وكذا" (١) .
قال منذر بن سعيد: "فهذا وهب بن مُنَبه يحكي أنَّ آدم خُلِقَ في الأرضِ، وفيها سكن، وفيها نُصب له الفردوس، وأنَّه كان بِعَدَن، وأنَّ الأربعة الأنهار انقسمت من ذلك النهر الَّذي كان يُسَمَّى فردوس آدم، وتلك الأنهار معنا (٢) في الأرض، لا اختلاف بين المصلين (٣) في ذلك، فاعتبروا يا أُولي الألباب.
وأخبر أنَّ الحَيَّة التي كلَّمت آدم كانت من أعظم دوابَّ البَرَّ، ولم يقل: من أعظم دوابِّ السَّماءِ، فهم يقولون: إنَّ الحيَّة (٤) لم تكن في الأرضِ وإنَّما كانت فوق السَّماء السَّابعة.
ثمَّ قال: "وأخرجه من شرق جنَّة عدن، وليس في جنَّة المأوى مشرقٌ ولا مغرب؛ لأنَّه لا شمس فيها".
ثمَّ قال: "وأخرجه إلى الأرضِ التي أُخِذَ منها". يعني أخرجه من الفردوس الَّذي نصب له في عدن، في شرقي أرض الهند.
وهذه الأخبارُ التي حكى ابن قتيبة إنَّما تُنبئ عن أرض اليمن وعن
стр. 107
عدن وهي من أرض اليمن، وأخبر أنَّ اللَّه نصب الفردوس لآدم بعَدَن، ثمَّ أكَّدَ ذلك بأنْ قال: "الأربعة الأنهار التي ذكرنا منقسمةٌ من النَّهرِ الَّذي كان يسقي فردوس آدم".
قال منذر: "وقال ابن قُتَيبة عن ابن منبه عن أُبيٍّ قال: واشتهى آدم عند موته قِطْفًا من الجنَّة التي كان فيها -بزعمهم على ظهر السَّماء السَّابعة- وهو في الأرضِ، فخرج أولاده يطلبون ذلك له، حتَّى بَلَّغتهم الملائكة موته" (١) فأولاد آدم كانوا مَجَانيْن عندكم -إنْ كان ما نقله ابن قُتيبة حَقًّا- يطلبون لأبيهم ثمرة جنَّة الخُلْدِ في الأرضِ؟!
قال: ونحنُ لم نَقُلْ عُشْرَ ما قال هؤلاء، ولو كانت جنَّة الخُلْد لخُلِّدَ فيها، ونحن استدللنا من القرآن، وغيرنا قَطَع وادَّعى ما ليس له عليه بُرْهَان".
فهذا ذكر بعض أقوال من حكى الخلاف في هذه المسألة (٢) ، ونحن
стр. 108
نسوقُ حجج الفريقين إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى، ونبين ما لهم وعليهم إنْ شاء اللَّهُ تعالى.
стр. 109
الباب الثالث: في سياق حُجَج من اختارَ أنَّها جنَّة الخلد التي يدخلها النَّاس يوم القيامة (١)
قالوا: قولنا هذا هو الَّذي فطرَ اللَّهُ عليه النَّاسَ صغيرهم وكبيرهم، لا يخطر بقلوبهم سواه، وأكثرُهم لا يَعْلَم في ذلك نزاعًا.
قالوا: وقد روى مسلم في "صحيحه" (٢) من حديث أبي مالك، عن أبي حازم عن أبي هريرة، وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة ﵄ قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمع اللَّه تعالى النَّاسَ، فيقومُ المؤمنون حتى تُزْلَف (٣) لهم الجنَّة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا: استفتح لنا الجنة: فيقول: وفل أخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم؟ " وذكر الحديث.
قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الجنَّة التي أُخرج منها هي بعينها التي تُطْلَبُ منه أن يستفتحها.
وفي "الصحيحين" (٤) حديث احتجاج آدم وموسى، وقول موسى:
стр. 110
"أخْرَجْتنا ونَفْسَك من الجنَّة".
ولو كانت في الأرضِ، فهم قد خرجوا من بساتين، فلم يخرجوا من الجنَّة.
وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة: "وهل أخرجكم من الجنَّة إلَّا خطيئة أبيكم" (١) ، وخطيئته لم تخرجهم من جِنَان الدنيا.
قالوا: وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) ﴾ [البقرة: ٣٥، ٣٦] عقيب قوله "اهبطوا" فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض.
فهذا يدل على أنَّ هُبُوطهم كان من الجنَّة إلى الأرضِ من وجهين:
أحدهما: من لفظة: ﴿اهْبِطُوا﴾ فإنَّه نزول من علوٍّ إلى سُفل.
والثاني: قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]. عقيب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ فدلَّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض.
ثمَّ أكَّدَ هذا بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥) ﴾ [الأعراف: ٢٥]، ولو كانت الجنَّة في الأرضِ لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده.
قالوا: وقد وصَفَ سبحانه جنَّة آدم بصفاتٍ لا تكون إلَّا في جنَّة
стр. 111
الخُلْدِ فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) ﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩].
وهذا لا يكون في الدنيا أصلًا، فإنَّ الرَّجل ولو كان في أطيب منازلها فلا بُدَّ أن يعرض له شيءٌ من ذلك، وقابل سبحانه بين الجوع والعُرْي، والظمأ (١) والضحى، وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش، والعري (٢) والضحى؛ فإنَّ الجوعَ ذلُّ الباطن، والعُري ذلُّ الظَّاهرِ، والظمأُ حرُّ الباطنِ، والضحى حرُّ الظاهرِ؛ فنفى عن ساكنها ذلَّ الظاهر والباطن، وحرَّ الظاهر والباطن (٣) ، وهذا شأن ساكن جنَّة الخلدِ.
قالوا: وأيضًا، فلو كانت تلك الجنَّة فيِ الدنيا لَعَلِمَ آدمُ كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) ﴾ [طه: ١٢٠]؛ فإنَّ آدم كان يعلمُ أنَّ (٤) الدنيا مُنقضية فانية، وأنَّ ملكها يبلى.
قالوا: وأيضًا، فهذه القصة في سورة البقرة ظاهرةٌ جدًّا في أنَّ الجنَّة التي أُخْرِجَ منها فوق السَّماءِ، فإنَّه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا
стр. 112
مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) ﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٧].
فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنَّةِ، ولهذا أتى فيه بضمير الجمعِ.
وقد قيلَ: إنَّ الخطاب لهما وللحيَّة. وهذا ضعيفٌ جدًّا، إذ لا ذكر للحيَّة في شيءٍ من قصَّة آدم، ولا في السِّياقِ ما يدلُّ عليها.
وقيل: الخطابُ لآدمَ وحوَّاء، وأتى فيه بضمير الجمع كقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، وهمَا داود وسليمان.
وقيل: لآدم وحواء وذريتهما.
وهذه الأقوال ضعيفة غير الأوَّل؛ لأنَّها بين قولٍ لا دليلَ عليه، وبين ما يدلُّ اللفظُ على خلافه، فثبت أنَّ إبليس داخلٌ في هذا الخطابِ، وأنَّه من المُهْبَطِيْن.
فإذا تقرَّر هذا، فقد كرَّر سبحانه الإهباط ثانيًا بقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) ﴾ [البقرة: ٣٨].
والظَّاهرُ أنَّ هذا (١) الإهباط الثاني غيرُ الأوَّل، وهو إهباط من
стр. 113
السماء إلى الأرضِ، والأوَّل إهباط من الجنَّة، وحينئذٍ فتكون الجنَّة التي أُهْبِطُوا منها أوَّلًا فوق السَّماءِ = جنة الخلدِ.
وقد ظنَّ الزمخشري أنَّ قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] خطاب (١) لآدم وحواء خاصَّة، وعبَّر عنهما بالجمع لاسْتِتْباعهما ذُرِّيَّاتهما، قال: "والدليلَ عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]، قال: ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩]، وما هو إلا حكم يعمّ النَّاس كلهم، ومعنى قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ما عليه النَّاسُ من التَّعادي والتَّباغي وتضليل بعضهم بعضا" (٢) .
وهذا الَّذي اختاره أضعف الأقوال في الآية، فإنَّ (٣) العداوة التي ذكرها اللَّهُ تعالى إنَّما هيَ بين آدم وإبليس وذريتهما، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]، وهو سبحانه قد أكَّد أَمْرَ العداوةِ بين الشيطان (٤) والإنسان، وأعاد وأبَّد (٥) ذِكْرَهَا في القرآن لِشِدَّةِ الحاجة إلى التحرز من هذا العدو، وأمَّا آدم وزوجته، فإنَّه إنَّما أخبر في
стр. 114
كتابه أنَّه خلقها ليسكن إليها، وجعل بينهما مودة ورحمة، فالمودةُ والرحمة بين الرجل وزوجته (١) ، والعداوة بين الإنسانِ والشيطان.
وقد تقدَّم ذكر آدم وزوجه وإبليس وهم ثلاثة، فلماذا يعود الضميرُ على بعض المذكور -مع منافرته لطريق الكلام- دون جميعه، مع أنَّ اللفظ والمعنى يقتضيه، فلم يصنع الزمخشري شيئًا.
وأمَّا قوله تعالى في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣]. وهذا خطاب لآدم وحوَّاء، وقد جعلَ بعضهم عدوًّا لبعضٍ: فالضمير في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ إمَّا أنْ يرجعَ إلى آدم وزوجه، أو إلى آدمَ وإبليس، ولم يذكر الزوجة؛ لأنَّها تبع (٢) له وعلى هذا، فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالإهباط، وهما: آدم وإبليس، فالأمر (٣) ظاهر، وأمَّا على الأوَّل، فتكون الآية قد اشتملت على أمرين:
أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط.
والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجه، وبين إبليس؛ ولهذا أتى بضمير الجمع في الثاني دون الأوَّل، ولا بدَّ أن يكون إبليسُ داخلًا في حكمِ هذه العداوة قطعًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، وقال للذرية: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦].
стр. 115
وتأمَّل كيفَ اتَّفقت المواضع التي فيها ذِكْرُ العداوةِ على ضمير الجمعِ دون التثنية؟
وأمَّا الإهباط: فتارة يُذْكَرُ (١) بلفظِ الجمع، وتارةً بلفظِ التثنية، وتارة بلفظِ الإفرادِ، كقوله في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٣] وكذلك في سورة (ص)، وهذا لإبليس وحده.
وحيثُ وردَ بصيغة الجمع: فهو لآدم وزوجه وإبليس، إذْ مدار القصَّة عليهم.
وحيث وردَ بلفظ التثنية: فإمَّا أن يكون لآدم وزوجه، إذ هما الَّلذانِ باشرا الأكلَ من الشجرة، وأقدما على المعصية.
وإمَّا أنْ يكون لآدمَ وإبليس، إذ هما أَبَوَا الثقلين، وأصْلا الذُّريَّة، فذكر حالهما، وما آل إليه أمرهما ليكون عظةً وعبرة لأولادهما، وقد حُكِيت القولان في ذلك.
والَّذي يوضح أنَّ الضمير في قوله: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] لآدم وإبليس، أنَّ (٢) اللَّه سبحانه لمَّا ذكرَ المعصيةَ أفرد بها آدم دون زوجه، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٣]. وهذا يدلُّ على أنَّ المخاطب بالإهباطِ هو آدم ومن زين له المعصية، ودخلت الزوجة تبعًا، فإنَّ المقصودَ إخبار اللَّه سبحانه للثقلين بما جرى على أبويهما من
стр. 116
شؤم المعصية ومخالفة الأمر (١) ، فذكر أبويهما أبلغُ في حصولِ هذا المعنى، من ذِكْر أَبَوَي الإنس فقط.
وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنَّها أكلت مع آدم، وأخبر أنَّه أهبطه وأخرجه من الجنَّة بتلك الأكلة، فعُلِمَ أنَّ حُكْمَ الزوجة كذلك، وأنَّها صارت إلى ما صار إليه آدم.
فكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنسِ وأُمَّهم، فتأمله.
وبالجملةِ فقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] ظاهرٌ في الجمع (٢) ، فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا﴾ [طه: ١٢٣] من غير موجب.
قالوا: وأيضًا، فالجنَّة جاءت مُعَرَّفةً بلام التعريفِ في جميع المواضع، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ونظائره، ولا جنَّة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلَّا جنَّة الخلدِ التي وعد الرَّحمن عباده بالغيب، فقد صارَ هذا الاسمُ عَلَمًا عليها بالغلبةِ: كالمدينةِ والنَّجمِ والبيت والكتاب ونظائرها، فحيثُ ورد لفظها مُعَرَّفًا انصرف إلى الجنَّةِ المعهودةِ المعلومةِ في قلوبِ المؤمنين.
وأمَّا إنْ أُريدَ به جنَّة غيرها فإنَّها تجيءُ منكَّرةً أو مقيَّدةً بالإضافة (٣) ،
стр. 117
أو مقيَّدةً من السِّياقِ بما يدل على أنَّها جنةٌ في الأرضِ.
فالأوَّل: كقوله: ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢].
والثاني: كقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩].
والثالث: كقوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧].
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ جنَّة آدم هي جنَّة المأوى: ما روى هوذَة بن خليفة عن عوف، عن قَسَامَة بن زهير عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أخرج آدم من الجنَّة زوَّده من ثمار الجنَّة، وعلَّمه صنعة كلَّ شيء، فثماركم هذه من ثمار الجنَّة، غير أنَّ هذه تَغَيَّر، وتلك لا تغيَّر (١) " (٢)
стр. 118
قالوا: وقد ضمن اللَّهُ له إنْ تابَ إليهِ، وأناب أنْ يعيده إليها، كما روى المِنْهال عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]. قال: يا ربَّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أيْ ربِّ ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى، قال: أيْ ربِّ ألم تُسْكِنَّي جنتك؟ قال: بلى، قال: أيْ ربِّ ألم تسبق رَحْمَتك غَضَبَكَ؟ قال: بلى، قال أرأيتَ إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنَّة؟ قال: بلى، قال: فهو قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (١) .
وله طرق عن ابن عباس (٢) ، وفي بعضها: "كأنَّ آدم قال لربه إذْ عصاهُ: ربِّ إنْ أنا تُبْتُ وأصلحتُ، فقال له ربُّه: إنِّي راجعُك إلى الجنَّة" (٣) .
فهذه بعض ما احتجَّ به القائلون بأنَّها جنَّة الخلد، ونحن نسوقُ حُجج الآخرين.
стр. 119
الباب الرَّابع في سياق حجج الطائفة التي قالت: ليست جنَّة الخلدِ، وإنَّما هي جنَّةٌ في الأرضِ
قالوا: هذا قول تكثر الدَّلائلُ الموجبة للقول به، فنذكر بعضها.
قالوا: قد أخبرَ اللَّهُ سبحانه على لسان جميع رسله: أنَّ جنة الخُلد إنَّما يكون الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها بَعْدُ، وقد وصفها اللَّهُ لنا في كتابه بصفاتها، ومُحال أن يصف اللَّهُ شيئًا بصفة، ثمَّ يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفها به.
قالوا: فوجدنا اللَّه تعالى وصف الجنَّة التي أُعِدَّت للمتقين بأنَّها: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥]، فمن دخلها أقام بها، ولم يقم آدم بالجنَّة التي دخلها.
ووصفها بأنَّها: ﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥]. وآدم لم يُخَلَّد فيها.
ووصفها بأنَّها: دار ثوابٍ وجزاءٍ، لا دار تكليف وأمرٍ ونهي.
ووصفها بأنَّها (١): دار سلامةٍ مطلقةٍ، لا دار ابتلاءٍ وامتحانٍ، وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء.
ووصفها بأنَّها: دارٌ لا يُعصى اللَّهُ فيها أبدًا، وقد عصى آدمُ ربَّه في
стр. 120
جنته التي دخلها.
ووصفها بأنَّها: ليست دار خوفٍ ولا حَزَنٍ، وقد حصلَ للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل.
وسَمَّاها: دارَ السلام ولم يسْلَم فيها الأبوانِ من الفِتنة.
ودارَ القرار، ولم يستقرَّا فيها.
وقال في داخليها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) ﴾ [الحجر: ٤٨] وقد أُخْرِجَ منها الأبوان.
وقال: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقد ندَّ فيها آدم (١) هاربًا فارًّا، وطفق يخصف ورق الجنَّة على نفسه، وهذا النَّصَبُ بعينه.
وأخبر أنَّه: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) ﴾ [الطور: ٢٣]، وقد سمع فيها آدم لغوَ إبليس وإثمه.
وأخبر أنَّه لا يُسْمَعُ فيها لغوٌ ولا (٢) كِذَّابٌ، وقد سمع فيها آدم ﵇ كَذِب إبليس وإثمه.
وقد سمَّاها اللَّهُ : ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وقد كَذَبَ فيها إبليسُ، وحلف على كذبه.
وقد قال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:
стр. 121
٣٠]، ولم يقل: إنِّي جاعل في جنَّة المأوى، فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ومحال أنْ يكون هذا في جنة المأوى.
وقد أخبر اللَّهُ سبحانه عن إبليس أنَّه قال لآدمَ: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) ﴾ [طه: ١٢٠].
فإن كان (١) اللَّهُ قد أسكنَ آدم جنة الخلد والمُلك الَّذي لا يَبْلَى، فكيف لا (٢) يرد عليه ويقول له: كيف تَدُلُّني على شيءٍ أنا فيه، وقد أُعْطِيتُه، ولم يكن اللَّهُ قد أخبر آدم إذ أسكنه الجنَّة أنَّه فيها من الخالدين، ولو علم أنَّها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس، ولا مال إلى نصيحته، ولكنَّه لما كان في غير دار خلودٍ غرَّهُ بما أطمعه (٣) فيه من الخُلْدِ.
قالوا: ولو كان آدم أُسْكِنَ جنة الخلد، وهي دار القُدس التي لا يسكنها إلَّا طاهرٌ مقدَّسٌ، فكيف توصَّل إليها إبليسُ الرجس النجس المذموم المَدْحُور، حتى فتن فيها آدم ﵇ ووسوس له؟ وهذه الوسوسة: إمَّا أنْ تكون في قلبه، وإمَّا أنْ تكونَ في أُذُنِهِ، وعلى التقديرين، فكيف توصلَ الَّلعينُ إلى دخول دار المتقين.
وأيضًا؛ فبعد أنْ قيلَ له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾
стр. 122
[الأعراف: ١٣]، أيفسح له أنْ يرقى إلى جنة المأوى فوق السَّماء السَّابعة بعد السخط عليه، والإبعادِ له، والدَّحْر (١) والطرد بعُتُوَّهِ (٢) واستكباره، وهل هذا يلائم قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ فإنْ كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تَكَبُّرًا، فما التكبر بعد هذا؟!
فإنْ قلتم: فلعلَّ وسوسته وصلتْ إلى الأبوين، وهو في الأرضِ، وهما فوق السماء في عليين = فهذا غير معقولٍ لغة ولا حسًّا ولا عُرْفًا.
وإن زعمتم أنَّه دخلَ في بطن الحيَّة حتى أوصل إليهما الوسوسة = فأبطلُ وأبطلُ، إذ كيف يَرْقى (٣) بعد الإهباطِ له إلى أنْ يدخل الجنَّة، ولو في بطن الحيَّة؟!
وإنْ قلتمْ: إنَّه دخلَ في قلوبهما، ووسوس إليهما = فالمحذور قائم.
وأيضًا؛ فإنَّ اللَّهَ حكى (٤) مخاطبته لهما كلامًا سمعاهُ شفاهًا، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وهذا دليلٌ على مشاهدته لهما وللشَّجرة، ولمَّا كان آدم خارجًا من الجنَّة وغير ساكن فيها قال اللَّه تعالى له: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾
стр. 123
[الأعراف: ٢٢] ولم يقل عن هذه الشجرة، فعندما قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] لما أطمعهما في مُلْكها، والخلود في مقرَّها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور، تقريبًا لها، وإحضارًا لها عندهما، وربهما تعالى قال لهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ولمَّا أراد إخراجهما منها، فأتى باسم الإشارةِ بلفظ البُعد والغيبة، كأنَّهما لم يبق لهما من الجنَّة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نُهيا عنها.
وأيضًا؛ فإنَّه سبحانه قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ووسوسة اللعين من أخبث الكَلِم، فلا يصعد إلى محل القدس.
قال منذر: "وقد روي عن النَّبي ﷺ : "أنَّ آدمَ ﵇ نامَ في جنته" (١) . وجنة الخُلْد لا نوم فيها بالنَّص، وإجماع المسلمين، فإنَّ النَّبي ﷺ سُئِلَ: أينامُ أهلُ الجنَّة في الجنَّة؟ قال: "لا، النومُ أخو الموتِ" (٢) والنوم وفاةٌ، وقد نطق به القرآن، والوفاة تَقَلُّبُ حالٍ، ودار
стр. 124
السَّلام مسلَّمةٌ من تقلب الأحوالِ، والنَّائمُ ميت أو كالميت".
قلت: الحديث الَّذي أشار إليه المعروف أنَّه موقوف من رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: "خُلِقَتْ حواءُ من قَصِيْرى آدم وهو نائمٌ" (١) .
وقال أَسْبَاط عن السُّدِّي: "أُسْكِن آدم ﵇ الجنَّة، وكان يمشي فيها وَحِشًا ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومةً، فاستيقظ، فإذا عندَ رأسه امرأة قاعدة خلقها اللَّهُ من ضِلَعه، فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالت: لتسكن إليَّ" (٢) .
وقال ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄: "أُلْقِيَ على آدم
стр. 125
عليه السَّلام السِّنة، ثمَّ أُخِذَ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائمٌ، لم يَهُبَّ من نومته، حتى خلق اللَّهُ من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأةً يسكن إليها، فلمَّا كشف عنه السَّنة، وهَبَّ من نومته رآها إلى جنبه فقال: لحْمي ودمي وزوجي (١) ، فسكن إليها" (٢) .
قالوا: ولا نزاع أنَّ اللَّهَ خلقَ آدم في الأرضِ، ولم يَذْكر في موضع واحدٍ أصلًا أنَّه نقله إلى السماء بعد ذلك، ولو كان قد نقله بعد ذلك إلى السَّماءِ لكان هذا أولى بالذكر؛ لأنَّه من أعظم الآيات، ومن أعظم النَّعَمِ عليه، فإنَّه كان مِعْراجًا ببدنه وروحه من الأرضِ إلى فوق السماوات.
قالوا: وكيف نقله سبحانه ويسكنه فوق السَّماءِ، وقد أخبر ملائكته أنَّه جاعِلُهُ في الأرضِ خليفةً (٣) ، وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها يُخَلَّدُ فيها، ولا يخرج منها؟ قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) ﴾ [الحجر: ٤٨].
قالوا: ولو لم يكن مَعَنَا في المسألة إلَّا أنَّ اللَّهَ سبحانه أهبط إبليس من السَّماءِ حين امتنع من السجود لآدم ﵇، وهذا أمر تكوين
стр. 126
لا يمكن وقوع خلافه، ثمَّ أدخل آدم ﵇ الجنَّة بعد هذا، فإنَّ الأمرَ بالسجود كان عقيب خلقه من غير فصل، فلو كانت الجنَّة (١) فوق السماوات لم يكن لإبليس سبيلٌ إلى صعودِه إليها، وقد أُهبِطَ منها.
وأمَّا تلك التقادير التي قدَّرتموها فتكلُّفات ظاهرة:
كقول من قال: يجوز أنْ يصعد إليها صعودًا عارضًا لا مستقرًّا.
وقول من قال: أدْخَلَتْه الحيَّة.
وقول من قال: دخل في أجوافهما (٢) .
وقول من قال: يجوزُ أن تصل وسوسته إليهما وهو في الأرضِ، وهما فوق السَّماء.
ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الشَّديد، والتكلف البعيد، وهذا بخلاف قولنا، فإنَّه لما أهبطه سبحانه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم ﵇ أُشْرِبَ عداوته، فلمَّا أسكنه جنته حسده عدوه، وسعى بكيدِهِ وغروره في إخراجه منها، واللَّهُ أعلم.
قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ جنَّة آدم لم تكن جنة الخلدِ التي وُعِدَ المتقون: أنَّ اللَّهَ سبحانه لما خلقه أعلمه أنَّ لِعُمُرِهِ أجلًا ينتهي إليه، وأنَّه لم يخلقه للبقاءِ، كما روى الترمذي في "جامعه" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خَلَقَ اللَّهُ
стр. 127
آدم ونفخَ فيه من الروح عطس، فقال: الحمدُ للَّهِ، فحمدَ اللَّه (١) بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمك اللَّه يا آدمُ، اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم قالوا: وعليك السَّلام (٢) ، ثمَّ رجع إلى ربَّه فقال: إنَّ هذه التَّحية (٣) تحيتك وتحية بَنِيْك بينهم، فقال اللَّهُ له ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت، فقال: اخترت يمين ربي -وكلتا يَدَي ربِّي يمينٌ مباركة- ثمَّ بسطها فإذا فيها آدم وذريته، فقال: يا رب ما هؤلاءِ؟ قال: هؤلاء ذُرَّيتُك، فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ عُمُره بين عينيه، فإذا رجلٌ أضوؤهم، أو من أضوئهم قال: يا ربَّ من هذا؟ قال: هذا ابنُك داود، وقد كَتبتُ لَهُ عُمُر أربعين سنةً، قال: يا ربِّ زدْ في عمره، قال: ذلك الَّذي كتبتُ له، قال: ربَّ، فإنَّي قد جعلتُ له من عُمُري سِتَّين سنة، قال: أنت وذاك، قال: ثمَّ أُسكِنَ آدم الجنَّة ما شاءَ اللَّهُ، ثمَّ أُهْبط منها، فكان آدم يَعُدُّ لِنَفْسِهِ: فأتاهُ مَلَكُ الموتِ فقال له آدم: قد عجلتَ قد كُتِبَتْ لي ألفُ سنةٍ، قال: بلى، ولكنَّك جعلتَ لابنك داودَ ستين سنة، فجحَدَ فجحدت ذريته، ونَسِيَ فنسيت ذُرَّيتُه، قال: فمن يومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشُّهودِ" (٤) .
стр. 128
قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد رُوِيَ من غير وجهٍ عن أبي هريرة" (١) .
قالوا: فهذا صريحٌ في أنَّ آدمَ ﵇ لم يُخْلَق في دار البقاءِ التي لا يموت من دخلها، وإنَّما خُلِقَ في دار الفناء التي جعل اللَّهُ تعالى لها ولسُكَّانِها أجلًا معلومًا، وفيها أُسْكِنَ.
فإنْ قيلَ: فإذا كان آدمُ ﵇ قد علم أنَّ له عمرًا مُقَدَّرًا، وأجلًا ينتهي إليه، وأنَّه ليسَ من الخالدين، فكيف لم يَعْلَمْ كَذبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠]؟ وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) ﴾ [الأعراف: ٢٠].
стр. 129
فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الخُلد لا يستلزم الدوام والبقاء، بل هو المكث الطويل، كما سيأتي (١) .
الثاني: أنَّ إبليس لما حلف لهُ، وغَرَّه وأطمعه في الخلود نسي ما قُدَّرَ له من عُمُره.
قالوا: وأيضًا فمن المعلوم الَّذي لا ينازع فيه مسلمٌ أنَّ اللَّه سبحانه خلق آدم ﵇ من تربة هذه الأرض، وأخبر أنَّه خلقه ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ﴾ [المؤمنون: ١٢]، وأنَّه خلقهُ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) ﴾ [الحجر: ٢٦]. فقيل: هو الَّذي له صلصلة ليُبْسِهِ.
وقيل: هو الَّذي قد تَغَيَّرت رائحته، من قولهم: صَلَّ اللحم إذا تغيَّرَ.
والحَمَأُ: الطِّيْنُ الأسود المُتَغَير. والمَسْنُون: المَصْبُوب.
وهذه كلها أطوار للتراب الَّذي هو مبدؤه الأوَّل، كما أخبرَ عن أطوار خلق الذرية ﴿مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج: ٥] ولم يخبر أنَّه رفعه من الأرضِ إلى فوق السماوات، لا قبل التَّخْلِيق ولا بعده، فأين الدليل الدَّالُّ على إصْعاد مادَّته، أو إصعاده (٢) هو بعد خلقه، وهذا ما لا دليل لكم عليه، ولا هو لازِمٌ من لوازم ما
стр. 130
أخبر اللَّهُ به؟
قالوا: ومن المعلوم أنَّ ما فوق السماوات ليس بمكان للطين الأرضي المتغير الرَّائحة الَّذي قد أنْتَن من تغيره، وإنَّما محل هذا الأرضِ التي هي محل المُتَغيَّرات الفاسدات، وأمَّا ما فوق الأفلاك فلا يلحقه تَغَيُّر ولا نَتَنٌ ولا فسادٌ (١) ولا استحالة، فهذا أمرٌ لا يرتابُ فيه العقلاء.
قالوا: وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨) ﴾ [هود: ١٠٨]، فأخبر سبحانه أنَّ عطاء جنة الخلد غير مجذوذ.
قالوا: فإذا جُمِعَ ما أخبر اللَّهُ سبحانه به من أنَّه خلقه من الأرضِ، وجعله خليفة في الأرضِ، وأنَّ إبليس وسوس إليه في مكانه الَّذي أسكنه فيه، بعد أنْ أهبطه من السماء بامتناعه من السجود له، وأنَّه أخبر ملائكته أنَّه ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وأنَّ دار الخلد: دار جزاء وثوابٍ على الامتحان والتَّكاليف، وأنَّها لا لغوَ فيها ولا تأثيم ولا كِذَّابًا، وأن من دخلها لا يخرج منها، ولا يَبْؤُس ولا يحزن، ولا يخاف ولا ينامُ، وأنَّ اللَّهَ حرمها على الكافرين، وإبليس رأس الكفر، فإذا جُمِعَ ذلك بعضه إلى بعضٍ، وفكَّر فيه المُنْصِفُ الَّذي رُفِعَ له علم الدليل، فشمَّر إليه، وربأ بنفسه عن حضيض التقليد تَبَيَّن له الصوابُ، واللَّهُ الموفق.
стр. 131
قالوا: ولو لم يكن في هذه المسألة إلَّا أنَّ الجنَّة ليستْ دار تكليفٍ، وقد كلف اللَّه سبحانه الأبوين بِنَهْيهِمَا عن الأكل من الشجرة، فدلَّ على أنَّها دار تكليف (١) لا دار جزاء وخُلْد.
فهذا أيضًا بعض ما احتجتْ به هذه الفرقة على قولها (٢) ، واللَّهُ أعلم.
стр. 132
الباب الخامس في جواب أرباب هذا القول لأصحاب القول الأوَّل
قالوا: أمَّا قولكم: إنّ قولنا هو الَّذي فطر اللَّهُ عليه عباده بحيث لا يعرفون سِوَاهُ، فالمسألةُ سمعية لا تُعْرَفُ إلَّا بأخبار الرسل، ونحن وأنتم إنَّما تلقينا هذا من القرآن، لا من المعقول ولا من الفطرة، فالمتَّبع فيه ما دلَّ عليه كتابُ اللَّهِ تعالى وسنَّة رسوله ﷺ ، ونحن نطالبكم بصاحبٍ واحدِ، أو تابعٍ أو أثرٍ صحيحٍ أو حسن، يصرِّح بأنها جنَّةُ الخلد التي أعدَّها اللَّهُ للمؤمنين بعَيْنِهَا، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلًا، وقد أوجدناكم من كلام السلف ما يدل على خلافه، ولكن لمَّا وردت الجنَّة مُطْلقةً في هذه القِصَّة، وافقت اسم الجنَّة التي أعدَّها اللَّهُ لعباده في إطلاقها، وبعض أوصافها، فذهب كثيرٌ من الأوهام إلى أنَّها هي بعينها، فإنْ أردتم بالفطرة هذا القدر لم يُفِدْكم شيئًا، وإنْ أردتم أنَّ اللَّهَ فطر الخلق على ذلك كما فطرهم على حُسْن العدل وقبح الظلم، وغير ذلك من الأمور الفِطْرية فدعوى باطلة، ونحن إذا رجعنا [٢٦/ ب] إلى فطرنا لم نجد علمها بذلك، كعلمها (١) بوجوب الواجبات، واستحالة المستحيلات.
وأمَّا استدلالكم بحديث أبي هريرة ﵁، وقول آدم: "وهل أخرجكم منها إلَّا خطيئة أبيكم؟ " (٢) فإنَّما يدلُّ على تأخُّر آدم
стр. 133
عليه السلام عن الاستفتاح (١) للخطيئة التي تقدمت منه في دار الدنيا، وأنَّه بسبب تلك الخطيئة حصل له الخروج من الجنَّة، كما في اللفظ الآخر: "إني نُهِيتُ عن أكل الشجرة فأكلت منها" (٢) ، فأينَ في هذا ما يدل على أنَّها جنة المأوى بمطابقةٍ أو تَضَمُّن أو اسْتِلزام، وكذلك قول موسى له: "أخرجتنا ونفسَكَ من الجنَّة" (٣) ، فإنَّه لم يقل له: أخرجتنا من جنة الخلد.
وقولكم: إنَّهم خرجوا إلى بساتين من جنس الجنَّة التي في الأرضِ، فاسم الجنَّة وإن أُطْلِقَ على تلك البساتين، فبينها وبين جنَّة آدم ما لا يعلمه إلَّا اللَّهُ، وهي كالسجن بالنَّسبة إليها، واشتراكهما في كونهما في الأرضِ لا ينفي تفاوتهما أعظم تفاوتٍ في جميع الأشياء.
وأمَّا استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦] عقيب إخراجهم من الجنَّة، فلفظُ الهبوط لا يستلزم النزول من السماء إلى الأرض، وغايته أن يدلَّ على النزول من مكان عال إلى أسفل منه، وهذا غير منكر، فإنَّها كانت جنَّةً في أعلى الأرضِ، فأُهبِطوا منها إلى الأرضِ.
стр. 134
وقد بيَّنَّا أنَّ الأمرَ كان (١) لآدم وزوجه وعدوهما، فلو كانت الجنَّة في السماء لما كان عدوُّهما متمكنًا منهما (٢) بعد إهباطه الأوَّل؛ لمَّا أبى السُّجود لآدم ﵇، فالآية إذًا من أظهر الحُجَجَ عليكم، ولا تغني عنكم وجوه التَّعَسُّفَات والتكلفات التي قدَّرتُمُوها، وقد تقدمت.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، فهذا لا يدلُّ على أنَّهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرضِ؛ فإنَّ الأرضَ اسمُ جنسٍ، وكانوا في أعلاها وأطيبها وأفضلها، في محل لا يدركهم فيه جوع ولا عُري ولا ظمأ ولا ضحى، فأُهْبِطوا إلى أرضٍ يعرض فيها ذلك كله، وفيها حياتهم وموتهم، وخروجهم من القبور، والجنَّة التي أسكناها لم تكن دار نصبٍ ولا تعبٍ ولا أذًى، والأرض التي أهبطوا إليها هي محل التعب والنصب، والأذى وأنواع المكاره.
وأمَّا قولكم: إنَّه وصفها بصفاتٍ لا تكون في الدنيا.
فجوابه: أنَّ تلك الصِّفات لا تكون في الأرضِ التي أهبطوا إليها، فمن أين لكم أنَّها لا تكون في الأرضِ التي أُهْبِطوا منها.
وأمَّا قولكم: إنَّ آدم ﵇ كان يعلم أنَّ الدنيا مُنْقَضِية فانية، فلو كانت الجنَّة فيها لَعَلِمَ كَذِبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠].
стр. 135
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ الَّلفظ إنَّما يدل على الخُلْد، وهو أعمُّ من الدَّوام الَّذي لا انقطاع له، فإنَّهُ في اللغة: المُكْثُ الطَّويل. ومكث كل شيء بحسبه، ومنه قولهم: رجل مخلَّد. إذا أَسَنَّ وكَبر، ومنه قولهم لأثافيِّ (١) الصخور: خَوالِد. لطول بقائها بعد دروس الأطلال. قال:
إلَّا رمادًا هامِدًا دفعت ... عنه الرياح خوالدٌ سَحْم (٢)
ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده، وإن كان له أوَّل، كما قال تعالى: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) ﴾ [يس: ٣٩] (٣) ، وَ ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) ﴾ [الأحقاف: ١١]، وقد أطلق تعالى الخلود في النَّارِ على عذاب بعض العصاة، كقاتل النفس، وأطلقه النَّبي ﷺ على قاتل نفسه.
الوجه الثاني: أنَّ العلم بانقطاع الدنيا ومجيء الآخرة، إنَّما يعلم بالوحي، ولم يتقدَّم لآدم ﵊ نُبُوَّة يُعْلَمُ بها ذلك، وهو وإنْ نبَّأهُ اللَّهُ وأوحى إليه، وأنزل عليه صُحُفًا، كما في حديث أبي ذرٍّ (٤) ﵁، لكن هذا بعد إهباطه إلى الأرض
стр. 136
بنصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣]، وكذلك في سورة البقرة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ الآية [البقرة: ٣٨].
وأمَّا قولكم: إنَّ الجنَّة وردت مُعَرَّفةً بالَّلامِ التي للعَهدِ فتنصرف إلى جنَّة الخُلد، فقد وردت مُعَرَّفة بالَّلام، غير مرادٍ بها جنَّة الخلد قطعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾
стр. 137
[القلم: ١٧].
وقولكم: إنَّ السَّياق ها هنا دلَّ على أنَّها جنَّةٌ في الأرضِ.
قُلنا: والأدلة التي ذكرناها دلَّت على أنَّ جنة آدم ﵇ في الأرضِ، فلذلك صِرْنَا إلى مُوْجِبِهَا، إذْ لا يجوزُ تعطيل دلالة الدليل الصحيح.
وأمَّا استدلالكم بأثر أبي موسى: "أنَّ اللَّه أخرج آدم من الجنَّة وزوَّده من ثمارها" (١) ، فليس فيه زيادة على ما دلَّ عليه القرآن، إلَّا تزوده منها، وهذا لا يقتضي أنْ تكون جنَّة الخُلْدِ.
وقوله: "إنَّ هذه تتغير، وتلك لا تتغير" فمن أين لكم أنَّ الجنَّة التي أسكنها آدم كان التَّغيُّر يَعْرِضُ لثمارها، كما يَعْرِضُ لهذه الثمار، وقد ثبتَ في الحديث الصحيح عِن النَّبي ﷺ أنه قال: "لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَز الَّلحم" (٢) أي: لم يَتَغَيَّر ولم يَنْتَنْ، وقد أبقى اللَّهُ في هذا العالم طعامَ العُزَيْر وشَرَابَهُ مئة سنةٍ لم يتغيَّر (٣) .
وأمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لآدم ﵇ إنْ تابَ أن يعيده إلى الجنَّة، فلا ريبَ أنَّ الأمرَ كذلك، ولكن ليس نعلم أنَّ
стр. 138
الضمان إنَّما يتناول عوده إلى تلك الجنَّة بِعَيْنِهَا، بل إذا أعاده إلى جنة الخلد، فقد وفَى سبحانه بضمانه حقَّ الوفاءِ، ولفظُ العَوْد لا يستلزم الرجوع إلى عَيْنِ الحالةِ الأولى، ولا زمانها ولا مكانها، بل (١) ولا إلى نظيرها، كما قال شعيب لقومه: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، وقد جعل اللَّهُ سبحانه المُظَاهِرَ (٢) عائدًا بإرادته الوطء ثانيًا، أو بنفس الوطء، أو بالإمساكِ، وكل منها غيرُ الأوَّلِ لا عينه.
فهذا ما أجابت به هذه الطائفة لمن نازعها.
стр. 139
الباب السَّادس في جوابِ من زعمَ أنَّها جنَّة الخلد عمَّا احتجَّ به منازعوهم
قالوا: أمَّا قولكم: إنَّ اللَّهَ سبحانه أخبر أنَّ جنَّة الخلدِ إنَّما يقع الدخول إليها يوم القيامة، ولم يأتِ زمن دخولها بَعْدُ.
فهذا حقٌّ في الدخول المطلق، الَّذي هو دخول استقرارٍ ودوامٍ، وأمَّا الدخول العارض، فيقع قبل يوم القيامة.
وقد دخل النَّبي ﷺ الجنَّة ليلة الإسراء (١)، وأرواح المؤمنين والشهداء في البَرْزخ في الجنَّة (٢)، وهذا (٣) غير الدخول الَّذي أخبر اللَّهُ به في يوم القيامة (٤)، فدخول الخُلُود إنَّما يكون يوم القيامة، فمن أين لكم أنَّ مُطْلق الدخول لا يكون في الدنيا، وبهذا خَرَجَ الجواب عن استدلالكم بكونها دار المقامة، ودار الخلد؟
قالوا: وأمَّا احتجاجكم بسائرِ الوجوهِ التي ذكرتموها في الجنَّة، وأنَّها لم توجد في جنَّة آدم ﵇ من العُري، والنصب والحزن والَّلغوِ والكذب وغيرها.
فهذا كله حقٌّ لا ننكره نحن، ولا أحد من أهل الإسلام، ولكن هذا
стр. 140
إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، كما يدل عليه سياق الآيات كلها، فإنَّ نفي ذلك مقرونٌ بدخول المؤمنين إيَّاها، وهذا لا ينفي أنْ يكونَ فيها بين أبوي (١) الثقلين ما حكاهُ اللَّهُ من ذلك، ثمَّ يصير الأمر عند دخول المؤمنين إيَّاها إلى ما أخبر اللَّهُ عنها، فلا تَنَافي بين الأمرين.
وأمَّا قولكم: إنَّها دارُ جزاءٍ وثوابٍ لا دار تكليفٍ، وقد كلَّف اللَّهَ سبحانه آدم بالنهي عن الأكل من تلك الشجرة، فدلَّ على أنَّ تلك الجنَّة دار تكليفٍ لا دار خلود.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه إنَّما (٢) يمتنع أنْ تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطع التكليف. وأما وقوع التكليف فيها في دار الدنيا، فلا دليلَ على امتناعه البَتَّة، كيف وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "دخلتُ (٣) الجنَّة فرأيتُ امرأةً تَوَضَّأُ إلى جانب (٤) قصرٍ فقلتُ لمن أنتِ. . " (٥) الحديث.
стр. 141
وغير ممتنع أن يكون فيها منْ يعمل بأمر اللَّهِ ويعبد اللَّه قبل يوم القيامة، بل هذا هو الواقع (١) ، فإنَّ مَنْ فيها الآن مُؤْتَمَرُون بأوامر مِنْ قِبل ربَّهم لا يتعدُّونها سواء سُمِّيَ ذلك تكليفًا أو لم يُسَمَّ.
الوجه الثاني: أنَّ التكليف فيها لم يكن بالأعمالِ التي يكلَّف بها النَّاس في الدنيا: من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنَّما كان حَجْرًا عليهما في شجرةٍ واحدةٍ من جملة أشجارها، إمَّا واحدة بالعَيْن أو بالنَّوع، وهذا القدرُ لا يمتنع وقوعه في دار الخلد، كما أنَّ كلَّ أَحَدٍ محجورٍ عليه أنْ يَقْرَبَ أهل غيرِهِ فيها، فإنْ أردْتُم بكونها ليست دار تكليفٍ امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات، فلا دليلَ عليه، وإنْ أردتم أنَّ تكاليف الدنيا منتفيةٌ عنها، فهو حقٌّ، ولكن لا يدل على مطلوبكم.
وأمَّا استدلالكم بنوم آدم فيها، والجنَّة لا ينامُ أهلها.
فهذا إنْ ثبتَ النَّقْلُ بنَوْمِ آدم، فإنَّما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود، حيث لا يموتون، وأمَّا قبل ذلك فلا.
وأمَّا استدلالكم بقصة وسْوَسَة إبليس له بعد إهباطه، وإخراجه من السَّماء. فَلَعْمرُ اللَّهِ إنَّه لَمِنْ أقْوَى الأدلة، وأظهرها على صحة قولكم، وتلك التَّعسُّفاتِ كدخوله (٢) الجنَّة، وصعوده إلى السَّماءِ بعد إهباط اللَّه له منها (٣) لا يرتضيها مُنْصِف؛ ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هناكَ
стр. 142
صُعُودًا عارِضًا لِتَمام الابتلاءِ والامتحان الَّذي قدَّره اللَّهُ تعالى وقدَّر أسبابه، وإنْ لم يكن ذلك المكان مَقْعَدًا له مُسْتَقِرًّا كما كان، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه عن الشياطين أنَّهم كانوا قبل مبعث رسول اللَّه ﷺ ، يقعدون من السَّماء مقاعد للسمع، فيستمعون الشيءَ من الوحي، وهذا صعودٌ إلى هناك، ولكنَّه (١) صعودٌ عارضٌ لا يستقرون في المكان الَّذي يصعدون إليه = مع قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، [الأعراف: ٢٤] فلا تنافي بين هذا الصعود وبين الأمر بالهبوط، فهذا محتملٌ، واللَّهُ أعلم.
وأمَّا استدلالكم بأنَّ اللَّهَ سبحانه أعلم آدم ﵇ مقدار أجله، وما ذكرتم من الحديثِ وتقرير الدَّلالة منه (٢) .
فجوابه: أنَّ إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنَّة الخُلْد، وإسكانه فيها مُدَّة.
وأمَّا إخباره سبحانه أنَّ داخلها لا يموت، وأنَّه لا يَخْرُج منها، فهذا يومُ القيامة.
وأمَّا احتجاجكم بكونه خُلِقَ من الأرض، فلا ريب في ذلك، ولكن من أين لكم أنَّه كَمَّلَ خَلْقَهُ فيها؟ وقد جاء في بعض الآثارِ: "أنَّ اللَّهَ سبحانه ألقاهُ على باب الجنَّة أربعين صباحًا، فجعل إبليسُ يَطِيْفُ به، ويقول: لأمرٍ ما خُلِقْتَ، فلمَّا رآهُ أجوفَ علم أنَّه خلق لا يَتَمالك،
стр. 143
فقال: لئن سُلَّطْتُ عليه لأُهْلِكَنَّهُ، وإنْ (١) سُلَّطَ عليَّ لأَعْصِينَّه" (٢) ، مع أنَّ قوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣] يدلُّ على أنَّه كان في السَّماء معهم بحيثُ أنبأهم بتلك الأسماء، وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرضِ، حتَّى سمعوا منه ذلك، ولو كان خلْقُه قد كمل في الأرضِ لم يمتنع أنْ يصعده سبحانه إلى السَّماءِ لأمرٍ دَبَّرهُ وقدَّرهُ ثمَّ يعيدهُ إلى الأرضِ، فقد أصعد المسيح صلوات اللَّه وسلامه عليه إلى السَّماءِ، ثمَّ ينزله إلى الأرضِ قبل يوم القيامة، وقد أسرى ببدن رسول اللَّه ﷺ وروحه إلى فوق السماوات.
فهذا جواب القائلين بأنَّها جنَّة الخلد لمنازعيهم، واللَّهُ أعلم.
стр. 144
الباب السَّابع في ذكر شُبَه من زعم أنَّ الجنَّةَ لم تُخلق بعد
قالوا: لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضْطِرارًا إلى أنْ تَفْنى يوم القيامة، وأن يَهْلِك كل ما فيها ويموت، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فتموت الحور العين التي فيها والوِلْدان، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه أنَّ الدَّار دار خلود، ومن فيها يخلدون (١) لا يموتون فيها، وخبره سبحانه لا يجوز عليه خُلْف ولا نسخ.
قالوا: وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقيتُ إبراهيم ليلةَ أُسري بي فقال: يا محمد أقرئ أُمَّتَكَ منَّي السَّلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيبةُ التربة عذبةُ الماءِ، وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها: سبحانَ اللَّه، والحمدُ للَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، واللَّهُ أكبر" (٢). قال: "هذا حديث حسن غريب".
وفيه أيضًا، من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النَّبي
стр. 145
- ﷺ أنَّه قال: "من قالَ سبحانَ اللَّه وبحمدهِ، غُرِسَت له نَخلةٌ في الجنَّة" (١) . قال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح".
قالوا: فلو كانت الجنَّة مخلوقةً مفروغًا منها، لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغرس معنى.
قالوا: وقد قال تعالى عن امرأةِ فرعون أنَّها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ومحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوبًا، أو بنى له بيتًا: انسج لي ثوبًا، وابن لي بيتًا.
وأصرح من هذا قول النَّبي ﷺ : "من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّهُ له به بيتًا في الجنَّة" متفق عليه (٢) .
وهذه جُمْلة مركَّبة من شَرْطٍ وجزاءٍ، تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهل العربية، وهذا ثابتٌ عن النَّبي ﷺ من رواية عثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة (٣) ﵃.