← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بعدهم". وروى الدارقطني من حديث زهير بن محمد عن عبد اللَّه بن محمد ابن عَقِيل، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الجنَّة حُرِّمت على الأنبياء كلَّهم حتى أدخلها، وحُرِّمت على الأمم حتى تدخلها أمتي" (١) . قال الدَّارقطني: "غريب عن الزهري، ولا أعلمُ رُوي عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن الزهري غير هذا الحديث، ولا رواهُ إلَّا عمرو بن أبي سلمة [التِّنِّيسي عن صدقة السَّمين] (٢) عن زهير". فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرضِ وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنَّة، فالجنَّة محرمة على الأنبياء حتى يدخلها محمد ﷺ ومحرمة على الأمم حتى تدخلها أمته.

стр. 282

وأمَّا (١) أوَّل الأمة دخولًا: فقال أبو داود في "سننه" حدثنا هنَّاد بن السَّريِّ، عن عبد الرحمن بن محمد المُحاربي عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدَّالاني عن أبي خالد مولى آل جَعْدة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنَّة الَّذي تدخلُ منه أمتي". فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، وددتُ لئن (٢) كنتُ معك حتى أنظر إليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما إنَّك يا أبا بكر أوَّل من يدخل الجنَّة من أمتي" (٣) . وقوله: "وددت لئن كنت معك (٤) ". حرصًا منه على زيادة اليقين، وأن يصير الخبر عيانًا، كما قال إبراهيم الخليل ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وأمَّا الحديث الَّذي رواهُ ابن ماجه في "سننه": حدثنا إسماعيل بن عمر الطلحي، أنبأنا داود بن عطاء المديني، عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أُبيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّل من يصافحه الحق عمر وأوَّل من يسلِّم عليه، وأوَّل من يأخذ بيده فيدخله الجنَّة" (٥) .

стр. 283

فهو حديثٌ منكر جدًّا، قال الإمام أحمد: "داود بن عطاء ليس بشيءٍ"، وقال البخاري: "منكر الحديث" (١) .

стр. 284

الباب السابع والعشرون في ذكر السَّابقين من (١) هذه الأمة إلى الجنَّة وصفتهم في "الصحيحين" (٢) من حديث همَّام بن مُنَبِّه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّل زُمرة تَلجُ الجنَّة صُوَرُهم على صورة القمرِ ليلة البَدْرِ، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهبُ والفضة، ومجامرهم الأُلُوَّة (٣)، ورشحهم المسك، ولكلِّ واحدٍ منهم زوجتان يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم من الحُسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبُهم على قلب واحد (٤)، يسبحون اللَّهَ بُكْرَةً وعَشيًّا". وفي "الصحيحين" (٥) أيضًا من حديث أبي زُرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أوَّل زُمرةٍ يدخلون الجنَّة على صورة القمر ليلةَ البدرِ، والَّذين يلونهم على ضوءِ أشدِّ كوكبٍ دُريٍّ في السماء إضاءةً، لا يبولون ولا يتغوَّطون، ولا يتفُلون ولا يَمْتخِطون، أمشاطهم الذهبُ ورشحهم المسكُ، ومجامرهم الأُلُوَّةُ، وأزواجهم الحورُ العينُ، أخلاقُهم على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ، على صورة أبيهم آدم

стр. 285

ستون ذراعًا في السَّماءِ". وروى شُعْبة وقيس عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه (١) ﷺ : "أوَّل من يُدعى إلى الجنَّة يومَ القيامة الحمَّادون الَّذين يحمدون اللَّهَ في السَّرَّاء والضَّراء" (٢) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا هشام الدسْتوائي عن يحيى بن كثير عن عامر العُقَيلي عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عُرِضَ عليَّ أوَّل ثلاثةٍ من أُمَّتي يدخلون الجنَّة وأوَّل ثلاثةٍ يدخلون النَّار، فأمَّا أوَّل ثلاثة يدخلون الجنَّة: فالشهيدُ، وعبدٌ مملوكٌ لم (٣) يشغله رِقّ الدنيا عن طاعة ربِّه،

стр. 286

وفقير مُتَعَفِّف ذو عِيَال، وأوَّل ثلاثة يدخلون النَّار: فأميرٌ مُسَلَّطٌ، وذو ثروةٍ من مالٍ لا يؤدِّي حقَّ اللَّه في ماله، وفقيرٌ فخور" (١) . وروى الإمام أحمد في "مسنده" والطبراني في "معجمه" واللفظ له من حديث أبي عُشَّانة المعافري أنَّه سمع عبد اللَّه بن عمرو ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "هل تدرون أوَّل من يدخل الجنَّة؟ قالوا: اللَّهُ ورسوله أعلمُ، قال: فقراء المُهاجرين الَّذين تُتَّقى بهم المكاره، ويموتُ أحدهم وحاجته في صَدْرِهِ لا يستطيع لها قضاءً، تقول الملائكة: ربَّنا نحنُ ملائكتك وخزنتك وسُكَّان سماواتك لا تدخلهم، الجنَّة قبلنا، فيقول: عبادي لا يُشْركون بي شيئًا، تُتَّقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لم يستطع لها قضاءً، فعند ذلك تدخل عليهم الملائكة من كلِّ بابٍ، سلامٌ عليكم بما صبرتم (٢) فنعمَ عُقبى الدَّارُ" (٣) .

стр. 287

ولمَّا ذكر اللَّهُ تعالى أصناف بني آدم سَعيدهم وشقيهم، قسم سُعَداءهم إلى قسمين: سابقين وأصحاب يمين فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) ﴾ [الواقعة: ١٠]. واختلف في تقديرها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّه من باب التَّوكيد الَّلفظي، ويكون خبره قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) ﴾ [الواقعة: ١١]. والثاني: أنْ يكون السَّابقون الأوَّل مبتدأ، والثاني خَبَرًا له على حدِّ قولك: زيد زيد، أي زيد الَّذي سمعت به هو زيد كما قال: أنا أبو النَّجم وَشِعْري شِعْري (١) وكقول الآخر: إذا النَّاسُ ناسٌ والنَّهارُ نهارُ (٢)

стр. 288

قال ابن عطية: وهذا قول سيبويه (١) . والثالث: أنْ يكون السَّبقُ الأوَّل غيرَ الثاني، ويكون المعنى: السابقون في الدنيا إلى الخيرات هم السابقون يوم القيامة إلى الجنَّات، والسابقون إلى الإيمان هم السابقون إلى الجنان (٢) . وهذا أظهر، واللَّهُ أعلم. فإنْ قيل: فما تقولون في الحديث الَّذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصحَّحه من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول اللَّه ﷺ فدعا بلالًا، فقال: "يا بلالُ، بمَ سبقتني إلى الجنَّة، فما دخلتُ الجنَّة قط إلَّا سمعت خَشْخَشَتَكَ أمَامي. دخلتُ البارحة فسمعتُ خَشْخَشَتَكَ أَمامي، فأتيت على قصر مُرَبَّع مشرفٍ من ذهب، فقلتُ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ عربيٍّ، قلتُ: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش، قلتُ: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من أُمَّة محمدٍ، قلت: أنا محمد، لمن هذا القَصْر؟ قالوا: لعمرَ بن الخطاب" فقال بلال: يا رسول اللَّهِ ما أَذَّنتُ قط إلَّا صليتُ ركعتين، وما أصابني حَدَثٌ قطُّ إلَّا توضأتُ عندها، ورأيتُ أنَّ للَّهِ عليَّ ركعتين (٣) ، فقال رسول اللَّه ﷺ : بهما" (٤) .

стр. 289

قيل: نتلقَّاه بالقبول والتصديق، ولا يدل على أنَّ أحدًا يسبق رسول اللَّه ﷺ إلى الجنَّة، وأمَّا تقدُّم بلال بين يديه ﷺ في الجنَّة؛ فلأنَّ بلالًا كان يدعو إلى اللَّهِ أوَّلًا في الأذان فيتقدم أذانه بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فيتقدَّم (١) دخوله بين يديه كالحاجب والخادم. وقد رُوِيَ في حديثٍ: "أنَّ النَّبي ﷺ يبعثُ يوم القيامة وبلالٌ بين يديه ينادي بالأذان" (٢) . فتقدَّمه بين يديه ﷺ كرامةً لرسول اللَّهِ ﷺ وإظهارًا لشرفه وفضله، لا سَبْقًا من بلالٍ له، بل هذا السَّبق من جنس سبقه إلى الوضوء، ودخول المسجد ونحوه، واللَّهُ تعالى أعلم.

стр. 290

الباب الثامن والعشرون في سبق الفقراء للأغنياء (١) إلى الجنَّة قال الإمام أحمدُ: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يدخلُ فقراء المسلمين الجنَّة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسُ مئة عام" (٢). قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسن صحيح". ورجال إسناده احتجَّ بهم مسلم في "صحيحه".

стр. 291

وروى الترمذي من حديث عبَّاس الدُّوري، عن المُقْرِيء (١) عن سعيد بن أبي أيوب عن عمرو (٢) بن جابر الحضرمي عن جابر بن عبد اللَّه عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "يدخلُ فقراءُ أُمَّتي (٣) الجنَّة قبلَ الأغنياء بأربعين خريفًا" (٤) . وفي "صحيح مسلم" (٥) من حديث عبد اللَّه (٦) بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يومَ القيامة (٧) بأربعين خريفًا".

стр. 292

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا دُوَيْد عن سلم (١) ابن بشير عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال النَّبي ﷺ : "التقى مؤمنان على باب الجنَّة، مؤمنٌ غنيٌ، ومؤمنٌ فقيرٌ، كانا في الدنيا، فأُدْخِلَ الفقيرُ الجنَّة، وحُبسَ الغني ما شاء اللَّهُ أنْ يُحْبس، ثمَّ أُدْخِلَ الجنَّة، فلقيه الفقيرُ فيقول: أي أخي وماذا حبسك؟ واللَّه لقد احْتبَستَ حتى خفت (٢) عليك (٣) ، فيقول: أي أخي إنِّي حبستُ بعدك محبسًا فظيعًا (٤) كريهًا، وما وصلتُ إليك حتى سال منِّي العَرَق (٥) ، ما لو وَرَدَهُ ألفُ بعيرٍ كلها آكلة حمضٍ لصدرتْ عنه رواء (٦) " (٧) . وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي، وعلي ابن سعيد الرَّازي قالا: حدثنا علي بن بهرام (٨) العطار، حدثنا

стр. 293

عبد الملك بن أبي كريمة، عن سفيان الثوري عن محمد بن زيد عن أبي حازم (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ فقراء المؤمنين يدخلون الجنَّة قبل أغنيائهم بنصف يومٍ، وذلك خمس مائة عام" وذكر الحديث بطوله (٢) . والَّذي في الصحيح أنَّ سبقهم لهم "بأربعين خريفًا". فإمَّا أنْ يكون هو المحفوظ، وإمَّا أنْ يكون كلاهما محفوظان، وتختلف مُدَّة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين، ومنهم من يسبق بخمس مئة كما يتأخر مكث العُصاة من الموحدين في النَّار بحسب جرائمهم واللَّهُ أعلم. ولكن ها هنا أمرٌ يجب التنبيه عليه، وهو أنَّه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم، بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة؛ وإن سَبَقَهُ غيره في الدخول، والدليل على هذا أنَّ من الأمة من يدخل الجنَّة بغير حساب، وهم السَّبعون ألفًا (٣) ، وقد يكون بعض من

стр. 294

يُحَاسب أفضل من أكثرهم، والغني إذا حوسب على غِنَاهُ، فوجد قد شكر اللَّه تعالى فيه، وتقرَّب إليه بأنواع البِرِّ والخير والصَّدقة والمعروف، كان أعلى درجة من الفقير الَّذي سبقه في الدخول، ولم تكن له تلك الأعمال، ولا سيِّما إذا شاركه الغني في أعماله هو (١) وزاد عليه فيها، واللَّهُ لا يضيع أجرَ من أحسن عملًا. فالمزيَّة مزيَّتان؛ مزية سبق، ومزية رِفْعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرِّفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرِّفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المتقضي للأمرين، أو لأحدهما وعدمه، وباللَّه التوفيق.

стр. 295

الباب التاسع والعشرون في ذكر أصناف أهل الجنَّة الَّذين ضمنت لهم دون غيرهم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. فأخبر أنه أعدَّ الجنَّة للمتقين دون غيرهم، ثم ذكر أوصاف المتقين، فذكر بذلهم للإحسان في حالتي العسر واليسر، والشدة والرخاء، فإنَّ من النَّاس من يبذل في حال اليسر والرخاء، ولا يبذل في حال العسر والشدة، ثم ذكر كف أذاهم للنَّاس (١) بحبس الغيظ بالكظم، وحبس الانتقام بالعفو، ثمَّ ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم، وأنَّها إذا صدرت منهم قابلوها بذكر اللَّه، والتوبة والاستغفار، وترك الإصرار، فهذا حالهم مع اللَّهِ، وذاك حالهم مع خلقه. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].

стр. 296

فأخبر تعالى أنَّه أعدَّها للمهاجرين والأنصار، وأتباعهم بإحسان، فلا مطمع لمن خرج عن طريقتهم فيها. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. فوصفهم بإقامة حقه باطنًا وظاهرًا، وبأداء حق عباده. وفي "صحيح مسلم" (١) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يومُ خيبر أقبل نفرٌ من صحابة النَّبي ﷺ فقالوا: فلانٌ شهيد، وفلانٌ شهيد، حتى مروا على رَجُلٍ فقالوا: فلانٌ شهيد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كلَّا إنَّي رأيته في النَّار في بُرْدةٍ غَلَّها أو عباءةٍ، ثمَّ قال رسول اللَّه ﷺ : "يا ابنَ الخطاب، اذهب فنادِ في النَّاسِ إنَّهُ لا يدخل الجنَّة إلَّا المؤمنون، قال: فخرجتُ فناديتُ: ألا (٢) إنَّهُ لا يدخل الجنَّة إلَّا المؤمنون". وللبخاري معناه (٣) . وفي "الصحيحين" (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ أمرَ بلالًا أنْ يناديَ في النَّاسِ: "إنَّه لا يدخلُ الجنَّة إلَّا نفسٌ

стр. 297

مسلمةٌ"، وفي بعض طرقه "مؤمنة" (١) وفي الحديث قصة. وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث عِيَاض بن حِمَار المجاشعي أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال ذات يومٍ في خطبته: "ألا إنَّ ربي أمرني أنْ أُعَلِّمَكم ما جهلتم ممَّا علمني يومي هذا، كلُّ مالٍ نحلته عبدًا حلالٌ، وإنِّي خلقتُ عبادِي حنفاء كلَّهم، وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم (٣) عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهم أنْ يشركوا بي ما لم أُنْزل به سُلطانًا، وإنَّ اللَّهَ نظر إلى أهل الأرضِ فمقتهم عربهم وعجمهم إلَّا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنَّما بعثتُك لأبتليكَ، وأبتلي بكَ، وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسلهُ الماءُ، تقرأهُ نائمًا ويقظان. وإنَّ اللَّهَ أمرني أن أُحرَّق قريشًا، فقلتُ: ربِّ إذًا يثغلوا رأسي، فيدعوه خُبزة، قال: استخرجهم كما أخرجوك (٤) واغزهم نُعِنْكَ (٥) ، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشًا نبعثْ خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك مَنْ عصاكَ، قال: وأهل الجنَّة ثلاثةٌ: ذو سلطان مقسطٌ متصدقٌ

стр. 298

موفق (١) ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب لكلِّ ذي قربى ومسلم، وعفيفٌ متعفف ذو عيال. وأهل النَّار خمسة: الضعيف الَّذي لا زَبْر (٢) له الَّذين هم فيكم تبعًا، لا يبغون (٣) أهلًا ولا مالًا. والخائن الَّذي لا يخفى له طمعٌ وإنْ دقَّ إلَّا خانه. ورجلٌ لا يصبح ولا يمسي إلَّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك" وذَكَرَ البخل والكذب (٤) ، والشِّنظير الفحَّاشُ "وإنَّ اللَّهَ أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحد". وفي "الصحيحين" (٥) من حديث حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يقول: "ألا أخبركم بأهل الجنَّة، كلُّ ضعيف متضعَّفٍ لو أقسم على اللَّهِ لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهل النَّار؟ كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُتكبر (٦) ". وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق قال: أنبأنا عبد اللَّه أنبأنا موسى بن عُلَي بن رباح قال: سمعت أبي يحدث عن عبد اللَّه بن عمرو

стр. 299

ابن العاص ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ أهل النَّار كلُّ جَعْظَريٍّ (١) جوَّاظ (٢) مُسْتَكبر، جمَّاعٍ منَّاعٍ، وأهل الجنَّة الضعفاء المغلوبون" (٣) . وذكر خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا (٤) أخبركم برجالكم من أهل الجنَّة: النَّبي في الجنَّة، والصديق في الجنة، والشهيد في الجنة، والرجل يزور أخاه ناحية المِصْر لا يزوره إلَّا للَّه (٥) = في الجنة، ونساؤكم من أهل الجنَّة: الودود الولود التي إذا غَضِبَ أو غضِبتْ جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها، ثمَّ تقول: لا أذوق

стр. 300

غُمْضًا (١) حتى ترضى" (٢) .

стр. 301

أخرج النسائي من هذا الحديث فضل النساء خاصة، وباقي الحديث على شرطه. وروى الإمام أحمد في "مسنده" بإسنادٍ صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ أهل النَّار كلُّ جعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مستكبر جمَّاعٍ منَّاعٍ، وأهل الجنَّة الضعفاء المغلوبون" (١) . وقال ابن ماجه في "سننه": حدثنا محمد بن يحيى وزيد بن أخزم قالا: حدثنا مسلم (٢) بن إبراهيم حدثنا هلال الرَّاسبي، حدثنا عُقْبة بن أبي ثُبَيْت الراسبي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "أهل الجنَّة من ملأ أُذنيه من ثناء النَّاس خيرًا وهو يسمع، وأهل النَّار من ملأ أذنيه من ثناء النَّاس شرًّا وهو يسمع" (٣) .

стр. 302

وفي "الصحيحين" (١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: "مُرَّ بجنازة فأُثنيَ عليها خيرٌ (٢) ، فقال نبي اللَّه ﷺ وجبتْ وجبتْ وجبتْ، ومُرَّ بجنازةٍ فأُثني عليها شرٌ (٣) فقال نبي اللَّه ﷺ : وجبت وجبتْ وجبتْ، فقال عمر ﵁: فداك أبي وأمي، مُرَّ بجنازةٍ فأثُني عليها خيرٌ فقلتَ: وجبت وجبت وجبت: ومُرَّ بجنازةٍ فأثني عليها شرٌّ، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : من أثنيتم عليه خيرًا وجبتْ له الجنَّة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النَّارُ، أنتم شهداء اللَّهِ في الأرضِ، أنتم شهداء اللَّهِ في الأرضِ (٤) ". وفي الحديث الآخر: "يوشكُ أنْ تعلموا أهل الجنَّة من أهل النَّارِ، قالوا: كيف يا رسول اللَّهِ؟ قال: بالثناء الحسن والثناء السيء" (٥) .

стр. 303

وبالجملة فأهل الجنَّة أربعة أصناف، ذكرهم اللَّه في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ﴾ [النساء: ٦٩]. فنسأل اللَّه أنْ يجعلنا معهم بمنِّه وكرمه (١) .

стр. 304

الباب الثلاثون في أنَّ أكثر أهل الجنَّة هم أُمَّة محمد ﷺ في "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول اللَّه ﷺ : "أما ترضون أنْ تكونوا رُبُعَ أهلِ الجنَّة؟ فكبرنا (١)، ثمَّ قال: أما ترضون أنْ تكونوا ثلثَ أهل الجنَّة؟ فكبرنا، ثمَّ قال: إنِّي لأرجو أنْ تكونوا شطرَ أهلِ الجنَّة، وسأخبركم عن ذلك، ما المسلمون في الكفار إلَّا كشعرةِ بيضاءِ في ثورٍ أسودَ، أو كشعرةٍ سوداء في ثورٍ أبيض" هذا لفظ مسلم (٢). وعند البخاري (٣): "وكشعرةٍ سوداء" (٤) بغير ألف. وعن بُرَيدة بن الحصيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أهل الجنَّة عشرون ومئة صفٍ، هذه الأمة منها ثمانون صفًّا" (٥).

стр. 305

رواه الإمام أحمد والترمذي، وإسناده على شرط الصحيح. ورواه الطبراني في "معجمه" (١) من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄، وفي إسناده خالد بن يزيد البجلي، وقد تُكُلِّمَ فيه. ورواهُ أيضًا من حديث القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد اللَّه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنتم وربُعُ الجنَّة لكم، ولسائر النَّاسِ ثلاثةُ أرباعها؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: كيف أنتم وثلثها؟ قالوا: ذاك أكثر، قال: كيف أنتم والشطر لكم؟ قالوا: ذاك أكثر، فقال رسول اللَّه ﷺ : أهل الجنَّة عشرون ومئة صف، لكم منها ثمانون صفًّا" (٢) ، قال الطبراني: "لم يرو هذا

стр. 306

الحديث (١) عن القاسم بن عبد الرحمن إلَّا الحارث بن حُصيرة، تفرد به عبد الواحد بن زياد". وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا موسى بن غيلان ثنا هاشم بن مخلد حدثنا عبد اللَّه بن المبارك عن سفيان عن أبي عمرو عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: "لمَّا نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، قال رسول اللَّه ﷺ : "أنتم رُبُعُ أهل الجنَّة، أنتم ثلث أهل الجنَّة، أنتم نصفُ أهل الجنَّة. أنتم ثلثا أهل الجنَّة" (٢) .

стр. 307

قال الطبراني: "تفرَّد برفعه ابن المبارك عن الثوري". وقال خيثمة بن سليمان القرشي: حدثنا أبو قلابة هو عبد الملك بن محمد حدثنا محمد (١) بن بكار الصيرفي حدثنا حمَّاد بن عيسى حدثنا سفيان الثوري عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النَّبي ﷺ قال: "أهل الجنَّة عشرون ومئة صف، أنتم منها ثمانون صفًّا" (٢) . وهذه الأحاديث قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها وصح سند بعضها، ولا تنافي بينها وبين حديث الشطر؛ لأنَّه ﷺ رجا أوَّلًا أنْ يكونوا شطر أهل الجنَّة، فأعطاهُ اللَّهُ (٣) سبحانه رجاءه، وزاده عليه شيئًا آخر.

стр. 308

وقد روى أحمد في "مسنده" من حديث أبي الزبير أنَّه سمع جابرًا يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أرجو أنْ يكون من يتبعني من أُمَّتي يوم القيامة رُبُعَ أهلِ الجنَّة، قال: فكبرنا، قال: فأرجو أنْ تكونوا الشَّطرَ" (١) . وإسناده على شرط مسلم.

стр. 309

الباب الحادي والثلاثون في أنَّ النساء في الجنَّة أكثر من الرجال وكذلك هم في النَّار ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث أيوب عن محمد بن سيرين قال: إمَّا تفاخروا، وإمَّا تذاكروا: الرجال أكثر في الجنَّة أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: ألم يقل أبو القاسم ﷺ : "إنَّ أوَّل زُمرةٍ تدخل الجنَّة على صورة القمر ليلة البدرِ، والتي تليها على أضوإِ (٢) كوكبٍ دريٍّ في السماء، لكلِّ امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سُوقِهِما من وراء اللحم، وما في الجنَّة عَزَبٌ". فإنْ كن من نساء الدنيا فالنساء في الدنيا أكثر من الرجال، وإنْ كُنَّ من الحور العين لم يلزم أنْ يكُنَّ في الدنيا أكثر، والظاهر أنَّهنَّ من الحور العين؛ لما رواه الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "للرَّجل من أهل الجنَّة زوجتان من الحور العين، على كلِّ واحدةٍ سبعون حُلَّة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" (٣).

стр. 310

فإنْ قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين حديث جابر ﵁ المتفق عليه: شهدتُ مع رسول اللَّه ﷺ العيد، فصلى قبل أنْ يخطب بغير أذان ولا إقامة، ثمَّ خطب بعدما صلَّى، فوعظ النَّاس وذكرهم، ثمَّ أتى النساء فوعظهنَّ ومعه بلال، فذكرهنَّ وأمرهنَّ بالصدقة، قال: فجعلت المرأة تلقي خاتمها وخُرْصها والشيء كذلك،

стр. 311

فأمر النَّبي ﷺ بلالًا فجمع ما هناكَ، ثمَّ قال: "إنَّ منكنَّ في الجنَّة ليسير". فقالت امرأةٌ: يا رسول اللَّه لِمَ؟ قال: "إنَّكنَّ تُكثرن الَّلعن، وتكفرن العشير" (١) . وفي الحديث الآخر: "إنَّ أقلَّ ساكني الجنَّة النساء" (٢) . قيل: هذا يدلُّ على أنَّهنَّ إنَّما كُنَّ في الجنَّة أكثر بالحور العين الَّلاتي خلقن في الجنَّة، وأقل ساكنيها نساء الدنيا، فنساء الدنيا أقل أهل الجنَّة، وأكثر أهل النَّار. وأمَّا كونهنَّ أكثر أهل النَّارِ، فلما روى البخاري في "صحيحه" من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: بلغني أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "اطَّلعتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثر أهلها النساءَ، واطَّلعتُ في الجنَّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" (٣) . وفي "صحيح مسلم" (٤) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اطَّلعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها النساء".

стр. 312

وروى الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثرَ أهلها النساء، واطَّلعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء" (١) . وفي "المسند" أيضًا من حديث عبد اللَّهِ بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اطَّلعتُ في الجنَّة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعتُ في النَّار فرأيتُ أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (٢) .

стр. 313

وفي الصحيح من حديث ابن عمر ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار (١) ، فإنِّي رأيتُكنَّ أكثر أهل النَّار، فقالت امرأةٌ منهنَّ جَزْلَة: وما لنا يا رسول اللَّه أكثر أهل النَّار؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيتُ من (٢) ناقصات عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذي لبٍّ منكنَّ، قالت: يا رسول اللَّهِ وما نقصان العقل والدِّين؟ قال: أمَّا نقصان العقل فشهادة امرأتين بشهادة رجلٍ، فهذا نقصان العقل، وتمكث الأيام لا تصلي وتفطر (٣) فهذا نقصان الدِّين" (٤) . وأمَّا كونهنَّ أقل أهل الجنَّة ففي "أفراد مسلم" عن مطرف بن عبد اللَّه: أنَّه كانت له امرأتان، فجاء من عند إحداهما، فقالتِ الأخرى: جئتَ من عند فلانةٍ، فقال: جئتُ من عند عمران بن حصين، فحدثنا رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ أقلَّ ساكني الجنَّة النساء" (٥) . فإنْ قيل: فما تصنعون بالحديث الَّذي رواه أبو يعلى الموصلي: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد

стр. 314

حدثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد (١) عن محمد بن كعب القرظي عن رجلٍ من الأنصار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ وهو في طائفةٍ من أصحابه فذكر حديثًا طويلًا وفيه: "فيدخلُ الرجُل منهم على ثنتين وسبعين زوجة ممَّا ينشئ اللَّهُ تعالى وثنتين من ولد آدم، لهما فضلٌ على من أنشأ اللَّهُ، بعبادتهما اللَّه في الدنيا" (٢) وذكر الحديث. قيل: هذا قطعة من حديث الصور الطويل، ولا يعرف إلَّا من حديث إسماعيل بن رافع، وقد ضعفه أحمد، ويحيى وجماعة وقال الدَّارقطني وغيره: "متروك الحديث"، وقال ابن عدي: "أحاديثه كلها ممَّا فيه نظر". وأمَّا البخاري، فقال فيه: ما حكاه الترمذي عنه قال: "سمعت محمدًا يقول: هو ثقة، مقارب الحديث" (٣) .

стр. 315

قلتُ: ولكن إذا روى مثل هذا ما يخالف الأحاديث الصحيحة لم يلتفت إلى روايته، وأيضًا فالرجل الَّذي رواه عنه القُرَظي لا يُدْرَى منْ هو؟ وقد روى أحمد في "مسنده" من حديث عُمَارة بن خزيمة بن ثابت قال: كُنَّا مع عمرو بن العاص ﵄ في حج أو عمرة، حتَّى إذا كنَّا بمرِّ الظَّهران، فإذا امرأة في هودجها، قال: فمال فدخل الشِّعْبَ فدخلنا معه فقال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في هذ المكان، فإذا نحن بغربان كثيرةٍ فيها غُرَابٌ أعصم أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجنَّة من النساء إلَّا مثل هذا الغراب في هذه الغربان" (١) . والأعصم من الغِربان: الَّذي في جناحه ريشة بيضاء. قال الجوهري: "ويقال هذا كقوهم: الأبلق العَقُوق، وبَيْض الأنُوق، لكلِّ شيء يعزُّ وجوده" (٢) .

стр. 316

وفي "النهاية" (١) : "الغراب الأعصم": هو الأبيض الجناحين، وقيل الأبيض الرجلين، أراد: قلَّة من يدخل الجنَّة من النساء؛ لأنَّ هذا الوصف في الغربان قليل عزيز. وفي حديث آخر: "المرأة الصالحةُ مثل الغراب الأعصم، قيل: يا رسول اللَّه وما الغراب الأعصم؟ قال: "الَّذي إحدى رجليه بيضاء" (٢) .

стр. 317

وفي حديثٍ آخر: "عائشة في النساء، كالغراب الأعصم في الغربان" (١) .

стр. 318

الباب الثاني والثلاثون فيمن يدخل الجنَّة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يدخل الجنَّة من أمتي زمرةٌ: هم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر"، فقام عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أنْ يجعلني منهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اجعله منهم"، ثمَّ قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهُ أنْ يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عُكَّاشة". وفي "الصحيحين" (٢) من حديث سهل بن سعد أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ليدخلنَّ الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا أو سبع مئة ألف (٣) آخذٌ بعضهم ببعض حتى يدخل أوَّلُهم وآخرهم الجنَّة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". فهذه هي الزُمرة الأولى، وهم يدخلونها بغير حساب، والدَّليل عليه ما ثبت في "الصحيحين" (٤) والسِّياق لمسلم، حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حُصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند

стр. 319

سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الَّذي انقض البارحة، قلت: أنا، ثمَّ قلتُ: أما إنِّي لم أكن في صلاة، ولكنِّي لُدغت قال: فما صنعت؟ قلتُ: استرقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلتُ: حدثنا عن بُرَيدة بن حصيب الأسلمي أنَّه قال: لا رُقية إلَّا من عينٍ أو حُمَة، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "عرضت عليَّ الأمم فرأيت النَّبي ومعه الرهط، والنَّبي ومعه الرجل والرجلان، والنَّبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سوادٌ عظيم، فظننتُ أنَّهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه؛ ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سوادٌ عظيم فقيل لي (١) : هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ولا عذاب"، ثمَّ نهض فدخل منزله، فخاض النَّاس في أولئك الَّذين يدخلون الجَنَّة بغير حسابٍ ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الَّذين صحبوا رسول اللَّه ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الَّذين وُلِدُوا في الإسلام ولم يشركوا باللَّه، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول اللَّه فقال: "ما الَّذي تخوضون فيه"؟ فأخبروه، فقال: هم الَّذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكاشة بن محصن فقال: ادعُ (٢) اللَّه أنْ يجعلني

стр. 320

منهم، فقال: "أنت منهم"، ثمَّ قام رجلٌ آخر فقال: ادعُ اللَّهَ أنْ يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة". وليس عند البخاري "ولا يَرْقُون". قال شيخنا (١) : وهو الصواب، وهذه اللفظة وقعت مقحمة في الحديث، وهو غلطٌ من بعض الرواة (٢) ، فإنَّ النَّبي ﷺ جعل الوصف
следующие страницы →