← Фикх общий

Фикх общий · id 1364

الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ط الرسالة

بدر الدين الزركشي

Полный текст (288 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وجواب ثان: وهو حمله على مَنْ طلع الفجر [عليه] (١) وهو يُجامع فاستدام. وجواب ثالث: أنه إرشادٌ إلى الأفضل وهو الاغتسالُ قبلَ الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديثِ عائشة وأُم سلمة، لبيان الجواز. واعلم أنه وقع خلاف في ذلك للسلف أيضًا، ثم استقر الإجماعُ على صحة صومه، كما نقله ابن المنذر وكذلك المَاوَرْدِيُّ في الاحتلام (٢)، فعن طاووس (٣) وعروة (٤) والنخعي: التفصيل بين أن يَعْلَمَ، فإنه مبطل، وإلا فلا. وعن الحسن البصري: الفصلُ بينَ صومِ التطوع، فيحرم (٥) دونَ الفرض، وقيل: يصومُ ويقضيه (٦) وحُكي عن سالم بن عبد الله (٧). وفي "معجم الإمام أبي بكر الإسماعيلي" (٨): قال سفيان: كان إبراهيم النَّخعي يقول: "من يدرِكُه الصبحُ وهو جنب يُفطِرْ"، قال يحيى بن آدم: ثم

стр. 212

جعل سفيان يتعجَّبُ مِن قول إبراهيم، فقال له حفصُ بن غياث: "لعل إبراهيمَ لم يسمع حديث النَّبِيّ ﷺ : أنه كان يُدركه الصبحُ وهو جنب" يعني (ثم يصوم) قال سفيان: "بل حَدَّثَنَا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به". الحديثُ الثاني: قال أبو داود الطيالسي في "مسنده" (١): حَدَّثَنَا محمدُ بنُ راشد، عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "الشؤمُ في ثلاثةٍ: في الدارِ والمرأةِ والفرسِ" فقالت عائشةُ: "لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخل ورسولُ الله ﷺ يقول: قاتلَ الله اليهودَ يقولون: الشؤْمُ في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرسِ، فسمع آخِرَ الحديث ولم يَسْمَعْ أَوَّلَه". ومحمدُ بنُ راشد وثقه أحمدُ وغيره، ولكن الشأنَ (٢) في الواسطة بين مكحول وعائشة. وقد قال ابن أبي حاتم في "المراسيل" (٣): "حَدَّثَنَا أبي قال سألتُ أبا مسهر (٤): "سمع مكحولٌ من أحد مِن (٥) أصحاب النَّبِيّ ﷺ ؟ " قال: "ما صح عندنا إلا أنس بن مالك" قلت: "واثلة؟ " فأنكره (٦).

стр. 213

وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أحمد في "مسنده" (١): حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: "إن أبا هريرة يُحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدابةِ والدار. قال فطار شِقّة منها في السماء وشِقّة منها في الأرض (٢) وقالت: "والذي أنزلَ القرآنَ على أبي القاسم ما هكذا كان يقولُ، ولكن كان نبيُّ الله ﷺ يقول: كان أهلُ الجاهلية يقولون: الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدَّابةِ والدارِ.

стр. 214

ثم قرأت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] وأبو حسان اسمُه: مسلم الأحرد (١) يروي عن ابن عباس وعائشة. قال بعض الأئمة: وروايةُ عائشة في هذا أشبهُ بالصوابِ إن شاء الله لموافقته نهيه ﵊ عن الطِّيرة نهيًا عامًا، وكراهتِها وترغيبهِ في تركها بقوله: "يَدْخُلُ الجنةَ سبعون ألفًا بغيرِ حساب وهُم الذين لا يكتوون ولا يسْتَرقون، وعلى رَبِّهم يتوكلون" (٢) واستدراكها على أبي هريرة في هذا مِن جنس استدراكها على ابن عمر في البكاء على الميت، بمعنى أن ذلك كان في واقعةٍ خاصة لا على العمومِ. فإن قيل: فإن غيرَها من الصحابة يروي الإثبات وعائشة نافية، والإثباتُ مقدم على النفي، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأهل العلم لا يرون الإنكارَ علمًا، ولا النفي شهادةً ولا خبرًا". وقد أخرجه البخاريُّ (٣) ومسلم (٤) من حديث ابن عمر بألفاظ، ومنها: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا عدوي ولا طِيَرَة، وإنما الشؤمُ في ثلاثةٍ (٥): المرأة والفرس والدار".

стр. 215

وأخرجاه (١) أيضًا مِنْ حديثِ سهل بن سعد، وأخرجه مسلم عن جابر (٢). وقال الترمذي (٣) بعدَ أن أخرج حديثَ ابن عمر، وفي الباب (٤) عن سهل بن سعد وعائشة وأنس. قلنا: ليس هذا من باب تعارضِ النفي والإثباتِ، بل مِن بابِ الزيادة المعتبرة (٥) في الحكم، فتقبل باتفاق. لكن كلامُ الترمذي يقتضي أن عائشة روته أيضًا (٦)، فعلى هذا روايتُها مع الجماعة أولى مِن روايتها على الانفراد، كما رجحوا بذلك في مواضع على أنه قد جاءَ عن أبي هريرة خلافُ ما سبق، قال أحمد في "مسنده" (٧): حَدَّثَنَا خَلَف بنُ الوليد، حَدَّثَنَا أبو معشر، عن

стр. 216

محمد بن قيس، قال: سئل أبو هريرة: "هل سمعتَ مِن رسول الله ﷺ : الطِّيرَةُ في ثلاثٍ في المسكنِ والفرسِ والمرأةِ؟ " قال: "قلت: إذا (١) أقولُ على رسول الله ما لم يَقُلْ، ولكن سمعتُ رسولُ الله ﷺ يقول: "أصدقُ الطِّيرَةِ الفألُ، والعينُ حقٌّ" (٢). وأما ابن الجوزي في "المشكل" فأنكر على عائشة هذا الردَّ، وقال: "الخبرُ رواه جماعة ثقات، فلا يُعتمد على ردها". والصحيح أن المعنى: إن خيف من شيء أن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأشياءُ، لا على السبيل التي تظنها الجاهلية مِن العدوى والطِّيرة، وإنما القَدَرُ يجعل للأسباب تأثيرًا. وقال الخطابي (٣): "لما كان الإنسانُ في غالب أحوالهِ لا يستغني عن دارٍ يسكنها وزوجة يعاشرها، وفَرَسٍ يرتبِطُه، وكان لا يخلو مِن عارض مكروه، أضيف اليُمْنُ والشؤم إلى هذه الأشياء إضافة محلٍ وظرفٍ، وإن كانا صادرين عن قضاءِ الله". قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأة ألَّا تَلِدَ، وشؤمَ الفرس ألَّا يُحْمَلَ عليها في سبيلِ الله، وشؤمَ الدَّارِ سوءُ الجوار" (٤).

стр. 217

الحديثُ الثالث: قال أبو بكر البزار في "مسنده" (١): حَدَّثَنَا هلال بن بشر: حَدَّثَنَا سهل بن حماد، قال: حَدَّثَنَا أبو عامر الخزاز (٢)، وحدثنا محمد بن معمر، قال: حَدَّثَنَا عثمان بن عمر، قال: حَدَّثَنَا أبو عامر الخزاز عن سيّار، عن الشعبيِّ، عن علقمة، قال: قيل لعائشة رحمة الله عليها: "إن أبا هُريرة يروي عن النَّبِيّ ﷺ : أن امرأةً عُذِّبَتْ في هِرةٍ" قال: فقالت عائشة: "إن المرأة كانت كافرة". قال: "ولا نعلم روى علقمة عن أبي هُريرة إلا هذا الحديث" وأبو عامر الخزاز صالح بن رستم، قال فيه أحمد بن حنبل: "صالح الحديث" (٣). ورواه أبو محمد قاسم بن ثابت السَّرْقُسْطِي (٤) في كتاب "غريب الحديث":

стр. 218

أخبرنا محمدُ بنُ جعفر، قال: أخبرنا أبو أحمد محمود بن غيلان المروزي: أخبرنا أبو داود الطيالسي (١) قال: أخبرنا أبو عامر صالحُ بنُ رستم قال: أخبرنا سيّار أبو الحكم، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس، قال: "كنا عندَ عائشة ومعنا أبو هريرة فقالت: "يا أبا هُرير أنتَ الذي تحدث عن رسول الله ﷺ : "أن امرأة عُذِّبَتْ بالنارِ من جرَّى هِرة (٢) لا هِيَ أطعمَتْها ولا سَقتها، ولا هي تركتها تأكلُ مِن خشاش الأرضِ شيئًا حتَّى ماتت؟ " قال أبو هريرة: "سمعتُه مِن رسول الله ﷺ "، قالت عائشة: المؤمنُ أكرمُ عند الله من أن يُعذِّبَه مِن جرّى هِرَّة، أما (٣) إن المرأة مع ذلك كانت كافرة؛ يا أبا هريرة إذا حدثَت عن رسول الله ﷺ ، فانظر كيف تُحَدِّث. قولها من جرّى هرة: تعني مِن أجلها. الحديثُ الرابع: قال الحاكم في "مستدركه" (٤) في كتاب العتق: أخبرنا أبو بكر أحمدُ بنُ إسحاق: أنا محمدُ بنُ إسحاق: أنا محمدُ بنُ غالب: حَدَّثَنَا الحسنُ بن عمر بن شقيق: حَدَّثَنَا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأن أُمَتَّعَ (٥)

стр. 219

بسوطٍ في سبيلِ الله أحبُّ إليَّ من أن أُعْتِقَ ولَدَ الزّنى" وأن رسول الله ﷺ قال: "وَلَدُ الزِّنى شرُّ الثلاثة" و "إنَّ الميت يعذَّبُ ببكاءِ الحي" فقالت عائشة: رَحِمَ الله أبا هريرة أساءَ سمعًا، فأساءَ إجابة: أما قوله: "لأن أُمتَّعَ (١) بسوط في سبيل الله أحبُّ إليَّ مِن أن أُعتِق ولد الزِّنى" إنها لما نزلت ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣] قيل: "يا رسولَ الله ما عندنا ما نعتِقُ، إلا أنَّ أحدَنا له الجاريةُ السوداءُ تَخْدِمُه، وتسعى عليه، فلو أمرناهُن، فزنين، فجئن بأولاد فأعتقناهم". فقال رسولُ الله ﷺ : "لأن أُمتع (٢) بسوط في سبيل الله أحبُّ إليَّ من أن آمر بالزنى، ثم أُعتق الولد". وأما قوله: "ولدُ الزنى شرُّ الثلاثة" (٣) فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل مِن المنافقين يؤذي رسولَ الله ﷺ فقال: "من يَعْذِرُني مِن فلان؟ "

стр. 220

قيل: "يا رسول الله إنه مع ما به ولَدُ زنى" فقال: "هو شرُّ الثلاثة" (١) والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وأما قوله: "إن الميتَ يُعذب ببكاءِ الحي" فلم يكن الحديث على هذا ولكن رسولَ الله ﷺ مرّ بدارِ رجلٍ من اليهود قد مات، وأهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" (٢) والله يقول: ﴿لَا يُكَلَّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 221

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (١). وعن الحاكم: أخرجه البيهقي في "سننه" (٢) في كتاب الأيمان في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمةُ الأبرش يروي مناكير". قال الذهبي في "مختصره": هو مختلف فيه، وقد وثقه أبو داود (٣). قال البيهقي: ورُوي عن أبي سليمان الشامي بردِ بن سنان، عن الزهري، عن عائشة في إعتاق ولد الزنى. وأخرج عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة، قالت في ولدِ الزنى: "ليس عليه مِن وِزرِ أبويه شيء، لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْر أُخْرى" قال: وروي مرفوعًا ولم يصح (٤). ثم أخرج عن إسحاق السلولي: حَدَّثَنَا إسرائيل، عن إبراهيم عن محمد بن قيس، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ولد الزنى شرُّ الثلاثة إذا عمل بعملِ أبويه" وقال: ليس بالقوي (٥). وقد روي مثلُه بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس (٦).

стр. 222

وقال صاحب "الاستذكار" (١): قد أنكر ابن عباس على مَنْ روى في ولد الزنى "أنه شَرُّ الثلاثةِ" وقال: "لو كان شرُّ الثلاثة ما استؤني بأُمِّه أن تُرْجَمَ حتى تَضَعَه" (٢). رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقد ذكرناه في "التمهيد" بإسناده. وقال في باب حَدِّ الزنى: وقولُ أُم سلمة: "يا رسول الله أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ " قال: "نَعَمْ إِذا كَثُرَ الخَبَثُ" (٣) الخبث في هذا الحديث عند أهل العلم أولاد الزِّنى، وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره. هذا لفظه وهو غريب. وأخرج النسائي (٤) مِن حديث شعبة عن منصور، عن سالم، عن نبيط بن شريط عن جابان. عن عبد الله بن عمرو (٥): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدْخُلُ الجنةَ ولَدُ زِنية"، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٦).

стр. 223

وقال الحافظ أبو الحجاج المِزِّي في "الأَطراف" (١): قال البخاري: لا يُعْرَفُ لجابان سماعٌ مِن عبد الله، ولا لسالم من جابان، ولا نبيط قال: وقد رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو قوله. الحديثُ الخامس: قال الطبراني في "الأوسط" (٢): حدثنا عليُّ بن سعيد الرازي، حدثنا عبدُ الله بنُ أبي رُومان الإسكندراني، حدثنا عيسى بنُ واقد، حدثنا محمدُ بنُ عمرو، عن أبي سلمة. عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ لم يُوتِر، فلا صلاةَ له" فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "مَنْ سَمِعَ هذا من أبي القاسم ﷺ ؟! ما بَعُدَ العَهْدُ وما نسينا، إنما قال أبو القاسم ﷺ : "مَنْ جاء بِصَلواتٍ الخمس يومَ القيامة قد (٣) حافَظَ على وُضوئها ومواقيتِها وركوعِها وسجودِها، لم يَنْتَقصُ مِنْهُنَّ شيئًا، كان له عند الله عهد ألا يعذبه،

стр. 224

ومن جاءَ، وقد انتقصْ (١) منهن شيئًا، فليس له عندَ الله عهد، إن شاءَ رحمه، وإن شاء عذَّبه" (٢). ثم قال: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عيسى، تفرد به عبدُ الله بن أبي رومان. الحديث السادس: قال الحافظُ أبو حاتِم بنُ حبان البُستي في "صحيحه" (٣) في النوع التاسع والمئةِ منَ القسم الثاني: أخبرنا عُمَرُ بنُ محمد الهَمْدَاني، حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروةَ بن الزبير حدثه. أن عائشة قالت: "ألا يُعجِبُك أبو هُريرة، جاء فجلسّ إلى جنب حُجرتي يُحدث عن رسول الله ﷺ ، يُسمعني ذلك، وكنت أُسبِّح، فقام قبل أن أقضي سُبْحتى (٤)، ولو أدركتُه لرددتُ عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يَسْرُدُ الحديث كسردِكُمْ".

стр. 225

قال أبو حاتم: قولُ عائشة: "لرددتُ عليه" أرادت به سردَ الحديثِ، لا الحديثَ نفسه، وترجم عليه ما يُسْتَحبُّ للمرءِ مِن ترك سردِ الأحاديث حَذَرَ قِلَّةِ التعظيم والتوقير لها أخرجه مسلم في "الصحيح" (١) في الفضائل عن حرملة بن يحيى: حدثنا ابن وهب به سندًا ومَتنًا. الحديث السابع: ذكر أبو منصور البغدادي بإسناده إلى أبي عروبة الحسينِ بن محمد الحراني قال: حدثنا جدي عمرو بنُ أبي عمرو قال: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم مولى الأنصار قال: حدثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبي هريرة: أنه قال: "مَنْ غَسَّلَ ميتًا اغتسل ومن حمله توضأ" (٢) فبلغ ذلك عائشة ﵂، فقالت: "أونجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حَمَلَ عودًا؟ " (٣). واعلم أن جماعة مِن الصحابة رَوَوْا هذا الحديث، ولم يذكروا فيه الوضوء من حمله، منهم عائشة. أخرجه أبو داود (٤)، ومنهم حذيفة: أخرجه

стр. 226

البيهقي (١)، وهو يقوي إنكار عائشة، لكن قال البيهقي (٢): "الروايات المرفوعة (٣)

стр. 227

في هذا الباب عن أبي هريرة غيرُ قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم" والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة. الحديث الثامن: قال أبو عَروبة (١) أيضًا: حدثنا جدي عمرو بنُ أبي عمرو قال: حدثنا أبو يوسف يعقوبُ بنُ إبراهيم قال: حدثنا الكلبي، عن أبي صالح. عن أبي هريرة قال: "لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قيْحًا ودمًا خيرٌ له مِن أن يمتلئ شعرًا" فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث، إنما قال رسولُ الله ﷺ : "لأن يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحًا ودمًا خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا هُجيتُ به" (٢).

стр. 228

وقد أخرج الشيخان (١) حديث أبي هريرة من جهة الأعمش عن أبي صالح عنه، وأخرجه مسلم (٢) من حديث سعد بن أبي وقاص، وأخرجه البزار (٣) من حديث عمر. قلت: وقد تابع عائشةَ على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله، أخرجه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (٤) من جهة أحمد بن محرز الأزدي (٥) عن محمد بن المنكدرِ، عن جابر مرفوعًا بلفظ: "خَيْرٌ له مِنْ أن يَمْتلئ شِعرًا هُجِيتُ به" (٦).

стр. 229

قال السهيلي في "الروض" (١): وذكر ابن وهب في "جامعه": "أن عائشةَ ﵂ تأولت هذا الحديث في الأشعار التي هُجِي بها النبيُّ ﷺ : وأنكرت قولَ من حمله على العُموم في جميع الشعر" قال السهيلي: "وإذا قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيبُ امتلاءِ (٢) الجوفِ منه وأما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة، فلم يدخل في النهي". قال: وقد رد أبو عبيد (٣) على من تأول الحديث في الشعر الذي هُجي به النبي ﷺ وقال: "رواية نصف بيت مِن ذلك الشعرِ حرامٌ فكيف يخصُ امتلاء الجوف منه بالدم؟ ". قال السهيلي: "وعائشة أعلم منه، فإن البيت والبيتين والأبيات مِن تلك الأشعار على جهة الحكاية، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ ، لا فرق" وجعل ذلك عذرًا لابن إسحاق (٤) في ذكر بعض أشعار الكَفَرة من الهجو (٥). انتهى.

стр. 230

والصواب تحريم حكاية هجو النبي ﷺ قليلهِ وكثيره، والحديث لعله خَرَجَ على مَنْ امتلأَ بذلك، فلا يكون له مفهوم في عدم ذمِّ القليل. وأيضًا فالمحذورُ في الكثير موجودٌ في القليل بعينه، فتأويلُ عائشة مستقيم إن شاء الله ولا يَرِدُ ما فهمه أبو عبيد ولا السهيلي. الحديث التاسع: أخرج مسلم (١) والنسائي (٢) عن شريح بن هاني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحبَّ لقاءَ الله، أحبَّ الله لقاءَه، ومن كَرِهَ لقاء الله، كَرِهَ الله لقاءَه" قال شريح: فأتيتُ عائشة فقلتُ: "يا أم المؤمنين سمعتُ أبا هريرة يذكر عن رسول الله حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا " فقالت: إن الهالِكَ مَنْ هَلَلك [بقول رسول الله ﷺ ] (٣)، وما ذاك؟ قال: قال رسولُ الله ﷺ : مَنْ أحبَّ لِقاءَ اللهِ أحبَّ اللَّهُ لِقاءَه، ومَنْ كَرِهَ لقاءَ اللهِ كره الله لقاءَه، وليسَ منا أحد إلا وهو يكره الموتَ" فقالت: "قد قاله رسول الله ﷺ ، ولكن (٤) إذا شَخَّصَ البصرُ، وحَشْرَجَ الصَّدرُ واقشعرَّ الجِلدُ، وتَشَنَّجَتْ الأصابعُ، فعند ذلك من أحبَّ لقاءَ الله، أحب اللهُ لقاءّه، ومن كره لقاء اللهِ، كرهَ الله لقاءَه".

стр. 231

وأخرجه الدارقطني (١) مِن جهة محمد بن فُضيل، قال: حدثنا عطاءُ بنُ السائب، عن مجاهد. عن أبي هُريرةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحبَّ العبدُ لِقاءَ اللهِ، أَحبَّ الله لقاءَه، وإذا كرهَ العبدُ لقاء الله، كَرِهَ الله لِقاءَه" فذكر ذلك لعائشة، فقالت: "يرحمُه اللهُ، حَدَّثَكُمْ بآخرِ الحديثِ، ولم يُحدثكم بأوله" قالت عائشةُ: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبدِ خيرًا، بعث إليه مَلَكًا في عامه الذي يموتُ فيه فيُسَدِّدُهُ ويُبشره، فإذا كان عند موته، أتى ملكُ الموت، فقعد عند رأسه فقال: أَيَّتُها النفسُ المطمئنةُ اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوانٍ، وتتهوَّع نفسُه رجاءَ أن تخرجَ، فذلك حين يُحِبُّ لقاء الله، ويُحب الله لقاءه. وإذا أراد بعبد شرًا، بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموتُ فيه، فأغواه فإذا كان عندَ موته، أتاه مَلَكُ الموتِ، فَقَعَدَ عند رأسه فقال: أيتها النفسُ اخرجي إلى سَخَطٍ من اللهِ، وغضب، فتفرق في جسده، فيسترطه، فذاك حين يُبغِضُ لقاءَ الله ويبغض الله لقاءَه". غريب من حديث مجاهد عن أبي هريرة وعائشة، تفرد به عطاء بن السائب عنه قال الدارقطني ولا أعلم حدَّث به عنه غيرُ ابن فضيل. قلت: وقد احتج به الشيخان (٢).

стр. 232

الحديث العاشر: روى أبو القاسم عبدُ الله بنُ محمد بن علي البغويُّ حدثنا عُبيد الله بنُ عمر قال: حدثنا خالد بنُ الحارث قال: حدثنا عُبيد الله بن عمر، عن القاسم بن محمد قال: بلغ عائشة ﵂ أن أبا هُريرة يقول: إن المرأةَ تَقْطَعُ الصَّلاةَ" فقالت: "كان رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي، فتقعُ رجلي بينَ يديه أو بحذائه، فيصرفها، فأقبضها" (١). الحديث الحادي عشر: روى الشيخان (٢) عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَمْشِينَّ أحدُكم في نعل واحدة، لِيَنْعَلْهُما جميعًا، أو لِيَخْلَعْهُما جميعًا".

стр. 233

وروى مسلم (١) عن جابر نحوه. قال ابن عبد البر في الاستذكار (٢): حديث أبي هُريرة وحديث جابر صحيحان ثابتان، وقد رُوي عن عائشة رحمها الله معارضةً لحديث أبي هريرة في هذا الباب ولم يلتفِتْ أهلُ العلم إلى ذلك، لأَن السنن لا تُعارض بالرأي. فإن قيل لم تعارض أبا هريرة برأيها وإنما ذكرت أن رسولَ الله ﷺ ربما انقطع شسعُ نعله فمشي في نعلٍ واحدة؟ (٣) قيل: لم يَرْوِ هذا - والله أعلم - إلا مندلُ بنُ علي، عن ليث بن أبي سُليم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. ومندل وليث ضعيفان لا

стр. 234

حجة فيما نقلا مُنْفَرِدَيْن، فكيف إذا عارض نقلهما نقلُ الثقات الأئمة؟. ذكر أبو بكر يعني ابنَ أبي شيبة (١): حدثنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه. أن عائشة كانت تمشي في خُفٍّ واحد وتقول: لأُحْنِثَنَ (٢) أبا هريرة". وهذا هو الصحيح، لا حديث مندل عن ليث والله أعلم. وقد روي عن علي أنه مشى في النعلِ الواحدةِ (٣)، وهذا يحتمِلُ أن يكون يسيرًا (٤) وهو يُصْلِحُ الأُخرى، أو يكونَ لم يبلغه ما رواه أبو هريرة وجابر مع أن حديث علي لا يثبت يرويه يزيد بن أبي زياد (٥)، عن رجل من مزينة قال: رأيت عليًا (٦) يمشي في نعلٍ واحدة بالمدائن، كان (٧) يُصْلِحُ شِسْعَهُ.

стр. 235

فائدة: روى الشيخان (١) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا أطْعَمَتِ المرأةُ مِن بيت زوجها غير مفسدة، فلها أجرها، وله مثله وللخازن مثل ذلك". وأخرجا أيضًا عن همام (٢) عن أبي هُريرة: قال رسول الله ﷺ : "وما أنفقت المرأةُ مِن كسبه عن غيرِ أمره، فإن نصفَ أجره له" (٣). وهذا لا يُنافي رواية أبي هُريرة. ثم إنه قد جاءَ عن أبي هُريرة ما يُخالف ظاهرَ: روايته فروى أبو داود في "سننه" (٤) من جهة عبدِ الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة في المرأة تَصَّدَّق مِن بيتِ زوجها؟ قال: "لا، إلا من قوتها والأجرُ بينهما، ولا يَحِلُّ لها أن تَصَدَّقَ مِن مال زوجها إلا بإذنه". ولأجل هذا حمل البيهقيُّ (٥) وغيرُه الحديث السابق على أنها تُعطيه من الطعام الذي أعطاها زوجُها، وجعلها بحكمها دونَ سائر أمواله، والأصلُ

стр. 236

تحريمُ مال الغير إلا بإذنه. قال: والحامل على ذلك أن أبا هريرة قال ذلك وهو أحدُ رواة تلك الأخبار. ونازعه الحافظ شمس الدين الذهبي، وقال: بل الظاهر أنه أراد الإذن لها في الصدقة مما يقتاتونه من المطبوخ والمخبوز وهو الطعامُ الرطب، دونَ ما في البيتِ مِن مثل العسل والزيت والجبنِ مما يُدخر فإن ذلك مال؛ فإن أبا هريرة قال: والأجر بينهما. فأما قوتها: التي تأخذه مِن زوجها بالفرض، ثم تُؤثر منه، فإن الأجرَ لها وحدها. اهـ. وقال صاحب "الدر النقي" (١): هذا الأثر المروي عن أبي هريرة لا يَصِحُّ، فإن في سنده عبد الملك العرزميَّ وهو متكلم فيه قال البيهقي (٢) في موضع: "لا يُقبل منه ما خالفَ فيه الثقاتِ". ثم لو صح، فالعبرةُ عندَ فالعبرة عند الشافعي لما روى لا لما رأى (٣)، وكيف يُحمل ذلك على الطعام الذي أعطاها، وفي حديث أبي هُريرة "وما أنفقت مِن كسبه من غيرِ أمره"، بل يحمل ذلك على كل ما هو مأذون فيه إما صريحًا أو عرفًا أو عادةً. وقد أخرج البيهقي (٤) أيضًا عن يحيى القطان عن زياد بن لاحق: حدثتني تميمةُ بنتُ سلمة أنها أتت عائشة في نِسوة من أهل الكوفة فسألتها امرأة منا فقالت: "المرأة تُصيبُ مِن بيت زوجها شيئًا بغير إذنه؟ " فَغَضِبَتْ وقطَّبت، وساءَها ما قالت، وقالت: "لا تَسْرِقي منه ذهبًا ولا فضة، ولا تأخذي منه شيئًا". قلت وكأنها ﵂ قالت لها ذلك، لما فهمت مِن قرينةِ الحالِ أنها

стр. 237

تستطيلُ في ماله لموافقتها بالجواز، كما اتفق مثلُ ذلك لابنِ عباس لما أفتى السائلَ عن توبةِ القاتل: أنه لا توبةَ له (١). وفي البابِ حديث أخرجه الترمذي وابنُ ماجه (٢) عن إسماعيل بن عياش: حدثنا شرحبيل بن مسلم (٣) أنه سمع أبا أُمامة يقول: شَهِدْتُ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوداع، فسمعتُه يقول: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ أن تُعطي من مال زوجها شيئًا إلا بإذنه" فقال رجلٌ: يا رسولَ الله ولا الطعام؟ قال: "ذاك أفضلُ أموالنا" قال الذهبي: هذا إسناد حسن. استدراكها على مروان بن الحكم (٤) نقل أهلُ التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾

стр. 238

[الأحقاف: ١٧] أن معاوية كتب إلى مروان بأن يُبايع الناسَ لِيزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: "لقد جئتم بها هِرقلية، أتُبايعون لأبنائكم" فقال مروان: يا أيُّها الناسُ هذا الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] فَسَمِعَتْ عائشة، فَغَضَبَتْ وقالت: "والله ما هو به، ولو شئتُ أن أُسميَه لسميتُه، ولكن الله لَعَنَ أباك وأنتَ في صُلبه، فأنت قَضَضٌ مِن لعنة الله". لفظ رواية النسائي (١)، ورواه الحاكم (٢) وابنُ أبي خيثمة، وابن مردويه من رواية محمد بن زياد: قال لما بايع معاوية لابنه، قال مروانُ: "سنةُ أبي بكر وعمر" فقال عبدُ الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقَيْصَر" قال مروان: "هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (٣) [الأحقاف: ١٧] فذكر الآية فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "كذب والله ما هو به (٤) ولو شئت أن أُسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسولَ الله ﷺ لعن أبا مروان ومروانُ في صلبه (٥) إلى آخره". ولفظ ابن أبي خيثمة: أن معاويةَ كَتَبَ إلى مروان أن يُبايع الناس ليزيد، فقال عبدُ الرحمن: لقد جئتم بها هِرقلية. . إلى آخره.

стр. 239

وأصله في البخاري (١) من رواية يوسفَ بن ماهَك عن عائشة دونَ ما في آخره، وأما الذي أرادته عائشة ولم تُسَمِّه فلم يُوقف له على اسم. وأنكر الزجاجُ (٢) نزولها في عبد الرحمن، لأنه أسلم وحَسُنَ إسلامُه، وقال: الصحيحُ أنها نزلت في الكافر العاق وهذا مروي عن الحسن البصريّ وعن قتادة: أنه نعتُ عبد سوءٍ عاقٍّ لوالديه. وقال الزمخشري في "الكشاف" (٣): نزولُها في عبد الرحمن باطل: ويشهد له أن المراد بالذي قال: جنس القائلين ذلك أيضًا، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] إلى آخرها، لا يناسِبُ ذلك عبدَ الرحمن، إلا أن المهدوي (٤) قال: يحتملُ أن يكونَ هو، وذلك قبلَ إسلامه وأن الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ [الأحقاف: ١٨] للقوم الذين أشار إليهم المذكور بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فلا يمتنِعُ أن يقعَ ذلك له قبل إسلامه. قال شيخنا شيخ الإسلام شهابُ الدين بن حجر (٥): ولكن نفيَ عائشة أن تكونَ نَزَلَتْ في عبدِ الرحمن وآلِ بيته، أصحُّ إسنادًا، وأولى بالقبول" فإنَّه نقل أيضًا أنها نزلت في أخيه عبد الله.

стр. 240

وقول عائشة ﵂ "فأنت فضض (١) من لعنة الله" أي قطعة منها (٢). استدراكها على أبي سعيد الخدري الحديث الأول: قال أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" (٣): أخبرنا محمدُ بن الحسن بن قُتيبة (٤): حدثنا حرملةُ بنُ يحيى قال: حدثنا ابن وهب، حدثنا يونس عن ابن شهاب، حدثتني عَمْرَةُ بنت عبد الرحمن: أن عائشة أُخْبِرَتْ أن أبا سعيدٍ الخُدري قال: نهى رسولُ الله ﷺ المرأةَ أن تُسافر إلا ومعها ذو محرم، قالت عمرةُ: فالتفتت عائشة إلى بعض النساء وقالت: "ما لِكلكن (٥) ذو محرم". وأخرجه البيهقي في سننه (٦) ثم قال أبو حاتم: لم تكن عائشة بالمتهمةِ أبا سعيد لِعدالته (٧)، وإنما أرادت بقولها: "ما لكلكن ذو محرم" تريد أن ليسَ

стр. 241

لكلكن ذو محرم تُسافر معه، فاتقين (١) الله، ولا تسافر واحدة منكن إلا بذي محرم يكونُ معها". قلت: يُنافي هذا رواية البيهقي "ما كلهن ذواتُ محرم" وقد أدخله في الباب لزومها الحج مع النساء الثقات (٢). وقال الطحاوي في "معاني الآثار" (٣): احتج بخبرِ عائشة هذا من لم يشترط المحرم في وجوب الحج، ولا حجة في قول أحد مع قول النبي ﷺ : "لا يَحِلُّ لامرأةٍ أن تُسافِرَ مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم" قال: وقد قيل لأبي حنيفة: "فإن عائشة كانت تُسافِرُ بلا محرم فقال أبو حنيفة: "كان الناسُ لعائشة محرمًا، فمع أيهم سافرت، فقد سافرت مع محرم، وليس الناسُ لِغيرها من النساء كذلك". اهـ. الحديث الثاني: أخرج أبو داود في سننه (٤) عن محمد بن إبراهيمَ التيمي عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري: أنه لما حضره الموتُ، دعا بثياب جُدد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموتُ فيها". وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٥) والحاكم في "مستدركه" (٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

стр. 242

ورواه البزار في "مسنده" (١) وقال: "لا يُروى إلا مِن حديث أبي سعيد، ولا تَعْلَمُ له طريقًا عنه إلا هذه" (٢) اهـ. ورأيت في كتاب أصول الفقه لأبي الحسين أحمد القطان (٣) من قدماءِ أصحابنا مِن أصحاب ابن سريج (٤) في الكلام على الرواية بالمعنى: أن أبا سعيد ﵁ فَهِمَ مِن الحديث أن النبي ﷺ أراد بالثياب الكفن، وأن عائشة رضي عنها أنكرت عليه ذلك، وقالت: يرحم الله أبا سعيد إنما أراد النبيُّ ﷺ عملَه الذي مات عليه (٥)، قد قال رسول الله ﷺ : "يُحْشَرُ الناسُ حُفاةً عُراة غُرْلًا" (٦). اهـ

стр. 243

استدراكها على ابن مسعود روى أبو منصور البغدادي مِن جهة محمد بن عبيد الطَّنافسي قال: حدثنا الأعمش عن خيثمة. عن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة ﵂، فقال مسروقُ: قال عبد الله بن مسعود: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءَه، ومن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ الله لقاءَه" (١) فقالت عائشة: "يرحم الله أبا عبد الرحمن حدَّث بأول الحديث، ولم تسألوه عن آخره. إن الله تعالى إذا أراد بعبدٍ خيرًا، قيض له قبلَ موته بعام ملكًا يوفقه ويُسدده حتى يقولَ الناس: مات فلانٌ على خيرِ ما كان، فإذا حضر، ورأى ثوابه من الجنة تَهَوَّع بنفسه أو قال تَهَوَّعَتْ نفسُه، فذلك حين أحبَّ لقاء الله وأحبَّ الله لقاءَه. وإذا أراد اللهُ بعبدٍ سوءًا، قيَّض له قبلَ موته بعامٍ شيطانًا، فأفتنه حتى يقولَ الناسُ مات فلان أشرَّ ما كان، فإذا حضر، رأى ما نَزَل عليه من العذاب فبلغ (٢) نفسه، وذلك حين كَرِهَ لقاء الله (٣) وكره الله لقاءَه" (٤).

стр. 244

استدراكها على أبي موسى الأشعري عن أبي عطية مالك بن عامر قال: دخلت أنا ومسروقٌ على عائشة فقلتُ لها: "يا أُم المؤمنين رجلانِ من أصحاب محمد ﷺ ، أحدهما يُعجلُ الإفطار، ويُعجلُ الصلاة، والآخر يؤخر الإفطارَ، ويؤخر الصلاة" قالت: "أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة؟ " قال قلنا: "عبد الله" (١) قال: "هكذا كان يَصْنَعُ رسولُ الله ﷺ ". والآخر أبو موسى أخرجه مسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وقال الترمذي: حسن.

стр. 245

استدراكها على زيد بن ثابت قال البزار في "مسنده" (١) حدثنا محمد بن المثنى: قال حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن عكرمة أن ابن عباس وزيدَ بن ثابت اختلفا في التي تطوفُ يومَ النحر الطوافَ الواجب، ثم تحيض؛ فقال زيد: "تُقيم حتى يكونَ آخِرُ عهدِها بالبيت" وقال ابن عباس: "تَنْفِرُ إذا طافت يومَ النحر" فقالت الأنصارُ: "يابن عباس إنَّكَ إذا خالفت زيدًا، لم نتابعك" فقال ابن عباس: "سلوا عن ذلك صاحبتكم أُمَّ سليم" فسألوها فأخبرت بما كان مِن حال صفية بنت حُيي، قال: فقالت عائشةُ: "إنها لحابستُنا" فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأمرها أن تنفِرَ". وذكره ابن عبد البر (٢) من جهة عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن ابن طاووس عن أبيه أن زيدَ بن ثابت وابنَ عباس تماريا في صَدَرِ الحائض قبل أن يكونَ آخرُ عهدها الطواف بالبيت، فقال ابن عباس: "تنفِرُ" وقال زيد: "لا تَنْفِرُ" فدخل زيد على عائشة فسألها فقالت: "تَنْفِرَ" فخرج زيدٌ وهو يبتسِمُ ويقول: "ما الكلامُ إلا ما قلتَ" قال أبو عمر: هكذا يكون الإنصاف وزيد يُعلِّم ابنَ عباس فمالنا لا نقتدي بهم".

стр. 246

استدراكها على زيد بن أرقم قال عبد الرزاق في في "مصنفه" (١): أخبرنا معمر والثوري، عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن امرأته: أنها دَخَلَتْ على عائشة في نِسوةٍ، فسألتها امرأة فقالت: "يا أُمَّ المؤمنين كانت لي جاريةٌ، فبعتُها من زيد بن أرقم بثمانمئة إلى العطاء، ثم ابتعتُها (٢) منه بستمائة، فنقدته الستمائة وكَتبت عليه ثمانمئة" فقالت عائشة: "بئسَ ما اشتريتِ وبئسَ (٣) ما اشترى (٤) زيدُ بن أرقم، إنه قد أبطل جهادَه مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوبَ" فقالت المرأة لعائشة: "أرأيت إن أخذتُ رأس مالي، ورددتُ عليه الفضل؟ " فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٥) [البقرة: ٢٧٥]. وأخرجه الدارقطني (٦) والبيهقي في "سننهما" (٧) عن يونس بن أبي إسحاق الهمداني عن أُمِّه العالية قالت: "كنت قاعدة عند عائشة، فأتتها أم مُحِبّة، فقالت: "إني بعتُ زيدَ بنَ أرقم جاريةً إلى عطائه فذكر نحوه" قال الدارقطني: أُم محبة والعالية مجهولتان لا يُحتجُّ بهما (٨). وهذا الحديث لا يثبت عن

стр. 247

عائشة: قاله الإمام الشافعي قال: ولو ثبت فإنها عابت بيعًا إلى العطاء، لأنه أجلٌ غيرُ، معلوم لا أنها عابت عليه ما اشترت بنقدٍ وقد باعته إلى أجَل، ولو اختلف بعضُ الصحابة في شيء أخذنا بقول من معه القياسُ، والذي معه القياس زيدُ بن أرقم فعمل ما يراه حلالًا، فلا نزعم أن الله يُحْبِطُ عمله (١) اهـ. وقد ذهبَ إلى حديث عائشة جماعةٌ، منهم الثوري والأوزاعي، وأبو حنيفة ومالك، وأحمد بن حنبل، والحسنُ بن صالح (٢)، وصححوا حديثها، والعالية روى عنها زوجها وابنها وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في الثقات. وقال أبو بكر الرازي: إن قيل كيف أنكرت الأول، وهو صحيح عندها يعني الشراءَ إلى العطاء، لأنه روي عنها فعله؟ قلنا: لأنَّها علمت أنها قصدت به إيقاع (٣) البيع الثاني كما يفعل الناس. وفي قولها: "أرأيت إن لم آخذ إلا رأْسَ مالي" وتلاوة عائشة الآية (٤) دليل على إبقائها (٥) العقد الأول، وأن المنكرَ هو الثاني؛ ولو كانت إنما أنكرته لكونه بيعًا إلى العطاءِ كما يقول الخصم، لما أبقت الأول. اهـ (٦).

стр. 248

وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (١): هذا الخبر لا يُثبته أهلُ العلم بالحديث، ولا هو مما يُحتج به عندَهم: فامرأة أبي إسحاق وامرأةُ أبي السفر وأُم ولد (٢) زيد بن أرقم، كُلَّهنَّ غيرُ معروفات بحملِ العلم. وفي مثل هؤلاء روى شعبة عن أبي هاشم (٣) أنه قال: أنه قال: "كانوا يكرهون الرواية عن النساء إلا عن أزواج النبي ﷺ ". والحديثُ منكرُ اللفظ لا أصلَ له، لأن الأعمالَ الصالحة لا يُحْبِطها الاجتهادُ، وإنما يُحبطها الارتدادُ؛ ومحالٌ أن تُلزِمَ عائشة زيدًا التوبة برأيها، وتُكفره باجتهادها هذا ما لا ينبغي أن يُظَن بها، ولا يُقبل عليها. وقد ردَّ عمر خبرَ فاطمة بنتِ قيس في السكنى دون النفقة للمبتوتة وقال: "ما كنا نجيز في ديننا شهادةَ امرأة" (٤) قال أبو عمر: فكيف بامرأةٍ مجهولة.

стр. 249

(سؤال) ما الحكمة في تخصيصها الإبطال بالجهادِ، ولم تقل أبطل صلاته ولا صيامه؟ والجواب: أن في كلام أبي الحسن بن بطال (١) في شرح البخاري ما يُؤخذ منه ذلك وهو أن السيئاتِ لا تُحبطُ الحسنات، فلهذا لم تذكر الصلاةَ، ولكن خصت الجهادَ بالإبطال، لأنه حربٌ لأعداء الله، وآكل الرِّبا قد أذن بحربٍ من الله (٢)، فهو ضِدُّه، ولا ولا يجتمع الضَّدانِ. استدراكها على البراء بن عازب قال البيهقيُّ في سننه" (٣): أخبرنا ابن بِشران: أخبرنا علي بنُ محمد المصري، حدثنا مالك بنُ يحيى حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا زكريا بنُ أبي زائدة عن أبي إسحاق. عن البراء قال: "اعتَمَرَ رسول الله ﷺ ثَلَاثَ عُمَر كُلَّهُنَّ فِي ذِي القعِدة" فقالت عائشةُ: "لقد عَلِمَ أنه اعتمرَ أربعَ عمر بعُمرته التي حَجَّ معها".

стр. 250

قال البيهقي: وهذا ليسَ بمحفوظ. قال الذهبي في مختصره: ومالك لينه ابن حبان (١). استدراكها على عبد الله بن الزبير الحديث الأول: قال أبو بكر بنُ أبي شيبة في "مصنفه" (٢) حدثنا ابن فُضيل عن يزيد، عن مجاهد قال: قال عبدُ الله بن الزبير: "أفردوا الحجَّ ودَعُوا قول أعماكم هذا" فقال: فقال عبد الله بن عباس (٣): "إنَّ الذي أعمى الله قَلْبَهُ (٤) أنتَ، ألا تسألُ أُمَّكَ عن ذلك؟ " فأرسل إليها، فقالت: "صدق ابن عباس، خرجنا مع رسول اللهِ ﷺ حجاجًا، فجعلناها عُمْرةً، فحللنا الإحلالَ كُلَّه حتى سطعت المجامِرُ بَيْنَ الرجالِ والنساء". الحديث الثاني: قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب المناسك الكبير (٥): حدثنا عبدُ الله بن
следующие страницы →