فنملأ الدنيا فخراً بها وعملاً على إحياء مجدها.
وعدّ يا أخي عن هذا وأخبرني: لماذا تغضب إذا ناقشك تلميذك، وتخشى أن تعود للحق لأنه جاء على لسان تلميذ وتصر على الباطل لأنه خرج من فيك؟ أليس خيراً لك وأجدر بك وأنت معلم أن تعود إلى الحق وتكافئ صاحبه، وتعلّم التلاميذ أنه لا شيء أحلى من الثبات على الرأي إلاّ الرجوع إلى ما هو خير منه، بدلاً من أن تعلمهم كيف يثبتون على الباطل ويدحضون به الحق؟
- لا، لا. أنا أعدّ هذه الآراء تعدّياً على حرمة المعلمين وتشجيعاً للتلاميذ على مناوأتهم والمشاغبة عليهم.
قلت: وأنا أعتبر آراءك هذه تعدياً على حرمة الحق وتشجيعاً للتلاميذ على دوس الحقائق التاريخية والعبث بمصلحة الأمة. وهل تراني أقول للتلاميذ: "قوموا شاغبوا على معلميكم أو أفسدوا الدروس حتى لا تتعلموا شيئاً"؟ لا يا صاحبي، أنا أكثر منك غيرة على سير الدروس وتأمين النظام فيها لأني أعلم أن العلم أمضى سلاح في الحياة، ولكني أقول للتلاميذ: "تحرّوا الحق وقدروه حق قدره، واعلموا أن المعلم أكبر من التلميذ ولكن الحق أكبر من المعلم ومن المدير ومن الوزارة ومن جمعية الأمم" ... وربما ناقشني تلميذي أشد من هذه المناقشة وجَرُؤ عليّ أكثر من هذه الجراءة فأطفئ حدته بسيل من الحجج والبراهين، فيخمد الحق ثورته فلا يلبث أن يقعد معترفاً ويؤوب مستغفراً. وإذا آنست منه وقاحة أو سوء أدب عاقبته على سوء أدبه ووقاحته لا على حواره ومناقشته.
стр. 142
والشرط في ذلك كله التثبت من الحقيقة، والمحافظة على أدب البحث، وقدر المعلم حق قدره، والغيرة على المصلحة، والضنّ بالوقت أن يضيع في الكلام الفارغ. فإذا استكمل التلميذ هذه الشروط وجب عليه (لا سيما تلميذ التجهيز، لا سيما طالب الجامعة) أن يقف عن تلقي ما يعتقد خلافه للحق أو إفساده لمصلحة الأمة، وأن يناقش فيه الأساتذة بأدب، وأن يعلم أن عليه أن يحترم الحق أكثر من احترام الأستاذ، وأن يحب الوطن أكثر من حب المعلم، وأن يخشى تأنيب الوجدان وعقاب الله أكثر من خشية عقاب المدرسة وجزاء الإدارة.
ولقد كان أرسطو (المعلم الأول) يقول: «أفلاطون أستاذي، ولكن الحق غايتي. فإذا اختلف أفلاطون والحق فأنا مع الحق».
* * *
стр. 143
إلى الطلاّب
نُشرت سنة ١٩٥٩
زرت من أيام صديقاً لي قبيل المغرب، فجاء ولده يسلم عليّ وهو مصفرّ الوجه بادي الضعف، فقلت: خيراً إن شاء الله؟
قال أبوه: ما به من شيء، ولكنه كان نائماً.
قلت: وما له ينام غير وقت المنام؟
قال: ليسهر في الليل. إنه يبقى ساهراً كل ليلة إلى الساعة الثانية.
قلت: ولِمَ؟
قال: يستعد للامتحان.
قلت: أعوذ بالله! هذا أقصر طريق للوصول إلى السقوط في الامتحان. لقد دخلت خلال دراستي الابتدائية والثانوية والعالية امتحانات لا أحصي عددها فما سقطت في واحد منها، بل كنت فيها كلها من المجلين السابقين، وما سهرت من أجلها ساعة، بل كنت أنام أيام الامتحان أكثر مما أنام في غيرها.
فعجب الولد، وقال: تنام أكثر؟
стр. 144
قلت: نعم، وهل إلا هذا؟ الامتحان مباراة. أفرأيت رياضياً، ملاكماً أو مصارعاً، يهدّ جسمه ليالي المباراة بالسهر، أم تراه ينام ويأكل ويستريح ليدخل المباراة قوياً نشيطاً؟ إن أول نصيحة أسديها لمن يدخل الامتحان من الطلاب والطالبات أن يحسن الغذاء وأن ينام ثماني ساعات.
قال: والوقت؟
قلت: إن الوقت متسع، وإن ساعة واحدة تقرأ فيها وأنت قويّ مستريح تنفعك أكثر من أربع ساعات تقرؤها وأنت نعسان تعبان، تظن أنك حفظت الدرس وأنت لم تحفظه.
قال: إن كانت هذه النصيحة الأولى، فما الثانية؟
قلت: أن تعرف نفسك أولاً، ثم تعرف كيف تقرأ؛ فإن من الطلاب من يسمع الدرس من المعلم فينساه فإذا قرأه بنفسه استقر فيها، ومنهم من يقرأ فينسى فإذا سمع بأذنه حفظ. أي أن من الناس من هو «بَصَري» يكاد يذكر في الامتحان صفحة الكتاب ومكان المسألة منها، ومنهم من هو «سَمْعي» يذكر رنة صوت الأستاذ. فإن كنت من أهل البصر فادرس وحدك، وإن كنت من أهل السمع فادرس مع رفيق لك مثلك واجعله يقرأ عليك.
قال: وكيف أعرف نفسي؟
قلت: أنا أكتب عشر كلمات لا رابطة فيها (مثل: كتاب، مئذنة، سبعة عشر، هارون الرشيد ...) وأقرؤها عليك مرة واحدة، ثم تكتب أنت ما حفظته منها. وأكتب مثلها وأطلعك عليها لحظة
стр. 145
وتكتب ما حفظته منها. فإن حفظت بالسمع أكثر فأنت سمعي، وإلاّ فأنت بصري.
قال: والنصيحة الثالثة؟
قلت: أن تجعل للدراسة برنامجاً تراعي فيه تنويع الدروس، فإذا تعبت من الحساب أو الجبر اشتغلت بعده بالتاريخ أو الأدب، فيكون ذلك كالراحة لك من تعب الأول.
وأحسن طريقة وجدتُها للقراءة أن تمرّ أولاً مراً سريعاً على الكتاب كله، ثم تفهم فصلاً فصلاً منه، على أن يكون القلم في يدك إن كنت تقرأ بنفسك، فالجملة المهمة تخط تحتها خطاً بالأحمر، والشرح الذي لا ضرورة له تضرب عليه بخط خفيف، والفقرة الجامعة تشير إليها بسهم.
ثم يأتي دور المراجعة، فتأخذ الكتاب معك وتمشي في طريق خال، وتستعرض في ذهنك مسائل الكتاب مسألة مسألة، تتصور أنك في الامتحان وأن هذا السؤال قد وُجِّه إليك، فإذا وجدت أنه حاضر في ذهنك تركته، وإلاّ فتحت الكتاب فنظرت فيه نظرة تقرأ فيها الفقرات والجمل التي قد أشرت إليها فقط فتذكر ما نسيته، وإن وجدت أنك لا تذكر من المسألة شيئاً أعدت قراءة الفصل كله.
والرابعة: ألاّ تخاف. والخوف من الامتحان لا يكون من الغباء ولا التقصير ولا الجبن، ولكن الخوف من شيء واحد وهو منشؤه وسببه، ذلك أن بعض الطلاب ينظرون إلى الكتاب الكبير والوقت القصير الباقي، ويريدون أن يحفظوه كله في ساعة فلا
стр. 146
يستطيعون، فيدخل عليهم الخوف من أن يجيء الامتحان وهم لم يكملوا حفظه.
ومثلهم مثل الذي يريد أن يمشي على رجليه من المزة إلى المطار ليدرك الطيارة وما معه إلاّ ساعتان، فإن قال لنفسه: كيف أصل؟ أو ركض كالمجانين فتعب حتى وقع، لم يصل أبداً. وإن قسم الوقت والخُطا وقال لنفسه: إن عليّ أن أمشي في الدقيقة مئة خطوة فقط، سار متمهلاً مطمئناً ووصل سالماً.
والخامسة: أن بعض الطلاب يقف أمام غرفة الامتحان يعرض في ذهنه مسائل الكتاب كلها، فإذا لم يذكرها اعتقد أنه غير حافظ درسه واضطرب وجزع، مع أنه يستحيل أن يذكر المسائل كلها دفعة واحدة وإن كان يعرفها.
كم تعرف من أسماء إخوانك وأصدقائك؟ هل تستطيع أن تسردها كلها سرداً في لحظة واحدة؟ لا، ولكن إذا مر الرجل أمامك أو وُصف لك ذكرتَ اسمه. فغيابها عن ذهنك ليس معناه أنها فُقدت من ذاكرتك.
والسادسة: أنك كلما قرأت درساً استرحت بعده أو انصرفت إلى شيء بعيد عنه ليستقر في ذهنك. ومن الطلاب من يقرأ الدرس فإذا فرغ منه عاد إليه، ويكرر ذلك مرات، يحسب أن ذلك خير له مع أن ذلك كمن يأخذ صورة بـ «الفوتوغراف» ثم يأخذها مرة ثانية من غير أن يبدّل اللوحة أو يدير الفلم فتطمس الصورتان.
والسابعة: أن عليك أن تستريح ليلة الامتحان، وتدع القراءة وتأخذ قصة خفيفة، أو تزور أهلك أو أصدقاءك، أو تتلهى بشيء
стр. 147
يصرفك عن التفكير في الامتحان. وأن تنام تلك الليلة تسع ساعات أو عشراً إذا استطعت، ولا تخشَ أن تذهب المعلومات من رأسك فإن الذاكرة أمرها عجيب، ولا سيما لمن كان في أوائل الشباب؛ إن ما يُنقَش فيها في الصبا لا يُنسى. وأنا أنسى والله اليوم ماذا تعشّيت أمس ولكني أذكر ما كان قبل أربعين أو خمس وأربعين سنة كأني أراه الآن، وأنت تبصر في الرائي (التلفزيون) فلماً كنت شاهدته من عشر سنين فتذكره، ولو سألتك عنه قبل أن تدخل لما عرفته.
والثامنة: أن تعلم أن الامتحان ميزان يصح غالباً وقد يخطئ حيناً، وأن المصحح بشر، يكون مستريحاً يقرأ بإمعان وقد يتعب فلا يدقّق النظر، وأنه ينشط ويملّ ويصيب ويخطئ، وقد يختلف حكمه على الورقة وعلى أخرى مثلها باختلاف حالَي راحته وتعبه ورضاه وسخطه. وقد جربوا مصححاً مرة أعطوه أوراقاً فوضع لها العلامات والدرجات، ثم محوا علاماته وجاؤوه بها مرة ثانية ليصححها فإذا هو يبدل أحكامه عليها وتختلف درجاته في المرتين أكثر من عشرين في المئة. وطلبوا من مصحح مرة أن يكتب هو الجواب الذي يستحق العلامة التامة، ثم أخذوا جوابه فكتبوه بخط آخر وبدلوا فيه قليلاً وعرضوه عليه مع الأوراق فأعطاه علامة دون الوسط!
والمصحح ليس في يده ميزان الذهب، وقد يتردد بين الستين من المئة وبين السبعين، وقد يكون في هذه العلامات العشر نجاح التلميذ أو سقوطه. وربما وقعت الورقة في يد مصحح مشدّد فأسقطها ولو وقعت في يد آخر مهوِّن لمشّاها.
стр. 148
فما العمل؟
عليك أن توضح خطك، فإن سوء الخط وخفاءه ربما كان السبب في غضب المصحح أو نقمته، فأساء حكمه على الورقة فأسقطها. وأن تكثر من العناوين، وأن تقطّع الفقرات وتميزها، وأن تجتنب الفضول والاستطراد. وقد يستطرد التلميذ فيذكر أمراً لم يُطلب منه، يريد أن يكشف به عن علمه، فيقع بخطيئة تكشف جهله فتكون سبب سقوطه.
هذا الذي عليك، وهذا الواجب في الامتحان وغيره. على المرء أن يسعى ويعمل، ولكن ليس النجاح مَنوطاً دائماً بالسعي والعمل.
يمرض اثنان، فيستشيران الطبيب الواحد ويتخذان العلاج الواحد ويكونان في المَشفى في الغرفة الواحدة وتكون معاملتهما واحدة، فيموت هذا ويبرأ هذا. فلِمَ؟ من الله. ويفتح اثنان متجرين، ويأتيان بالبضاعة الواحدة ويتخذان طريقة للبيع واحدة، فيقع هذا على صفقة تجعله من كبار الأغنياء ويبقى ذلك في موضعه، فلِمَ؟ من الله.
وأنا لا أقول لأحد أن يترك السعي. السعي مطلوب، وعلى التلميذ أن يقرأ الكتاب كله حتى الحاشية التي لا يهتم غيره بها، إذ ربما كان السؤال في الامتحان منها، وبعد ذلك يتوجه إلى الله فيطلب منه النجاح.
وهذه خاتمة النصائح ولكنها أهمها. وأنا أعلم أن من السامعين من يسخر مني إذ أقولها، وهو يستطيع أن يسخر مني
стр. 149
أو أن يقول عني في غيابي ما شاء، ولكنه لا يستطيع أن يثبت بالبرهان أن الذي أدعو إليه باطل.
فيا أيها الطالب، إذا أكملت استعدادك وعملت كل ما تقدر عليه، فتوجه إلى الله وقل: يا رب، أنا عملت ما أستطيعه، وهناك أشياء لا أستطيعها أنت وحدك تقدر عليها، فاكتب لي بقدرتك النجاح، ولا تجعل ورقتي تقع في يد مصحح مشدّد لا يتساهل، أو مهمل لا يدقق، أو ساخط أو تعبان لا يحكم بالحق.
وانظر قبل ذلك، فإن كنت على معصية في سلوكك وفي عملك فتب منها، وإن كنتِ أيتها الطالبة على معصية في ثيابك ولباسكِ وسيرتكِ وكنت على مخالفة لحكم الشرع فارجعي عنها، وإن كان منكم جميعاً تقصير في حق الله فدَعوا التقصير، وأقيموا الفرائض، واجتنبوا المحرمات، فإن هذا هو طريق النجاح.
وليست هذه الوصفة من عندي، ولكنها وصفة (راشتة) وكيع شيخ الشافعي:
شكوتُ إلى وَكيعٍ سوءَ حفظي ... فأرشدني إلى ترك المَعاصي
وقال بأنّ هذا العلم نورٌ ... ونورُ الله لا يُهدَى لعاصي
* * *
стр. 150
الوصايا
أُذيعت سنة ١٩٥٩ من إذاعة دمشق
كنت أدقق أمس دعوى وصية، فرجعت بي الذاكرة إلى حادثتين رأيتهما في يوم واحد في المحكمة الشرعية في دمشق لمّا كنت فيها من أكثر من خمس عشرة سنة.
الأول طلب تسجيل وصية، قُدِّم باسم امرأة من الموسرات لا تستطيع لكبرها وعجزها أن تجيء إلى المحكمة، فأرسلت الكاتب ليستمع منها ويسجل لها، فعاد يقول إنها تريد أن توصي بثلث مالها، وهذا الثلث يزيد على خمسين ألف ليرة، وقد جعلت مبلغاً ضخماً منه للجنازة والعصرية والصباحية والمواسم، وذلك كله مما لا أصل له في الشرع، فنصحها أن تجعل هذا المبلغ في جهات الخير التي ترضي الله وتنفع الناس فأبت، وهو يسألني رأيي.
ولم أكن أذهب قط إلى دار إنسان (وإن كان القانون يجيز ذلك أحياناً)، ولكني لمّا سمعت منه خبر الوصية وضخامة المبلغ رجوتُ أن يوفّقني الله فيحقق على يدي خيراً. فذهبت إليها، فإذا عجوز حمقاء لا تفهم بلسان المنطق ولا تستجيب لصوت الدين، وإذا كل همها أن تصنع شيئاً تكسب به رضا الناس وتنال
стр. 151
به إعجابهم، ولم أستطع بعد الجهد الكثير أن أستخلص منها أكثر من خمسة آلاف رضيت أن توصي بها لبعض الجمعيات الخيرية.
ورجعت إلى المحكمة مغيظاً محنقاً، فرأيت الحادث الثاني. جاءتني امرأة تحمل في بطنها ولداً وعلى يدها ولداً وتجرُّ وراءها ولدين، فقالت وهي تبكي إنها غريبة لا تعرف أحداً في دمشق، وليس لها في بلدها إلا أب فقير وعم أفقر منه، لا يقدران على شيء لأنفسهما فضلاً عن أن يقدرا على شيء لها، وقد فرّ منها زوجها فهي لا تعرف له مكاناً، ولا تدري من أين تأكل وتطعم الأولاد، وإذا نفد صبر صاحب الغرفة التي تقيم فيها على إبطائها بالأجرة فطردها لم تعرف أين تنام هي والأولاد. وقد لجأت إليّ لأن الناس قالوا لها: ما لك إلا القاضي.
وحار القاضي وترقرقت في عينيه دمعتان، وقلت: يا رب عفوك! تلك ترمي خمسين ألفاً حيث لا ترضي ربها ولا تنفع أحداً، لا تبالي بها ولا تفكر فيها، وهذه تحتاج إلى عشر ليرات فلا تجدها ولا تجد من يدفعها إليها!
وبدأت من ذلك اليوم أفكّر في أمر الوصايا. كم يضيع بها من مال يُنفَق في غير وجهه ويوضع في غير محله؟ وكم يُصنَع بهذا المال لو أريد به وجه الله وأُنفق فيما ينفع الناس؟
لقد لبثت قاضياً قريباً من خمس عشرة سنة، وأنا أظن أن الوصايا التي أوصي بها على يدي تجاوزت الملايين، أكثرها رُصد لما لا يقرّه الإسلام:
стр. 152
على الجنازة أولاً، وقد تكلّف الجنازة الآلاف يأخذها من لا يستحقها وتُصرف فيما يخالف الشرع، وما ينفق فيما يخالف الشرع لا يحرم صاحبه الثواب فقط بل يكون معصية منه يستحق عليه العقاب. والجنازة الشرعية هي التي تمشي صامتة لا شيء فيها، فالآس بدعة، والحناء والأكاليل بدعة، والذي يؤذن أو ينشد أمام الجنازة بدعة، وهؤلاء «الكلاليب» الذين يتعلّقون بكل جنازة ويزدحمون على باب الميت تبيّن أن أكثرهم غير محتاج والأَوْلى بأهل الميت أن يطردوهم أو يدعو «جمعية النهضة الإسلامية» ومعها الشرطة لتمسك بهم، فتساعد المحتاج منهم وتعاقب المحتال.
وعلى الصباحية ثانياً. والصباحية بدعة، ومن فقهاء الحنفية المتأخرين من استحسنها بشرط أن يكون فيها المواساة المشروعة فقط، أما دعوة من يسمّون أنفسهم «القرّاء» للقراءة فيها فهي ممنوعة من وجوه، أولها: أن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت جائزة، ولكن الذي يقرأ بالأجرة يجعل القراءة مهنة يؤكد ابن عابدين ﵀ أنه لا ثواب له يهديه وأن أخذ الأجرة على القراءة لا يجوز أبداً. ثم إن أكثر هؤلاء يقرؤون القرآن بأنغام الغناء، مع أن التغني بالقرآن مشروع بشرط أن يكون مع الخشوع والتدبّر وفهم المعاني والبعد عن التشبّه بالمغنين في أنغامهم. ثم إن على السامع للقرآن أن يستمع وينصت ويتفهم المعاني، والمشاهَد في الصباحيات أن القارئ يقرأ والناس معرضون عنه يستقبلون القادم ويشيعون الذاهب ويدخنون (السكاير) في مجلس القرآن!
و «العصرية» التي يعملها النساء ممنوعة شرعاً، نص على ذلك الفقهاء. ومثلها «الخميس» و «الأربعين» و «السنوية»،
стр. 153
كلها ممنوعة شرعاً. ولابن عابدين صاحب الحاشية رسالة في بطلان الوصية بذلك كله اسمها «شفاء العليل في بطلان الوصية بالختمات والتهاليل» عليها تقاريظ فقهاء عصره ومنهم فقيه مصر يومئذ الطحطاوي المشهور.
أو تكون الوصية لبناء القبر ورفعه. وأعرف امرأة موسرة أنفقت عشرة آلاف على قبر زوجها جعلته من الرخام المنقوش المزخرف. مع أن بناء القبور بالجص والحجارة ورفعها لا يجوز. وما يفعله بعض الناس من اقتطاع قطعة من المقابر وإقامة مدفن فيها أو بناء جامع على قبر الميت ممنوع من وجوه، أولاً: لأن بناء الجامع على القبر لا يجوز. ثانياً: لأن الأرض ليست لمن يبني عليها بل هي وقف للناس كلهم، والثالث: أنه لو جاز بناء هذه الجوامع ولم تكن الأرض مغصوبة لكان بناؤها هنا إضاعة للمال، وإضاعة المال ممنوعة شرعاً، ذلك لأن مَن يريد الصلاة لا يذهب إلى وسط مقبرة الباب الصغير مثلاً ليصلي، فلا تكون إلاّ مساجد معطَّلة لا تقام فيها جماعة ولا تعمر بعبادة ولا ذكر.
وهذا الذي قلته كله صحيح، واسألوا المفتي أو راجعوا حاشية ابن عابدين إن لم تصدّقوا أو جاءكم من يقول لكم غير ذلك.
* * *
ولمّا كانت في دمشق حلقة الدراسات الاجتماعية التي عقدتها جامعة الدول العربية بإشراف الأمم المتحدة من سنين لبحث التأمين الاجتماعي، كنت في وفد سوريا، ثم انتُخبتُ فيها
стр. 154
أحد الثلاثة الذين سُمّوا للّجنة العليا، لجنة الصياغة، وقد قدمت إليها بحثاً موضوعه الوصايا وأنها مصدر كبير من مصادر التأمين الاجتماعي لو أُحسن استغلالها ووضعت موضعها.
ثم لمّا وُضع قانون الأحوال الشخصية المعمول به الآن في البلاد (وكنت أنا الذي أَعدّ مشروعه) وُضعَتْ فيه مادة صريحة باعتبار كل وصية بمعصية أو بأمر ينافي مقصد الشارع باطلة.
وكلامي الآن لمن يثق بي من المستمعين، أنصحهم وأُبيّن لهم، فإن سمعوا مني فالحمد لله، وإلاّ فما عليّ إلاّ البلاغ.
إن المرء لا يوصي بوصية إلاّ ابتغاء ثواب الله، فيجب عليه أن يعرف ما يرضي الله قبل أن يوصي.
وذلك بأن تنظر أولاً: فإن كان لك ذرّية ضعفاء وكان مالك قليلاً لا يكفيهم هم، فالأحسن أن تترك المال لهم ولا تكتبه لزيد أو لعمرو أو لمسجد أو مستشفى وتدَعَ ذريتك يحتاجون الناس. وأنا أعرف رجلاً فقيراً متكسباً من عمله ترك ثلاث زوجات وعشراً من الولد وأوصى بثلث ماله للخير، فجاء الوصي فجرّع الأولاد العلقم وعذّبهم في المحاكم وأخذ المال، فلم يعلم إلاّ الله ماذا صنع به، وأولاد الميت يحتاجون إلى عُشره ليعيشوا به.
وإذا كنت موسراً وأحببت أن تجعل من مالك قسطاً للخير فقدّمه بين يديك، يكن ذلك خيراً لك في الدنيا والآخرة. وما تعطيه في حياتك وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى (كما جاء في الحديث) أفضل مما توصي به.
стр. 155
وإذا لم تحب أن تنفقه في حياتك وأردت أن توصي به فحسن، الوصية مطلوبة على أن تجعلها في وجوه الخير وفيما هو طاعة وبرّ باتفاق العلماء. فاجعل وصيتك أن يكون التجهيز والتكفين وما إلى ذلك على الوجه الشرعي، وأن تنظر -بعد- فإذا كان في أقربائك محتاج فاكتب له شيئاً معيناً باسمه، والأقرباء أولى بالمعروف، ولا يقبل الله صَدَقة عبد وفي قرابته محاويج. فإذا فرغت من أقربائك فلمن يلوذ بك من جيرانك ولمن له حق عليك، إذا كان فقيراً محتاجاً. فإن فضل شيء فاجعله عند من هو مستحق له. هذا بعد أن توصي بشيء لمن يحجّ عنك إن لم تكن حججت الحجة الواجبة، وما بقي جعلته للفقراء المحتاجين.
وقد صار عندنا الآن -بحمد الله- جمعيات للبر والخير أمينة موثوق بها. وقد حدّثتكم عن جمعية النهضة الإسلامية في حماة، وفي دمشق، وفي حمص جمعية البر والخدمات الاجتماعية، وهي مؤسسة من عشر سنين ولها دار للعجزة ولها مستشفى مجاني ولها دار للمكفوفين لتعليمهم وتربيتهم، وقد نقّت حمصاً من السائلين والشحّاذين فلا تلقى فيها اليوم سائلاً. وفي دمشق جمعيات كثيرة لها اتحاد عام تشمل أحياء البلد كلها. وأنا أعلن للملايين التي تسمعني أن هذه الجمعيات موضع ثقة، وهي تعالج المرضى وتسعف الفقراء وتعلّم الطلاّب، وتقوم بكل أنواع البرّ، فمن أراد أن يوصي بشيء للخير فليسلّمه إلى واحدة منها.
ورأس الأمر كله في الوصية أن تحرص على حسن اختيار الوصي، وألاّ تغترّ بالزي والكلام بل تعتمد على التجربة والاختبار، لأن في الناس كثيرين يتزيّون بزي الصالحين
стр. 156
المصلحين وهم من المفسدين العاصين، وآخرين يلبسون لباس العلماء العاملين وهم من الجَهَلة الدجّالين الذين يأكلون الدنيا بالدين.
يا أيها السامعون: إن أمر الوصايا من الأمور الاجتماعية الخطيرة، وإننا إذا اتبعنا بها سبيل الشرع ووضعنا هذه الأموال في مواضعها ولم ننفق شيئاً منها على البدع الممنوعة شرعاً، لا على الآس والأكاليل ولا على الدعوات والولائم التي يُدعى إليها الأغنياء ويُطرد الفقراء، ولا على الصباحيات والعصريات والختمات والتهاليل، ولا على الخميس والأربعين والسنوية ... كان منها باب عظيم من أبواب الإصلاح.
وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً إلى ما فيه رضاه.
* * *
стр. 157
نساؤنا ونساء الإفرنج
نُشرت سنة ١٩٥٩
جاءني في البريد كتاب من سيدة فاضلة، لم تصرّح باسمها ولكن أسلوبها نمَّ على فضلها وأدبها، شكت فيه أشياء واقترحت أشياء، وكان مما جاء في كلامها قولها: "وانظر إلى ضيق الحياة التي تحياها المرأة العربية وسعة حياة المرأة الغربية، وقيد هذه وحرية تلك".
فوقفت عند هذه العبارة وفكرت فيها، وعزمت على أن أكتب إليها لأوضّح لها خطأها فيما ذهبت إليه، ثم ذكرت أني لا أعرف اسمها ولا عنوانها. فقلت: أجعلُ جوابها موضوع هذا المقال.
إن ما ظنته هذه السيدة يظنه كثير من السيدات، ولا يعترفن أن ذلك ظن وتخمين بل يرينه يقيناً وفوق اليقين؛ وأصدق جواب على هذا وأخصره لفظاً وأعمقه معنى، ما أجابت به تلك السيدةُ الأميركية الأستاذَ الشيخ بهجة البيطار.
حدثني الأستاذ أنه كان يتكلم عن المرأة المسلمة في إحدى محاضراته في أميركا ويذكر أن لها الاستقلال في شؤون المال،
стр. 158
لا ولاية عليها في مالها لزوجها ولا لأبيها، وأنها إن كانت معسرة كُلِّف بنفقتها أبوها أو أخوها، فإن لم يكن لها أب أو أخ فأيُّ واحد من أقربائها الذين يرثونها ولو كان ابن عم عمها، وأن هذه النفقة تستمر إلى أن تتزوج أو يكون لها مال، وأنها إن تزوجت كلف زوجها بنفقتها ولو كانت تملك مليوناً وكان عاملاً لا يملك شيئاً ... إلى غير ذلك مما نعرفه نحن ويجهلونه هم عنا. فقامت سيدة أميركية من الأديبات المشهورات فقالت: "إذا كانت المرأة عندكم كما تقول فخذوني أعيش عندكم ستة أشهر ثم اقتلوني".
وعجب من مقالها وسأل عن حالها؛ فشرحت له حالها وحال البنات هناك، فإذا المرأة الأميركية تبدو حرة وهي مقيدة، وتُرى معززة وهي مهانة. إنهم يعظّمونها في التوافه ويحقرونها في جسيمات الأمور. يمسكون بيدها عند النزول من السيارة، ويقدمونها قبلهم عند الدخول للزيارة، وربما قاموا لها في الترام لتقعد أو فسحوا لها في الطريق لتمر، ولكنهم -في مقابلة ذلك- يسيئون إليها إساءات لا تحتمل.
إذا بلغت البنت هناك سن الرشد قبض أبوها يده عنها وسد باب داره في وجهها، وقال لها: اذهبي فتكسّبي وكلي، فلا شيء لك عندي بعد اليوم. فتذهب المسكينة تخوض غمرة الحياة وحدها، لا يبالون أعاشت بجدِّها أم بجسدها، ولا يسألون هل أكلت خبزها بيديها أم بثدييها. وليس هذا في أميركا وحدها، بل هو شأن القوم في ديارهم كلها. حدثنا أستاذنا الدكتور يحيى الشماع من ثلاث وثلاثين سنة (إثر عودته من دراسته في باريز) أنه ذهب إلى منزل أسرة دلوه عليها ليستأجر غرفة لديها، فقابل
стр. 159
وهو داخل إلى الدار بنتاً خارجة منها في عينيها أثر الدمع، فسأل أن ما لها؟ قالوا له: هذه بنتنا، ولكنها انفصلت عنا لتعيش وحدها. قال: إنها تبكي. قالوا: لقد جاءت تستأجر غرفة عندنا فلم نؤجرها. قال: ولِمَه؟ قالوا: لأنها دفعت أجرة لها عشرين فرنكاً، وغيرها يدفع ثلاثين!
وإذا شككتِ في هذه القصة (ومن حقك الشك فيها؛ لأنها -بالنسبة إليك ولكل عربي- شيء يكاد يدخل في باب المستحيل)، إذا شككت فيها فاسألي الدكتور يؤكد لك أنه رآها وسمعها. ولقد قص علينا إخواننا الذين ذهبوا إلى أوربا وأميركا وخالطوا أهلها كثيراً من أمثالها.
لقد ابتُذِلت المرأة هناك وذلت حتى صارت تبذل ما نراه نحن أعزّ شيء عليها، وهو العرض، في سبيل ما نراه أهون شيء علينا، وهو الخبز!
أما قرأتِ ما كتبه توفيق الحكيم عن الفتاة التي فرضت نفسها عليه وساكنته في الدار وعاشرته معاشرة الأهل (١)، لا تريد من ذلك إلاّ أن تجد سقفاً يكنُّها ومائدة تشبعها، ثم كيف ملّها فطردها؟
إن الفاسق عندنا، الفاسق يا سيدتي، يتبع هو المرأة ويبذل لها الغالي والثمين، لأنه لا يجدها إلاّ بمشقة ولا يصل إليها إلاّ بنصب.
стр. 160
استترت المرأة الشرقية فعزّت، وتمنّعت فطُلبت، وعُرضت الغربية فهانت لأن كل شيء معروض مهان.
كان الشاعر العربي الأول إذا بدا له من المرأة الكف أو المعصم دار رأسه، وثارت نفسه، وامتلأ بالحب جنانه وانطلق بالشعر لسانه؛ ذلك لأنها كانت مستترة مخبَّأة. أما المرأة الغربية فإن الرجل يرى على الساحل أعلاها وأدناها، فينظر إلى ساقها فلا يثير في نفسه معنى ولا يحرك منه عاطفة ولا يرى فيه حياة. صار ساق المرأة ورِجل الكرسي وخشبة الباب سواء!
ومن هنا كسدت عندهم سوق الزواج. الزواج رباط دائم يرتبط به الرجل مختاراً ليصل إلى إرواء هذه الغريزة؛ هذا هو الدافع الأول إلى الزواج. فلماذا يربط نفسه إذا كان يستطيع أن يرويها وهو طليق (١)؟
لقد فقدت المرأة الغربية الزوج، ففقدت المعيل، فاقتحمت كل عمل لتعيش؛ فصارت تعمل في المصنع، وتشتغل في الحقل، وتكنس الطريق من الأقذار! وقد خبّرنا من رأى في أوربا البنات موظفات في المراحيض العامة ينظفنها لمن يريد الدخول (٢) ... ومن النساء من تعمل في صبغ الأحذية تتخذ لها
стр. 161
صندوقاً وتبقى اليوم كله على أرصفة الشوارع، ومنهن من تحمل في يدها كتابها تستعد بمطالعته لامتحانها، فإذا وقف عليها رجل مد حذاءه إلى وجهها فانحنت عليه واشتغلت به! هذه هي منزلة المرأة في ديار القوم، على حين أن المرأة الشرقية تبقى دائماً في بيتها، يكد الرجل ويشقى ليطعمها ويكسوها.
وإذا بلغت المرأة عندنا سن الزواج طلبها الرجل وتوسل إليها بالعطية الكبيرة: المهر، يدفعه هو إليها فيكون حقاً لها وحدها لا لأبيها ولا أخيها، وليس لأحد التصرف في شيء منه إلاّ بإذنها. والمرأة الغربية تركض هي وراء الرجل، فتسقط خمسين سقطة قبل أن تصل إليه، وربما سقطت سقطة كان فيها ذهابها وهلاكها. ثم إنْ وجدته لم يتزوجها حتى تتوسل هي إليه بالمبلغ الكبير، حتى تدفع هي له المهر، ثم يكون له الإشراف على مالها يشاركها في التصرف فيه. والمرأة عندنا لها وحدها حق التصرف في مالها.
تقولين: كان هذا من زمان، وقد كسدت عندنا سوق الزواج وكثرت عندنا العوانس. وهذا صحيح، ولكن لِمَ كان؟
كان لأنّا قلدنا الإفرنج فيما يشكون هم منه ويتمنّون البعد عنه. كان لأن المستعمرين وضعوا في نفوسنا -خلال القرن الماضي الذي كنا فيه نائمين وكنا غافلين- أنهم أرقى منا رقياً وأكثر تقدماً، وأن ما يفعلونه هو الصواب، فقلدناهم في كل شيء.
ولكن هل يحتمل طبعنا العربي هذا التقليد كله؟
كان العرب أغْيرَ الناس على الأعراض، حتى إنهم وأدوا
стр. 162
البنات خوف العار. فهل يتمالك العربي نفسه أن يكون في حفلة فيأتي رجل يقول له: "اسمح لي". يسمح له بماذا؟ لا بأن يريه ساعته، ولا بكبريت يشعل له دخينته، بل يسمح له بأن يأخذ منه زوجته يراقصها، ليضم صدرها إلى صدره ويدني وجهها من وجهه وساقها من ساقه!
ليس في الدنيا عربي يرضى بهذا، ولا يرضى به مسلم، ولا يكاد يرضى به رجل صادق الرجولة. بل إنه لا يرضى بمثله من الحيوانات إلاّ الخنزير!
هذه حال نساء الغرب، فهل نساء الغرب اليوم في خير حتى نبتغي مثل الذي عندهن لنسائنا؟
لقد عرفتم ما قالت المرأة الأميركية للشيخ بهجة البيطار. ولو نطقت كل ألمانية وكل فرنسية لقالت هذا. إنكم تنقمون من شريعتنا أنها تعطي البنات نصف ميراث الرجال، وتعدد الزوجات. فاسألوا نساء أميركا: أما يقبلن أن يأخذن نصف ميراث الرجل وأن يكلَّف الرجل وحده بالإنفاق عليهن؟ سلوا نساء ألمانيا بعد هذه الحرب: أما يتمنين أن يكون لكل عَشر منهن زوج، يعدل بينهن وينفق عليهن؟
وبم تعالَج مشكلة زيادة النساء في ألمانيا وأمثالها إلاّ بهذا؟ إذا كانت الطبيعة التي طبع الله الناس عليها توجب أن يجتمع النوعان، ما من اجتماعهما بد، ولم يكن إلاّ خمسون رجلاً ومئة امرأة، فهل ثمة إلاّ أن يكون لكل امرأتين رجل؟ أوَليست هذه فطرة الله في أنواع الحيوان كلها؟ كم نسبة الذكور إلى الإناث في
стр. 163
النحل وفي الدجاج؟ أوَلا يتخذ الزوج الغربي أربعاً أو أكثر من أربع، ولكن بالحرام؟
أترضون بالثانية خليلة بعقد إبليس ولا ترضون بها حليلة بعقد الله؟!
* * *
لا يا سيدتي، لا تظني أن نساء الغرب أسعد عيشاً أو أعز أو أكرم، لا والله، ليس في الدنيا أعزّ ولا أكرم من نسائنا.
إن الزوج عندنا لامرأته لا لخليلة ولا لصديقة، والمرأة لزوجها لا لعاشق ولا لرفيق، له وحده، لا تتكشف لغيره ولا يطّلع عليها سواه. فهل هذا هو عيبها عند هؤلاء المقلدين؟
هل يريد أحدهم أن تكون امرأته له ولغيره؟
هل يغضب إن تُرك له صحنه ليأكل منه وحده، ولا يرضى حتى يأكل بصحن تقع فيه كل الأيدي؟
أيكون الطهر عيباً والعفاف عاراً، والخير شراً والنور ظلاماً؟
حسبنا تفكيراً برؤوس غيرنا، حسبنا نظراً بعيون عدونا، حسبنا تقليداً كتقليد القرود ولنعد إلى أنفسنا، إلى عربيتنا وإسلامنا، إلى طهرنا وعفافنا.
ليصنع نساء الغرب ما شئن وشاء لهن الرجال، فما لنا ولنساء الغرب؟ وليكن نساؤنا كما نريد نحن لهن ويريد الله،
стр. 164
لنكون لهن وحدهن، نقنع بهن ولا ننظر إلى غيرهنّ.
ليس في الدنيا نساء خيراً من نسائنا ما تمسكن بحجابهن، وحافظن على آدابهن، وتقيدن بأخلاق العرب وأحكام الإسلام، وأعراف ذلك المجتمع الفاضل الذي أخرج عائشة وأسماء والخنساء وخولة ورابعة ومئات من المربيات الفضليات، والعالمات الأديبات، والأمهات الديّنات الصيّنات اللائي ولدن أولئك الرجال الذين كانوا فرسان الميادين، وكانوا هم فرسان المنابر، وكانوا هم أبطال الفكر، وكانوا هم ملوك المال، وكانوا سادة الدنيا، وكنتن أنتن أمهات أولئك السادة.
* * *
стр. 165
صناعة «المَشْيَخَة»
نشرت سنة ١٩٥٩
لقيني أمس اثنان من الأصدقاء، فلامني أحدهما على أني أكشف رأسي وأحلق لحيتي، وقال الآخر مازحاً: دعه، حاجتنا (١) من «المشيخة»؛ ابقَ كما أنت يا رجل.
فقلت في نفسي: سأجعل جوابهما هذا الفصل. وما ذاك لأني أحب أن أشغل الناس بالحديث عن نفسي، بل لأن هذا الموضوع مما تخوض فيه الألسنة ويدور عليه الجدل ويجب بيان وجه الحق فيه.
* * *
أما حلق اللحية فلا والله ما أجمع على نفسي بين الفعل السيء والقول السيء، ولا أكتم الحق لأني مخالفه، ولا أكذب على الله ولا على الناس. وأنا أقر على نفسي أني مخطئ في هذا، ولقد حاولت مراراً أن أدع هذا الخطأ ولكن غلبتني شهوة النفس وقوة العادة، وأنا أسأل الله أن يعينني على نفسي حتى أطلقها (٢)،
стр. 166
فاسألوا الله ذلك لي فإن دعاء المؤمن للمؤمن بظهر الغيب لا يُرَدّ إن شاء الله.
وأما كشف الرأس فما فيه كبير أمر، وإن كان الستر أحسن. ولقد كان عامة العلماء في الأندلس على كشف الرأس، وكانت العمامة عندهم للقضاة وأرباب المناصب. ومهما يكن من أمر العمامة التي وردت بذكرها بعض الآثار فما هي بالعمامة التي نعرفها في بلاد الشام، ولا كان عليها أمر السلف. وما كان يعرف السلف زياً خاصاً للعلماء ولا للرؤساء، ولقد كان الرسول ﷺ يلبس ما اتفق له، لا يلقي لذلك بالاً ولا يوليه اهتماماً؛ لذلك تعدّدت ألوان عمامته وأشكال ثيابه. وما كان يمتاز من أحد من أصحابه بلبسة ولا جلسة، حتى كان الأعرابي يدخل مجلسه، فيقول: أيكم محمد؟ وكان المستقبلون يوم الهجرة يسلمون على أبي بكر يحسبونه رسول الله ﷺ ، حتى مالت الشمس فأصابته فقام أبو بكر يظلله بردائه (١) فعرفوه من ثَمّة.
وما لهذا كتبت هذا الموضوع، وما أريد أن أدافع عن نفسي وأردّ على الصديق الذي انتقدني، بل لأتكلم في هذه «المشيخة» التي أراد الصديق الذابُّ عني أن يبرئني منها. هذه «المشيخة» التي صارت على ألسنة كثير من الناس نبزاً ينبزون به كل متدين وكل محافظ على السنة، وصارت مداراً للانتقاص وسبباً لرفض كل موعظة والإعراض عن كل نصيحة؛ فإن وعظت غافلاً أو نصحت حائراً قال لك: "عِفْنا (٢) بلا مشيخة"! وصارت عَلَماً على طبقة
стр. 167
من الناس تأخذ من الناس ولا تعطيهم، وتستجيب لدعواتهم ولا تدعوهم، وتقول لهم ولا تسمع منهم! وسمة لمن هو غريب عن عاداتهم ومواضعاتهم، صارم في وعظهم، شديد في نصحهم، لا يقبل رداً على كلام ولا جدالاً في رأي، يتكلم بـ «النحوي» ويتأخر عن الموعد ... وما هو من هذه الصفات بسبيل وما القرّاء أعرف به مني.
فمن أين جاءت هذه المشيخة التي نفّرت الناس من الدين وأبعدتهم عنه؟
أما الصدر الأول للإسلام فلم يكن يعرفها، وليس في الإسلام رجال هم وحدهم «رجال الدين» وغيرهم «رجال الدنيا»، ولكن في الإسلام علماء وجهلاء. وباب العلم مفتوح، فكل من تعلم أحكام الدين وعمل بما علمه منها كان هو المرجع فيه؛ لذلك صار عكرمة ونافع وأمثالهم من العبيد، صاروا سادة الأحرار وأساتذتهم لمّا علموا وعملوا بما علموه. وإذا عرضت سير العلماء الأولين، الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، لا تجد فيهم من اتخذ لنفسه هذه «المشيخة» ولا عرفها؛ إنها لم تُعرف إلا في قرون الانحطاط، بذور تسرّبت إلينا (إلى الصوفية) من هنا وهناك، ثم رسخت جذورها وبسقت غصونها، ثم قُرّرت قواعدها وجُعلت إحدى الشعائر الصوفية، فأوجبوا على «المريد» الطاعة العمياء لشيخه وأنْ يكون بين يديه كالميت بين يدي الغاسل، وقالوا إن من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان! ومنعوا المريد أن يحضر على غير شيخه أو يستمع منه، وحرّموا عليه أن ينكر عليه ولو رأى منه منكراً ظاهراً أو أن يعصيه ولو أمره
стр. 168
بما يخالف الشرع. وقاسوا ذلك قياساً فاسداً على قصة الخضر وموسى، مع أن الخضر ما عمل إلاّ بوحي ﴿وما فعلتُهُ عن أمري﴾ وأن الشرع حجة على الشيخ وغير الشيخ، والشيخ ليس حجة على الشرع، وإنكار المنكر واجب ولو وقع من الشيخ.
كان على الرجل إذا أراد أن يكون من العلماء أن يحمل مشقات الرحلات، ويثني الرُّكَب في المجالس، ويحيي الليالي في المطالعة، وينفق السنين في الطلب ... فهان الأمر حتى اقتصر على عشرة أذرع من الشاش وجُبّة عريضة وسبحة طويلة، ولو لم يكن تحت العمامة إلاّ رأس فارغ من العلم، ولو لم يكن في الجبّة إلاّ جسد يتربّى بالحرام! فلما رأى العوام ذلك، وأبصروا ناساً لهم زي العلماء وأفكار الجهلاء وأعمال السفهاء، ورأوهم يصفُّون الأقدام في المساجد رياء ويحركون الألسنة بالتسبيح ظاهراً، لم يعرفوا أن هؤلاء أدعياء في العلم وأن الإسلام ينكرهم ويأباهم، بل حسبوا أنهم هم العلماء وأنهم هم الصلحاء، واتخذوهم وسيلة إلى الطعن في العلم والصلاح.
وإذا أردتم أن تعرفوا مبلغ إيذاء هؤلاء القوم للإسلام فإني أسوق لكم مثلاً واحداً: قصّة رجل يرونه اليوم ركناً من أركان التربية وهو من أركان الضلال، يكره الدين وأهله ويبعد الطلاب ما استطاع عنه وعنهم. كلّمته في هذا من فمي إلى أذنه كلاماً طويلاً في مجلس حافل جمعني به في مصر، فكان من حجته أن شيخاً من هؤلاء المشايخ (ولا أقول العلماء) كان معلمَ الدين في المدرسة الابتدائية التي تعلّم فيها، وكان من وصفه، وكان من حديثه، وكان من سيرته ما نفّره من الدين وكرّهه إليه.
стр. 169
ولم أقرّه على ما قال ولا سكتُّ له، ولكني ازددت يقيناً بيني وبين نفسي بأن من الواجب أن نقضي على هذه الصناعة التي اسمها «المشيخة» (١)، وأن نُفهم الناس أن هذه المظاهر لا قيمة لها إن لم يكن معها علم صحيح وتقوى حقيقية، وأنها ليست شرطاً للعلم ولا للتقوى ولا تَلازمَ بينها وبينهما، فرُبّ عالِم ليس بذي عمامة ولا جبّة، ورُبّ جاهل مخادع وهو صاحب عمامة كالبرج وكُمّ جبّة كالخرج.
وأن يكون الدعاة إلى الإسلام عالِمين بالإسلام حقاً، بعيدين عن الغلظة في القول وعن الجهل بالدنيا وعلومها وعاداتها، فليس من الضروري أن يكون الداعي إلى الله غريبَ اللهجة مستنكَرَ الهيئة، ولا أن يأكل بأصابعه إن أكل الناس بالملعقة والشوكة، ولا أن يُقعد ضيوفه على الطراريح وفي بيته الكراسي والمقاعد، ولا أن يتشدّق ويمضغ الكلام ويحرص على الإخفاء والإدغام، ولا أن يكلّم الناس من فوق المآذن ... بل أن يستنّ سنة الرسول ﷺ : يلبس كما يلبس الناس ويأكل كما يأكل الناس، إلاّ أن يكون في ذلك ممنوع في الشرع، وأن يتلطّف بالأمر والنهي، وأن يبدأ بما بدأ به الرسول ﷺ من تصحيح العقيدة وتعلم الفرائض وبيان الكبائر، وأن يخاطب الناس على قدر عقولهم وعلى مقتضى أحوالهم، وألاّ يبدأ بفروع الفروع قبل أن يؤصّل الأصول، فإذا وجد رجلاً يدخل المسجد أو يؤمّ مجلس أهل الدين أول مرة وهو لا يدري ما الإسلام، ورآه يشرب بشماله مثلاً أو يتجرع الكأس أو لا يسمي، لم يحسن به أن يصرخ في وجهه بأنه خالَف السنّة
стр. 170
فيخجله في الملأ. وإذا شاهده قد عطس ولم يحمد الله فلا ينبغي أن يقرّعه أو يأمره بالحمد أمراً ينفّره. ولا أريد أن يكون العالم متساهلاً ولا أن يبالغ في الرِّقّة حتى يتخرّق ويتمزق، بل أريد أن يكون الشرع هو الميزان، فما كان له في الشرع رخصة رخصنا فيه، وما كان له حكمان ألزمنا المبتدئ بأخفهما عليه، رفقاً به وإبقاء عليه، وما كان منكَراً ظاهراً لا ترخيص فيه ولا اجتهاد، أنكرناه ولو قالوا عنّا ما قالوا.
إنني أكتب لنفي صناعة المشيخة وإفهام الناس أن المسألة ليست بالعمامة والجبة ولكن بالعلم والتقى، وأن علينا -إذا أمرنا بمعروف- أن نجعل أمرنا بالمعروف وأن نستن بسنة الرسول ﷺ في الدعوة. وأعوذ بالله أن أقول لأحد: "اكتم الحق ليقول الناس إنك لطيف"، أو "أقْرِر الباطل الذي تراه ليقولوا إنك مهذب"، أو "ساير الناس في طريق الإثم ليقولوا إنك اجتماعي" ...
لا، بل الشرعَ الشرعَ؛ ما حرّمه حرّمناه، وما أحلّه أحللناه، وما أمر به فعلناه، وما نهى عنه تركناه. وما أنكرنا هذه الصناعة التي استحدثها الناس وسمّوها «المشيخة» إلاّ لأن الشرع ينكرها والصدر الأول لم يعرفها، وأنها صارت سبباً للتنفير من الدين وباباً قد دخل منه كثير من الأدعياء والمرائين.
وما أردت بما قلت إلا مصلحة الإسلام، فإن كنت قد أخطأت في شيء فأسألُ بالله من عرف الخطأ أن يردّه عليّ على صفحات «المسلمون»، وأنا أسامحه من الآن مهما اشتد في المقال.
* * *
стр. 171
هذا نذير للناس
أُذيعت سنة ١٩٥٦
أنا أعلم أن أثقل الكلام الحديث المعاد، وأنا قد تكلمت في هذا الموضوع غير مرّة، ولكني مضطر مع ذلك إلى العودة إليه.
والذي اضطرني كتاب حمله إليّ البريد يقص فيه صاحبه (ولست أدري مَن هو، وليس في الكتاب ما يدل عليه) يقص قصة يقطر من سطورها الدمع، ويُشَمّ منها رائحة القلب المحترق. يقول إنه رجل مستور صالح، متمسك بحبال الديانة، مقيم على عهد الفضيلة، وله بنت مشت في طريق الشر خطوة خطوة حتى صحبت الأشرار وهتكت الأستار، فسقطت في حفرة العار. وتلك هي النهاية التي تنتهي إليها كل فتاة تسلك سبيل الغواية والضلال.
ويقول إن سبب ذلك كله المدرسة أولاً، والجامعة ثانياً، ويلعن المدارس التي علمت البنات الاختلاط والقعود إلى جنب الرجال، ومبادلتهم الأحاديث، وما يجر إليه الحديث من أضرار، ويلعن المجتمع الذي أفسدهن ... إلى آخر ما جاء في الكتاب.
* * *
стр. 172
فكتبت إليه أقول له: أنا أعرف أنك متألم مصاب، ولكن ماذا أصنع لك الآن؟ وهلاّ كتبت إليّ وفي الصدر ذَماء (١) يتردد؟ ماذا أعمل الآن بعدما شبّت النار في الدار، وطغى السيل في الليل، واحترق ما احترق أو أودى به الغرق؟ ماذا يصنع الطبيب إن دُعي بعدما مات المريض أو كاد؟ هلاّ دعوتَه والمرض في أوله والأمل في الشفاء قوي؟ لا يا أخي؛ لست أملك لك إلا العزاء وأن أسأل الله لك الصبر على البلاء.
على أني إن عجزت عن إسعافك فلست أعجز عن إسعاف غيرك ممّن لم تؤل به -بعد- الحال إلى هذا المآل. ولولا الحياء من أن أكون مع الدهر عليك وأن أزيدك ألماً على ألمك لقلت لك إن الأمر منك أنت، منكَ يا أيها الأب ومنكِ يا أيتها الأم، وإنّ أولى الناس بما سقتَ من اللعنات (لو كان يجوز اللعن) أنتما الاثنان.
لو كنت تشرف على بيتك وبنتك، لا يلهيك عنهما العمل ولا اللهو والكسل، ولا السهرات والقهوات، ولو كنتِ أنتِ تشرفين على بيتك وبنتك، لا تشغلك عنهما الخيّاطات والمزينات، والاستقبالات والزيارات، ولو لم تدعي البنت للخادمات والمربيات، لما كان الذي كان.
على أني لا أبرّئ المدرسة ولا أنزّه المجتمع؛ فالأب مسؤول، والمعلم مسؤول، والصحفي مسؤول، ومَن بيده الأمر مسؤول. كلهم مسؤول، ولعل آخرهم سؤالاً وأقلهم تبعة البنت
стр. 173
التي فسقت والولد الذي فسد. على أننا ننكر الفسوق والفساد على كل حال.
لقد وضع الله هذه الغريزة في النفس ورسم لها طريقاً تمشي فيه كما يمشي ماء السيل في مجراه الذي أُعِد له، ووَضَع فيه من السدود ما يمنعه أن يطغى عليه ويخرج عنه كما يخرج النهر -أحياناً- فيغرق الحقل ويهلك الحرث والنسل.
أما المجرى الطبيعي فهو الزواج، وأما الطغيان فالبغاء والفساد. فجئنا نحن فخالفنا فطرة الله؛ فسددنا المجرى الطبيعي وأزحنا عنه السدود والحدود وتركناه ينطلق كما يشاء، فيدمر البلاد ويهلك العباد، ورأينا قوماً في أوربا وفي أميركا يصنعون هذا فقلنا إنهم هم المتمدنون وهم أهل الحضارة، فلنصنع صنيعهم ولنمشِ وراءهم.
قلنا للشابة: الزواج ممنوع لأن الشباب شُغلوا عنه بالحرام، ولأن الآباء طمعوا بمهور النساء وجعلوا بناتهم تجارة للربح لا باباً للحياة الشريفة العفيفة، ورددنا الخاطب التقي الصالح، وأطلقنا البنت تخرج بادية محاسنها ظاهرة مفاتنها، قد نبذت حجابها وأبدت سحرها وشبابها.
وربما طمع الأب بمرتبها إن كانت موظفة فمنع زواجها، يقول: "بنتي وأنا حرٌّ فيها". لا يا أخي؛ لست حراً فيها. إنها ليست شاة ولا بقرة تملكها تستطيع أن تبيعها أو تمسكها، ولكنها بشر مثلك. وإنما جعل الله لك الولاية عليها لمصلحتها ولتصونها وتمنعها من أن تُقدم على ما يؤذيها في دينها ولا ينفعها في دنياها.
стр. 174
فالولاية في الزواج كالكابح في السيارة، يمنعها أن تنهار فتصطدم بالجدار.
من هنا؛ مما يصنع بعض الآباء، قلَّ النكاح وكثر السفاح، وكانت الضحية البنت. يجيء الشاب فيغويها، فإذا اشتركا في الإثم ذهب هو خفيفاً نظيفاً وحملت هي وحدها ثمرة الإثم: ثقلاً في بطنها وعاراً على جبينها. يتوب هو فينسى المجتمع حوبته ويقبل توبته، وتتوب هي فلا يقبل لها هذا المجتمع توبة أبداً. ثم إذا أراد هذا الشاب نفسه الزواج أعرض عن تلك الفتاة التي أفسدها هو، مترفعاً عنها، مدّعياً أنه لا يتزوج البنات الفاسدات.
فماذا تصنع الفتاة والزواج ممنوع، والسفاح مباح، والرغبة موجودة، والروادع مفقودة؟
تقولون: أنحن منعنا الزواج؟
نعم؛ أنتم منعتموه! لم تمنعوه بالقول، لكن بالفعل. تبدأ «الرغبة الجنسية» في سن خمس عشرة، وتكون أشد ما تكون في هذه العشر السنين، إلى سن خمس وعشرين. فهل يستطيع الشاب أن يتزوج في هذه السن؟ وكيف، ونظام التعليم يبقيه على مقاعد الدرس إلى ما بعدها؟ وإن هو ذهب للتخصص في أوربا أو أميركا امتدت به الدراسة إلى قريب من سن الثلاثين، فماذا يصنع في هذه السنين؟
وإذا هو فكر في الزواج فمن أين له المال؟ ولا يزال -وهو في سن الرجال- من جملة العيال؟ شاب طويل عريض، يلبس أفخم الثياب ولكنه لا يحصل قرشاً! مع أن ابن عشرين كان قديماً
стр. 175
(أعني قبل ستين أو سبعين سنة) صاحب عمل وكسب ومواهب وأباً لأولاد. وإن وجد المال فهل يدعه الآباء يتزوج؟
آباء البنات هم سبب المشكلة؛ يسهّلون للبنت من حيث لا يدرون كل سبيل إلا سبيل الحلال، يخرجونها (في كثير من بلاد المسلمين) متكشفة متزينة ويرخون لها الزمام، فإذا جاء من تُرتضى أخلاقه ويُرضى دينه ويكون من أهل الأمانة لقي منهم ما يلقى الأسير العربي في إسرائيل! أهلكوه بالمطالب الثقال: من المهر الكبير، والتكاليف الباهظة، والحفلات المتكررة، والهدايا العديدة ... حتى يمل فينهزم، أو يصبر فتستنفد هذه العادات كل ريال كان ادّخره لهذا اليوم الأسود، فيدخل بيت الزوجية مفلساً، فيبدأ الخصام من أول يوم. ومتى دخل الخصام بيتاً خرجت السعادة من ذلك البيت.
ومن الآباء (في البلاد التي خالفت عن أمر الله فترك نساؤها الحجاب) من يدع ابنته تخرج سافرة حاسرة في فتنتها وزينتها يراها كل من يمشي في الطريق، فإن أراد الخاطب أن يراها الرؤية الشرعية التي أمر بها رسول الله ﵊ أباها عليه ومنعها منه!
ومن ظن أن هذه الرؤية الشرعية عار أو أن فيها عيباً أو عملاً لا يليق فقد قبّح ما استحسنه رسول الله ﷺ ورفض ما أمر به وظن أنه أغير منه على الشرف والأخلاق، ومن فعل ذلك فربما خرج من دين الإسلام.
إن ربنا لم يحرّم علينا شيئاً إلا أحلَّ لنا ما يغني عنه ويسد
стр. 176
مسده ويقوم مقامه؛ حرم الزنا وأباح الزواج، والذي يعمله المتزوج هو الذي يصنعه الزاني، فلماذا نوقد الأنوار في مقدمة الدار عند حفلة الزواج، ونطبع البطاقات وندعو إليها الناس، ومن أراد الفاحشة تسلل إليها في الظلام وابتغى لها الزوايا التي لا يبصره فيها أحد من البشر؟ إنهما كمن يدخل المطعم وماله في جيبه، فيقعد على الكرسي مطمئناً ويطلب قائمة الطعام متمهلاً، فيختار ما يريد، فيأتيه النادل به فيأكله مترسّلاً. واللص الذي يخطف شيئاً من الطعام فيلحقه الناس يصرخون: "حرامي حرامي"، فيلتهم الطعام وهو يعدو، يبتلعه حاراً، وربما اعترض في حلقه وغص فأحس الغصة في صدره ثم لا يهنأ به ولا يكاد يسيغه.
فتيسير الزواج هو السد الأول الذي أقامه الشرع في طريق الحرام، فهدمناه لمّا صعّبنا النكاح وسهّلنا السفاح.
* * *
ومنع الشرع الاختلاط وقال: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». فجاء ناس منا، ببغاوات خلقها الله على صورة البشر، تقول ما يقال لها وإن لم تدرك معناه وإن لم تعرف مغزاه. قالوا: "ما هذه الرجعية؟ ما هذا الاحتقار للمرأة وسوء الظن بها؟ أتحرم المرأة حريتها؟ أنتم أعداء المرأة ... " وكثير من أمثال هذا الهذيان يردده من لا يدرك أثره ولا يعرف مغزاه.
قلنا: "ما نحن والله أعداء المرأة؛ نحن أحباؤها، نحن المدافعون عنها المحافظون عليها، نحن نحميها من عدوان الرجل الفاسق ومن ظلم المجتمع الجائر". فلم يصدقونا، وخدعوا المرأة
стр. 177
حتى ظنت هذا الاختلاط مدنية، وتركوها تنفرد بالرجل وحدها: في عيادة الطبيب حيث تكشف عن بعض جسدها، وفي مخزن التاجر حيث تكلمه ويكلمها وتحسر عن وجهها لترى البضاعة وعن يدها لتمسك بها، وفي المدارس التي جعلناها مختلطة، بدأنا من رياض الأطفال فقلنا: هؤلاء صغار لا يدركون. وهذا حق، ولكن ألا تبقى صورة البنت في ذاكرته حتى يكبر؟ فإذا كبر ألا يكون تذكر أيام الروضة والحديث عنها فاتحة لصلة جديدة بينه وبينها؟ أوَ ليس في رياض الأطفال بنات وصبيان بلغوا وبلغن سن التمييز وبدؤوا يدركون -من كثرة ما يسمعون من الناس وما يرون من المسلسلات والأفلام- شيئاً من معنى الزواج؟
ثم تدرجنا (في كثير من بلاد المسلمين) فجعلنا المدارس الابتدائية مختلطاً فيها البنون والبنات، وفيهن مراهقات أو بالغات. أوَلم نجعل الأصل في الجامعات الاختلاط؟ يقعد الشاب العزب المحروم الذي تنضح كل خلية في جسمه بهذا الميل الذي نسميه «جنسياً» بجنب الفتاة، يمس بكتفه كتفها وبرجله رجلها، وربما كانت سافرة حاسرة تمس وجهَه أو يدَه أطرافُ جدائلها؟ وربما كانت قصيرة الثوب قد ارتفع عن ركبتيها وكشف طرفاً من فخذيها ... ثم نقول له: انتبه لحل مسائل الرياضيات ومعادلات الكيمياء وشرح المعلقات، اجعل ذهنك فيها وانسَ أن إلى جنبك بنتاً تتمناها وتشتهيها!
لقد جعلنا هذا الاختلاط هو الأصل في السفر وفي الحضر، وفي المدرسة وفي الملعب، وعلى الشواطئ وفي الجبال، وقلنا: هذه هي المدنية، فانكسر السد الثاني.
* * *
стр. 178
وكان السد الثالث خوف الفضيحة، فانقلبت الحال حتى صار الشاب الفاسق يفخر بفسوقه ويسرد حوادث فجوره، بعد أن كان يتوارى ويستتر ويجحد إن سُئل وينكر. وصارت القصص الماجنة مباحة لكل قارئ تصور أفظع الحوادث التي صاروا يسمونها «حوادث الجنس» بريشة المصور أو بقلم الكاتب، يقرؤها الشاب والشابة ويُمدَح كاتبوها على ألسنة أدبائنا ونقّادنا. ولقد قرأت -من قريب- مقالة لأديب كبير في السن وكبير في القدر، يمدح فيها الكاتب الفاسق ألبيرتو موارفيا، والفاسق الآخر الذي هلك من زمن بعيد، أوسكار ويلد، يدفع الشباب إلى قراءة كتبهما. وصارت الأفلام تعرض هذه القصص لمن لا يصل إليها أو لا يحب أن يقرأها. ونسينا أن إعلان الذنب في نظر الإسلام ذنب آخر، وأن الرسول ﷺ علّم من ابتُلي بالمعاصي منّا أن يستتر بها وأن يكتمها وأن يستغفر الله منها.
فانكسر السد الثالث.
* * *
وكان السد الرابع خوفَ المرض، فجاء الأطباء (أعني بعض الأطباء) ينادون بأعلى أصواتهم: أن لا تخافوا الأمراض يا أيها الفساق، فإن عندنا البنسلين، والاستربتوميسين، والتيرامايسين، والإبليسين (نسبة إلى إبليس!) وكل دواء فيه هذه السين ... فمهما أصابتكم به المحرمات من مرض فنحن نزيله، فأقدموا ولا تخافوا.
فأقدموا وما خافوا، فانكسر السد الرابع.
* * *
стр. 179
وكان السد الخامس هو خوف الحكومة والهرب من العقاب (لما كانت الحكومات كحكومة المملكة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وكان الحكم بشرع الله) فأخذنا قانون العقوبات من فرنسا، من البلد الذي دمره الانحراف حتى وطِأته نعال الألمان فاتحين ثلاث مرات خلال سبعين سنة، ونصصنا في قوانيننا (انظر قانون العقوبات) على ما يشبه الإباحة للزنا ويمنع الادّعاء على الزاني إلا من قبل الزوج، فإن رضي فلا ادّعاء ولا عقاب! وجعلنا عقوبة الزنا بين الأم والولد، أو بين الأب والبنت (وهي أفظع جريمة يتصورها صاحب شرف وخلق ودين) جعلنا عقوبتها أقل من عقوبة السرقة «الموصوفة» ولو كانت سرقة ألف ريال!
وسكتنا، وسكت العلماء والمفتون والنواب والحاكمون، فانكسر السد الخامس.
* * *
وكان أقوى السدود وأمتنها خوفَ الله وخشيةَ جهنم، فأبعدنا الناشئة عن التربية الدينية وأنسيناهم خشية جهنم وخوف الله، ولم يعد الشاب الجديد يعرف طريق الجامع إلا إذا تنبه يوماً إليه أبوه -وكان مصلياً- فأخذه معه.
فانكسر بذلك أمتن السدود.
ثم قلنا للمغريات وللمغويات: انطلقي ... فانطلقت. وصارت المرأة تمشي في الطريق على صورة كانت تستحيي -قبل ستين سنة- أن تخرج بها أمام أبيها وعمها في الدار، إي والله العظيم؛ لا
стр. 180
أشهد إلا بما رأيت، مع أن دين الإسلام، بل وكل دين في الدنيا صحيح أو باطل، يحرّم على المرأة كشف الأعضاء التي تثير الفتنة أمام الأجنبي. وقد وجدت مرة على باب كنيسة في القدس (ردّنا إلى ديننا لنردها إلينا) إعلاناً للنساء النصرانيات المصليات يمنع دخولهن الكنيسة إلا بالكم الطويل والوشاح (الإيشارب) الذي يستر الشعر، وعلى أن يكون الوجه خالياً من الأصباغ.
وما زالت المرأة تقصر من ثوبها إصبعاً من هنا وإصبعاً من هناك، حتى إذا ما وصلت إلى ساحل البحر لم يبقَ منه شيء! هذه الحال، فهل الذنب ذنب الفتاة وحدها؟ بل هل هو ذنب الشاب وحده، وقد وجد الغريزة قوية في نفسه، والزواج متعذراً أو متعسراً عليه، والسفاح سهلاً ولذيذاً، والمغريات والمغويات من كل جانب؟
فكيف تريدون أن يصبر ويقاوم؟ وكيف تريدون أن ينصرف إلى درسه وإلى كتابه؟
إنها مشكلة ينبغي أن تجتمع على معالجتها الحكومات والشعوب ورجال العلم ورجال القلم والجمعيات النسائية (الجمعيات على التخصيص) تشتغل به بدلاً من اشتغالها بالسخافات والترهات، لأن الخطر في هذا على البنت، والضحية هي البنت، وهذه الجمعيات أَولى بالدفاع عن النساء المظلومات.
وإذا فسدت -اليوم- بنت صاحب الكتاب الذي ورد عليّ فجعلني أحدّث هذا الحديث، فالفساد ماشٍ إليّ وإليك، إلى بيتي