стр. 316
← Ракаик, адаб, азкар следующие страницы →
Ракаик, адаб, азкар · id 13652
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم
ابن القيم
Полный текст (937 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 317
стр. 318
الباب الثاني والثلاثون فيمن يدخل الجنَّة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم
ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يدخل الجنَّة من أمتي زمرةٌ: هم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر"، فقام عُكَّاشة بن مِحْصَنٍ الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أنْ يجعلني منهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم اجعله منهم"، ثمَّ قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهُ أنْ يجعلني منهم، فقال: "سبقك بها عُكَّاشة".
وفي "الصحيحين" (٢) من حديث سهل بن سعد أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ليدخلنَّ الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا أو سبع مئة ألف (٣) آخذٌ بعضهم ببعض حتى يدخل أوَّلُهم وآخرهم الجنَّة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
فهذه هي الزُمرة الأولى، وهم يدخلونها بغير حساب، والدَّليل عليه ما ثبت في "الصحيحين" (٤) والسِّياق لمسلم، حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حُصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند
стр. 319
سعيد بن جبير، فقال: أيكم رأى الكوكب الَّذي انقض البارحة، قلت: أنا، ثمَّ قلتُ: أما إنِّي لم أكن في صلاة، ولكنِّي لُدغت قال: فما صنعت؟ قلتُ: استرقيت قال: فما حملك على ذلك؟ قلتُ: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلتُ: حدثنا عن بُرَيدة بن حصيب الأسلمي أنَّه قال: لا رُقية إلَّا من عينٍ أو حُمَة، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "عرضت عليَّ الأمم فرأيت النَّبي ومعه الرهط، والنَّبي ومعه الرجل والرجلان، والنَّبي وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سوادٌ عظيم، فظننتُ أنَّهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه؛ ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سوادٌ عظيم فقيل لي (١) : هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ولا عذاب"، ثمَّ نهض فدخل منزله، فخاض النَّاس في أولئك الَّذين يدخلون الجَنَّة بغير حسابٍ ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الَّذين صحبوا رسول اللَّه ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الَّذين وُلِدُوا في الإسلام ولم يشركوا باللَّه، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول اللَّه فقال: "ما الَّذي تخوضون فيه"؟ فأخبروه، فقال: هم الَّذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عُكاشة بن محصن فقال: ادعُ (٢) اللَّه أنْ يجعلني
стр. 320
стр. 321
الَّذي استحق به هؤلاء دخول الجنَّة بغير حساب، هو تحقيق التوحيد وتجريده، فلا يسألون غيرهم أنْ يرقيهم، ولا يتطيرون -والطيرة: نوعٌ من الشرك- ويتوكلون على اللَّهِ وحده لا على غيره، وتركهم الاسترقاء والتطير هو من تمام التوكل على اللَّهِ كما في الحديث: "الطيرة شرك"، قال ابن مسعود: "وما منَّا إلَّا، ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل" (١) .
فالتوكل ينافي التطير، وأمَّا رقية الغير فهي إحسان من الرَّاقي، وقد رقى رسولَ اللَّهِ جبريلُ، وأذن (٢) في الرُّقا (٣) ، وقال: "لا بأس بها ما لم يكن فيها شرك" (٤) ، واستأذنوه فيها فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" (٥) ، وهذا يدلُّ على أنَّها نفع وإحسان، وذلك مستحب
стр. 322
مطلوب للَّه ورسوله، فالرَّاقي محسنٌ، والمسترقي سائلٌ راجٍ نفع الغير، وتحقيق التوكل ينافي ذلك.
فإنْ قيل: فعائشة قد رقت رسول اللَّه ﷺ وجبريل قد (١) رقاهُ.
قيل: أجل، ولكن هو لم يسترقِ، وهو ﷺ لم يقل: لا يرقيهم راقٍ، وإنَّما قال: لا يطلبون من أحدٍ أنْ يرقيهم، وفي امتناعه ﷺ أنْ يدعو للرجل الثاني سدٌّ لباب الطلب؛ فإنَّه لو دعا لكلِّ من سأله ذلك، فربما طلبه من ليس من أهله، واللَّهُ أعلم.
وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث محمد بن سيرين، عن عمران ابن حصين ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدخل الجنَّة من أُمَّتي سبعون ألفًا بغير حسابٍ ولا عذاب" قيل: من هم؟ قال: "هم الَّذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون".
وفي "صحيحه" (٣) أيضًا من حديث أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: سمعتُ النَّبي ﷺ يذكر حديثًا وفيه "فتنجوا أوَّل زمرةٍ وجوههم كالقمر ليلة البدرِ، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثمَّ الَّذين يلونهم كأضوإِ نجمٍ في السماء ثمَّ كذلك" وذكر تمام الحديث.
وقال أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز حدثنا حمَّاد عن عاصم عن زِرًّ عن ابن مسعود ﵁ قال: قال
стр. 323
رسول اللَّه ﷺ : "عُرِضَتْ عليَّ الأُمم بالموسم فراثتْ (١) عليَّ أمتي ثمَّ رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤوا السهل والجبل، فقال: أرضيتَ يا محمد؟ فقلتُ: نعم، فقال: فإنَّ مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الَّذين لا يسترقون، ولا يكتوون وعلى ربِّهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم، فقال النَّبي ﷺ : أنت منهم، فقال رجلٌ آخر، فقال: "سبقك بها عُكاشة" (٢) .
وإسناده على شرط مسلم.
стр. 324
الباب الثالث والثلاثون في ذِكْر حَثيَات الرَّب ﵎ الَّذين يدخلهم الجنَّة
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال: سمعتُ أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "وعدني ربي أنْ يدخل الجنَّة (١) من أمتي سبعين ألفًا، مع كلِّ ألفٍ سبعون ألفًا لا حسابَ عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي" (٢).
قلتُ: وإسماعيل بن عياش (٣) إنَّما يخاف من تدليسه وضعفه.
فأمَّا تدليسه: فقد قال الطبراني: حدثنا أحمدُ بن المعلى الدمشقي، والحسين بن إسحاق التستري قالا: حدثنا هشام بن عمَّار
стр. 325
قال: حدثنا إسماعيل بن عياش قال: أخبرني محمد بن زياد الألهاني قال: سمعتُ أبا أُمامة يقول: فذكره.
وأمَّا ضعفه: فإنَّما هو فى غير حديث الشاميين (١) وهذا من روايته عن الشاميين.
وأيضًا، فقد جاء من غير طريقه، قال أبو بكر بن أبي عاصم: حدثنا دحيم حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر وأبي (٢) اليمان الهوزني عن أبي أُمامة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ وعدني أنْ يدخل الجنَّة من أُمتي سبعين ألفًا بغير حساب" قال يزيد بن الأخنس: واللَّه ما أولئك يا رسول اللَّه إلَّا مثل الذباب الأصهب (٣) في الذِّبانِ (٤) ، قال رسول اللَّه ﷺ : "فإنَّ اللَّهَ وعدني سبعين ألفًا، مع كلِّ ألفٍ سبعين ألفًا، وزادني ثلاثَ حثياتٍ" (٥) .
стр. 326
قال أبو عبد اللَّه المقدسي: "أبو اليمان اسمه: عامر بن عبد اللَّه بن لحي، ودحيم لقب، واسمه: عبد الرحمن بن إبراهيم القاضي شيخ البخاري ومن فوقه إلى أبي أمامة من رجال الصحيح إلَّا الهوزني وما علمتُ فيه جرحًا" (١) .
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن خليدٍ حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية ابن سلَّام عن زيد بن سلَّام أنَّه سمع أبا سلَّام يقول: حدثني عامر (٢) ابن يزيد بن البكالي أنَّه سمع عتبة بن عبدٍ السلمي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ ربي وعدني أنْ يدخل الجنَّة من أُمتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ، ثمَّ يشفع كلُّ ألفٍ لسبعين ألفًا، ثُمَّ يحثي (٣) ربي ﵎ بكفيه ثلاث حثياتٍ"، فكبَّر عمر وقال: إنَّ السبعين الأول يشفعهم اللَّهُ في آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وعشائرهم وأرجو أنْ يجعلني اللَّه في أحد الحثيات الأواخر" (٤) .
стр. 327
قال الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد: "لا أعلم لهذا الإسناد عِلَّة" (١) .
قال الطبراني: وحدثنا أحمد بن خُليد حدثنا توبة حدثنا معاوية بن سلَّام عن زيد بن سلَّام (٢) أنَّه سمع أبا سلَّام يقول: حدثني عبد اللَّه بن عامر أنَّ (٣) قيس الكندي حدَّثه أنَّ أبا سعيد الأنماري ﵁ حدثه أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ ربي وعدني أنْ يدخل الجنَّة من أمتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ، ويشفع كلُّ ألفٍ لسبعين (٤) ألفًا، ثمَّ يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه" قال قيس (٥) : فقلتُ لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم بأذني ووعاه قلبي، قال أبو سعيد: فقال رسول اللَّه ﷺ : "وذلك إنْ شاء اللَّه يستوعب مهاجري
стр. 328
أمتي ويوفي اللَّه بقيته من أعرابنا" (١) .
قال الطبراني: "لم يُروَ هذا الحديث عن أبي سعيد الأنماري إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به معاوية بن سلَّام".
وقد رواه محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده وفيه: قال أبو سعيد: فحُسِبَ ذلك عند رسول اللَّه ﷺ فبلغ أربعة مئة ألفِ ألفِ وتسع مئة ألفٍ، فقال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ ذلكَ يستوعب إنْ شاء اللَّه مهاجري أمتي".
قال الطبراني: حدثنا محمد بن صالح بن الوليد النَّرسي، ومحمد ابن يحيى بن منده الأصبهاني قالا: أخبرنا أبو حفص عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن أبي بكر بن أنس عن أبي بكر بن عمير عن أبيه ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ وعدني أنْ يدخل من أمتي ثلاث مئة ألف الجنَّة، فقال عمير: يا رسول اللَّه زدنا، فقال: هكذا بيده، فقال عميرٌ: يا رسول اللَّهِ زدنا، فقال عمر: حسبكَ
стр. 329
يا عميرُ، فقال: ما لنا ولك يا ابنَ الخطاب، وما عليكَ أن يدخلنا اللَّه الجنَّة، فقال عمر: إنَّ اللَّه إنْ شاءَ أدخل النَّاس الجنَّة بحفنةٍ أو بحثيةٍ واحدةٍ، فقال نبي اللَّه ﷺ : "صدَقَ عمر" (١) .
قال محمد بن عبد الواحد: "لا أعرف لعمير حديثًا غيره" (٢) .
وفي "الحلية" من حديث سليمان بن حرب حدثنا أبو هلال عن قتادة
стр. 330
عن أنس عن النَّبي ﷺ قال: "وعدني ربي أنْ يدخل من أمتي الجنَّة مئة ألفٍ، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه زِدْنا، فقال: وهكذا -وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك- قال: يا رسول اللَّه زدنا، فقال عمر: إنَّ اللَّه قادرٌ أنْ يدخل النَّاس الجنَّة بحفنةٍ واحدةٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق عمر".
رواهُ عنه إبراهيم بن الهيثم البلوي، وفيه ضعفٌ. تفرَّد به أبو هلال الرَّاسبي: بصري واسمه محمد بن سُليم.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه وعدني أنْ يدخل الجنَّة (١) من أمتي أربعَ مئةِ ألف". قال أبو بكر: زدْنا يا رسول اللَّه قال: وهكذا وجمع بين يديه، قال: زدنا يا رسول اللَّه قال: وهكذا وجمع كفيه (٢) ، فقال عمرُ: حسبُك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دَعْني وما عليك أنْ يدخلنا اللَّه الجنَّة كلَّنا!! فقال عمر: إنَّ اللَّه (٣) إنْ شاء أدخل خلقه الجنَّة بكفٍّ واحدةٍ، فقال النَّبي ﷺ : "صدق عمر".
تفرَّد به عبد الرزاق.
وقال أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي حدثنا حميد عن أنس ﵁
стр. 331
عن النَّبي ﷺ قال: "يدخل الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا". قالوا: زدنا يا رسول اللَّه قال: لكلِّ رجلٍ سبعون ألفًا". قالوا: زدْنا يا رسول اللَّه وكان على كثيب فحثا بيده، قالوا: زدنا يا رسول اللَّه (١) فقال: هكذا وحثا بيده، قالوا: يا نبي اللَّهِ، أبعدَ اللَّه من دخل النَّار بعد هذا" (٢) .
قال محمد بن عبد الواحد: "لا أعلمه رُويَ عن أنس إلَّا بهذا الطريق، وسئل يحيى بن معين عن عبد القاهر فقال: صالح".
وأصحاب هذه الحثيات هم الَّذين وقعوا في قبضته الأولى سبحانه يوم القبضتين (٣) .
فإنْ قيل: فكيف كانوا أوَّلًا قبضة واحدة، ثمَّ صاروا ثلاث حثيات
стр. 332
стр. 333
الباب الرَّابع والثلاثون في ذكر تربة الجنَّة وطينها (١) وحصبائها وبنائها
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، وأبو كامل قالا: ثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المُدِلَّة مولى أم المؤمنين سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قلنا: يا رسول اللَّهِ، إذا رأيناك رقَّت قلوبنا، وكُنَّا من أهلِ الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشَمَمْنا النِّساء والأولاد، قال: "لو تكونون على كلِّ حالٍ على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكُفِّهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء اللَّهُ بقومٍ يذنبون كي يغفر لهم". قال: قلنا: يا رسول اللَّهِ، حدثنا عن الجنَّة ما بناؤها؟ قال: لبنةُ ذهبٍ، ولبنةُ فضة، ومِلاطُها (٢) المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يَبْؤس، ويخلدُ لا يموتُ، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه، ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتهم: الإمامُ العادلُ، والصائمُ حتى يفطر، ودعوة المظلوم؛ تُحملُ على الغمام، وتفتح لها أبواب السماواتِ، ويقول الرَّبُّ: وعِزَّتي (٣) لأنصرنك ولو بعد حينٍ" (٤).
стр. 334
وروى أبو بكر بن مردويه من حديث الحسن عن ابن عمر ﵄ قال: سُئِل رسول اللَّهِ ﷺ عن الجنَّة فقال: "من يدخل الجنَّة يحيا ولا يموتُ، وينعم لا يبأس لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه" قيل: يا رسول اللَّه كيف بناؤها؟ قال: لبنةٌ من ذهبٍ ولبنةٌ من فضة، وملاطها مسكٌ أذفرٌ (١) ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران" (٢) .
هكذا جاء في هذه الأحاديث أنَّ ترابها الزعفران.
стр. 335
стр. 336
وفي "الصحيحين (١) من حديث الزهري عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذرٍّ يحدث أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "أُدْخِلْتُ الجنَّة فإذا فيها جنابذُ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسكُ" وهو قطعة من حديث المعراج.
وروى مسلمٌ في "صحيحه" (٢) من حديث حمَّاد بن سلمة عن الجُريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ سأل ابن صائد (٣) عن تربة الجنة، فقال: دَرمَكةٌ بيضاءُ، مسكٌ خالصٌ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "صدق".
ثمَّ رواهُ عن أبي بكر بن أبي (٤) شيبة عن أبي أُسامة عن الجُريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد (٥) أنَّ ابن صياد (٦) سأل النَّبي ﷺ عن تربة الجنَّة فقال: "دَرمكَةٌ بيضاءُ مسكٌ خالصٌ" (٧) .
стр. 337
وقال سفيان بن عيينة عن مُجَالد عن الشعبي عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، قد غُلِبَ أصحابك اليوم، قال: وبأي شيءٍ غُلِبُوا؟ قال: سألهم اليهود: كم عدد خزنة النَّار فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أَيُغْلَبُ قومٌ سُئِلوا عمَّا لا يعلمون؛ فقالوا: حتى نسأل نبينا؟! ولكن هم أعداءُ اللَّهِ سألوا نبيهم أنْ يريهم اللَّه جهرةً، عليَّ بأعداءِ اللَّهِ، فإنِّي سائلهم عن تربة الجنَّة وأنَّها دَرْمَكَةٌ". فلمَّا أنْ جاؤوهُ قالوا: يا أبا القاسم كم عِدَّة خزنة أهل النَّار؟ (١) فقال رسول اللَّه ﷺ بيديه كلتيهما: هكذا وهكذا، وقبض واحدة، أي: تسعة عشر، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ما تربة الجنَّة؟ فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال النَّبي ﷺ : "الخبزة من الدرمك" (٢) .
стр. 338
فهذه ثلاث صفات في تربتها، لا تعارض بينها.
فذهبت طائفة من السلف إلى أنَّ تربتها متضمنةٌ للنوعين: المِسْك والزعفران.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن أبي عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: قال مُغِيث بن سُمَي: "الجنَّة ترابها المسك والزعفران" (١) .
ويحتمل معنيين آخرين:
أحدهما: أنْ يكون التراب من زعفران، فإذا عجن بالماء صار مِسْكًا، والطين يسمَّى ترابًا، ويدل على هذا قوله في اللفظ الآخر: "ملاطها المسك" (٢) ، والملاط: الطين، ويدل عليه أنَّ في حديث العلاء بن زياد: "ترابُها الزعفران، وطينها المسك" (٣) ، فلمَّا كانت تربتها طيبة، وماؤها طيِّبًا، فانضمَّ أحدهما إلى الآخر حدثَ لهما طيب
стр. 339
آخر فصارا مسكًا.
المعنى الثاني: أنْ يكون زعفرانًا: باعتبار اللون. مسكًا: باعتبار الرَّائحة. وهذا من أحسن شيءٍ تكون البهجة والإشراق في لون الزعفران، والرائحة في رائحة المسك (١) ، وكذلك تشبيهها بالدرمك، وهو الخبز الصافي الَّذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها، وهذا معنى ما ذكره سفيان بن عيينة، عن ابن (٢) أبي نجيح، عن مجاهد: "أرض الجنَّة من فضة، وترابها مسك" (٣) ، فاللون في البياض لون الفضة، والرَّائحة رائحة المسك.
وقد ذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي بكر بن أبي سَبْرة، عن عمر ابن عطاء بن وراز (٤) ، عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "أرض الجنَّة بيضاء، عرصتها صخورُ الكافور، وقد أحاط به المسكُ مثل كثبان الرمل، فيها أنهارٌ مطردَةٌ، فيجتمع فيها أهل الجنَّة أدناهم وآخرهم، فيتعارفون، فيبعث اللَّهُ ريح الرحمة، فتهيج عليهم ريح المسك، فيرجع الرجل إلى زوجته، وقد ازدادَ حسنًا
стр. 340
وطيبًا، فتقول: لقد خرجتَ من عندي، وأنا بك معجبة، وأنا بك الآن أشدُّ إعجابًا" (١) .
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام حدثنا علي بن صالح، عن عمر بن ربيعة عن الحسن عن ابن عمر ﵄ قال: قيل: يا رسول اللَّهِ كيف بناء الجنَّة؟ قال: لبنةٌ من فضة، ولبنةٌ من ذهب، ملاطها مسكٌ أذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران" (٢) .
وقال أبو الشيخ: حدثنا الوليد بن أبان حدثنا أسيد بن عاصم حدثنا الحوضي حدثنا عدي بن الفضل حدثنا سعيد الجُريْري عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ بنى جنَّات عدنٍ بيده، وبناها لبنة من ذهبٍ ولبنة من فضة، وجعل ملاطها المسك الأذفر، وترابها الزعفران، وحصباءها اللؤلؤ، ثمَّ قال لها (٣) : تكلمي، فقالت: قد أفلحَ المؤمنون، فقالت الملائكة: طُوبى لك منزل الملوك" (٤) .
وقال أبو الشيخ: حدثنا عمرو بن الحصين (٥) حدثنا ابن علاثة حدثنا
стр. 341
ابن جُريج عن عطاء عن عُبَيْد بن عُمَيْر عن أُبيِّ بن كعب قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "قلت ليلة أُسريَ بي: يا جبريل إنَّهم سيسألوني عن الجنَّة قال: فأخبرهم أنَّها من (١) دُرَّةٍ بيضاء، وأنَّ أرضها عِقيان" (٢) .
والعِقْيَانُ: الذَّهبُ، فإنْ كان ابن علاثة حفظه، فهي أرض الجنتين الذهبيتين، ويكون جبريل أخبره بأعلى الجنتين وأفضلهما، واللَّهُ أعلم.
стр. 342
الباب الخامس والثلاثون في ذكر نورها وبياضها
قال أحمد بن منصور الرَّمادي: حدثنا كثير بن هشام حدثنا هشام (١) ابن زياد أبو المقدام عن حبيب بن الشهيد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "خلقَ اللَّهُ الجنَّة بيضاءَ، وأحبُّ الزِّيِّ إلى اللَّه البياض، فليلبسهُ أحياؤكم، وكفنوا فيه موتاكم، ثمَّ أمرَ برعاء الشاءِ فجمعتْ، فقال: من كان ذا غنمٍ سودٍ فليخلط بها بِيْضًا، فجاءته امرأة فقالت: يا رسول اللَّه، إنِّي اتخذت غنمًا سودًا فلا أَراها تنموا، قال: عفِّري" (٢).
وقوله: "عَفِّرِي" أي: بَيِّضِي.
وذكر أبو نُعَيْم من حديث عبَّاد بن عبَّاد حدثنا هشام بن زياد عن
стр. 343
يحيى بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس ﵄ يرفعه: "إنَّ اللَّهَ خلق الجنَّة بيضاء، وإنَّ أحبَّ الَّلون إلى اللَّهِ البياض، فليلبسه أحياؤكم، وكفِّنُوا فيهِ موتاكم".
وذكر من طريق عبد الحميد بن صالح حدثنا أبو شهاب عن حمزة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "عليكم بالبياض، فإنَّ اللَّهَ خلق الجنَّة بيضاءَ، فليلبسه أحياؤكم، وكفنوا فيه موتاكم" (١) .
ورُوِّينا من طريق النِّجاد حدثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عبد ربه الحنفي عن خالِهِ الزميل بن سماك سمع أباه يحدث أنَّه لقي عبد اللَّه بن عباس بالمدينة بعدما كُفَّ بَصَرُه فقال: يا ابن عباس ما أرض الجنَّة؟ قال: مَرْمرة بيضاء من فضة كأنَّها مرآة، قلتُ: ما نورها؟ قال: ما رأيت الساعة التي تكون فيها قبل طلوع الشمس، فذلك نورها إلَّا أنَّه ليس فيها شمسٌ ولا زمهرير"، وذكر الحديث (٢)
стр. 344
وسيأتي إنْ شاء اللَّه (١) .
وفي حديث لقيط بن عامر الطويل الَّذي رواه عبد اللَّه بن أحمد في "مسند أبيه" عن النَّبي ﷺ فذكر الحديث وقال: "وتحبس الشمس والقمر فلا يرون منهما واحدًا، قال: قلتُ يا رسول اللَّهِ فبِمَ نبصرُ؟ قال: بمثل بصرك في ساعتك (٢) هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرضِ، وواجهته الجبال" (٣) .
وفي "سنن ابن ماجه" من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنَّه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألَا هل مُشمِّر للجنَّة، فإنَّ الجنَّة (٤) لا خطر لها، هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطردٌ، وثمرةٌ نضيجةٌ، وزوجةٌ حسناءُ جميلة، وحُلَلٌ كثيرةٌ، ومقامٌ في أبدٍ في دارٍ سليمةٍ، وفاكهةٍ وخضرةٍ، وحَبرة ونعمةٍ، في محلَّةٍ عالية بهيةٍ" قالوا: نعم يا رسول اللَّه، نحن المشمرون لها، قال: "قولوا: إنْ شاء اللَّهِ"، قال القوم: إنْ شاء اللَّهُ" (٥) .
стр. 345
الباب السادس والثلاثون في ذكر غرفها وقصورها ومقاصيرها وخيامها
قال اللَّه تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠].
فأخبر تعالى أنَّها غرفٌ فوق غرف، وأنَّها مبنية بناء حقيقة، لئلا تتوهم النفوس أنَّ ذلك تمثيل، وأنَّه ليس هناك بناء، بل تتصور النفوس غرفًا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض، حتى كأنَّها تنظر إليها عيانًا، و"مَبْنيَّة": صفةٌ للغرف الأولى والثانية، أي لهم منازل مرتفعة، وفوقها منازل أرفع منها.
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥].
والغرفة جنْس كالجنَّة، وتأمَّل كيف جعل جزاءهم على هذه الأفعال المتضمنة للخضوع، والذلِّ والاستكانة للَّه = الغرفة؛
стр. 346
والتحية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم، فبُدِّلُوا بذلك سلام اللَّه وملائكته عليهم.
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف: ١٢]، وقال تعالى عن امرأة فرعون إنَّها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١].
وروى الترمذي في "جامعه" من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ في الجنَّة لغُرَفًا يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: يا رسول اللَّه لمن هي؟ قال: لمن طيَّبَ الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى بالَّليل والنَّاس نيام" (١) .
قال الترمذي: "هذا حديثٌ غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث
стр. 347
عبد الرحمن بن إسحاق".
وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا هشام بن عمَّار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام حدثني أبو سلام حدثني أبو معانق الأشعري حدثني أبو مالك الأشعري ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة غُرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها اللَّهُ لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى بالليل والنَّاس نيام" (١) .
وقال ابن وهب: حدثني حُيَيٌّ عن أبي عبد الرحمن عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة غُرفًا يُرى
стр. 348
ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول اللَّه؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائمًا والنَّاس نيام" (١) .
قال محمد بن عبد الواحد: "وهذا عندي إسناد حسن، وذكر أبي مالك فيه ممَّا يدل على صحته؛ لأنَّ أبا مالك قد رواهُ، وإسناده أيضًا حسن" (٢) .
وقد تقدَّم حديث أبي سعيد المتفق على صحته: "إنَّ أهل الجنَّة
стр. 349
ليتراءون أهل الغرفِ فوقهم كما تراءون الكوكب الغابرَ من الأفق" (١) .
وفي "الصحيحين" (٢) من حديث أبي موسى الأشعري عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ للمؤمن في الجنَّة لخيمة من لؤلؤة واحدةٍ مجوفةٍ، طولها ستون ميلًا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا".
وقد تقدَّم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "من بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّهُ له بيتًا في الجنَّة" (٣) .
وقوله في حديث أبو موسى: يقول لمن حمده واسترجع عند موت ولده: "ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّة وَسَمُّوه بيت الحمد" (٤) .
وفي "الصحيحين" (٥) من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى وأبي هريرة وعائشة ﵃ أنَّ جبريل قال للنَّبي ﷺ : "هذه خديجة أقرئها
стр. 350
السلام من ربِّها، وأمره أنْ يُبشِّرها ببيتٍ في الجنَّة، من قصب، لا صخبَ فيه ولا نصب".
والقَصَبُ ها هنا: قَصَبُ اللؤلؤ المجوف.
وقد روى ابن أبي الدنيا من حديث يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة لقصرًا من لؤلؤ ليس فيه صدعٌ ولا وهن، أعدَّه اللَّهُ لخليله إبراهيم" (١) .
стр. 351
وفي "الصحيحين" (١) من حديث حميد عن أنس ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنَّة فإذا أنا بقصرٍ من ذهب، فقلتُ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، فظننتُ أنِّي أنا هو، فقلتُ: ومن هو؟ قالوا: لعمر بن الخطاب".
وهو فيهما من حديث جابر ولفظه: "فأتيت على قصرٍ مُرَبَّع مشرفٍ
стр. 352
من ذهبٍ" وقد تقدَّم (١) .
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا شجاع بن الأشرس قال: سمعت عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن حميد عن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنَّة فإذا فيها قصرٌ أبيض قال: قلتُ لجبريل: لمن هذا القصر؟ قال: لرجلٍ من قريش، فرجوت أنْ أكون أنا، فقلتُ: لأيِّ قريش؟ قال: لعمر بن الخطاب".
وهذا إنْ كان محفوظًا فبياضه: نوره وإشراقه وضياؤه، واللَّهُ أعلم.
وقال الحسن: "قصر من ذهب لا يدخله إلَّا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. يرفع بها صوته" (٢) .
وقال الأعمش: حدثنا مالك بن الحارث عن مُغِيث بن سُمَيٍّ قال: "إنَّ في الجنَّة قصورًا من ذهبٍ، وقصورًا من فضة، وقصورًا من لؤلؤ، وقصورًا من ياقوت، وقصورًا من زبرجد" (٣) .
وقال الأعمش: عن مجاهد عن عُبَيد بن عُمير قال (٤) : "إنَّ أدنى
стр. 353
أهل الجنَّة منزلةً من له دار من لؤلؤة واحدةٍ، منها غرفها وأبوابها" (١) .
وروى البيهقي من حديث حفص بن عمر حدثنا عمرو الملائي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ في الجنَّة لغرفًا، فإذا كان ساكنها فيها لم يَخْفَ عليه ما خلفها، وإذا كان خلفها لم يخف عليه ما فيها"، قيل: لمن هي يا رسول اللَّه؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وواصل الصيام، وأطعمَ الطعام، وأفشى السلام، وصلَّى والنَّاس نيام"، قيل: وما طيب الكلام؟ قال: "سبحان اللَّهُ والحمدُ للَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، واللَّهُ أكبر (٢) ، فإنَّها تأتي يوم القيامة ولها مقدماتٌ ومجنباتٌ ومعقباتٌ"، قيل: وما وصال الصيام؟ قال: "من صام شهر رمضان، ثمَّ أدرك شهر رمضان فصامه"، قيل: وما إطعام الطعام؟ قال: "من قات عياله وأطعمهم" (٣) ، قيل: فما إفشاء السلام؟ قال: "مصافحة أخيك وتحيته"، قيل: وما الصلاة والنَّاس نيام؟ قال: "صلاة العشاء الآخرة" (٤) .
стр. 354
قال: "حفص بن عمر هذا مجهول، لم يروهِ عنه غير علي بن حرب فيما أعلم".
قلتُ: هذا يلقب بالكَفْر -بفتح الكاف وسكون الفاء- وقد روى عنه محمد بن غالب: تمتام وعلي بن حرب وهما ثقتان؛ ولكن ضعفه ابن عدي وابن حبان وحديثه هذا له شواهد، واللَّهُ أعلم.
وفي "فوائد ابن السماك": حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن قال: سمعت محمد بن واسع يذكر عن الحسن عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال النَّبي ﷺ : "ألَا أحدثكم بغرف الجنَّة؟ قال: قلنا بلى يا رسول اللَّه بأبينا أنت وأمِّنا، قال: "إنَّ في الجنَّة غرفًا من أصناف الجوهر كله، يُرَى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والَّلذات ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت"، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، لمن هذه الغرف؟ قال: "لمن أفشى السلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى بالَّليل والنَّاس نيام"، قال: قلنا: يا رسول اللَّهِ، ومن يطيق ذلك؟ قال: أمتي تطيق ذلك، وسأخبركم عن ذلك: من لقي أخاه فسلَّم عليه، أو ردَّ عليه فقد أفشى السلام، ومن أطعم أهله وعياله من
стр. 355
الطعام حتى يشبعهم، فقد أطعم الطعام، ومن صام رمضان، ومن كل شهر ثلاثة أيام، فقد أدامَ (١) الصيامَ، ومن صلَّى صلاة العشاء الآخرة في جماعة، فقد صلَّى الليل والنَّاس نيامٌ: اليهود والنَّصارى والمجوس" (٢) .
وهذا الإسناد وإنْ كان لا يُحْتَجُّ به وحده، فإذا انضمَّ إليه ما تقدَّم استفاد قُوَّة مع أنَّه قد رُوِيَ بإسنادين آخرين.