← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ويدل على المعنى الأوَّل حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من صلَّى هؤلاء الصلوات الخمس، وصام شهر رمضان كان حقًّا على اللَّهِ أن يغفر له هاجر أو قعدَ حيثُ ولدته أُمُّهُ"، قلتُ: يا رسول اللَّه ألا أخرجُ فأُوذن النَّاس؟ قال: "لا، ذرِ النَّاسَ يعملون، فإنَّ في الجنَّة مائة درجة بين كلِّ درجتين منها مثل ما بين السماء والأرضِ، وأعلى درجةٍ منها الفردوس، وعليها يكون العرشُ، وهي أوسط شيءٍ في الجنَّة، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، فإذا سألتم اللَّهَ فسلوه الفردوس" (١) . رواه الترمذي هكذا بلفظة "في" (٢) . وروى أيضًا: من حديث عطاء عن عبادة بن الصامت أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "في الجنَّة مائة درجة" (٣) ثمَّ ذكر نحو حديث معاذ. وفيه أيضًا: من حديث عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "في الجنَّة مائة درجةٍ (٤) ما بين كلَّ درجتين مائة عامٍ" (٥) . قال: "هذا حديثٌ حسن غريب".

стр. 212

وفيه أيضًا: من حديث أبي سعيد يرفعه: "إنَّ في الجنَّة مائة درجة لو أنَّ العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم" (١) . ورواه أحمدُ بدون لفظة: "في" كما تقدَّم. وقد رويت هذه الأحاديث بلفظة: "في" وبدونها، فإن كان المحفوظ ثبوتها فهي من جملة درجها، وإنْ كان المحفوظ سقوطها، فهي الدَّرَج الكبار المتضمنة للدَّرج الصِّغار، واللَّه أعلم. ولا تناقض بين تقدير ما بين الدرجتين بالمائة وتقديرها بالخمس مائة لاختلاف السَّير في السرعة والبُطْءِ، والنَّبي ﷺ ذكر هذا تقريبًا للأفهام، ويدل عليه حديث زيد بن حُباب (٢) : حدثنا عبد الرحمن بن شُرَيح، حدَّثني أبو هانئ التُّجِيبي، سمعتُ أبا علي الجَنْبي (٣) سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "مائة درجة في الجنَّة ما بين الدرجتين ما بين السماء والأرض، وأبعد ممَّا بين السماء والأرض" قلتُ: يا رسول اللَّه لمن؟ قال: "للمجاهدين في سبيل اللَّهِ" (٤) .

стр. 213

الباب الثامن عشر في ذكر أعلى درجاتها واسم تلك الدرجة روى مسلم في "صحيحه" (١) من حديث عبد اللَّه بن (٢) عمرو بن العاص ﵄ أنَّه سمع النَّبي ﷺ يقول: "إذا سمعتُم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقول، ثمَّ صلُّوا عليَّ، فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّهُ عليه بها (٣) عشرًا، ثمَّ سلُوا اللَّهَ (٤) لي الوسيلة، فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد اللَّهِ، وأرجو أنْ أكون أنا هو، فمن سأل ليَ الوسيلة حلَّتْ عليه الشفاعة". وقال أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن ليث عن كعب، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا صليتم عليَّ فاسألوا اللَّه لي الوسيلة، قيل: يا رسول اللَّه، وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنَّة لا ينالها إلَّا رجلٌ واحدٌ، وأرجوا أنْ أكونَ أنا هو" (٥). هكذا الرواية: "أنْ أكون أنا هو"، ووَجْهُهَا: أنْ تكون الجُملة خَبَرًا

стр. 214

عن اسم كان المُسْتَتِر فيها، ولا تكون "أنا" فصْلًا، ولا توكيدًا، بل مبتدأ. وفي "الصحيحين" (١) من حديث جابر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال حينَ يسمع النَّداء: الَّلهم رَبَّ هذِهِ الدعوة التَّامَّة، والصَّلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت (٢) له شفاعتي (٣) يوم القيامة". هكذا لفظ الحديث: "مقامًا" بالتَّنكير ليوافق لفظ الآية؛ ولأنَّهُ لمَّا تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة، فَوُصِفَ بما توصف به المعارف، وهذا ألطف (٤) مِنْ جَعْلِ "الَّذي وعدته" بدلًا، فتأمله. وفي "المسند" من حديث عمارة بن غَزِيَّة، عن موسى بن وَرْدَان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الوسيلة درجةٌ عند اللَّهِ ، ليس فوقها درجةٌ، فسلوا اللَّه لي (٥) الوسيلة" (٦) .

стр. 215

وذكره ابن أبي الدنيا وقال فيه: "درجةٌ في الجنَّة ليس في الجنَّة درجة أعلى منها، فسلُوا اللَّهَ أنْ يؤتينيها على رؤوس الخلائقِ" (١) . وقال أبو نعيم، أنبأنا سليمان بن أحمد: حدثنا أحمد بن عمرو بن مسلم (٢) الخلَّال، حدثنا عبد اللَّه بن عمران العابدي (٣) ، حدثنا فُضَيل

стр. 216

ابن عِيَاض عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجلٌ إلى النَّبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، واللَّهِ إنَّك لأحبٌّ إليَّ من نفسي، وإنَّك لأحب إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ من ولدي، وإنِّي لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتَّى آتيك فأنظرَ إليك، وإذا ذكرتُ موتي وموتك؛ عرفتُ أنَّك إذا دخلت الجنَّة رُفعتَ مع النبيين، وإنَّي إذا دخلتُ الجنَّة خشيتُ أنْ لا أراكَ. فلم يردَّ عليه (١) النَّبي ﷺ حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ﴾ [النساء: ٦٩] (٢) ".

стр. 217

قال الحافظ أبو عبد اللَّه المقدسي: "لا أعلم بإسناد هذا الحديث بأسًا". وسُمِّيت درجة النَّبي ﷺ الوسيلة؛ لأنَّها أقرب الدرجات إلى عرش الرب (١) ﵎، وهي أقرب الدرجات إلى اللَّهِ. وأصل اشتقاق لفظ: "الوسيلة" من القُرْب. وهي فَعِيلَة: مِنْ وَسَلَ إليه: إذا تقرَّب إليه. قال لَبيْد: بلى كلُّ ذي رأيٍ إلى اللَّهِ واسلُ (٢) ومعنى الوسيلة: من الوُصْلَة، ولهذا كانت أفضل الجنَّة وأشرفها، وأعظمها نورًا. قال صالح بن عبد الكريم: قال لنا فُضَيل بن عِيَاض: تدرون لِمَ حسنت الجنَّة؟ لأنَّ عرش رب العالمين سقفها (٣) .

стр. 218

وقال الحكم بن أبان: عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: "نور سقف مساكنهم نورُ عرشه" (١) . وقال بكر (٢) عن أشعث عن الحسن: "إنَّما سُمِّيت عَدْن؛ لأنَّ فوقها العرش، ومنها (٣) تفجَّر أنهار الجنَّة، وللحور العَدْنِيَّة الفضلُ على سائر الحور (٤) " (٥) . والقُرْبَى والزُّلْفَى: واحد، وإنْ كان في الوسيلة معنى التقرب إليه بأنواع الوسائل. قال الكلبي: "واطلبوا إليه القربة بالأعمال الصالحة" (٦) .

стр. 219

وقد كشف سبحانه عن هذا المعنى كلَّ الكشف بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فقوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، هو تفسير للوسيلة (١) التي (٢) يبتغيها هؤلاء الَّذين يدعونهم المشركون من دون اللَّهِ، فَيُنَافِسُون (٣) في القرب منه. ولمَّا كان رسول اللَّهِ ﷺ أعظم الخلق عبوديةً لربه، وأعلمهم به، وأشدَّهم له خشية، وأعظمهم له محبة؛ كانت منزلته أقرب المنازل إلى اللَّهِ، وهي أعلى درجة في الجنَّة، وأمرَ ﷺ أُمَّتَهُ أنْ يسألوها له لينالوا بهذا الدعاء الزلفى من اللَّهِ، وزيادة الإيمان. وأيضًا فإنَّ اللَّه سبحانه قدَّرها له بأسباب، منها: دعاء أمَّته له بها (٤) بما نالوه على يده من الإيمان والهدى، صلوات اللَّهِ وسلامه عليه. فقوله: "حلت عليه" (٥) يُرْوَى: "عليه" و"له"، فمن رواه بالَّلام فمعناهُ: حصلت له. ومن رواه بِعَلَى فمعناهُ: وقعت عليه شفاعتي، واللَّهُ أعلم.

стр. 220

الباب التاسع عشر في عرض الرَّبِّ تعالى سلعته (١) الجنَّة على عباده وثمنها الَّذي طلبه منهم وعقد التبايع الَّذي وقع بين المؤمنين وبين ربِّهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فجعل سبحانه الجنَّة ثمنًا لنفوس المؤمنين وأموالهم، بحيث إذا بذلوها فيه استحقُّوا الثَّمن، وعَقَدَ معهم هذا العقدَ، وأكَّدهُ بأنواع التأكيد: أحدها: إخبارُهُ سبحانه بصيغة الخبر المؤكَّد بأداة إنَّ. الثاني: الإخبارُ بذلك بصيغة الفعل الماضي، الَّذي قد (٢) وقع وثبت واستقر. الثالث: إضافة هذا العقد (٣) إلى نفسه سبحانه وأنَّه هو الَّذي اشترى هذا المبيع.

стр. 221

الرَّابع: أنَّه أخبر بأنَّه وعد بتسليم هذا الثمن وَعْدًا لا يُخْلِفُهُ ولا يتركه. الخامس: أنَّه أتى بصيغة "على" التي للوجوب، إعلامًا لعباده، بأنَّ ذلك حقٌّ عليه، أحَقَّه هو على نفسه. السادس: أنَّه أكَّد ذلك بكونه حقًّا عليه. السابع: أنَّه أخبر عن محل هذا الوعد، وأنَّه في (١) أفضل كتبه المنزلة من السماء، وهي: التوراة والإنجيل والقرآن. الثامن: إعلامه لعباده بصيغة استفهام الإنكار، وأنَّه لا أحد أوفى بعهده منه سبحانه. التاسع: أنَّه سبحانه أمرهم أنْ يَبْشروا بهذا العقد، ويُبشِّر به بعضهم بعضًا بشارة من قد تمَّ له العقد ولزم، بحيث لا يثبت فيه خيار، ولا يعرض له ما يفسخه. العاشر: أنَّه أخبرهم إخبارًا يؤكِّد (٢) بأنَّ ذلك البيع الَّذي بايعوا به هو الفوز العظيم، والبيع ها هنا: بمعنى المَبِيع الَّذي أخذوه بهذا الثمن، وهو الجنَّة. وقوله: ﴿بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ أي: عاوضتم وثامنتم به. ثمَّ ذكر سبحانه أهل هذا العقد الذين وقع العقد وتمَّ لهم دون

стр. 222

غيرهم، وهم: - ﴿التَّائِبُونَ﴾ مما يكره. - ﴿الْعَابِدُونَ﴾ له بما يحب. - ﴿الْحَامِدُونَ﴾ له على ما يحبون وما يكرهون. - ﴿السَّائِحُونَ﴾ وفُسِّرت السِّياحة: بالصيام، وفُسِّرت: بالسفر في طلب العلم، وفُسِّرت: بالجهاد، وفُسِّرت: بدوام الطاعة. والتحقيق فيها: أنَّها سياحة القلب في ذكر اللَّه ومحبته والإنابة إليه والشوق إلى لقائه، ويترتب عليها كل ما ذكر من الأفعالِ، وكذلك وصف نساء النَّبي ﷺ الَّلاتي لو طلق أزواجه بدَّله بهن، بأنَّهنَّ ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥] وليست سياحتهن جهادًا، ولا سفرًا في طلب العلم، ولا إدامة صيام، وإنَّما هي سياحة قلوبهنَّ في محبة اللَّه وخشيته والإنابة إليه وذكره. وتأمَّل كيف جعل سبحانه التوبة والعبادة قرينين: هذه ترك ما يكره، وهذه فعل ما يحب. والحمد والسياحة قرينين: هذا الثناء عليه بأوصاف كماله، وسياحة اللسان في أفضل ذكره، وهذا سياحة القلب في حُبَّه وذكره وإجلاله. كما جعل سبحانه العبادة والسياحة قرينين في صفة الأزواج: فهذه عبادة البدن، وهذه عبادة القلب. وجعل الإسلام والإيمان قرينين: فهذا علانية، وهذا في القلب؛

стр. 223

كما في "المسند" عنه ﷺ : "الإسلام علانية، والإيمان في القلبِ" (١) . وجعل القنوت والتوبة قرينين: فهذا فعل ما يحب، وهذا تركُ ما يكره. وجعل الثُّيوبة والبَكَارة قرينين، فهذه قد وطئت وارتاضتْ وذُلِّلت صعوبتها، وهذه رَوْضَة أُنُفٌ (٢) لم يُرتع فيها بعد. وجعل الركوع والسجود قرينين، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرينين، وأدخل بينهما الواو دون ما تقدم إعلامًا بأنَّ أحدهما لا يكفي حتى يكون مع الآخر، وجعل ذلك قرينًا لحفظ

стр. 224

حدوده، فهذا حِفْظُها في نفس الإنسان، وذاك (١) أمرُ غيرِهِ بحفظها. وأفهمت الآية: خطر النفس الإنسانية وشرفها، وعظم مقدارها، فإنَّ السلعة إذا خفي عليك قدرها فانظر إلى المشتري لها من هو، وانظر إلى الثمن المبذول فيها ما هو؟ وانظر إلى من جرى على يده عقد التبايع، فالسِّلعة: النفس، واللَّهُ سبحانه: المشتري لها، والثمن: جنَّات النعيم، والسَّفِيْر في هذا العقد: خير خلقه من الملائكة وأكرمهم عليه، وخيرهم من البشرِ وأكرمهم عليه. قد هيؤوكَ لأَمرٍ لو فَطِنْتَ له ... فارْبأْ بِنفسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الهَمَلِ (٢) وفي "جامع الترمذي" من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من خافَ أدلج، ومن أدلَجَ بلغَ المنزلَ، ألَا إنَّ سلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، ألَا إنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّة" (٣) . قال: "هذا حديثٌ حسن غريب".

стр. 225

وفي كتاب "صفة الجنَّة" لأبي نعيم من حديث أبان، عن أنس ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: ما ثمن الجنَّة؟ قال: "لا إله إلَّا اللَّه" (١) . وشواهد هذا الحديث كثيرةٌ جدًّا. وفي "الصحيحين" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁: "أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسول اللَّهِ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، دُلَّني على عملٍ إذا عملته دخلتُ الجنَّة، فقال: "تعبد اللَّه لا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصومُ رمضان" قال: "والَّذي

стр. 226

نفسي بيده لا أزيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقصُ منه، فلمَّا ولَّى قال: "من سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى رجلٍ من أهل الجنَّة فلينظر إلى هذا". وفي "صحيح مسلم" (١) عن جابر ﵁ قال: أتى النعمان بن قَوْقَل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّهِ أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرَّمت الحرام، وأحللتُ الحلال، أدخل الجنَّة؟ فقال النَّبي ﷺ : "نعم". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ماتَ وهو يعلمُ أن لا إله إلَّا اللَّه دخلَ الجنَّة". وفي "المسند" و"سنن أبي داود" عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقولُ: "من كانَ آخرُ كلامه: لا إله إلَّا اللَّه، دخل الجنَّة" (٣) .

стр. 227

وفي "الصحيحين" (١) عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتاني آتٍ من ربي فأخبرني -أو قال- فبشرني أنَّه من ماتَ من أمتك لا يشرك باللَّهِ شيئًا دخل الجنَّة، قلتُ: وإن زنى وإنْ سرق؟ قال: وإنْ زنى وإن سرق". وفي "الصحيحين" (٢) من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال: أشهدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّة حقٌّ، وأنَّ النَّار حقٌّ، أدخلهُ اللَّهُ من أيِّ أبواب الجنَّة الثمانية شاء". وفي لفظٍ: "أدخله اللَّهُ الجنَّة على ما كان من عمل" (٣) . وفي "صحيح مسلم" (٤) : "أنَّ رسول اللَّه ﷺ أعطى أبا هريرة نعليه فقال: "اذهبْ بنعليَّ هاتين، فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلَّا اللَّه مستيقنًا بها قلبُهُ، فبشِّره بالجنَّة". وقال روح بن عبادة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن قال:

стр. 228

"ثمنُ الجنَّة لا إله إلَّا اللَّه" (١) وروى أبو نعيم: من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عمله الجنَّة، ولا يجيره من النَّار، ولا أنا إلَّا بتوحيد اللَّه" (٢) . وإسنادُه على شرط مسلم، وأصل الحديث في الصحيح.

стр. 229

فصل وها هنا أمرٌ يجب التنبيه عليه وهو: أنَّ الجنَّة إنما تُدْخَلُ برحمة اللَّه، وليس عمل العبد مستقلًّا بدخولها وإن كان سببًا، ولهذا أثبت اللَّه تعالى دخولها بالأعمال في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [العنكبوت: ٨]، ونفى رسول اللَّه ﷺ دخلوها بالأعمال في قوله: "لنْ يدخل أحدٌ منكم الجنَّة بعملهِ" (١). ولا تنافي بين الأمرين لوجهين: أحدهما: ما ذكره سفيان وغيره قال: "كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو اللَّه، ودخول الجنَّة برحمتهِ، واقتسام المنازل والدرجاتِ بالأعمال" (٢). ويدل على هذا حديث أبي هريرة ﵁ الَّذي سيأتي إنْ

стр. 230

شاء اللَّهُ (١) ، "أنَّ أهل الجنَّة إذا دخلوها، نزلوا فيها بفضل أعمالهم" (٢) , رواه الترمذي. والثاني: أنَّ الباء التي نَفَتِ الدخول هي باء المعاوضة التي يكون

стр. 231

فيها أحد العِوَضين مقابلًا للآخر، والباء التي أثبتت الدخول هي باء السَّببية التي تقتضي سَبَبِيَّة ما دخلت عليه لغيره، وإنْ لم يكن مستقلًّا بحصوله، وقد جمع النَّبي ﷺ بين الأمرين في قوله: "سدِّدوا وقاربوا وابشروا، واعلموا أنَّ أحدًا منكم لن ينجوَ بعمله. قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ولا أنا إلَّا أنْ يتغمدني اللَّه برحمته" (١) . ومن عرف اللَّه سبحانه، وشَهِدَ مَشْهد حقِّه عليه، ومشهد (٢) تقصيره وذنوبه، وأبصرَ هذين المشهدين بقلبه عرف ذلك وجزم به (٣) ، واللَّه المستعان.

стр. 232

الباب العشرون في طلب أهل الجنَّة لها من ربِّهم، وطلبها لهم، وشفاعتها فيهم إلى ربها قال تعالى حكايةً عن أولي الألباب من عباده قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤]. والمعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنةِ رُسُلِكَ من دخول الجنَّة. وقالت طائفة: معناه، وآتنا ما وعدتنا (١) على الإيمان برسلك. وليس يسهل حذف الاسم والحرف معًا، إلَّا أنْ يُقدَّر على تصديق رسلك وطاعة رسلك، وحينئذٍ فيتكافأ التقديران، ويترجَّح الأوَّل بأنَّه قد تقدَّم (٢) قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمُرْسِل، ثمَّ توسلوا إليه بإيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على ألسُنِ (٣) رسله، فإنهم إنَّما سمعوا وعده لهم (٤) بذلك من الرسل، وذلك أيضًا يتضمن التصديق بهم، وأنَّهم بلَّغوهم وَعْدَهُ فصدَّقوا به، وسألوه أن

стр. 233

يؤتيهم إيَّاهُ، وهذا هو الَّذي ذكره السلف والخلف في الآية. وقيل: المعنى وآتنا ما وعدتنا من النَّصر والظَّفَر على ألسنة الرسل. والأوَّل أعمُّ وأكمل. وتأمَّل: كيف تضمَّن إيمانهم به الإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وصِدق وَعْدِه، والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره، فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم تعالى، فبذلك صحَّ لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه. وقد أشكلَ على بعض النَّاس سؤالهم أن ينجز لهم وعده، مع أنَّه فاعل لذلك ولا بُدَّ. وأجاب: بأنَّ هذا تعبُّدٌ مَحْضٌ، كقوله: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقول الملائكة: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، وخفيَ على هؤلاء أنَّ الوعد معلَّقٌ بشروطٍ منها: - الرغبة إليه سبحانه وسؤاله أنْ ينجزه لهم. - كما أنَّه مُعَلَّقٌ بالإيمان وموافاتهم به. - وأنْ لا يلحقه ما يحبطه. فإذا سألوه سبحانه أنْ ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده، وكان هذا

стр. 234

الدعاءُ من أهمِّ الأدعية وأنفعها، وهم أحوجُ إليه من كثير من الأدعية. وأمَّا قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، فهذا سؤال له سبحانه أن ينصرهم على أعدائهم، فيحكم لهم عليهم بالنَّصر والغلبة. وكذلك سؤال الملائكة ربهم أنْ يغفر للتَّائبين، هو من الأسباب التي توجب بها لهم المغفرة، فهو سبحانه نَصَبَ الأسباب التي يفعل بها ما يريده بأوليائه (١) وأعدائه، وجعلها أسبابًا لإرادته، كما جعلها أسبابًا لوقوع مراده، فمنه السَّبَبُ والمُسَبَّبُ. وإنْ أشكل عليك ذلك، فانظر إلى خلقه الأسباب التي توجب محبته وغضبه، فهو يحب ويرضى، ويغضب ويسخط عن (٢) الأسباب التي خلقها وشاءها، فالكل منه وبه، فهو مبتدئٌ من مشيئته، وعائدٌ إلى حكمته وحمده (٣) . وهذا بابٌ عظيمٌ من أبواب التوحيد لا يَلِجُهُ إلَّا العالمون باللَّهِ. ونظيرُ هذه الآية في سؤاله ما وعد به (٤) قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦]،

стр. 235

يسألهُ إيَّاهُ عباده المؤمنون، ويسأله إيَّاهُ ملائكته لهم، فالجنَّةُ تسأل ربها أهلها، وأهلها يسألونه إيَّاها، والملائكة تسألها لهم، والرسل يسألونه إيَّاها لهم (١) ولأتباعهم، ويوم القيامة يُقِيمهم سبحانه بين يديه يشفعون فيها لعباده المؤمنين، وفي هذا من تمام ملكه وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه وإعطائه ما سُئِلَ = ما هو من لوازم أسمائه وصفاته (٢) ، واقتضائها لآثارها ومتعلقاتها، فلا يجوز تعطيلها عن آثارها وأحكامها، فالربُّ تعالى جوادٌ له الجُوْد كله، يحب أنْ يُسْأَل ويُطْلَبُ منه ويُرْغبُ إليه، فَخَلَقَ مَنْ يسأله وألْهَمه سؤاله، وخلق له ما يسأله إيَّاهُ، فهو خالق السائل وسؤاله ومَسْؤوله، وذلك لمحبته لسؤال (٣) عباده له، ورغبتهم إليه، وطلبهم منه، وهو يغضبُ إذا لم يُسْأل (٤) . وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالًا، وهو يُحب المُلِحِّين (٥) في الدعاء، وكلَّما ألحَّ العبد عليه في السؤال أحبَّهُ وأعطاهُ. وفي الحديث: "مَنْ لم يسأل اللَّه يغضب عليه" (٦) .

стр. 236

فلا إله إلَّا اللَّهُ، أيُّ جنايةٍ جَنَتْ القواعد الفاسدة على الإيمان، وحالتْ بين القلوب وبين معرفة ربَّها وأسمائه، وصفات كماله ونعوت جلاله و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. قال أبو نعيم الفضل: حدثنا يونس -هو ابن أبي إسحاق- حدثنا بُرَيد ابن أبي مريم قال: قال أنس بن مالك: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلمٍ يسألُ اللَّهَ الجنَّة ثلاثًا إلَّا قالت الجنَّةُ: الَّلهم أدخلهُ الجنَّة، ومن استجارَ باللَّهِ من النَّار ثلاثًا قالت النَّارُ: اللهم أجِرْهُ من النَّار" (١) .

стр. 237

رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن هناد بن السري، عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن بُرَيد به (١) . وقال الحسن بن سفيان: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن ليث عن يونس بن خَبَّاب عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما سأل اللَّه عبدٌ الجنَّة في يومٍ سبع مرَّات إلَّا قالت الجنَّة: يا ربِّ إنَّ عبدكَ فلانًا سألني فأدخلنيه" (٢) .

стр. 238

وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا جرير عن يونس عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما استجارَ عبدٌ من النَّار سَبْعَ مرَّاتٍ إلَّا قالت النَّارُ: يا رب إنَّ عبدك فلانًا استجار منِّي فأجِرْهُ، ولا يسأل عبدٌ الجنَّة سبع مرَّاتٍ إلَّا قالت الجنَّة: يا ربَّ إنَّ عبدَك فلانًا سألني فأدخله الجنَّة". وإسناده على شرط الصحيحين. وقال أبو داود في "مسنده": حدثنا شعبة: حدثني يونس بن خباب: سمع أبا علقمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال: أسألُ اللَّهَ الجنَّة سبعًا، قالتِ الجنَّة: الَّلهم أدخله الجنَّة". وقال الحسن بن سفيان: حدثنا المُقَدَّمي عمر بن علي، عن يحيى ابن عبيد اللَّه عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أكثروا مسألةَ اللَّهِ الجنَّة واستعيذوا به من النَّارِ؛ فإنَّهما شافعتانِ

стр. 239

مشفعتان (١) ، وإنَّ العبدَ إذا أكثر من مسألةِ اللَّهِ الجنَّة (٢) ، قالت الجنَّة: يا ربَّ عبدُك هذا الَّذي سألنيك فأسكنه إياي، وتقول النار: يا ربِّ عبدُكَ هذا الَّذي استعاذ بك منِّي فأعذْهُ" (٣) . وقد كان جماعةٌ من السلفِ لا يسألون اللَّهَ الجنَّة ويقولون: حسبنا أن يُجِيرنا من النَّار. - فمنهم أبو الصَّهباء صِلَة بن أَشْيَم (٤) : صلَّى ليلةً إلى السَّحَرِ، ثمَّ رفعَ يديه وقال: "الَّلهمَّ أجرني من النَّار: أَوَ مِثْلِي يَجْتَرِئُ أنْ يسألك الجنَّة؟ " (٥) .

стр. 240

- ومنهم عطاء السُّليمي (١) : كان لا يسأل الجنَّة، فقال له صالح المُرِّي: إنَّ أبانَ حدثني عن أنس أنَّ النَّبي ﷺ قال: "يقولُ اللَّهُ : انظروا في ديوانِ عبدي، فمن رأيتموه سألني الجنَّة أعطيتُهُ، ومن استعاذني من النَّارِ أعذته" (٢) . فقال عطاء: كفاني أنْ يُجيرني من النَّارِ. ذكرهما أبو نعيم. وقد روى أبو داود في "سننه" من حديث جابر في قصة معاذ وتطويله بهم، أنَّ النَّبي ﷺ قال لفتى -يعني الَّذي شكاه- "كيفَ تصنعُ يا ابن أخي إذا صليتَ؟ قال: أقرأُ بفاتحة الكتاب وأسألُ اللَّهَ الجنَّة وأعوذُ به من النَّار، وإنِّي لا أدري ما دندنتُكَ ودندنة (٣) معاذ؟ فقال النَّبي ﷺ : إنِّي ومعاذًا حولها ندندن" (٤) .

стр. 241

وفي "سنن أبي داود" من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يُسْألُ بوجهِ اللَّهِ إلَّا الجنَّة" (١) . رواهُ أحمد بن عمرو العُصْفُرِي حدثنا يعقوب بن إسحاق حدثنا سليمان بن معاذ عن محمد فذكره. وقد تقدَّم في أوَّل الكتاب (٢) حديث الليث عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن أبي بشير يرفع الحديث: "ما من يومٍ إلَّا والجنَّة والنَّار تسألانِ، تقول الجنَّة: يا ربِّ قد طابت ثماري، واطَّردت أنهاري،

стр. 242

واشتقت إلى أوليائي، فعجِّل إليَّ بأهلي" الحديث. فالجنَّة تطلب أهلها بالذَّات، وتجذبهم إليها جذبًا، والنَّار كذلك، وقد أمرنا رسول اللَّه ﷺ أنْ لا نزال نذكرهما ولا ننساهما. كما روى أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا أيوب بن شبيب الصنعاني (١) قال: كان فيما عرضنا على رباح بن زيد حدثني عبد اللَّه بن بَحِيْر (٢) سمعت عبد الرحمن بن يزيد (٣) يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تنسُوا العظيمتين" قلنا: وما العظيمتان يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "الجنَّة والنَّار" (٤) . وذكر أبو بكر الشافعي من حديث كُلَيب بن حَزْن قال: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يقول: "اطلبُوا الجنَّة جُهدكم، واهربوا من النَّار جهدكم، فإنَّ الجنَّة لا ينامُ طالبُها، وإنَّ النَّارَ لا ينامُ هاربُها، وإنَّ الآخرة

стр. 243

اليوم محفوفةٌ بالمكاره وإنَّ الدنيا محفوفةٌ بالَّلذات تقرَّب المسافة والشهوات، فلا تلهينَّكم عن الآخرة" (١) .

стр. 244

الباب الحادي والعشرون في أسماء الجنَّة ومعانيها واشتقاقها ولها عِدَّةُ أسماءٍ باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار الذَّات، فهي مترادفة من هذا الوجه، وتختلف باعتبار الصفات فهي متباينة من هذا الوجه، وهكذا أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه، وأسماء رسوله، وأسماء اليوم الآخر، وأسماء النَّار. الاسم الأوَّل: الجنَّة: وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار، وما اشتملت عليه من أنواع النَّعيم والَّلذة والبهجة والسرور وقرَّة الأعين. وأصل اشتقاق هذه اللفظة من السِّتر والتغطية. ومنه الجنين: لاستتاره في البطن، والجان: لاستتاره عن العيون، والمِجَن: لستره، ووقايته الوجه، والمجنون: لاستتار عقله وتواريه عنه، والجانّ: وهي الحية الصغيرة الدقيقة، ومنه قول الشاعر: فَدَقَّتْ وَجَلَّتْ واسْبَكرَّتْ (١) وأكملت ... فلوجُنَّ إنسانٌ من الحُسن (٢) جُنَّت (٣) أي لو غُطِّي وسُتِرَ عن العيون لفُعِلَ بها ذلك، ومنه سمِّي البستان جَنَّة؛ لأنَّه يستر داخله بالأشجار ويغطِّيه، فلا يستحق هذا الاسم إلَّا

стр. 245

موضع كثير الشَّجَر مختلف الأنواع، والجُنَّة -بالضَّمِّ- ما يُسْتَجَنُّ به من تُرْسٍ أو غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] أي: يَتَترَّسُونَ (١) بها من إنكار المؤمنين عليهم. ومنه الجِنَّة (٢) : -بالكسر- وهو الجِنُّ، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) ﴾ [الناس: ٦]، وذهبت طائفة من المفسرين إلى أنَّ الملائكة يسمون جِنَّة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] قالوا: وهذا النسب قولهم: الملائكة بناتُ اللَّهِ، ورجحوا هذا القول بوجهين: أحدهما: أنَّ النَّسب الَّذي جعلوه إنَّما زعموا أنَّه بين الملائكة وبينه، لا بين الجِنّ وبينه. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) ﴾ [الصافات: ١٥٨]. أي: قد علمت الملائكة أنَّ الَّذين قالوا هذا القول محضرون العذاب (٣) . والصحيح خلاف ما ذهب إليه هؤلاء، وأنَّ الجِنَّة هم الجن أنفسهم كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) ﴾ [الناس: ٦].

стр. 246

وعلى هذا ففي الآية قولان: أحدهما: قول مجاهد، قال: "قالت كفار قريش: الملائكة بناتُ اللَّهِ، فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ فقالوا: سَرَوات الجن" (١) . وقال الكلبي: "قالوا تزوج من الجن فخرج من بينهما الملائكة" (٢) . وقال قتادة: "قالوا: صاهر الجِن" (٣) . والقول الثاني: قول الحسن قال: "أشركوا الشياطين في عبادة اللَّهِ، فهو النسب الَّذي جعلوه" (٤) . والصحيح قول مجاهد وغيره، وما احتج به أصحاب القول الأوَّل ليس بمستلزم لصحة قولهم؛ فإنَّهم لمَّا قالوا الملائكة بناتُ اللَّهِ، وهم من الجِنِّ عقدوا بينه وبين الجنِّ نسبًا بهذا الإيْلاد، أو جَعَلُوا (٥) هذا النَّسَبَ متولِّدًا بينه وبين الجِنَّة. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ فالضمير يرجعَ إلى الجِنَّة، أي: قد علمت الجِنَّة أنَّهم

стр. 247

محضرون الحساب، قاله مجاهد (١). أي لو كان بينه وبينهم نسَب لم يحضروا الحساب، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، فجعل عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلًا لدعواهم الكاذبة، وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأوَّل، فتأمله، والمقصود ذكر أسماء الجنَّة. فصل الاسم الثاني: دارُ السَّلام: وقد سمَّاها اللَّهُ تعالى بهذا الاسم في قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وهي أحقُّ بهذا الاسم، فإنَّها دار السلامة من كلِّ بليةٍ وآفةٍ ومكروهٍ، وهي دار اللَّهِ، واسمه السَّلام الَّذي سلَّمها (٢)، وسلَّم أهلها: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، والرب تعالى يسلم عليهم من فوقهم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٧, ٥٨]، وسيأتي حديث جابر (٣) في سلام الربِّ ﵎ عليهم في الجنَّة، وكلامهم كلُّه فيها سلام، أي: لا لغو

стр. 248

فيه ولا فحش ولا باطل، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠ - ٩١] فأكثر المفسرين حامُوا حولَ المعنى وما ورَدُوْهُ، وقالوا أقوالًا لا يخفى بُعْدها عن المقصود؛ وإنَّما معنى الآية واللَّه أعلمُ: فسلام لك أيُّها الرَّاحِلُ عن الدنيا حالَ كونك من أصحاب اليمين، أي: فسلامه لك كائنًا من أصحاب اليمين الَّذين سَلِمُوا من الدنيا وأنكادها، ومن النَّار وعذابها، فَبُشِّر بالسَّلامة عند ارتحاله من الدنيا، وقدومه على اللَّهِ تعالى، كما يُبَشر الملك رُوْحَه عند أخذها بقوله: "أبشري برَوْحٍ وَرَيْحَانِ وربٍّ غير غضبان" (١) ، وهذا أوَّل البُشرى التي للمؤمن في الآخرة.

стр. 249

فصل الاسم الثالث: دار الخلد . وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أهلها لا يظعنون عنها أبدًا، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]، وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨]. وسيأتي إبطال قول من قال من الجهمية والمعتزلة بفنائها، أو فناء حركاتِ أهلها إنْ شاء اللَّهُ تعالى (١). فصل الاسم الرَّابع: دار المُقامة . قال تعالى: حكاية عن أهلها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]. قال مُقَاتِل: "أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يتحولون منها أبدًا" (٢). قال الفرَّاء والزَّجاج: "المقامة مثل الإقامة، يقال: أقمتُ بالمكان

стр. 250

إقامة، ومقامة، ومقامًا" (١). فصل الاسم الخامس: جنَّة المأوى . قال تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٥] والمأوى: مَفْعَل من أوى يأوي، إذا انضمَّ إلى المكان، وصار إليه واستقرَّ به. وقال عطاء عن ابن عباس: "هي الجنَّة التي يأوي إليها جبريل والملائكة" (٢). وقال مقاتل والكلبي: "هي جنَّة تأوي إليها أرواح الشهداء" (٣). وقال كعب: "جنَّة المأوى: جنَّةٌ فيها طير خضر ترتعي فيها أرواح الشهداء" (٤). وقالت عائشة ﵂، وزِرُّ بن حُبَيْش: "هي جنَّة من الجنان" (٥).
следующие страницы →