← Фикх общий

Фикх общий · id 1364

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ط الرسالة

بدر الدين الزركشي

Полный текст (288 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال: حديث حسن. ويعارضه ما (١) في "الصحيحين" (٢) عن عروة: قالت عائشة: "ابن أختي (٣) ما ترك النَّبِيّ ﷺ السجدتين بعد العصر عندي قطُّ (٤) ". الحديث الخامس: أخرج أبو داود (٥) وابن ماجه (٦) في سننهما من طريق يزيدَ بن أبي زياد، عن مِقسم. عن ابن عباس قال: "كُفِّن رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أَثوابٍ نَجْرانِيَّة الحُلةُ ثوبانِ وقميصُه الذي مات فيه". قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: "يزيد فيه لين، ومِقسم صدوق ضعَّفه ابن حزم" (٧). وكذلك أعله المنذري (٨) بيزيد قال: وقد

стр. 177

أخرج له مسلم في المتابعات، وقال غير واحد من الأئمة: إنه لا يحتج بحديثه. قلت: وقد خالفه ابن أبي ليلى، فأخرج البيهقي في "سننه" (١) من جهة قبيصة: حَدَّثَنَا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم. عن ابن عباس: "كُفِّنَ رسولُ الله ﷺ في ثوبين أبيضين وبُردِ حِبرة". قال البيهقي: "كذا رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى". قال الذهبي: "وليس بقوي". وقد روت عائشة ﵂ أن رسولَ الله ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيَّة ليسَ فِيها قميصٌ ولا عِمامة" أخرجه الأئمة الستة في كتبهم (٢). قال البيهقي (٣) وقد بَيَّنَتْ عائشةُ ﵂ أن الاشتباه في ذلك على غيرها: فأخرج مسلم (٤) مِن جهة هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كُفِّنَ رسولُ الله ﷺ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحولية من كرسُفٍ ليس فيها قميصٌ ولا

стр. 178

عمامة، فأما الحُلَّة فإنما شُبِّه على الناس فيها أنها اشتريت له حلة (١) ليفكَّنَ فيها فتركت الحُلَّة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (٢) فأخذها عبدُ الله بن أبي بكر فقال: "لأحبسنّها لنفسي حتَّى أُكفَّنَ فيها" ثم قال: "لو رضيها الله لنبيه، لكفنه فيها" فباعها وتصدق بثمنها. وفي رواية: "أُدْرجَ رسول الله ﷺ في حُلَّةٍ يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثُمَّ نُزِعَتْ عنه، وكفن في ثلاثة أثواب سحول يمانية" (٣). وأخرج مسلم (٤) أيضًا عن هشام عن أبيه قال: فقيل لعائشة: "إنهم يزعمون أنه قد كان ﵇ كُفِّنَ في بُرْدِ حِبَرَة" قالت: قد جاؤوا ببُرد حِبَرَة ولم يكفنوه". وأخرجه البيهقي (٥) عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي: حدثني الزهري، عن القاسم عن عائشة قالت: "أُدْرجَ رسولُ الله ﷺ في بُرْدِ حِبَرَة، ثمَّ أَخّرَ (٦)

стр. 179

عنه" قال القاسم: "إن بقايا ذلك الثوب عندنا بعد" قال البيهقي: هذا الثوبُ الثالثُ، وأما الحُلَّة، فتصدَّقَ بثمنها عبدُ الله وهي ثوبان (١). اهـ. الحديث السادس: إنكارها عليه الرُّؤية: أخرج الترمذي (٢) في التفسير مِن جهة سَلم بن جعفر هو البَكراوي (٣) عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: قال ابن عَبَّاس: "رأى مُحمَّدٌ ربَّه" فقلت: "أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقال: "ويحك، ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى محمد (٤) ربه مرتين". وقال: حسن غريب. وقال شيخنا عماد الدين بن كثير: "سلم (٥) بن جعفر ليس بذاك المشهور، والحكم بن أبان وثَّقه جماعة" وقال ابن المبارك: "ارم به" اهـ.

стр. 180

قلت: وأخرج الحاكم في "مستدركه" (١) من جهة معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة. عن ابن عباس قال: "تعجبون أن تكونَ الخُلَّةُ لإبراهيم (٢)، والكلامُ لموسى (٣) والرُّؤيةُ لمحمد ﷺ ؟ ". ثم قال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وله شاهد صحيح عن ابن عباس في الرُّؤْية. ثم ساقه من جهة إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن الشعبي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: "رأى محمد ربه" (٤). وله شاهد آخر صحيح الإسناد ثم ساقه عن يزيد بن هارون: أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: "قد رأى محمد ﷺ ربه" وعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: "رآه مرتين" (٥) ثم قال الحاكم: قد اعتمد

стр. 181

الشيخان في هذا الباب أخبار عائشةَ بنتِ الصديق وأُبَي بن كعب، وابن مسعود وأبي ذر: "أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇" وهذه الأخبار التي ذكرتها صحيحة. اهـ (١). وقد أخرج البخاري (٢) من حديث القاسم عن عائشة قالت: "من زعم أن محمدًا رأى به، فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادًا ما بين الأُفق". وفي الصحيحين (٣) من حديث مسروق قلت لعائشة: "يا أمتاه هل رأى محمدٌ ربَّه؟ " فقالت: "لقد قَفَّ شعري مما قلتَ (٤)، مَنْ حدثك أن محمدًا ﷺ رأى ربه، فقد كذب ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ولكنه رأى جبريلَ ﵇ في صورته مرتين". وفي رواية (٥): "مَنْ زعم أن محمدًا رأى ربَّه، فقد أعظم على الله الفِرْية" فقلت: "يا أُم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غيرَ هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظمُ خَلْقِهِ ما بينَ السماء إلى الأرض" وقالت "أوَلم تسمع أن الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ

стр. 182

اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ أولم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (١) [الشورى: ٥١]. قلت: وهذا قاطع في هذه المسألة إذ صرحت فيه بالرفع (٢). ونُقِلَ عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب "التوحيد" (٣) له: "إنه ﷺ إنما خاطبَ عائشة على قدرِ عقلها" (٤) ثم أخذ يُحاوِلُ تخطئتها، وليس كما قال، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ منهم ابن مسعود، رواه محمد بن جرير الطَّبري في تفسيره (٥): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، حَدَّثَنَا سليمان الشيباني، حَدَّثَنَا زِر بن حُبيش قال: "قال عبدُ الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ جبريل له ستمائة جناح" وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦). وفي

стр. 183

كتاب "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (١): قال أَبُو مسعود (٢) في "الأطراف" في حديث عبد الواحد ﴿وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزَلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيتُ جبريل في صورته له سِتُّمائة جناح" (٣) قال الحميدي: وليس ذلك فيما (٤) رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني (٥) فيما خرَّجه على الكتابين. ومنهم أبو ذر؛ قال الإمام أحمد في "مسنده" (٦): حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا همام (٧) عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: "لو رأيتُ رسول الله ﷺ لسألته " قال: "وما كنت تسألُه؟ " قلت (٨): "كنت أسأله: هل رأى ربَّه ؟ " فقال: إني قد سألته (٩) فقال: "قد رأيته نورًا أنَّى أراه" وأخرجه

стр. 184

ابن حبان في صحيحه (١) بلفظ "رأيتُ نورًا" ثم قال: معناه أنه لم ير رَبَّه، ولكن رأى نورًا علويًا مِن الأنوار المخلوقة". اهـ. هكذا وقع في رواية الإمام أحمد (٢) وقد أخرجه مسلم (٣) من طريقين بلفظين: أحدهما قال: "نورٌ (٤) أنى أراه" والثاني قال: "رأيت نورًا". وهو مصرح بنفي الرؤيةِ، إذ لو أراد الإثباتَ لقال: "نعم" أو "رأيته" ونحو ذلك وهو يردُّ قولَ ابن خزيمة: "إن الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها " ولهذا لم يجد ابن خزيمة (٥) عنه ملجأً إلا أنه كاد (٦) انقطاعه يدعي بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر فقال: "في القلب من صحة مسند (٧) هذا الخبر شيء" لم أر أحدًا من علماء الأثر نظر (٨) لعلة في إسناده قال: فإن (٩) عبد الله ابن شقيق راوي هذا (١٠) الحديث كأنه لم يكن يثبت أبا ذر ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه، قال: لأن أبا

стр. 185

موسى محمد بن المثنى حَدَّثَنَا عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق. قال: "أتيتُ المدينةَ فإذا رجل قائم على غرائرَ سود يقول: ألا ليُبَشَّرْ أصحابُ الكنوزِ بِكَيٍّ في الجِباهِ والجنوبِ (١) فقالوا: هذا أبو ذر" فكأنَّه لا يُثبته ولا يَعْلَمُ أنه أبو ذر (٢). وقال بعضُ العلماء في هذا الحديث: قد أجمعنا على أنه ليسَ بنورٍ، وخَطَّأنا المجوسَ في قولهم: هو نور، والأنوار أجسامٌ والباري سبحانه ليس بجسم، والمراد بهذا الحديث أن حِجابهُ النورُ، وكذلك روي في حديث أبي موسى (٣)، فالمعنى: كيف أراه وحجابُه النورُ؟ ومن أثبت رؤية النَّبِيِّ ﷺ ربه،

стр. 186

فإنما يثبت ليلة المعراج، وأسلم أبو ذر بمكة قديمًا (١) قبلَ المعراجَ، ثم رَجَعَ إلى بلادِ قومه، فأقام بها حتَّى مضت بدر وأُحُد والخندقُ ثم قَدِمَ المدينة بعدَ ذلك، فيحتمل أنه سأل النَّبِيّ ﷺ وقتَ إسلامه: "هل رأيتَ ربَّك؟ " وما كان عُرِجَ به بعدُ فقال: "نُورٌ، أنَّى أراهُ؟ " (٢). أي النور يمنعُ مِن رؤيته. وقد قال بعد المعراج في رواية ابن عباس: "رأيت ربي" (٣) اه. وهذا ضعيف، فإن عائشةَ أُمّ المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراءِ ولم يثبت لها الرؤْية. وأما قولُ الإمام أحمد: "ما زلت منكرًا لهذا الحديث وما أدري ما وَجْهُهُ" فقال بعضُ الأئمة: لا نعرف معنى هذا الإنكار وقد صحَّ ذلك عن أبي ذر وغيره. وللكلام على هذا (٤) الحديث موضعٌ آخر قد بسطتُه فيه، ورددتُ ما حرَّفه بعض النقَلَة في لفظه، والله أعلم. الحديث السابع: إحالتُه معرفةَ الوترِ عليها، أخرجه مسلم (٥) في "صحيحه" عن قتادة، عن زُرارة بن أبي أوفى. عن سعد بن هشام: أنه طلَّقَ امرأتَه، فأتى المدينةَ ليبيع بها عَقارًا له، فيجعلَه في السّلاح والكُراع، فذكر الحديثَ وأنه لَقِيَ ابنَ عباس،

стр. 187

فسأَله عن الوِتر، فقال: "ألا أُنبئُك بأعلمِ أهلِ الْأَرْضِ بوترِ رسولِ الله ﷺ "؟ قال: "نعم" قال: "عائشةُ"، إيَّتِهَا فَسَلْها، ثم ارجِعْ إليَّ، فأخبرني بردِّها عليك" قال: فأتيتُ على (١) حكيم بن أفلح، فاستلحقتُه إليها، فقال: "ما أنا بقاربها، إني نهيتُها أن تقولَ في هاتَيْنِ الشِّيعتينِ شيئًا، فأبَتْ فيهما إلا مُضِيًّا فيه" فأَقسمتُ عليه، فجاءَ معي، فدَخَلَ عليها"، فقال: "يا أُمَّ المؤمنين أنبئيني عن وترِ رسولِ الله ﷺ فقالت: "كنا نُعِدُّ له سواكَه وطَهورَه، فيبعثه الله بما شاءَ أن يبعَثه من الليل فيتسوّك ويتوضأُ، ثم يُصلي ثماني (٢) ركعاتٍ لا يَجْلِسُ فيهنَّ إلا عند الثامنة فيجلسُ ويذكرُ الله ويدعو، ثم ينهض، ولا يُسلم، ثم يُصلي التاسعة فيَقْعُدُ، فيحمدُ الله، ويدعوه (٣) ثم يُسَلِّمُ تسليمًا يُسْمِعُنا، ثم يُصلي ركعتين وهو قاعدٌ، فتلك إحدى عشرة ركعةً يا بني، فلما أسنَّ وأَخَذَهُ (٤) اللحمُ، أوتر بسبعٍ، وصلَّى ركعتين وهو جَالِسٌ بعدما سلّم، فتلك تسعُ ركعاتٍ يا بني" وفي رواية له "يُسلم (٥) تسليمًا يُسْمِعُنا".

стр. 188

وقد اختلفت الأحاديث ولا سيما الأحاديثُ عن عائشة ﵂ في عددِ الوتر. وفي صحيح مسلم (١) عنها: "كان رسولُ الله ﷺ يصلي من (٢) الليل ثلاثَ عشرة يوتر من ذلك بخمس. وروى أبو داود (٣): "لم يكن يُوتر بأكثرَ من ثلاث عشرة. فقيل: الاختلافُ منها، وقيل: هو مِن الرواة عنها، ووجه الاختلافِ فيها بحسب اختلافِ أحواله ﷺ مِن اتساع الوقتِ أو ضيقهِ وبحسب طولِ القراءة كما جاء في حديث حذيفة (٤) وابنِ مسعود (٥). أو عذره بمرضٍ أو غيره، أو في

стр. 189

بعض الأوقات عندَ كِبَرِ السن، كما روته (١) ورواه أيضًا خالدُ بن زيد، أو وجه الثلاثَ عشرة أنها عدَّتْ معها ركعتي الفجرِ كما بين أبو داوود (٢) ذلك في روايةٍ له عنها. الحديث الثامن: رَدَّتْ على ابن عباس قراءَته في (٣) قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] بالتخفيف. فأخرج البخاري (٤) في التفسير عن ابن أبي مُليكة قال (٥) ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] خفيفةً ذهب بها هنالك (٦)

стр. 190

وتلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فلقيتُ عروة بنَ الزبير فذكرتُ له ذلك، فقال: "قالت عائشة: معاذَ اللهِ، والله ما وعد الله رسوله مِن (١) شيء قَطُّ إلا عَلِمَ أنه كائن قبلَ أن يموت، ولكن لم يَزَلِ البلاءُ بالرسل حتَّى خافوا أن يكونَ مَنْ معهم يُكذبونهم فكانت تقرؤُها ﴿كُذِّبُوا﴾ مثقلةً (٢). استدراكها (٣) على عبد الله بن عمر الحديث الأول: أخرج البخاري (٤) ومسلم (٥)، واللفظُ له، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمن. أنها سمعت عائشة - وذكر لها أن عبدَ الله بنَ عمر يقول: "إن الميتَ لَيعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ" - فقالت عائشة: يَغْفِرُ الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكْذِبْ، ولكنه نَسِيَ أو أخطَأ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبكى عليها، فقال: "إنهم ليبكون عليها، وإنَّها لتُعذَّبُ في قبرها".

стр. 191

ورواه مسلم (١) أيضًا عن هشام بن عُروة عن أبيه نحوه بلفظ: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا، ولم يحفظ، إنما مرَّت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: "أنتُمْ تبكون وإنه لَيُعذَّبُ". واعلم أن تعذيبَ الميت ببكاءِ أهلهِ عليه رواه عن النَّبِيِّ ﷺ جماعة مِن الصحابة، منهم عمر (٢) وابن عمر، وأنكرته عليهما عائشةُ، وحديثُها موافق لِظاهر القرآن وهو قولُه سبحانه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] وموافق للأحاديثِ الأُخر في بكاء النَّبِيِّ ﷺ على جماعة مِن الموتى (٣)، وإقراره على البكاءِ عليهم (٤). وكان ﷺ رحمة للعالمين، فمحالٌ أن يفعل ما يكونُ سببًا لعذابهم، أو يقرّ عليه. وهذا مرجح آخر لِرواية عائشة، وعائشة جزمت بالوهم،

стр. 192

واللائق لنا في هذا المقام التأويلُ، وهو (١) حملُ الأحاديثِ المخالفة لها؛ إما على مَنْ أوصى بذلك، فعليه إثمُ الوصيةِ بذلك لأنَّهُ قد تسبب إلى وجوده، وإما غيرُ ذلك مما ذكره العلماءُ في كتبهم، والذي يُؤكِّدُ قول عائشة في "وَهِم" قولها: "إنه ﵇ قال لرجل مات يهوديًا: "إن الميت ليعذب" (٢) .. بلام العهدِ، فالظاهر أن ابنَ عمر خفيَ عليه موتُ اليهودي فحملها على الاستغراق. ونظيرُ هذا ما رُوي أنه ﷺ رأى تاجرًا يَبْخَسُ الناسَ في البيع. فقال: "التاجرُ فاجر" (٣) يعني ذلك الرجل، فرواه بعضهم على أنه للاستغراق، ذكر هذا فخر الدين الرازي في بعض كتبه الأُصولية (٤)، وجعله مِن أسباب الغلط في الرواية، ولا شكَّ أنه من أسبابه، لكن هذا الحديث ليس من هذا الباب، فإن في

стр. 193

السنن: "التاجر فاجر إلا من برَّ وصدق" (١) وهذا يدلُّ على إرادة الاستغراق لوجود الاستثناء فيه. الحديث الثاني: أخرجا (٢) أيضًا عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: سمعتُ ابن عمر يقول: "لأن أُصبحَ مَطليًا بقَطِرانٍ أحبُّ إلي من أن أُصبح محرمًا أنضخُ طيبًا " قال: فدخلتُ على عائشة، فأخبرتُها بقوله، فقالت: "طيَّبْتُ رسول الله ﷺ ، فطاف على نسائه، ثم أصبح محرمًا". وفي لفظ البخاري (٣): ذكرته لعائشة فقالت: "يرحمُ الله أبا عبد الرحمن، كنت أُطيِّبُ رسولَ الله ﷺ ، فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا ينضحُ طيبًا".

стр. 194

ورواه النسائي (١) بلفظ: سألتُ ابنَ عمر عن الطيب عند الإحرام، فقال: "لأن أُطَّلى بالقَطرانِ أحبُّ إليَّ مِن ذلك" فذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، قد كنتُ أُطيِّبُ رسول الله ﷺ ، فيطوفُ في نسائه، ثم يُصبحُ يَنْضَحُ طيبًا". وفي لفظ لهما (٢): سألت عن (٣) عائشة وذكرتُ لها قولَ ابن عمر: "ما أحب أن أصبحَ محرمًا أنضحُ طيبًا" فقالت عائشة: "أنا طيبتُ رسول الله ﷺ ، ثم طافَ في نسائه، ثم أصبح محرمًا". والنضخ بالخاء المعجمة كاللطخ فيما يبقى له أثر، يقال: نَضَحَ ثوبُه بالطيبِ، والنضح بالمهملة فيما كان رقيقًا مثل الماء (٤). الحديث الثالث: أخرجا (٥) أيضًا عن منصور، عن مجاهد. قال: "دخلتُ أنا وعروةُ بنُ الزبير المسجدَ، فإذا عبدُ الله بنُ عمر جالس إلى حُجرة عائشة، والناس يصلُّون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم، فقال: "بدعة" (٦) فقال له عُروة: "يا أبا

стр. 195

عبد الرحمن [كم] (١) اعتمر رسول الله ﷺ "؟ قال: "أربعُ عُمَر، إحداهُن في رجب" فكرهنا أن نكذِّبَهُ ونردَّ عليه، وسمعنا استنان (٢) عائشة في الحُجرة، فقال عروة: "ألا تسمعينَ يا أُمَّ المؤمنين إلى ما يقول أبو عبدِ الرحمنِ"؛ فقالت: "وما يقول؟ " قال: يقولُ: "اعتمر رسولُ الله ﷺ أربعَ عمر، إحداهن في رجب" فقالت: "يرحمُ الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسولُ الله ﷺ إلا وهو مَعَهُ، وما اعتمر في رجب قطُّ". قال ابن الجوزي في "مشكله" (٣): "سكوتُ ابن عمر لا يخلو مِن حالين: إما أن يكونَ قد شكَّ، فسكت أو أن يكونَ ذكر بعد النسيان، فرجع بسكوته إلى قولها وعائشة قد ضبطت هذا ضبطًا جيدًا، وقال أنس: "اعْتَمَرَ رسولُ الله

стр. 196

ﷺ أربعَ عمر كُلُّها في ذي القعدة" (١) وهذا الحديث يدلُّ على حِفظ عائشة وحُسن فهمها (٢). وقد جاء الإنكارُ عليه منها على وجهٍ آخر، أخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) مِن جِهة مجاهد قال: سئل ابن عُمَرَ: كم اعتمر رسولُ الله ﷺ فقال: "مرتين" فقالت عائشة: "لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجةِ الوداع".

стр. 197

وقد سبق أن البخاري ومسلمًا (١) رويا حديثَ مجاهد عن عائشة (٢)، وهو منها تصريحٌ بأنه سمع منها لا سيما على شرطِ البخاري (٣)، لكن قال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع مجاهد مِن (٤) عائشة، وكان شعبةُ بُن الحجاج يُنكره، وهو قولُ يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي أيضًا (٥). وفي هذا الحديث أمر آخر غير مخالفةِ ما سبق، وهو أن عائشةَ روت الإفرادَ عن النَّبِيِّ ﷺ (٦)، لكن قال الطحاوي في "معاني الآثار" (٧): "هذا لا ينافيه، فيجوز أن تكونَ قد علمت (٨) أنه ﷺ ابتدأ، فأحرم بعمرة لم يقرنها

стр. 198

حينئذ بحجة، فمضى فيها على أن يَحُجَّ في وقت الحجِّ، فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أحرم بحجة منفردة في إحرامه بها، لم يتبدئ معها إحرامًا بعمرة، فصار بذلك قارنًا لها إلى عمرتهِ المتقدمةِ، فقد كان في إحرامه على أشياءَ مختلفة: كان في أوّله متمتعًا، ثم محرمًا بحجة أفردها في إحرامه تلزمه (١) مع العمرة التي كان قَدَّمها، فصار في معنى القارن والمتمتع. وأرادت عائشة بالإفراد خلافًا للذين رووا أنه ﵇ أهلَّ بهما جميعًا". اهـ. الحديث الرابع: وأخرجا (٢) أيضًا من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرةَ يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَبِعَ جنازةً فله قِيراطٌ من الأجر" فقال ابن عمر؛ "أكثر علينا أبو هريرة" فبعث إلى عائشة، فسألها، فَصَدَّقَتْ أبا هريرة، فقال ابن عمر: "لقد فَرَّطْنا في قراريطَ كثيرة". وأخرجه مسلم (٣) أيضًا عن داوود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أنه كان قاعدًا عندَ عبد الله بن عُمر، إذ طلع خبَّابٌ صاحبُ المقصورة، فقال:

стр. 199

يا عبد الله بنَ عُمر، ألا تسمعُ ما يقول أبو هريرة؟ إنه سَمِعَ رسول الله ﷺ يقول: مَنْ خرج مَعَ جَنازَةٍ مِن بيتها وصلَّى عليها، ثم تبعها حتَّى تُدْفَنَ، كان له قِيراطانِ مِن أجر، كُلُّ قيراط مثل أُحُد، ومن صلَّى عليها، ثم رجع، كان له مِن الأجر مثلُ أحد" فأرسل ابن عمر خبَّابًا إلى عائشةَ يسألها عن قولِ أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضةً مِن حصى (١) المسجد يُقلِّبُها في يده، حتَّى رَجَعَ إِليه الرسول، فقال: قالت عائشة: "صدق أبو هريرة" فضرب ابن عُمَرَ بالحصى الذي كان في يده الأرضَ، وقال: "لقد فَرَّطْنا في قراريطَ كثيرةً". الحديث الخامس: أخرج أبو داود في "سننه" (٢) عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بنَ عمر كان يصنعُ ذلك يعني يقطع الخفين لِلمرأة المُحرمة ثم حدثته صفيةُ بنت أبي عُبيد: أن عائشة ﵂ حدثتها "أن رسول الله ﷺ لقد كانَ رخَّص للنساء في الخُفين" فترك ذلك. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣) وقال فيه: قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهريُّ، فزالت عِلَّةُ التدليس. وقال الشافعي (٤): أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه،

стр. 200

أنه كان يُفتي النساءَ إذا أحرمنَ أن يقطعْنَ الخُفين، حتَّى أخبرته صفيةُ عن عائشة (١): "أنها تُفتى النساءَ إذا أحرمن ألّا يقطعن" فانتهى عنه. أخرجه البيهقيُّ في "السنن الكبير" (٢) من طريق الشافعي. وأخرج البيهقي (٣) أيضًا عن أبي النضر حَدَّثَنَا محمد بن راشد، عن عبدة بنَ أبي لُبابة، عن ابن باباه (٤) المكي: أن امرأة (٥) سألت عائشة: "ما تَلْبَسُ المرأةُ في إحرامِها؟ " قالت: "تَلْبَسُ مِن خَزِّها وبزِّها وأصباغها وحُلِيِّها" قال بعضهم: أجمعوا على أن المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجالَ دونَ النساءِ، وأنه لا بأسَ بلباس المخيط والخفاف للنساء. الحديثُ السادس: أخرج الدارقطني في "سننه" (٦): عن علي بن عبد العزيز الورَّاق، عن عاصم بن علي، عن أبي أُويس، حدثني هشامُ بنُ عروة عن أبيه. عن عائشة: أنه بلغها قولُ ابن عمر: "في القُبلة الوضوءُ" فقالت: "كان رسولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وهو صائِمٌ ثم لا يتوضأُ" (٧).

стр. 201

قال الدراقطنيُّ: لا أعلم حدَّث به عن عاصم هكذا غيرُ علي بن عبد العزيز. الحديث السابع: قال الطبراني في "معجمه الوسط" (١): حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سهل، حَدَّثَنَا سعيد بن منصور، حَدَّثَنَا صالحُ بن موسى الطلحي، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة. قال: "بلغ عائشةَ أن ابنَ عمر يقول: "إن موت الفَجأة سخطةٌ على المؤمنين" فقالت: "يَغْفِرُ اللهُ لابن عمر، إنما قال رسولُ الله ﷺ : موت الفجأة تخفيفٌ على المؤمنين وسُخطة على الكافرين". قال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك إلا صالح. قلت: وهو ضعيفٌ عندهم.

стр. 202

الحديثُ الثامن: روى البخاري (١) مِن حديثِ ابن عمر أن رسولَ الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّنَ ابن أُمِّ مكتوم". وأخرج البيهقي في "سننه" (٢) من جهةٍ يعقوبَ بن محمد الزهري: حَدَّثَنَا الدراوردي حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه. عن عائشة قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إن ابنَ أم مكتوم رجلٌ أعمى، فإذا أذَّنَ، فَكُلُوا، واشربوا حتَّى يؤذِّنَ بلالٌ" قالت: وكان بلالٌ يُبصر الفجرَ، وكانت عائشة تقول: "غَلِطَ ابن عمر". قال البيهقي (٣): كذا قال: وحديث عُبيد الله، عن القاسم، عن عائشة أصح. يُشير إلى ما أخرجه البخاري (٤) كذلك عنها موافقًا لِحديث ابن عمر. واعلم أن حديثَ عائشة هذا الذي أخرجه إسناده صحيح وقد رواه أحمد (٥)

стр. 203

في مسنده (١)، وابنُ خزيمة (٢)، وابنُ حبان في صحيحهما (٣)، لكن لم يذكرا في تغليط ابنِ عمر، وحمله ابن حبان وابن خزيمة (٤) على أن الأذانَ كان بينَهما دُولًا: تارةً يُقدم هذا، وتارة يتأخر (٥). وقد روى ابن أبي شيبة (٦) حديثًا يَشهد لذلك، فقال: حَدَّثَنَا عفان (٧) حَدَّثَنَا شعبة عن خُبيبٍ قال: سمعتُ عمتي وكانت قد حجت مع رسولِ الله ﷺ قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقول: "إن ابنَ أُم مكتوم يُنادي بليل، فكُلُوا واشربوا حتَّى ينادي بلال" كذا أو (٨) "إن بلالًا يُنادي بليل، فكلوا واشربوا حتَّى

стр. 204

يُؤذن ابن أُمِّ مكتوم" قالت: "وكان يَصْعَدُ هذا وينزِلُ هذا، قالت: فكنا نتعلَّق (١) به فنقول: كما أنت حتَّى نتسحر وكذا رواه أبو داود (٢) عن شعبة عن شعبة عن خبيب. الحديث التاسع: روى أبو منصور البغدادي بإسناده إلى ابن جريج قال: حَدَّثَنَا ابن أبي مُليكة عن رجلٍ لا يكذبه: أُخْبِرَت عائشةُ ﵂ بقول ابن عمر ﵁: "إن الشهر تسعٌ وعشرون" فأنكرت ذلك عليه وقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن ما هكذا قال رسول الله ﷺ ولكن قال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين". قال الإمام أحمد في "مسنده" (٣): حَدَّثَنَا يحيى، عن محمد بن عمرٍو، قال: حدثني يحيى بن عبد الرحمن. عن ابن عمر عن النَّبِيّ ﷺ : "الشهرُ تسع وعشرون" فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: "يرحمُ الله أبا عبد الرحمن (٤)، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين".

стр. 205

الحديث العاشر: أخرجَ البخاري (١) عن ابن عمر قال: "وقف النَّبِيّ ﷺ على قَلِيب بدر فقال: ﴿هَلْ وَجَدْتُمْ ما وعد ربُّكُمْ حَقًّا"﴾ ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقولُ" فذُكِرَ لعائشةَ، فقالت: "إنما قال النَّبِيُّ ﷺ : "إنهم ليعلمون الآن أن ما كنتُ أقولُ لهم حق".

стр. 206

قال السهيلي في "الروض" (١): "وعائشة لم تَحْضَرْ، وغيرُها ممن حضر أحفظُ للفظه ﷺ وقد قالوا له: يا رسول الله "أتخاطِبُ قومًا قد جيَّفوا أو أُجيفوا"؟ فقال: "ما أنتُمْ بأسمعَ لما أقولُ منهم". وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين، جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤُوسهم إذا قُلنا: إن الروح تُعادُ إلى الجسد، أو إلى بعضه عند المسألة وهو قولُ جمهور أهلِ السنة (٢)، وإما بأُذن القلب أو الروح على مذهب مَنْ يقولُ بتوجهِ السؤال إلى الروحِ من غير رجوعٍ منه إلى الجسد أو إلى بعضه. قال: "وقد رُوِيَ أن عائشة احتجَّت بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي القُبُورٍ﴾ [فاطر: ٢٢] وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠] أي إن الله هو الذي يَهْدِي ويُوَفِّق ويُوصِلُ (٣) الموعظةَ إلى آذان القلوبِ لا أنت، وجعل الكفار أمواتًا وصُمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ (٤)، فلا تَعلُّق لها في الآية لوجهين: أحدهما: أنها إنما نزلت في دُعاء الكفارِ إلى الإيمان، الثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكونَ هو المسمع لهم، وصدقَ الله، فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو (٥).

стр. 207

استدراكها على عبد الله بن عمرو بن العاص الحديث الأول: أخرج مسلمٌ في "صحيحه" (١) عن عُبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة أن ابن عمرو يأمُرُ النساءَ إِذا اغتسلن أن يَنْقُضْنَ رؤُوسَهن، فقال: "يا عَجبًا لابنِ عمر [هذا] (٢) يأمرُ النساءَ إذا اغتسلن أن يَنْقُضْنَ رؤُوسَهن، أفلا يأمُرُهُنَّ أن يحلِقْن رؤوسهن! لقد كنت أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، وما أزيد [على] (٣) أن أُفْرِغَ على رأسي ثلاثَ إفراغاتٍ". ورواه النسائي (٤) وقال: "وما أنقض لي شعرًا" ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٥) أتم من ذلك. وقد تابع عائشة على رواية ذلك أمُّ سلمة، فروى مسلم في "صحيحه" (٦) عن عبد الله بن رافع مولى أُمِّ سلمة عن أم سلمة قالت: قلت: "يا رسولَ الله إني امرأةٌ أشدُّ ضَفْرَ رأسي، أفأنقُضُ لغسل الجنابة"؟ فقال: "لا إنما يكفيكِ أن تَحْثي على رأسِك ثلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفيضي (٧) عليكِ الماءَ فتطهرين".

стр. 208

قال المَاوَرْدِيُّ (١) في "الحاوي" (٢): ويحتمل أن يكونَ ابن عمرو أمر بذلك احتياطًا لا واجبًا، وعائشة إنما أنركت وجوبَ الحل". استدراكها على أبي هريرة الحديثُ الأول: إنكارها عليه بطلان الصومِ بالجنابة: أخرج مسلم (٣) عن ابن جريج، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن (٤) قال: سمعت أبا هريرة يَقُصُّ [و] يقول في قصصه: "من أدركه الفجرُ جنبًا، فلا يَصُمْ" (٥) قال فذكرتُ ذلك لعبدِ الرحمن بن الحارث، فذكره لأبيه (٦)، فأنكر ذلك، فانطلق عبدُ الرحمن وانطلقتُ معه حتَّى دخلنا على عائشةَ وأُمِّ سلمة، فسألهما (٧) عبدُ الرحمن عن ذلك، فقال: فكلتاهما (٨) قالت: "كان النَّبِيُّ ﷺ يُصبح جنبًا مِن غير

стр. 209

حُلْمٍ (١) ثم يصومُ" فانطلقنا حتَّى دخلنا على مروانَ، فذكر ذلك له عبدُ الرحمن، فقال مروانُ: "عزمتُ عليك إلا ما ذهبتَ إلى أبي هُريرة فرددتَ عليه ما يقولُ" قال: فجئنا أبا هريرةَ وأبو بكر حاضرٌ ذلك كُلّه، فذكر له عبدُ الرحمن، فقال أبو هريرة: "أهُما قالتاه لك؟ " قال: "نَعَمْ" قال: "هُما أعلمُ" ثم رَدَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أبو هريرة: "سمعتُ ذلك من الفضل، ولم أسمعه (٢) من النَّبِيّ ﷺ قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقولُ من ذلك؟ (٣) قال البزار في "مسنده" (٤): "ولا نعلم روى أبو هُريرة عن الفضل بن العباس إلا هذا الحديثَ الواحد" اهـ. وفي لفظ: فقال أبو هريرة: "لا عِلْمَ لي بذلك، إنما أخبرني مُخْبِرٌ". قال البيهقي (٥): ورواه البخاري (٦) مُدرجًا في روايته عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، إلا أنه قال في حديثه: "فقال: كذلك حَدَّثَنِي الفضلُ بنُ عباس وهو أعلمُ".

стр. 210

وروي أنه قال: "أخبرني بذلك أُسامةُ بنُ زيد" أخرجه النسائي في "سننه" (١) وقد صح رجوعه عن ذلك صريحًا كما سبق. وأخرج البيهقي في "سننه" (٢) عن ابن أبي عَروبة عن قتادة عن ابن المسيّب: "أن أبا هريرة رجع عن قوله قبلَ موته" وروى مثله (٣) عن عطاء، ثم قال: قال ابن المنذر (٤): أحسنُ ما سمعتُ في هذا أن يكونَ ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماعَ كان في أول الإسلام محرمًا على الصائمِ في الليل بعدَ النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماعَ إلى طلوعِ الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبلَ أن يغتسل، أن يصومَ ذلك اليومِ لارتفاعِ الحَظْرِ، وكان أبو هريرة يُفتي بما سمعه مِن الفضل على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر (٥) عائشة وأم سلمة صار إليه اهـ.

стр. 211

وجواب ثان: وهو حمله على مَنْ طلع الفجر [عليه] (١) وهو يُجامع فاستدام. وجواب ثالث: أنه إرشادٌ إلى الأفضل وهو الاغتسالُ قبلَ الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديثِ عائشة وأُم سلمة، لبيان الجواز. واعلم أنه وقع خلاف في ذلك للسلف أيضًا، ثم استقر الإجماعُ على صحة صومه، كما نقله ابن المنذر وكذلك المَاوَرْدِيُّ في الاحتلام (٢)، فعن طاووس (٣) وعروة (٤) والنخعي: التفصيل بين أن يَعْلَمَ، فإنه مبطل، وإلا فلا. وعن الحسن البصري: الفصلُ بينَ صومِ التطوع، فيحرم (٥) دونَ الفرض، وقيل: يصومُ ويقضيه (٦) وحُكي عن سالم بن عبد الله (٧). وفي "معجم الإمام أبي بكر الإسماعيلي" (٨): قال سفيان: كان إبراهيم النَّخعي يقول: "من يدرِكُه الصبحُ وهو جنب يُفطِرْ"، قال يحيى بن آدم: ثم

стр. 212

جعل سفيان يتعجَّبُ مِن قول إبراهيم، فقال له حفصُ بن غياث: "لعل إبراهيمَ لم يسمع حديث النَّبِيّ ﷺ : أنه كان يُدركه الصبحُ وهو جنب" يعني (ثم يصوم) قال سفيان: "بل حَدَّثَنَا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به". الحديثُ الثاني: قال أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ راشد، عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "الشؤمُ في ثلاثةٍ: في الدارِ والمرأةِ والفرسِ" فقالت عائشةُ: "لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخل ورسولُ الله ﷺ يقول: قاتلَ الله اليهودَ يقولون: الشؤْمُ في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرسِ، فسمع آخِرَ الحديث ولم يَسْمَعْ أَوَّلَه". ومحمدُ بنُ راشد وثقه أحمدُ وغيره، ولكن الشأنَ (٢) في الواسطة بين مكحول وعائشة. وقد قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٣): "حَدَّثَنَا أبي قال سألتُ أبا مسهر (٤): "سمع مكحولٌ من أحد مِن (٥) أصحاب النَّبِيّ ﷺ ؟ " قال: "ما صح عندنا إلا أنس بن مالك" قلت: "واثلة؟ " فأنكره (٦).

стр. 213

وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أحمد في "مسنده" (١): حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: "إن أبا هريرة يُحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدابةِ والدار. قال فطار شِقّة منها في السماء وشِقّة منها في الأرض (٢) وقالت: "والذي أنزلَ القرآنَ على أبي القاسم ما هكذا كان يقولُ، ولكن كان نبيُّ الله ﷺ يقول: كان أهلُ الجاهلية يقولون: الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدَّابةِ والدارِ.

стр. 214

ثم قرأت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وأبو حسان اسمُه: مسلم الأحرد (١) يروي عن ابن عباس وعائشة. قال بعض الأئمة: وروايةُ عائشة في هذا أشبهُ بالصوابِ إن شاء الله لموافقته نهيه ﵊ عن الطِّيرة نهيًا عامًا، وكراهتِها وترغيبهِ في تركها بقوله: "يَدْخُلُ الجنةَ سبعون ألفًا بغيرِ حساب وهُم الذين لا يكتوون ولا يسْتَرقون، وعلى رَبِّهم يتوكلون" (٢) واستدراكها على أبي هريرة في هذا مِن جنس استدراكها على ابن عمر في البكاء على الميت، بمعنى أن ذلك كان في واقعةٍ خاصة لا على العمومِ. فإن قيل: فإن غيرَها من الصحابة يروي الإثبات وعائشة نافية، والإثباتُ مقدم على النفي، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأهل العلم لا يرون الإنكارَ علمًا، ولا النفي شهادةً ولا خبرًا". وقد أخرجه البخاريُّ (٣) ومسلم (٤) من حديث ابن عمر بألفاظ، ومنها: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا عدوي ولا طِيَرَة، وإنما الشؤمُ في ثلاثةٍ (٥): المرأة والفرس والدار".

стр. 215

وأخرجاه (١) أيضًا مِنْ حديثِ سهل بن سعد، وأخرجه مسلم عن جابر (٢). وقال الترمذي (٣) بعدَ أن أخرج حديثَ ابن عمر، وفي الباب (٤) عن سهل بن سعد وعائشة وأنس. قلنا: ليس هذا من باب تعارضِ النفي والإثباتِ، بل مِن بابِ الزيادة المعتبرة (٥) في الحكم، فتقبل باتفاق. لكن كلامُ الترمذي يقتضي أن عائشة روته أيضًا (٦)، فعلى هذا روايتُها مع الجماعة أولى مِن روايتها على الانفراد، كما رجحوا بذلك في مواضع على أنه قد جاءَ عن أبي هريرة خلافُ ما سبق، قال أحمد في "مسنده" (٧): حَدَّثَنَا خَلَف بنُ الوليد، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن
следующие страницы →