← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وغير ممتنع أن يكون فيها منْ يعمل بأمر اللَّهِ ويعبد اللَّه قبل يوم القيامة، بل هذا هو الواقع (١) ، فإنَّ مَنْ فيها الآن مُؤْتَمَرُون بأوامر مِنْ قِبل ربَّهم لا يتعدُّونها سواء سُمِّيَ ذلك تكليفًا أو لم يُسَمَّ. الوجه الثاني: أنَّ التكليف فيها لم يكن بالأعمالِ التي يكلَّف بها النَّاس في الدنيا: من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنَّما كان حَجْرًا عليهما في شجرةٍ واحدةٍ من جملة أشجارها، إمَّا واحدة بالعَيْن أو بالنَّوع، وهذا القدرُ لا يمتنع وقوعه في دار الخلد، كما أنَّ كلَّ أَحَدٍ محجورٍ عليه أنْ يَقْرَبَ أهل غيرِهِ فيها، فإنْ أردْتُم بكونها ليست دار تكليفٍ امتناع وقوع مثل هذا فيها في وقت من الأوقات، فلا دليلَ عليه، وإنْ أردتم أنَّ تكاليف الدنيا منتفيةٌ عنها، فهو حقٌّ، ولكن لا يدل على مطلوبكم. وأمَّا استدلالكم بنوم آدم فيها، والجنَّة لا ينامُ أهلها. فهذا إنْ ثبتَ النَّقْلُ بنَوْمِ آدم، فإنَّما ينفي النوم عن أهلها يوم دخول الخلود، حيث لا يموتون، وأمَّا قبل ذلك فلا. وأمَّا استدلالكم بقصة وسْوَسَة إبليس له بعد إهباطه، وإخراجه من السَّماء. فَلَعْمرُ اللَّهِ إنَّه لَمِنْ أقْوَى الأدلة، وأظهرها على صحة قولكم، وتلك التَّعسُّفاتِ كدخوله (٢) الجنَّة، وصعوده إلى السَّماءِ بعد إهباط اللَّه له منها (٣) لا يرتضيها مُنْصِف؛ ولكن لا يمتنع أن يصعد إلى هناكَ

стр. 142

صُعُودًا عارِضًا لِتَمام الابتلاءِ والامتحان الَّذي قدَّره اللَّهُ تعالى وقدَّر أسبابه، وإنْ لم يكن ذلك المكان مَقْعَدًا له مُسْتَقِرًّا كما كان، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه عن الشياطين أنَّهم كانوا قبل مبعث رسول اللَّه ﷺ ، يقعدون من السَّماء مقاعد للسمع، فيستمعون الشيءَ من الوحي، وهذا صعودٌ إلى هناك، ولكنَّه (١) صعودٌ عارضٌ لا يستقرون في المكان الَّذي يصعدون إليه = مع قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، [الأعراف: ٢٤] فلا تنافي بين هذا الصعود وبين الأمر بالهبوط، فهذا محتملٌ، واللَّهُ أعلم. وأمَّا استدلالكم بأنَّ اللَّهَ سبحانه أعلم آدم ﵇ مقدار أجله، وما ذكرتم من الحديثِ وتقرير الدَّلالة منه (٢) . فجوابه: أنَّ إعلامه بذلك لا ينافي إدخاله جنَّة الخُلْد، وإسكانه فيها مُدَّة. وأمَّا إخباره سبحانه أنَّ داخلها لا يموت، وأنَّه لا يَخْرُج منها، فهذا يومُ القيامة. وأمَّا احتجاجكم بكونه خُلِقَ من الأرض، فلا ريب في ذلك، ولكن من أين لكم أنَّه كَمَّلَ خَلْقَهُ فيها؟ وقد جاء في بعض الآثارِ: "أنَّ اللَّهَ سبحانه ألقاهُ على باب الجنَّة أربعين صباحًا، فجعل إبليسُ يَطِيْفُ به، ويقول: لأمرٍ ما خُلِقْتَ، فلمَّا رآهُ أجوفَ علم أنَّه خلق لا يَتَمالك،

стр. 143

فقال: لئن سُلَّطْتُ عليه لأُهْلِكَنَّهُ، وإنْ (١) سُلَّطَ عليَّ لأَعْصِينَّه" (٢) ، مع أنَّ قوله سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣١ - ٣٣] يدلُّ على أنَّه كان في السَّماء معهم بحيثُ أنبأهم بتلك الأسماء، وإلا فهم لم ينزلوا كلهم إلى الأرضِ، حتَّى سمعوا منه ذلك، ولو كان خلْقُه قد كمل في الأرضِ لم يمتنع أنْ يصعده سبحانه إلى السَّماءِ لأمرٍ دَبَّرهُ وقدَّرهُ ثمَّ يعيدهُ إلى الأرضِ، فقد أصعد المسيح صلوات اللَّه وسلامه عليه إلى السَّماءِ، ثمَّ ينزله إلى الأرضِ قبل يوم القيامة، وقد أسرى ببدن رسول اللَّه ﷺ وروحه إلى فوق السماوات. فهذا جواب القائلين بأنَّها جنَّة الخلد لمنازعيهم، واللَّهُ أعلم.

стр. 144

الباب السَّابع في ذكر شُبَه من زعم أنَّ الجنَّةَ لم تُخلق بعد قالوا: لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضْطِرارًا إلى أنْ تَفْنى يوم القيامة، وأن يَهْلِك كل ما فيها ويموت، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] و ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فتموت الحور العين التي فيها والوِلْدان، وقد أخبر اللَّهُ سبحانه أنَّ الدَّار دار خلود، ومن فيها يخلدون (١) لا يموتون فيها، وخبره سبحانه لا يجوز عليه خُلْف ولا نسخ. قالوا: وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقيتُ إبراهيم ليلةَ أُسري بي فقال: يا محمد أقرئ أُمَّتَكَ منَّي السَّلام، وأخبرهم أنَّ الجنَّة طيبةُ التربة عذبةُ الماءِ، وأنَّها قيعان، وأنَّ غراسها: سبحانَ اللَّه، والحمدُ للَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، واللَّهُ أكبر" (٢). قال: "هذا حديث حسن غريب". وفيه أيضًا، من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ عن النَّبي

стр. 145

- ﷺ أنَّه قال: "من قالَ سبحانَ اللَّه وبحمدهِ، غُرِسَت له نَخلةٌ في الجنَّة" (١) . قال: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح". قالوا: فلو كانت الجنَّة مخلوقةً مفروغًا منها، لم تكن قيعانًا، ولم يكن لهذا الغرس معنى. قالوا: وقد قال تعالى عن امرأةِ فرعون أنَّها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ومحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوبًا، أو بنى له بيتًا: انسج لي ثوبًا، وابن لي بيتًا. وأصرح من هذا قول النَّبي ﷺ : "من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّهُ له به بيتًا في الجنَّة" متفق عليه (٢) . وهذه جُمْلة مركَّبة من شَرْطٍ وجزاءٍ، تقتضي وقوع الجزاء بعد الشرط بإجماع أهل العربية، وهذا ثابتٌ عن النَّبي ﷺ من رواية عثمان ابن عفان، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة (٣) ﵃.

стр. 146

قالوا: وقد جاءت آثار بأنَّ الملائكة تغرس فيها، وتبني للعبد ما دام يعمل، فإذا فَتَرَ فتر الملك عن العمل. قالوا: وقد روى ابن حبان في "صحيحه" والإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قَبَضَ اللَّهُ ولدَ العبد، قالَ: يا ملكَ الموتِ قبضتَ ولدَ عبدي، قبضت قُرَّة عينه وثمرة فؤادِهِ، قال: نعم، قال: فما قال؟ قال: حَمدكَ واسترجعَ، قال: ابنوا له بيتًا في الجنَّة، وسمُّوه بيتَ الحمد" (١) .

стр. 147

وفي "المسند" من حديثه أيضًا قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلَّى في يومٍ وليلةٍ ثنتي عشْرة ركعةً سوى الفريضة بُنيَ له بيت في الجنَّة" (١) . قالوا: وليس هذا من أقوال أهل البدع والاعتزال كما زعمتم، فهذا ابن مُزين قد (٢) ذكر في "تفسيره" عن ابن نافع، وهو من أئمة السنَّة، أنَّهُ سُئِلَ عن الجنَّة أمخلوقة هي؟ فقال: السكوت عن هذا أفضل. واللَّهُ أعلم.

стр. 148

الباب الثامن في الجواب عمَّا احتجت به هذه الطائفة وقد تقدَّم في الباب الأوَّل من ذكر الأدلَّة الدَّالة على وجود الجنَّة الآن ما فيه كفاية. فنقول: ما تعنون بقولكم: إنَّ الجنَّة (١) لم تُخْلَق بَعْدُ؟ أتريدون أنَّها الآن عدَمٌ محضٌ لم تدخل إلى (٢) الوجود بعدُ، بل هي بمنزلة النفخ في الصُّور، وقيام النَّاس من القبور؟ فهذا قولٌ باطلٌ يَرُدُّه المعلوم بالضَّرورة من الأحاديث الصريحة الصحيحة التي تقدَّم بعضها، وسيأتي بعضها، وهذا قول لم يقله أحد من السلف، ولا أهل السنَّة، وهو باطل قطعًا. أم تريدون أنَّها لم تخلق بكمالها، وجميع ما أعدَّ اللَّهُ فيها لأهلها، وأنَّها لا يزال اللَّهُ يُحْدِثُ فيها شيئًا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أَحْدثَ اللَّهُ فيها عند دخولهم أُمُورًا أُخر، فهذا حقٌّ لا يمكن ردُّه. وأدلتكم هذه إنَّما دلَّت على هذا القدر، وحديث ابن مسعود ﵁ الَّذي ذكرتموه (٣)، وحديث أبي الزبير، عن جابر (٤): صريحان في أنَّ أرضها مخلوقة، وأنَّ الذِّكْر يُنشئ اللَّهُ سبحانه لقائله

стр. 149

منه غراسًا في تلك الأرضِ، وكذا بناءُ البيوت فيها بالأعمال المذكورة، والعبد كلَّما وسَّع في أعمال البر (١) وُسِّعَ له في الجنَّة، وكلَّما عمل خيرًا غُرِسَ له به هناك غِراس، وبُنِيَ له به بناء (٢) ، وأُنْشئ له من عمله أنواع ممَّا يتمتعَّ به، فهذا القدرُ لا يدلُّ على أنَّ الجنَّة لم تخلق بعد، ولا يسوغ إطلاق ذلك. وأمَّا احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] فإنَّما أُتِيتُم من عَدَم فهمكم معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنَّة والنَّارِ الآن نظير احتجاج إخوانكم بها على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما (٣) ، فلا أنتم وُفِّقْتُم لِفَهْمِ معناها ولا إخوانكم، وإنَّما وُفَّقَ لفهم معناها السلف، وأئمة الإسلامِ، ونحن نذكر بعض كلامهم في الآية. قال البخاري في "صحيحه": "يقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إلَّا ملكه، ويقال: إلَّا ما أُريد به وجهه" (٤) . وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: "فأمَّا السَّماء والأرض فقد زالتا؛ لأنَّ أهلها صاروا إلى الجنَّة وإلى النَّار، وأمَّا العرش فلا يَبيدُ ولا يذهبُ؛ لأنَّهُ سَقْفُ الجنَّة، واللَّهُ عَلَيْهِ، فلا يَهلك ولا يبيد.

стр. 150

وأمَّا قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وذلك أنَّ اللَّهَ أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) ﴾ [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض - وطَمِعُوا في البقاءِ - فأخبر اللَّه عن أهل السماواتِ وأهل الأرضِ أنَّهم يموتون فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨]-يعني: ميِّت- ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ لأنَّه حيٌّ لا يموت، فأَيْقَنَتِ الملائكة عند ذلك بالموت" (١) . انتهى كلامه. وقال في رواية أبي العباسِ أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصْطَخْرِي، ذكره أبو الحسين في كتاب "الطبقات" (٢) قال: "قال أبو عبد اللَّهِ أحمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلمِ، وأصحاب الأثرِ، وأهل السنَّة المتمسِّكين بعروتها، المعروفين بها، المتقدى بهم فيها، من لدن أصحاب نبينا ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من (٣) علماء أهل الحجاز والشَّام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا (٤) من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة، زائلٌ عن منهج السنَّة وسبيل الحقِّ". وساق أقوالهم إلى أنْ قال: "وقد خلقت الجنَّةُ وما فيها، وخلقت النَّار وما فيها، خلقهما اللَّهُ ، وخلق الخلق لهما (٥) ، ولا

стр. 151

يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا. فإنْ احتج مبتدعٌ، أو زنديقٌ بقول اللَّهِ : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وبنحو هذا من متشابه القرآن، قيل له: كلُّ شيءٍ ممَّا كتب اللَّهُ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنَّة والنَّار خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا للهلاكِ، وهما من الآخرة لا من الدنيا، والحور العين لا يَمُتْنَ عند قيام الساعة، ولا عند النفخة، ولا أبدًا؛ لأنَّ اللَّهَ خلقهنَّ للبقاءِ، لا للفناءِ، ولم يكتب عليهنَّ الموت، فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع، وقد ضلَّ عن سواء السبيل. وخلق سبع سماوات، بعضها فوق بعضٍ، وسبع أرضين، بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمس مائة عام، وبين كلِّ سماءٍ إلى سماءٍ مسيرة خمس مائة عام، والماء فوقُ السَّماء العليا السَّابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، واللَّهُ على العرشِ، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السماوات والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحتَ الثَّرى، وما في قَعْرِ البحر، ومنْبَت كلِّ شعرةٍ وشَجَرة، وكل زرعٍ وكل نباتٍ، ومسقط كلِّ ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرَّملِ والحصَى والتراب، ومثاقيلِ الجبالِ، وأعمالِ العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، ويعلمُ كلَّ شيء لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حُجُبٌ من نارٍ ونورٍ وظُلمةٍ، وما هو أعلم بها. فإنْ احتج مبتدعٌ ومخالفٌ بقول اللَّهِ : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦] وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُم] [الحديد: ٤] وقوله:

стр. 152

﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] ونحو هذا من متشابه القرآن فقل: إنَّما يعني بذلك العلم؛ لأنَّ اللَّهَ على العرشِ فوق السَّماء السَّابعة العليا، يعلم ذلك كله، وهو بائنٌ من خلقه، لا يخلو من علمه مكان" (١) . وقال في رواية أبي جعفر الطائي محمد بن عوف بن سفيان الحمصي، قال الخلالُ: "حافظٌ إمامٌ في زمانهِ، معروفٌ بالتَّقدُّم في العلم والمعرفة، كان أحمد بن حنبل يعرف له ذلك ويقبل منه، ويسأله عن الرِّجالِ من أهل بلده" (٢) قال: "أملى عليَّ أحمد بن حنبل -فذكر الرِّسالة في "السنة" ثمَّ قال في أثنائها-: "وأنَّ الجنَّة والنَّارَ مخلوقتانِ قد خلقتا كما جاء الخبر، قال النَّبي ﷺ : "دخلتُ الجنَّة فرأيتُ فيها قصرًا" (٣) ، و"رأيت الكوثر" (٤) ، و"اطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثرَ أهلِها كذا وكذا" (٥) فمن زعمَ أنَّهما لم تُخلقا؛ فهو مكذِّبٌ برسول اللَّهِ ﷺ

стр. 153

وبالقرآنِ، كافرٌ بالجنَّة والنَّار، يُسْتَتَابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ" (١) . وقال: في رواية عبدوس بن مالك العطَّار، وذكر رسالته في "السنَّة" قال فيها: "والجنَّة والنَّارُ مخلوقتان، قد خلقتا كما جاء عن رسول اللَّه ﷺ : "اطلعتُ في (٢) الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها كذا وكذا، واطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثر أهلها كذا وكذا"، فمن زعمَ أنَّهما لم تُخْلقا فهو مكذِّبٌ بالقرآنِ، وأحاديث رسول اللَّه ﷺ ، ولا أحسبهُ يؤمن بالجنَّة والنَّار" (٣) . فتأمَّل هذه الأبواب وما تضمنته من النقولِ، والمباحث، والنُّكَت والفوائدِ التي لا يظفر بها في غير هذا الكتاب البتَّة. ونحن اختصرنا الكلام في ذلك، ولو بسطناهُ لقام منه سفرٌ ضخمٌ، واللَّهُ المستعان، وعليه التكلان، وهو الموفِّقُ للصَّوابِ.

стр. 154

الباب التَّاسع في ذكر عدد أبواب الجنَّة قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ [٣٣/ ب] خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال فى صفة النَّار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] بغير واو. فقالت طائفة: هذه واو الثمانية دخلت في أبواب الجنَّة، لكونها ثمانية، وأبواب النَّار سبعة فلم تدخل الواو. وهذا قولٌ ضعيف لا دليل عليه، ولا تعرفه العرب، ولا أئمة العربية، وإنَّما هذا من استنباط بعض المتأخرين (١). وقالت طائفة أخرى: الواو زائدة، والجواب: الفعل الَّذي بعدها، كما هو في الآية الثانية. وهذا أيضًا ضعيف، فإنَّ زيادة الواو غير معروف في كلامهم، ولا يليقُ بأفصح الكلام أنْ يكون فيه حرفٌ زائد بغير معنى ولا فائدة. وقالت طائفةٌ ثالثة: الجواب محذوف، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] عطف على قوله: ﴿جَاءُوهَا﴾.

стр. 155

هذا اختيار أبي عُبَيْدة والمُبَرِّد والزَّجَاج وغيرهم (١) . قال المبرِّد: "وحذفُ الجواب أبلغ عند أهل العلم" (٢) . قال أبو الفتح بن جِنِّي: "وأصحابنا يَدفعون زيادة الواوِ ولا يُجِيْزونه، ويرون أنَّ الجواب محذوفٌ للعلم به" (٣) . بَقِيَ أنْ يقالَ: فما السِّرُّ في حذف الجواب في آية أهل الجنَّة، وذِكْرِهِ في آية أهل النَّارِ؟ فيقال: هذا أبلغُ في الموضعين، فإنَّ الملائكة تسوق أهل النَّارِ إليها، وأبوابُها مُغلقة، حتَّى إذا وصلوا (٤) إليها فتحت في وجوههم ففجأهم (٥) العذابُ بغتةً، فحين انتهوا إليها ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ بلا مُهْلَة، فإنَّ هذا شأن الجزاء المترتب على الشرط أن يكون عقيبه، فإنَّها دار الإهانة والخِزي، فلم يُسْتأذن لهم في دخولها، ويُطلبُ إلى خزنتها أنْ يمكنوهم من الدخول. وأمَّا الجنَّة فإنَّها دار اللَّهُ، ودار كرامته، ومحل خواصّه وأوليائه، فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أنْ يفتحها لهم، ويستشفعون إليه بأُولي العزم من رسله، فكلهم يتأخَّر عن ذلك، حتَّى تقع الدَّلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول: "أنا

стр. 156

لها" (١) : فيأتي إلى تحتِ العرش ويخرُّ ساجدًا لربه، فيدعه ما شاء أنْ يدعه، ثمَّ يأذنُ له في رفع رأسهِ، وأنْ يسأل حاجته، فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه، ويفتحها تعظيمًا لخطرها، وإظهارًا لمنزلة رسوله وكرامته عليه. وإنَّ مثل هذه الدَّار التي هي دار ملك الملوك ورب العالمين، إنَّما دُخِلَ إليها بعد تلك الأهوالِ العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدَّار إلى أنْ انتهى إليها، وما رَكِبَهُ من الأطباق طبقًا بعد طبق، وقاساه من الشدائد شدَّةً بعد شدَّة، حتَّى أذنَ اللَّهُ تعالى لخاتم أنبيائه ورسله، وأحبِّ خلقه إليه أنْ يشفع إليه في فتحها لهم. وهذا أبلغُ وأعظمُ في تمام النِّعمة وحصول الفرحِ (٢) والسُّرور ممَّا يُقَدَّرُ بخلاف ذلك، ولئلا يتوهمُ الجاهل أنَّها بمنزلة الخان (٣) الَّذي

стр. 157

يدخله من شاء، فجنَّة اللَّهِ غاليةٌ عاليةٌ، بين النَّاس وبينها من العقبات (١) والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا بهِ، فما لِمَنْ أتْبَعَ نفسه هواها وتمنَّى على اللَّهِ الأمانيَّ ولهذه الدَّار؟ فليُعَدِّ عنها إلى ما هو أولى به، وقد خُلِقَ لهُ وهُيِّئَ له. وتأمَّل ما في سَوْقِ الفريقين إلى الدَّارين زمرًا من فرحة هؤلاء بإخوانهم، وسَيْرهم معهم كل زمرة على حِدَة، مشتركين في عملٍ متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم، مستبشرين أقوياء القلوب، كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير، كذلك يؤنس بعضهم بعضًا، ويفرح بعضهم ببعض. وكذلك أصحاب الدَّار الأُخرى يُسَاقون إليها زمرًا، يلعن بعضهم بعضًا، ويتأذَّى (٢) بعضهم ببعض، وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة والهَتِيْكَة، من أن يساقوا واحدًا واحدًا، فلا تُهمِلْ تَدَبُّر قوله: ﴿زُمَرًا﴾. وقال خزنة أهل (٣) الجنَّة لأهلها: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ فبدؤوهم بالسَّلام المتضمِّن للسلامة من كلِّ شرٍّ ومكروهٍ، أي: سَلِمْتُمْ، فلا يلحقكم بعد اليومِ ما تكرهون، ثمَّ قالوا لهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا﴾ أي: سلامتكم ودخولها بطيبكم، فإنَّ اللَّهَ حرَّمها إلَّا على الطيبين، فبشَّروهم

стр. 158

بالسَّلامة وبالطيبِ، والدخول والخلود. وأمَّا أهلُ النَّارِ، فإنَّهم لما انتهوا إليها على تلك الحال من الهمِّ والغمِّ والحُزنِ، وفتحت لهم أبوابها، ووقفوا عليها وزيدوا إلى ما هم عليه توبيخ خزنتها، وتبْكِيتهم لهم بقولهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١] فاعترفوا وقالوا: بلى. فبشروهم بدخولها والخلود فيها، وأنَّها بئس المثوى لهم. وتأمَّل قول خزنة الجنَّة لأهلها: ﴿ادْخُلُوهَا﴾: وقول خزنة النَّارِ (١) لأهلها: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ تَجِدْ تَحْتهُ سرًّا لطيفًا ومعنًى بديعًا لا يخفى على المُتأمِّلِ، وهو: أنَّها لمَّا كانت دار العقوبة وأبوابها أفظع شيءٍ، وأشد (٢) حرًّا، وأعظم غمًّا، يستقبل فيها الداخلُ من العذاب ما هو أشد منها، ويدنو من الغمّ والخزي والكرب بدخول الأبواب = قيل (٣) : ادخلوا أبوابها صَغَارًا لهم، وإذْلالًا وخزيًا، ثمَّ قيل لهم: لا يقتصر بكم (٤) على مجرَّد دخول الأبواب الفظيعة، ولكن وراءها الخلود في النَّار. وأمَّا الجنَّة فهي دار الكرامة، والمنزل الَّذي أعدَّه اللَّهُ لأوليائه، فبُشروا من أوَّل وَهْلَةٍ بالدخولِ إلى المقاعد والمنازل والخلود فيها.

стр. 159

وتأمَّل قوله سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) ﴾ [ص: ٥٠ - ٥١] كيف تجد تحته معنى بديعًا، وهو أنَّهم إذا دخلوا الجنَّة لم تغلق أبوابُها عليهم بل تبقى مفتحة كما قال (١) . وأمَّا النَّارُ فإذا دخلها أهلها أُغلقت عليهم أبوابها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] أي مطبقة مغلقة (٢) ، ومنه سُمِّيَ الباب وصِيدًا وهي: ﴿مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ قد جعلت العُمُد مُمْسكة للأبواب من خلفها، كالحجر العظيم الَّذي يُجْعل خلف الباب. قال مُقَاتِل: "يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لها باب، ولا يخرج منها غَم، ولا يدخل فيها رَوْح آخرَ الأبَدِ" (٣) . وأيضًا: فإنَّ في تفتيح الأبواب لهم إشارةٌ إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتَبؤهم من الجنَّة حيث شاؤوا، ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتُّحف والألطاف من ربهم، ودخول ما يَسُرُّهم عليهم كل وقت. وأيضًا: إشارة إلى أنَّها دارُ أمْنٍ لا يحتاجون فيها إلى غَلْقِ الأبوابِ، كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا. وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصِّفة على

стр. 160

الموصوف في هذه الجملة (١) . فقال الكوفيون: التَّقْدير مفتَّحة لهم أبوابها. والعربُ تعاقب بين الألف والَّلامُ والإضافة، فيقولون: مررتُ برجل حسن العين: أي عينه. ومنه (٢) قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) ﴾ [النازعات: ٣٩] أي: مأواه. وقال بعض البصريين: التقديرُ: مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف الضمير وما اتصل به، قال: وهذا التقديرُ في العربية أجودُ من أنْ تجعل الألف والَّلام بدلًا من الهاءِ والألفِ، أي (٣) معنى الألف والَّلام ليس من معنى الهاء والألف في شيء؛ لأنَّ الهاء والألف اسم، والألف والَّلام دخلتا للتعريف، ولا يُبْدَل حرفٌ من اسم، ولا ينوب عنه. قالوا: وأيضًا لو كانت الألف والَّلامُ بدلًا من الضَّمير لوجب أنْ يكون في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنَّات، ويكون المعنى مفتحة هي، ثمَّ أُبْدِلَ منها الأبواب، ولو كان كذلك لوجب نصب الأبواب لكون ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ قد رفع (٤) ضمير الفاعل، فلا يجوز أن يرتفع به اسمٌ آخر لامتناع ارتفاع فاعِلَيْن بفعلٍ واحدٍ، فلمَّا ارتفع ﴿الْأبَوَابُ﴾ دلَّ على أنَّ ﴿مُّفَتَّحَةً﴾ حالٌ من ضمير، و ﴿الْأَبَوَابُ﴾ مرتفعة به. وإذا كان في الصِّفة

стр. 161

ضمير تعَيَّنَ نصْبُ الثاني، كما تقول: مررت برجل حسن الوجه. ولو رفعت "الوجهَ" ونَوَّنْتَ "حَسَنًا" لم يجز، فالألف والَّلامُ إذًا للتعريف ليس إلَّا، فلا بُدَّ من ضمير يعودُ على الموصوف الَّذي هو جنَّات عدنٍ، ولا ضمير في اللفظ، وهو محذوف، تقديره: الأبواب منها. وعندي: أنَّ هذا غير مبطل لقول الكوفيين، فإنَّهم لم يُرِيْدُوا بالبدَلِ إلَّا أنَّ الألف والَّلام خَلَفٌ وعِوَضٌ عن الضمير يغني (١) عنه، وإجماع العرب على قولهم: حسن الوجه، وحسن وجهه = شاهدٌ بذلك، وقد قالوا: إنَّ التنوين بدل من الألف والَّلام. بمعنى: أنَّهما لا يجتمعان، وكذلك المضاف إليه يكون بدلًا من التنوين، والتنوين بدلٌ من الإضافة، بمعنى: التَّعَاقب والتَّوارد، ولا يريدون بقولهم: هذا بدلٌ من هذا، أنَّ (٢) معنى البدلِ معنى المُبْدَل منه، بل قد يكون في كلٍّ منهما معنى لا يكون في الآخر. فالكوفيون أرادوا أنَّ الألفَ والَّلام في ﴿الْأَبْوَابُ﴾ أغنت عن الضمير؛ لو قيل: أبوابها، وهذا صحيح، فإنَّ المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمرٍ يجعلها له لا مستقلة، فلمَّا كان الضميرُ عائدًا على الموصوف تعيَّن (٣) توهم الاستقلال، وكذلك لام التعريف، فإنَّ كلًّا من الضَّمير والَّلام يُعَيِّن صاحبه: هذا يعيِّن (٤) تفسيره، وهذا

стр. 162

يُعَيِّن ما دخل عليه، وقد قالوا في "زيد نعم الرجل": إنَّ الألف والَّلام أغنت عن الضمير، واللَّهُ أعلم. وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعرابًا اعْتُرِضَ عليه فيه، فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ معرفة، لقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١]، وانتصابها على أنَّها عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾، و ﴿مُفَتَّحَةً﴾ حال، والعامل فيها ما في ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ من معنى الفعل، وفي ﴿مُفَتَّحَةً﴾: ضمير الجنَّات، و ﴿الأَبَوَابُ﴾: بدل من الضمير، تقديره: مفتحة، هي الأبواب، كقولهم: "ضرب زيد اليد والرجل"، وهو من بدل الاشتمال" (١) . هذا إعرابه. فاعتُرِضَ عليه بأنَّ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ليس فيها ما يقتضي تعريفها. وأمَّا قوله: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ فَبَدَل، لا صِفَة. وبأنَّ: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ لا يسهل (٢) أن تكون عطف بيان لـ ﴿لَحُسْنَ مَئَابٍ﴾ على قوله؛ لأنَّ جريان المعرفة على النكرة عطف بيان = لا قائل به، فإنَّ القائلَ قائلان: أحدهما: أنَّه لا يكون إلَّا في المعارف، كقول البصريين. والثاني: أنَّه يكونُ في المعارف والنَّكِرَاتِ بشرط المطابقة، كقول الكوفيين وأبي علي الفارسي. وقوله: إنَّ في ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضمير الجنَّات، فالظاهر خلافه، وأنَّ ﴿الْأَبْوَابُ﴾: مرتفعٌ به، ولا ضمير فيه.

стр. 163

وقوله: إنَّ ﴿الْأَبْوَابُ﴾: بدلُ اشتمالٍ، فبدل الاشتمال (١) قد صرَّحَ هو وغيره أنَّه لا بُدَّ فيه من الضَّمير، وإنْ نازعهم فيه آخرون، ولكن يجوزُ أنْ يكون الضمير ملفوظًا به، وأنْ يكون مُقَدَّرًا، وهنا لم يلفظْ به، فلا بُدَّ من تقديرهِ أي: الأبواب منها، فإذا كان التقدير: مفتحة لهم هي الأبواب منها، كان فيه تكثيرُ للإضمارِ، وتقليله أولى. وفي "الصحيحين" (٢) : من حديثِ أبي حازم (٣) عن سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "في الجنَّةِ ثمانيةُ أَبْوَابٍ، بابٌ منها يُسَمَّى الرَّيَّانُ، لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائمون". وفي "الصحيحين" (٤) من حديث الزهري، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ أَنْفَقَ زَوجينِ من شيءٍ من الأشياء في سبيل اللَّهِ، دُعي من أبواب الجنَّة: يا عبدَ اللَّهِ هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصَّلاةِ دُعي من باب الصَّلاة، ومن كان من أهل الجهادِ دُعِيَ من باب الجهادِ، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصَّدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان"، فقال أبو بكر: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسول اللَّهِ، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورةٍ، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها، فقال: "نعم، وأرجو أنْ تكون منهم".

стр. 164

وفي "صحيح مسلم" (١) : عن عمر بن الخطاب رضى اللَّهُ عنه عن النَّبي ﷺ قال: "ما منكم من أحدٍ يتوضَّأ فَيُبلِغُ أو فَيُسْبِغُ الوضوءَ ثمَّ يقول: أشهدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ (٢) أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولهُ، إلَّا فُتِحَتْ لهُ أبوابُ الجنَّة الثمانية يدخلُ من أيِّها شاء". زاد الترمذي بعد التشهد: "الَّلهم اجعلني من التَّوابين واجعلني من المتطهرين" (٣) .

стр. 165

زاد أبو داود والإمام أحمد: "ثمَّ رفع نَظَرَهُ إلى السَّماءِ فقال. . . " (١) . وعند الإمام أحمد من رواية أنس يرفعه: "من توضأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثمَّ قال ثلاث مرات: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فُتِحَ له ثمانيةُ أبواب الجنَّة من أيِّها شاءَ دخل" (٢) . وعن عُتْبة بن عَبْدٍ (٣) السُّلَمِي ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من مسلمٍ يُتوفَّى له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ، إلَّا تلَقَّوه من أبواب الجنَّة الثمانية، من أيِّها شاء دخل".

стр. 166

رواه ابن ماجه، وعبد اللَّهِ بن أحمد عن ابن نُمَير، حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا حَرِيْز بن عثمان، عن شُرَحبِيل بن شُفْعَة، عن عُتْبة (١) .

стр. 167

الباب العاشر في ذكر سَعَةِ أبوابها عن أبي هريرة ﵁ قال: "وُضِعتْ بين يدي رسول اللَّهِ ﷺ قَصْعةٌ من ثريد ولحم، فتناول الذراع -وكان أحبَّ الشاة إليه- فَنَهَسَ نَهْسة (١) وقال: أنا سيِّدُ النَّاسِ يوم القيامة"، ثمَّ نهس أخرى، وقال: "أنا سيدُ النَّاس يوم القيامة"، فلمَّا رأى أصحابه لا يسألونه قال: "ألا تقولون كيفَ؟ " قالوا: كيف يا رسول اللَّهِ؟ قال: "يقوم النَّاسُ لربِّ العالمين فيُسْمعهم الدَّاعي ويَنْفُذُهم البصرُ" فذكر حديث الشفاعة بطوله، وقال في آخره: "فأنطلقُ فآتي تحت (٢) العرشِ، فأقع ساجدًا لربي، فيقيمني ربُّ العالمين مقامًا لم يقمه أحدًا قبلي، ولن يقيمه أحدًا بعدي، فأقول: يا ربِّ أمتي (٣). فيقولُ: يا محمد أدخل من أمتك من لا حسابَ عليهم من الباب الأيمن، وهم شركاءُ النَّاس فيما سوى ذلك من الأبواب، والَّذي نفسُ محمدٍ بيده إنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة لَكَمَا بين مكة وهَجَر، أو هَجَر ومكة" (٤). وفي لفظٍ: "لَكَمَا بين مكة وهَجَر، أو كما بين مكة وبُصْرى".

стр. 168

متفق على صِحَّته (١) . وفي لفظٍ خارج الصحيح بإسناده: "إنَّ ما بين عِضَادتي (٢) الباب لَكَما بين مكة وهجر" (٣) . وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان ﵁ فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ الدنيا قد آذنت بِصُرم، وولَّتْ حَذَّاء، ولم يبق منا إلَّا صبابة كصُبابة الإناء، يصطبُّها صاحبُها، وإنَّكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، ولقد ذكر لنا: أنَّ مصراعين من مصاريع الجنَّة بينهما مسيرةُ أربعين سنة، وليأتينَّ عليه يومٌ وهو كظيظٌ من الزحام" (٤) . فهذا موقوفٌ، والَّذي قبله مرفوع، فإنْ كان رسول اللَّهِ ﷺ هو الذَّاكر لهم ذلك، كان هذا سَعَةُ ما بين بابٍ من أبوابها، ولعلَّه الباب الأعظم، وإنْ كان الذاكر لهم ذلك غير رسول اللَّهِ ﷺ لم يُقدَّم على حديث أبي هريرة المتقدِّم. ولكن قد روى الإمامُ أحمد في "مسنده" من حديث حماد بن سلمة قال: سمعت الجُرَيري يحدث عن حكيم بن

стр. 169

معاوية عن أبيه أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "أنتم تُوَفَّون سبعين (١) أُمَّة أنتم أخْيرُها (٢) وأكرمها على اللَّه، وما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرةُ أربعين عامًا، وليأتينَّ عليه يومٌ وإنَّه (٣) لكظيظ" (٤) .

стр. 170

وقد رواه ابن أبي داود: أنبأنا إسحاق بن شاهين، أنبأنا خالد، عن الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه يرفعه: "ما بين كلِّ مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرةُ (١) سبع سنين". ورُوِّيْنَا في "مسند عبد بن حميد": "ثنا الحسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة، ثنا درَّاج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ ما بين مصراعين في الجنَّة لمسيرة أربعين سنة" (٢) . وحديث أبي هريرة أصح، وهذه النسخة ضعيفة، واللَّهُ أعلمُ. وروى أبو الشيخ: ثنا جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا يعقوب بن حُميد، ثنا معن، حدثنا خالد بن أبي بكر، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "البابُ الَّذي يدخل منه أهل الجنَّة

стр. 171

مسيرة الراكب المجود (١) ثلاثًا، ثمَّ إنَّهم ليضْطَغِطُونَ (٢) عليه، حتى تكاد مناكبهم تزول". رواهُ أبو نعيم عنه (٣) . وهذا مطابق للحديث المتفق عليه: "إنَّ ما بين المِصْراعَين كما بين مكة وبُصْرَى" (٤) . فإنَّ الراكب المجوِّد (٥) غاية الإجادة على أسرع مجرى لا يَفْتر ليلًا ولا نهارًا، يقطع هذه المسافة في هذا القَدْر أو قريب منه. وأمَّا حديث حكيم بن معاوية: فقد اضطرب رواته، فحمَّاد بن سلمة ذَكَر عن الجُرَيْري التَّقْدير بأربعين عامًا، وخالد ذكر عنه التقدير بسبع سنين، وحديث أبي سعيد المرفوع في التقدير بأربعين عامًا، من طريق (٦) : درَّاج عن أبي الهَيْثَم. قال الإمام أحمد: "أحاديث درَّاج: مناكير" (٧) ، وقال أبو حاتم الرَّازي: "ضعيف" (٨) ، وقال النسائي:

стр. 172

"ليس بالقوي" (١) . فالصحيح المرفوع السَّالم عن الاضطراب والشُّذوذ والعلَّة حديث أبي هريرة المتفق على صحته، على أنَّ حديث حكيم بن معاوية ليس التقدير فيه بظاهر الرَّفع، ويحتمل أنَّه مدرج في الحديث موقوف، فيكون كحديث عُتبة بن غَزْوان، واللَّهُ أعلمُ.

стр. 173

الباب الحادي عشر في صفة أبوابها وأنَّها ذاتُ حلَق روى الوليد بن مسلم، عن خُلَيد، عن الحسن ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠] قال: أبوابٌ تُرى (١). وذكر أيضًا عن خُليد عن قتادة قال: "أبوابٌ يُرَى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، تتكلَّم وتُكَلَّم، وتَفْهم ما يُقال لها: انْفتحي انغلقي". وقال أبو الشيخ: ثنا محمد بن عبد اللَّه بن محمد القيسي، ثنا محمد ابن إسحاق، ثنا أحمد بن أبي الحواري، ثنا عبد اللَّه بن

стр. 174

غياث (١) ، عن الفزاري قال: "لكلِّ مؤمن في الجنَّة أربعة أبواب، فبابٌ يدخل عليه منه زُوَّارهُ من الملائكة، وباب يدخل عليه أزواجه من الحور العين، وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النَّارِ، يفتحه إذا شاء ينظر إليهم لتعظم النعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام، يدخل فيه على ربِّه إذا شاء" (٢) . وقد روى سُهَيل بن أبي صالح عن زياد النُّميري (٣) ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "أنا أوَّلُ من يأخذ بحلقة باب الجنَّة ولا فخر" (٤) . وفي حديث الشفاعة الطويل: من رواية ابن عُيَيْنة عن عليِّ بن زيد عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "فآخذ بحلقة باب الجنَّة فأُقَعْقِعُها" (٥) .

стр. 175

وهذا صريحٌ في أنَّها حلقة حِسِّية تُقَعْقَعُ وتُحَرَّك. وروى سُهَيل عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "آخذ حلقة باب الجنَّة فيؤذن لي" (١) . ويُذْكَرُ عن علي ﵁: "من قال لا إله إلَّا اللَّه الملكُ الحقُّ المبين -في كلِّ يوم مئة مرَّة- كان له أمانٌ من الفقرِ، وأَمِنَ (٢) من وحشة القبرِ، واستَجلب به الغِنَى، واستَقْرع به باب الجنَّة" (٣) .

стр. 176

فصل ولمَّا كانت الجِنَانُ درجات بعضها فوق بعض، كانت أبوابها كذلك، وباب الجنَّةَ العالية فوق باب الجنَّة التي تحتها، وكلَّما عَلَت الجنَّة اتَّسعت، فعاليها أوسعُ ممَّا دونه، وسَعَة الباب بحسب وسع الجنَّة، ولعلَّ هذا وجه الاختلاف الَّذي جاء في مسافة ما بين مِصْراعي الباب، فإنَّ أبوابها بعضها أعلى من بعض. ولهذه الأمة بابٌ مختص يدخلون منه دون سائر الأمم، كما في "المسند" من حديث ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "بابُ أُمَّتي الَّذي يدخلون منه الجنَّة عرضه مسيرة الراكب ثلاثًا، ثمَّ إنَّهم لينْضغِطُون (١) عليه حتَّى تكاد مناكبهم تزول" (٢). وفيه: من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "أتاني جبريلُ، فأخذ بيدي، فأراني باب الجنَّة الَّذي تدخلُ منه أمَّتي" (٣)

стр. 177

الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاءُ اللَّهُ تعالى (١) . وقال خَلَفَ بن هشام البزار: حدثنا أبو شهاب عن عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "إنَّ أبواب الجنَّة هكذا بعضها فوق بعض، ثمَّ قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] إذا هم عندها بشجرة في أصلها عينان تجريان، فيشربون من أحَدَيهما، فلا تترك في بطونهم قذًى ولا أذًى إلَّا رمَتْه، ويغتسلون من الأُخرى، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث رؤوسهم، ولا تغيرُ أبشارهم بعد هذا أبدًا، ثمَّ قرأ: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) ﴾ [الزمر: ٧٣] فيدخل الرجل، وهو يعرف منزلته، ويتلقاهم الولدان، فيستبشرون برؤيتهم، كما يستبشر الأهلُ بالحميم يقدمُ من الغيبة، فينطلقون (٢) إلى أزواجهم فيخبرونهم بمعاينتهم، فتقول: أنت رأيتَه؟ فتقوم إلى الباب، فيدخل إلى بيته، فيتكئ على سريره، فينظر إلى أساس بيته، فإذا هو قد أُسِّسَ على اللؤلؤ، ثمَّ ينظر في أخضر وأحمر وأصفر، ثمَّ يرفع رأسه إلى سَمْكِ (٣) بيته، ولولا أنَّه خُلِقَ له لالْتَمعَ بصره، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا

стр. 178

لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] (١) . واللَّهُ أعلم.

стр. 179

الباب الثاني عشر في ذكر مسافة ما بين البابِ والباب روِّيْنَا في "معجم الطبراني": حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وعبد اللَّه بن الصقر العسكري (١) قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّهِ بن خالد بن حِزَام، حدثني (٢) عبد الرحمن بن عيَّاش الأنصاري، حدثنا دَلْهَم بن الأسود بن عبد اللَّهِ بن حاجب بن المُنْتَفق. قال دلهم: وحدَّثنيه أيضًا أبو الأسود عن عاصم بن لَقِيط، أنَّ لقيط ابن عامر خرج وافدًا إلى رسول اللَّهِ ﷺ قال: قلتُ يا رسول اللَّهِ فما الجنَّة والنَّار؟ قال: لعمر إلهك، إنَّ للنَّار سبعة أبواب ما منهنَّ بابان إلَّا يسير الرَّاكبُ بينهما سبعين عامًا، وإنَّ للجنَّة ثمانية أبواب، ما منهن بابان إلَّا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا" وذكر الحديث بطوله (٣).

стр. 180

وهذا الظاهر (١) منه أنَّ هذه المسافة بين الباب والباب؛ لأنَّ ما بين مكة وبُصْرَى لا يحتمل التقدير بـ "سبعين عامًا" ولا يمكن حمله على بابٍ معيَّن، لقوله: "ما منهنَّ بابان"، واللَّهُ أعلم.
следующие страницы →