← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

واللَّه أعلم- يريد ما يبقى في أسفل الإناء من الدُّرْدِيِّ (١) . وذكر الحاكم: من حديث آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن ابن سابط، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، قال: "هو شرابٌ أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، لو أنَّ رجلًا من أهل الدنيا أدخل يده فيه ثم أخرجها؛ لم يبق ذو روح إلا وجد ريح طيبها" (٢) . قال آدم: وحدثنا أبو شيبة، عن عطاء قال: "التَّسْنِيم: اسم العين التي يمزج به الخمر" (٣) . وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤]

стр. 457

قال: "هي المتتابعة الممتلئة"، قال: ورُبَّما سمعت العباس يقول: اسقنا وادْهَق لنا" (١) . وقد تقدَّم الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٦] وعلى قوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) ﴾ [الإنسان: ١٧ - ١٨] (٢) . فقالت فرقة: "سلسبيلًا" جملة مركبة من فعل وفاعل، و"سبيلًا" منصوب على المفعول، أي سل سبيلًا إليها (٣) . وليس هذا بشيء، وإنما السلسبيل كلمة مفردة، وهي اسم للعين نفسها باعتبار صفتها، وقد شفى (٤) قتادة ومجاهد في اشتقاق اللفظة،

стр. 458

فقال قتادة: "سَلِسَة لهم يصرفونها حيث شاؤوا" (١) . وهذا من الاشتقاق الأكبر (٢) . وقال مجاهد: "سَلِسَةُ السبيل حديدة الجرية" (٣) ، وقال أبو العالية والمقاتلان (٤) : "تسيل عليهم في الطرق، وفي منازلهم". وهذا من سلاستها وحِدَّة جريتها. وقال آخرون: معناها طيبة الطعم والمذاق (٥) . وقال أبو إسحاق: "سلسبيل: صفة لِمَا كان في غاية السلاسة،

стр. 459

فسميت العين بذلك. وقال ابن الأنباري: "الصواب في سلسبيل: أنه صفة للماء، وليس باسم للعين". واحتج على ذلك بحجتين: إحداهما: بأنَّ سلسبيلَ مصْرُوف، ولو كان اسمًا للعين لم يُصْرَف للتأنيث والعلمية. الثانية: أن ابن عباس قال: معناه "أنها تنسل في حلوقهم انسلالًا" (١) . قلت: ولا حجة له في واحدة منهما، أما الصرف: فلاقْتِضَاء رؤوس الآي له كنظائره. وأما قول ابن عباس: فإنما يدل على أن العين سميت بذلك باعتبار صفة السلاسة والسهولة (٢) . فقد تضمنت هذه النصوص أنَّ لهم فيها الخبز والَّلحم والفاكهةَ والحلوى، وأنواع الأشربة من الماء واللبن والخمر، وليس في الدنيا ممَّا في الآخرة إلَّا الأسماء، وأمَّا المسميات فبينها من التفاوت ما لا يعلمه البشر. فإنْ قيل: فأين يُشْوى اللحم وليس في الجنة نار؟. فقد أجاب عن هذا بعضهم بأنه يُشْوى بـ ﴿كُن﴾.

стр. 460

وأجاب آخرون: بأنَّه يشوى خارج الجنة، ثم يؤتى به إليهم. والصواب: أنه يشوى في الجنة بأسباب قدرها العزيز العليم (١) لإنضاجه وإصلاحه، كما قَدَّرَ هناك أسبابًا لإنضاج الثمر والطعام، على أنَّه لا يمتنع أن يكون فيها نار تصلح ولا تفسد شيئًا. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "مجامرهم الأَلُوَّةُ" (٢) ، و"المجامر": جمعِ مَجْمَر، وهو البخور الذي يتبخر بإحراقه. و"الألوة": العود المُطرَّى. فأخبر أنهم يتجمرون به، أي: يتبخرون بإحراقه، لتسطع لهم رائحته. وقد أخبر سبحانه أنَّ في الجنَّة ظلالًا، والظلال لا بُدَّ أنْ تفيء ممَّا يقابلها فقال: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) ﴾ [يس: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) ﴾ [المرسلات: ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) ﴾ [النساء: ٥٧]. فالأطعمة والحلوى والتَّجمر تستدعي أسبابًا تتم بها، واللَّه سبحانه خالق السَّبب والمُسَبَّب، وهو رب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو، وكذلك جعل لهم سبحانه أسبابًا تُصَرِّف الطعام من الجشاء والعرق الذي يفيض من جلودهم، فهذا سبب إخراجه، وذاك سبب إنضاجه، وكذلك يجعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام ويُلطِّفه، ويهيئه لخروجه رشحًا وجشاءً، وكذلك ما هناك من الثمار

стр. 461

والفواكه يخلق لها من الحرارة ما يُنْضِجها، ويجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالًا، فربُّ الدنيا والآخرة واحد، وهو الخالق بالأسباب والحِكَم ما يجعله (١) في الدنيا والآخرة، والأسباب مظهر أفعاله وحكمته؛ ولكنَّها تختلف، ولهذا يقع التعجب من العبد لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب المعهودة المألوفة، وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر، وذلك محض الجهل والظلم؛ وإلَّا فليست قدرته مقصّرة عن أسباب أُخَر؛ وَمُسَبِّبَات ينشئها منها؛ كما لم يقصر في هذا العالم المشهود عن أسبابه ومسبباته، وليس هذا بأهون عليه من ذلك. ولعل النشأة الأولى التي أنشأها الرب فيها بالعيان والمشاهدة = أعجب من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأملها اللبيب. ولعل إخراج هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة، والماء والخشب والنوى (٢) المناسب لها = أعجب عند العقل من إخراجها من بين تربة الجنة ومائها وهوائها. ولعل إخراج هذه الأشربة التي هي غذاء ودواء وشراب ولذَّة من بين فرث ودم، ومن فِيِّ (٣) ذُبَابٍ = أعجب من إجرائها أنهارًا في الجنة بأسباب أُخر.

стр. 462

ولعل أخراج جوهَرَي الذهب والفضة في (١) عروق الحجارة من الجبال وغيرها = أعجب من إنشائها هناك من أسباب أخر. ولعل إخراج الحرير من لعاب دُوْدِ القَزِّ، وبنائها على أنفسها القباب البِيْض والحُمر والصفر أحكم بناء = أعجب من إخراجه من أكمام تتفتَّق عنه شجر هناك، قد أودع فيها، وأنشئ منها. ولعلَّ جريان بحار الماء بين السماء والأرض على ظهور السحاب = أعجب من جريانها في الجنة في غير أخدود. وبالجملة، فتأمل آيات اللَّه التي دعا عباده إلى التفكُّر فيها، وجعلها آياتٍ دالةً على كمال قدرته، وعِلَّةً في مشيئته (٢) وحكمته وملكه، وعلى توحُّده بالربوبية والإلهية، ثم وازن بينها وبين ما أخبر به من أمر الآخرة والجنة والنار = تجد هذه أدلَّ شيءٍ على تلك، شاهدة لها، وتجدهما من مشكاةٍ واحدة، وربٍّ واحد، وخالقٍ واحد (٣) ، وملكٍ واحد، فبُعدًا لقومٍ لا يؤمنون.

стр. 463

الباب التاسع والأربعون في ذكر آنيتهم التي يأكلون فيها ويشربون، وأجناسها وصفاتها قال اللَّهُ تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف: ٧١]، فالصحاف: جمعُ صَحْفَة، قال الكلبي: "بقصاعٍ من ذهبٍ". وقال الليث: "الصحفة: قطعةٌ مُسْلَنْطِحَة عريضة، الجمعُ: صِحَاف، قال الأعشى: والمَكَاكِيْكَ والصِّحَافَ منَ الفِضَّـ ... ـة والضَّامِزَاتِ تحتَ الرِّحَالِ (١) وأمَّا الأكواب فجمع كوبٍ، قال الفرَّاء: "الكوب: المستدير الرَّأس الَّذي لا أُذَنَ له، وأنشد لِعَدِي: مُتكئًا تصفقُ أبوابُه ... يسعى عليه الغيد بالكوب (٢) وقال أبو عبيدة: "الأكواب: الأباريق التي لا خراطيم لها" (٣)، قال أبو إسحاق: "واحدها كوبٌ، وهو إناء مستدير لا عُروة له" (٤). وقال ابن عباس: "هي الأباريق التي ليست لها آذان" (٥). وقال مقاتل: "هي

стр. 464

أواني مستديرة الرَّأس ليس لها عُرًى" (١) . وقال البخاري في "صحيحه" (٢) : الأكواب: الأباريق التي لا خراطيم لها". وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨]. الأباريق: هي الأكواب التي لها خراطيم، فإنْ لم (٣) يكن لها خراطيم ولا عُرًى فهي أكواب. وإبريق: إفعيل من البَرِيق، وهو الصفاء الَّذي يبرق لونه من صفائه، ثمَّ سُمِّيَ ما كان على شكله إبريق؛ وإنْ لم يكن صافيًا، وأباريق الجنَّة من الفضة في صفاء القوارير، يُرَى من ظاهرها ما في باطنها، والعربُ تسمى السيف إبريقًا، لَبريق لونه، ومنه قول ابن أحمر: تعلَّقتَ إبريقًا وعلَّقْتَ جَعْبَة ... لتُهلِكَ حيًّا ذَا زُهَاءً وَجَامل (٤) وفي "نوادر الِّلحياني": "امرأة إبريق إذا كانت برَّاقة" (٥) .

стр. 465

وقال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦]. فالقوارير: هي الزجاج، فأخبر عن مادة تلك الآنية أنَّها من الفضة، وأنَّها بصفاء الزجاج وشفافته، وهذا من أحسن الأشياء وأعجبها، وقطع سبحانه توهُّم كون تلك القوارير من زجاج فقال: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، قال مجاهد وقتادة ومُقاتل والكلبي والشعبي: "قوارير الجنَّة من الفضة" (١) ، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير. قال ابن قتيبة: "كل ما في الجنَّة من الأنهار وسررها وفرشها وأكوابها مخالفٌ لما في الدنيا من صنعة العباد، كما قال ابن عباس: "ليس في الدنيا شيءٌ ممَّا في الجنَّة إلَّا الأسماء" (٢) ، والأكواب في الدنيا، قد تكون من فضة، وتكون من قوارير، فأعلمنا اللَّهُ تعالى أنَّ هناك أكوابًا لها بياض الفضة، وصفاء القوارير، قال: وهذا على التشبيه، أراد قوارير كأنَّها من فضة، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ

стр. 466

الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) ﴾ [الرحمن: ٥٨]، أي لهنَّ ألوان المرجان في صفاء الياقوت" (١) . وهذا مردودٌ عليه، فإنَّ الآية صريحةٌ أنَّها من فضة، و"من" ها هنا لبيان الجنس كما تقول: خاتم من فضة، ولا يراد بذلك أنه يشبه الفضة، بل جنسه ومادته الفضة، ولعله أشكل عليه كونها من فضة وهي قوارير، وهو الزجاج، وليس في ذلك إشكال لما ذكرناه. وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ التقدير: جعل الشيء بقدر مخصوص، فقدرت الصُّناع هذه الآنية على قدر رِيِّهِم (٢) ، لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وهذا أبلغ في لذة الشارب، فلو نقص عن رِيِّهِ لنقص التذاذه، ولو زاد حتى يُسْئر (٣) منه حصل له ملالة وسآمة من الباقي. هذا قول جماعة المفسرين (٤) . قال الفراء: "قدروا الكأس على رِيِّ أحدهم، لا فضل فيه، ولا عجز عن رِيِّه، وهو الذُّ الشراب" (٥) .

стр. 467

وقال الزجاج: "جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه" (١) . وقال أبو عبيد: "يكون التقدير للذين يسقون يقدرونها، ثم يسقون". يعني أن الضمير في "قدروا" للملائكة والخدم، قدروا الكأس على قدر الرِّيِّ، فلا يزيد عليه فَيُثقِل الكف، ولا ينقص منه (٢) فتطلب النفس الزيادة كما تقدم. وقالت طائفة: الضمير يعود على الشاربين، أي قدروا في أنفسهم شيئًا، فجاءهم الأمر (٣) بحسب ما قدروه وأرادوه. وقول الجمهور أحسن وأبلغ، فهو مستلزم لهذا القول. واللَّه أعلم. وأما الكأس، فقال أبو عبيدة: "هو الإناء بما فيه" (٤) . وقال أبو إسحاق: "الكأس: الإناء إذا كان فيه خمر، ويقع الكأس لكلِّ إناءٍ مع شرابه" (٥) . والمفسرون فسَّروا الكأس بالخمر، وهو قول عطاء والكلبي

стр. 468

ومقاتل (١) ، حتى قال الضحاك: "كل كأس في القرآن، فإنما عنى به: الخمر" (٢) . وهذا نظر منهم إلى المعنى والمقصود: فإن المقصود ما في الكأس لا الإناء معه. وأيضًا، فإن من الأسماء ما يكون اسمًا للحال والمحل مجتمعين ومنفردين: كالنهر، والكأس. فإن النهر اسم للماء ولمحله معًا، ولكل منهما على انفراده، وكذلك الكأس، والقرية. ولهذا يجيء لفظ القرية مرادًا (٣) به الساكن فقط، والمسكن فقط، والأمران معًا. وقد أخرجا في "الصحيحين" (٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما: "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". وفيهما أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيٍّ في السماء إضاءةً، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق

стр. 469

رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ﵇ ستون ذراعًا في السماء" (١) . وفي "الصحيحين" (٢) من حديث حذيفة بن اليمان أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها (٣) ، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة". وقال أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا شيبان، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ تعجبه الرؤيا (٤) ، فربما رأى الرجل الرؤيا فيسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أثنى (٥) عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه. فأتته امرأة فقالت: يا رسول اللَّه رأيت كأنِّي أُتيت فأخرجت من المدينة فأُدخلت الجنة، فسمعت وجبة انتحت (٦) لها الجنة، فنظرت فإذا فلان ابن فلان، وفلان ابن فلان، فَسَمَّتْ اثني عشر رجلًا، كان رسول اللَّه ﷺ قد بعث سرية قبل (٧) ذلك، فجيء بهم، عليهم ثياب طُلْس تَشْخَب

стр. 470

أوداجهم، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهرِ البيذخ أو البنذخ (١) فغمسوا فيه فخرجوا، ووجوهم كالقمر ليلة البدرِ، فأتوا بصحفة من ذهبٍ فيها بُسْر، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها من وجه إلَّا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلتُ معهم، فجاء البشير من تلك السرية فقال (٢) : أصيبَ فلانٌ وفلانٌ، حتَّى عدَّ (٣) اثني عشرَ رجلًا، فدعا رسول اللَّهِ ﷺ المرأة، فقال: "قُصِّي رؤياكِ فقصتها، وجعلت تقول: جيء بفلان، وفلان، كما قال" (٤) . رواهُ الإمام أحمد في "مسنده" بنحوه، وإسناده على شرط مسلم.

стр. 471

الباب الخمسون في ذكر لباسهم وحليتهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابِيِّهم قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣٠ - ٣١]. قال جماعةٌ من المفسرين: السندس: ما رقَّ من الديباج، والاستبرق: ما غلظَ منه (١). وقال طائفة: ليس المراد به الغليظ، ولكن المراد به: الصَّفيق. وقال الزجاج: "هما نوعان من الحرير" (٢). وأحسن الألوان الأخضر، وألين الملابس الحرير، فجمع لهم بين

стр. 472

حسن منظر اللباس، والتذاذ العين به، وبين نعومته والتذاذ الجسم به. وقال تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) ﴾ [الحج: ٢٣]. وها هنا مسألة هذا موضع ذكرها، وهي أنَّ اللَّهَ أخبر أنَّ لباس أهل الجنَّة حرير، وصحَّ عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (١) . متفق على صحته، من حديث عمر بن الخطاب وأنس بن مالك ﵄. وقد اخْتُلِفَ في المراد بهذا الحديث: - فقالت طائفة من السلف والخلف: إنَّه لا يلبس الحرير في الجنَّة، ويلبس غيره من الملابس، قالوا: وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) ﴾ فمن العام المخصَّص (٢) . وقال الجمهور: هذا من الوعيد الَّذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أنَّ هذا الفعل مقتضٍ لهذا الحكم، وقد يتخلَّف (٣) عنه لمانع.

стр. 473

وقد دلَّ النص والإجماع على أنَّ التوبة مانعةٌ من لحوق الوعيد، ويمنع من لحوقه أيضًا الحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المسلمين، وشفاعة من أذن اللَّهُ له في الشفاعة فيه، وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه، فهذا الحديث نظير الحديث الآخر "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة" (١) . وقال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ﴾ [الإنسان: ١٢]، وقال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. وتأمَّل ما دلَّت عليه لفظة ﴿عَالِيَهُمْ﴾ من كون اللباس ظاهرًا بارزًا يُجَمِّل ظواهرهم، ليس بمنزلة الشعار الباطن، بل الَّذي يلبس فوق الثياب للزينة والجمال. وقد اختلف القُرَّاء السبعة في نصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ ورفعه على قراءتين. واختلف النحاة في وجه نَصْبِهِ، هل هو على الظرف، أو على الحال = على قولين. واختلف المفسرون (٢) : هل ذلك للولدان الَّذين يطوفون عليهم، فيطوفون وعليهم ثياب السندس والإستبرق، أو السادات الذين يطوف عليهم الولدان، فيطوفون على ساداتهم، وعلى السادات هذه الثياب؟. وليس الحال ها هُنا بالبيِّن، ولا تحته ذلك المعنى البديع الرَّائع،

стр. 474

فالصواب فيه: أنَّه منصوب على الظرف، فإنَّ "عاليًا" لمَّا كان بمعنى فوق أُجْريَ مجراهُ، قال أبو علي: وهذا الوجه أبين (١) ، وهو أنَّ "عاليًا" صفة، فجُعِلَ ظرفًا كما كان قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] كذلك، وكما قالوا: هو ناحية من الدار. وأمَّا من رفع ﴿عَالِيَهُمْ﴾ فعلى الابتداء، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾: خبره، ولا يمنع من هذا إفراد عالٍ، وجمع الثياب؛ فإنَّ فاعلًا قد يُراد به الكثرة، كما قال: ألا إنَّ جيراني العَشيَّة رَائحٌ ... دعتهم دواع مِن هوًى ومُنَادحُ (٢) وقال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) ﴾ [المؤمنون: ٦٧]. ومن رفع ﴿خُضْرًا﴾: أجراه صفة للثياب، وهو الأقيس من وجوه: أحدها: المطابقة بينهما في الجمع. الثاني: موافقته لقوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١]. الثالث: تخلصه من وصف (٣) المفرد بالجمع. ومَنْ جرَّ أجراه (٤) صفةً للسندس على إرادة الجنس، كما يقال: أهلك النَّاس الدينار الصُّفْر، والدرهم (٥) البيض.

стр. 475

وتترجَّح القراءة الأولى بوجهٍ رابعٍ أيضًا: وهو: أنَّ العرب تجيء بالجمع الَّذي هو (١) في لفظ الواحد، فيجرونه مجرى الواحد، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠]، وكقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) ﴾ [القمر: ٢٠]، فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذا النوع من الجمع، فإفراد صفة الواحد، وإنْ كان في معنى الجمع أولى. وفي ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ قراءتان: الرفع: عطفًا على ثياب. والجرُّ: عطفًا على سندس. وتأمَّل كيف جمع لهم بين نوعي الزينة الظاهرة من اللباس والحلي، كما جمع لهم بين الظاهرة والباطنة، كما تقدم قريبًا، فجمَّل البواطن بالشراب الطهور، والسواعد بالأساور، والأبدان بثياب الحرير. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) ﴾ [الحج: ٢٣]. واختلفوا في جرِّ "لؤلؤ" ونصبه (٢) ، فمن نصبه ففيه وجهان:

стр. 476

أحدهما: أنَّه عطف على موضع قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾. والثاني: أنَّه منصوب بفعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه الأوَّل، أي: ويُحَلَّون لؤلؤًا. ومن جرَّه فهو عطفٌ على الذهب، ثمَّ يحتمل أمرين: أحدهما (١) : أنْ يكون لهم أساور من ذهبٍ وأساور من لؤلؤ. ويحتمل أنْ تكون الأساور مركبة من الأمرين معًا: الذهبُ المرصَّعُ باللؤلؤ، واللَّهُ أعلم بما أراد. قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق اللَّه، حدثنا زيد بن الحباب، قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الرَّي عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال: "إنَّ للَّه ملكًا منذُ يوم خُلِقَ (٢) = يصوغُ حُليَّ أهلِ الجنَّة إلى أنْ تقوم الساعة، لو أنَّ قُلْبًا (٣) من حلي أهل الجنَّة أُخْرِجَ لذهب بضوء شُعَاع الشمس، فلا تسألوا بعد هذا (٤) عن حُلي أهل الجنَّة" (٥) .

стр. 477

حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال: "الحُلي في الجنَّة على الرِّجالِ أحسنُ منه على النساء" (١) . حدثنا أحمد بن منيع حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده عن النَّبي ﷺ قال: "لو أنَّ رجلًا من أهلِ الجنَّة اطَّلعَ فبدا (٢) سِوَارُه لطَمَسَ ضوءَ الشمس، كما تطمسُ الشمس ضوءَ النجوم" (٣) .

стр. 478

وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة عن عُقَيْل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة أنَّ أبا أُمامة حدث أنَّ رسول اللَّه ﷺ حدثهم -وذكر حُلِيَّ الجنَّة- فقال: "مسوَّرون بالذَّهب والفضة، مُكلَّلون بالدُّرِّ، عليهم أكاليلُ من دُرٍّ وياقوتٍ متواصلة، وعليهم تاجٌ كتاج الملوك، شبابٌ جردٌ مُرْد (١) مكحلون" (٢) .

стр. 479

وقد أخرجا في "الصحيحين" (١) والسياق لمسلم: عن أبي حازم قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يدهُ حتى تبلغ إبطه، فقلتُ له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال يا بني فَرُّوخ أنتم ها هنا؟ لو علمتُ أنَّكم ها هنا ما توضأتُ هذا الوضوء، سمعتُ خليلي ﷺ يقول: "تبلغُ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء". وقد احتجَّ بهذا من يرى استحباب غسل العَضُد وإطالته. والصحيح أنَّه لا يستحب، وهو قول أهل المدينة، وعن أحمد روايتان (٢) . والحديث لا يدلُّ على الإطالة (٣) ، فإنَّ الحلية إنَّما تكون زِينًا في الساعد والمِعصم لا في العضد والكتف. وأمَّا قوله: "فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرَّتهُ فليفعل" (٤) .

стр. 480

فهذه الزيادة مدرجة في الحديث من كلام أبي هريرة لا من كلام النَّبي ﷺ بيَّن ذلك غير واحدٍ من الحفَّاظ (١) . وفي "مسند الإمام أحمد" في هذا الحديث قال نُعَيْمٌ: فلا أدري قوله: "من استطاع منكم أنْ يطيل غرته فليفعل" من تمام كلام النَّبي ﷺ أو شيء قاله أبو هريرة من عنده. وكان شيخنا يقول: "هذه اللفظة لا يمكن أنْ تكون من كلام رسول اللَّه ﷺ ، فإنَّ الغرة لا تكون في اليد، لا تكون إلَّا في الوجه، وإطالتها غير ممكنة، إذ تدخل في الرأس ولا يسمَّى ذلك غُرَّة". وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: "من يدخل الجنَّة ينعمُ لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، في الجنَّة ما لا عينٌ رأت، وأُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وقوله: "لا تبلى ثيابه": الظاهر أنَّ المراد به الثِّياب المُعَيَّنة لا يلحقها البِلَى، ويحتمل: أنْ يراد به الجنس، بل لا تزال عليه الثياب الجُدد، كما أنَّها لا ينقطع أكلها في جنسه، بل كلُّ مأكولٍ يخلفه مأكولٌ آخر، واللَّهُ أعلم. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا

стр. 481

محمد بن أبي الوضاح، حدثنا العلاء بن عبد اللَّه بن رافع، حدثنا حنان (١) بن خارجة عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابي جرمي (٢) فقال: يا رسول اللَّهِ أخبرنا عن الهجرة: أإليك (٣) أينما كنت، أم لقومٍ خاصة، أم إلى أرضٍ معلومة، أم إذا مِتَّ انقطعت؟ فسأل ثلاث مرَّات، ثمَّ جلس، فسكت رسول اللَّه ﷺ يسيرًا (٤) ثمَّ قال: أين السائل؟ فقال: ها هو ذا يا رسول اللَّه، قال: الهجرة: أنْ تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثمَّ أنتَ مهاجرٌ وإنْ متَّ بالحَضَر. فقام آخر: فقال: يا رسول اللَّه أخبرني عن ثياب أهل الجنَّة أتُخلق خلقًا أم تنسج نسجًا؟ قال: فضحك بعض القوم، فقال رسول اللَّه ﷺ : تضحكون من جاهلٍ يسأل عالمًا! فسكتَ النَّبي ﷺ ساعة (٥) ، ثمَّ قال: أينَ السَّائلُ (٦) ؟ فقال: ها هو ذا يا رسول اللَّه، قال: لا (٧) ، بل تُشقَّقُ عنها ثمر الجنَّة" (٨) ثلاث

стр. 482

مِرار (١) . وقال الطبراني في "معجمه" حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي الفَسَوي قالا: حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضيل ابن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللَّه عن النَّبي

стр. 483

- ﷺ قال: "أوَّل زُمْرةٍ يدخلون الجنَّة، كأنَّ وجوههم ضوءُ القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن كوكب دُرِّيٍّ في السماء، لكلَّ واحدٍ منهم زوجتان من الحورِ العينِ، على كلِّ زوجةٍ سبعون حُلَّة يُرى مُخُّ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما، كما يُرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" (١) . وهذا الإسناد على شرط الصحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرج بن (٢) عثمان السعدي، حدثنا أبو أيوب مولًى لعثمان بن عفان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "قِيْدُ سوط أحدِكم من الجنَّة خيرٌ من الدنيا ومثلها معها، ولقابُ قوسِ أحدكم من الجنَّة خيرٌ من الدنيا ومثلها معها، ولنصيف امرأةٍ من الجنَّة خيرٌ من الدنيا ومثلها معها" قال: قلتُ يا أبا هريرة ما النَّصيف؟ قال: الخِمارُ (٣) .

стр. 484

وقال ابن وهب: أخبرنا عمرو أنَّ درَّاجًا أبا السَّمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ الرجل في الجنَّة ليتَّكئ سبعين سنة قبل أنْ يتحول، ثمَّ تأتيه امرأةٌ فتضرب على منكبه، فينظر وجْهَهُ في خدِّها أصفى من المرآة، وإنَّ أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، فتسلم عليه فيرد السلامَ، ويسألها من أنتِ؟ فتقول: أنا المزيد، وإنَّه ليكون عليها سبعون ثوبًا أدناها مثل النعمان من طوى (١) ، فينفذها بصره، حتى يرى مُخَّ ساقها من وراء ذلك، وإنَّ عليهم التِّيجان، وإنَّ أدنى لؤلؤة عليها

стр. 485

لتضيءُ ما بين المشرق والمغرب" (١) . وروى الترمذي منه ذكر التيجان: "وإنَّ أدنى لؤلؤة" عن سويد بن نصر، عن رِشْدين بن سعد عن عمرو به. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا أبو عتبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أُمامة عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما منكم من أحدٍ يدخل الجنَّة إلَّا انطلقَ به إلى طُوبى، فتُفتح له أكمامها فيأخذُ من أيِّ ذلك شاء: [إنْ شاء] (٢) أبيض، وإنْ شاء أحمر، وإنْ شاء أخضر، وإنْ شاء أصفر، وإنْ شاء أسود، مثل شقائق

стр. 486

النعمان، وأرق وأحسن" (١) . وقال ابن أبي الدنيا: وحدثنا سويد عن سعيد حدثنا عبد ربه بن بارق الحنفي (٢) عن خاله (٣) الزُّميل أنَّه سمع أباهُ قال: قلتُ لابن عباس: ما حُللُ الجنَّة؟ قال: "فيها شجر فيها ثمرٌ كأنَّه الرُّمان، فإذا أراد وليُّ اللَّه كسوةً انحدرت إليه من غُصنها، فانفلقت عن سبعين حلةً ألوانًا بعد ألوانٍ، ثمَّ تنطبق فترجعُ (٤) كما كانتْ" (٥) . قال: وحدثنا عبد اللَّه حدثنا أبو خيثمة حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثني درَّاج أبو السَّمح أنَّ أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد عن رسول اللَّه ﷺ أنَّ رجلًا قال له: يا رسول اللَّه طُوبَى لمن رآك وآمن بكَ، قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى، ثمَّ طوبى، ثمَّ طوبى، لمن آمن بي ولم يرني، فقال له رجل: وما طوبى؟ قال: شجرةٌ في الجنَّة مسيرة مئة سنة، ثيابُ أهل الجنَّة تخرج من

стр. 487

أكمامها" (١) . قال: وحدثني يعقوب بن عبيد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا حماد بن سلمة عن أبي المُهَزِّم قال: قال أبو هريرة: "دارُ المؤمن في الجنَّة لؤلؤة فيها شجرة تنبتُ الحلل، فيأخذ الرجلُ بأصبعيه -وأشارَ بالسَّبابة والإبهام- سبعين حلَّة مُتَمَنْطِقةً باللؤلؤ والمرجان" (٢) . قال: وحدثنا حمزة بن العباس حدثنا عبد اللَّه بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد قال: قال كعبٌ: "لو أنَّ ثوبًا من ثياب أهل الجنَّة لُبِسَ اليومَ في الدنيا لصعق من ينظر إليه، وما حملته أبصارهم" (٣) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن بُشَير بن كعب أو غيره قال: "ذكر لنا أنَّ الزوجة من أزواج

стр. 488

الجنَّة لها سبعون حلَّة هي أرقُّ من شُقَيْقكم (١) هذا، يُرى مخُّ ساقِها من وراء اللحم" (٢) . وفي "الصحيحين" (٣) عن أنس بن مالك ﵁ قال: أهدَى أُكَيْدَرُ دومَة إلى النَّبي ﷺ جُبَّةً من سُندس، فتعجَّب النَّاسُ من حُسْنِها، فقال: "لمناديلُ سعدٍ في الجنَّة أحسنُ من هذا". وفي "الصحيحين" (٤) من حديث البراء قال: أُهديَ لرسول اللَّه ﷺ ثوب حرير، فجعلوا يعجبون من لينه، فقال رسول اللَّهِ ﷺ : "تعجبون من هذا؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة أحسنُ من هذا". ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذ بخصوصه ها هنا، فإنَّه كان في الأنصار بمنزلة الصِّدِّيق في المهاجرين، واهتزَّ لموته العرش (٥) ، وكان لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، وختم اللَّهُ له بالشهادة، وآثر رضا اللَّهِ ورسوله، على رضا قومه وعشيرته وحلفائه، ووافق حكمه الَّذي حكم به حُكم اللَّه فوق سبع سماواته (٦) ، ونعاهُ جبريل ﵇ إلى النَّبي

стр. 489

- ﷺ يوم موته (١) , فحُقَّ له أنْ تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنَّة أحسن من حُلَل الملوك.

стр. 490

فصل ومن ملابسهم التِّيجان على رؤوسهم ذكر البيهقي من حديث يعقوب بن حُمَيْد بن كاسب، حدثنا هشام ابن سليمان عن عكرمة عن إسماعيل بن رافع عن سعيد المُقْبُرِي وزيد ابن أسلم عن أبي هريرة عن النَّبي ﷺ قال: من قرأ القرآن فقام به آناء الليل والنهار، ويُحل حلالَه ويحرِّم حرامه، خلطه اللَّهُ بلحمه ودمه، وجعله رفيق السفرةِ الكرام البرَرَةِ، وإذا كان يوم القيامة كان القرآن له حجيجًا، فقال: يا رب كلُّ عاملٍ يعمل في الدنيا يأخذ بعمله من الدنيا؛ إلَّا فلانًا كان يقوم بي (١) آناءَ الليل والنهار، فيحل حلالي، ويحرِّم حرامي يقول: يا ربِّ، فأعطه، فيتوِّجُهُ اللَّه تاجَ الملكِ ويكسوهُ من حُلَّة (٢) الكرامة، ثمَّ يقول له (٣): رضيت؟ فيقول: يا ربِّ أرغبُ له في أفضل من هذا، فيعطيه اللَّه الملكَ بيمينه، والخلدَ بشماله، ثمَّ يقول له: هل رضيتَ؟ فيقول: نعم يا ربِّ" (٤).

стр. 491

وذكر الإمام أحمد في "المسند" من حديث ابن (١) بُرَيْدة عن أبيه يرفعه: "تعلموا سورة البقرة فإنَّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَةُ، ثمَّ سكت ساعة، ثمَّ قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنَّهما الزهراوان، وإنَّهما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنَّهما غَمَامَتَان أو غَيَايتان أو فرقان من طيرٍ صوافَّ، والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرَّجل الشَّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول له (٢) : ما أعرفك، فيقول: أنا (٣) القرآن، أنا الَّذي أظمأتُك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإنَّ كلَّ تاجرٍ من وراء تجارته، وإنَّك اليومَ من وراء كلِّ تجارة، فيعطى الملكَ بيمينه، والخلدَ بشماله، ويوضع على رأسه تاجُ الوقار، ويكسى والداهُ حلتين لا تقومُ لهما الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسينا (٤) هذا؟ فيقال: بأخذِ ولدكما القرآن، ثمَّ يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنَّة وغرفها، فهو في صعودٍ ما دام يقرأ: هذًّا كان، أو ترتيلًا" (٥) .

стр. 492

البَطَلة: السَّحَرة. والغَيَاية: ما أظل الإنسان فوقه. وقال عبد اللَّه بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أنَّ النَّبي ﷺ تلا قوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] فقال: "إنَّ عليهم التيجان، إنَّ أدنى لؤلؤةٍ منها لتضيءُ ما بين المشرق والمغربِ" (١). فصل وأمَّا الفرش: فقد قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤].

стр. 493

فَوَصَفَ الفُرُش بكونها مبطنة بالإستبرق، وهذا يدلُّ على أمرين: أحدهما: أنَّ ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها؛ لأنَّ بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة. قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن هُبيرة بن يريم، عن عبد اللَّه ﵁ في قوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، قال: "هذه البطائن قد خُبِّرتم بها، فكيفَ بالظَّهائر (١) ؟ " (٢) . الثاني: يدلُّ على أنَّها فرش عالية لها سَمْك وحَشْو بين البطانة والظهارة. وقد رُوِيَ في سمكها وارتفاعها آثار؛ إنْ كانت محفوظة، فالمراد: ارتفاع محلِّها؛ كما رواهُ الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمس مئة عام" (٣) .

стр. 494

قال الترمذي: "حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث رشدين بن سعد. قيل (١) : ومعناهُ أن الارتفاع المذكور للدرجات، والفرش عليها" (٢) . قلتُ: رشدين بن سعد عنده مناكير: قال الدارقطني: "ليس بالقوي"، وقال الإمام أحمد: "لا يبالي عمَّن روى، وليس به بأس في الرقاق"، وقال: "أرجو أنَّه صالح الحديث"، وقال يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو زرعة: "ضعيف"، وقال الجوزجاني: "عنده مناكير" (٣) .

стр. 495

ولا ريبَ أنَّه كان سيء الحفظ، فلا يعتمد على ما ينفرد به (١) . وقد قال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن درَّاج أبي السَّمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: "ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض" (٢) . وهذا أشبه أنْ يكون هو المحفوظ، واللَّهُ أعلم. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّيْر عن كعب في قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: "مسيرة أربعين سنة" (٣) .
следующие страницы →