← Фикх общий

Фикх общий · id 1364

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ط الرسالة

بدر الدين الزركشي

Полный текст (288 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صحيحه (١): قال موسى بنُ عقبة: كانت في شوال سنة أربع، واحتجَّ البخاري لهذا القول بحديث ابن عمر عُرِضْتُ على النبي ﷺ يومَ أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فردّني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أن الخندق سنة أربعٍ. ثم قال في الصحيح (٢): إنها غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: سنة ست، وقال النعمان بن راشد عن الزهري: كان الإفك في غزوة المريسيع، وأما موسى بن عقبة فقال: سنة أربع. ولا ريب أن قصة الإفك كانت بعد نزولِ آية الحجاب (٣)، والحجابُ نزل في شأن زينب بنت جحش أم المؤمنين، وهي في قصة الإفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة، ونكاحُ زينب ﵂ كان في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد (٤) وقال قتادة والواقدي: تزوجها في سنة خمس من الهجرة، وبه قال غيرهم من علماء أهل المدينة. فدلّ تأخرُ آيةِ الحجاب على أنها كانت بعد الخندق، وقد ثبت بلا ريب أن سعد بن معاذ تُوفي عقب الخندق، وعقب حكمه في بني قُريظة، ولم يكن بين الخندق وقريظة غَزاةٌ. ولهذا يعدل البخاري في أكثر رواياته

стр. 107

لحديث الإفك عن نسبة سعد إلى أبيه فيقول: فقام سعد أخو بني عبد الأشهل وهذه روايته في المغازي (١)، وقال: سنة أربع فالظاهرُ أنها على قوله قبل الخندقِ، لأن الخندق كانت في آخر السنة في شوال، واتصلت بغزوة قريظة. وعلى هذا فيصح أن يكون الرادُ على سعد بن عبادة هو سعد بن معاذ. وقد تقدم وَهْمٌ آخر (٢): وهو رواية مسروق عن أُم رومان. وأجاب القاضي أبو بكر بنُ العربي (٣) عن هذا: بأنه جاء في طريق: حدثتني أُمُّ رُومان، وفي أُخرى: عن مسروق، عن أُم رومان معنعنًا. قال ﵀: والعنعنة أصحُّ فيه، وإذا كان الحديث معنعنًا كان محتملًا ولم يلزم فيه ما يلزم في حدثني، لأن للراوي أن يقول: عن فلان وإن لم يدركه. حكاه عنه السُّهيلي (٤). فهذه ثلاثة أوهام ادُّعيت في حديث الإفك (٥): وهمٌ في بريرة، ووهم في سعد بن معاذ، ووهم في أُم رومان. والثلاثة ثابتة في

стр. 108

الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بيِّن. وقد تقدم ما يدفعُ الكُلَّ. الثامنة: لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة. التاسعة: أن جبريل أتى بها النبي ﷺ في سرقةٍ (١) من حرير فقال: هذه زوجتُك، فقلتُ: "إن يكن من عند الله يُمْضِهِ" وقد أدخله البخاري (٢) في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجَها. قال بعضهم: "وهو استدلال صحيحٌ، لأنَّ فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ وقد كشف عن وجهها. وفي رواية الترمذي (٣): "في خرقةِ حريرٍ خضراء" وقال: حسن

стр. 109

غريب. وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلكَ الخرقة ذراعان وعرضها شِبر" ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (١) من رواية أبي هريرة. وأما قوله ﷺ : "إن يكن من عند الله يُمضِهِ" فقال السُّهيلي (٢): ليس بشك، لأن رُؤْيا الأنبياء وحي، ولكن لما كانت الرؤيا تارةً تكون على ظاهرها وتارة تزهو نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشكُّ من هاهنا. ويبقى سؤال: لماذا أتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا" لأنها للمحقق و"إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله. وذكر الحاكم في "المستدرك" (٣) عن الواقدي: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتتْ خديجة حَزِنَ عليها النبي ﷺ فأتاه جبريل بعائشة في مَهد فقال: "هذه تذهبُ ببعض حزنك وإن فيها لَخَلفًا من خديجة" الحديث. اهـ. فيحتمل أنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلافُ الحال، ويشهد له رواية البخاري مرتين.

стр. 110

العاشرة: أنها كانت أحبَّ أزواج النبيِّ ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: "يا رسول الله أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أبوها". أخرجه الشيخان وصححه الترمذي (١). الحادية عشرة: وجوبُ محبتها على كل أحد، ففي الصحيح (٢): لما جاءَت فاطمة ﵂ إلى النبيِّ ﷺ قال لها: "ألستِ تحبين ما أُحِبُّ؟ " قالت: "بلي" قال: "فأحبي هذه". يعني عائشة، وهذا الأمر ظاهرُ الوجوب. وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم" (٣) وقوله لما حاضت صفية: "عَقْرَى حَلْقى (٤) أَحَابِسَتُنا

стр. 111

هي؟ " (١) وفرقٌ عظيم بين المقامين. ولعلَّ مِن جملة أسباب المحبة كثرةَ ما بلَّغته عن النبي ﷺ دون غيرها من النساء الصحابيات (٢) كما قيل بمثل ذلك في قوله: وحُبِّب إليَّ من دنياكم النساءُ" (٣). الثانية عشرة: أنَّ مَن قذفها، فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. قال الخوارزمي (٤) في "الكافي"من أصحابنا، في كتاب الردة: "لو قَذَفَ عائشة بالزنى، صار كافرًا بخلاف غيرها من الزوجات، لأن القرآن نزل ببراءتها" اهـ. وعند مالك: "أن مَن سبَّها قُتِلَ" قال أبو الخطاب بن دحية (٥) في أجوبة المسائل: "ويشهد لقول مالك كتابُ الله، فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سَبَّحَ نفسه لنفسه. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [الأنبياء: ٢٦] والله تعالى ذكر عائشة فقال:

стр. 112

﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فسبَّح نفسه في تنزيه عائشة كما سَبَّحَ نفسه لنفسه في تنزيهه" حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب (١). الثالثة عشرة: من أنكر كون أبيها أبي بكر الصديق ﵁ صحابيًا كان كافرًا، نص عليه الشافعي فإن الله تعالى يقول: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ذكره صاحب "الكافي". ومقتضاه: أنه لا يجري ذلك في أنظار غيره (٢)، وليس كذلك. نعم: مَدْركُ (٣) تكفير منكر صحبة الصديق تكذيب النص (٤) وصحبة غيره التواتر. الرابعة عشرة: أن الناس كانوا يَتَحرَّوْنَ بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ . فيُتحفونه بما يُحب في منزل أحبِّ نسائه إليه، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ أخرجه الشيخان (٥).

стр. 113

الخامسة عشرة: أن سودة وهبت يومًا لها بخصوصها (١). السادسة عشرة: اختياره ﷺ أن يمرَّض في بيتها. قال أبو الوفا بن عقيل (٢) ﵀: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأبَ، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكادُ تخفى عن البهيم (٣) فضلًا عن الناطق". السابعة عشرة: وفاته ﷺ بين سحرها ونَحْرها قال الصاغاني (٤): "السحَر - بفتح السين وضمها - ما تعلق بالحُلقوم وبالمري من أعلى البطن من الرئة وغيرها" وعن الفراء (٥) فيه: "سَحَر بالتحريك" وكان عُمارة بنُ عقيل بن بلال بن جرير (٦) يقول: "إنما هو بين شَجْري" بشين

стр. 114

معجمة وجيم، فسئل عن ذلك، فشبك بين أصابعه، وقدمها عن صدره كأنه يضم شيئًا، يريد أنه ﵇ قبض وقد ضمته بيديه إلى نحرها وصدرها وخالفت بَيْنَ أصابعها. وكأنه عنده مأخوذ من قولهم: اشتجرت (١) الرماحُ، إذا اشتبكت بعضُها ببعض. الثامنة عشرة: وفاته ﷺ في يومها. التاسعة عشرة: دفنه في بيتها ببقعة هي أفضل بقاع الأرض بإجماع الأُمة. العشرون: أنها رأت جبريل ﷺ (٢) في صورة دحية الكلبي وسلَّمَ عليها. ثبت في "الصحيحين" (٣)، زاد الحاكم في "مستدركه" (٤) عن

стр. 115

مسروق، عنها: "قلت: يا رسول الله من هذا؟ قال: بمن شبهتهِ؟ قلت: بدحية. قال: لقد رأيتِ جبريل" وفي رواية له عن عبد الله بن صفوان، عنها: "ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري" (١). فأخرج (٢) من جهة مالك بن سُعَيْر، عن إسماعيل بن أبي خالد، أنا عبد الرحمن بن الضحاك: أن عبد الله بن صفوان أتى عائشة وآخرُ معه، فقالت عائشة لأحدهما: "أسمعت حديث حفصة يا فلان؟ " فقال: "نعم يا أُمَّ المؤمنين" فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما ذاك يا أُمَّ المؤمنين"؟ قالت: "خِلالٌ تسعٌ لم تكُ لأحد من النساء قبلي إلا ما أتى الله مريمَ بنتَ

стр. 116

عمران، والله ما أقول هذا أني أفخر على أحد من صواحباتي" فقال لها عبدُ الله بنُ صفوان: وما هُنَّ يا أُمَّ المؤمنين؟ " قالت: "جاءَ المَلَك بصورتي إلى رسول الله ﷺ ، وتزوجني رسولُ الله رسول الله ﷺ وأنا ابنةُ سبع سنين، وأُهدِيتُ إليه وأنا ابنة تسع سنين، وتزوجني بكرًا لم يشركه فيَّ أحدٌ مِنَ الناس، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد، وكُنْتُ مِنْ أحبِّ الناس إليه، ونزل فيَّ آياتٌ من القرآن كادت الأُمة تهلِكُ فيها، ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري، وقُبِضَ في بيتي ولم يله أحدٌ غير الملك وأنا". وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (١). اهـ. ومالك بن سُعَيْر من رجال مسلم، وقال أبو حاتم (٢): "صدوق" وضعفه أبو داود (٣) وهذه الزيادة فيها نظر لما في كتاب مسلم (٤): أن أُم سَلَمة رأته في صورة دحية أيضًا. قال أبو الفرج: "وإنما سلَّم عليها ولم يُواجهها لحرمة زوجها، وواجه مريم، لأنه لم يكن لها بَعْلُ؛ فمن نزهت (٥) لحرمة بعلها عن خطاب جبريل كيف يُسلط عليها أكفُ أهل الخطايا؟ " (٦). متمم العشرين (٧): اجتماع ريق رسول الله ﷺ وريقها في آخر أنفاسه. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٨).

стр. 117

الحادية والعشرون: لم ينزل الوحيُ على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها. أخرجه البخاري في المناقب (١) ورواه ابن حبان في صحيحه (٢) والحاكم في المستدرك (٣) بلفظ: "ما نزل الوحي عليَّ وأنا في بيت امرأة من نسائي غير عائشة". وقال: صحيح الإسناد لم يخرجاه (٤). والأول أصحُّ، فقد كان ينزل (٥) عليه في بيت خديجة. الثانية والعشرون: كانت أكثرهن علمًا، قال الزهري: "لو جُمِعَ علمُ عائشة إلى علم جميع" النساء، لكان علم عائشةَ أفضل" (٦). وقال عطاء: "كانت عائشة أفقَهَ الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة" (٧). وذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀: "أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاث علوم: علمِ الفقه، وعلمِ الطب، وعلم الشعر" (٨).

стр. 118

وقال أبو بكر البزار في "مسنده" (١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا خلاد بن يزيد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن (المليكي) أبو غرارة زوج جبرة (٢) قال حدثني عروةُ بنُ الزبير قال: قلت لعائشة: إني لأتفكرُ في أمرك، فأعجبُ: أجِدُكِ مِن أفقه الناس، فقلتُ: ما يمنعها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر، وأجدك عالمةً بأيام العرب وأنسابها وأشعارها فقلت: وما يمنعها، وأبوها علَّامة قريش؟ ولكن إنما أعجب أن وجدتُك عالمةً بالطب فمن أين؟ " فَأَخَذَتْ بيدي، وقالت: "يا عُرَيَّة إن رسول الله ﷺ كثر مِن أسقامه، فكان أطباءُ العرب والعجم ينعتون له فتعلمتُ ذلك". قال: وهذا الحديثُ لا نعلمه مرويًا (٣) عن عائشة إلا بهذا الإسناد. اهـ. ومحمد بن عبد الرحمن مختلف فيه، لكن رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤) عنه من جهة أحمد بن حنبل: حدثنا عبدُ الله بن معاوية الزبيري، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، به وأخرج (٥) الحاكم نحوه من جهة إسرائيل، عن هشام، به (٦). وقال صحيح الإسناد، قال الذهبي في مختصره: على شرط الشيخين (٧).

стр. 119

الثالثة والعشرون: كانت أفصحهن لسانًا، عن موسى بن طلحة قال: ما رأيتُ أحدًا أفصح من عائشة. أخرجه الترمذي (١) وقال: حسن صحيح غريب. وروي محمدُ بن سيرين، عن الأحنف بن قيس قال: سمعتُ خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، والخلفاء كلهم هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعتُ الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه مِنْ في عائشة. أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٢) وساق أبو الفرج في "التبصرة لها كلامًا طويلًا موشَّحًا بغرائب اللغة والفصاحة. وقال صاحبُ "زهر الآداب" (٣): لما توفي الصديقُ ﵁، وقفت عائشة على قبره فقالت: "نَضَّرَ الله وجهَكَ يا أبتِ، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مُذلًّا بإدبارك عنها، وللآخرة مُعزًا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلَّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رُزْؤُكَ، وأعظمَ المصائب بعده فقدُك، إِنَّ كتاب الله لَيَعِد بحسن الصبر عنك حسنَ العوض منك، وأنا أستنجز

стр. 120

موعودَ الله فيك بالصبر، وأستقضيه بالاستغفار لك. أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا لقد قمتَ بأمرِ الدين لما وهى شَعْبُهُ، وتفاقم صَدْعُهُ، ورَجَعَتْ جوانبُه، فعليك سلامُ الله توديع غيرِ قاليةٍ لحياتك، ولا زاريةٍ (١) على القضاء فيه" (٢). الرابعة والعشرون: أن الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمرُ في الدين، اسْتَفْتَوْها، فيجدون علمه عندها. قال أبو موسى الأشعري ما أشكل علينا - أصحاب رسول الله ﷺ حديثٌ قطُّ، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه عِلمًا. أخرجه الترمذي (٣) وقال: حسن صحيح. وقال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض (٤). الخامسة والعشرون: جاءَ في حقها: "خُذُوا شطرَ دينكم عن الحميراء" (٥) وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير ﵀ عن ذلك فقال: كان شيخنا حافظُ الدنيا أبو الحجاج المزي ﵀ يقول: كُلُّ حديث فيه ذكرُ الحميراء باطل إلا حديثًا في الصوم في "سنن

стр. 121

النسائي" (١) قلت: وحديث آخر في النسائي (٢) أيضًا عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل الحبشةُ المسجد يلعبون فقال لي: "يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم" الحديث، وإسناده صحيح. وروى الحاكم في "مستدركه" (٣) حديث: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة فقال: "انظري يا حُميراء ألَّا تكوني أنتِ" ثم التفت إلى علي، فقال: "إن وليتَ مِن أمرها شيئًا فارفُق بها" وقال: صحيح الإسناد (٤).

стр. 122

وذكرها الشيخ أبو إسحاق الشِّيرازي في "طبقاته" (١) في جملة فقهاء الصحابة. ولما ذكر ابن حزم (٢) أسماء الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزيد (٣) كثرة ما نقل عنهم، قدَّم عائشة على سائر الصحابة. وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي (٤) في كتاب "إيضاح ما لا يسع المحدث جهله" (٥): اشتمل كتابُ البخاري ومسلم على ألف حديث ومائتي حديث من الأحكام، فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفًا وتسعين (٦) حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير (٧).

стр. 123

قال الحاكم أبو عبد الله: فَحُمِلَ عنها ربعُ الشريعة. قال أبو حفص (١): وروينا بسندنا عن بقي بن مخلد ﵁: أن عائشة روت ألفين ومائتي حديث وعشرة أحاديث (٢)، والذين رووا الأُلوف عن رسول الله ﷺ أربعة: أبو هريرة وعبد الله بن عمر (٣) وأنس بن مالك وعائشة ﵃ (٤). السادسة والعشرون: لم ينكحِ النبي ﷺ امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف، سواها. السابعة والعشرون: أن أباها وجدها صحابيان، وشاركها في ذلك جماعةٌ قليلون. قال موسى بن عُقبة: لا نعرف أربعةً أدركوا النبيَّ ﷺ هم وأبناؤهم إلا هؤلاء الأربعة، فذكر أبا بكر الصديق وأباه وابنه عبد الرحمن وابنه محمدًا أبا عتيق. حكاه عنه ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من "علومه" (٥)، وكذا صاحبُ "مسند الفردوس" وقال: ولا نعلمُ من العشرة أحدًا أسلم أبوه على يدي رسول الله ﷺ إلا أبا بكر. قلت: وقد أفرد ابن منده (٦) جزءًا فيمن روى عن النبي ﷺ هو وولده وولد ولده

стр. 124

واشتركوا في رؤيته وصحبته والسماع منه، وبدأ بوالد الصديق أبي قُحافة، وروى له حديثًا، ثم بالصديق، ثم بولده عبد الرحمن. ومنهم حارثة بن شراحيل وابنُه زيد بن حارثة وابنُه أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ . وروى أبو القاسم البغوي (١) في "معجمه" من جهة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا بلغ المرءُ المسلمُ أربعين سنةً صرف الله عنه ثلاثة أنواعٍ من البلاء: الجنون والجُذام والبَرَص (٢) .. الحديث" ثم قال: لا أعلم لعبد الله بن أبي بكر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وفي إسناده ضعف وإرسال. وقال الدارقطني: حدثنا عبد الله بن أبي بكر فأسند عنه حديثًا في إسناده نظر. يرويه عثمان بن الهيثم المؤذن عن رجال ضعفاء (٣). قال المنذري (٤):

стр. 125

وقد وقع لنا من حديث عبد الله بن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ حديثان آخران غير هذا الحديث، أحدهما: أن رسول الله ﷺ فرّق بين جارية بكر وزوجها، زوَّجَها أبوها وهي كارهة (١) .. الحديث" الثاني: أن النبي ﷺ قال: "لا يُجْلَدُ فوق عشرة أسواط إلا في حدِّ من حدود الله" (٢). وهذان الحديثان يرويهما عنه المهاجر بن عكرمة المخزومي. وعندي في سماع المهاجر هذا من عبد الله بن أبي بكر نظر، فإن عبد الله قديمُ الوفاة، فإنه توفي في شوال سنة إحدى عشرة من الهجرة وهي السنة التي توفي فيها رسول الله ﷺ ، وقيل: سنة اثنتي عشرة، والأولى أشهر. وكان وفاتُه بالمدينة ونزل حفرَته عُمَرُ بن الخطاب، وطلحةُ بنُ عبيد الله، وعبدُ الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃. الثامنة والعشرون: كان أبوها أحبَّ الرجال إليه وأعزَّهم عليه.

стр. 126

التاسعة والعشرون: أن أباها أفضلُ الناس بعد رسول الله ﷺ . وقد سئل عن ذلك مالك فقال: وهل في ذلك شك؟ وقد صح عن علي بن أبي طالب ذلك أيضًا. أخرجه أبو ذر (١) في كتاب "السنة" له. وأخرج البخاري في صحيحه (٢) عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أيُّ الناسِ خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر، وخشيتُ أن يقول: عثمان؛ قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين. وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان، وذهب قوم إلى تساويهما في الفضل (٣)، وحُكي عن مالك ويحيى بن سعيد القطان. وأما ما ذكره ابن عبد البر في كتاب "الصحابة" (٤): أن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي، فقد غُلِّطَ في ذلك ووهِّم، لا سيما وثبت بأن من كان يعتقد ذلك من السلف أبو سعيد الخدري وهذا بعيد. وقد أخرج البخاري في "صحيحه" (٥) عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نخيِّر بين الناس الناس في زمان رسول الله ﷺ فنُخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نُفاضِلُ بينهم. وقد

стр. 127

أنكر ابن عبد البر (١) صحة هذا الخبر وقال: إنه غلط لِوجهين أحدهما: أنه حكى عن هارون بن إسحاق قال: سمعت يحيى بن معين يقول: من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقتَه وفضلَه، فهو صاحبُ سنة، ومن قال أبو بكر وعمر وعلي وعثمان وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سنة. فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ. وهذا عجيبٌ، لأن ابن معين إنما أنكر على رأي قوم لا على نقلهم. وهؤلاء القوم العثمانية، المُغلون في عثمان وذم علي. ومن قال ذلك واقتصر على عثمان، فلا شك أنه مذموم. وليس في الخبر ما يدل على أن عليًا ليس بخير الناس بعدهم. الثاني: أنه خلافُ قولِ أهل السنة: إن عليًا أفضلُ الناس بعد عثمان. هذا لا خلاف فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل علي وعثمان؛ قال: واختلف السلف أيضًا في تفضيل علي وأبي بكر. وفي إجماع الجماعة التي ذكرنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط اهـ (٢). وهذا أعجبُ من الأول، فإن الحديث صحيح أورده الأئمة: البخاري فَمَنْ دونَه في كتبهم الصحاح، والحامل له على ذلك اعتقاده أن حديث ابن عمر يقتضي أن عليًا ليس بأفضل الناس بعد عثمان، وليس كذلك بل هو مسكوت عنه. الثلاثون: كان لها يومان وليلتان في القَسم دونهنَّ لما وَهبَتْها سَودة يومها وليلتها (٣).

стр. 128

الحادية والثلاثون: أنها كانت تغضب فيترَضّاها ولم يثبت ذلك لغيرها. الثانية والثلاثون: لم يَرْوِ عن النبي ﷺ امرأةٌ أكثر منها. ونقل الماوردي في الأقضية من "الحاوي" (١) عن أبي حنيفة: أنه لا يقبل (٢) من أحاديث النساء إلا ما ورته عائشة وأُم سلمة. وهو غريب. الثالثة والثلاثون: كان يتتبعُ (٣) رضاها كلعبها باللعب، ووقوفه في وجهها لِتنظرَ إلى الحبشة يلعبون، واستنبط العلماءُ ذلك أحكامًا كثيرة. فما أعظم بركتها (٤). الرابعة والثلاثون: أنها أفضلُ امرأة مات عنها رسول الله ﷺ بلا خلاف، واختلفوا في التفضيل بينها وبين خديجة على وجهين: حكاهما المتولي (٥) في "التتمة". وقال الآمدي (٦) في "أبكار الأفكار" (٧): مذهب

стр. 129

أهل السنة أن عائشة أفضلُ نساء العالمين. وقالت الشيعة: "أفضل زوجاته خديجة وأفضل نساء العالمين فاطمة ومريم ومريم وآسية" اهـ. ومنهم من توقف في ذلك وهو ما مال إليه إلكيا (١) الطبري في تعليقه في الأصول. واحتج مَن فضَّل خديجة بأنها أولُ الناس إسلامًا، كما نقل الثعلبي (٢) الإجماع عليه، وبأن لها تأثيرًا في أوَّل الإسلام وكانت تُسلِّي رسول الله ﷺ وتبذُلُ دونه مالها، فأدركَتْ غُرة الإسلام، واحتَمَلَت الأذى في الله ورسوله، وكانت نصرتُها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من ذلك ما ليس لغيرها. قال أبو بكر بن داود (٣): ولأن عائشة أقرأها

стр. 130

رسولُ الله ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريلُ السلام من ربّها على لسان محمد، فهي أفضل. واحتجَّ مَن فضل عائشة بأن تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقُّه في الدين، وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدَّت إليهم من العلم ما ليس لغيرها. قال السُّهيلي: وأصحُ ما رُوي في فضلها على النساء حديثُ: "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" يعني كما أخرجه الشيخان من حديث أنس (١) قال: وأراد بالثريد اللحم. كذلك رواه مَعْمر في "جامعه" (٢) مفسرًا عن قتادة - وأبان يرفعه - فقال فيه: "كفضل الثريد باللحم" ووجه التفضيل من هذا الحديث أنه قال في حديث آخر: "سيد أُدُم الدنيا والآخرة اللحم" (٣) أن الثريد إذا أُطلق لفظه، فهو ثريدُ اللحم، أنشد سيبويه (٤): إذا ما الخبزُ تأدِمُه بِلَحْمٍ … فذاك أمانة اللهِ الثَّريدُ (٥)

стр. 131

قال: ولولا قولُه في خديجة: "والله ما أبدلني الله خيرًا منها" (١) لقلنا بتفضيلها على خديجة وعلى نساء العالمين. اهـ. وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن ماجه في "سننه" (٢): حدثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقي حدثنا يحيى بن صالح (٣)، حدثني سليمان بن عطاء الجزري، حدثني مسلمة الجهني، عن عمه أبي مشجعة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم" وقال ابن الجوزي في "مشكله": "العرب" تُفضِّلُ الثريد، لأنه أسهلُ في تناوله، ولأنه يأخذ جوهر المرَق" (٤) فلم يقف على هذا المعنى الحسن. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في طبقاته (٥): "روينا عن الإمام أبي الطيب سهل الصُّعلوكي (٦) أنه قال في قول النبي ﷺ : "فضل عائشة

стр. 132

على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" أراد فضل ثريد عمرو العُلى الذي عظم نفعه وقدره، وعم خيره وبره، وبقي له ولعقبه ذكر حتى قال فيه القائل: عمرو العُلى هَشَمَ الثّريد لقومه … ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ (١) ثم قال ابن الصلاح: "أبعد سهلٌ في تأويل الحديث والذي أراه: أن معناه ثريد كل طعام على باقي ذلك الطعام. وسائر بمعنى باقي .. وهو كذلك، فإن خير اللحم قد حصل فيه، فهو أفضل منه" (٢) اهـ. وسئل ابن الحاجب (٣) في "أماليه" عن قوله ﷺ : "كَمُلَ مِن الرجالِ كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِن النساء إلا مريمُ ابنةُ عِمران وآسيةُ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٤) هل الألف واللام لاستغراق الجنس أو لا؟ فأجاب: "بأن النساء في الأول لمن عدا عائشة.

стр. 133

وفي الثاني لمن عدا وآسية" فلا دلالة فيها على تفضيل أحد القبيلين على الآخر، كقولك زيدٌ أفضلُ القوم، وعمرو أفضلُ القوم: فيه دليل على أنهما أفضلُ القوم ولا تفضيل لمجرد ذلك لأحدهما على الآخر. فائدة: وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي (١) أحدُ أئمة أصحابنا في كتاب "الأصول الخمسة عشر" (٢) كلامًا في فضل عائشة وفاطمة، قال: "فكان شيخنا أبو سهل محمد بن سليمان الصُّعلوكي (٣) وابنه سهل يُفضلانِ فاطمة على عائشة، وبه قال الشافعي، وللحسين بن الفضل (٤) رسالة في ذلك" اهـ. وهذا مما لا شك فيه وقد قال (٥) ﷺ : "فاطمة بضعة مني" (٦) ولا نعدِلُ بِبُضعةٍ من رسول الله ﷺ أحدًا - كما قاله ابن داود.

стр. 134

فائدة: أما زوجاته ﷺ فهن أفضل النساء لقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] قالوا: "ويجب الوقف هنا ثم يبتدأ بالشرط وهو قوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الأحزاب: ٣٢] وجوابه: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٢] دون ما قبله. بل حكم الله بتفضيلهن على النساء مطلقًا من غير شرط وهو أبلغ في مدحهن، وجواب الشرط ما بعده. فإن قيل فقد روي: "كل مع صاحبه في الدرجة" فإذا كانت عائشة مع النبي ﷺ في درجته، وفاطمة مع علي في درجته، فتفاوت ما بينهما كتفاوت ما بين الدرجتين. قيل: قال الإمام (١) في "الشامل" هذا لا يترى (٢) لأنه معلوم أن عائشة لا تكونُ في درجتها كدرجة النبوة، فإن قلت: هي في منازل الأتباع، قلت: لهذا لا يعطي فضيلة متأصلة ولو كانت الفضيلة بهذا القدر لكان يتعدى هذا إلى كل من خدم رسول الله ﷺ وتبعه، وليس الأمر كذلك (٣). الخامسة والثلاثون: أن عمر فضلها في العطاء عليهن، كما أخرجه

стр. 135

الحاكم في "مستدركه" (١) من جهة مصعب بن سعد (٢) قال: "فرض عُمَرُ لأُمهاتِ المؤمنين عشرة آلاف وزاد عائشة ألفين، وقال: "إنها حبيبةُ رسول الله ﷺ " ثم أخرج عن مُصعب بن سعدٍ (٣) عن سعد نحوه. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لإرسال مطرف بن طريف (٤). السادسة والثلاثون فضل عبادتها: قال القاسم: "كانت عائشة تصوم الدهر" (٥).

стр. 136

وقال عُروة: "بعث معاويةُ مرةً إلى عائشة بمائة ألف درهم فقسمتها لم تَتْرُكْ منها شيئًا، فقالت بريرةُ: "أنتِ صائمةٌ، فهلا ابتعت لنا منها بدرهم لحمًا؟ " قالت: "لو ذكرتني لفعلتُ" رواه الحاكم (١). وعنه أيضًا قال: "رأيت (٢) عائشة تصدقت بسبعينَ ألفَ درهم، وإنها لترقع جانبَ درعها" (٣). وقد اشتمل هذا على ثلاثِ فضائل: فضلِ عبادتها وجودها وزهدِها. السابعة والثلاثون: شدةُ ورعها: في صحيح مسلم (٤): أن شريحًا لما سألها عن المسح على الخفين، فقالت: "إيتِ عليًا، فإنه أعلمُ بذلك مني". وذكر أهلُ المغازي منهم سعيد بن يحيى بن سعيد الأُموي (٥): أن عائشة ﵂ لما دُفِنَ عمرُ بن الخطاب في حُجرتها صارت تحتجبُ من القبر فرضي الله عنها. وأسند الحاكم في "مستدركه" (٦) من جهة (٧) هشام عن أبيه، عن عائشة قالت: "كنت أدخلُ البيتَ الذي دُفِنَ مَعَهُما عمر، والله ما دخلتُ

стр. 137

إلا وأنا مشدودٌ عليَّ ثيابي حياءً مِن عمر" وقال [صحيح] على شرط الشيخين ولم يُخرجاه. قال شيخنا الحافظ عمادُ الدين بن كثير: ووجه هذا ما قاله شيخنا الإمام أبو حجاج المِزي: "أن الشهداءَ كالأحياءِ في قبورهم وهؤلاء (١) أرفعُ درجةً منهم" (٢). قال شيخنا: وأيضًا فإن حجابَهن كثيفٌ غليظ ﵅. فإن قيل: فقد روى الترمذي (٣) عنها ﵂ قالت: "قلتُ للنبي ﷺ حسبُك من صفيةَ كذا وكذا" قال بعض الرواة يعني قصيرة فقال لها النبي ﷺ : "لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَتْ بِماء البحرِ لمزجته" قال الترمذي حسن صحيح أي خلطته مخالطة (٤) يتغير بها طعمُه أو ريحُه لشدة نتنها. فالجواب إنما صدر هذا القول عن عائشةَ مَعَ وفورِ فضلها، وكمالِ عقلها، لفرط الغيرة الغريزية التي جُبِلَتْ عليها القلوبُ البشرية. وقد حكى القاضي عياض في "الإكمال" عن مالك وغيره: أن المرأة إذا رَمَتْ

стр. 138

زوجَها بالفاحشة على جهة الغَيرة لا يجب عليها الحدُّ. قال: واحتج لذلك بقوله ﷺ : "وما تدري الغيراءُ أعلى الوادي من أسفله" (١). وقد روى البخاري (٢) في مناقب عمر أنه أرسل في مرض موته ابنه عبد الله إلى عائشة: "أن عمر يُقرئك السلامَ، ويستأذنك أن يُدفن مع صاحبيه" فقالت عائشة: "لقد كنتُ أردتُه لنفسي ولأوثرنَّه اليومَ على نفسي". وقد استشكل ذلك بأن الإيثار بالقبر من خلاف (٣) شِيَم الصالحين كمن يؤثر بالصف الأول لغيره (٤) ويتأخر هو. وأجاب بعضُهم بأن الميت

стр. 139

ينقطع عمله بموته فلا يتصور في حقه (١) الإيثارُ بالقرب (٢) بعد الموت (٣) إذ لا تقرب في حق الميت وإنما هو إيثار بمسكن شريف وكأنها فهمت قرينة الحال أن الموضع له للحديث المشهور الذي رواه الطبراني في معجمه الكبير (٤) أنها رأت أن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها فلما مات النبي ﷺ قال لها الصدّيق: هذا أحد أقماري وهو خيرها". الثامنة والثلاثون: أنها سمعته يقولُ في يومٍ من الأيام فقدها: "واعَروساه" (٥) فجمعها الله عليه. ذكر ابن شاهين (٦) في كتاب "السنة".

стр. 140

ووجعت يومًا فقالت: "وارأساه" فقال النبي ﷺ : "بل أنا وارأساه" (١) ففيه إشارة للغاية في الموافقة، حتى تألَّمَ بألمها، فكأنه أخبرها بصدقِ محبتها حتى واساها في الألم ومنهم مَن حمله (٢) على الأمر بالصبر أي (٣): بي من الوجع مثلُ ما بكِ فتأسِّيْ بي في الصبر وعدم الشكوى. والظاهرُ الأول. وروى الإمام أحمد في مسنده (٤) حدثني عبد الله حدثنى أبي عن وكيع عن إسماعيلَ عن مصعب بن إسحاق بن طلحة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنه ليهوِّن عليَّ أني (٥) رأيتُ بياضَ كف عائشة في

стр. 141

الجنة" وأخرج (١) الطبراني (٢) في معجمه من جهة أبي حنيفة الإمام حدثنا حماد (٣) عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "يهوِّن (٤) علي منيَّتي (٥) أنْ أرِيتُ (٦) عائشة زوجتي في الجنة". التاسعة والثلاثون: تسابقُ النبيِّ ﷺ معها. رواه أبو داود (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) وصححه ابن حبان (١٠) وفيه فائدة جليلة وهي جوازُ السبقِ

стр. 142

من النساء خلافًا، لما قاله الصيمري (١) في الإيضاح (٢): "إنه لا يجوز السبق والرمي مِن النساء، لأنهن لَسْنَ مِن أهل الحرب". وقد نقله الرافعي وابنُ الرفعة (٣) عنه وأقرَّاه، وهو مُشْكِلٌ بما ذكرنا إلا أن يخصص المنعُ بمسابقة المرأة المرأة (٤). الأربعون: أن الله تعالى اختارها لِرسوله؛ قال أبو الفرج بنُ الجوزي في كتاب "فتوح الفتوح": "افتخرت زينبُ على نساءِ النبيِّ فقالت: كلكنَّ زوَّجَها أبوها وأنا زوَّجني رَبِّي" (٥) تشيرُ إلى قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وأنا أتوب (٦) فقال: "يا زينبُ لقد صَدَقْتِ، ولقد شاركتكِ عائشةُ في أن الله تعالى بعث صورتَها في سرَقةٍ من حريرٍ مع جبريل، فَجلَّاها فقال: "هذه زوجتُك" - فهذا تزويجٌ مطوي في سرِّ القدر ظهرَ أثرُه يومَ عُقِدَ العقدُ غير أن عائشةَ كانت مِن اختيار الله لرسوله - وكنت يا زينبُ مِن اختيار الرسولِ لنفسه".

стр. 143

رجوع الصدِّيق ﵁ (١) إلى رأيها روى (٢) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (٣)، عن هشام، عن أبيه عن عائشةَ قالت: "دخلتُ على أبي بكر، فقال: "في كَمْ كفَّنتم النبيَّ ﷺ ؟ " قالت: "في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليةٍ (٤) ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة". وقال لها: "في أيِّ يوم تُوفِّي رسولُ الله ﷺ "؟ قالت: "يومُ الاثنين" قال: فأيُّ يوم هذا؟ " قالت: "يومُ الإثنين" قال: "أرجو فيما بيني وبينَ الليل" فنظر (٥) إلى ثوبٍ عليه كان يُمرض فيه، به رَدْعٌ (٦) من زعفران، فقال: "اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني بها" (٧) قلت: "إن هذا خَلَقٌ" قال: "إن الحيَّ أَحقُّ بالجديدِ مِن الميتِ، إنما هو لِلمُهْلةِ" فلم يَتَوفَّ حتى أمسى (٨)

стр. 144

ليلة (١) الثلاثاء ودُفِنَ قبلَ أن يُصْبِحَ". ورواه عبدُ الرزاق (٢). قال، وقوله: (إنما هُوَ للمهلة): مَنْ كَسَرَ الميمَ، فإنه أراد الصديدَ، ومن ضمَّها شبهه بعَكَرِ الزيتِ وهو المُهْلُ. والرواية بكسر الميم. وقال ابن السيِّد (٣) في "المقتبس": قوله: إنما هو للمُهلة كذا رواه يحيى؛ والمعروف المَهلة أو المِهلة يعني بالفتح أو بالكسر، فإذا حذفت تاءُ التأنيث قلت: المُهل لا غير. ورواه أبو عُبيد (٤): إنما هو للمُهل وقال: المهل في هذا الحديث الصديدُ والقيح، وهو في غيره كُلُّ شيء أُذيب مِن جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنُّحاسِ، والمهل: عَكَرُ الزيت (٥) قال: وأكثرُ رواة الموطَّأ على الكسر. وقال الزمخشري في الفائق (٦): روي للمُهلة وللمَهلة والمِهلة بالكسر (٧)، ثلاثتُها: الصديدُ والقيح الذي يذوب ويسيل من الجسد، ومنه قيل للنحاس الذائب: المهل (٨). قال البيهقي في "شعب الإيمان" (٩) وقد روى حديثَ أبي قتادة "مَنْ وَلِي

стр. 145

أخاه فليُحْسِنْ كفنَه فإنهم يتزاورون فيها": هذا إن صحَّ لم يُخالف قولَ الصِّديق ﵁، إنما هو للمهل يعني الصديد، لأنه كذلك رؤيتنا (١) ويكون ما شاءَ اللهُ في علم الله، كما في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ونحن نراهم (٢) يتشحَّطُونَ في الدماء، وهُم في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أخبر عنهم لارتفع الإيمانُ بالغيب. وقد روى الصِّديق ﵁ (٣) عنها أحاديث.
следующие страницы →