← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وهذه الألفاظ لا تعارض بينها بوجه. وقد أخرجا في "الصحيحين" (١) من حديث أنس قال: لم يشهد عَمِّي مع رسول اللَّه ﷺ بدرًا، قال: فشقَّ عليه، قال: أوَّلُ مشهدٍ شهده رسول اللَّه ﷺ غبتُ عنه، فإنْ أراني اللَّهُ مشهدًا فيما بعدُ مع رسول اللَّه ﷺ ليرينَّ اللَّه ما أصنعُ، قال: فهابَ أنْ يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول اللَّه ﷺ يومَ أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له: أين؟ فقال: واهًا لريح الجنَّة أجده دون أُحد، قال: فقاتلهم حتى قُتِلَ، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته عمَّة الرُّبَيِّع بنتُ النضر: فما عرفتُ أخي إلَّا ببَنَانه، ونزلت هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. قالوا: فكانوا يرون أنَّها نزلت فيه وفي أصحابه. وريح الجنَّة نوعان: ريحٌ يوجد في الدنيا تشمُّه الأرواح أحيانًا ولا تدركه العبارة، وريح يُدرك بحاسة الشمِّ للأبدان، كما تشم روائح الأزهار وغيرها، وهذا يشترك أهل الجنَّة في إدراكه في الآخرة من قرب وبُعد، وأمَّا في الدنيا فقد يدركه من شاء اللَّهُ من أنبيائه ورسله، وهذا الَّذي وجدهُ أنس بن النضر يجوز أنْ يكون من هذا القسم، وأنْ يكون

стр. 387

من (١) الأوَّل، واللَّهُ أعلمُ. وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن معمر حدثنا محمد بن أحمد المؤدب، حدثنا عبد الواحد بن غياث أخبرنا الربيع بن بدر حدثنا هارون بن رئاب عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ : "رائحة الجنَّة توجد (٢) من مسيرة خمس مئة عامٍ" (٣) . وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمي حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن طريف حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ريح الجنَّة يوجد من مسيرة ألف عام، واللَّه لا يجدها عاقٌّ، ولا قاطع رحم" (٤) . وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده": حدثنا شعبة عن الحكم عن

стр. 388

مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبي ﷺ قال: "من ادَّعى إلى غير أبيه لم يرحْ رائحة الجنَّة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة خمسين (١) عامًا" (٢) . وقد أشهد اللَّهُ سبحانه عباده في هذه الدَّار آثارًا من أثار الجنَّة، وأنموذجًا منها من الرائحة الطيبة، والَّلذات المُشْتهاة، والمناظر البَهيَّة، والفاكهة الحسنة، والنعيم والسُّرور، وقُرَّة العين. وقد روى أبو نُعيم من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقول اللَّهُ للجنَّة: طِيْبي لأهلك فتزداد طيبًا، فذلك البَرْد الَّذي يجده النَّاس بالسَّحَرِ من ذلك" (٣) .

стр. 389

كما جعل سبحانه نار الدنيا وآلامها وغمومها وأحزانها مُذكِّرةً (١) بنار الآخرة، قال تعالى في هذه النَّار: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣]. وأخبر النَّبي ﷺ أنَّ شدَّة الحرِّ والبردِ من أنفاس جهنَّم (٢) ، فلا بُدَّ أنْ يشهد عباده أنفاس جنته، وما يذكرهم بها، واللَّهُ المستعان.

стр. 390

الباب الثالث والأربعون في الأذان الَّذي يؤذن به مؤذن الجنَّة فيها روى مسلمٌ في "صحيحه" (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وأبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "يُنادي منادٍ: إنَّ لكم أنْ تَصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإنَّ لكم أنْ تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، وذلك قول اللَّه : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حمزة الزَّيَّات، عن أبي إسحاق عن الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النَّبي ﷺ : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ قال: نودوا أنْ صِحُّوا فلا تسقموا أبدًا، واخلدوا فلا تموتوا أبدًا، وأنعموا فلا تبأسوا أبدًا" (٢).

стр. 391

وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النَّارِ النَّارَ، نادى منادٍ، يا أهل الجنَّة، إنَّ لكم عند اللَّهِ موعدًا، فيقولون: ما هو؟ ألم يُثَقِّل موازيننا، ويُبيِّض وجوهنا، ويدخلنا الجنَّة، وينجِّينا من النَّارِ؟ فيكشف الحجاب فينظرون إلى اللَّهِ، فواللَّهِ ما أعطاهم اللَّه شيئًا هو أحبَّ إليهم من النظر إليه". وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا أبو بكر الهذلي (٢) ، أخبرني أبو تميمة الهُجَيمي، قال: سمعتُ أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إنَّ اللَّهَ يبعث يوم القيامة ملكًا إلى أهل الجنَّة،

стр. 392

فيقول: يا أهل الجنَّة، هل أنجزكم اللَّهُ ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحُلي والحُلل والأنهار، والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجز ما وعدنا، قالوا ذلك ثلاث مرَّاتٍ، فينظرون فلا يفتقدون شيئًا ممَّا (١) وعدوا، فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي شيء، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: ألَا إنَّ الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّهِ" (٢) . وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟

стр. 393

فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا". ومن تراجم البخاري عليه: بابٌ: كلامُ الربِّ مع أهل الجنة (١) . وسيأتي في هذا أحاديث نذكرها في باب معقود لذلك إن شاء اللَّه تعالى (٢) . وفي "الصحيحين" (٣) من حديث نافع عن ابن عمر ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يدخل اللَّه أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كلٌّ خالدٌ فيما هو فيه". وهذا الأذان وإن كان بين الجنة والنار فهو يبلغ جميع أهل الجنة والنار، ولهم نداء آخر يوم زيارتهم ربهم ﵎، يرسل إليهم ملكًا، فيؤذن فيهم بذلك فيسارعون إلى الزيارة، كما يؤذن مؤذن الجمعة إليها، وذلك في مقدار يوم الجمعة، كما سيأتي مبينًا في باب: زيارتهم الرب (٤) إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.

стр. 394

الباب الرَّابع والأربعون في أشجار الجنَّة، وبساتينها وظلالها قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) [٧٣/ أ] وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٣٣]، وقال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨)﴾ [الرحمن: ٤٨]، وهو جمع فَنَنٍ (١): وهو الغصن، وقال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]. والمخضود: الَّذي خُضِد شوكه: أي نُزِعَ وقُطِعَ، فلا شوك فيه. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وقتادة، وأبي الأحوص، وقسامة بن زهير، وجماعة (٢). واحتجَّ هؤلاء بحجتين: إحداهما: أنَّ الخضد في اللغة: القطعُ، وكلُّ رطب قضبته فقد خضدته، وخضدت الشجر: إذا (٣) قطعت شوكه، فهو خضيد ومخضود، ومنه الخَضَدُ على مثال الثَّمَر، وهو كل ما قطع من عودٍ رطبٍ، خَضَد بمعنى مَخْضود كقَبَض وسَلَب، والخضاد: شجر رخو لا شوكَ له.

стр. 395

الحُجَّة الثانية: قال ابن أبي داود: حدثنا موسى بن مصفَّى (١) ، حدثنا محمد بن المبارك حدثنا يحيى بن حمزة حدثني ثور بن يزيد حدثني حبيب بن عُبَيد عن عُتْبة بن عبدٍ السلمي ﵁ قال: كنتُ جالسًا مع رسول اللَّه، فجاء أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، أسمعك تذكر في الجنَّة شجرة (٢) لا أعلمُ شجرة أكثرَ شوكًا منها -يعني الطلح- فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ يجعل مكان كلَّ شوكةٍ منها ثمرةً مثل خَصْوةِ التَّيْسِ الملبود، فيها سبعون لونًا من الطعامِ، لا يُشْبِهُ لونٌ آخَرَ" (٣) . "الملبود": الَّذي قد اجتمع شعره بعضه على بعض. وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا صفوان بن عمرو عن سُلَيم بن عامر قال: كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يقولون: إنَّ اللَّهَ لينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابي يومًا، فقال: يا رسول اللَّه، ذكر اللَّه في الجنَّة شجرةً مؤذيةً، وما كنتُ أرى في الجنَّة شجرةً تُوذي صاحبها، قال رسول اللَّه ﷺ : وما هي؟ قال: السِّدْرُ، فإنَّ له شوكًا مؤذيًا، قال: أليس اللَّه يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) ﴾ [الواقعة: ٢٨]؟! خَضَدَ اللَّهُ شوكه

стр. 396

فجعل مكان كلِّ شوكةٍ ثمرةً" (١) . وقالت طائفة: المخضود هو: المُوْقَر حَمْلًا (٢) . وأُنْكِرَ عليهم هذا القول، وقالوا: لا يُعْرَفُ في اللغة الخضد بمعنى الحمل. ولم يُصِبْ هؤلاءِ الَّذين أنكروا هذا القول، بل هو قولٌ صحيح، وأربابه ذهبوا إلى أنَّ اللَّهَ لمَّا خضد شوكه وأذهبه، وجعل مكان كلِّ شوكةٍ ثمرة أوقره بالحمل، والحديثان المذكوران يجمعان القولين (٣) .

стр. 397

وكذلك قول من قال: المخضود الَّذي لا يَعْقِر اليد، ولا يرد اليد منه شوك ولا أذى فيه، فسَّره بلازم المعنى، وهكذا غالب المفسرين يذكرون لازم المعنى المقصود تارة، وفردًا من أفراده تارة، ومثالًا من أمثلته فيحكيها الجمَّاعون للغثِّ والسَّمين أقوالًا مختلفة، ولا اختلاف بينها. فصل وأمَّا الطَّلحُ: فأكثر المفسرين قالوا: إنَّه شجر الموز. قال مجاهد: "أعجبهم طلح وَجٍّ وحُسْنه، فقيل لهم: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ " (١). وهذا قول علي بن أبي طالب، وابن عبَّاس، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵃ (٢). وقالت طائفة أخرى: "بل هو شجرٌ عظامٌ طوالٌ، وهو من شجر البوادي الكثير الشوك عند العرب. قال حَاديهم:

стр. 398

بَشَّرَهَا دَلِيْلُهَا وقَالَا ... غدًا ترينَ الطَّلحَ والجِبَالا (١) ولهذا الشجر نورٌ ورائحة طيبة، وظلٌّ ظليل، وقد نضد بالحمل والثَّمر مكان الشوك. قال ابن قتيبة: "هو الَّذي نُضِدَ بالحمل أو بالورق والحمل من أوَّله إلى آخره، فليس له ساق بارز" (٢) . وقال مسروق: "ورق الجنَّة نُضِدَ (٣) من أسفلها إلى أعلاها، وأنهارها تجري في غير أخدود" (٤) . وقال الليث: "الطلح: شجر أم غيلان له شوك أحجن، من أعظم العضاة شوكًا، وأصلبه عودًا، وأجوده صَمْغًا". قال أبو إسحاق: "يجوز أنْ يُعْنى به شجر أم غيلان؛ لأنَّ له نَوْرًا طيبَ الرائحة جدًّا، فَوُعِدُوا بما يحبون مثله، إلَّا أنَّ فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنَّة على سائر ما في الدنيا (٥) ، فإنَّه ليس

стр. 399

ما في الجنَّة ممَّا في الدنيا إلَّا الأسامي. والظَّاهر أنَّ من فسَّر الطَّلح المنضود: بالموز، إنَّما أراد التمثيل به لحسن نضده، وإلَّا فالطلح في اللغة: هو الشَّجر العظام من شجر البوادي واللَّه أعلم (١) . وفي "الصحيحين" (٢) من حديث أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسير الرَّاكبُ في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها فاقرؤوا إنْ شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) ﴾ [الواقعة: ٣٠] ". وفي "الصحيحين" (٣) أيضًا من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ عن رسول اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها". قال أبو حازم: فحدثْتُ به النعمان بن أبي عيَّاش الزُّرقي فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسيرُ الرَّاكبُ الجوادُ المضمَّر السريعُ (٤) مئة عامٍ لا يقطعها" (٥) .

стр. 400

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضَّحَّاك سمعتُ أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسير الرَّاكبُ في ظلِّها سبعين أو مئة سنة، هي شجرة الخلد" (١) . وقال وكيع: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن زياد مولى بني مخزوم عن أبي هريرة ﵁: "إنَّ في الجنَّة شجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظلها مئة عام اقرؤوا إنْ شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) ﴾ [الواقعة: ٣٠] ". فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق، والَّذي أنزل التوراة على لسان موسى،

стр. 401

والفرقان على لسان محمد ﷺ لو أنَّ رجلًا ركب جذعةً أو جذعًا، ثمَّ دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هرمًا، إنَّ اللَّه غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه (١) ، وإنَّ أفنانها من وراء سور الجنَّة، ما في الجنَّة نهرٌ إلَّا وهو يخرج (٢) من أصل تلك الشجرة" (٣) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا زمعة (٤) بن صالح عن سلمة بن وَهْرَام عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "الظِّلُّ الممدود: شجرةٌ في الجنَّة على ساقٍ، قدر ما يسير الرَّاكب المُجِدُّ في ظلها مئة عام في كلَّ نواحيها، فيخرج إليها أهل الجنَّة: أهل الغرف وغيرهم فيَتَحدَّثون في ظلها، قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل اللَّه ريحًا من

стр. 402

الجنَّة فتحرِّك تلك الشجرة بكل لهوٍ كان في الدنيا" (١) . وفي "جامع الترمذي" من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "ما في الجنَّة شجرة إلَّا وساقها من ذهب" (٢) . قال: "هذا حديث حسن" (٣) .

стр. 403

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "يقول اللَّهُ: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إنْ شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الجنَّة شجرة يسير الرَّاكبُ في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها، واقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وموضع سوط من الجنَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها، واقرؤوا إنْ شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] " (١) . رواهُ بهذا اللفظ والسِّياق الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصَدْرُهُ

стр. 404

في الصحيحين (١) . وفي "صحيح البخاري" (٢) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يسير الرَّاكب في ظلِّها مئة عام لا يقطعها، وإنْ شئتم فاقرؤوا: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) ﴾ [الواقعة: ٣٠ - ٣١]. وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجًا أبا السَّمْحِ حدَّثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنَّة مسيرة مئة سنة، ثيابُ أهل الجنَّة تخرج من أكمامها" (٣) .

стр. 405

وقد رواه عنه حرْمَلَة بزيادة (١) ، فقال: أخبرني ابن وهب، أخبرني عمرو أنَّ درَّاجًا حدثه أنَّ أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد ﵁ أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّهِ، طوبَى لمن رآكَ وآمن بكَ؟ فقال: طُوبى لمن رآني وآمن بي، ثمَّ طوبى، ثمَّ طوبى، ثمَّ طوبى لمن آمن بي ولم يرني، فقال رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنَّة مسيرة مئة سنة، ثياب أهل الجنَّة تخرج من أكمامها". قلتُ: وأوَّل هذا الحديث في "المسند" ولفظه: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطُوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرَّاتٍ" (٢) .

стр. 406

وقال ابن المبارك: حدثنا سفيان عن حمَّاد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: "نخلُ الجنَّة جذوعها من زُمرد أخضر، وكربها ذهبٌ أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنَّة، منها مُقطَّعاتهم وحللهم (١) ، وثمرها أمثال القِلالِ والدِّلاءِ، أشدُّ بياضًا من الَّلبن، وأحلى من العسلِ، وألينُ من الزُّبْد، ليس فيه عَجَمٌ" (٢) .

стр. 407

وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عامر بن زيد البكالي أنَّه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁ يقول: جاء أعرابي إلى النَّبي ﷺ فسأله عن الحوض، وذكر الجنَّة، ثمَّ قال الأعرابي: فيها فاكهة، قال: نعم، وفيها شجرةٌ تُدْعَى طُوبى، فذكر شيئًا لا أدري ما هو؟ فقال: إنَّ (١) شجر أرضنا تشبهه، قال: ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك (٢) ، فقال النَّبي ﷺ : أتيت الشام؟ قال: لا، قال: تشبه شجرة بالشام تُدعى الجَوْزة، تنبتُ على ساق واحدٍ، وينفرشُ أعلاها، قال: ما عِظَمُ أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطتْ بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا، قال: فيها عنبٌ؟ قال: نعم، قال: فما عِظَمُ العنقود؟ قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع لا يفتر، قال: فما عِظَمُ الحَبَّة؟ قال: هل ذبح أبوك تيسًا -من غنمه قطُّ- عظيمًا؟ قال:

стр. 408

نعم، قال: فسلخ أهابه فأعطاهُ أمَّك، فقال: اتخذي لنا منه دلوًا؟ قال: نعم، قال الأعرابي: فإنَّ تلك الحبَّة لتشبعني وأهل بيتي، قال: نعم، وعامة عشيرتك" (١) . وقال أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا عبد الرحمن بن صالح حدثنا يونس بن بُكَير عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد اللَّه ابن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ ، وذكر سدرة المنتهى فقال: "يسيرُ في ظلِّ الفَنَنِ منها الرَّاكبُ مئة سنة، أو قال: يستظلُ في الفَنَنِ منها مئة راكب، فيها فراش الذهب كأنَّ ثمرها القلالُ" (٢) . ورواهُ الترمذي وقال: "شك يحيى، وهو حديث حسن غريب". وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن

стр. 409

مجاهد قال: "أرضُ (١) الجنَّة من ورق، وترابها مسك، وأصول أشجارها ذهبٌ ووَرق، وأفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والورق والثمر تحتَ ذلك، فمن أكَل قائمًا لم يؤذهِ، ومن أكل جالسًا لم يؤذه، ومن أكل مضطجعًا لم يؤذه، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) ﴾ [الإنسان: ١٤] (٢) . وقال أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: نزلنا الصَّفاح، فإذا رجلٌ نائم تحتَ شجرة قد كادتِ الشمسُ أنْ تبلغه، قال: فقلتُ للغلام: انطلق بهذا النِّطع فأظله، قال: فانطلق فأظلَّهُ، فلما استيقظَ إذا هو سلمان فأتيته أُسلِّمُ عليه (٣) ، فقال: يا جريرُ، تواضع للَّه، فإنَّهُ من تواضع للَّه في الدنيا رفعه اللَّهُ يوم القيامة، يا جرير، هل تدري ما الظلماتُ يوم القيامة؟ قلتُ: لا أدري، قال: ظلمُ النَّاسِ بينهم، ثمَّ أخذ عويدًا، لا أكادُ أراهُ بين أصبعيه، فقال: يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا لم تجده، قلتُ: يا أبا عبد اللَّهِ، فأينَ النخلُ والشجرُ؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهبُ وأعلاها الثمر" (٤) .

стр. 410

الباب الخامس والأربعون في ثمارها وتعدُد أنواعها وصفاتها وريحانها قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥]. وقولهم: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]: أي شبيهه ونظيره لا عَيْنَهُ، وهل المراد أنَّ هذا الَّذي رُزقنا في الدنيا نظيره من الفواكه والثمارِ، أو هذا نظيرُ الَّذي رزقنا في الجنة قبلُ؟ قيل: فيه قولان: ففي "تفسير السُّدي" عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح: عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ابن مسعود: وعن ناس من أصحاب النَّبي ﷺ قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أنَّهم أُتُوا بالثمرة في الجنَّة، فلمَّا نظروا إليها قالوا: هذا الَّذي رزقنا من قبل (١) في الدنيا" (٢).

стр. 411

قال مجاهد: "ما أشبهه به" (١) . وقال ابن زيد: " ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا، ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يعرفونه" (٢) . وقال آخرون: هذا الَّذي رُزِقْنَا من قبل من ثمار الجنَّة، من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضًا في الَّلون والطَّعم (٣) . واحتجَّ أصحاب هذا القول بحُجَجٍ: أحَدُها: أنَّ المشابهة التي (٤) بين ثمار الجنَّة بعضها لبعض أعظمُ من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا، ولشدة المشابهة قالوا: هذا (٥) هو. الحجة الثانية: ما حكاه ابن جرير عنهم قال: "ومن عِلَّة قائلي هذا القول أنَّ ثمار الجنَّة كلمَّا نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله، كما حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مَهْدِي، حدثنا سفيان سمعتُ عمرو بن مُرَّة يحدِّث عن أبي عُبَيْدة، وذكر ثمر الجنَّة، قال: "كُلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى" (٦) .

стр. 412

الحجَّة الثالثة: قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] وهذا كالتعليل والسبب (١) الموجب لقولهم: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥]. الحجة الرابعة: أنَّ من المعلوم أنَّه ليس كل ما في الجنَّة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار (٢) الدنيا ولا رأوها. ورجحت طائفة منهم: ابن جرير وغيره القول الآخر، واحتجَّت بوجوه. قال ابن جرير: "والَّذي يحقق صحة قول القائلين: إنَّ معنى ذلك ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] في الدنيا، أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥] يقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] ولم يُخَصِّص أنَّ ذلك من قِيْلهم في بعضٍ دون بعض (٣) ، فإنْ كان قد أخبر جلَّ ذكره عنهم أنَّ ذلك من قيلهم كلما رزقوا ثمرة، فلا شكَّ أنَّ ذلك من قيلهم في أوَّل رزقٍ رُزِقُوْهُ من ثمارها أُتُوا به بعد دخولهم الجنَّة، واستقرارهم فيها، الَّذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذ (٤) كان لا شك أنَّ ذلك من قيلهم

стр. 413

في أوَّله، كما هو من قيلهم في أوسطه (١) ، وما يتلوه؛ فمعلوم أنَّه محال أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه من ثمار الجنَّة: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا من ثمار الجنَّة، وكيف يجوز أنْ يقولوا لأوَّل رزق رزقوه (٢) من ثمارها ولمَّا يتقدمه عندهم غيره منها: هذا (٣) الَّذي رزقناه قبل (٤) ، إلَّا أنْ ينسبهم ذو غَيَّةٍ وضلالٍ إلى قيل الكذب، الَّذي قد طهَّرهم اللَّهُ منه، أو يدفعَ دافعٌ أنْ يكون ذلك من قِيْلهم لأوَّل رزقٍ يرزقونه من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب اللَّهُ صحته من غير نصب دلالةٍ على أنَّ ذلك في حال من أحوالهم دون حال، فقد تبين أنَّ معنى الآية: كلما رزقوا (٥) من ثمرة من ثمار الجنَّة في الجنَّة رزقًا، قالوا: هذا الَّذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا" (٦) . قلتُ: أصحاب القول الأول يخصُّون هذا العام بما عدا الرزق الأوَّل، لدلالة العقل والسياق عليه، وليس هذا ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد بأنواع من التخصيصات: أحدها: أنَّ كثيرًا من ثمار الجنَّة وهي التي لا نظير لها في الدنيا، لا

стр. 414

يُقال فيها ذلك. الثاني: أنَّ كثيرًا من أهلها لم يُرْزَقُوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنَّة. الثالث: أنَّهُ من المعلوم أنَّهم لا يستمرون على هذا القول أَبَدَ الآباد، كلَّما أكلوا ثمرةً واحدة قالوا: هذا الَّذي رزقناه في الدنيا، ويستمرون على هذا الكلام دائمًا إلى غير نهاية، والقرآن العزيز لم يقصد إلى هذا المعنى، ولا هو ممَّا يُعْتنى به من نعيمهم ولذتهم، وإنَّما هو كلام مبين خارجٌ على (١) المعتاد المفهوم من المخاطب. ومعناه: إنَّه يشبه (٢) بعضه بعضًا، ليس أوَّله خَيْرًا من آخره، ولا هو ممَّا يَعْرض له ما يَعْرض لثمر الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها من نقصان حملها، وصغر ثمرها وغير ذلك، بل أوَّله مثلُ آخره، وآخره مثل أوَّله، وهو خيار كله يشبه بعضه بعضًا، فهذا وجه قولهم. ولا يلزم مخالفه ما نصَّه اللَّهُ ، ولا نِسْبَة أهل الجنَّة إلى الكذب بوجهٍ، والَّذي يلزمهم من التَّخصيص يلزمك نظيره وأكثر منه، واللَّهُ أعلم. وأمَّا قوله : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥].

стр. 415

فقال الحسن: "خيارٌ كله لا رَذْل فيه، ألم (١) تروا إلى ثمر الدنيا كيف يسترذلون بعضه، وأنَّ ذلك ليس فيه رذل" (٢) . وقال قتادة: "خيارٌ لا رَذْلَ فيه، وإنَّ ثمار الدنيا ينفى (٣) منها، ويرذل منها" (٤) ". وكذلك قال ابن جريج وجماعة (٥) . وعلى هذا، فالمراد بالمُتَشَابه المُتَوافِق والمُتَماثِل. وقالت طائفة أخرى: منهم ابن مسعود، وابن عباس، وناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : "متشابهًا في الَّلون والمرأى، وليس يُشْبِهُ الطعمُ الطعمَ" (٦) . قال مجاهد: "متشابهًا لونه مختلفًا طعمه" (٧) ، وكذلك قال الربيع ابن أنس (٨) ، وقال يحيى بن أبي كثير: "عشب الجنَّة الزعفران،

стр. 416

وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفاكهة، فيأكلونها، ثمَّ يأتونهم بمثلها فيقولون: هذا الَّذي جئتمونا به آنفًا، فيقول لهم الخدم (١) : كلوا فإنَّ اللون واحد، والطعم (٢) مختلف، فهو قوله : ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] " (٣) . وقال طائفة: معنى الآية: أنَّه يشبه ثمر الدنيا، غيرَ أنَّ ثمر الجنَّة أفضل وأطيب. قال ابن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا: التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان (٤) ، قالوا في الجنَّة: هذا الَّذي رزقنا من قبل، وأُتوا به متشابهًا: يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم" (٥) . واختار ابن جرير هذا القول، قال: "وقد دلَّلنا على فساد قول من قال: إنَّ معنى الآية: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: في

стр. 417

الجنَّة، وتلك الدلالة على فساد ذلك القول (١) ، هي الدلالة على فساد قول من خالف قولنا في تأويل قوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] لأنَّ (٢) اللَّهَ أخبر عن المعنى الَّذي من أجله قال القوم ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ بقوله (٣) ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. قلتُ: وهذا لا يدل على فساد قولهم لما تقدم. وقال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) ﴾ [ص: ٥٠ - ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) ﴾ [الدخان: ٥٥]. وهذا يدلُّ على أمنهم (٤) من انقطاعها ومضرتها. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) ﴾ [الزخرف: ٧٢ - ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]. أي لا تكون في وقتٍ دون وقتٍ، ولا تُمْنَع مِمَّن أرادها. وقال تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) ﴾ [الحاقة: ٢١ - ٢٣].

стр. 418

والقطوف: جمع قِطْف، وهو ما يُقْطف. والقَطْف -بالفتح- الفِعْل، أي ثمارها دانية: قريبة ممَّن يتناولها، فيأخذها كيف يشاء، قال البراء بن عازب: "يتناول الثمرة وهو نائم" (١) . وقال تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤]. قال ابن عباس ﵄: "إذا هَمَّ أنْ يتناول من ثمارها تدلَّتْ (٢) إليه حتَّى يتناول ما يريد" (٣) . وقال غيره: "قُرِّبت إليهم مُذلَّلة كيف شاؤوا، فهم يتناولوها قيامًا وقعودًا ومضطجعين" (٤) ، فيكون كقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]

стр. 419

ومعنى تذليل القطف: تسهيل تناوله. وأهل المدينة يقولون: ذَلِّلِ النخل، أي سَوِّى عذوقه وأخرجها من السَّعف، حتَّى يسهل تناولها. وفي نصب ﴿دَانِيَةٌ (٢٣) ﴾ وجهان (١) : أحدهما: أنَّه على الحال عطفًا على قوله ﴿مُتَّكِئِينَ﴾. والثاني: أنَّه صفة لـ ﴿جَنَّةٍ﴾. وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) ﴾ [الرحمن: ٥٢]، وفي الجنتين الأخريين: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وخصَّ النخل والرُّمَّان من بين الفاكهة بالذِّكْرِ لفضلهما وشرفهما، كما نصَّ على حدائق النخل والأعناب في سورة النبأ، إذ هما من أفضل أنواع الفواكه، وأطيبها وأحلاها. وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا علي بن المديني حدثنا ريحان بن سعيد عن عبَّاد (٢) بن منصور، عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماءَ عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الرَّجلَ إذا نزعَ ثمرةً من الجنَّة عادتْ مكانها أخرى" (٣) .

стр. 420

وقال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: حدثني عُقبة بن مُكرم العمي، حدثنا رِبْعِي بن إبراهيم بن عُليَّة حدثنا عوف، عن قسامة بن زُهَير عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اهبط اللَّهُ آدم من الجنَّة، وعلَّمه صنعةَ كل شيءٍ، وزوَّده من ثمار الجنَّة، فثماركم هذه من ثمار الجنَّة، غير أنَّها تغيَّر، وتلك لا تغيَّر" (١) . وقد تقدَّم: أنَّ سدرة المنتهى نبقها مثل القلال (٢) . وفي "صحيح مسلم" (٣) من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "عُرضت عليَّ الجنَّة حتى لو تناولت منها قطفًا

стр. 421

أخذته". وفي لفظ: "فتناولت منها قطفًا فقصرت عنه يدي" (١) . وقال أبو خيثمة: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا ابن عقيل، عن جابر ﵁ قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول اللَّه ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلمَّا قضى الصلاة قال له أُبي بن كعب: يا رسول اللَّه، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا، ما كنت تصنعه؟ قال: "إنه عرضت عليَّ الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفًا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه" (٢) .

стр. 422

وقال ابن المبارك: أنبأنا سفيان، عن حماد، عن (١) سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ثمرُ الجنَّة أمثال القلال والدلاء، أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألينُ من الزُّبْدِ، ليس فيه عَجَم" (٢) . وقال سعيد بن منصور: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁ قال: "إنَّ أهل الجنَّة يأكلون من ثمار الجنَّة قيامًا وقعودًا، ومضطجعين على أيِّ حالٍ شاؤوا" (٣) . وقال البزار في "مسنده": حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي حدثنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى قال: حدثني كريب أنَّه سمع أُسامة بن زيد ﵄ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألَا مُشمرٌ للجنَّة، فإنَّ الجنَّة لا خطر لها، هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطردٌ، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناءُ جميلة، وحلَلٌ كثيرة في مقام أبدٍ، في دارٍ سليمة، وفاكهة وخضرةٍ، وحِبَرةٍ ونعمةٍ في محلَّةٍ عاليةٍ بهيَّة، قالوا: نعم

стр. 423

يا رسول اللَّه، نحن المشمرون لها: قال: قولوا: إنْ شاء اللَّهُ، قال: القوم: إنْ شاء اللَّه" (١) . قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمُ من رواهُ عن النَّبي ﷺ إلَّا أسامة، ولا نعلم له طريقًا عن أسامة إلَّا هذا الطريق، ولا نعلم رواهُ عن الضحاك المعافري إلَّا هذا الرجل محمد بن مهاجر". وفي حديث لَقِيْط بن صَبِرَة (٢) الَّذي رواه عبد اللَّه بن أحمد في "مسند أبيه" وغيره: قلتُ: يا رسول اللَّهِ على ما نطَّلع من (٣) الجنَّة؟ قال: على أنهار من عسلٍ مصفَّى، وأنهار من كأس ما بها صُدَاع، ولا نَدامة، وأنهار من لبنٍ لم يتغير طعمه، وماءٍ (٤) غير آسن، وبفاكهة، لعَمْر إلهك ممَّا تعلمون، وخير من (٥) مثله معه" (٦) . وأمَّا الرَّيْحَانة: فهو كل نبت طيِّب الرَّائحة. قال الحسن وأبو العالية: "هو ريحاننا هذا، يؤتى بِغُصْنٍ من (٧) ريحان الجنَّة فنشمُّه" (٨) .

стр. 424

الباب السادس والأربعون في زرع الجنَّة قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ (١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ كان يومًا يحدث -وعنده رجلٌ من أهل البادية-: "أنَّ رجلًا من أهل الجنَّة استأذنَ ربَّهُ في الزرع فقال له: أولستَ فيما اشتهيت؟ فقال: بلى، ولكن (٢) أحبُّ أنْ أزرع، فأسرع وبذرَ فبادر الطَّرْف نباته واستواؤُهُ واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول اللَّهُ : دونك يا ابنَ آدم، فإنَّه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابي: يا رسول اللَّه لا نجدُ هذا إلَّا قُرَشيًّا أو أنصاريًّا، فإنَّهم أصحاب زرعٍ، فأمَّا نحنُ فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول اللَّه ﷺ " (٣). رواهُ البخاري في كتاب التوحيد في باب كلام الربِّ تعالى مع أهل الجنَّة، وخرَّجه في غيره أيضًا (٤).

стр. 425

وهذا يدلُّ على أنَّ في الجنَّة زرعًا، وذلك البَذْرُ منه، وهذا أحسنُ أنْ تكون الأرض معمورةً بالشَّجر والزرع. فإنْ قيل: فكيف استأذن هذا الرجل ربَّه في الزرع، فأخبره أنَّه (١) في غنْيةٍ عنه؟ قيل: لعلَّه استأذن في زرع يباشره ويبذره بيده، وقد كان في غُنيةٍ عن ذلك وقد كُفِي مؤونته، ولا أعلم ذكر الزرع في الجنَّة إلَّا في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم. وروى إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: بينما رجل في الجنَّة، فقال في نفسه: لو أنَّ اللَّهَ يأذن لي لزرعتُ، فلا يعلمُ إلَّا والملائكة على أبوابه فيقولون: سلامٌ عليك، يقول لك ربُّك: تَمَنَّيْتَ في نفسك شيئًا فقد علمته، وقد بُعِثَ معنا البذرُ، فيقول: ابذروا فيخرج أمثال (٢) الجبال، فيقول له الربُّ من فوق عرشه: كلْ يا ابنَ آدمَ فإنَّ ابن آدم لا يشبع" (٣) . واللَّهُ أعلم.
следующие страницы →