← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وفي "الصحيحين" (١) من حديث حميد عن أنس ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنَّة فإذا أنا بقصرٍ من ذهب، فقلتُ: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش، فظننتُ أنِّي أنا هو، فقلتُ: ومن هو؟ قالوا: لعمر بن الخطاب". وهو فيهما من حديث جابر ولفظه: "فأتيت على قصرٍ مُرَبَّع مشرفٍ

стр. 352

من ذهبٍ" وقد تقدَّم (١) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا شجاع بن الأشرس قال: سمعت عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن حميد عن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "دخلتُ الجنَّة فإذا فيها قصرٌ أبيض قال: قلتُ لجبريل: لمن هذا القصر؟ قال: لرجلٍ من قريش، فرجوت أنْ أكون أنا، فقلتُ: لأيِّ قريش؟ قال: لعمر بن الخطاب". وهذا إنْ كان محفوظًا فبياضه: نوره وإشراقه وضياؤه، واللَّهُ أعلم. وقال الحسن: "قصر من ذهب لا يدخله إلَّا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل. يرفع بها صوته" (٢) . وقال الأعمش: حدثنا مالك بن الحارث عن مُغِيث بن سُمَيٍّ قال: "إنَّ في الجنَّة قصورًا من ذهبٍ، وقصورًا من فضة، وقصورًا من لؤلؤ، وقصورًا من ياقوت، وقصورًا من زبرجد" (٣) . وقال الأعمش: عن مجاهد عن عُبَيد بن عُمير قال (٤) : "إنَّ أدنى

стр. 353

أهل الجنَّة منزلةً من له دار من لؤلؤة واحدةٍ، منها غرفها وأبوابها" (١) . وروى البيهقي من حديث حفص بن عمر حدثنا عمرو الملائي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ في الجنَّة لغرفًا، فإذا كان ساكنها فيها لم يَخْفَ عليه ما خلفها، وإذا كان خلفها لم يخف عليه ما فيها"، قيل: لمن هي يا رسول اللَّه؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وواصل الصيام، وأطعمَ الطعام، وأفشى السلام، وصلَّى والنَّاس نيام"، قيل: وما طيب الكلام؟ قال: "سبحان اللَّهُ والحمدُ للَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، واللَّهُ أكبر (٢) ، فإنَّها تأتي يوم القيامة ولها مقدماتٌ ومجنباتٌ ومعقباتٌ"، قيل: وما وصال الصيام؟ قال: "من صام شهر رمضان، ثمَّ أدرك شهر رمضان فصامه"، قيل: وما إطعام الطعام؟ قال: "من قات عياله وأطعمهم" (٣) ، قيل: فما إفشاء السلام؟ قال: "مصافحة أخيك وتحيته"، قيل: وما الصلاة والنَّاس نيام؟ قال: "صلاة العشاء الآخرة" (٤) .

стр. 354

قال: "حفص بن عمر هذا مجهول، لم يروهِ عنه غير علي بن حرب فيما أعلم". قلتُ: هذا يلقب بالكَفْر -بفتح الكاف وسكون الفاء- وقد روى عنه محمد بن غالب: تمتام وعلي بن حرب وهما ثقتان؛ ولكن ضعفه ابن عدي وابن حبان وحديثه هذا له شواهد، واللَّهُ أعلم. وفي "فوائد ابن السماك": حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن قال: سمعت محمد بن واسع يذكر عن الحسن عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: قال النَّبي ﷺ : "ألَا أحدثكم بغرف الجنَّة؟ قال: قلنا بلى يا رسول اللَّه بأبينا أنت وأمِّنا، قال: "إنَّ في الجنَّة غرفًا من أصناف الجوهر كله، يُرَى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، فيها من النعيم والَّلذات ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت"، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، لمن هذه الغرف؟ قال: "لمن أفشى السلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى بالَّليل والنَّاس نيام"، قال: قلنا: يا رسول اللَّهِ، ومن يطيق ذلك؟ قال: أمتي تطيق ذلك، وسأخبركم عن ذلك: من لقي أخاه فسلَّم عليه، أو ردَّ عليه فقد أفشى السلام، ومن أطعم أهله وعياله من

стр. 355

الطعام حتى يشبعهم، فقد أطعم الطعام، ومن صام رمضان، ومن كل شهر ثلاثة أيام، فقد أدامَ (١) الصيامَ، ومن صلَّى صلاة العشاء الآخرة في جماعة، فقد صلَّى الليل والنَّاس نيامٌ: اليهود والنَّصارى والمجوس" (٢) . وهذا الإسناد وإنْ كان لا يُحْتَجُّ به وحده، فإذا انضمَّ إليه ما تقدَّم استفاد قُوَّة مع أنَّه قد رُوِيَ بإسنادين آخرين.

стр. 356

الباب السابع والثلاثون في ذكر معرفتهم بمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنَّة وإنْ لم يروها قبل ذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦] قال مجاهد: "يَهْتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، لا يخطئون، كأنَّهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا" (١). وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لهُمْ أَعْرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم" (٢). وقال محمد بن كعب: "يعرفونها كما تعرفون بيوتكم في الدنيا، إذا انصرفتم من يوم الجمعة" (٣).

стр. 357

هذا قول جمهور المفسرين. وتلخيص أقوالهم ما قاله أبو عبيدة: ﴿عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) ﴾ [محمد: ٦] أي: بيَّنها لهم، حتى عرفوها من غير استدلال (١) . وقال مُقَاتل بن حيَّان: "بلغنا أنَّ الملك الموكل بحفظ عمل بني آدم يمشي في الجنَّة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرفه كل شيءٍ أعطاهُ اللَّهُ في الجنَّة، فإذا دخلَ إلى منزله وأزواجه انصرف الملك عنه" (٢) . وقال سلمة بن كُهَيْل: "طَرَّقها لهم" (٣) . ومعنى هذا: أنَّه طرقها لهم حتَّى يهتدوا إليها. وقال الحسن: "وصف اللَّه الجنَّة في الدنيا لهم، فإذا دخلوها عرفوها بصفتها" (٤) . وعلى هذا القول، فالتعريف وقع في الدنيا، ويكون المعنى: يدخلهم الجنَّة التي عرَّفها لهم، وعلى القول الأوَّل: يكون التعريف

стр. 358

واقعًا في الآخرة، هذا كلُّه إذا قيل: إنَّه من التعريف. وفيها قولٌ آخر: إنَّها من العَرْفِ، وهو الرَّائحة الطيبة، وهذا اختيار الزجاج، أي: طيَّبها، ومنه طعام مُعرَّف أي مطيَّب (١) . وقيل: هو من العُرف، وهو التَّتابع: أي تابع لهم طيباتها وملاذَّها. والقول هو الأوَّل، وأنَّه سبحانه أعلمها وبيَّنها بما يعلم به كل أحد منزله وداره، فلا يتعدَّاهُ إلى غيره. وفي "صحيح البخاري" (٢) من حديث قتادة عن أبي المتوكل النَّاجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ نبي اللَّه ﷺ قال: إذا خلص المؤمنون من النَّارِ حُبِسوا بقنطرةٍ بين الجنَّة والنَّار، يتقاصُّون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذَّبوا ونقُّوا أُذِنَ لهم بدخول الجنَّة، والَّذي نفسي بيده إنَّ أحدهم بمنزله في الجنَّة أدلُّ منه بمسكنه كان في الدنيا". وفي "مسند إسحاق" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "والَّذي بعثني بالحقِّ، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنَّة بأزواجهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنَّة" (٣) .

стр. 359

الباب الثامن والثلاثون في كيفية دخولهم الجنَّة وما يُسْتقبلون (١) عند دخولها وقد تقدَّم قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن عباد بن موسى العُكلي حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه المكي حدثني أبو عبد اللَّه أنَّه سمع الضحاك بن مزاحم يحدث عن الحارث عن علي ﵁ أنَّه سأل رسول اللَّه ﷺ عن هذا الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]، قال: قلتُ يا رسول اللَّه، ما الوفد إلَّا ركبٌ؟ قال النَّبي ﷺ : "والَّذي نفسي بيده إنَّهم إذا خرجوا من قبورهم استُقبلوا بنوقٍ بيضٍ، لها أجنحة عليها رحال الذهب، شرك نعالهم نورٌ يتلألأ، كلُّ خطوةٍ منها مثلُ مدِّ البصر، وينتهون إلى باب الجنَّة، فإذا حلقة من ياقوتةٍ حمراء على صفائح الذَّهبِ، وإذا شجرةٌ على باب الجنَّة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من إحداهما جرتْ في وجوههم نضرة النَّعيم، وإذا توضؤوا من الأُخرى لم تشعث أشعارهم أبدًا، فيضربون الحلقة بالصَّفيحة، فلو سمعت طنين الحلقة، فيبل كل حوْرَاء، أنَّ زوجها قد أقبل، فتستخفها العَجَلة، فتبعثُ قيِّمها فيفتح له الباب، فلولا أنَّ اللَّهَ عرَّفه نفسه لخرَّ له ساجدًا ممَّا يرى من النور والبهاء، فيقول: أنا قيَّمُك الَّذي وُكِّلْتُ بأمرِك، فيتبعه

стр. 360

فيقفوا أثره، فيأتي زوجته، فتستخفها العجلة، فتخرج من الخيمة (١) فتعانقه، وتقول: أنت حِبِّي وأنا حِبُّكَ، وأنا الرَّاضية فلا أسخط أبدًا، وأنا النَّاعمة فلا أبأس أبدًا، والخالدة فلا أظعن أبدًا، فيدخل بيتًا من أساسه إلى سقفه مئة ألف ذراعٍ مبنيٌّ على جَنْدل اللؤلؤ والياقوت، طرائقَ حمرٍ، وطرائق خُضر، وطرائقَ صفرٍ، ما منها طريقةٌ تُشاكل صاحبتها، فيأتي الأريكة، فإذا عليها سريرٌ، على السَّرير سبعونَ فراشًا، عليها سبعون زوجةً، على كلِّ زوجةٍ سبعون حُلَّةً يُرى مُخُّ ساقها من باطن الجلْد، يقضي جمَاعهنَّ في مقدار ليلة، تجري من تحتهم أنهارٌ مُطَّردةٌ: أنهار من مَاءٍ غير آسن صافي ليس فيه كدرٌ، وأنَّهارٌ من عسلٍ مصفَّى، لم يخرج من بطون النحل، وأنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشَّاربين، لم تعصره الرجال بأقدامها، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغير طعمهُ، لم يخرج من بطون الماشية، فإذا اشتهوا الطعامَ، جاءتهم طيرٌ بيض، فترفع أجنحتها، فيأكلون من جنوبها من أي الألوان شاؤوا، ثمَّ تطير فتذهبُ، فيها ثمار مُتدليَّة، إذا اشتهوا انبعث الغُصنُ إليهم، فيأكلون من أيِّ الثمار شاؤوا، إنْ شاء قائمًا، وإنْ شاء متكئًا، وذلك قوله : ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وبين أيديهم خدمٌ كاللؤلؤ" (٢) .

стр. 361

هذا حديثٌ غريب، وفي إسناده ضعف، وفي رفعه نظر، والمعروف أنَّه موقوف على عليٍّ. قال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عمرو بن سليمان حدثنا محمد ابن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد (١) في هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) ﴾ قال: "أما واللَّهِ ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن يؤتون بنوقٍ لم ترَ الخلائق مثلها، عليها رِحالُ الذهب، وأزِمَّتُها الزبرجد، فيركبون عليها يضربوا باب الجنَّة" (٢) .

стр. 362

وقال علي بن الجعد في "الجعديات": أخبرنا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: يُساق الَّذين اتقوا ربهم إلى الجنَّة زُمَرًا حتَّى ينتهوا إلى بابٍ من أبوابها، وجدوا عنده شجرةً يخرج من تحت ساقها عينان تجريان، فعدوا إلى إحداهما كأنَّما أُمِرُوا بها، فشربوا منها فأذهبت ما في بطونهم من أذًى أو قذىً أو بأس، ثمَّ عمدوا إلى الأُخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم، فلن تغيَّر أبشارهم أو تغير بعدها أبدًا، ولن تشعث أشعارهم كأنَّما دُهِنُوا بالدِّهان، ثمَّ انتهوا إلى خزنة الجنَّة فقالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) ﴾ [الزمر: ٧٣] قال: ثمَّ تتلقَّاهم الولدان يطيفون (١) بهم، كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته، فيقولون: أبشرْ بما أعدَّ اللَّهُ (٢) لك من الكرامة -كذا قال- ثمَّ ينطلقُ غلامٌ من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين، فيقول: قد جاء فلانٌ باسمه الَّذي يُدعى به في الدنيا، فتقول: أنتَ رأيته؟ فيقول: أنا رأيته، وهو ذا بأثري، فيستخف إحداهنَّ الفرحُ، حتى تقوم على أسكُفَّةِ بابها، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه، فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرحٌ أخضرُ وأصفرُ وأحمرُ، ومن كلِّ لونٍ، ثمَّ رفع رأسه، فنظر إلى سقه، فإذا مثل البرقِ، فلولا أنَّ اللَّهَ قدَّره له لألمَّ أنْ يذهب ببصره، ثمَّ طأطأ رأسه فنظرَ إلى أزواجه وأكوابٍ موضوعةٍ، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة، فنظروا إلى تلك النعمة،

стр. 363

ثمَّ اتكئوا وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا﴾ [الأعراف: ٤٣] ثمَّ ينادي منادٍ: تَحْيونَ فلا تموتون أبدًا، وتقيمون فلا تظعنون أبدًا (١) ، وتصحون فلا تمرضون أبدًا" (٢) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: "ذُكِرَ لنا أنَّ الرَّجل إذا دخل الجنَّة صُوِّر صورة أهل الجنَّة، وأُلبسَ لباسهم، وحلِّيَ حليتهم، وأُري أزواجه وخدمه، ويأخذه سَوَارّ فرعٍ لو كان ينبغي أنْ يموت لمات من سوار فرحه، فيقالُ له: أرأيتَ فرحتك هذه، فإنَّها قائمة لك أبدًا" (٣) .

стр. 364

قال ابن المبارك: وأخبرنا رشدين بن سعد: أنبأنا زهرة بن معبد القرشي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "إن العبد أوَّل ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم، كأنَّهم اللؤلؤ" (١) . قال ابن المبارك: وأنبأنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد اللَّه بن زحر (٢) ، عن محمد بن أبي أيوب المخزومي، عن أبي عبد الرحمن المعافري قال: "إنه لَيُصَفُّ للرجل من أهل الجنة سِمَاطان، لا يرى طرفاهما من غلمانه، حتى إذا مرَّ مشوا وراءه" (٣) . وقال أبو نعيم: حدثنا سلمة عن الضحاك قال: "إذا دخل المؤمن الجنَّة، دخل أمامه ملك فأخذ به في سِكَكِهَا، فيقول له: انظر ما ترى؟ قال: أرى أكثر قصور رأيتها من ذهبٍ وفضةٍ، وأكثر أنيس. فيقول له الملكُ: فإنَّ هذا أجمع لك، حتَّى إذا رُفِعَ إليهم استقبلوه من كلَّ بابٍ، ومن كلِّ مكانٍ: نحن لك، نحن لك، ثمَّ يقول له: امشِ، فيقول له: ماذا ترى، فيقول: أرى أكثر عساكِرَ رأيتها من خيام، وأكثر

стр. 365

أنيسٍ، قال: فإنَّ هذا أجمعَ لك، قال: فإذا رُفِعَ إليهم استقبلوه يقولون: نحن لك، ونحن لك" (١) . وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد ﵁ أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "ليدخلنَّ الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا، أو سبع مئة ألف متماسكون آخذٌ بعضهم ببعض، لا يدخل أوَّلهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدرِ" (٢) .

стр. 366

الباب التاسع والثلاثون في ذكر صفة أهل الجنَّة في خَلْقِهِم وخُلُقِهم وطولهم وعرضهم ومقدار أسنانهم قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خلق اللَّهُ آدَمَ على صورته، طولُه ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب فسلِّم على أولئك النفر - وهم نفرٌ من الملائكة جُلوسٌ -، فاستمع ما يحيونك، فإنَّها تحيتك وتحية ذريتك، قال: فذهبَ فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكَ ورحمةُ اللَّهِ، فزادوه ورحمة اللَّه قال: فكلُّ من يدخل الجنَّة على صورة آدمَ، طولُهُ ستون ذراعًا، فلم يزل ينقص الخلق بعدهُ حتَّى الآن" (١) متفقٌ على صحته. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، وعفان بن مسلم، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ جُردًا مُردًا بيضًا جعادًا مكحَّلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعًا في عرض سبعة أذرع" (٢)

стр. 367

قيل: تفرد به حماد، عن علي بن زيد. وفي "جامع الترمذي" من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن ابن غنْم عن معاذ بن جبل ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "يدخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ جردًا مردًا مكحلين بني (١) ثلاثٍ وثلاثين" (٢) .

стр. 368

قال: "هذا حديث حسن غريب". وقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد قالا: حدثنا عمر عن الأوزاعي عن هارون بن رئاب (١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُبْعثُ أهل الجنَّةِ على صورة آدم في ميلاد ثلاثِ وثلاثين سنة جُرْدًا مُرْدًا مكحلين، ثمَّ يذهبُ بهم إلى شجرةٍ في الجنَّة، فيُكسون منها لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم" (٢) .

стр. 369

وقال الترمذي: حدثنا سويد بن نصر حدثنا عبد اللَّه بن المبارك عن رِشْدِين بن سعد عن عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من ماتَ من أهل الجنَّة من صغيرٍ أو كبيرٍ يُردُّونَ بني ثلاثين سنة في الجنَّة (١) لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النَّار" (٢) .

стр. 370

فإن كان هذا محفوظًا لم يناقض ما قبله، فإنَّ العرب إذا قدَّرت بعدَدٍ له نيِّف؛ فإنَّ لهم طريقين: تارةً يذكرون النَّيف للتحرير، وتارةً يحذفونه، وهذا معروف في كلامهم، وخطاب غيرهم من الأمم. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم (١) حدثنا صفوان بن صالح حدثنا روَّاد بن الجراح العسقلاني حدثنا الأوزاعي عن هارون بن رئاب عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يدخل أهلُ الجنَّة الجنَّة على طول آدم ستين ذراعًا بذراع الملك، على حُسْنِ يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاثٍ وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جُرْد مُرْد مُكحَّلون". وقال ابن وهب: حدثني معاوية بن صالح عن عبد الوهاب بن بُخْت عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنَّة يدخلون الجنَّة على قدر آدم ستون ذراعًا، وعلى ذلك قطعتْ سُررهم" (٢) . وقد تقدَّم (٣) أنَّ أوَّل زمرة صورهم على صورة القمر ليلة البدر،

стр. 371

وأنَّ الذين يلونهم على ضوء أشدِّ كوكبٍ في السَّماءِ إضاءةً. وأمَّا الأخلاق فقد قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) ﴾ [الحجر: ٤٧]، فأخبر عن قلوبهم (١) وتلاقي وجوههم. وفي "الصحيحين" (٢) : "أخلاقهم على خَلْق رجلٍ واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء". الرواية "على خَلْق" -بفتح الخاء وسكون اللام- والأخلاق كما تكون جمعًا للخُلق بالضم، فهي جمع للخَلق بالفتح، والمراد: تساويهم في الطول والعرض والسن، وإن تفاوتوا في الحسن والجمال، ولهذا فسره بقوله: "على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء". وأما أخلاقهم وقلوبهم ففي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي هريرة ﵁: "أول زمرة تلج الجنة" الحديث. وقد تقدم وفيه: "لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون اللَّه بكرة وعشيًا". وكذلك وصف اللَّه نسائهم بأنهنَّ أتراب. أي: في سِنٍّ واحدة، ليس فيهن العجائز والشواب، (٤) وفي هذا الطول

стр. 372

والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى، فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذة؛ لأنة أكمل سن القوة مع عظم آلات الَّلذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها، بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مئة عذراء، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى (١) ، ولا يخفى التناسب الذي بين هذا الطول والعرض، وأنه لو زاد أحدهما على الآخر فات الاعتدال وتَنَاسُب الخِلْقة، يصير طولًا مع دِقَّةٍ، أو غلظًا مع قصر، وكلاهما غير مناسب، واللَّه أعلم.

стр. 373

الباب الأربعون في ذكر أعلى أهل الجنَّة منزلة وأدناهم، وأعلاهم منزلة سيِّد ولدِ آدم صلوات اللَّهِ وسلامه عليه قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. قال مجاهد وغيره: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: موسى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾: هو محمد ﷺ (١). وفي حديث الإسراء المتفق على صحته: أنه ﷺ ، لما جاور موسى قال: "رب لم أظن أن يُرفَع علَيَّ أحد"، ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللَّه، حتى جاوز سدرة المنتهى" (٢). وفي "صحيح مسلم" (٣) من حديث عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع النَّبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلَّى اللَّه عليه عشرًا (٤)، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ

стр. 374

من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة". وفي "صحيح مسلم" (١) : من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "أنَّ موسى سألَ ربَّهُ: ما أدنى أهل الجنَّة منزلةً؟ فقال: رجلٌ يجيء بعدما دخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، فيقال له: ادخلِ الجنَّة، فيقول: ربِّ كيف، وقد نزل النَّاسُ منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أنْ يكون لك مثل مَلِكٍ (٢) من ملوك الدنيا، فيقول: رضيتُ ربِّ، فيقول له: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربِّ، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذَّت عينك، فيقول (٣) : رضيتُ ربِّ. قال: ربِّ فأعلاهم منزلةً؟ قال: أولئك الَّذين أردت، غرستُ كرامتهم بيديَّ، وختمتُ عليها فلم ترَ عينٌ، ولم تسمع أذنٌ، ولم يخطر على قلب بشر". وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد أخبرنا شَبَابَة عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسُررِهِ مسيرة ألفِ سنة، وأكرمهم على اللَّهِ من ينظر إلى وجهه غُدوةً وعشيةً، ثمَّ قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾

стр. 375

[القيامة: ٢٢ - ٢٣] " (١) .

стр. 376

قال: "وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر مرفوعًا (١) . قال: ورواهُ عبد الملك بن أبجر، عن ثُويْر، عن ابن عمر: موقوفًا. ورواهُ عبيد اللَّه الأشجعي عن سفيان عن ثُوير عن مجاهد عن ابن عمر نحو، ولم يرفعه". قلتُ: ورواه الطبراني في "معجمه" من حديث أبي معاوية عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر مرفوعًا: "إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلةً لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناهُ، ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه" الحديث. ورواهُ أبو نعيم عن إسرائيل عن ثوير قال: سمعتُ ابن عمر. قال إسرائيل: لا أعلم ثويرًا إلَّا رفعه إلى النَّبي ﷺ . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن هو: ابن موسى، حدثنا سُكَين بن عبد العزيز، حدثنا أبو الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي

стр. 377

هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبع درج، وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلاث مئة خادم، ويُغْدَى عليه ويُراح كل يوم بثلاث مئة صحفة -ولا أعلمه إلا قال- من ذهب، في كل صحفة لون ليس في الأُخرى، وإنه ليلَذّ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاث مئة إناء، في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنَّه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص ممَّا عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض" (١) . قلت: سكين بن عبد العزيز: ضعفه النسائي (٢) . وشهر بن حوشب: ضعفه مشهور. والحديث منكر، مخالف للأحاديث الصحيحة (٣) : - فإن طول ستين ذراعًا لا يحتمل أن يكون مقعدة صاحبه بقدر ميل من الأرض.

стр. 378

- والذي في "الصحيحين" (١) ، في أول زمرة تلج الجنة: "لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين"، فكيف يكون لأدناهم ثنتان وسبعون؟ - وأقل ساكني الجنة نساء الدنيا (٢) ، فكيف يكون لأدنى أهل الجنة جماعة منهن؟ - وأيضًا فإن الجنتين الذهبيتين أعلى من الفضيتين (٣) ؟ فكيف يكون أدناهم في الذهبيتين؟. قال الدولابي: "شهر بن حوشب لا يشبه حديثه حديث النَّاس". وقال ابن عون: "إنَّ شهرًا نزكوه". وقال النسائي وابن عدي: "ليس بالقوي". وقال أبو حاتم: "لا يحتج به". وتركه شعبة ويحيى بن سعيد، وهذان من أعلم الناس بالحديث، ورواته وعلله، وإن كان غير هؤلاء، قد وثقه وحسَّن حديثه، فلا ريب أنه إذا تفرد بما يخالف ما رواه الثقات لم يقبل (٤) . واللَّه أعلم.

стр. 379

الباب الحادي والأربعون في تحفة أهل الجنَّة إذا دخلوها روى مسلم في "صحيحه" (١) من حديث ثوبان قال: كنتُ قائمًا عند رسول اللَّه ﷺ ، فجاء حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: السلام عليكَ يا محمد، فدفعته دفعةً كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلتُ: ألا تقول يا رسول اللَّه؟ فقال اليهودي: إنَّما ندعوه باسمه الَّذي سمَّاه به أهله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اسمي محمد الَّذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول اللَّه ﷺ : أينفعك شيءٌ إنْ حدَّثتكَ؟ فقال: أسمعُ بأذني، فنكتَ رسول اللَّه ﷺ بعودٍ معه في الأرض، فقال: سل؟ فقال اليهودي: أين يكون النَّاسُ يومَ تبدل الأرضُ غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول اللَّهِ ﷺ : هم في الظلمة دون الجسر، قال: فمن أوَّل النَّاس إجازةً يوم القيامة؟ قال: فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تُحْفتهم حين يدخلون الجنَّة؟ قال: زيادة كبد النون، قال: فما غِذاؤهم على إثره (٢)؟ قال: ينحر لهم ثور الجنَّة الَّذي كان يأكل من أطرافها، قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عينٍ فيها تُسمَّى سلسبيلًا، قال: صدقت، قال: وجئتُ أسألك عن شيءٍ لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلَّا نبي، أو رجل أو رجلان، قال: ينفعك إنْ حدثتك؟ قال: أسمع بأُذُنيَّ، قال: جئت أسألك عن الولد؟

стр. 380

قال: ماء الرجل أبيضُ، وماءُ المرأة أصفرُ، فإذا اجتمعا فعلا منيُّ (١) الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن اللَّه تعالى، وإن علا مني المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن اللَّه تعالى، فقال اليهودي: لقد صدقت وإنَّك لنبي ثمَّ انصرف، فقال رسول اللَّه ﷺ : لقد سألني هذا عن الَّذي سألني عنه ومالي علمٌ بشيءٍ منه، حتَّى أتاني اللَّه به". وفي "صحيح البخاري" (٢) عن أنس ﵁ قال: سمع عبدُ اللَّهِ بن سلام مَقْدَم النَّبي ﷺ المدينة، وهو في أرضٍ يَخْتَرِفُ، فأتى النَّبي ﷺ فقال: إنِّي سائلكَ عن ثلاث لا يعلمهنَّ إلَّا نبي، فما أوَّل أشراط السَّاعة؟ وما أوَّل طعام أهل الجنَّة؟ وما ينزع الولدُ إلى أبيه أو أُمِّهِ؟ قال: أخبرني بهنَّ جبريل آنفًا، قال جبريل؟ قال: نعم، قال ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، أمَّا أوَّل أشراط السَّاعة: فنارٌ تحشر النَّاس من المشرق إلى المغرب، وأمَّا أوَّل طعام يأكله أهل الجنَّة: فزيادة كبدِ الحوت، وإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزع الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأة ماءَ الرجل نزعت الولد (٣) ، قال: أشهد أنْ لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أنَّك رسول اللَّه، يا رسول اللَّه، إنَّ اليهود قومٌ بهتٌ، وإنَّهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أنْ تسألهم بهتوني، فجاءتِ اليهود

стр. 381

فقال: أىُّ رجلٍ عبدُ اللَّهِ فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أفرأيتم إن أسلم عبدُ اللَّه؟ فقالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، فخرج عبد اللَّه فقال: أشهد أنْ لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أنَّ محمد رسول اللَّه، فقالوا: شَرُّنا وابنُ شرِّنا وانتقصوه، فقال: هذا الَّذي كنتُ أخاف يا رسول اللَّهِ". وفي "الصحيحين" (١) من حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خُبزةً واحدةً يتكفَّؤها الجبَّارُ بيدهِ كما يتكفَّأ أحدكم خُبزته في السَّفر نُزُلًا لأهلِ الجنَّة، فأتى رجلٌ من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنَّة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خُبزةً واحدةً، كما قال النَّبي ﷺ ، فنظر النَّبي ﷺ إلينا ثمَّ ضحك حتى بدت نواجذه، ثمَّ قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: بلى، قال: إدامهم بالامٌ ونُونٌ، قال: وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفًا". قال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب أنَّ أبا الخير أخبره أنَّ أبا العوام أخبره أنَّه سمع كعبًا يقول: "إنَّ اللَّهَ يقول لأهل الجنَّة إذا دخلوها: إنَّ لكلِّ ضيفٍ جَزورًا، وإنِّي أجْزِرَكم اليومَ، فيؤتى بثورٍ وحوتٍ، فيُجزَرُ لأهل الجنَّة" (٢) .

стр. 382

الباب الثاني والأربعون في ذكر ريح الجنَّة، ومن مسيرة كم يُنْشَق قال الطبراني: حدثنا موسى بن خازم الأصبهاني، حدثنا محمد بن بُكير (١) الحضرمي، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جُنَادة بن أبي أُمية عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "من قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يَرَحْ رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة مئة عام" (٢).

стр. 383

ورواهُ البخاري في "الصحيح" عن قيس بن حفص عن عبد الواحد ابن زياد عن الحسن بن عمرو الفُقَيمي عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ ولم يذكر بينهما جنادة، وقال: "ليوجد من مسيرة أربعين عامًا". وقال الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معدي بن سليمان هو البصري عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "ألا من قتل نفسًا معاهدًا له ذِمَّةُ اللَّهِ وذمَّةُ رسوله، فقد أخفر بذمَّة اللَّهِ، فلا يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا" (١) .

стр. 384

قال: "وفي الباب عن أبي بكرة، وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح" (١) . قال محمد بن عبد الواحد: "وإسناده عندي على شرط الصحيح" (٢) . قلتُ: وقد رواهُ الطبراني من حديث عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة يرفعه: "من قتل نفسًا مُعاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنَّة، وإنَّ ريح الجنَّة يوجد من مسيرة مئة عام" (٣) . وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أو غيره عن أبي بكرة ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ريحُ الجنَّة يوجدُ من مسيرة مئة عام" (٤) .

стр. 385

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 386

وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه. وقد أخرجا في "الصحيحين" (١) من حديث أنس قال: لم يشهد عَمِّي مع رسول اللَّه ﷺ بدرًا، قال: فشقَّ عليه، قال: أوَّلُ مشهدٍ شهده رسول اللَّه ﷺ غبتُ عنه، فإنْ أراني اللَّهُ مشهدًا فيما بعدُ مع رسول اللَّه ﷺ ليرينَّ اللَّه ما أصنعُ، قال: فهابَ أنْ يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول اللَّه ﷺ يومَ أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له: أين؟ فقال: واهًا لريح الجنَّة أجده دون أُحد، قال: فقاتلهم حتى قُتِلَ، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمَّة الرُّبَيِّع بنتُ النضر: فما عرفتُ أخي إلَّا ببَنَانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قالوا: فكانوا يرون أنَّها نزلت فيه وفي أصحابه. وريح الجنَّة نوعان: ريحٌ يوجد في الدنيا تشمُّه الأرواح أحيانًا ولا تدركه العبارة، وريح يُدرك بحاسة الشمِّ للأبدان، كما تشم روائح الأزهار وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنَّة في إدراكه في الآخرة من قرب وبُعد، وأمَّا في الدنيا فقد يدركه من شاء اللَّهُ من أنبيائه ورسله، وهذا الَّذي وجدهُ أنس بن النضر يجوز أنْ يكون من هذا القسم، وأنْ يكون

стр. 387

من (١) الأوَّل، واللَّهُ أعلمُ. وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن معمر حدثنا محمد بن أحمد المؤدب، حدثنا عبد الواحد بن غياث أخبرنا الربيع بن بدر حدثنا هارون بن رئاب عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ : "رائحة الجنَّة توجد (٢) من مسيرة خمس مئة عامٍ" (٣) . وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن طريف حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ريح الجنَّة يوجد من مسيرة ألف عام، واللَّه لا يجدها عاقٌّ، ولا قاطع رحم" (٤) . وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده": حدثنا شعبة عن الحكم عن

стр. 388

مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "من ادَّعى إلى غير أبيه لم يرحْ رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسين (١) عامًا" (٢) . وقد أشهد اللَّهُ سبحانه عباده في هذه الدَّار آثارًا من أثار الجنَّة، وأنموذجًا منها من الرائحة الطيبة، والَّلذات المُشْتهاة، والمناظر البَهيَّة، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسُّرور، وقُرَّة العين. وقد روى أبو نُعيم من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّهُ للجنَّة: طِيْبي لأهلك فتزداد طيبًا، فذلك البَرْد الَّذي يجده النَّاس بالسَّحَرِ من ذلك" (٣) .

стр. 389

كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها مُذكِّرةً (١) بنار الآخرة، قال تعالى في هذه النَّار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣]. وأخبر النَّبي ﷺ أنَّ شدَّة الحرِّ والبردِ من أنفاس جهنَّم (٢) ، فلا بُدَّ أنْ يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، واللَّهُ المستعان.

стр. 390

الباب الثالث والأربعون في الأذان الَّذي يؤذن به مؤذن الجنَّة فيها روى مسلمٌ في "صحيحه" (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وأبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "يُنادي منادٍ: إنَّ لكم أنْ تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، وذلك قول اللَّه : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حمزة الزَّيَّات، عن أبي إسحاق عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النَّبي ﷺ : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ قال: نودوا أنْ صِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، واخلدوا فلا تموتوا أبدًا، وأنعموا فلا تبأسوا أبدًا" (٢).
следующие страницы →