مسده ويقوم مقامه؛ حرم الزنا وأباح الزواج، والذي يعمله المتزوج هو الذي يصنعه الزاني، فلماذا نوقد الأنوار في مقدمة الدار عند حفلة الزواج، ونطبع البطاقات وندعو إليها الناس، ومن أراد الفاحشة تسلل إليها في الظلام وابتغى لها الزوايا التي لا يبصره فيها أحد من البشر؟ إنهما كمن يدخل المطعم وماله في جيبه، فيقعد على الكرسي مطمئناً ويطلب قائمة الطعام متمهلاً، فيختار ما يريد، فيأتيه النادل به فيأكله مترسّلاً. واللص الذي يخطف شيئاً من الطعام فيلحقه الناس يصرخون: "حرامي حرامي"، فيلتهم الطعام وهو يعدو، يبتلعه حاراً، وربما اعترض في حلقه وغص فأحس الغصة في صدره ثم لا يهنأ به ولا يكاد يسيغه.
فتيسير الزواج هو السد الأول الذي أقامه الشرع في طريق الحرام، فهدمناه لمّا صعّبنا النكاح وسهّلنا السفاح.
* * *
ومنع الشرع الاختلاط وقال: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». فجاء ناس منا، ببغاوات خلقها الله على صورة البشر، تقول ما يقال لها وإن لم تدرك معناه وإن لم تعرف مغزاه. قالوا: "ما هذه الرجعية؟ ما هذا الاحتقار للمرأة وسوء الظن بها؟ أتحرم المرأة حريتها؟ أنتم أعداء المرأة ... " وكثير من أمثال هذا الهذيان يردده من لا يدرك أثره ولا يعرف مغزاه.
قلنا: "ما نحن والله أعداء المرأة؛ نحن أحباؤها، نحن المدافعون عنها المحافظون عليها، نحن نحميها من عدوان الرجل الفاسق ومن ظلم المجتمع الجائر". فلم يصدقونا، وخدعوا المرأة
стр. 177
حتى ظنت هذا الاختلاط مدنية، وتركوها تنفرد بالرجل وحدها: في عيادة الطبيب حيث تكشف عن بعض جسدها، وفي مخزن التاجر حيث تكلمه ويكلمها وتحسر عن وجهها لترى البضاعة وعن يدها لتمسك بها، وفي المدارس التي جعلناها مختلطة، بدأنا من رياض الأطفال فقلنا: هؤلاء صغار لا يدركون. وهذا حق، ولكن ألا تبقى صورة البنت في ذاكرته حتى يكبر؟ فإذا كبر ألا يكون تذكر أيام الروضة والحديث عنها فاتحة لصلة جديدة بينه وبينها؟ أوَ ليس في رياض الأطفال بنات وصبيان بلغوا وبلغن سن التمييز وبدؤوا يدركون -من كثرة ما يسمعون من الناس وما يرون من المسلسلات والأفلام- شيئاً من معنى الزواج؟
ثم تدرجنا (في كثير من بلاد المسلمين) فجعلنا المدارس الابتدائية مختلطاً فيها البنون والبنات، وفيهن مراهقات أو بالغات. أوَلم نجعل الأصل في الجامعات الاختلاط؟ يقعد الشاب العزب المحروم الذي تنضح كل خلية في جسمه بهذا الميل الذي نسميه «جنسياً» بجنب الفتاة، يمس بكتفه كتفها وبرجله رجلها، وربما كانت سافرة حاسرة تمس وجهَه أو يدَه أطرافُ جدائلها؟ وربما كانت قصيرة الثوب قد ارتفع عن ركبتيها وكشف طرفاً من فخذيها ... ثم نقول له: انتبه لحل مسائل الرياضيات ومعادلات الكيمياء وشرح المعلقات، اجعل ذهنك فيها وانسَ أن إلى جنبك بنتاً تتمناها وتشتهيها!
لقد جعلنا هذا الاختلاط هو الأصل في السفر وفي الحضر، وفي المدرسة وفي الملعب، وعلى الشواطئ وفي الجبال، وقلنا: هذه هي المدنية، فانكسر السد الثاني.
* * *
стр. 178
وكان السد الثالث خوف الفضيحة، فانقلبت الحال حتى صار الشاب الفاسق يفخر بفسوقه ويسرد حوادث فجوره، بعد أن كان يتوارى ويستتر ويجحد إن سُئل وينكر. وصارت القصص الماجنة مباحة لكل قارئ تصور أفظع الحوادث التي صاروا يسمونها «حوادث الجنس» بريشة المصور أو بقلم الكاتب، يقرؤها الشاب والشابة ويُمدَح كاتبوها على ألسنة أدبائنا ونقّادنا. ولقد قرأت -من قريب- مقالة لأديب كبير في السن وكبير في القدر، يمدح فيها الكاتب الفاسق ألبيرتو موارفيا، والفاسق الآخر الذي هلك من زمن بعيد، أوسكار ويلد، يدفع الشباب إلى قراءة كتبهما. وصارت الأفلام تعرض هذه القصص لمن لا يصل إليها أو لا يحب أن يقرأها. ونسينا أن إعلان الذنب في نظر الإسلام ذنب آخر، وأن الرسول ﷺ علّم من ابتُلي بالمعاصي منّا أن يستتر بها وأن يكتمها وأن يستغفر الله منها.
فانكسر السد الثالث.
* * *
وكان السد الرابع خوفَ المرض، فجاء الأطباء (أعني بعض الأطباء) ينادون بأعلى أصواتهم: أن لا تخافوا الأمراض يا أيها الفساق، فإن عندنا البنسلين، والاستربتوميسين، والتيرامايسين، والإبليسين (نسبة إلى إبليس!) وكل دواء فيه هذه السين ... فمهما أصابتكم به المحرمات من مرض فنحن نزيله، فأقدموا ولا تخافوا.
فأقدموا وما خافوا، فانكسر السد الرابع.
* * *
стр. 179
وكان السد الخامس هو خوف الحكومة والهرب من العقاب (لما كانت الحكومات كحكومة المملكة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وكان الحكم بشرع الله) فأخذنا قانون العقوبات من فرنسا، من البلد الذي دمره الانحراف حتى وطِأته نعال الألمان فاتحين ثلاث مرات خلال سبعين سنة، ونصصنا في قوانيننا (انظر قانون العقوبات) على ما يشبه الإباحة للزنا ويمنع الادّعاء على الزاني إلا من قبل الزوج، فإن رضي فلا ادّعاء ولا عقاب! وجعلنا عقوبة الزنا بين الأم والولد، أو بين الأب والبنت (وهي أفظع جريمة يتصورها صاحب شرف وخلق ودين) جعلنا عقوبتها أقل من عقوبة السرقة «الموصوفة» ولو كانت سرقة ألف ريال!
وسكتنا، وسكت العلماء والمفتون والنواب والحاكمون، فانكسر السد الخامس.
* * *
وكان أقوى السدود وأمتنها خوفَ الله وخشيةَ جهنم، فأبعدنا الناشئة عن التربية الدينية وأنسيناهم خشية جهنم وخوف الله، ولم يعد الشاب الجديد يعرف طريق الجامع إلا إذا تنبه يوماً إليه أبوه -وكان مصلياً- فأخذه معه.
فانكسر بذلك أمتن السدود.
ثم قلنا للمغريات وللمغويات: انطلقي ... فانطلقت. وصارت المرأة تمشي في الطريق على صورة كانت تستحيي -قبل ستين سنة- أن تخرج بها أمام أبيها وعمها في الدار، إي والله العظيم؛ لا
стр. 180
أشهد إلا بما رأيت، مع أن دين الإسلام، بل وكل دين في الدنيا صحيح أو باطل، يحرّم على المرأة كشف الأعضاء التي تثير الفتنة أمام الأجنبي. وقد وجدت مرة على باب كنيسة في القدس (ردّنا إلى ديننا لنردها إلينا) إعلاناً للنساء النصرانيات المصليات يمنع دخولهن الكنيسة إلا بالكم الطويل والوشاح (الإيشارب) الذي يستر الشعر، وعلى أن يكون الوجه خالياً من الأصباغ.
وما زالت المرأة تقصر من ثوبها إصبعاً من هنا وإصبعاً من هناك، حتى إذا ما وصلت إلى ساحل البحر لم يبقَ منه شيء! هذه الحال، فهل الذنب ذنب الفتاة وحدها؟ بل هل هو ذنب الشاب وحده، وقد وجد الغريزة قوية في نفسه، والزواج متعذراً أو متعسراً عليه، والسفاح سهلاً ولذيذاً، والمغريات والمغويات من كل جانب؟
فكيف تريدون أن يصبر ويقاوم؟ وكيف تريدون أن ينصرف إلى درسه وإلى كتابه؟
إنها مشكلة ينبغي أن تجتمع على معالجتها الحكومات والشعوب ورجال العلم ورجال القلم والجمعيات النسائية (الجمعيات على التخصيص) تشتغل به بدلاً من اشتغالها بالسخافات والترهات، لأن الخطر في هذا على البنت، والضحية هي البنت، وهذه الجمعيات أَولى بالدفاع عن النساء المظلومات.
وإذا فسدت -اليوم- بنت صاحب الكتاب الذي ورد عليّ فجعلني أحدّث هذا الحديث، فالفساد ماشٍ إليّ وإليك، إلى بيتي
стр. 181
وبيتك، إلى بنتي وبنتك. إنها النار تمشي في الديار، إنه السيل يجتاح كل شيء، إنه الطاعون ينتشر في كل مكان. ونحن قاعدون نتفرج، لا نحاول إطفاء النار، بل نحن نلقي البنزين عليها ونأمل أن لا يمسنا الحريق.
فكيف لا نحترق ونحن نضع البنزين فوق النار؟ كيف؟
كيف يا أيها العقلاء؟
* * *
стр. 182
هذا هو الدواء
نُشرت سنة ١٩٥٧
قرأ الناس مقالتي في العدد الثالث من «المسلمون» فكتبوا إليّ يقولون: هذا هو الداء عرفناه، فما الدواء؟
والدواء قريبٌ منا، سهلٌ علينا، ولكن الناس يدَعونه ويذهبون في طلبه أبعد المذاهب؛ فمن ماضٍ إلى أقصى اليسار يرى الإصلاح، كل الإصلاح، في فتح بيوت للبغاء العلني، يحتج لذلك بأن «الكبت» هو الذي يدفع إلى هذه المنكرات التي نراها، وأن البغاء شيء لا يخلو منه زمان ولا مكان، فلأن يكون منظماً وأن يكون بنظر من الحاكمين خير من أن يكون فوضى وأن يكون مستتراً، ولأن فتح هذه البيوت ينقّي البلد وينظفها، كمن يعمد إلى علبة فيجعلها لأقذار داره ولَقَى أهله، كيلا تنتشر هذه الأقذار في الدار وتدخل كل بيت فيها.
ومن ذاهب إلى أقصى اليمين لا يرضيه إلاّ أن تعود الفتاة اليوم إلى مثل ما كانت تخرج به جدتها من نصف قرن، إلى الملاءة المزمومة أو الإزار الأبيض، ولا يحسب للواقع ولا للزمان حساباً، ويرى الطفرة في الإصلاح، مع أن الطفرة مستحيلة،
стр. 183
وهذا الفساد ما جاء في يوم واحد حتى يذهب في يوم واحد، بل إن النساء ما فتئن يقصّرن الثياب أصبعاً أصبعاً حتى بلغن بها ما نراه اليوم. وأنا لا أكره الحجاب السابغ، ولكني أحب لمن يتصدر للإصلاح أن يتكلم من الأرض لا من رؤوس المآذن، وأن يرسم الطريق الموصل للإصلاح العملي الممكن لا أن ينظم القصائد الخيالية في تمجيد المثل العليا.
أما فتح بيوت الزنا فالجواب عليه من وجوه. أولها: أن الزنا شرٌّ كالقتل والجرح والسرقة، وليس في الدنيا عاقل يراه خيراً، فإذا جاز أن نفتح له بيتاً نبيحه فيه بحجة أنه لا يخلو من الزنا زمان ولا مكان، فلماذا لا نعمد إلى حي من الأحياء أو قرية من القرى فنعلن أن القتل أو الجرح مباح فيها، ما دام القتل والجرح لا يخلو منهما -كذلك- زمان ولا مكان؟
الثاني: أننا لو قلنا بأن الزنا ليس كالقتل، لأنه يتم بالتراضي بين الفاعلين والقتل والجرح لا يكون إلا قسراً، ولو ذهبنا مذهب من يجيز إتيان هذا المنكر وفتحنا هذه البيوت، لكان من حق كل شاب أو كهل أن يدخلها إن شاء، لا سبيل إلى إباحتها لزيد منهم ومنعها على عمرو، وإذن يجب أن نجعل في كل بلدة من البغايا عدداً يكفي ما فيها من رجال. فإذا كان في القاهرة -مثلاً- مليونان ونصف مليون من الناس فإن منهم أربعمئة ألف رجل على الأقل، وليس يكفي هؤلاء إذا أرادوا دخول هذه البيوت أقل من أربعين ألف بغي، فما رأيكم في أن يكون في القاهرة مثلاً أربعون ألف بغي؟ ومن أين نأتي بها إلا أن نخزي أربعين ألف أسرة وأن نجلّلها بالعار، أو أن نستورد من كل أمة ساقطاتها ومومساتها،
стр. 184
يأتين معهن بأمراض أجسادهن وأمراض نفوسهن ويأخذن بها مالنا وشرفنا وديننا؟!
الثالث: إننا لو وفقنا في فتح هذه البيوت وجمعنا فيها ما تحتاج إليه من البغايا، لاكتفى الشباب بها عن الزواج وكسدت بنات البيوت وبقين بلا زواج، فماذا نصنع بهن؟ هل ننشئ لهن أديرة تتسع لهن جميعاً ونسوقهن جميعاً إليها ليكنّ راهبات فيها، أم نفتح لهن (أيضاً ...) بيوتاً نضع لهن فيها مومسين من الذكور؟
ولا تستبشعوا هذا الوصف، فليس الذنب ذنب الطبيب الذي يصف المرض الفظيع صادقاً بل الذنب ذنب المرض، وإذا كان الوصف بشعاً فإن الواقع الموصوف أبشع.
* * *
تقولون: فما العلاج عندك؟
العلاج عندي على مراحل؛ ذلك أن المجتمع يقاسي الآن مثل آلام النوبة المرضية (الكريزة)، فالمرحلة الأولى لوقف النوبة، والثانية لمنع عودتها، والثالثة لإذهاب المرض، والرابعة للوقاية من رجعته بتقوية الجسم وتحصينه.
فالمرحلة الأولى في محاربة نوبة الدعارة التي وصفت لكم مظاهرها وأريتكم آثارها، وذلك:
أولاً: بتقوية جهاز الشرطة الأخلاقية وتنظيمها وتمكينها من العمل، لأن الشرطي هو أول من يُستجار به إذا كانت الجريمة وأول من يُلتفَت إليه ويُبحَث عنه، فإن كان الشرطي مفقوداً أو
стр. 185
كان غائباً، أو كان مقيداً لا يستطيع أن يصنع شيئاً، لم يبقَ مانعٌ من الجريمة ولا وازع للمجرم.
ولقد طالما شكى إليّ رجال الشرطة الأخلاقية، من أنهم يعرفون أرباب الدعارة وبيوتها، ولكنهم لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً لأنه ليس لديهم قانون وازع رادع، وأنهم يقبضون على المرأة الفاسدة فلا يملكون لها شيئاً، إلا أن تكون مريضة فيعالجوها لتبرأ فتعاود الفساد، ويطلقوها تَفسُد وتُفسِد ولكن تحت المراقبة ... أي أننا نمسك اللص فنقول له: لا بأس أن تسرق، ولكن اقعد في مركز معين واسرق بعلمنا ورأينا!
وعمل رجال الشرطة الأخلاقية صعب، صعب جداً، لأنهم أمام إغراء بالجمال وإغراء بالمال، ويحتاجون إلى إيمان الصّدّيقين وصبر الشهداء ليقاوموا ويصبروا؛ لذلك يجب أن يُختاروا -ما أمكن- من الكهول المجربين أصحاب الخلق والدين، وأن يُعطَوا تعويضاً ضخماً فوق الراتب. ومهما أخذوا فإنهم الخاسرون لأنهم في موقف امتحان فظيع. وأن يزاد عددهم، وأن يكون في يدهم سلطان يحاربون به الدعارة، ومن ورائهم قضاء لديه قانون صارم يمكنه من عقوبة لصوص الأعراض مثل عقوبة لصوص المال. ومن خان منهم أمانته (بعد التعويض الكبير والرعاية) كان أيسر عقوبة له الطرد من الوظيفة.
وهنا نأتي إلى القانون. فإنه لا بد من تعديل قانون العقوبات تعديلاً يرضي الله ويصلح الأمة ويمنع الإجرام، وذلك هو العَقّار الثاني لتوقيف نوبة المرض وتخفيف آلامها.
стр. 186
العقّار الثالث: القضاء على الدعارة السرية التي استفحل شرها وعظم ضررها واستترت بكل لباس، فالبيوت الفاجرة تختفي بين البيوت الفاضلة في الأحياء الكريمة، والبغايا الفاجرات يلبسن ثياب الفنانات (الأرتستات)، والسيارات تحمل في الليل هذا الشر إلى الشوارع البعيدة المظلمة وأطراف البساتين، وفي مخازن التجارة والعيادات والمكاتب خلوات فساد، وربما اتخذت المرأة الفاجرة زي الفتاة الطاهرة فزعمت (أو زعم صاحبها) أنها سكرتيرة أو موظفة أو ممرضة، وما هي إلا بغي.
يجب وجوباً لا هوادة فيه ولا تراخيَ أن تُشَنّ حملة كاسحة ماسحة على الدعارة السرية وعلى من يسخّر نفوذه وقوته لحمايتها، ممن يرتادها ويستمتع بلذة الإثم فيها، وأن لا تُقبل فيها وساطة ولا شفاعة ولا يعرض لها تسويف ولا تأخير.
وبهذه العقاقير الثلاثة نوقف النوبة (الكريزة).
* * *
أما منع تكرارها فيكون بالمرحلة الثانية من العلاج. يكون بالقضاء على المغريات والمغويات.
وأولها: السينما. والسينما في كل بلاد الناس تراقَب أفلامها ويُمنع الفاجر منها، ولهم أفلام للأطفال وأفلام للمراهقين، ولا يسمحون بأن يرى الصغار والكبار الأفلام كلها على السواء. أما نحن فنسمح للصغير والكبير، وللمراهق والمراهقة، أن يرى هذه الأفلام الخليعة التي تفسد الرجولة وتضيع الأخلاق. وتصوروا ماذا يكون من شاب مَثَله الأعلى وقدوته هذا المهرج التافه
стр. 187
إسماعيل ياسين، أو الآخر المخنث محمد فوزي!
فلماذا لا نقلد الإفرنج إلا في الشر؟ لماذا لا نقلدهم في الخير؟
هذه السينما هي رأس الشرور وأسُّ البلايا.
والثانية: هذه الروايات وهذه الكتب التي تباع علناً مع الجرائد، لا يراقبها أحد ولا يحاول أحد أن يعرف ماذا فيها، لا وزارة المعارف ولا غير المعارف، ولا المفتي ولا البطرك، مع أن الواجب على رجال الدين وعلى رجال التعليم وعلى أرباب الأقلام أن يشرفوا عليها وأن يحاربوا الشر الكامن فيها. من روايات أرسين لوبين ومن الكتب التي تنشر باسم الثقافة الجنسية أو الروايات المترجَمة، وفيها جميعاً جراثيم الطاعون الذي يذهب بالرجولة والأخلاق والدين.
حتى المجلات. إن في هذه المجلات المصورة طامات وبلايا، وما أفسد هذه الأمةَ شيءٌ كما أفسدتها هذه المجلات.
والثالث: هذا التكشف، بل هذا العري في الشوارع والأسواق. لقد صار النساء يمشين بثياب لا تكاد تنزل عن الركبتين، والذراعان لا يسترهما شيء إلى الكتف. مع أن الشرع والعقل والمدنية، كل أولئك يدعو إلى فرض لباس الحشمة ومنع التكشف والاختلاط، ولا سيما بين الشبان والشابات.
ولو أنا جنّدنا لمحاربة الدعارة آلافاً مؤلفة من الشرطة، ووضعنا لردع الفاسقين أقسى القوانين، لما أفادنا ذلك شيئاً مع
стр. 188
هذه المغريات. إننا ننظف الأرض ولكنا نترك السقف مثقوباً يقطر منه الوَكْف (الدلف) فلا تنظف الأرض أبداً ... نداوي المرض ولكننا نعود فنعطي المريض جراثيم الداء مع الدواء.
* * *
أما الذي يعالج المرض ويستلُّه من مكمنه ويقطع أسبابه فهو الزواج. وكل ما ذكرت لكم إلى الآن إنما هو علاج طارئ، يقطع النوبات المؤلمة ويمنع تجددها، وهذا هو العلاج الحقيقي.
لا تضحكوا وتقولوا: ولكنك قد اعترفت أنت بصعوبة الزواج، فكيف تعود إليه فتصفه؟
أنا الآن طبيب ووظيفتي أن «أشخّص» المرض، وقد شخصته في تلكم المقالة، وأن أصف الدواء، وهأنذا أصفه اليوم؛ عليّ أن أقول إن المرض هو الملاريا مثلاً، ودواؤه الكينين، فإذا أخفى الصيادلة الكينين أو رفعوا ثمنه أو أضربوا وأغلقوا صيدلياتهم في وجوه المرضى فليس يُلام الطبيب، ولكن تُلام الحكومة التي تدعهم يتلاعبون بصحة الناس. ولست أعني الصيادلة ولا الحكومة ولكن هذا مثال.
الدواء الزواج، وعلى الحكومة أن تؤلف لجنة من أهل الخبرة والاختصاص لتعمل على درس مشكلة الزواج وتبحث عن طرق تيسيره. وليس ذلك مستحيلاً، وقد أُلِّفت لجنة لذلك مرة، وكنت أعددت لها مشروع قانون «تسهيل الزواج» (لعلّه لا يزال موجوداً بين أوراقي) ويتضمن بعث حملة للترغيب في الزواج
стр. 189
في الصحف وعلى المنابر، وإصلاح عاداته، وتقليل تكاليفه، وتحديد المهور، وزيادة التعويض العائلي، وإلزام كل موظف من المرتبة السادسة فما فوق بالزواج وجعله شرطاً للدخول في الوظيفة، وفرض ضريبة على العزّاب ممن يقدر على الزواج ويمتنع عنه بلا عذر، وتعديل برامج التعليم في المدارس الثانوية للبنات بحيث تخرّج زوجات وأمهات، لا أن تدرس البنت ما يدرسه الشاب نفسه بلا تبديل ولا تغيير ... إلى آخر ما يخطر على البال في هذا الموضوع.
وأنا أرى أن تُؤلَّف هذه اللجنة من ممثل واحد عن كل من دائرة الفتوى والأوقاف والمحافظة ووزارة المعارف ووزارة الداخلية ووزارة الصحة والقضاء الشرعي وكلية الطب وكلية الآداب ووزارة المالية، معهم ممثلان للمجلس النيابي وممثلان لرجال الدين المسيحي وممثل للجمعيات النسائية. وعلى من يهتم بأمر بناته وأبنائه وأخلاق البلد وصحته أن يعمل ما استطاع على تحقيق تأليفها.
وكل ما نصنعه لإصلاح هذا الفساد الأخلاقي ومحاربة الدعارة باطل في باطل إذا لم يكن معه تيسير الزواج. وإذا أنت وجدت رجلاً جائعاً وأمامه أنواع الأطعمة في واجهات المطاعم، وأردت أن لا يسرق منها، فعليك أن تقدم له بدلاً عنها؛ عليك أن تشبعه. فإذا تركته جائعاً تنهش شهوة الطعام أحشاءه والطعامُ أمامه، وألقيت عليه مئة خطبة وموعظة كان ذلك كله كلاماً فارغاً.
واللهُ ما سدّ باباً إلا فتح إلى جنبه باباً، وما حرم شيئاً إلا
стр. 190
أحل في مقابلته شيئاً، حرّم الربا والميسر (١) وأحل البيع والتجارة، وحرّم الزنا وأحلّ الزواج، فإذا منع المجتمعُ الحلالَ المشروعَ عمد الشبان والشابات إلى الحرام الممنوع.
* * *
أما القسم الرابع من العلاج، وهو الذي يقوّي الجسد ويعطي المناعة ويضمن الوقاية من العودة إلى المرض، فهو تربية النشء على خوف الله وعلى الأخلاق الفاضلة وعلى النفور من الرذيلة. وليس المهم أن تدخل الدروس الدينية في الامتحان أو لا تدخل، بل المهم أن نحسن اختيار المعلمين، أعني معلمي الدين، وأن يكونوا من ذوي القلوب ومن المتمسكين بالدين حقاً؛ فإن المدرس الذي يأمر بالخير ويخالفه، والذي يكذّب فعلُه قولَه، والذي يدعو إلى الآخرة وهمه الدنيا، هذا المدرس شرٌّ مركّب.
هاتوا المدرّس العالم العامل ذا القلب الحاضر ولا يهمني بعد هل دخل الدين في الامتحانات العامة أم لا. ودليلي أن المدرّس الذي يكون في الجامع ويبلغ من نفوس الناس أعظم المبالغ ويؤثر فيها أعمق الأثر ليس لديه امتحان ولا علامات ولا نجاح ولا سقوط، ومع ذلك فقد صنع هذا كله.
ولا يُفهم من كلامي أني لا أرى دخول درس الدين في الامتحان، لا، وأنا أصر على دخوله وعلى زيادة ساعاته، ولكن
стр. 191
الأصل المعلم لا المنهج ولا الكتاب ولا الامتحان (١).
وإذا نحن حاربنا الدعارة ومنعنا المغريات وسهّلنا الزواج ولم نجد في النفوس خلقاً وديناً لم يفدنا ذلك كله. ونحن نرى في المتزوجين وممن لهم الأبناء والبنات مَن هم مِن الفسّاق، لم يمنعهم الزواج حين لم يمنعهم الخلق ولا الدين.
* * *
خوف الله هو الأصل فإن ذهب لم تسدّ مكانه الأخلاق ولا القوانين، لأن القانون يبقى ما بقي الشرطي، فإذا أمنت أن يراك الشرطي لم تبال بالقانون. والأخلاق تبقى ما بقي الناس، فإن لم يرك الناس لم تبال بالأخلاق.
هذه هي الحقيقة، فلماذا نكتمها ونفرُّ من الاعتراف بها؟
إن النفوس فُطرت على العمل ابتغاء المنفعة، فمن من الناس يكون جائعاً وليس معه إلا قرش واحد فيضعه في صندوق الصدقات حيث لا يراه أحد ولا يطّلع عليه مخلوق ويبقى بلا طعام؟
стр. 192
أنا أقول لكم من.
المؤمن، المؤمن وحده هو الذي يصنع هذا، ويصنع أكثر منه، لأنه يعتقد أن الله يعطيه بدلاً من هذا القرش أضعافاً مضاعفة ويعوّضه عما حمل من آلام الجوع لذائذ ليس لها حد (١).
المؤمن الذي يخاف الله هو الذي يفعل الخير دائماً ويمتنع عن الشر دائماً، سواء أكان وحده أم كان مع الناس، لأنه يعلم أن الله معه دائماً ومطّلع عليه في كل وقت، وأن ما يفعل من الخير وما يَدَع من الشر لن يذهب سدى، بل هو سيجد مكافأته عاجلاً أو آجلاً.
وإذا ذهب خوف الله من النفوس لم ينفع بعده شيء.
لا تنتهي الأنفُسُ عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجِرُ
* * *
стр. 193
الإذاعات العربية
نشرت سنة ١٩٦٠
حديث اليوم انتقاد للإذاعة، فهل سمعتم بأحد يتحدث في الإذاعة فينتقد الإذاعة؟
نعم؛ فلقد كانت محطة الشرق الأدنى قديماً تأتي بالأدباء لينتقدوا برامجها، وتدفع إليهم على ذلك الأجر الجزيل، لأنهم يخدمونها بهذا النقد وينفعونها. وإذاعتنا الوطنية أولى بهذه الفضيلة من تلك الإذاعة الإنكليزية.
وأنا لا أنتقد القائمين على الإذاعة الآن. لا، وإن أخانا الأمير يحيى الشهابي وإخوانه من أقدم وأقدر المشتغلين بالإذاعة العربية، ولا أنتقد إذاعتنا بالذات، بل هو نقد عام لبرامج الإذاعات العربية كلها. ذلك أنها لا تجد ما تذيعه إلا هذا الغناء، تغني من الصباح إلى الليل بلا استراحة ولا انقطاع. وخبّروني عن هذا الكلام الذي تلحنونه، ما هو؟
أهو شعر عامي؟ أعوذ بالله! أهو زجل رفيع؟ أعوذ بالله مرة ثانية!
هل يسجل حالة من حالات النفس؟ هل يعرض وضعاً من
стр. 194
أوضاع المحبين؟ هل يصوّر مجلى من مجالي الطبيعة؟ هل يهزّ سامعه؟ هل يسمو بخياله؟ هل يحرك عاطفته؟
هل هو فن نقبله من أجل الفن؟ هل هو توجيه؟ هل هو للوطن؟
إن أكثر ما نسمع من ألفاظ الأغاني ليس في شيء من ذلك كله، ما هو إلا كلام عامي ساقط لا معنى فيه ولا مبنى، وإن ثقله وغثاثته وبرده وسماجته يفسد حلاوة النغم الحلو، إن كان معه نغم حلو. وأنّى؟ إن أكثر الأنغام اليوم مستكرَه ثقيل. أقول أكثرها، لا كلها، لأن من الإنصاف أن نقرر أن في الأنغام ما هو عذب سائغ مطرب.
ولا أدري لماذا لا يغني جماعة هذا الفن الجديد كما يغني الناس؟ لماذا لا ينطلقون بالغناء على سجيتهم؟ إن العلم يكون عالمياً لأن طرق التفكير واحدة في الأمم كلها، أما الفن فلا يمكن أن يكون عالمياً أبداً. إننا يستحيل أن نطرب لأغاني الإفرنج كما يستحيل أن يطربوا لأغانينا، ولكنهم يصرّحون بذلك لقوتهم وشعورهم بأنفسهم وننكر ذلك ونتظاهر بضده لشعورنا بالضعف، هذا الشعور الذي وضعوه في نفوسنا في أوائل هذا القرن والذي حاولنا الآن أن نبرأ منه ونتخلص من بقاياه.
فلماذا يقلد جماعة المغنين أوربا في غنائها؟ ويا ليتهم يقلدونها ويأتون بفنها كما هو، فلا يفسدوا الفنّين ويزوغوا عن الطريقتين ويأتوا بشيء لا شرقي ولا غربي ولا شمالي ولا جنوبي!
стр. 195
كنت راكباً في الباص من أيام، فخطر على بال السائق الطرب ففتح الراد (ووضع الرادّ في الحافلات عادة شنيعة لا أدري متى تبطل) فإذا رجل يُخرج صوتاً عجيباً لا يشبه أصوات بني آدم، صوت كأنه صوت مختنق يطلب النجدة ثم يمنعه الماء في فمه أن يفصح أو يبين، أو كأنه صوت امرأة أخذها الطلق، أو كأنه صوت دجاجة علقت بها البيضة فلا تخرج ولا ترجع ... وسألت جاري مدهوشاً: ما هذا؟
قال: هذا فلان (واحد من المغنين المشهورين)، يغني، يقول: آه!
فلم أصدق حتى جاء بأربعة شهود من ركاب الباص فشهدوا أن هذا الصوت الغريب هو غناء مغنّ يقول: آه!
ونظرت فإذا هذه الـ «آه» قد خرج ربعها فكان على لسانه، وربعها علق في حلقه، ونصفها أصابه الإمساك المزمن فبقي في جوفه فلا يخرج إلا بشربة زيت خروع! فقلت: ولماذا لا يغني كما يغني الناس؟
قالوا: هذا هو الفن الجديد.
قلت: لعنة الله على هذا الفن الجديد! أين هذا من آهات صالح عبد الحي وعبده الحمولي؟ أين هذا من غناء الأمس؟ اسمعوا برنامج نشوة الماضي (إن كنتم لا تعرفون تلك الأغاني) ثم انظروا الفرق بين الاثنين. بين ذلك الانطلاق وتلك الحرية وذلك الطبع وبين هذا التكلف وهذه القيود وهذه الحشرجات.
стр. 196
على أني لا أمدح أغاني الماضي، فأكثر كلامها كلام فارغ أو بذيء، ولكن أذكر هنا النغم، فإن لم يكن بدٌّ من الغناء فمثل هذا. وإذا أردتم أن تطعّموا ألحاننا بألحان الإفرنج فاصنعوا كما صنع سيد درويش على الأقل، أما هذا الـ «قرف» الذي نسمعه من ذلك المسخ الذي اسمه عبد الحليم حافظ وأمثاله من عجائب المخلوقات الذين لا نعرفهم رجالاً لهم رجولة الرجال ولا نساء لهم أنوثة النساء ولا ندري ما هم، ما نراهم إلا مخانيث، أما هذا فشيء لا يطاق.
أين الملحنون الفحول؟ أليس من العجيب أن نجيء إلى نشيد «الحمد لك والشكر لك» فلا نجد له إلا هذا اللحن المائع، من هذا الحنك المرخي، وهذه الرجولة المزورة، فيمسخ النشيد من نشيد الرجولة الشاكرة الحامدة إلى ... كاد يسبق لساني فأقول الكلمة التي لا يقال هنا غيرها، ثم ذكرت أني أتكلم في الإذاعة وأنه لا يجوز أن يقال فيها ذلك الكلام.
وما لنا وللغناء الإفرنجي؟ رأيت مرة فلماً غنائياً يغني فيه رجال ونساء مجتمعين ويصرخون فيه ذلك الصراخ، فما شبهتهم إلا بقطتين وكلبين ربطتها جميعاً، ثم دست على ذنب القط مرة وعلى ذنب الكلب مرة فصرخا معاً، فكان هذا الغناء الإفرنجي. وأنا أعتذر إلى من يدفعه التقليد إلى الغيرة على هذا الغناء، فإن هذا رأيي، وأنا رجل لا أفهم الموسيقى الفرنجية فما أصنع؟
ولقد فتحت الراد مرة (وقلما أفتحه) فسمعت أصوات آلات متنافرة، فقدرت أن الفرقة تصلح آلاتها (تدوزنها) قبل العزف،
стр. 197
وقلت في نفسي: لماذا يذيعون الدوزان؟ فلما انتهوا قال المذيع: قدمنا لكم السمفونية كذا لبتهوفن.
حسبتها والله دوزان آلات، وكل السامعين من أهل الشام ما عدا ثلاثمئة وأحد عشر رجلاً في سوريا كلها لا يفهمون منها أكثر مما فهمت! وكنت أناقش أحد المدافعين عن موسيقى الغرب مرة، فقال بأن فهم هذه السمفونيات يحتاج إلى علم خاص. قلت: قاتل الله موسيقى لا تُفهم إلا بعلم خاص، أهذه موسيقى؟ إنها مسألة رياضيات!
ووعد بأن يذيع حديثاً موضوعه «كيف نفهم سمفونيات بتهوفن»، وأذاعه وسمعته، وطلبت إليه أن يعد حديثاً آخر موضوعه «كيف نفهم حديث السمفونيات» لأني لم أفهم شيئاً ممّا قاله.
ولعلكم تقولون أن الناس كلهم ليسوا مثلك، وفيهم من يعجبه «الأطرش» و «الأخرس»، وتلك التي لها مثل صوت القطة ولا أدري هل اسمها شادية أم شيء آخر. صحيح؛ إن أذواق الناس تختلف.
وإذا كان الغناء الدائم يعجب ناساً فإن آخرين ينزعجون منه. إنهم يملّون هذا التكرار. لقد قلت عشرين مرة: إننا نسمع الأغنية الحلوة فنطرب لها، فنسمعها الثانية فنلتذ بها، والثالثة فنستريح إليها، فإذا سمعناها الرابعة والخامسة والحادية والستين بعد المئة طلعت أرواحنا منها. خذ الفقير الذي يرى البقلاوة عند البياع فيشتهيها ويتمنى أن يأكل قطعة منها، فاحبسه في غرفة عشرة أيام
стр. 198
لا تطعمه فيها إلا البقلاوة، فإنه يتمنى أن يتخلص منها إلى الزيت والزعتر.
فلماذا لا تجيء الإذاعات بخبراء من علماء النفس فتسألهم عن طاقة الإنسان كم مرة تحتمل ترداد الأغنية الواحدة؟
والطريقة سهلة. تضعون هذا الخبير وحده، وتغنونه أغنية «على العصفورية» كل ساعة مرة، مثل العلاج الذي يعطى منه فنجان كل ساعة، وتنظرون متى يكسر الباب ويخرج رأساً إلى العصفورية (١).
تقولون: ما العمل؟
يا سادتي، إن الإذاعة جُعِلت لرفع المجتمع إلى حياة أسمى لا لإقراره على حياته التي هو فيها. وليس المطلوب منها اللذة فقط، بل اللذة والفائدة. وهناك فوارق مالية واجتماعية بين الناس يجب أن يعمل على إزالتها أو تقليلها، وهنالك فوارق فكرية وذوقية من المستحيل أن تزول.
والإذاعة تستطيع أن تعمل لها برنامجين، كل برنامج على موجة من موجاتها: برنامجاً للخاصة وبرنامجاً للعامة. وإذا كان في ذلك كلفة فقللوا وقت الإذاعة فليس من الضروري أن تشتغل الليل والنهار لا تستريح ولا تريح، ولا تنام ولا تنيم.
ثم إن الإنسان يهتم بصحته ودينه وماله وعقله وقلبه،
стр. 199
فلتشمل برامج الإذاعة هذه الأمور كلها. وإذا كان الغناء للقلب فليس معنى هذا أن نغني دائماً. إن الإنسان كما قالوا: حيوان ناطق، وليس حيواناً مغنياً، ما في الحيوانات ما يغني دائماً إلا الصرصور، فهل نحن صراصير؟
وبعد، فلعلي ما آذيت بهذا الحديث إلا من يستحق الإيذاء، ولا تؤاخذوني فإنها شكوى:
ولا بُدَّ من شكوى إلى ذي مُروءةٍ ... يواسيكَ أو يُسليك أو يَتوجّعُ
* * *
стр. 200
صور دمشقية سوداء من ربع قرن
نشرت سنة ١٩٣٥
ذهبت أمس إلى المدرسة الأمينية (١)، وهي المدرسة الإسلامية التي انحَطَمَتْ على جدرانها ثمانية قرون وهي قائمة، وماتت من حولها ثمانمئة سنة وهي حية، ونشأت دول وانقرضت وبدئت تواريخ وختمت وتبدلت الأرض وتغيرت، وهي ماضية في سبيلها، عاكفة على عملها، قد انقطعت عن الأرض من حولها واتصلت بالسماء من فوقها، فعاشت في سماء العلم والناسُ يعيشون في أرض المادة.
стр. 201
دخلتها فإذا هي صامتة ساكنة، لا يُسمع في أبهائها صوت مدرس بدرس أو دارسين بتلاوة، وإذا في كل فصل من فصولها رهط من التلاميذ، متفرقون في زوايا الفصل لا تنفرج شفاههم عن بسمة السرور ولا تلمع عيونهم ببريق الجذل، وإذا الأستاذ صاحب المدرسة قابع في غرفته يفكر حزيناً وينظر آسفاً، وهو الذي لم يألُ العملَ جهداً، ولم يسئ بالله ظناً، فلما رآني قام إليّ يحدثني عن المدرسة ويعلمني علمها، فإذا المدرسة قد زلزلت في مطلع هذا العام المدرسيّ لأن الناس قد مالوا عن المدارس الإسلامية وزهدوا فيها، وزاغوا إلى المدارس الأجنبية وأقبلوا عليها، وضنّوا على مدارسنا بدينار واحد في العام ليمنحوا تلك ثلاثة أرباع الدينار في الشهر!
وأفاض الأستاذ في البيان حتى امتلأت نفسي حَزَناً، فخرجت حزيناً فمررت على «الكاملية» (١) فإذا هي في خطب أشدّ ومصيبة أفدح، فجزت بـ «الجوهرية» (٢) فإذا هي ماتت بعد شيخ الشام،
стр. 202
الشيخ عيد السفرجلاني، وإذا فيها بنات يقرأن ويصحن ويلعبن، فسلكت على «التجارية» (١) فإذا دارها الكبيرة في زقاق الفخر الرازي خلاء قواء وإذا هي قد انقلبت إلى الخيْضَريّة فاتخذت فيها داراً، ورأيت «الجقمقية» (٢) القاعة التاريخية الجميلة، والمدرسة الأثرية الجليلة فإذا هي قد اتُّخذت داراً.
فذهبت وأنا أحسّ الألم يقطع في كبدي والأسى يحزّ في قلبي، ووددت لو أن الله قبضني إليه قبل أن أرى مدارسنا الإسلامية لا تستطيع أن تعيش في البلد الإسلامي ولا تجد من يشد أزرها ويأخذ بيدها. وأممت شارع بغداد، أروّح عن نفسي بخضرة البساتين وجمال الكون وانطلاق الهواء ومنظر الجبل، فما راعني إلا أفواج من الناس قد ازدحمت على باب بناء كبير كأنه قلعة من القلاع أو قصر من القصور، حتى لقد كادت تسد بكثرتها الشارع العريض ... ما راعني إلا الناس على باب «مدرسة اللاييك» يتدافعون ويتزاحمون كأنهم على باب الجنة، فكل يطمع أن يسبق
стр. 203
إليها، وكلما فتح الباب لواحد لحظته العيون بالغيظ ورمقته بالحسد. فسألت قوماً أعرفهم ينظرون كما أنظر: ماذا هناك؟
فقالوا: هم المسلمون يريدون أن يسلموا أبناءهم إلى رجال اللاييك ليصبوا في قلوبهم ما يشاؤون من عقائد باطلة في الدين، وعواطف زائفة في الوطنية، وزهادة في اللغة، وكره للتاريخ الإسلامي والقومية العربية، ويدفعون إليهم الأموال الطائلة، وما يشترون بها إلا الكفر لأبنائهم والزيغ والإلحاد، وحبّ الغريب وبغض القريب، وما يشترون إلا أعداء لهم ولأوطانهم يحاربونهم ويغزونهم في أخلاقهم وعقائدهم، وهم قد انحدروا من أصلابهم، وخرجوا من ظهورهم؛ أفرأيت بلاء أشدّ، وخزياً أكبر، من أن يحاربونا بأبنائنا ويأخذوا على ذلك أموالنا؟
فقلت: لا والله! وسرت، أخشى أن يتمزق والله من الألم كبدي، فمررت على «مدرسة الفرير» فإذا الجموع أكثر والازدحام أشدّ، والمسلمون يرجون الخوري ... أن يُنسي أبناءهم القرآن ليحفظهم الإنجيل، ويبغّض إليهم محمداً وأبا بكر وعمر ويحبب إليهم بطرس ولويس ونابليون ... فسرت مسرعاً، لا يطول بي وقوف فتحرقني نار الحزن، وأخذت طريقي إلى مدرستي أسلك إليها شارع البرلمان، فإذا على باب «مدرسة الفرنسيسكان» أمام الكنيسة الفخمة جمهور من المسلمين لا يحصيهم عدّ، يأخذون بأيدي بناتهم ليدخلوهن إليها ... فعدت أدراجي إلى شارع الصالحية فأخذت حافلة (الترامواي) إلى مدرستي في حيّ المهاجرين في لحف جبل قاسيون.
ولم يستقر بي في المدرسة مقام حتى أقبل علينا شيخ من
стр. 204
مشايخ المسلمين، على رأسه عمامة بيضاء كأنها برج وحول يده كُمّ كأنه خرج، تتدلى منه سبحة لا يفتأ يعدّ حبّاتها ويلعب بها، وقد يخطئ مرّة فيسبّح عليها، يجرّ بيده ولداً فخذاه مكشوفتان وعلى رأسه كُمّة (١)، فقلت له: ما هذا يا شيخ؟ أعورة من أعلى وعورة من أسفل؟
قال: وما ذاك؟
قلت: ألم يكفك أن تكشف عورته، وأنت تذكر الله وتتلو كتابه، وتظهر منه ما أمر الله بستره، حتى تضمّ إلى العورة عورة أخرى تجيء من فوق رأسه، فتلبسه القبعة؟
فقال (ولوى لسانه وتفيهق وتشدّق): ما هي بعورة في مذهبنا.
قلت: وما مذهبك يا مولانا؟
قال: مذهب الإمام مالك.
قلت: ذاك لمن لا يفرّق بين عورة الملتحي وعورة الأمرد، هذا الذي في مذهب مالك، لا مع مثل ابنك الذي لا تؤمَن معه الفتنة.
* * *
وتركته وقمت إلى قسم الشهادة الابتدائية أرى التلاميذ، فجعلت أسألهم من هنا وهناك، فقلت: ما شروط الصلاة؟ ومَن يعرفها منكم؟
стр. 205
قالوا: لا نعرفها؛ درس الديانة ليس من دروس الامتحان فلا نحفظه.
قلت: فماذا قرأتم في السنة الماضية؟
قالوا: وماذا نقرأ؟ عندنا ساعة واحدة في الأسبوع.
قلت: فلنبحث في التاريخ، من يحدّثنا عن وقعة اليرموك أو القادسيّة؟
قالوا: ما قرأناها. نحدثك عن سيرة نابليون ووقعة واترلو ... هذا ما قرأناه وسنقرؤه في هذا العام ...
* * *
وبعد، فهذا طرف من الحقيقة، وقليل من كثير من الواقع، نسوقه بلا تعليق.
* * *
стр. 206
رسالة
نُشرت سنة ١٩٥٩
[هذه رسالة شرعت بها لإرسالها إلى صديق حبيب يدرس في بلاد الغرب، ثم كسلت عن إكمالها فتركتها، فلما قعدت أكتب مقالة هذا العدد أخرجتها فأتممتها، وبعثت بها لتُنْشَر لتعم منها الفائدة ويشمل النفع، وليقرأها هذا الصديق مقالة في المجلة (١) إن فاته أن يقرأها رسالة في البريد.]
أتذكر مقالتي لك يوم ودّعتك؟ لقد كنت خائفاً عليك من هذه البلاد لأني أخافها -والله- على نفسي، وقد شارفت حدّ الكهولة الأقصى، وقد أعلنت خوفي يوم سفرك، أعادك الله بالسلامة والنجاح. فلما وردت كتبك رأيت فيها لساناً فصيحاً وتفكيراً صحيحاً وكلام رجل مؤمن، فاطمأننت عليك إلى حين. أقول إلى حين لأني أعلم أن المرء كالنبات، يعيش بنفسه وبالأرض التي يمتص غذاءه منها، والماء الذي يطفئ ظمأه به،
стр. 207
والجو الذي يتنفس هواءه، فإذا نقلته إلى أرض غيرها بدلته التربة التي انتقل إليها والجو الذي صار إليه، ما لم يكن من النباتات التي أعطاها الله من القوة والتمكن ما يمنع عنها هذا التغيير والتبديل، وذلك أندر من النادر وأقلّ من القليل.
وليس يظهر هذا التبدّل من أول يوم، بل يحتاج إلى الزمن الطويل؛ إنه مرض في النفس شأنه شأن الأمراض كلها، لا بد لها من زمان تفرخ فيه جراثيمها (١) وتنمو وتسيطر، فترى الرجل تحسبه صحيحاً وهو سقيم.
والمرء أبداً ما بين ماضيه وبين آتيه، يعيش بذكريات الماضي وبآمال المستقبل، فإذا انتقل من مثل دمشق إلى باريز أو برلين مثلاً، ورأى لوناً من الحياة جديداً وانطلاقاً ميسوراً بعد تقيُّدٍ بقيود الدين والخلق، ولهواً ممكناً بعد جِدٍّ، لم يَبْدُ لهذه الحياة الجديدة أثر فيه وهو يعيش فيها، بل ربما تنبّهت في نفسه الذخيرة الدينية فازداد تمسكاً. إنما يبدو ذلك ويظهر ويعمل عمله إذا عاد إلى بلده، فافتقد ذلك الانطلاق وحنّ إليه، وضاق بهذه القيود وثقلت عليه.
وقد شاهدنا هذا في ناس من إخواننا عاشوا في باريز مثل عيش الزهاد والعباد، فلما رجعوا إلى دمشق هاموا على وجوههم كالحيوانات، تسوقهم شهواتهم وحدها، لا يهابون حراماً ولا يخافون عاراً ولا يحفِلون بشيء. ولولا أني لا أحب أن أعرض
стр. 208
لأحد من الناس بعينه (ولا يجوز لي أن أعرض لأحد) لسميت لك رجالاً بأسمائهم لتعرفهم.
وأنا ما سردت عليك هذه الفلسفة المزعجة إلاّ لتعلم أنك لا تزال تعيش بذخائر الماضي في نفسك وبقايا آداب الصبا، وأن الذي تدّخره في نفسك الآن من ذكريات هو الذي ستحيا به بعد عودتك؛ فانتبه يا أخي، بل يا ولدي، لما ينطبع فيها. واعلم أن لكل رفيق ترافقه، وكل مكان تحله، وكل كتاب تقرؤه، وكل رأي تسمعه، لكلٍّ من ذلك أثر في نفسك، لا تحس به لكنه موجود كالبذرة الصغيرة في الأرض. بذرة زيتون مثلاً، لا يراها أحد ولا يلتفت إليها، ولكنها تصير يوماً شجرة تضطر كل من يمر بها إلى أن يراها. وتبقى مئة سنة على حين يظن من ألقاها أنه نبذها ورماها. لذلك قال ابن عطاء الله السكندري (١): «لا تمكّنْ زائغَ القلب من أذنيك، فإنك لا تدري ما يعلق بهما منه». وقد كنت عرضت لهذا المعنى في بعض ما كتبت، ولكني أعيده عليك لأن من المعاني ما لا بدّ فيه من الإعادة ولا يضر به التكرار.
ولقد ذهبت إلى مصر وأنا في مثل سنّك. وأين مصر يومئذ (سنة ١٩٢٨) من باريس اليوم؟ وكنت في مصر مثلاً مضروباً في التشدّد والبعد عن كل ما يحرم أو يشين، وعدت منها وأنا أحسب أني ازددت بسفري إليها إيماناً وتمسكاً، وإذا المرض الذي داخلتني فيها عدواه قد تمكن مني، حتى إني لا أزال إلى اليوم
стр. 209
أعاني أثر هذه الفترة في عواطفي وفي أفكاري. وما ذلك لفساد مصر بل لأنني غدوت فيها طليقاً، ليس في الناس من يعرفني فيراقبني أو أعرفه فأتهيبه. وأنت في بلد فاسد، المحرمات فيها معلنة والمنكرات ظاهرة. وإنّ إلْفَ رؤية الحرام ودوام مشاهدته يهوّن على النفس اقترافه ويُذهب منها هيبته، نعرف ذلك من نسائنا المسلمات؛ كان عهدنا بالواحدة من نسائنا أنها تضطرب وتجزع إن لمحها الأجنبي من فتحة الباب أو شق النافذة، وتسرع فتتوارى، فصارت ترى الرجل فتقابل وجهه بوجهها وتثبت في عينيه عينيها. وكان الرجل إذا رأى الأجنبي ينظر إلى زوجه استكبر ذلك واستنكره، وهاج في نفسه تصوّن المسلم ونخوة العربي، فتراخى الحبل حتى صار الرجل يماشي امرأته في الشارع، ويضاحكها في الطريق، ويرافقها إلى السينما. وصار من العرب المسلمين من يقدم ابنته إلى الأجنبي ليراقصها، يدني صدره من صدرها ويلفّ ذراعه على خصرها ويلامس بساقه ساقها، وصار الأجنبي يأخذ الزوجة في هذه الحفلات الداعرة الفاجرة من زوجها ليرقص معها، فلا تستعصم المرأة ولا تأبى، ولا يغضب الزوج ولا يغار، ولا يعجب الناس ولا ينكرون!
بل لقد سرى هذا الداء إلى نساء العلماء الفصحاء، فصرن يكشفن الوجه حيث تُؤمَن الفتنة وحيث تُخشى، فإذا كشفنه لم يتحرجن من مسامرة الأجانب من الأقرباء في السهرة، ومسايرة الأجانب من الأصدقاء في السفرة. يفعلن ذلك أولاً بحضرة الزوج وإذنه، ثم يفعلنه في غيبة الزوج وبلا علمه، ثم يتبع الوجهَ الشعرُ ثم النحر، والكفّ ثم الذراعُ ثم الصدر، ثم يكون هذا الحسور وهذا الفجور.
стр. 210
وهذا كله إنما كان تقليداً للإفرنج؛ نفعله لأنهم يفعلونه، ولأن المستعمرين قد اغتنموا غفلتنا وهجوعنا في مئة السنة (١) التي مضت وتأخرنا عنهم في طريق الحضارة المادية، فلم يدخروا جهداً ولم يألوا وسعاً في إشعارنا سبقهم إلى هذه الحضارة وتأخرنا، وعلمهم بهذه العلوم وجهلنا، وقوتهم بهذه الأسلحة وضعفنا، حتى صار تعظيمنا إياهم وهيبتنا لهم حقيقة راسخة في قلوبنا، اعترفنا بها أو أنكرناها.
وكان من نتائجها أن تركنا شريعتنا لقوانينهم، وأخلاقنا لعاداتهم، وفضائلنا لرذائلهم. وكان هذا كله تقليداً على السماع ونحن في بلادنا، فكيف إذا رآه الواحد منا بالعيان وهو في بلادهم، وكيف إذا كان الرائي شاباً ملتهب الغريزة متوقد العاطفة، يحمل بين جنبيه نفساً قد حُشيت بالبارود؟
ماذا يصنع الشاب الذي كان في بلاده يفكر في المرأة ليله ونهاره، صورتها أبداً في خياله وحديثها أبداً على لسانه، يثيره مرآها على بعد مئة متر، فصار إلى بلد يرى فيه حيثما تلفّتَ أسراب الحسان المثيرات، كاسيات عاريات مائلات مميلات، لا يكلفه نيلهن إلا أن يشير بيده فيترامين عليه، لا يحجزهن دين ولا يمنعهن عرف ولا يمسكهن حياء، في معشر يرون من المدنية أن تستباح الأعراض ويتسافح الفتيان والفتيات، قد هانت المرأة حتى صار عرضها يبذل في ملء بطنها وستر جسدها، وصارت تُنال بغذاء وكساء.
стр. 211
فماذا يصنع الشاب في هذه المحنة؟ وكيف يغفل الآباء عن هذا البلاء؟
لو سمع الأب أن في هذا البلد الذي يبعث إليه بابنه وباءً فتاكاً وأن (احتمال) إصابة ولده به واحد في الألف لما أرسله إليه ولو كان فيه علم الأولين والآخرين، فكيف يرسله إلى بلد (احتمال) إصابته فيه بخلقه، وتفريطه فيه بعفافه، وتهاونه فيه بدينه تسعمئة وتسع وتسعون في الألف؟
لقد حدثني الأستاذ الشيخ مصطفى السباعي عما رآه في أوربا لما ذهب إليها للتداوي (شفاه الله وأتم عليه نعمة العافية) (١) فسمعت والله شيئاً أعجب من العجب، وأيقنت أنه لو امتُحن العجوز (٢) العابد بما يمتحن به شبابنا هناك لخيف عليه والله السقوط.
ذلك لأن النفس البشرية مفطورة على ابتغاء اللذة وقصد الراحة وترك العناء، ميالة إلى الانطلاق، ولأن الانحدار إلى المعصية أهون من التسامي إلى الطاعة؛ كالماء أَفْلِتْه يتحدّرْ إلى قرارة الوادي، وأَصْعِده لا يصعد إلا بمضخة، لذلك قلَّ في الناس الطائعون وكَثُرَ العاصون، وكثرت جرائدهم ومجلاتهم وأماكنهم ووسائلهم إلى ما هم فيه. إن الرجل الفاسد يلوّح للشاب الصالح بالجميلات وما يقدّر من اللذة بقربهن، والخمر
стр. 212
وما يتوهم من اللذة بشربها، والقمار وما يؤمل من الربح بتعاطيه، ويأخذه إلى المراقص والمشارب وكل مكان لذة فيفسده. فإلى أين -لعمري- يأخذه الرجلُ الصالح ليصلحه، وما الذي يغريه به إلا أن يعده للآخرة الغائبة بدلاً من الدنيا الحاضرة؟ وذلك مطلب عال لا يصعد إليه إلا بجهد دونه جهد السجن والضرب والقتال. لذلك جعل الله هذه المنزلة لمن يؤمن بالغيب وكرر الثناء عليه في القرآن، ولذلك أخبر النبي ﷺ بأن سبعة يظلّهم الله بظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، يوم الحشر للحساب، منهم الشاب الذي نشأ في طاعة الله وقاوم مغريات الشباب، ومنهم رجل دعته امرأة ذات جمال حتى إذا تمكن منها ذكر الله فقام عنها.
* * *
إن سفر الشاب وحده إلى أوربا خطر مؤكد، ولكن الآباء لا ينتبهون إليه ولا يفكرون فيه.
إنهم يربون الولد على العفاف ويحمونه من فتنة النساء، حتى إذا ما ظنوا أنه استقام وصلح، ووطّن نفسه على العفة والتقى، وطوى جوانحه على مثل النار الآكلة من لذع الشهوة، نقلوه إلى بلد كل شيء فيه مباح، الفتن فيه تحف به من كل جانب، وقد زالت الموانع وسقطت الحدود، فليس دون المعصية حد، لا حد الدين في بلد لا يدين بدين الإسلام، ولا حد العار في بلد لا يرى العار عاراً.
فهلا فكر الآباء في مصير أولادهم حين يبعثون بهم ليدرسوا في ديار الغرب؟
стр. 213
وبعد، فقد ذهبت -أنت يا أخي- وقُضي الأمر، فاجعل خوف الله بين عينيك، وتصور دائماً ذهاب لذة المعصية وبقاء عقابها، وذهاب ألم الصبر عنها وبقاء الثواب عليه.
واسأل الله العون واستمد منه القوة، والسلام عليك ورحمة الله، وأستودع الله دينك وخلقك.
* * *
стр. 214
صور من تاريخنا العلمي
نشرت سنة ١٩٥٩
هذه صور من تواريخ علمائنا، أبعث بها إليكم وحدها لا أبعث معها بتعليق ولا بيان، ولتحدثكم هي حديثها ولتعلقوا أنتم عليها، ولتذكركم بأشباهها أو بأضدادها من سير من تعرفون، فتكون كالمعيار لهم والمقياس لأخلاقهم، ولتكون كالصنجات في موازين حكمكم عليهم، ترجح بها كفة قوم وتطيش كفة آخرين.
ولو أخذت هذه الصور من تواريخ الصدر الأول والقرون الماضية، حيث الدين غضٌّ والزمان مقبل والعلم في شبابه يتوثب من النشاط ويتفجر بالقوة، لرأيتم والله عجباً من العجب، وعندي من ذلك الكثير. ولكني آثرت أن آخذها من الأمس القريب، والعلم في كهولته يمشي مشية العاجز، يتلمس الجدران ويقارب الخطو، لا يستطيع أن يجانب الطريق المسلوكة خشية أن يتعثر أو يضل، لتروا أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، وأن أمة محمد إلى خير، وأنها لا تزال طائفة منهم على الحق إلى قيام الساعة.
стр. 215
-١ -
نحن في صحن الجامع الأزهر في مصر، بعد المغرب، وكان شيخ الأزهر الرجل العظيم بعلمه، العظيم بمنصبه، الشيخ الباجوري (المؤلف المشهور) (١) وقد قعد على عادته كل عشية وأقبل العلماء والطلبة يقبلون يده (٢). وكان الشيخ مصطفى المبلِّط أكبر منه سناً، وكان قد نازعه مشيخة الأزهر وزاحمه عليها ولم يدّخر في سبيل الفوز بها جهداً، فلما صارت للباجوري صار يعظمه ويرعى له حق منصبه، فلما أقبل الناس هذه العشية على الشيخ لتقبيل يده اندس بينهم وقبل يده معهم، فانتبه له الباجوري وعرفه، فوثب قائماً وأمسك بيده وجعل يبكي ويقول: حتى أنت يا شيخ مصطفى؟ لا! لا!
فقال الشيخ مصطفى: نعم، حتى أنا. لقد خصك الله بفضل وجب أن نقرّه، وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك.
-٢ -
وهذه صورة أخرى من الأزهر في ساعة الظهيرة، وقد خلا من المدرسين ولم يبقَ فيه إلا طلاب لبثوا قاعدين يتراجعون مسألة من مسائل الدرس، أو ينظرون في كتاب من الكتب،