← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وعلى هذا ففي الآية قولان: أحدهما: قول مجاهد، قال: "قالت كفار قريش: الملائكة بناتُ اللَّهِ، فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ فقالوا: سَرَوات الجن" (١) . وقال الكلبي: "قالوا تزوج من الجن فخرج من بينهما الملائكة" (٢) . وقال قتادة: "قالوا: صاهر الجِن" (٣) . والقول الثاني: قول الحسن قال: "أشركوا الشياطين في عبادة اللَّهِ، فهو النسب الَّذي جعلوه" (٤) . والصحيح قول مجاهد وغيره، وما احتج به أصحاب القول الأوَّل ليس بمستلزم لصحة قولهم؛ فإنَّهم لمَّا قالوا الملائكة بناتُ اللَّهِ، وهم من الجِنِّ عقدوا بينه وبين الجنِّ نسبًا بهذا الإيْلاد، أو جَعَلُوا (٥) هذا النَّسَبَ متولِّدًا بينه وبين الجِنَّة. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ فالضمير يرجعَ إلى الجِنَّة، أي: قد علمت الجِنَّة أنَّهم

стр. 247

محضرون الحساب، قاله مجاهد (١). أي لو كان بينه وبينهم نسَب لم يحضروا الحساب، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]، فجعل عقوبتهم بذنوبهم وإحضارهم للعذاب مبطلًا لدعواهم الكاذبة، وهذا التقدير في الآية أبلغ في إبطال قولهم من التقدير الأوَّل، فتأمله، والمقصود ذكر أسماء الجنَّة. فصل الاسم الثاني: دارُ السَّلام: وقد سمَّاها اللَّهُ تعالى بهذا الاسم في قوله: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقوله ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وهي أحقُّ بهذا الاسم، فإنَّها دار السلامة من كلِّ بليةٍ وآفةٍ ومكروهٍ، وهي دار اللَّهِ، واسمه السَّلام الَّذي سلَّمها (٢)، وسلَّم أهلها: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: ١٠]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، والرب تعالى يسلم عليهم من فوقهم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٧, ٥٨]، وسيأتي حديث جابر (٣) في سلام الربِّ ﵎ عليهم في الجنَّة، وكلامهم كلُّه فيها سلام، أي: لا لغو

стр. 248

فيه ولا فحش ولا باطل، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩٠ - ٩١] فأكثر المفسرين حامُوا حولَ المعنى وما ورَدُوْهُ، وقالوا أقوالًا لا يخفى بُعْدها عن المقصود؛ وإنَّما معنى الآية واللَّه أعلمُ: فسلام لك أيُّها الرَّاحِلُ عن الدنيا حالَ كونك من أصحاب اليمين، أي: فسلامه لك كائنًا من أصحاب اليمين الَّذين سَلِمُوا من الدنيا وأنكادها، ومن النَّار وعذابها، فَبُشِّر بالسَّلامة عند ارتحاله من الدنيا، وقدومه على اللَّهِ تعالى، كما يُبَشر الملك رُوْحَه عند أخذها بقوله: "أبشري برَوْحٍ وَرَيْحَانِ وربٍّ غير غضبان" (١) ، وهذا أوَّل البُشرى التي للمؤمن في الآخرة.

стр. 249

فصل الاسم الثالث: دار الخلد . وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أهلها لا يظعنون عنها أبدًا، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود: ١٠٨] وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤]، وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨]. وسيأتي إبطال قول من قال من الجهمية والمعتزلة بفنائها، أو فناء حركاتِ أهلها إنْ شاء اللَّهُ تعالى (١). فصل الاسم الرَّابع: دار المُقامة . قال تعالى: حكاية عن أهلها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥]. قال مُقَاتِل: "أنزلنا دار الخلود، أقاموا فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يتحولون منها أبدًا" (٢). قال الفرَّاء والزَّجاج: "المقامة مثل الإقامة، يقال: أقمتُ بالمكان

стр. 250

إقامة، ومقامة، ومقامًا" (١). فصل الاسم الخامس: جنَّة المأوى . قال تعالى: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٥] والمأوى: مَفْعَل من أوى يأوي، إذا انضمَّ إلى المكان، وصار إليه واستقرَّ به. وقال عطاء عن ابن عباس: "هي الجنَّة التي يأوي إليها جبريل والملائكة" (٢). وقال مقاتل والكلبي: "هي جنَّة تأوي إليها أرواح الشهداء" (٣). وقال كعب: "جنَّة المأوى: جنَّةٌ فيها طير خضر ترتعي فيها أرواح الشهداء" (٤). وقالت عائشة ﵂، وزِرُّ بن حُبَيْش: "هي جنَّة من الجنان" (٥).

стр. 251

والصحيح أنَّه اسمٌ من أسماء الجنَّة كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقال في النَّار: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ [النازعات: ٣٩] وقال: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. فصل الاسم السادس: جنَّات عدن . فقيل: هو اسم لجنَّةٍ من جملة الجنَّات، والصحيح أنَّه اسمٌ لِجُملة الجنَّات، فكلها جنَّات عدن، قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١]، وقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا (١) وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢]. والاشتقاق يدلُّ على أنَّ جميعها جنَّاتُ عدنٍ، فإنَّه من الإقامة والدَّوامِ. يقال: عَدَن بالمكان: إذا أقام به، وَعَدَنْتُ البلد: توطَّنْتُهُ، وعَدَنتِ الإبل بمكان كذا: لَزِمَتْهُ فلم (٢) تبرح منه. قال الجوهري: "ومنه جنَّات عدن أي جنَّات إقامة، ومنه سمي المَعْدِن (٣) -بكسر الدَّالِ-؛ لأنَّ النَّاس يقيمون فيه الصيف والشتاء، ومركز كل شيءٍ معدنه. والعادن: النَّاقة المقيمة في

стр. 252

المرعى" (١). فصل الاسم السَّابع: دار الحيوان . قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] والمراد: الجنَّة عند أهل التفسير، قالوا: وإنَّ الآخرة يعني: الجنة. لهي (٢) الحيوان: لهي دار الحياة التي لا موت فيها. وقال الكلبي: "هي حياة لا موت فيها". وقال الزجاج: "هي دار الحياة الدائمة" (٣). وأهل اللغة على أنَّ الحيوان بمعنى: الحياة. قال أبو عبيدة وابن قتيبة: "الحياةُ: الحيوان" (٤). قال أبو عبيدة: "الحياة والحيوان والحِي -بكسر الحاء- واحد" (٥). قال أبو علي: "يعني (٦) أنَّها مصادر، فالحياة فَعَلة كالحَلَبة، والحيوان: كالنَّزوان والغَلَيان، والحِيُّ: كالعِيِّ، قال العَجَّاج:

стр. 253

كنَّا بِهَا إذِ الحياةُ حِيّ (١) أي: إذِ الحياة حياة" (٢) . وأمَّا أبو زيد فخالفهما وقال: "الحيوان ما فيه روح، والموتان والموات ما لا روح فيه". والصواب: أنَّ الحيوان يقع على ضربين: أحدهما: مصدر، كما حكاه أبو عبيدة. والثاني: وصف كما حكاه أبو زيد، وعلى قول أبي زيدٍ الحيوان مثل: الحَيَّ خلاف الميِّت، ورُجِّحَ القول الأول؛ بأنَّ الفَعَلان بابُهُ المصادر؛ كالنَّزوان والغَلَيان، بخلاف الصِّفات، فإنَّ بابها فَعْلَان كَسَكْران وغضبان. وأجاب من رَجَّح القول الثاني، بأنَّ فَعَلان قد جاء في الصِّفات أيضًا، قالوا: رجل صَمَيَان: للسريع الخفيف، وزَفَيَان. قال في "الصحاح" (٣) : ناقة زفيان: سريعة. وقوس زفيان: سريعة الإرسال للسهم". فيحتمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤] معنيين: أحدهما: أنَّ حياة (٤) الآخرة هي الحياة؛ لأنَّه لا تنغيص فيها ولا نفاد لها: أي لا يشوبها ما يشوب الحياة في هذه الدار، فيكون

стр. 254

الحيوان مصدرًا على هذا. الثاني: أنْ يكون المعنى: أنَّها الدار التي لا تفنى ولا تنقطع، ولا تبيد كما يفنى الأحياء في هذه الدنيا، فهي أحق بهذا الاسم من الحيوان الَّذي يفنى ويموت. فصل الاسم الثامن: الفردوس . قال اللَّهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]. والفردوس (١): اسم يُقال على جميع الجنة، ويقال على أفضلها وأعلاها، كأنَّه أحق بهذا الاسم من غيره من الجنات. وأصل الفردوس: البستان، والفراديس: البساتين. قال كعب: "هو البستان الَّذي فيه الأعناب" (٢). قال الليث: "الفردوس: جنة ذات كروم. يقال: كرم مُفَرْدَس: أي مُعَرَّش". وقال الضحاك: "هي الجنَّة الملتفة بالأشجار" (٣)، وهو اختيار المُبَرَّد. وقال: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب: الشجر المُلْتَف، والأغلب عليه العنب (٤)،

стр. 255

وجمعه: الفراديس: قال: وبهذا سمي الفراديس بالشام، وأنشد لجرير: فقلت للرَّكب إذْ جدَّ المسيرُ بنا ... يا بُعد يَبْرِينَ من باب الفراديس" (١) وقال مجاهد: "هو البستان بالرومية" (٢). واختاره الزجاج، فقال: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية. قال: وحقيقته أنَّه البستان الَّذي يجمع كل ما يكون في البساتين (٣). قال حسان: وإنَّ ثوابَ اللَّهِ كل مُخلَّدٍ ... جِنَانٌ من الفردوس فيها يُخلَّدُ (٤) فصل الاسم التاسع: جنات النعيم . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ [لقمان: ٨]، وهذا أيضًا اسمٌ جامعٌ لجميع الجنَّات، لما تضمنته من الأنواع التي يتنعم بها من المأكول والمشروب والملبوس والصُّور، والرَّائحة الطَّيِّبة والمنظر البهيج، والمساكن الواسعة، وغير ذلك من النَّعيم الظاهر والباطن.

стр. 256

فصل الاسم العاشر: المقام الأمين . قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ [الدخان: ٥١]، فالمقام: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كلَّ سوءٍ ومكروهٍ، وهو الَّذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزَّوال والخراب، وأنواع النُّغص (١)، وأهله آمنون فيه من الخروج والنَّقص (٢) والنَّكد. و ﴿الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣]: الَّذي قد أمن أهله فيه ممَّا يخاف منه سواهم. وتأمَّل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾، وفي قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ [الدخان: ٥٥] فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرَّتها، وأمن الخروج منها، فلا يخافون ذلك، وأمن الموت فلا يخافون فيها موتًا.

стр. 257

فصل الاسم الحادي عشر والثاني عشر: مَقْعَدُ الصدق، وقَدَمُ الصدق . قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، فسمَّى الجنَّة مقعد صِدْقٍ، لحصول كل ما يُراد من المقعد الحسن فيها، كما يقال: مودَّة صادقة: إذا كانت ثابتة تامَّة، وحلاوة صادقة، وحملة صادقة، ومنه الكلام الصَّدق، لحصول (١) مقصوده منه. وموضوع هذه اللفظة في كلامهم: الصِّحة والكمال، ومنه الصَّدق في الحديث، والصدق في العمل، والصَّديق الَّذي يصدَّق قوله بالعمل، والصَّدق -بالفتح- الصُّلب من الرِّماح، ويقال للرجل الشجاع: إنَّه لذو مِصْدق أي صادق الحَمْلَة. وهذا مِصْداق هذا: أي ما يُصدِّقه، ومنه الصَّداقة؛ لصفاء المودَّة والمُخالَّة، ومنه صَدَقَنِي القتال، وصَدَقَنِي المودَّة، ومنه قدم الصِّدْق، ولسان الصَّدق، ومدخل الصدق، ومخرج الصَّدق، وذلك كله للحقَّ الثابت المقصود الَّذي يرغب فيه، بخلاف الكذب الباطل، الَّذي لا شيءَ تحته، ولا يتضمن أمرًا ثابتًا، وفُسِّرَ قدم الصَّدق: بالجنَّة، وفُسِّر بالأَعمال التي تنال بها الجنَّة، وفُسِّر بالسَّابقة التي سبقت لهم من اللَّه،

стр. 258

وفُسِّر بالرسول الَّذي على يده وهدايته نالوا ذلك. والتَّحقيق أنَّ الجميع حقَّ؛ فإنَّهم سبقت لهم من اللَّه بذلك السابقة بالأسباب التي قدَّرها لهم على يد رسوله، وادَّخر لهم جزاءها يوم لقائه (١) ، ولسان الصَّدق هو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال، وجميل الطرائق، وفي كونه لسان صِدْق إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنَّه ثناء بحقًّ لا بباطل، ومدخل الصدق ومخرج الصدق هو المدخل والمخرج الَّذي يكون صاحبه فيه ضامنًا على اللَّهِ، وهو دخوله وخروجه باللَّه وللَّه، وهذه الدعوة من أنفع الدعاء للعبد، فإنَّه لا يزال داخلًا في أمرٍ وخارجًا من أمرٍ، فمتى كان دخوله للَّه وباللَّه وخروجه كذلك، كان قد أُدْخِل مدخل صدق وأُخْرِجَ مخرج صدق.

стр. 259

الباب الثاني والعشرون: في عدد الجنَّات، وأنَّها نوعان: جنتان من ذهب، وجنتان من فضة الجنَّة: اسمٌ (١) شامل لجميع ما حوته من البساتين والمساكن والقصور وهي جنات كثيرة جدًّا، كما روى البخاري في "صحيحه" (٢) عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ أم الربيع بنت البراء -وهي أم حارثة بن (٣) سراقة- أتت رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا نبي اللَّه ألا تحدِّثني عن حارثة؟ -وكان قُتِل يوم بدرٍ أصابه سهمُ غَرْبٍ (٤) -، فإنْ كان في الجنَّة صبرتُ، وإنْ كان غيرَ ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أمَّ حارثة، إنَّها جنان في الجنَّة (٥)، وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى". وفي "الصحيحين" (٦) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "جنتان من ذهبٍ آنيتهما وحليتهما وما فيهما،

стр. 260

وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أنْ ينظروا إلى ربِّهم إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنَّة عدنٍ". وقد قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) ﴾ [الرحمن: ٤٦] فذكرهما ثمَّ قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) ﴾ [الرحمن: ٦٢] فهذه أربع. وقد اختلف في قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ هل المراد به أنَّهما فوقهما، أو تحتهما على قولين: فقالت طائفة: من دونهما أي: أقرب منهما إلى العرش، فيكونان فوقهما. وقالت طائفة: بل معنى من دونهما: تحتهما. قالوا: وهذا المنقول في لُغة العرب إذا قالوا: هذا دون هذا، أي دونه في المنزلة، كما قال بعضهم لمن بالغ في مدحه: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك. وفي "الصحاح": "دون: نقيض (١) فوق، وهو تقصيرٌ عن الغاية، ثمَّ قال: ويقال: هذا دون هذا (٢) أي أقرب منه" (٣) . والسِّياق يدلُّ على تفضيل الجنتين الأولتين من عشرة أوجه: أحدها: قوله: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) ﴾ [الرحمن: ٤٨] وفيه قولان:

стр. 261

أحدهما: أنَّه جمع فَنَن، وهو الغصن. والثاني: أنَّه جمع فَنٍّ، وهو الصِّنْف: أي ذواتا أصنافٍ شتَّى من الفواكه وغيرها، ولم يذكر ذلك في الَّلتين بعدهما. الثاني: قوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) ﴾ [الرحمن: ٥٠]، وفي الأُخْرَيَيْنِ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) ﴾ [الرحمن: ٦٦]، والنَّضاخة: هي الفوَّارة، والجارية: السَّارحة، وهي أحسن من الفوَّارة، فإنَّها تتضمن الفوران والجريان. الثالث: أنَّه قال: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) ﴾ [الرحمن: ٥٢] وفي الأخريين: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) ﴾ [الرحمن: ٦٨]، ولا ريب أنَّ وصف الأولتين أكمل. واختلف في هذين الزوجين بعد الاتفاق على أنَّهما صِنْفان. فقالت طائفة: الزوجان: الرَّطب واليابس الَّذي لا يقصر في فضله وجودته عن (١) الرَّطْب، وهو مُتَمَتَّع به كما يُتَمَتع باليابس. وفيه نظرٌ لا يَخْفى. وقالت طائفة: الزوجان صنفٌ معروف، وصنف من شكله غريب. وقالت طائفة: نوعان. ولم تزد. والظَّاهر واللَّه أعلم: أنَّه الحلو والحامض، والأبيض والأحمر؛

стр. 262

وذلك لأنَّ اختلاف أصناف الفاكهة أعجب وأشهى، وألذ لِلْعَيْنِ والفَمِ. الرَّابع: أنَّه قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وهذا تنبيهٌ عن فضل الظَّهائر وخطرها، وفي الآخرتين قال: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) ﴾ [الرحمن: ٧٦]، وفُسِّرَ الرَّفْرَف: بالمحابس والبُسُط، وفُسِّر: بالفُرُش، وفُسِّر: بالمحابس فوقها. وعلى كل قول فلم يصفه بما وصف به فرش الجنتين الأوَّلتين. الخامس: أنَّه قال: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) ﴾ [الرحمن: ٥٤] أي قريب سهل يتناولونه كيف شاؤوا، ولم يذكر ذلك في الآخرتين. السَّادس: أنَّه قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] أي قد قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ على أزواجهنَّ، فلا يُردْنَ غيرهم لرضاهنَّ بهم (١) ، وتحببهنَّ (٢) لهم، وذلك يتضمن قصرهنَّ لطرف أزواجهنَّ عليهنَّ، فلا يدعهم حسنهنَّ أن ينظروا إلى غيرهنَّ، وقال في الآخرتين: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) ﴾ [الرحمن: ٧٢]، ومن قصرت طرفها على زوجها باختيارها أكمل ممَّن قصرت بغيرها. السَّابع: أنَّهُ وَصَفَهُنَّ بشبه الياقوت والمرجان في صفاء اللون، وإشراقه وحسنه، ولم يذكر ذلك في التي بعدها. الثامن: أنَّه سبحانه قال في الجنتين الأَوَّلتين: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) ﴾ [الرحمن: ٦٠] وهذا يقتضي أنَّ أصحابهما من أهل

стр. 263

الإحسان المطلق الكامل، فكان جزاؤهم بإحسان كامل. التاسع: أنَّه بدأ بوصف الجنتين (١) الأوَّلتين، وَجَعَلَهُمَا جزاءً لمن خاف مقامه، وهذا يدل على أنَّهما أعلى جزاء الخائف لمقامه، فرتَّب الجزاء المذكور على الخوف ترتيب المسبَّب على سببه، ولما كان الخائفون نوعين: مُقَرَّبين وأصحاب يمين، ذكر جَنَّتَي المقربين، ثمَّ ذكر جنَّتي أصحاب اليمين. العاشر: أنَّهُ قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) ﴾ [الرحمن: ٦٢] والسِّياق يدل على أنَّه نقيض (٢) فوق، كما قال الجوهري. فإنْ قيل: فكيف انقسمت هذه الجِنَان الأربع على من خاف مقام ربه؟ قيل: لمَّا كان الخائفون نوعين كما ذكرنا، كان للمقربين منهم الجنتان العاليتان، ولأصحاب اليمين الجنتان اللتان دونهما. فإنْ قيل: فهل الجنتان لمجموع الخائفين يشتركون فيهما، أم لكلِّ واحد جنتان وهما البستانان؟ قيل (٣) : هذا فيه قولان للمفسرين، ورُجِّح القول الثاني بوجهين: أحدهما: من جهة النقل. والثاني: من جهة المعنى.

стр. 264

فأمَّا الَّذي من جهة النقل (١) ، فإنَّ أصحاب هذا القول رَووا عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "هما بستانان في رياض الجنَّة" (٢) . وأمَّا الَّذي من جهة المعنى فإنَّ إحدى الجنتين جزاء أداء الأوامر، والثانية جزاء اجتناب المحارم. فإنْ قيل: فكيف قال في ذكر النساء ﴿فِيهِنَّ﴾ في الموضعين، ولمَّا ذكر غيرهنَّ قال ﴿فِيْهِمَا﴾؟ قيل (٣) : لما ذكر الفرش قال بعدها: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] ثمَّ أعاده في الجنتين الآخرتين بهذا اللفظ، ليتشاكل (٤) الَّلفظ والمعنى. واللَّهُ أعلم.

стр. 265

الباب الثالث والعشرون في خلق الرَّبِّ ﵎ بعض الجِنَان بيده وغرسها بيده تفضيلًا لها على سائر الجنَّات (١) وقد اتخذ الرب تعالى من الجنَّات (٢) دارًا اصطفاها لنفسه، وخصها بالقرب من عرشه، وغرسها بيده، فهي سيدة الجنان، واللَّهُ سبحانه يختار من كلِّ نوع أعلاه وأفضله، كما اختار من الملائكة: جبريل، ومن البشر: محمدًا ﷺ ، ومن السماوات: العُليا، ومن البلاد: مكة، ومن الأشهر: الحُرُم، ومن الليالي: ليلة القَدْر، ومن الأيام: يوم الجمعة، ومن الليل: وسطه، ومن الأوقات: أوقات الصلوات، إلى غير ذلك، فهو سبحانه ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. قال الطبراني في "معجمه": حدثنا مُطَّلب بن شعيب الأزدي حدثنا عبد اللَّه بن صالح حدثني الليث. قال الطبراني: وحدثنا أبو الزِّنْباع رَوْح ابن الفَرَج حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا الليث عن زيادة (٣) بن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القُرَظي عن فَضَالة بن عُبيد عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينزلُ اللَّهُ تعالى في آخر ثلاث ساعاتٍ يَبْقيْنَ من الليل، فينظرُ اللَّهُ في الساعة الأولى منهنَّ

стр. 266

في الكتاب الَّذي لا ينظر فيه غيرُهُ، فيمحو ما يشاء ويثبت، ثمَّ ينظر في الساعة الثانية في جنَّة عدنٍ وهي مسكنُهُ (١) الَّذي يسكن، لا يكون معه فيها أحدٌ إلَّا الأنبياء والشهداء والصدِّيقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطرَ على قلب بشر، ثمَّ يهبطُ آخر ساعة من الليل، فيقول: ألَا مستغفر يستغفرني فأغفر له؟ ألا سائلٌ يسألني فأعطيه؟ ألا داع يدعوني فأستجيب له؟ حتَّى يطلعَ الفجرُ، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. فيشهده اللَّهُ تعالى وملائكته" (٢) . وقال الحسن بن سفيان: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السَّرْح قال: حدثني خالي (٣) عبد الرحمن بن عبد الحميد بن سالم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن داود بن أبي هند، عن أنس بن مالك رضي

стр. 267

اللَّهُ عنه أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّه بَنَى الفردوس بيده، وحَظَرَهَا على كلِّ (١) مشركٍ، وكلِّ مدمنِ خَمْرٍ (٢) سِكِّيرٍ" (٣) . وقد ذكر الدارمي والنَّجاد وغيرهما من حديث أبي معشر: نجيح بن عبد الرحمن -مُتَكَلَّمٌ فيه- عن عون بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن أخيه عبد اللَّه بن عبد اللَّه عن أبيه عبد اللَّه بن الحارث ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خلق اللَّه ﵎ ثلاثة أشياء بيده:

стр. 268

خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده" ثمَّ قال: "وعزَّتي وجلالي لا يدخلها مُدمنُ خمرٍ ولا الدُّيوثُ". قالوا: يا رسول اللَّه، قد عرفنا مدمن الخمر، فما الدَّيُّوث؟ قال: "الَّذي يُقِرُّ السُّوء في أهله" (١) . قلتُ: المحفوظ أنَّه موقوف. قال الدَّارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عبيد بن مهران حدثنا مجاهد قال: قال عبد اللَّه بن عمر: "خَلَقَ اللَّهُ أربعة أشياء بيدهِ: العرشَ، والقلمَ، وعَدن، وآدم، ثمَّ قال لسائِرِ الخلقِ كُنْ فكان" (٢) . وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن عطاء بن السَّائب عن مَيْسرة قال: إنَّ اللَّهَ لم يمسَّ شيئًا من خلقه غير ثلاثٍ: "خلق آدم

стр. 269

بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنَّة عدنٍ بيده" (١) . وحدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن كعب قال: "لم يخلق اللَّهُ بيده غير ثلاث: خلقَ آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنَّة عدْنٍ بيده. ثمَّ قال لها: تكلمي، قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (٢) .

стр. 270

وقال أبو الشيخ: حدثنا أبو يعلى، حدثنا أبو الربيع، حدثنا يعقوب القُمِّي حدثنا حفص بن حميد عن شِمْر بن عطية قال: "خلق اللَّهُ جنَّة الفردوس بيده، فهو يفتحها كل يوم خميس، فيقول: ازدادي طيبًا لأوليائي، ازدادي حسنًا لأوليائي" (١) . وذكر الحاكم عن مجاهد قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى غرس جنات عدن بيده، فلمَّا تكاملت أُغلقت فهي تفتح في كلِّ سَحَرٍ، فينظر اللَّهُ إليها فيقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ (٢) .

стр. 271

وذكر البيهقي من حديث البغوي حدثنا يونس بن عبيد اللَّه (١) البصري حدثنا عدي بن الفضل عن الجُرَيري (٢) ، عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ أحاط حائط الجنَّة لبنةً من ذهب ولبنةً من فضة، وغرس غرْسها بيده، ثمَّ قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) ﴾ [المؤمنون: ١]، فقال: طوبى لك منزل الملوك" (٣) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن المثنى البزاز، حدثنا محمد ابن زياد الكلبي حدثنا بشر (٤) بن حسين عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خَلَقَ اللَّهُ جنَّة عدنٍ بيده، لَبنَةً من درَّةٍ بيضاءَ، ولبنةً من ياقوتةٍ حمراء، ولبنةً من زَبرجَدةٍ خضراءَ، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثمَّ قال لها: انطقي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) ﴾، فقال اللَّه : وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل، ثمَّ تلا رسول اللَّه

стр. 272

- ﷺ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) ﴾ [الحشر: ٩] (١) . وتأمَّل هذه العناية كيف جعل الجنَّة (٢) التي غرسها بيديه (٣) لمن خلقه بيديه ولأفضل ذريته = اعتناءً وتشريفًا وإظهارًا لفضل ما خلقه بيديه (٤) وشرفه، وتمييزه (٥) بذلك عن غيره، وباللَّه التوفيق، فهذه الجنَّة في الجنان؛ كآدم في نوع الحيوان. وقد روى مسلم في "صحيحه" (٦) عن المغيرة بن شعبة عن النَّبي ﷺ قال: "سألَ موسى ربه: ما (٧) أدنى أهل الجنَّة منزلةً؟ قال: رجلٌ يجيء بعدما دخل أهل الجنَّة الجنَّة، فيقال له: أدخلِ الجنة، فيقول: ربِّ كيف وقد نزل النَّاس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أنْ يكون لك مثل مَلِكٍ (٨) من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربِّ، فيقول له: لك ذلك ومِثْلُه ومِثْله ومثله ومثله، فقال في الخامسة:

стр. 273

رضيت رب. قال: رب، فأعلاهم منزلةً، قال: أولئك الَّذين أردت، غرست كرامتهم بيديَّ، وختمت عليها، فلم ترَ عينٌ ولم تسمع أذُنٌ، ولم يخطر على قلب بشر"، ومصداقه من كتاب اللَّهِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].

стр. 274

الباب الرَّابع والعشرون في ذكر بوَّابِيْ الجنَّة وخزنتها، واسم مُقدَّمهم ورئيسهم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣]. والخَزَنَة: جمع خازن، مثل حَفَظَة وحَافِظ، وهو المُؤْتَمَن على الشيء الَّذي قد استحفظه. وروى مسلمٌ في "صحيحه" (١) من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "آتي بابَ الجنَّة يومَ القيامة فأستفتح، فيقول الخازنُ: من أنتَ؟ فأقول محمدٌ، فيقول: بك أمرتُ أنْ لا أفتح لأحدٍ قبلَكَ". وقد تقدَّم حديث أبي هريرة المتفق عليه (٢): "من أنفق زوجين في سبيل اللَّه دعاهُ خزنةُ الجنَّة كلُّ خزنة باب: أي فُلُ هلُمَّ". قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، ذاك الذي لا تَوَى عليه، فقال النَّبي ﷺ : "إنِّي لأرجو أنْ تكون منهم". وفي لفظٍ: هل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: "نعم، وأرجو أنْ تكون منهم".

стр. 275

لمَّا سَمَتْ هِمَّةُ الصِّدَّيق إلى تكميل مراتب الإيمان، وطمعت نفسه أنْ يُدْعَى من تلك الأبواب كلَّها، فسأل رسول اللَّه ﷺ هل يحصل ذلك لأحد من النَّاس، ليسعى في العمل الَّذي ينال به ذلك، فأخبره بحصوله وبشَّره بأنَّه من أهله، فكأنَّهُ قال: هل يكمل أحد هذه المراتب فيُدعى يوم القيامة من أبوابها كلها؟ فلِلَّهِ ما أعلى هذه الهمَّة، وأكبر هذه النَّفس. وقد سمَّى اللَّهُ كبير الخزنة رِضْوان (١) . وهو اسمٌ مشتقٌّ من الرِّضا، وسمَّى خازن النَّارِ مالكًا (٢) ، وهو اسمٌ مشتقٌّ من الملك، وهو القوَّة والشِّدَّة حيث تَصَرَّفت حُرُوفُه.

стр. 276

الباب الخامس والعشرون في ذكر أوَّل من يقرع باب الجنَّة قد تقدم في حديث أنس (١)، ورواه الطبراني بزيادة فيه قال: "فيقومُ الخازنُ، فيقولُ: لا أفتحُ لأحدٍ قبلَك، ولا أقومُ لأحدٍ بعدك" (٢). وذلك أنَّ قيامه إليه ﷺ خاصة إظهار لمزِيَّته ومرتبته، ولا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنَّة يقومون في خدمته، وهو كالملك عليهم، وقد أقامه اللَّهُ في خدمة عبده ورسوله حتى مشى إليه وفتح له الباب. وقد روى أبو هريرة ﵁، عنه ﷺ قال: "أنا أوَّلُ من يُفْتَحُ له باب الجنَّة، إلَّا أنَّ امرأة تبادرني، فأقول لها مالَكِ أو ما أنتِ؟ فتقول: أنا امرأةٌ قعدتُ على يتاماي (٣) " (٤).

стр. 277

وفي الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ قال: جلسَ ناسٌ من أصحاب النَّبي ﷺ ينتظرونه، قال: فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عَجَبًا إنَّ اللَّه من خلقه خليلًا، اتخذ إبراهيم خليلًا، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلامه موسى (١) كلَّمه تكليمًا، وقال آخر: فعيسى كلمة اللَّهُ وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاهُ اللَّهُ، فخرج عليهم، فسلَّم وقال: سمعتُ كلامكم وعجبكم، إنَّ إبراهيم خليلُ اللَّه وهو كذلك، وموسى نجيُّ اللَّهِ، وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاهُ اللَّهُ، وهو كذلك، ألا وأنا حبيب اللَّه ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوَّل شافعٍ وأوَّل مشفَّع يوم القيامة ولا فخر (٢) ، وأنا أوَّل

стр. 278

من يحرِّك حَلَقَ الجنَّة فيفتح لي فأدخلها، ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر" (١) . وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أوَّل النَّاسِ خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حُبِسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا (٢) ، لواء الحمد بيدي، ومفاتيح الجنَّة يومئذٍ بيدي، وأنا أكرمُ ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر، يطوف عليَّ ألف خادم كأنَّهم اللؤلؤ المكنون" رواه الترمذي (٣) ، والبيهقي واللفظ له (٤) .

стр. 279

وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث المختار بن فلفل عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أكثر النَّاس تبعًا يوم القيامة، وأنا أوَّل من يقرع بابَ الجنَّة".

стр. 280

الباب السادس والعشرون في ذكر أوَّل الأمم دخولًا الجنَّة وفي "الصحيحين" (١) من حديث همَّام بن مُنَبِّهٍ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحنُ السَّابقون الأوَّلون يوم القيامة، بَيْدَ أنَّهم أوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم". أي: لم يسبقونا إلَّا بهذا القدر، فمعنى: "بَيْدَ" معنى سِوَى وغير وإلَّا أنَّ، ونحوها. وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "نحنُ الآخرون الأوَّلون يومَ القيامة، ونحنُ أوَّل من يدخل الجنَّة، بيدَ أنَّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا اللَّهُ لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه (٣) ". وفي "الصحيحين" (٤) من حديث طاووس عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "نحنُ الآخرون الأوَّلون يومَ القيامة، نحنُ أوَّلُ النَّاسِ دخولًا الجنَّة، بيدَ أنَّهم أوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من

стр. 281

بعدهم". وروى الدارقطني من حديث زهير بن محمد عن عبد اللَّه بن محمد ابن عَقِيل، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الجنَّة حُرِّمت على الأنبياء كلَّهم حتى أدخلها، وحُرِّمت على الأمم حتى تدخلها أمتي" (١) . قال الدَّارقطني: "غريب عن الزهري، ولا أعلمُ رُوي عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الزهري غير هذا الحديث، ولا رواهُ إلَّا عمرو بن أبي سلمة [التِّنِّيسي عن صدقة السَّمين] (٢) عن زهير". فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرضِ وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنَّة، فالجنَّة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ﷺ ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته.

стр. 282

وأمَّا (١) أوَّل الأمة دخولًا: فقال أبو داود في "سننه" حدثنا هنَّاد بن السَّريِّ، عن عبد الرحمن بن محمد المُحاربي عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدَّالاني عن أبي خالد مولى آل جَعْدة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنَّة الَّذي تدخلُ منه أمتي". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، وددتُ لئن (٢) كنتُ معك حتى أنظر إليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما إنَّك يا أبا بكر أوَّل من يدخل الجنَّة من أمتي" (٣) . وقوله: "وددت لئن كنت معك (٤) ". حرصًا منه على زيادة اليقين، وأن يصير الخبر عيانًا، كما قال إبراهيم الخليل ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وأمَّا الحديث الَّذي رواهُ ابن ماجه في "سننه": حدثنا إسماعيل بن عمر الطلحي، أنبأنا داود بن عطاء المديني، عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أُبيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّل من يصافحه الحق عمر وأوَّل من يسلِّم عليه، وأوَّل من يأخذ بيده فيدخله الجنَّة" (٥) .

стр. 283

فهو حديثٌ منكر جدًّا، قال الإمام أحمد: "داود بن عطاء ليس بشيءٍ"، وقال البخاري: "منكر الحديث" (١) .

стр. 284

الباب السابع والعشرون في ذكر السَّابقين من (١) هذه الأمة إلى الجنَّة وصفتهم في "الصحيحين" (٢) من حديث همَّام بن مُنَبِّه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّل زُمرة تَلجُ الجنَّة صُوَرُهم على صورة القمرِ ليلة البَدْرِ، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهبُ والفضة، ومجامرهم الأُلُوَّة (٣)، ورشحهم المسك، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتان يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم من الحُسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبُهم على قلب واحد (٤)، يسبحون اللَّهَ بُكْرَةً وعَشيًّا". وفي "الصحيحين" (٥) أيضًا من حديث أبي زُرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّل زُمرةٍ يدخلون الجنَّة على صورة القمر ليلةَ البدرِ، والَّذين يلونهم على ضوءِ أشدِّ كوكبٍ دُريٍّ في السماء إضاءةً، لا يبولون ولا يتغوَّطون، ولا يتفُلون ولا يَمْتخِطون، أمشاطهم الذهبُ ورشحهم المسكُ، ومجامرهم الأُلُوَّةُ، وأزواجهم الحورُ العينُ، أخلاقُهم على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ، على صورة أبيهم آدم

стр. 285

ستون ذراعًا في السَّماءِ". وروى شُعْبة وقيس عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه (١) ﷺ : "أوَّل من يُدعى إلى الجنَّة يومَ القيامة الحمَّادون الَّذين يحمدون اللَّهَ في السَّرَّاء والضَّراء" (٢) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا هشام الدسْتوائي عن يحيى بن كثير عن عامر العُقَيلي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عُرِضَ عليَّ أوَّل ثلاثةٍ من أُمَّتي يدخلون الجنَّة وأوَّل ثلاثةٍ يدخلون النَّار، فأمَّا أوَّل ثلاثة يدخلون الجنَّة: فالشهيدُ، وعبدٌ مملوكٌ لم (٣) يشغله رِقّ الدنيا عن طاعة ربِّه،
следующие страницы →