← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فصل ولمَّا كانت الجِنَانُ درجات بعضها فوق بعض، كانت أبوابها كذلك، وباب الجنَّةَ العالية فوق باب الجنَّة التي تحتها، وكلَّما عَلَت الجنَّة اتَّسعت، فعاليها أوسعُ ممَّا دونه، وسَعَة الباب بحسب وسع الجنَّة، ولعلَّ هذا وجه الاختلاف الَّذي جاء في مسافة ما بين مِصْراعي الباب، فإنَّ أبوابها بعضها أعلى من بعض. ولهذه الأمة بابٌ مختص يدخلون منه دون سائر الأمم، كما في "المسند" من حديث ابن عمر ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "بابُ أُمَّتي الَّذي يدخلون منه الجنَّة عرضه مسيرة الراكب ثلاثًا، ثمَّ إنَّهم لينْضغِطُون (١) عليه حتَّى تكاد مناكبهم تزول" (٢). وفيه: من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "أتاني جبريلُ، فأخذ بيدي، فأراني باب الجنَّة الَّذي تدخلُ منه أمَّتي" (٣)

стр. 177

الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاءُ اللَّهُ تعالى (١) . وقال خَلَفَ بن هشام البزار: حدثنا أبو شهاب عن عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "إنَّ أبواب الجنَّة هكذا بعضها فوق بعض، ثمَّ قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] إذا هم عندها بشجرة في أصلها عينان تجريان، فيشربون من أحَدَيهما، فلا تترك في بطونهم قذًى ولا أذًى إلَّا رمَتْه، ويغتسلون من الأُخرى، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعث رؤوسهم، ولا تغيرُ أبشارهم بعد هذا أبدًا، ثمَّ قرأ: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) ﴾ [الزمر: ٧٣] فيدخل الرجل، وهو يعرف منزلته، ويتلقاهم الولدان، فيستبشرون برؤيتهم، كما يستبشر الأهلُ بالحميم يقدمُ من الغيبة، فينطلقون (٢) إلى أزواجهم فيخبرونهم بمعاينتهم، فتقول: أنت رأيتَه؟ فتقوم إلى الباب، فيدخل إلى بيته، فيتكئ على سريره، فينظر إلى أساس بيته، فإذا هو قد أُسِّسَ على اللؤلؤ، ثمَّ ينظر في أخضر وأحمر وأصفر، ثمَّ يرفع رأسه إلى سَمْكِ (٣) بيته، ولولا أنَّه خُلِقَ له لالْتَمعَ بصره، فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا

стр. 178

لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] (١) . واللَّهُ أعلم.

стр. 179

الباب الثاني عشر في ذكر مسافة ما بين البابِ والباب روِّيْنَا في "معجم الطبراني": حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وعبد اللَّه بن الصقر العسكري (١) قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّهِ بن خالد بن حِزَام، حدثني (٢) عبد الرحمن بن عيَّاش الأنصاري، حدثنا دَلْهَم بن الأسود بن عبد اللَّهِ بن حاجب بن المُنْتَفق. قال دلهم: وحدَّثنيه أيضًا أبو الأسود عن عاصم بن لَقِيط، أنَّ لقيط ابن عامر خرج وافدًا إلى رسول اللَّهِ ﷺ قال: قلتُ يا رسول اللَّهِ فما الجنَّة والنَّار؟ قال: لعمر إلهك، إنَّ للنَّار سبعة أبواب ما منهنَّ بابان إلَّا يسير الرَّاكبُ بينهما سبعين عامًا، وإنَّ للجنَّة ثمانية أبواب، ما منهن بابان إلَّا يسير الراكب بينهما سبعين عامًا" وذكر الحديث بطوله (٣).

стр. 180

وهذا الظاهر (١) منه أنَّ هذه المسافة بين الباب والباب؛ لأنَّ ما بين مكة وبُصْرَى لا يحتمل التقدير بـ "سبعين عامًا" ولا يمكن حمله على بابٍ معيَّن، لقوله: "ما منهنَّ بابان"، واللَّهُ أعلم.

стр. 181

الباب الثالث عشر في مكان الجنَّة وأين هي؟ قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]. وقد ثبت أنَّ سِدرة المُنتهى فوق السماء، وسميت بذلك؛ لأنَّهُ (١) ينتهي إليها ما ينزل من عند اللَّهِ فيُقْبَضُ منها، وما يَصْعَدُ إليه فيقبضُ منها (٢). وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢]. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: "هو الجنَّة" (٣). وكذلك تلقَّاهُ النَّاسُ عنه. وقد ذكر ابن المنذر في "تفسيره" وغيره أيضًا عن مجاهد قال: "هو الجنَّة والنَّار" (٤). وهذا يحتاج إلى تفسير، فإنَّ النَّارَ في أسفل السافلين ليست في السماء، ومعنى هذا ما قاله في رواية ابن أبي نجيح عنه، وقاله أبو صالح عن ابن عباس: "الخيرُ والشر كلاهما يأتي من السماء" (٥).

стр. 182

وعلى هذا المعنى أسباب الجنَّة والنَّار مُقدَّرٌ ثابتٌ في السماء من عند اللَّه. وقال الحارث بن أبي أسامة: حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثنا مَهْدِي بن ميمون، حدثنا محمد بن عبد اللَّهِ بن أبي يعقوب، عن بِشْر بن شَغَاف قال: سمعت عبد اللَّه بن سلام يقول: "إنَّ أكرمَ خليقة اللَّه أبو القاسم ﷺ ، وإنَّ الجنَّة في السماء" رواه أبو نعيم عنه (١) . وقال: ورواه معمر بن راشد، عن محمد بن أبي يعقوب مرفوعًا. ثمَّ ساقه من طريق ابن منيع، قال: حدَّثنا عمرو النَّاقِد حدثنا عمرو ابن عثمان، حدثنا موسى بن أعين، عن معمر به مرفوعًا (٢) (٣) .

стр. 183

ثمَّ ساقَ من طريق محمد بن فُضَيل، حدثنا محمد بن عبيد اللَّه عن عطية، عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: "الجنَّة في السماء السابعة، ويجعلها اللَّهُ حيث شاء يوم القيامة، وجهنَّم في الأرض السابعة" (١) . وقال ابن منده: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا محمد بن عبد اللَّه، عن سلمة بن كُهيل عن أبي الزَّعْراء، عن عبد اللَّهِ قال: "الجنَّة فوق السَّماء الرَّابعة، فإذا كان يوم القيامة جعلها اللَّهُ حيث يشاء، والنَّار في الأرض السابعة (٢) ، فإذا كان يوم القيامة جعلها اللَّهُ حيث يشاء" (٣) .

стр. 184

وقال مجاهد: "قلت لابن عباس أين الجنَّة؟ قال: فوق سبع سماوات، قلتُ: فأين النَّار؟ قال: تحت سبعة أبْحرٍ مطبِقة" (١) . رواه ابن منده، عن أحمد بن إسحاق عن الزبيري عن إسرائيل عن أبي يحيى، عن مجاهد. وأمَّا الأثرُ الَّذي رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن عبد اللَّهِ بن عمرو، قال: "الجنَّة مطوية معلقة بقرون الشمس تنشر في كلِّ عامٍ مرَّة، وإنَّ أرواح المؤمنين في طير كالزرازير (٢) يتعارفون يرزقون من ثمر الجنَّة" (٣) . فهذا قد يظهر منه التناقض بين أوَّل كلامه وآخره، ولا تناقض فيه؛ فإنَّ الجنَّة المعلقة بقرون الشمس ما يحدثه اللَّهُ سبحانه بالشمس في كلِّ سنة مرَّة من أنواع الثمار والفواكه، والنبات (٤) جعله اللَّهُ تعالى مذكرًا بتلك الجنَّة، وآية دالَّة عليها، كما جعل هذه النَّار مذكرة بتلك؛ وإلَّا فالجنَّة التي عرضها السماوات والأرضِ ليست معلَّقة بقرون الشمس،

стр. 185

وهي فوق الشمس وأكبر منها. وقد ثبت في "الصحيحين" عنه ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الجنَّة مئة درجة ما بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرضِ" (١) . وهذا يدلُّ على أنَّها في غاية العلوِّ والارتفاع، واللَّهُ أعلم. والحديث له لفْظان هذا أحدهما. والثاني: "إنَّ في الجنَّة مئة درجة ما بين كلِّ درجتين كما بينَ السماء والأرضِ أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين في سبيله". وشيخنا يرجح هذا اللفظ (٢) ، وهو لا ينفي أنْ يكون دَرجَ الجنَّة أكثر

стр. 186

من ذلك، ونظير هذا قوله في الحديث الصحيح: "إنَّ للَّه تسعةً وتسعين اسمًا، مَنْ أَحْصاها دَخَلَ الجنَّة" (١) .

стр. 187

أي من جملة أسمائه هذا العَدَد، فيكون الكلام جملة واحدة في الموضعين. ويدل على صحة هذا أنَّ منزلة نبينا ﷺ فوق هذا كلِّه، في درجةٍ في الجنَّة ليس فوقها درجة، وتلك المئة ينالها آحاد أُمَّته بالجهاد، والجنَّة مُقَبَّبة أعلاها أوسعها، ووسطها: هو الفردوس، وسقفه العرش، كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "إذا سألتمُ اللَّه فاسألوه الفِرْدَوس، فإنَّه وسَطُ الجنَّة وأعلى الجنَّة (١) ، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهار الجنَّة" (٢) . قال شيخنا أبو الحجاج المزِّي: "والصواب رواية من رواه "وفوقُه" بِضَمِّ القاف على أنَّه اسمٌ لا ظرف، أي: وسقفه عرش الرحمن" (٣) . فإنْ قيل: فالجنَّة جميعها تحت (٤) العرشِ، والعرش سقفها، فإنَّ الكرسي وَسِعَ السماوات والأرضِ، والعرش أكبر منه. قيل: لما كان العرش أقرب إلى الفردوس ممَّا دونه من الجنان،

стр. 188

بحيث لا جنَّة فوقه دون العرشِ (١) = كان سقفًا له (٢) دون ما تحته من الجنان، ولعظم سعة الجنَّة (٣) وغاية ارتفاعها يكون الصعود من أدناها إلى أعلاها بالتدريج شيئًا فشيئًا، درجة فوق درجة، كما يقال لقارئ القرآن: "اقرأ وارقَ، فإنَّ منزلتك عند آخر آية تَقْرؤها" (٤) . وهذا يحتمل شيئين: أن تكون منزلته عند آخر حِفْظه، وأنْ تكون عند آخر تلاوته لمحفوظه، واللَّهُ أعلم.

стр. 189

الباب الرابع عشر في مفتاح الجنَّة قال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "مفتاح الجنَّة شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ" (١). رواه الإمام أحمد في "مسنده" ولفظه: "مفاتيح (٢) الجنَّة شهادةُ أن لا إله إلَّا اللَّه" (٣).

стр. 190

وذكر البخاري في "صحيحه" عن وهب بن منبه أنَّه قيل له: أليس مفتاح الجنَّة (١) لا إله إلَّا اللَّه؟ قال: بلى، ولكن ليس من مفتاح إلَّا وله أسنانٌ، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فُتِحَ لك، وإلَّا لم يفتح (٢) . وروى أبو نعيم من حديث أبان عن أنس ﵁ قال: قال أعرابي يا رسول اللَّهِ، ما مفاتيح (٣) الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا اللَّه" (٤) . وذكر أبو الشيخ من حديث الأعمش عن مجاهد عن يزيد بن شجرة (٥) قال: "إنَّ السيوف مفاتيح الجنَّة" (٦) .

стр. 191

وفي "المسند" من حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ: "ألَا أدلُّكَ على بابِ من أبواب الجنَّة؟ قلتُ: بلى، قال: "لَا حولَ ولا قوَّة إلَّا باللَّهِ" (١) . وقد جعل اللَّهُ سبحانه لكلِّ مطلوب مفتاحًا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة: الطهور، كما قال ﷺ : "مفتاح الصلاةِ: الطُّهور (٢) " (٣) ،

стр. 192

ومفتاح الحج: الإحرام، ومفتاح البِرِّ: الصدق، ومفتاح الجنَّة: التوحيد، ومفتاح (١) العلم: حسن السؤال وحسن الإصغاء، ومفتاح النصر والظفر: الصبر، ومفتاح المزيد: الشكر، ومفتاح الولاية والمحبة: الذكر (٢) ، ومفتاح الفلاح: التقوى، ومفتاح التوفيق: الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة: الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة: الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان: التفكر فيما دعا اللَّه عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح الدخول على اللَّهِ: إسلام القلب وسلامته له والإخلاص له في الحُبِّ والبغض والفعل والتَّرك، ومفتاح حياة القلب: تدبر القرآن، والتضرع بالأسحارِ، وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة: الإحسان في عبادة الخالق، والسَّعي في نفع عبيده، ومفتاح الرزق: السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العِزِّ: طاعة اللَّهِ ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة: قِصَرُ الأملِ، ومفتاح كلِّ خيرٍ: الرغبة في اللَّهِ والدار الآخرة، ومفتاح كلِّ شرٍّ: حُب الدنيا، وطول الأمل. وهذا بابٌ عظيم من أنفع أبواب العلمِ، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، لا يُوَفَّق لمعرفته ومراعاته إلَّا من عَظُمَ حظه وتوفيقه، فإنَّ اللَّهَ جعل لكلِّ خير وشرٍّ مفتاحًا وبابًا يُدْخَل منه إليه، كما

стр. 193

جعل الشرك والكبر والإعراض عمَّا بعث اللَّهُ به رسوله، والغفلة عن ذكره والقيام بحقه = مفتاحًا للنَّار، وكما جعل الخمر: مفتاح كلِّ إثمٍ، وجعل الغناء: مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصُّوَرِ: مفتاح الطلَب والعِشْق، وجعل الكسل والراحة: مفتاح الخيبة والحرمان، وجعل المعاصي: مفتاح الكفر، وجعل الكذب: مفتاح النِّفاق، وجعل الشح والحرص: مفتاح البخل وقطيعة الرحم، وأخذ المال من غير حِلِّهِ، وجعل الإعراض عمَّا جاء به الرسول ﷺ : مفتاح كل بدعة وضلالة. وهذه الأمور لا يصدِّق بها إلَّا من له بصيرة صحيحة، وعقلٌ يعرف به ما في نفسه، وما في الوجود من الخير والشرِّ، فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح، وما جُعِلَت مفاتيح له، واللَّهُ من وراء توفيقه وعدله، له الملك وله الحمدُ، وله النعمة والفضل (١) ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

стр. 194

الباب الخامس عشر في توقيع الجنَّة، ومنشورها الَّذي يُوَقَّعُ به لأصحابها بعد الموت، وعند دخولها قال اللَّهُ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١)﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١]. فأخبر تعالى أنَّ كتابهم كتابٌ مرقوم، تحقيقًا لكونه مكتوبًا كتابة (١) حَقِيقية، وخصَّ تعالى كتاب الأبرار بأنَّه يكتب ويوقع لهم به بمشهد المقرَّبين من الملائكة والنَّبيين وسادات المؤمنين، ولم يذكر شهادة هؤلاء لكتاب (٢) الفجار = تنويهًا بكتاب الأبرار، وما وقع لهم به، وإشهارًا له (٣)، وإظهارًا بين خواصِّ خلقه، كما تكتب الملوك تواقيع من تعظمه بين الأمراء، وخواص أهل المملكة تنويهًا باسم المكتوب له (٤)، وإشادةً بذكره، وهذا نوعٌ من صلاة اللَّه ، وملائكته على عبده. وروى الإمام أحمد في "مسنده"، وابن حبان، وأبو عوانة الإسفرايني في "صحيحيهما" من حديث المنهال، عن زاذان عن البراء ابن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول اللَّهِ ﷺ

стр. 195

إلى (١) جنازةٍ، فجلس رسول اللَّهِ ﷺ على القبرِ وجلسنا حوله كأنَّ على رؤوسنا الطير، وهو يُلْحَد له (٢) ، فقال: "أعوذ باللَّه من عذاب القبر ثلاثَ مرَّاتٍ، ثمَّ قال: إنَّ المؤمن إذا كان في إقبالٍ من الآخرة وانقطاع من الدنيا؛ تنزلت إليه الملائكة كأنَّ على وجوههم الشمس مع كلِّ واحدٍ منهم كفن وحنوط (٣) ، فجلسوا منه مدَّ بصره، ثمَّ يجيء ملك الموت حتَّى يجلسَ عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرةٍ من اللَّهِ ورضوان، قال: فتخرج تسيلُ كما تسيلُ القطرة مِنْ فِيِّ (٤) السِّقاءِ فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسكٍ وُجدَت على وجه الأرضِ، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني (٥) عَلى ملأٍ من الملائكة- إلَّا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيُفتح لهم، ويُشَيِّعه من كلِّ سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها؛ حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها اللَّهُ (٦) ، فيقول اللَّهُ : اكتبوا

стр. 196

كتاب عبدي في علِّيين، وأعيدوه إلى الأرضِ، فإنِّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارةً أخرى، قال: فتعادُ روحُه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّكَ؟ فيقول: ربِّي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الَّذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول اللَّهِ، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأتُ كتابَ اللَّهِ فآمنت به وصدَّقت، قال: فينادي منادٍ من السمَّاء: أنْ صَدقَ عبدي فأفرشوه من الجنَّة، وألبسوه من الجنَّة (١) ، وافتحوا له بابًا إلى الجنَّة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفسحُ له في قبره مدَّ بَصَرِهِ، قال: ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجه حسن الثياب طيبُ الريح، فيقولُ: أبشر بالَّذي يسرُّك هذا يومك الَّذي كنتَ تُوْعد، فيقول له (٢) : من أنتَ فوجهك الوجه الَّذي (٣) يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقولُ: ربِّ أقم السَّاعة، ربِّ أقم السَّاعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإنَّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة (٤) ، نَزَلَ إليه من السماء ملائكةٌ سودُ الوجوه معهم المُسُوْحُ (٥)

стр. 197

فيجلسون منه مدَّ البصرِ (١) ، ثمَّ يجيءُ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخطٍ من اللَّهِ وغضب، قال: فتفرَّق في جسده فينتزعها كما ينتزعُ السَّفُّود (٢) من الصُّوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها كأنتن ريح جيفةٍ وجدت على وجه الأرضِ، فيصعدون بها فلا يَمرون بها على ملأٍ من الملائكة إلَّا قالوا: ما هذا الروح الخبيث (٣) ، فيقولون: فلانُ ابن فلان. بأقبح أسمائه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى سماء الدنيا (٤) فيستفتح (٥) فلا يفتح له، ثمَّ قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فيقول اللَّه : اكتبوا كتاب عبدي في سِجِّينٍ في الأرضِ السفلى. وتُطرَح رُوحُهُ طَرحًا، ثمَّ قرأ رسول اللَّه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ﴾ [الحج: ٣١]، فتعاد روحُهُ في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الَّذي بُعِثَ فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي منادٍ من السماء، أن كذب عبدي (٦) فأَفرشوه

стр. 198

من النار وافتحوا له بابًا إلى النَّار، فيأتيه من حرِّها وسمومها، ويُضَيَّقُ عليه قبرُهُ حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه، قبيحُ الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالَّذي يسوؤك، هذا يومك الَّذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الَّذي (١) يجيء بالشر؟ فيقول أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تُقِمِ السَّاعة" (٢). ورواه أبو داود بطوله بنحوه، فهذا التوقيع، والمنشور الأوَّل. فصل وأمَّا المنشور الثاني: فقال الطبراني في "معجمه": حدثنا إسحاق ابن إبراهيم الدَّبري، عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء بن يسار عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجنَّة أحدٌ إلَّا بجوازٍ: بسم اللَّهِ الرحمن الرحيم، هذا كتابٌ من اللَّه لفلان بن فلانٍ أَدْخلوهُ جنة عاليةً قطوفها دانية" (٣).

стр. 199

وأخبرنا سليمان بن حمزة الحاكم، أنبأنا محمد بن عبد الواحد المقدسي، أنبأنا زاهر الثقفي أنَّ عبد السلام بن محمد بن عبد اللَّهِ أخبرهم، أنبأنا المطهر بن عبد الواحد البُزاني (١) ، حدثنا محمد بن إسحاق بن منده أنبأنا محمد بن علي البلخي، حدثنا محمد بن خُشَام (٢) ، حدثنا العباس بن زياد -ثقة-، حدثنا سَعْدان بن سعد، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "يُعْطى المؤمن جوازًا على الصِّراط: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللَّهِ العزيز الحكيم، لفلانِ بن فلانِ (٣) ، أدخلوه جنَّةً عاليةً، قُطوفها دانية" (٤) . قلتُ: وقع المؤمن في قبضة أصحاب اليمين يوم القبضتين، ثمَّ كُتِبَ من أهل الجنَّة يوم نفخ الروح فيه، ثمَّ يُكتب في ديوان أهل الجنَّة يوم موته (٥) ، ثمَّ يُعْطى هذا المنشور يوم القيامة، فاللَّهُ المستعان.

стр. 200

الباب السادس عشر في توحُّد طريق الجنَّة وأنَّه (١) ليس لها إلَّا طريق واحد هذا ممَّا اتفقت عليه الرسل من أوَّلهم إلى خاتمهم صلوات اللَّه وسلامه عليهم. وأمَّا طرق الجحيم: فأكثر من أن تُحْصى، ولهذا يُوَحِّد اللَّه سبحانه سبيله، ويجمع سبل النَّار كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا [٤٦/ ب] السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]. أي: ومن السُّبُل جائر (٢) عن القصد وهي: سُبُل (٣) الغي، وقال: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. وقال ابن مسعود: خَطَّ لنا رسولُ اللَّهِ ﷺ خطًّا، وقال: "هذا سبيل اللَّهِ، ثمَّ خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره، ثمَّ قال: هذه سُبُلٌ على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه" ثمَّ قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣] (٤).

стр. 201

فإِنْ قيل: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] قيل: هي سُبُل تجتمع في سبيلٍ واحدٍ، وهي بمنزلة الجوادِّ (١) والطرق في الطريق الأعظم، فهذه هي شعب الإيمان يجمعها الإيمان، وهي شعبة، كما يجمع ساق الشجرة أغصانها وشعبها، وهذه السبل هي إجابة داعي اللَّهِ بتصديق خبره، وطاعة أمره، فطريق الجنَّة هي إجابة الدَّاعي إليها ليس إلَّا. وروى البخاري في "صحيحه" (٢) عن جابر ﵁ قال: "جاءت ملائكة إلى النَّبي ﷺ ، فقال بعضهم: إنَّه نائمٌ، وقال بعضهم: إنَّ (٣) العين نائمةٌ والقلبُ يقظان، فقالوا: إنَّ لصاحبكم هذا مثلًا، فاضربوا له مثلًا فقالوا: مثله مثل رجلٍ بنى دارًا وجعل فيها مأدُبةً وبعث داعيًا، فمن أجاب الدَّاعي دخل الدَّار وأكلَ من المأدبة، ومن لم يجب

стр. 202

الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوَّلُوها له (١) يفْقهْهَا فقال بعضهم: إنَّ العين نائمة والقلب يقظان، فالدَّارُ: الجنَّة، والدَّاعي: محمدٌ، فمن أطاع محمدًا ﷺ فقد أطاع اللَّه، ومن عصى محمدًا فقد عصى اللَّه، ومحمد فَرْقٌ (٢) بين النَّاس". ورواه الترمذي عنه ولفظه: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ يومًا فقال: "إنِّي رأيت في المنام: كأنَّ جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا، فقال: اسمَع سمِعتْ أذنك، واعقِلْ عَقَلَ قلبُك، إنَّما مثلُكَ ومثلُ أمَّتك كمثل ملكٍ اتخذ دارًا، ثمَّ بنى فيها بيتًا، ثمَّ جعل مائدةً، ثمَّ بعث رسولًا يدعو النَّاس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فاللَّهُ هو الملكُ، والدَّارُ الإسلامُ، والبيتُ الجنَّة، وأنت يا محمد رسولٌ، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنَّة، ومن دخل الجنَّة (٣) أكل ما فيها" (٤) .

стр. 203

وصحَّح الترمذي من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: "صلَّى بنا رسول اللَّه ﷺ العشاء ثمَّ انصرف، فأخذ بيدي حتى خرج بي إلى بطحاء مكة، فأجلسني ثمَّ خطَّ عليَّ خطًّا، ثمَّ قال: لا تبرحنَّ خطَّكَ، فإنَّه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم؛ فإنَّهم لا يكلمونك، ثمَّ مضى رسول اللَّه ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالسٌ في خطِّي، إذ أتاني رِجالٌ كأنَّهم الزُّطُّ (١) ، أشعارهم وأجسامهم، لا أرى عورةً، ولا أرى قِشْرًا، وينتهون إليَّ لا يجاوزون الخطَّ، ثمَّ يصدرون إلى رسول اللَّه ﷺ حتَّى إذا كان من آخر الليل، لكن رسول اللَّه ﷺ قد جاءني وأنا جالسٌ فقال: "لقد أُراني (٢) منذُ الليلة"، ثمَّ دخل عليَّ في خَطِّي فتوسَّدَ فخذي فرقد، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعدٌ، ورسول اللَّه ﷺ متوسدٌ فخذي إذا أنا برجالٍ عليهم ثيابٌ بيضٌ، اللَّه أعلمُ ما بهم من الجمال، فانتهوا إليَّ فجلس طائفةٌ منهم عند رأس رسول اللَّه ﷺ ، وطائفة منهم عند رجليه، ثمَّ قالوا: ما رأينا عبدًا قطُّ (٣) أوتي مثل ما أوتي هذا النَّبي، إنَّ عينيه تنامان وقلبُهُ يقظان، اضربوا له مثلًا، مثلَ سيدٍ بنى قصرًا ثمَّ جعل مأدُبةً فدعا النَّاس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكلَ من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه أو قال عذبه، ثمَّ ارتفعوا واستيقظ رسول اللَّه ﷺ عند ذلك

стр. 204

فقال: سمعت ما قال هؤلاء؟ وهل تدري من هم؟ قلت: اللَّهُ ورسولهُ أعلم، قال: هم الملائكة، فتدري ما المثل الَّذي ضربوه؟ قلت: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال (١) : الرحمن بنى الجنَّة، ودعا إليها عبادَهُ فمن أجابه دخل الجنَّة، ومن لم يجبه (٢) عذَّبه" (٣) .

стр. 205

الباب السابع عشر في درجات الجنَّة قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾ [النساء: ٩٥ - ٩٦]. ذكر ابن (١) جرير: عن هشام بن حسان، عن جَبَلة بن عَطِيَّة (٢)، عن ابن مُحَيْرِيْز قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥, ٩٦]. قال: "هي سبعون درجة ما بين الدرجتين عَدْوُ الفرسِ الجواد المُضَمَّر سبعين عامًا" (٣). وقال ابن المبارك: أنبأنا سلمة بن نُبَيْط عن الضَّحَّاك في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] قال: "بعضهم أفضلُ من بعض، فيرى الَّذي قد فضل به فضله (٤)، ولا يرى الَّذي هو أسفل منه،

стр. 206

أنَّه فُضِّلَ عليه أحدٌ من النَّاس" (١). وتأمَّل قوله: كيف أوقع التَّفْضيل أوَّلًا بدرجة، ثمَّ أوقعه ثانيًا بدرجات، فقيل: الأوَّل بين القاعد والمعذور والمجاهد، والثاني بين القاعد بلا عذر والمجاهد، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)﴾ [آل عمران: ١٦٢ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. وفي "الصحيحين" (٢) من حديث مالك عن صَفْوان بن سُلَيم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنَّة لَيتراءون أهلَ الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدُّرِّي الغابرَ من الأُفق: من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول اللَّه، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها

стр. 207

غيرهم؟ قال: "بلى، والَّذي نفسي بيده رجالٌ آمنوا باللَّهِ وصدَّقوا المرسلين". ولفظ البخاري "في الأفق": وهو أبْيَن (١) . والغابر: هو الذَّاهب الماضي الَّذي قد تدلَّى للغروب. وفي التمثيل به دون الكوكب المسامت للرَّأس، وهو أعلى = فائدتان: أحدهما: بُعْدُهُ عن العيون. والثانية: أنَّ الجنَّة درجات بعضها أعلى من بعض، وإنْ لم تُسامت العليا السُّفلى، كالبساتين المُمْتدة من رأس الجبل إلى ذيله، واللَّهُ أعلم. وفي "الصحيحين" (٢) أيضًا من حديث سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون الغرفة في الجنَّة، كما تراءون الكوكب في أفقِ السماء". وقال الإمام أحمد: حدثنا قراد (٣) ، أخبرني فُلَيح عن هلال يعني ابن علي، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون في الجنة كما تراءون -أو ترون (٤) -

стр. 208

الكوكب الدريِّ الغاربَ في الأفق الطالع في تفاضل الدَّرجات"، قالوا يا رسول اللَّه أولئك النَّبيُّون؟ قال: "بلى، والَّذي نفسي بيده وأقوامٌ آمنوا باللَّهِ وصدَّقُوا المرسلين" (١) . ورجال هذا الإسناد احتجَّ بهم البخاري في "صحيحه". وفي هذا الحديث: "الغارب"، وفي حديث أبي سعيد: "الغابر". وقوله: "الطالع" صِفَة للكوكب، وصَفَهُ بكونه غاربًا، وبكونه طالعًا. وقد صُرِّحَ بهذا (٢) المعنى في الحديث الَّذي رواهُ ابن المبارك: عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "إنَّ أهل الجنَّة ليتراءون في الغرف كما يُرى

стр. 209

الكوكب الشرقي، والكوكب الغربي في الأفق في تفاضل الدرجاتِ، قالوا: يا رسول اللَّه أولئك النَّبيون؟ قال: بلى (١) ، والَّذي نفسي بيده وأقوامٌ آمنوا باللَّه وصدَّقوا المرسلين" (٢) . وهذا على شرط البخاري أيضًا. وفي "المسند" من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ المتحابين لتُرى غرفُهم في الجنَّة كالكوكب الطالع الشرقيِّ أو الغربيِّ، فيقال: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابُّون في اللَّهِ " (٣) . وفي "المسند" من حديث أبي سعيد ﵁ أيضًا عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ، ولو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم (٤) " (٥) .

стр. 210

وفي "المسند" عنه أيضًا عن النَّبي ﷺ قال: "يُقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنَّة: اقرأ واصعدْ، فيقرأ ويصعد بكلِّ آيةٍ درجة، حتَّى يقرأ آخر شيءٍ معهُ" (١) . وهذا صريحٌ في أنَّ درج الجنَّة تزيد على مائة درجة (٢) . وأمَّا حديث أبي هريرة ﵁ الَّذي رواه البخاري في صحيحه (٣) عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة مائة درجةٍ أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين في سبيله بين كلَّ درجتين كما بين السماء والأرضِ، فإذا سألتم اللَّهَ فاسألوه الفردوس، فإنَّه وسط الجنَّة، وأعلى الجنَّة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهار الجنَّة". فإمَّا أن تكون هذه المائة درجة من جملة الدَرَج، وإمَّا أنْ تكون نهايتها هذه المائة، وفي ضمن كل درجة درج (٤) دونها.

стр. 211

ويدل على المعنى الأوَّل حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صلَّى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقًّا على اللَّهِ أن يغفر له هاجر أو قعدَ حيثُ ولدته أُمُّهُ"، قلتُ: يا رسول اللَّه ألا أخرجُ فأُوذن النَّاس؟ قال: "لا، ذرِ النَّاسَ يعملون، فإنَّ في الجنَّة مائة درجة بين كلِّ درجتين منها مثل ما بين السماء والأرضِ، وأعلى درجةٍ منها الفردوس، وعليها يكون العرشُ، وهي أوسط شيءٍ في الجنَّة، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، فإذا سألتم اللَّهَ فسلوه الفردوس" (١) . رواه الترمذي هكذا بلفظة "في" (٢) . وروى أيضًا: من حديث عطاء عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "في الجنَّة مائة درجة" (٣) ثمَّ ذكر نحو حديث معاذ. وفيه أيضًا: من حديث عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "في الجنَّة مائة درجةٍ (٤) ما بين كلَّ درجتين مائة عامٍ" (٥) . قال: "هذا حديثٌ حسن غريب".

стр. 212

وفيه أيضًا: من حديث أبي سعيد يرفعه: "إنَّ في الجنَّة مائة درجة لو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم" (١) . ورواه أحمدُ بدون لفظة: "في" كما تقدَّم. وقد رويت هذه الأحاديث بلفظة: "في" وبدونها، فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجها، وإنْ كان المحفوظ سقوطها، فهي الدَّرَج الكبار المتضمنة للدَّرج الصِّغار، واللَّه أعلم. ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمس مائة لاختلاف السَّير في السرعة والبُطْءِ، والنَّبي ﷺ ذكر هذا تقريبًا للأفهام، ويدل عليه حديث زيد بن حُباب (٢) : حدثنا عبد الرحمن بن شُرَيح، حدَّثني أبو هانئ التُّجِيبي، سمعتُ أبا علي الجَنْبي (٣) سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مائة درجة في الجنَّة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعد ممَّا بين السماء والأرض" قلتُ: يا رسول اللَّه لمن؟ قال: "للمجاهدين في سبيل اللَّهِ" (٤) .

стр. 213

الباب الثامن عشر في ذكر أعلى درجاتها واسم تلك الدرجة روى مسلم في "صحيحه" (١) من حديث عبد اللَّه بن (٢) عمرو بن العاص ﵄ أنَّه سمع النَّبي ﷺ يقول: "إذا سمعتُم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقول، ثمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليه بها (٣) عشرًا، ثمَّ سلُوا اللَّهَ (٤) لي الوسيلة، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد اللَّهِ، وأرجو أنْ أكون أنا هو، فمن سأل ليَ الوسيلة حلَّتْ عليه الشفاعة". وقال أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن ليث عن كعب، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صليتم عليَّ فاسألوا اللَّه لي الوسيلة، قيل: يا رسول اللَّه، وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنَّة لا ينالها إلَّا رجلٌ واحدٌ، وأرجوا أنْ أكونَ أنا هو" (٥). هكذا الرواية: "أنْ أكون أنا هو"، ووَجْهُهَا: أنْ تكون الجُملة خَبَرًا

стр. 214

عن اسم كان المُسْتَتِر فيها، ولا تكون "أنا" فصْلًا، ولا توكيدًا، بل مبتدأ. وفي "الصحيحين" (١) من حديث جابر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال حينَ يسمع النَّداء: الَّلهم رَبَّ هذِهِ الدعوة التَّامَّة، والصَّلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت (٢) له شفاعتي (٣) يوم القيامة". هكذا لفظ الحديث: "مقامًا" بالتَّنكير ليوافق لفظ الآية؛ ولأنَّهُ لمَّا تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة، فَوُصِفَ بما توصف به المعارف، وهذا ألطف (٤) مِنْ جَعْلِ "الَّذي وعدته" بدلًا، فتأمله. وفي "المسند" من حديث عمارة بن غَزِيَّة، عن موسى بن وَرْدَان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الوسيلة درجةٌ عند اللَّهِ ، ليس فوقها درجةٌ، فسلوا اللَّه لي (٥) الوسيلة" (٦) .

стр. 215

وذكره ابن أبي الدنيا وقال فيه: "درجةٌ في الجنَّة ليس في الجنَّة درجة أعلى منها، فسلُوا اللَّهَ أنْ يؤتينيها على رؤوس الخلائقِ" (١) . وقال أبو نعيم، أنبأنا سليمان بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمرو بن مسلم (٢) الخلَّال، حدثنا عبد اللَّه بن عمران العابدي (٣) ، حدثنا فُضَيل
следующие страницы →