← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أخذته". وفي لفظ: "فتناولت منها قطفًا فقصرت عنه يدي" (١) . وقال أبو خيثمة: حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا ابن عقيل، عن جابر ﵁ قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول اللَّه ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلمَّا قضى الصلاة قال له أُبي بن كعب: يا رسول اللَّه، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا، ما كنت تصنعه؟ قال: "إنه عرضت عليَّ الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفًا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه" (٢) .

стр. 422

وقال ابن المبارك: أنبأنا سفيان، عن حماد، عن (١) سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ثمرُ الجنَّة أمثال القلال والدلاء، أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وألينُ من الزُّبْدِ، ليس فيه عَجَم" (٢) . وقال سعيد بن منصور: حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁ قال: "إنَّ أهل الجنَّة يأكلون من ثمار الجنَّة قيامًا وقعودًا، ومضطجعين على أيِّ حالٍ شاؤوا" (٣) . وقال البزار في "مسنده": حدثنا أحمد بن الفرج الحمصي حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي حدثنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى قال: حدثني كريب أنَّه سمع أُسامة بن زيد ﵄ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألَا مُشمرٌ للجنَّة، فإنَّ الجنَّة لا خطر لها، هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مطردٌ، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناءُ جميلة، وحلَلٌ كثيرة في مقام أبدٍ، في دارٍ سليمة، وفاكهة وخضرةٍ، وحِبَرةٍ ونعمةٍ في محلَّةٍ عاليةٍ بهيَّة، قالوا: نعم

стр. 423

يا رسول اللَّه، نحن المشمرون لها: قال: قولوا: إنْ شاء اللَّهُ، قال: القوم: إنْ شاء اللَّه" (١) . قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمُ من رواهُ عن النَّبي ﷺ إلَّا أسامة، ولا نعلم له طريقًا عن أسامة إلَّا هذا الطريق، ولا نعلم رواهُ عن الضحاك المعافري إلَّا هذا الرجل محمد بن مهاجر". وفي حديث لَقِيْط بن صَبِرَة (٢) الَّذي رواه عبد اللَّه بن أحمد في "مسند أبيه" وغيره: قلتُ: يا رسول اللَّهِ على ما نطَّلع من (٣) الجنَّة؟ قال: على أنهار من عسلٍ مصفَّى، وأنهار من كأس ما بها صُدَاع، ولا نَدامة، وأنهار من لبنٍ لم يتغير طعمه، وماءٍ (٤) غير آسن، وبفاكهة، لعَمْر إلهك ممَّا تعلمون، وخير من (٥) مثله معه" (٦) . وأمَّا الرَّيْحَانة: فهو كل نبت طيِّب الرَّائحة. قال الحسن وأبو العالية: "هو ريحاننا هذا، يؤتى بِغُصْنٍ من (٧) ريحان الجنَّة فنشمُّه" (٨) .

стр. 424

الباب السادس والأربعون في زرع الجنَّة قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ (١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ كان يومًا يحدث -وعنده رجلٌ من أهل البادية-: "أنَّ رجلًا من أهل الجنَّة استأذنَ ربَّهُ في الزرع فقال له: أولستَ فيما اشتهيت؟ فقال: بلى، ولكن (٢) أحبُّ أنْ أزرع، فأسرع وبذرَ فبادر الطَّرْف نباته واستواؤُهُ واستحصاده وتكويره أمثال الجبال فيقول اللَّهُ : دونك يا ابنَ آدم، فإنَّه لا يشبعك شيءٌ، فقال الأعرابي: يا رسول اللَّه لا نجدُ هذا إلَّا قُرَشيًّا أو أنصاريًّا، فإنَّهم أصحاب زرعٍ، فأمَّا نحنُ فلسنا بأصحاب زرع فضحك رسول اللَّه ﷺ " (٣). رواهُ البخاري في كتاب التوحيد في باب كلام الربِّ تعالى مع أهل الجنَّة، وخرَّجه في غيره أيضًا (٤).

стр. 425

وهذا يدلُّ على أنَّ في الجنَّة زرعًا، وذلك البَذْرُ منه، وهذا أحسنُ أنْ تكون الأرض معمورةً بالشَّجر والزرع. فإنْ قيل: فكيف استأذن هذا الرجل ربَّه في الزرع، فأخبره أنَّه (١) في غنْيةٍ عنه؟ قيل: لعلَّه استأذن في زرع يباشره ويبذره بيده، وقد كان في غُنيةٍ عن ذلك وقد كُفِي مؤونته، ولا أعلم ذكر الزرع في الجنَّة إلَّا في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم. وروى إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: بينما رجل في الجنَّة، فقال في نفسه: لو أنَّ اللَّهَ يأذن لي لزرعتُ، فلا يعلمُ إلَّا والملائكة على أبوابه فيقولون: سلامٌ عليك، يقول لك ربُّك: تَمَنَّيْتَ في نفسك شيئًا فقد علمته، وقد بُعِثَ معنا البذرُ، فيقول: ابذروا فيخرج أمثال (٢) الجبال، فيقول له الربُّ من فوق عرشه: كلْ يا ابنَ آدمَ فإنَّ ابن آدم لا يشبع" (٣) . واللَّهُ أعلم.

стр. 426

الباب السابع والأربعون في ذكر أنهار الجنَّة وعيونها وأصنافها ومجراها الَّذي تجري عليه وقد تكرَّر في القرآن في عدَّة مواضع قوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وفي موضع: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ [التوبة: ١٠٠]، وفي موضع: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [يونس: ٩]. وهذا يدلُّ على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقة. الثاني: أنَّها جارية لا واقفة. الثالث: أنَّها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم، كما هو المعهود في أنهار الدنيا. وقد ظنَّ بعض المفسرين أنَّ معنى ذلك جريانها بأمرهم، وتصريفهم لها كيف شاؤوا، وكأنَّ الَّذي حملهم على ذلك أنَّه لمَّا سمعوا أنَّ أنهارها تجري في غير أخدودٍ، فهي جارية على وجه الأرض حملوا قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ على أنَّها تجري بأمرهم، إذْ لا يكون فوق المكان تحته. وهؤلاء أُتُوا من ضعف الفَهم، فإنَّ أنهار الجنَّة وإنْ جَرَتْ في غير أخدود؛ فهي تحت القصور والمنازل والغرف، وتحت الأشجار، وهو لم يقل: من تحتِ أرضها، وقد أخبر سبحانه عن

стр. 427

جريان الأنهار تحت النَّاس في الدنيا، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦]، فهذا على المعهود المتعارف، وكذلك ما حكاهُ من قولِ فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) ﴾ [الرحمن: ٦٦]. قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يمان عن أشعث عن جعفر عن (١) سعيد قال: "نضَّاختان بالماءِ والفواكه" (٢) . وحدثنا ابن يَمَان عن أبي إسحاق عن أبان عن أنس ﵁ قال: "نضَّاختان: بالمسكِ والعنبر، تنضخان على دُوْرِ أهل الجنَّة، كما ينضخ المطر على دور أهل الدنيا" (٣) .

стр. 428

وحدثنا عبد اللَّه بن إدريس عن أبيه عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: "اللتان تجريان أفضل من النَّضَّاختين" (١) . وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة، ونفى عن كلِّ واحدٍ منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أنْ يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة، وأنْ يصير قارصًا، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذَّة شربها، وآفة العسلِ عدم تصفيته. وهذا من آيات الرب تعالى أنْ يُجري أنهارًا من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويُجْرِيْها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللَّذة بها، كما نفى عن خمر الجنَّة جميع آفات خمر الدنيا، من الصداع والغَوْلِ والَّلغوِ والإنزافِ وعدم الَّلذة.

стр. 429

فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل، وتكثر الَّلغو على شربها؛ بل لا يطيب لشرابها ذلك إلَّا بالَّلغو، وتنزف في نفسها، وتنزف المال، وتصدِّع الرَّأس، وهي كريهة المذاق. وهي رجس من عمل الشيطان، توقع العداوة والبغضاءِ بين النَّاسِ، وتصُد عن ذكر اللَّهِ وعن الصلاة، وتدعو إلى الزِّنا، وربما دعتْ إلى الوقوع على البنت والأُخت وذوات المحارم، وتُذْهِب الغَيْرة، وتورث الخِزْي والنَّدامة والفضيحة، وتُلْحِق شاربها بأنقص نوع الإنسان: وهم المجانين، وتسلبه أحسن الأسماءِ والسماتِ، وتكسوهُ أقبح الأسماء والصفاتِ، وتسهِّل قتل النَّفس، وإفشاء السرِّ الَّذي في إفشائه مضرَّته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المالِ، الَّذي جعله اللَّهُ قيامًا له، ولمن (١) تلزمه مؤنته، وتهتك الأستار، وتظهر الأسرار، وتدلُّ على العورات، وتهوِّن ارتكاب القبائح والمآثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومُدْمِنها كعابدِ وثنٍ، وكم أهاجت من حرْبٍ، وأفقرتْ من غنيٍّ، وأذلَّتْ من عزيز، ووضعتْ من شريفِ، وسلبتْ من نعمة، وجلبتْ من نقمة، ونسختْ مودَّة، ونسجتْ عداوة، وكم فرَّقتْ بين رجلٍ وحِبِّهِ فذهبت بقلبه، وراحت بلُبِّهِ، وكم أورثتْ من حسرةٍ وأجرتْ من عَبْرة، وكم أغلقتْ في وجه شَاربها بابًا من الخير، وفتحت له بابًا من الشرِّ، وكم أوقعت في بليَّه، وعجَّلت من منية، وكم أورثت من خزية، وجرَّت على صاحبها (٢) من محنة، وجرأت عليه من سَفَلةٍ، فهي جماع

стр. 430

الإثم، ومفتاح الشرِّ، وسلَّابة النِّعم، وجالبة النقم، ولو لم يكن من قبائحها (١) إلَّا أنَّها لا تجتمع هي وخمرة الجنَّة في جوف عبدٍ، كما ثبت عنه (٢) ﷺ أنَّه قال: "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (٣) . وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وكلها منتفية عن خمر الجنَّة. فإنْ قيل: فقد وصفَ سبحانه الأنهارَ بأنَّها جارية، ومعلوم أنَّ الماء الجاري لا يأسن، فما فائدة قوله: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]؟ قيل: الماء الجاري وإنْ كان لا يأسَن، فإنَّه إذا أُخِذَ منه شيء وطال مكثه أسن، وماء الجنَّة لا يَعْرض له ذلك، ولو طال مكثه ما طال. وتأمَّل اجتماع هذه الأنهار الأربعة، التي هي أفضل أشربة النَّاس، فهذا لريِّهم وطهورهم، وهذا لقوَّتهم وغذائهم، وهذا للذَّتهم وسرورهم، وهذا لشفائهم ومنفعتهم.

стр. 431

فصل (١) وأنهار الجنَّة تتفجَّر من أعلاها، ثمَّ تنحدر نازلةً إلى أقصى درجاتها، كما روى البخاري في "صحيحه" (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ في الجنَّة مئة درجة أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين في سبيله بين كلِّ درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم اللَّهُ فاسألوهُ الفردوس، فإنَّه وسطُ الجنَّة، وأعلى الجنَّة، وفوقه عرشُ الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنَّة". وروى الترمذي نحوه من حديث معاذ بن جبل وعُبادة بن الصامت، ولفظ حديث عُبَادة: "الجنَّة مئةُ درجةٍ ما بين كلِّ درجتين مسيرة مئة عام، والفردوس أعلاها درجة، ومنها الأنهارُ الأربعة، والعرشُ فوقها، فإذا سألتم اللَّه فاسألوهُ الفردوسَ الأعلى" (٣). وفي "معجم الطبراني" (٤) من حديث الحسن عن سمرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "الفردوس ربوةُ الجنَّة، وأعلاها وأوسطها، ومنها تفجرُ أنهار الجنَّة" (٥).

стр. 432

وفي "صحيح البخاري" (١) من حديث شعبة عن قتادة قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "رفعت لي (٢) سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثلُ قلال هَجَر، وورقها مثل آذانِ الفيلة، ويخرج من أصلها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلتُ: يا جبريل، ما هذا؟ قال: أما النهران الباطنان ففي الجنَّة، وأمَّا النهرانِ الظاهران، فالنيل والفرات".

стр. 433

وفي "صحيحه" (١) أيضًا من حديث همام عن قتادة عن أنس أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "بينا أنا أسيرُ في الجنَّة، إذا أنا بنهرٍ حافتاهُ قبَابُ اللؤلؤِ المجوَّفِ، فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكوثر الَّذي أَعطاك ربُّك، قال: فضرب الملك بيده، فإذا طينه أذفر (٢) ". وفي "صحيح مسلم" (٣) من حديث المختار بن فلفل عن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "الكوثرُ نهرٌ في الجنَّة وَعَدَنِيْه ربي " (٤) . وقال محمد بن عبد اللَّه الأنصاري: حدثنا حُميد الطَّوِيْل عن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "دخلت الجنَّة فإذا بنهر يجري حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربتُ بيدي إلى ما يجري فيه من الماءِ، فإذا أنا بمسكٍ أذفر، فقلتُ: لمن هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثرُ الَّذي أعطاكه اللَّهُ ". وقال الترمذي: حدثنا هَنَّادٌ حدثنا محمد بن فُضَيْل عن عطاء بن

стр. 434

السائب عن محارب بن دِثار عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الكوثر نهرٌ في الجنَّة حافتاهُ من ذهب، ومجراهُ على الدر والياقوتِ، تربته أطيبُ من المسك، وماؤه أحلى من العسلِ، وأبيضُ من الثلج" (١) . قال: "هذا حديثٌ حسن صحيح". وقال أبو نعيم الفضل: حدثنا أبو جعفر -هو الرَّازي- حدثنا ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] قال: "الخير الكثير" (٢) . وقال أنس بن مالك: "نهرٌ في الجنَّة" (٣) .

стр. 435

وقالت عائشة ﵂: "هو نهرٌ في الجنَّة ليس أحدٌ يدخل إصبعيه في أذنيه إلَّا سمع خرير ذلك النهر" (١) . وهذا معناهُ -واللَّهُ أعلم- أنَّ خرير ذلك النَّهر يشبه الخرير الَّذي يسمعه حين يدخل أصبعيه في أذنيه. وفي "جامع الترمذي" من حديث الجُرَيري عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة بحرَ الماءِ، وبحر العسلِ،

стр. 436

وبحرَ اللبن، وبحر الخمر، ثمَّ تشقق الأنهار بعدُ" (١) . قال: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكمُ: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن قرَّة عن عبد اللَّه بن ضمرة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "من سرَّهُ أنْ يسقيه اللَّهُ من الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا، ومن سرَّهُ أنْ يكسوهُ اللَّه الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا، أنهار الجنَّة تَفَجَّرُ من تحت تِلَالِ، أو تحت جبال المسكِ، ولو كان أدنى أهل الجنَّة حليةً عدلتْ بحلية أهل الدنيا جميعًا؛ لكان ما يحليه اللَّه به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعًا" (٢) .

стр. 437

وذكر الأعمش عن عبد اللَّه بن مرة عن مسروق عن عبد اللَّهِ قال: "إنَّ أنهار الجنَّة تُفجرُ من جبل مسكٍ" (١) . وهذا موقوفٌ صحيح.

стр. 438

وذكر ابن مردويه في "مسنده" (١) : حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن النعمان حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحارث بن عبيد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد اللَّه بن قيس، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "هذه الأنهار تَشْخُبُ من جنَّة عدنٍ في جَوْبَةِ، ثمَّ تصدَّعُ بعدُ أنهارًا" (٢) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيد (٣) حدثنا يزيد بن

стр. 439

هارون حدثنا الجريري عن معاوية بن قُرَّة عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أظنُّكُم تظنون أنَّ أنهار الجنَّة أخدود في الأرض؟ لا واللَّه، إنَّها لسائحة على وجه الأرض، إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت، وطينه المسك الأذفر، قال قلتُ: ما الأذفر؟ قال: الَّذي لا خلط له" (١) . ورواهُ ابن مردويه في "تفسيره" عن محمد بن أحمد حدثنا محمد ابن أحمد (٢) بن أبي يحيى (٣) حدثنا مهدي بن حكيم حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الجُريري عن معاوية بن قُرَّة عن أنس بن مالك قال: قال

стр. 440

رسول اللَّه ﷺ ، فذكرهُ هكذا، رواهُ مرفوعًا. وقال أبو خيثمة: حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنَّه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] فقال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "أعطيت الكوثر فإذا هو يجري، ولم يُشقَّ شقًّا، وإذا حافتاهُ قبابُ اللؤلؤ، فضربتُ بيدي إلى تربته، فإذا مسكٌ أذفر، وإذا حصباؤه اللؤلؤ" (١) . وذكر سفيان الثوري، عن عمرو بن مُرَّة عن أبي عبيدة عن مسروق في قوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) ﴾ [الواقعة: ٣١] قال: "أنهار تجري في غير أخدود" قال: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) ﴾ [الشعراء: ١٤٨] قال: "من أصلها إلى فرعها، أو كلمة نحوها" (٢) .

стр. 441

وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "سيحان وجيحان والفراتُ والنيل: كلٌّ من أنهار الجنَّة". وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي: حدثنا سعيد بن سابق حدثنا مسلمة (٢) بن علي، عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النَّبي ﷺ قال: "أنزلَ اللَّهُ من الجنَّة خمسة أنهارٍ: سيحون: وهو نهرُ الهندِ، وجيحون: وهو نهرُ بلْخٍ، ودجلة والفراتَ: وهما نهرا العراقِ، والنيل: وهو نهرُ مصرَ، أنزلها اللَّهُ من عينِ واحدةٍ من عيون الجنَّة من أسفل درجةٍ من درجاتها على جناحي جبريل ﵇، فاستودعها الجبالَ، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للنَّاس في أصناف معايشهم، فذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] (٣) ، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أُرسل جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم كله، والحجرَ الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة فرفع ذلك كله إلى السماء، فذلك قوله

стр. 442

تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) ﴾ [المؤمنون: ١٨]، فإذا رُفِعت هذه الأشياء من الأرضِ، فقد حُرِم أهلها خير الدنيا والآخرة" (١) . رواه أبو أحمد ابن عدي في ترجمة: مسلمة هذا مع أحاديث غيره، وقال: "عامة أحاديثه (٢) غير محفوظة، وبالجملة فهو من الضعفاء". قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: "لا يُشْتَغَلُ به" (٣) . وقال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا سعيد بن أبي (٤) أيوب عن عُقَيل بن خالد عن الزهري أنَّ ابن عباس ﵄ قال: "إنَّ في الجنَّة نهرًا يُقال له: البَيْذَخُ، عليه قِبَابٌ من ياقوتٍ تحته جوارٍ، يقول أهل الجنَّة: انطلقوا بنا إلى البَيْذَخ، فيتصفَّحون تلك الجواري، فإذا أعجب رجلًا منهم جاريةٌ مسَّ مِعصَمها فتتبعه" (٥) .

стр. 443

فصل وأمَّا العيون: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾ [الذاريات: ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ [الإنسان: ٥ - ٦]. قال بعض السلف: "معهم قضبان الذهب، حيثما مالوا مالت معهم" (١). وقد اختلف في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان: ٦]: - فقال الكوفيون: الباء بمعنى مِنْ. أي يشرب منها (٢). - وقال آخرون: بل الفعل مُضَمَّن (٣). ومعنى يشرب بها: أي يروى بها، فلمَّا ضمَّنه معناه عدَّاه تعديته، وهذا أصح وألطف وأبلغ. - وقالت طائفة: الباء للظَّرفية، والعين اسم للمكان (٤)، كما تقول: كنا بمكان كذا وكذا. ونظير هذا التَّضمين قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] ضُمِّنَ معنى يَهُمُّ (٥) فَعُدِّيَ تَعْدِيته.

стр. 444

وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) ﴾ [الإنسان: ١٧، ١٨]، فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صِرْفًا؛ أنَّ شراب الأبرار يمزج منها؛ لأنَّ أولئك أخلصوا الأَعمال كلها للَّه، فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا، فمزج شرابهم. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٨]. فأخبر سبحانه عن مزاج شرابهم بشيئين؟ بالكافور في أوَّل السُّورة، والزنجبيل في آخرها، فإنَّ في الكافور من البرد وطيب الرَّائحة، وفي الزنجبيل من الحرارة وطيب الرَّائحة، وما يحدث لهم باجتماع الشَّرابين -ومجيء أحدهما على إثر الآخر- حالةً أخرى أكمل وأطيب وألذ من كلٍّ منهما بانفراده، وتعتدل (١) كيفية كل منهما بكيفية الآخر، وما ألطف موقع ذكر الكافور في أوَّل السورة، والزنجبيل [١٠٨/ ب] في آخرها، فإنَّ شرابهم مُزِج أوَّلًا بالكافور، وفيه من البرد ما يجيء الزنجبيل بعده فيعدله. والظَّاهرُ أنَّ الكأس الثانية (٢) غير الأولى، وأنَّهما نوعان لذيذان من الشراب، أحدهما: مُزِجَ بكافور، والثاني: مُزِجَ بزنجبيل.

стр. 445

وأيضًا؛ فإنَّه سبحانه أخبر عن مَزْجِ شرابهم بالكافور وبَرْدِهِ في مقابلة ما وصفهم به من حرارة الخوف، والإيثار، والصبر، والوفاءِ بجميع الواجبات التي نبَّهَ بوفائهم بأضعفها، وهو ما أوجبوه على أنفسهم بالنَّذْرِ على الوفاءِ بأعلاها، وهو ما أوجبه اللَّهُ عليهم، ولهذا قال: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ﴾ [الإنسان: ١٢]، فإنَّ في الصَّبر من الخشونة وحبس النَّفس عن شهواتها؛ ما اقتضى أنْ يكون في جزائهم من سعة الجنَّة، ونعومة الحريرِ ما يقابل ذلك الحبس والخشونة، وجمع لهم بين النضرة والسرور، هذا جمال ظواهرهم، وهذا جمال بواطنهم، كَمَا جمَّلُوا في الدنيا ظواهرهم بشرائع الإسلام، وبواطنهم بحقائق الإيمان. ونظيره قوله تعالى في آخر السورة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، فهذه زينة الظاهر، ثمَّ قال: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) ﴾ [الإنسان: ٢١]. فهذه زينة الباطن المُطَهِّر له (١) من كلِّ أذى ونقص. ونظيرهُ قوله تعالى لأبيهم آدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) ﴾ [طه: ١١٨, ١١٩]. فضَمِنَ لهُ أنْ لا يصيبه ذل الباطن بالجوع، ولا ذلُّ الظاهر بالعُريِّ، وأنْ لا يناله حرّ الباطن بالظمأ، ولا حرُّ الظاهر بالضحى. ونظيرُ هذا ما عدَّدهُ على عباده من نعمه أنَّه أنزل عليهم لباسًا يواري

стр. 446

سوآتهم، ويزين ظواهرهم، ولباسًا آخر يزين بواطنهم وقلوبهم، وهو لباس التقوى، وأخبر أنَّه خير اللباسين (١) . وقريبٌ من هذا إخباره أنَّه زيَّنَ السَّماءَ الدنيا بزينة الكواكب، وحفظها من كلِّ شيطانٍ ماردٍ، فزيَّن ظاهرها بالنُّجوم، وباطنها بالحراسة (٢) . وقريبٌ منه أمره من أراد الحج بالزَّاد الظَّاهر، ثمَّ أخبر أنَّ خير الزَّادِ الزادُ الباطن، وهو التقوى (٣) . وقريبٌ منه قول امرأة العزيز عن يوسف: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، فأرتهنَّ حُسْنَهُ وجماله، ثمَّ قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]. فأخبرتهنَّ بجمال باطنه، وزينته بالعِفَّةِ. وهذا كثيرٌ في القرآن لمن تأمله.

стр. 447

الباب الثامن والأربعون في ذكر طعام أهل الجنَّة، وشرابهم ومصرفه قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣]، وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾ [الزخرف: ٧٢ - ٧٣]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ [الطور: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٥ - ٢٦]. وفي "صحيح مسلم" (١) من حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "يأكل أهل الجنَّة ويشربون، ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، طعامهم ذلك جُشاءٌ كريحِ المسكِ، يُلْهَمُون التسبيح والتكبير كما تُلهمون النَّفَسَ". ورواهُ أيضًا من رواية طلحة بن نافع، عن جابر وفيه: قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جُشاءٌ ورشحٌ كرشح المسك، يُلْهَمون التسبيح

стр. 448

والحمد" (١) . وفي "المسند" و"سنن النسائي" بإسناد صحيح على شرط الصحيح من حديث الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم قال: "جاء رجلٌ من أهل الكتاب إلى النَّبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: "نعم، والذي نفس محمد بيده، إن أحدهم ليُعْطَى قوة مئة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة"، قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال: "تكون حاجة أحدهم رشحًا يفيض من جلودهم كرشح المسك فَيضْمُر بطنه" (٢) . ورواه الحاكم في "صحيحه" (٣) ولفظه: "أتى النَّبي ﷺ رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ -ويقول لأصحابه: إن أقرَّ لي بهذا خصمته- فقال رسول اللَّه ﷺ : "بلى والذي نفس محمدٍ بيده، إن أحدهم ليُعْطَى قوة

стр. 449

رجل في المَطْعم والمَشْرب والشهوة والجماع"، فقال له اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "حاجتهم عَرَق يفيض من جلودهم مثل المسك، فإذا البطن قد ضمر". وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه، فَيَخِرّ بين يديك مشويًّا" (١) . وقد تقدم حديث أنس في قصة عبد اللَّه بن سلام في أول طعام يأكله أهل الجنة، وشرابهم على أثره (٢) .

стр. 450

وحديث أبي سعيد الخدري: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفَّؤها الجبار بيده نُزُلًا لأهل الجنة" (١) . وقال الحاكم: أنبأنا الأصم، حدثنا إبراهيم بن منقذ، حدثنا إدريس ابن يحيى، حدثني الفضل بن المختار، عن عبيد اللَّه بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجنة طيرًا أمثال البخاتي، فقال أبو بكر: إنها لناعمة يا رسول اللَّه، قال: أنعم منها من يأكلها، وأنت ممن يأكلها يا أبا بكر" (٢) . قال الحاكم: وأنبانا الأصم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، أنبأنا سعيد، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) ﴾ [الواقعة: ٢١] قال: ذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول اللَّه، إني لأرى طير الجنة ناعمة كما أهلها ناعمون، قال: "من يأكلها أنعم منها، وإنها أمثال البخاتي، وإني لأحتسب على اللَّه أن تأكل منها يا أبا بكر" (٣) .

стр. 451

وبهذا الإسناد عن قتادة، عن أبي أيوب رجلٌ من أهل البصرة، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ في قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، قال: "يطاف عليهم بسبعين صحفة من ذَهَبٍ، كلُّ صفحةٍ فيها لون ليس في الأُخرى" (١) . وقال الدراوردي: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه (٢) عبد اللَّه ابن مسلم أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول في الكوثر: قال رسول اللَّه ﷺ : "هو نهرٌ أعطانيه ربي أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزُرِ"، فقال عمر بن الخطاب: إنها يا رسول اللَّه لناعمة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "آكِلُها أنعم منها" (٣) .

стр. 452

تابعه إبراهيم بن سعد عن ابن أخي ابن شهاب، وقال: فقال "أبو بكر" بدل "عمر". وقال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) ﴾ [الواقعة: ١٨]، يقول: "الخمر"، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] يقول (١) : "ليس فيها صداع"، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] يقول: "لا تذهب عقولهم"، وقوله تعالى:

стр. 453

﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) ﴾ [النبأ: ٣٤]، يقول: "ممتلئة"، وقوله: ﴿رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] يقول: "الخمر ختم بالمسك" (١) . وقال علقمة، عن ابن مسعود: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]. قال: "خلطه، وليس بخاتم يختم" (٢) .

стр. 454

قلت: يريد -واللَّه أعلم- أن آخره مسك يخالطه فهو من الخاتمة، ليس من الخاتم. وقال زيد بن معاوية: سألت علقمة عن قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] فقرأ ﴿خاتمه مسك﴾، فقال لي علقمة: "ليست خاتمه، ولكن اقرأها ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ قال علقمة: ختامه: خلطه، ألم تر إلى (١) المرأة من نسائكم تقول للطيب: إنَّ خَلْطهُ من مسك، لكذا وكذا" (٢) . وذكر سعيد بن منصور (٣) : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق: "الرحيق: الخمر، والمختوم: يجدون

стр. 455

عاقبتها طعم المسك". وبهذا الإسناد عن مسروق، عن عبد اللَّه في قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) ﴾ [المطففين: ٢٧] قال: "يمزج لأصحاب اليمين، ويشربُها المقربون صرفًا" (١) . وكذلك قال ابن عباس: "يشرب منها المقربون صرفًا، ويمزج لمن دونهم" (٢) . وقال مجاهدٌ: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] يقول: "طينه مسك" (٣) . وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير. ولفظ الآية أوضح منه، وكأنه -

стр. 456

واللَّه أعلم- يريد ما يبقى في أسفل الإناء من الدُّرْدِيِّ (١) . وذكر الحاكم: من حديث آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن ابن سابط، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، قال: "هو شرابٌ أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، لو أنَّ رجلًا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها؛ لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها" (٢) . قال آدم: وحدثنا أبو شيبة، عن عطاء قال: "التَّسْنِيم: اسم العين التي يمزج به الخمر" (٣) . وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]

стр. 457

قال: "هي المتتابعة الممتلئة"، قال: ورُبَّما سمعت العباس يقول: اسقنا وادْهَق لنا" (١) . وقد تقدَّم الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦] وعلى قوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) ﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨] (٢) . فقالت فرقة: "سلسبيلًا" جملة مركبة من فعل وفاعل، و"سبيلًا" منصوب على المفعول، أي سل سبيلًا إليها (٣) . وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة، وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها، وقد شفى (٤) قتادة ومجاهد في اشتقاق اللفظة،

стр. 458

فقال قتادة: "سَلِسَة لهم يصرفونها حيث شاؤوا" (١) . وهذا من الاشتقاق الأكبر (٢) . وقال مجاهد: "سَلِسَةُ السبيل حديدة الجرية" (٣) ، وقال أبو العالية والمقاتلان (٤) : "تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم". وهذا من سلاستها وحِدَّة جريتها. وقال آخرون: معناها طيبة الطعم والمذاق (٥) . وقال أبو إسحاق: "سلسبيل: صفة لِمَا كان في غاية السلاسة،

стр. 459

فسميت العين بذلك. وقال ابن الأنباري: "الصواب في سلسبيل: أنه صفة للماء، وليس باسم للعين". واحتج على ذلك بحجتين: إحداهما: بأنَّ سلسبيلَ مصْرُوف، ولو كان اسمًا للعين لم يُصْرَف للتأنيث والعلمية. الثانية: أن ابن عباس قال: معناه "أنها تنسل في حلوقهم انسلالًا" (١) . قلت: ولا حجة له في واحدة منهما، أما الصرف: فلاقْتِضَاء رؤوس الآي له كنظائره. وأما قول ابن عباس: فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة (٢) . فقد تضمنت هذه النصوص أنَّ لهم فيها الخبز والَّلحم والفاكهةَ والحلوى، وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر، وليس في الدنيا ممَّا في الآخرة إلَّا الأسماء، وأمَّا المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر. فإنْ قيل: فأين يُشْوى اللحم وليس في الجنة نار؟. فقد أجاب عن هذا بعضهم بأنه يُشْوى بـ ﴿كُن﴾.

стр. 460

وأجاب آخرون: بأنَّه يشوى خارج الجنة، ثم يؤتى به إليهم. والصواب: أنه يشوى في الجنة بأسباب قدرها العزيز العليم (١) لإنضاجه وإصلاحه، كما قَدَّرَ هناك أسبابًا لإنضاج الثمر والطعام، على أنَّه لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح ولا تفسد شيئًا. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "مجامرهم الأَلُوَّةُ" (٢) ، و"المجامر": جمعِ مَجْمَر، وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه. و"الألوة": العود المُطرَّى. فأخبر أنهم يتجمرون به، أي: يتبخرون بإحراقه، لتسطع لهم رائحته. وقد أخبر سبحانه أنَّ في الجنَّة ظلالًا، والظلال لا بُدَّ أنْ تفيء ممَّا يقابلها فقال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) ﴾ [يس: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) ﴾ [المرسلات: ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) ﴾ [النساء: ٥٧]. فالأطعمة والحلوى والتَّجمر تستدعي أسبابًا تتم بها، واللَّه سبحانه خالق السَّبب والمُسَبَّب، وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو، وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابًا تُصَرِّف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم، فهذا سبب إخراجه، وذاك سبب إنضاجه، وكذلك يجعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويُلطِّفه، ويهيئه لخروجه رشحًا وجشاءً، وكذلك ما هناك من الثمار
следующие страницы →