التعليم، وهم الأمناء على الطالبات، يضيعون أمانتهم ويحولون الأمر عن وجهته؟ فبعد أن كان للعزة الوطنية وللمجد وللنبل صار للشهوة واللذة والغريزة الجنسية! لقد جعلته هذه المشاهد «مَرقصاً»! كل ذلك تقليداً للأجنبي الذي نحتفل اليوم بجلائه عنا، الأجنبي الذي هُزم في الحرب ووطئته نعال أعدائه، وقد كان له جيش لُجّي يزيد في عَدده عن جيش أعدائه، وقد كان له خط ماجينو، وأمة تعد أربعين مليوناً، ومستعمرات ... فلم يُغنِ عنه جيشه ولا حصونه ولا عدده لمّا أضاع الأخلاق وفرّط بالعفاف.
لا، لا تقولوا: "إنه يوم العيد يجوز فيه ما لا يجوز في غيره"، فإن المرأة التي تسقط يوم العيد كالتي تزلّ يوم المأتم، والناس يزدرون المرأة «الساقطة» من غير أن يسألوا متى كان سقوطها!
ألا مَن كان له قلب فليتفطّر اليوم أسفاً على الحياء.
مَن كانت له عين فلتبكِ اليوم دماً على الأخلاق.
مَن كان له عقل فليفكر بعقله، فما بالفجور يكون عزُّ الوطن وضمان الاستقلال، ولكن بالأخلاق تُحفظ الأمجاد وتسمو الأوطان.
стр. 125
فإذا كنتم تحسبون أن إطلاق الغرائز من قيد الدين والخلق، والعورات من أسر الحجاب والستر، من ضرورات التقدم ولوازم الحضارة، وتركتم كل إنسان وشهوته وهواه، فإنكم لا تحمدون مغبّة ما تفعلون، وإنكم ستندمون (ولاتَ ساعة مَنْدَم) إذا ادْلَهمّت المصائب غداً وتتالت الأحداث، وتلفتُّم تفتشون عن حُماة الوطن وذادة الحمى فلم تجدوا إلاّ شباباً رخواً ضعيفاً لا يصلح إلاّ للرقص والغناء والحبّ.
فاللهَ اللهَ، والأمةَ والمستقبلَ! إننا خرجنا من هذا الجهاد بعزائم تزيح الراسيات وهمم تحمل الجبال، فلا تضيّعوا هذه العزائم، لا تُذهبوا هذه الهمم، ولا تناموا عن حماية استقلالكم، فمن نام عن غنمه أكلتها الذئاب!
إن هذا الجلاء نعمة من نعم الله، فتلقُّوها بالشكر والطاعة واحفظوها بالجدّ والأخلاق، فبالشكر تدوم النعم، وبالإخلاص تبقى الأمم، وبالمعاصي تبيد وتهلك. إن أجدادنا كانوا يحتفلون بالنصر بحمد الله وطاعته فيقودهم الاحتفال إلى نصر جديد، وكذلك تفعل الأمم الحيّة اليوم. أما سمعتم بحفلات تتويج ملك الإنكليز؟ لقد كان نصفها في الكنيسة، فلماذا يكون احتفالنا بالجلاء اختلاطاً وتكشفاً وغناء ورقصاً واستهتاراً، كأننا لم ينزل علينا كتابٌ ولم يُبعث فينا نبيّ ولم يكمل لنا دِين؟
إني أخاف -والله- أن يكون الأجنبي قد أجلى جيوشه عنا وترك فينا قنابل تتفجّر كل يوم، فتدمّر علينا أخلاقنا وأوطاننا واستقلالنا! إن كل عورة مكشوفة وفسوق ظاهر قنبلة أشدّ فتكاً من قنابل البارود، ولا يخفى ضررها إلاّ على أحمق.
стр. 126
يا أيها الناس: لقد جلت جيوش العدو عن أرضكم فأَجْلوا عن بيوتكم عاداتهم، وعن رؤوسكم شُبُهاتهم، وعن مدارسكم مناهجَهم، وعن شوارعكم حاناتهم ومراقصهم، وعن محاكمكم قوانينَهم، وعن أجسام بناتكم وأولادكم ثيابَهم الكاشفة الفاضحة وأزياءهم.
وذلك هو الجلاء الحق، وذلك هو العيد الأكبر.
* * *
هذا ما قاله لصديقي الزعيمُ إبراهيم بك هنانو عضوُ مجلس النواب السوري، أنقله بنصّه، والعهدة على هذا الصديق (١).
* * *
стр. 127
من حديث المزعجات
أذيعت سنة ١٩٥٨
الكلام اليوم في حديث المزعجات. وأنا أحب قبل أن أبدأ الحديث أن أخبركم بسر من أسرار المهنة، هو أن الحديث العلمي الذي أتعب في إعداده وأنفق فيه الساعات الطويلة لا يلقى من التشجيع والرضا عُشرَ ما يلقاه حديثٌ كحديث اليوم الذي أكتبه في ساعة واحدة بلا كد ولا تعب، فهل معنى هذا أن أكثر السامعين والسامعات من غير العلماء والمثقفين أم أن الناس (حتى العلماء منهم والمثقفين) لا ينتظرون من الإذاعة إلا أمثال هذه الأحاديث السهلة القريبة؟
ولكن ما لي وما لهذا الكلام، وأنا الرابح على كل حال؟
* * *
إن أزعج المزعجات وأشنع المصائب هذا الرادّ (الراديو). أفليس عجيباً أن أذيع فيه وأتكلم عنه؟ هذا الرادّ الذي حطم أعصابي وأطار صوابي، والذي اخترعه مخترعه ليؤذي به الأدباء وأهل الفكر، فكلما استغرقوا في أفكارهم أو طاروا في آفاق خيالهم أو نسوا الدنيا وما فيها في غمرة التأمل أو في ذهلة
стр. 128
الإلهام، قرع آذانهم صوت الرادّ من بيت الجيران بأغنية رقيقة أو موسيقا صاخبة، أو حديث أشد إزعاجاً وغلاظة من حديثي هذا، فطارت الأفكار وامّحت صور الخيال وانقطع الإلهام.
ولكن لا. إني أظلم المخترع، فإنه ما اخترع الراد لهؤلاء الجاهلين المزعجين الذين لا يطربون إلاّ إن أسمعوا معهم مئة دار، لا يدرون حينما يمدون إصبعهم الواحدة فيحركون هذا المفتاح حركة طفيفة كم أطاروا النوم من رأس مريض يقاسي الآلام ويرجو لحظة منام، وكم ضيعوا على العلماء والأدباء من ثمرات العقول وصور الجمال، وكم شغلوا تلميذاً عن امتحانه، وكم جرحوا من قلوب المحزونين! وأنا لا أكره أن يستمتع كل امرئ بحريته فيسمع ما شاء من الأغاني المباحة ويطرب ما طاب له الطرب، ولكن ما ذنبي أنا؟ ولماذا يسلبني حريتي فيُسمعني ما يشاء هو لا ما أشاء أنا؟ لماذا يطربني على رغم أنفي، ومَن أدراه أني أطرب للذي يطرب له هو، وأن الأغنية التي يحبها هو لا أكرهها أنا والتي تلذّه لا تسوؤني؟ ولماذا يزعج دائرة قطرها مئة متر وفيها خمسمئة إنسان؟
لقد صرت أكره الرادّ وكل ما يأتي به، ولقد أفسد ذوقي وذهب بالحسّ الفني من نفسي! كنا إذا سمعنا الأغنية الحلوة طربنا لها وصفّقت لها قلوبنا، فما زالت بنا الإذاعات حتى كرّهت إلينا كل أغنية حلوة لأنها تعيدها مرة ثانية، وثالثة، وعاشرة، وتعيدها المرة التاسعة والتسعين، فلا يبقى منها إلاّ ما يبقى من البرتقالة عصرتَ ماءها. وخذ ألذّ أكلة تحبها، إنْ فرضوها عليك شهراً كاملاً لا تأكل غيرها الصباح والظهر والمساء وعشر مرات
стр. 129
خلال ذلك، فإنك تكرهها وتشتهي أن تستبدل بها خبزاً وبصلاً.
ولو كان سهماً واحداً لاتّقيته، ولكن جارك هذا يحب السهر فهو يفتح الراد على مصراعيه فلا يزال يجلجل ويولول إلى نصف الليل، وذاك يحب البكور فهو يقوم فيفتح الراد على مصراعيه من قبل طلوع الشمس!
هذا واحد.
الثاني: هذه السيارات؛ إن سرت في الشارع حملتَ روحك على كفك ووضعت الموت بين عينيك، إذ تراها أمامك ووراءك وعن يمينك وعن شمالك، كأن الجميع يتسابقون إلى امتلاك مناجم الذهب، فما فيهم إلاّ مسرع كالمجنون يجوز بك كأنه راكب على أجنحة شيطان فلا تستطيع أن تراه، وإن كان الليل أعمت العيون بهذه المصابيح فلا ندري أين المفرّ؟ وإن هربتَ إلى دارك لحقتك أصواتها التي توقظ الموتى وتميت الأحياء، وتنزل على رأس النائم كأنها ضربة مطرقة من حديد. وما أدري لماذا يركّبون لها هذه الزمّارات الشنيعة التي يبلغ صوتها مسيرة كيل (كيلومتر) وهذه المصابيح التي يصل ضوؤها إلى بعد عشرين كيلاً؟
والثالث: هو الهاتف الآلي؛ يرنّ الساعة الثانية من الصباح فتقوم من نومك مرتاعاً فزعاً تحسب أن قد حل خطب بقريبك أو حبيبك، وتتعثر وأنت ماش بعيون أغلقها النعاس، وتصطدم بالمنضدة فتصاب ركبتك أو تكسر الآنية الثمينة التي ترتبط بذكرى عزيزة عليك، حتى إذا وصلت إلى سماعة الهاتف قال لك: "آلو،
стр. 130
ملهى السريانا؟ "! أو تفتح عليك امرأة ملهوفة وأنت مسرع في الصباح إلى عملك، فترجوك أن تدعو لها جارتك فلانة لأمر ضروري لا يحتمل التأجيل، وقد يكون بينك وبينها خمسون متراً، فإذا أحضرتَها وحملت في ذلك المشقة والتأخير، إذا بها تريد أن تسألها عن «ثوبها» الأحمر عند أي خياطة خيّطته، وعن استقبال مديحة خانم أو الست ماري في أي يوم من الشهر!
والرابع: الصديق الفارغ الوقت من العمل، الفارغ الرأس من الفكر، يحب أن يمضي ساعتين من وقته فيفتّش في قائمة أصحابه فلا يجد غيرك. وتكون صباحاً مستعجلاً إلى عملك تريد أن تلبس وتأكل وتنظر في حاجات الدار، وإن كنت ممن يعمل بعقله أو كان عندك دعوى يجب أن تدرسها قبل أن تذهب، أو مقالة ينبغي أن تتمها، أو بقية من الأشغال الشاقة (أعني تصحيح وظائف التلاميذ ...) وبينما أنت في هذه الغمرة غارقاً في لجتها إلى أذنيك إذا بالباب يُقرع، وإذا أنت بهذا الصديق المحترم. ويدخل وتضطر أن تقعد أمامه، لا تقعد على الكرسي بل على النار المتوقدة، تنظر في ساعتك ... وهو لا يبالي، ويكون بينكما هذا الحوار: "إي وشلون الصحة؟ "، "الحمد لله". "والله الجوّ اليوم طيب"، "طيب، الحمد لله". "سمعت أن ملك مراكش ألقى خطبة العرش، إنها أخبار طيبة". "نعم، أخبار طيبة". "هل قرأت قصيدة الصافي النجفي في وصف الطاووس؟ " ...
فتتململ وتتحرك في مقعدك وتقوم وتقعد، فتدركه نوبة من اللطف المفاجئ فيقول لك بعد أن تَمضي عليه ساعة وربع في هذا العَلْك: "شوف أخي، أنا لست غريباً. خذ حريتك ... لا تهتم
стр. 131
بي، بَسْ أعطني كتاباً أقرأ فيه واشتغل شغلك"!
والخامس: هذا الذي يكون في مجلس فيه سبعة أو ثمانية من الناس فيستلم وحده الحديث من بابه إلى محرابه، لا يدع لأحد فرجة بين جملتين يمد منها لسانه بكلمة ولا يبالي أملَّ الحاضرون أم تعبوا أم طلعت أرواحهم من حديثه البارد الذي يكون له أول ولا يكون له آخر، كأن القوم قد دُعوا إلى محاضرة. على أن المحاضرة لها موضوع معروف ومدة معينة، وهذه محاضرة ليس لها مدة ولا موضوع. وأفظع من ذلك أن يكون هذا الحديث في مدح نفسه وتقريظها، وأفظع منه أن يكون كذباً لا أصل له!
والسادس: الذي يدخل عليك في مكتبتك أو محكمتك، يريد أن يسألك عن قضية أو يستخبرك عن دعوى، فلا يعمد إلى الموضوع مباشرة بل يسرد لك مقدمة تمتد خمس دقائق عن أدبك ومنزلتك وتشرّفه بلقائك، ثم يبدأ القصة من قبل الطوفان، ويسرد عليك منشأ الخلاف ويقف وسط الحديث ليقول: وكان حاضراً يومئذٍ جماعة منهم هذا ... الذي كان عَطّاراً في سوق الجمعة، ما اسمه؟ اللهم صلِّ على النبي، عجيب كيف نسيت؟ اسمه على رأس لساني، يلبس عمامة بيضاء، ما اسمه يا ربّي؟ ابن أخيه موظف في مؤسسة الكهرباء، وقد جاءنا من أيام وأصلح لنا الساعة ...
ويبقى عشر دقائق وهو في هذا اللتّ والعَجْن، وأنت تنتظر الفرج، والمراجعون ينتظرون على الباب.
والسابع: الذي يقفك في الطريق وأنت مستعجل تسير إلى
стр. 132
موعد ضروري، إلى درس في الجامعة أو محاكمة أو دعوة أو اجتماع. فيقول لك: "يا أستاذ ... يا أستاذ". فتتلفت، فيسلم هاشاً باشاً كأنه صاحبك من عشرين سنة وكأنه يهم بتقبيلك، وتقف أنت جامداً لأنك لا تعرفه ولم ترَ طلعته البهية قبل اليوم. فيقول لك معاتباً: "شو ما عرفتني؟ "، فتقول: "لا". فيقول: "الله! احزر يا أستاذ، تذكر".
وبعد أن يسائلك دقائق، يأخذ هيئة الجد ويقول: "أحب أن أعرض عليك مسألة آخذ رأيك فيها، أنا تزوجت كما تعلم بنت فلان وكان المهر ... "، ويمضي يسرد قصة تستغرق نصف ساعة، يضيع فيها الدرس والمحاكمة والدعوة والاجتماع!
والثامن: المرأة النظيفة المدبّرة ربّة البيت المثالية، التي لا يخطر على بالها تنظيف السجاد وجمع ست بنات لضربها بالعصي إلاّ على السطح قبل أن تطلع الشمس، فلا تحس وأنت نائم بعد الصلاة إلاّ ست عصي قد نزلت خَبْطاً على رأسك في أوركسترا همجية وحشية توقظ الأموات فضلاً عن النائمين. ومثلها الرجل النظيف المهذَّب الذي لا يستطيع أن يتحمل الوسخ في فمه ولا في أذنه، ولا أن ينتظر حتى ينفرد بنفسه، فلا تزال إصبعه تدور في أنفه وفي أذنه وهو في المجلس الحافل، ينكش أسنانه بعوده، وربما فعل أشنع من ذلك فنكشها بظفره ثم مسحه بالمقعد، أو أخذ جريدة أو ورقة وطواها ونظّف أسنانه بطرفها!
والتاسع: الذي يدخل عليك فلا يجد على مكتبك ورقة إلاّ مدّ إليها يده فرآها، ولا كتاباً إلاّ فتحه، ولا جريدة إلاّ سحبها ونشرها ونظر فيها.
стр. 133
والعاشر: الذي يركب الترام فيضطجع على المقعد اضطجاعاً ويضع رجلاً فوق رجل. ولقد كنت مرة في مصر مع صديق لي من مشايخ الأزهر، معروف بالنكتة الحاضرة والروح الخفيفة، فركبنا التّرام، وكان الذي أمام الشيخ رومياً ضخم الجثة ثقيلاً، قد وضع رجلاً على رجل ومدّها حتى صار يمس بطرف حذائه جبة الشيخ، فنبهه الشيخ بلطف، فقال له: "أنا خرّ (أي حر)، إذا أنت ما بيعجبك أنت بياخذ تاكسي". فما كان من الشيخ إلاّ أن مدّ رجليه الاثنتين فوضعهما في حضنه. فقال: "إيه ده؟ إيه ده؟! "، فقال: أنت خر، أنا خرّين!
وسقط الركاب من الضحك.
* * *
стр. 134
في الفندق
نُشرت سنة ١٩٥٩
أكتب هذه الكلمات في فندق كبير في مصر لا أحب أن أسميه، لأني لا أريد الحديث عنه بالذات إنما أريد الكلام عن الفنادق كلها.
يمر الناس عليه فيرون اسمه على بابه تضيء حروفه، ترقص عليها الأنوار، ويلمحون أبهاءه الواسعة وأضواءه الظاهرة، ويرون خدمه بباهي الثياب وفخم الهيئات، فيحسبون أن فيه النعيم المقيم، ويتمنون أن ينزلوا فيه ليلة في العمر ليذوقوا لذة العيش ويعرفوا ما بهجة الحياة، وأنا النازل فيه لا أتمنى إلاّ أن أخرج منه وأعود إلى بيتي.
إن الإنسان لا يعرف قيمة النعم إلاّ إذا فقدها. ولقد عرفت الآن ما قيمة حياة الأسرة؛ إن قعدة بلدية على «طرّاحتي» وأولادي أمامي وكتابي في يدي أمتع من كل ما في الدنيا من فنادق.
وما حياة الفنادق؟
لقد عشت فيها مرة تسعة أشهر تِباعاً، كنت أنزل خلالها في أفخمها وأعظمها، ولقد خبرتها وعرفتها فلذلك كرهتها وعفتها.
стр. 135
تكون لك الغرفة فيها كل ما يمتع ويريح: السرير اللين، والفراش الناعم، والحمام النظيف، والماء الحار للغسل، والماء المثلج للشرب، والهاتف والجرس والرادّ، والتدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف، ولكنك تحسّ -مع ذلك- أنك غريب وأنك مفرد، إذا أغلقت عليك بابك لم تشعر أن معك من يعنيه أمرك ويشغله شأنك، وإذا خُدمت فإنما تُخدَم لمالك، وكل شيء في الفندق بالمال، لا تستطيع أن تخطو خطوتين إلاّ إن دفعت قرشين.
إن نزلت من السيارة أسرع الفرّاش يفتح لك الباب ووقف في طريقك لا يزيح إلاّ بالقرشين، وإن ولجت الباب وجدت أمامك فرّاشاً آخر فدفعت له قرشين آخرين، وفي المصعد فرّاش ثالث وضريبة ثالثة، ورابع وخامس وتاسع وعاشر ... حتى إنك إذا دخلت دورة المياه وجدت فرّاشاً يفتح لك باب بيت الخلاء ويقول لك: "تفضل يا بيه"! ويقف، وتقف أنت لا تدري كيف تصرفه. لا يدري أنه ما سمي هذا المكان بيت الخلاء (ولا مؤاخذة) إلاّ لأنك تخلو فيه بنفسك وتكون فيه وحدك، فهل يظن هذا الأحمق والذي أرسله ليلحقك إلى هذا المكان أن المرحاض «صالون استقبال»؟!
والفنادق الكبار -فوق هذا كله- هي البقعة الوحيدة التي تجوز فيها السرقة وتُرتكب علناً! فالطعام الذي ثمنه عشرة يأخذون منك فيه خمسين. وأنا أدرك فرق السرير عن السرير والغرفة عن الغرفة، وأنه إذا كانت الغرفة في الفندق الصغير بعشرين قرشاً صاغاً فلتكن هنا بجنيهين، بزيادة عشرة أضعاف، لا بأس. ولكن ما الفرق بين البيضة المسلوقة التي تباع في السوق والبيضة التي
стр. 136
تقدم في الفندق الكبير؟ ولماذا يكون ثمنها في السوق قرشاً وهنا خمسة قروش؟ ولماذا يكون ثمن قنينة الكوكا كولا في الفندق بثلاثة أضعاف ثمنها في السوق؟
إذا أنا أخذتها في القهوة وزادوا عليّ الثمن أفهمُ أن الفرق أجرة القعود في القهوة، ولكن لا أفهم لماذا يُزاد عليّ ثمنها وأنا آخذها في مكان دفعت أجرة إقامتي فيه مضاعفة!
وهل يُعقل أن يكون عشاء الواحد بسبعين قرشاً مصرياً، إذا ضُمّ إليها ما يلحقها في العادة من ضميمة الخدمة والنُّحْلان (البقشيش) صار العشاء بجنيه للشخص الواحد، في البلد الذي يبدأ فيه راتب القاضي بخمسة عشر جنيهاً؟!
هذا وما يُقدَّم في هذا العشاء لا يزيد ثمن مثله في السوق على خمسة عشر قرشاً. فماذا أسمي ذلك إذا لم أُسَمِّه سرقة؟
هذا وأنا لم أنزل في «شبرد» ولا في «هلتون» حيث تكلف كل ليلة ثمانية جنيهات، وثمانية جنيهات هو المبلغ الذي يعيش به أكثر من نصف عائلات مصر شهراً كاملاً.
وما طعام الفنادق الكبار؟ أعوذ بالله من هذا الطعام. قد يزعم زاعم أنه طيب أو أنه صحي، ولكنه لا يستطيع أن يقول إنه طعام عربي ولا إنه معدّ للعرب ولا إنه طُبخ على أذواقهم؛ إنما هو ذوق الإنكليز وأسلوبهم فرضوه علينا.
ولقد أكلت في أكبر الفنادق في مصر ولبنان والعراق وباكستان والهند وسيام والملايا وأندونيسيا فلم أجد (كما أني
стр. 137
لم أجد في فنادق أوربا الغربية، وقد نزلتها) (١) إلاّ طعام الإنكليز وأسلوب الإنكليز لا سيما في الفطور؛ الفطور الذي يقدم في البلاد الحارة، بل سنغافورة وهي على خط الاستواء تماماً، هو الذي يقدَّم في صوفر التي تَعْتمُّ جبالها بالثلج!
فمتى نتحرر من «هذا» الاستعمار الاجتماعي و «ذلك» الاستعمار العقلي كما تحررنا من الاستعمار السياسي والعسكري؟ ومتى نعتز بعاداتنا ونتمسك بها كما يتمسكون هم بعاداتهم؟ ومتى تكون فنادقنا لنا تعدّ الطعام الذي نألفه ونشتهيه أو يكون لنا فيها -على الأقل- نصيب؟
إن من ينزل واحداً من هذه الفنادق الكبار في مصر أو دمشق أو بغداد أو جدة أو الرياض لا يحسّ أنه في بغداد ولا في دمشق ولا في مصر ولا جدة ولا الرياض، بل يظن أنه في إنكلترا أو فرنسا. كل شيء فيها أجنبي أجنبي؛ حتى اللغة ... إن اللغة التي يتخاطب بها موظفوها والتي يقدّمون لك بها قائمة الحساب ليست اللغة العربية لغة البلد. ونحن نتظرّف أو نتلطّف أو نذل ونتصاغر، لست أدري ماذا أقول، فنخاطبهم بهذه اللغة الفرنسية أو الإنكليزية ونحن في بلدنا، ونحن نملك أشرف لغة وأجود لغة وأوسع لغة وأغنى لغة بالبيان وهي لغة العرب.
стр. 138
إن هذا شيء لا يُحتمَل!
إني كلما سمعت العربي يتكلم في هذه الفنادق بغير العربية مجاراة لمن فيها أُحسّ النار في أعصابي من الغضب للعربية. إنهم يأكلون من خبزنا ويترفعون علينا، وإذا دخل الوطني هذه الفنادق بلباسه الشرقي العربي البلدي أروه الازدراء حتى يخجل بلباسه وهو في بلده.
أقول مرة ثانية: إن هذا شيء لا يُحتمَل!
لقد رضينا أن تأخذ هذه الفنادق من أموالنا بلا حق وأغمضنا عيوننا وتركناها تسرقنا، أما أن تأخذ من كرامتنا، وتعدو على لغتنا، وتزدري أزياءنا وعاداتنا، فلا.
وقد يكون في عاداتنا وأزيائنا ما هو غير صالح وما يحتاج إلى تعديل أو تبديل، ولكنّا نريد أن نبدّله أو نعدّله نحن بأنفسنا برأينا ونظرنا، لا أن يعدّله لنا صبيان الفنادق و «كراسين» الأوتيلات.
* * *
وبعد، فإن أمانة القلم في أعناقنا -معشر الكُتّاب- توجب علينا أن نقرع به كل باب إصلاح، وهذا باب ما قرعه بقلمه قبل اليوم أحد من الكتّاب.
* * *
стр. 139
بين المعلّم والتلميذ
نُشرت سنة ١٩٣٢
دخل علينا (في العام الماضي) زميلنا الأستاذ «فلان» غرفةَ المعلمين (١) وهو مُرْبَدّ الوجه ساخط متذمر يرتجف من الغضب، فألقى الدفتر على المنضدة حنقاً وانتبذ ناحية من الغرفة فقعد فيها، وأمسك برأسه يفكر. فاقتربت منه وجعلت أسأله: ما لك يا?أخي؟ ماذا عراك؟ قل لنا، حدّثنا، لعله خير إن شاء الله.
قال: لقد ضاع الحياء وذهبت الأخلاق، ولم يبق في التلاميذ من يستحي أو يخجل؛ ولم يبق فيهم إلاّ كل وقح صفيق الوجه، فلعنة الله على هذه المهنة المرذولة!
стр. 140
قلت: وما ذاك يا أخي؟ ألا تحدثني الحديث؟ هل اجترأ عليك بعض الأولاد؟
قال: وأي جراءة! كنت أقرأ عليهم درس التاريخ، فقلت لهم: "إن الفينيقيين أجدادكم (١) فيجب أن ... "، فما راعني إلاّ تلميذ منهم خبيث قد انبرى لي فجعل يرد عليّ ويناقشني ويقول: "لا؛ بل إن أجدادنا هم العرب الذين جاؤوا من سفح أبي قبيس وجنبات سلع تحت راية سيد العالم (محمد بن عبد الله ﷺ ، فحملوا إلى هذه البلاد رسالة الله ونشروا فيها نور الإسلام ونفخوا فيها روح الصحراء. ثم لم يقنع هذا الولد الخبيث بجوابي ولم يسكت ولم يَنِ يتكلم ويناقش حتى أخرسته بالقوة. قبّحه الله وقبح مَن لقّنه هذه الآراء! قبحه الله ما أشد وقاحته وأكثر سلاطته! ما جئته بحجّة إلا جاء بثلاث، ولا قلت كلمة إلا قال أربعاً ... قبح الله من لقّنه هذه الآراء!
قلت: حسبك تقبيحاً يرحمك الله. إن الذي لقّنه هذه الآراء إنما هو ... أنا! أفلا تراها أرضى للحق ولمصلحة الأمة من آرائك هذه التي جئته بها، والتي جاء بها من قبلك فريق من أعدائنا وخصومنا ففرّقوا كلمتنا وكذبوا على تاريخنا، بفرعونية ابتدعوها في مصر ما أنزل الله بها من سلطان، وفينيقية اخترعوها في الشام، وآشورية سيبتكرونها في العراق، وعفريتية سيأتون بها في ... فيما لست أدري أين؟ كأنما يرضيهم أن ننتسب للشياطين أو للقردة (أجداد دارون وشيعته) ولا ننتسب لأمة محمد ﷺ فنقرأ تاريخها،
стр. 141
فنملأ الدنيا فخراً بها وعملاً على إحياء مجدها.
وعدّ يا أخي عن هذا وأخبرني: لماذا تغضب إذا ناقشك تلميذك، وتخشى أن تعود للحق لأنه جاء على لسان تلميذ وتصر على الباطل لأنه خرج من فيك؟ أليس خيراً لك وأجدر بك وأنت معلم أن تعود إلى الحق وتكافئ صاحبه، وتعلّم التلاميذ أنه لا شيء أحلى من الثبات على الرأي إلاّ الرجوع إلى ما هو خير منه، بدلاً من أن تعلمهم كيف يثبتون على الباطل ويدحضون به الحق؟
- لا، لا. أنا أعدّ هذه الآراء تعدّياً على حرمة المعلمين وتشجيعاً للتلاميذ على مناوأتهم والمشاغبة عليهم.
قلت: وأنا أعتبر آراءك هذه تعدياً على حرمة الحق وتشجيعاً للتلاميذ على دوس الحقائق التاريخية والعبث بمصلحة الأمة. وهل تراني أقول للتلاميذ: "قوموا شاغبوا على معلميكم أو أفسدوا الدروس حتى لا تتعلموا شيئاً"؟ لا يا صاحبي، أنا أكثر منك غيرة على سير الدروس وتأمين النظام فيها لأني أعلم أن العلم أمضى سلاح في الحياة، ولكني أقول للتلاميذ: "تحرّوا الحق وقدروه حق قدره، واعلموا أن المعلم أكبر من التلميذ ولكن الحق أكبر من المعلم ومن المدير ومن الوزارة ومن جمعية الأمم" ... وربما ناقشني تلميذي أشد من هذه المناقشة وجَرُؤ عليّ أكثر من هذه الجراءة فأطفئ حدته بسيل من الحجج والبراهين، فيخمد الحق ثورته فلا يلبث أن يقعد معترفاً ويؤوب مستغفراً. وإذا آنست منه وقاحة أو سوء أدب عاقبته على سوء أدبه ووقاحته لا على حواره ومناقشته.
стр. 142
والشرط في ذلك كله التثبت من الحقيقة، والمحافظة على أدب البحث، وقدر المعلم حق قدره، والغيرة على المصلحة، والضنّ بالوقت أن يضيع في الكلام الفارغ. فإذا استكمل التلميذ هذه الشروط وجب عليه (لا سيما تلميذ التجهيز، لا سيما طالب الجامعة) أن يقف عن تلقي ما يعتقد خلافه للحق أو إفساده لمصلحة الأمة، وأن يناقش فيه الأساتذة بأدب، وأن يعلم أن عليه أن يحترم الحق أكثر من احترام الأستاذ، وأن يحب الوطن أكثر من حب المعلم، وأن يخشى تأنيب الوجدان وعقاب الله أكثر من خشية عقاب المدرسة وجزاء الإدارة.
ولقد كان أرسطو (المعلم الأول) يقول: «أفلاطون أستاذي، ولكن الحق غايتي. فإذا اختلف أفلاطون والحق فأنا مع الحق».
* * *
стр. 143
إلى الطلاّب
نُشرت سنة ١٩٥٩
زرت من أيام صديقاً لي قبيل المغرب، فجاء ولده يسلم عليّ وهو مصفرّ الوجه بادي الضعف، فقلت: خيراً إن شاء الله؟
قال أبوه: ما به من شيء، ولكنه كان نائماً.
قلت: وما له ينام غير وقت المنام؟
قال: ليسهر في الليل. إنه يبقى ساهراً كل ليلة إلى الساعة الثانية.
قلت: ولِمَ؟
قال: يستعد للامتحان.
قلت: أعوذ بالله! هذا أقصر طريق للوصول إلى السقوط في الامتحان. لقد دخلت خلال دراستي الابتدائية والثانوية والعالية امتحانات لا أحصي عددها فما سقطت في واحد منها، بل كنت فيها كلها من المجلين السابقين، وما سهرت من أجلها ساعة، بل كنت أنام أيام الامتحان أكثر مما أنام في غيرها.
فعجب الولد، وقال: تنام أكثر؟
стр. 144
قلت: نعم، وهل إلا هذا؟ الامتحان مباراة. أفرأيت رياضياً، ملاكماً أو مصارعاً، يهدّ جسمه ليالي المباراة بالسهر، أم تراه ينام ويأكل ويستريح ليدخل المباراة قوياً نشيطاً؟ إن أول نصيحة أسديها لمن يدخل الامتحان من الطلاب والطالبات أن يحسن الغذاء وأن ينام ثماني ساعات.
قال: والوقت؟
قلت: إن الوقت متسع، وإن ساعة واحدة تقرأ فيها وأنت قويّ مستريح تنفعك أكثر من أربع ساعات تقرؤها وأنت نعسان تعبان، تظن أنك حفظت الدرس وأنت لم تحفظه.
قال: إن كانت هذه النصيحة الأولى، فما الثانية؟
قلت: أن تعرف نفسك أولاً، ثم تعرف كيف تقرأ؛ فإن من الطلاب من يسمع الدرس من المعلم فينساه فإذا قرأه بنفسه استقر فيها، ومنهم من يقرأ فينسى فإذا سمع بأذنه حفظ. أي أن من الناس من هو «بَصَري» يكاد يذكر في الامتحان صفحة الكتاب ومكان المسألة منها، ومنهم من هو «سَمْعي» يذكر رنة صوت الأستاذ. فإن كنت من أهل البصر فادرس وحدك، وإن كنت من أهل السمع فادرس مع رفيق لك مثلك واجعله يقرأ عليك.
قال: وكيف أعرف نفسي؟
قلت: أنا أكتب عشر كلمات لا رابطة فيها (مثل: كتاب، مئذنة، سبعة عشر، هارون الرشيد ...) وأقرؤها عليك مرة واحدة، ثم تكتب أنت ما حفظته منها. وأكتب مثلها وأطلعك عليها لحظة
стр. 145
وتكتب ما حفظته منها. فإن حفظت بالسمع أكثر فأنت سمعي، وإلاّ فأنت بصري.
قال: والنصيحة الثالثة؟
قلت: أن تجعل للدراسة برنامجاً تراعي فيه تنويع الدروس، فإذا تعبت من الحساب أو الجبر اشتغلت بعده بالتاريخ أو الأدب، فيكون ذلك كالراحة لك من تعب الأول.
وأحسن طريقة وجدتُها للقراءة أن تمرّ أولاً مراً سريعاً على الكتاب كله، ثم تفهم فصلاً فصلاً منه، على أن يكون القلم في يدك إن كنت تقرأ بنفسك، فالجملة المهمة تخط تحتها خطاً بالأحمر، والشرح الذي لا ضرورة له تضرب عليه بخط خفيف، والفقرة الجامعة تشير إليها بسهم.
ثم يأتي دور المراجعة، فتأخذ الكتاب معك وتمشي في طريق خال، وتستعرض في ذهنك مسائل الكتاب مسألة مسألة، تتصور أنك في الامتحان وأن هذا السؤال قد وُجِّه إليك، فإذا وجدت أنه حاضر في ذهنك تركته، وإلاّ فتحت الكتاب فنظرت فيه نظرة تقرأ فيها الفقرات والجمل التي قد أشرت إليها فقط فتذكر ما نسيته، وإن وجدت أنك لا تذكر من المسألة شيئاً أعدت قراءة الفصل كله.
والرابعة: ألاّ تخاف. والخوف من الامتحان لا يكون من الغباء ولا التقصير ولا الجبن، ولكن الخوف من شيء واحد وهو منشؤه وسببه، ذلك أن بعض الطلاب ينظرون إلى الكتاب الكبير والوقت القصير الباقي، ويريدون أن يحفظوه كله في ساعة فلا