← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وذكر الإمام أحمد في "المسند" من حديث ابن (١) بُرَيْدة عن أبيه يرفعه: "تعلموا سورة البقرة فإنَّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَةُ، ثمَّ سكت ساعة، ثمَّ قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنَّهما الزهراوان، وإنَّهما يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنَّهما غَمَامَتَان أو غَيَايتان أو فرقان من طيرٍ صوافَّ، والقرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرَّجل الشَّاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول له (٢) : ما أعرفك، فيقول: أنا (٣) القرآن، أنا الَّذي أظمأتُك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإنَّ كلَّ تاجرٍ من وراء تجارته، وإنَّك اليومَ من وراء كلِّ تجارة، فيعطى الملكَ بيمينه، والخلدَ بشماله، ويوضع على رأسه تاجُ الوقار، ويكسى والداهُ حلتين لا تقومُ لهما الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسينا (٤) هذا؟ فيقال: بأخذِ ولدكما القرآن، ثمَّ يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنَّة وغرفها، فهو في صعودٍ ما دام يقرأ: هذًّا كان، أو ترتيلًا" (٥) .

стр. 492

البَطَلة: السَّحَرة. والغَيَاية: ما أظل الإنسان فوقه. وقال عبد اللَّه بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أنَّ النَّبي ﷺ تلا قوله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] فقال: "إنَّ عليهم التيجان، إنَّ أدنى لؤلؤةٍ منها لتضيءُ ما بين المشرق والمغربِ" (١). فصل وأمَّا الفرش: فقد قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤].

стр. 493

فَوَصَفَ الفُرُش بكونها مبطنة بالإستبرق، وهذا يدلُّ على أمرين: أحدهما: أنَّ ظهائرها أعلى وأحسن من بطائنها؛ لأنَّ بطائنها للأرض، وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة. قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن هُبيرة بن يريم، عن عبد اللَّه ﵁ في قوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، قال: "هذه البطائن قد خُبِّرتم بها، فكيفَ بالظَّهائر (١) ؟ " (٢) . الثاني: يدلُّ على أنَّها فرش عالية لها سَمْك وحَشْو بين البطانة والظهارة. وقد رُوِيَ في سمكها وارتفاعها آثار؛ إنْ كانت محفوظة، فالمراد: ارتفاع محلِّها؛ كما رواهُ الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النَّبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمس مئة عام" (٣) .

стр. 494

قال الترمذي: "حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث رشدين بن سعد. قيل (١) : ومعناهُ أن الارتفاع المذكور للدرجات، والفرش عليها" (٢) . قلتُ: رشدين بن سعد عنده مناكير: قال الدارقطني: "ليس بالقوي"، وقال الإمام أحمد: "لا يبالي عمَّن روى، وليس به بأس في الرقاق"، وقال: "أرجو أنَّه صالح الحديث"، وقال يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وقال أبو زرعة: "ضعيف"، وقال الجوزجاني: "عنده مناكير" (٣) .

стр. 495

ولا ريبَ أنَّه كان سيء الحفظ، فلا يعتمد على ما ينفرد به (١) . وقد قال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن درَّاج أبي السَّمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: "ما بين الفراشين كما بين السماء والأرض" (٢) . وهذا أشبه أنْ يكون هو المحفوظ، واللَّهُ أعلم. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود حدثنا أسد بن موسى حدثنا حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّيْر عن كعب في قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] قال: "مسيرة أربعين سنة" (٣) .

стр. 496

قال الطبراني: وحدثنا إبراهيم (١) بن نائلة، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي حدثنا إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أُمامة قال: سُئِلَ رسول اللَّهِ ﷺ عن الفرش المرفوعة قال: "لو طُرِحَ فراشٌ من أعلاها لهوى إلى قرارها مئة خريف" (٢) .

стр. 497

وفي رفع هذا الحديث نظر، فقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق ابن إسماعيل حدثنا معاذ بن هشام قال: وجدت في كتاب أبي عن القاسم عن أبي أُمامة في قوله : ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ قال: "لو أنَّ أعلاها سَقَطَ ما بلغَ أسفلها أربعين خريفًا". فصل وأمَّا البُسُط والزَّرابي: فقد قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ [الرحمن: ٧٦]، وقال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾ [الغاشية: ١٣ - ١٦]. ذكر هشيم (١) عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: "الرَّفْرف: رياض الجنَّة، والعَبْقَرِي: عتاق الزرابي" (٢). وذكر إسماعيل بن عُليَّة عن أبي رجاء عن الحسن في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ قال: "هي البُسط"، قال: وأهل المدينة يقولون: هي البُسط" (٣).

стр. 498

وأمَّا النمارق: فقال الواحدي: "هي الوسائد؛ في قول الجميع، واحدها: نُمْرُقة، بضمِّ النُّون، وحكى الفرَّاء: نِمْرِقَة بكسرها" (١)، وأنشد أبو عبيدة: إذا ما بِساطُ الَّلهو مُدَّ وَقُرِّبَتْ ... للَذَّاتِهِ أنماطُهُ ونمارقُه (٢) قال الكلبي: "وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض" (٣). وقال مقاتل: "هي الوسائد مصفوفة على الطنافس" (٤). ﴿وَزَرَابِيُّ﴾ يعني: البسط، والطَّنافس. واحدها زِرْبِيَّة: في قول جميع أهل اللغة والتفسير. و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾: مبسوطة منشورة (٥). فصل وأمَّا الرَّفْرف: فقال الليث: "هو ضربٌ من الثياب خضر تبسط. الواحد: رَفْرَفة" (٦). وقال أبو عبيدة: "الرَّفارِف: البسط، وأنشد لابن مُقبل:

стр. 499

وَإنَّا لنزَّالون تغْشى نِعَالنَا ... سَواقِطُ من أصنافِ ريْطٍ وَرَفْرَفُ" (١) وقال أبو إسحاق: "قالوا الرفرف ها هنا: رياض الجنَّة، وقالوا: الرفرف: الوسائد، وقالوا: الرفرف: المحابس، وقالوا: فضول المحابس للفرش". وقال المبرد: "هو فضول الثياب التي تتخذ الملوك (٢) في الفرش وغيره". قال الواحدي: "وكأنَّ الأقرب هذا؛ لأنَّ العرب تسمِّي كِسَرَ الخِبَاءِ، والخِرْقة التي تخاط في أسفل الخباء: رفرفًا، ومنه الحديث في وفاة النَّبي ﷺ : فرفع الرفرف فرأينا وجهه كأنَّه ورقة (٣) " (٤) . قال ابن الأعرابيِّ: "الرَّفْرَف: ها هنا طرف البساط، فشبه ما فضل من المحابس (٥) ، عمَّا تحته بطرف الفسطاط، فسمي رفرفًا". قلتُ: أصل هذه الكلمة من الطَّرَف والجانب، فمنه: الرَّفُّ في الحائط. ومنه: الرفرف، وهو كسر (٦) الخباء، وجوانب الدرع، وما تدلَّى منها، الواحدة رفرفة. ومنه: رفرف الطير (٧) : إذا حرَّك

стр. 500

جناحيه حول الشَّيء، يريد أنْ يقع عليه. والرفرف: ثياب خضر تُتَّخَذُ منها المحابس، الواحدة رفرفة. وكل ما فضل من شيء فثُنِيَ وعُطِفَ فهو رفرف، وفي حديث ابن مسعود في قوله : ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] قال: "رأى رفرفًا أخضر سدَّ الأُفق" (١). وهو في "الصحيحين". فصل وأمَّا العَبْقَريُّ: فقال أبو عبيدة: "كل شيء من البُسُط عبقري. قال: ويرون أنَّها أرض يُوَشَّى (٢) فيها" (٣). وقال الليث: "عبقر: موضع بالبادية كثير الجن، يقال: كأنَّهم جنُّ عبقر" (٤). وقال أبو عبيد في حديث النَّبي ﷺ حين ذكر عمر: "فلَمْ أرَ عبقريًّا يفرِي فَرِيَّه" (٥) وإنَّما أصلُ هذا فيما يقال: إنَّه نُسِبَ إلى عبقر، وهي أرضٌ يسكنها الجنُّ، فصارَ مثلًا منسوبًا إلى شيء رفيعٍ، وأنشد لزهير:

стр. 501

بِخَيْلٍ (١) عليها جِنَّةٌ عبقريةٌ ... جَدِيرون يومًا أنْ ينالوا فيستعلوا (٢) قال أبو الحسن الواحدي: "وهذا القول هو الصحيح في العبقري، وذلك أنَّ العربَ إذا بالغتْ في وصف شيءٍ نَسَبتْهُ إلى الجنِّ، أو شَبَّهته بهم، ومنه قول لَبِيْدٍ: جِنُّ البَديِّ رواسيًا أقدامُها (٣) وقال آخر يَصِفُ امرأةً: جنِّيةٌ ولها جِنٌّ يُعلِّمُها ... رَمْيَ القُلوبِ بِقَوْسٍ ما لها وَتَر (٤) وذلك أنَّهم يعتقدون في الجن كل صفة عجيبة، وأنَّهم يأتون بكلِّ أمرٍ عجيبٍ، ولمَّا كان عبقر معروفًا بسكناهم نسبوا كلِّ شيءٍ مبالغٍ فيه إليها، يريدون بذلك أنَّه من عملهم وصنعهم. هذا هو الأصل، ثمَّ صار العبقري اسمًا ونعتًا لكلِّ ما بُولِغَ في صفته، ويشهد لما ذكرنا بيت زهير، فإنَّه نسب الجن إلى عبقر، ثمَّ رأينا أشياء كثيرة نُسِبَت إلى عبقرٍ غير البسط والثياب: كقوله في صفة عمر "عَبْقَرِيًّا" (٥) ، وروى سلمة عن الفرَّاء قال: العبقري: السَّيِّد من الرجال، وهو الفاخر من الحيوان

стр. 502

والجوهر". فلو كانت عبقر مخصوصة بالوشي، لما نُسِبَ إليها غير الموشَّى، وإنَّما ينسب إليها البسط المُوَشِّية العجيبة الصنعة، لما (١) ذكرنا، كما نسب إليها كل ما بولغ في وصفه. قال ابن عباس: "وعبقري: يريد البسط والطنافس" (٢) ، وقال الكلبي: "هي الطنافس المُخْمَلة" (٣) ، وقال قتادة: "هي عتاق الزَّرابي" (٤) ، وقال مجاهد: "الديباج الغليظ" (٥) ، وعبقريٌّ: جمع.

стр. 503

واحِدُهُ عبقرية، ولهذا وُصِفَ (١) بالجمع". وتأمَّل كيف وصَفَ الفُرش بأنَّها مرفوعة، والزرابي بأنَّها مبثوثة، والنمارق بأنَّها مصفوفة، فرفْعُ الفرش دالٌ على سُمْكِهَا ولينها، وبثُّ الزرابي دالٌّ على كثرتها، وأنَّها في كل موضع لا يختصُّ بها صدر المجلس دون مؤخره وجوانبه، وصفُّ (٢) المساند، يدلُّ على أنَّها مهيأة للاستناد إليها دائمًا، ليست مُخَبَّأة تُصَفُّ في وقتٍ دون وقتٍ، واللَّهُ أعلمُ.

стр. 504

الباب الحادي والخمسون في ذكر خيامهم وسررهم وأرائكهم وبشخاناتهم (١) قال اللَّهُ تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، وفي "الصحيحين" (٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن

стр. 505

النَّبي ﷺ قال: "إنَّ للمؤمن في الجنَّة لخيمة من لؤلؤةٍ واحدةٍ مجوَّفة طولها ستون ميلًا، للمؤمن (١) فيها أهلون يطوف عليهم المؤمنُ فلا يرى بعضهم بعضًا". وفي لفظٍ لهما: "في الجنَّة خيمةٌ من لؤلؤةٍ مجوفة، عرضها ستون ميلًا في كلِّ زاوية منها أهلٌ، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن". وفي لفظٍ آخر لهما أيضًا: "الخيمة دُرَّة طُولها في السماء ستون ميلًا، في كلَّ زاوية منها أهل (٢) ، لا يراهم الآخرون". وللبخاري وحده في لفظ: "طُولُها ثلاثون ميلًا". وهذه الخيام غير الغُرَفِ والقصور، بل هي خيام في البساتين، وعلى شواطئ الأنهارِ. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنى الحسين بن عبد الرحمن عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعتُ أبا سليمان قال: ينشأ خلق الحور العين إنشاءً، فإذا تكامل خلقهنَّ ضربت عليهنَّ (٣) الملائكة الخيام (٤) .

стр. 506

وقال بعضهم: لمَّا كُنَّ أبكارًا، وعادة (١) البكر أنْ تكون مقصورة في خدرها، حتَّى يأخذها بعلها، أنشأ اللَّهُ الحور وقصرهنَّ في خدور الخيام، حتى يجمع بينهنَّ وبين أوليائه في الجنَّة. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق، حدثنا سفيان، عن جابر عن القاسم بن أبي بَزَّة عن أبي (٢) عبيدة عن مسروق عن عبد اللَّه ﵁ قال: "لكلِّ مسلمٍ خيرةٌ، ولكلِّ خيرةٍ خيمةٌ، ولكلِّ خيمةٍ أربعة أبواب، يدخل عليها كلَّ يومٍ من كلِّ بابٍ تحفةٌ وهديةٌ وكرامةٌ لم تكن قبل ذلك، لا مَرِحاتٍ (٣) ولا ذفرات، ولا بخرات ولا طَمَّاحات، حورٌ عينٌ كأنَّهنَّ بيضٌ مكنون" (٤) .

стр. 507

حدثنا علي بن الجعد حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعتُ أبا الأحوص يُحدِّثُ عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ قال: "دُرٌّ مُجوَّف" (١) . وقال ابن المبارك: أنبأنا سليمان التيمي عن قتادة عن خُلَيد العَصَرِي عن أبي الدرداء (٢) ﵁ قال: "الخيمة لؤلؤةٌ واحدةٌ لها سبعون بابًا كلُّها من دُرَّةٍ" (٣) . قال ابن المبارك: وأخبرنا همام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: "الخيمة درةٌ مجوفةٌ فرسخٌ في فرسخٍ، لها أربعة آلاف مصراعٍ من ذهبٍ" (٤) .

стр. 508

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا فضيل (١) بن عبد الوهاب حدثنا شريك عن منصور عن مجاهد: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) ﴾ [الرحمن: ٧٢] قال: "في خيام اللؤلؤ، والخيمة لؤلؤة واحدة" (٢) . حدثني محمد بن جعفر حدثنا منصور حدثنا يوسف بن الصَّبَّاح عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ [١٢٤/ ب] فِي الْخِيَامِ (٧٢) ﴾ قال: "الخيمة من دُرَّةٍ مجوَّفة طولها فرسخ، وعرضها فرسخ، ولها ألفُ بابٍ من ذهبٍ، حولها سُرَادِق دَوْرُه خمسون فرسخًا، يدخل عليه من كلَّ بابٍ منها مَلَك بهدية من عند اللَّه وذلك قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] " (٣) واللَّهُ

стр. 509

أعلم. وأمَّا السُّرَر: فقال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) ﴾ [الطور: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٦] وقال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) ﴾ [الغاشية: ١٣]. فأخبر تعالى عن سُرُرِهم بأنَّها مصفوفة بعضها إلى جانب بعض، ليس بعضها خلف بعض، ولا بعيدًا من بعض، وأخبر أنَّها موضونة، والوَضْن في لغتهم: النضد والنسج المضاعف، يقال: وَضَنَ فلان الحجر والآجُرَّ بعضه فوق بعض، فهو موضون. وقال الليث: "الوَضْنُ: نسج السرير وأشباهه (١) ، ويقال: درع موضونة مقاربة في النسج. وقال رجل من العرب لامرأته: ضِني متاع البيت: أي قاربي بعضه مِن بعض. وقال أبو عبيدة والفراء والمبرد وابن قتيبة: موضونة: منسوجة مضاعفة متداخلة، بعضها على بعض، كما تُوضن حلق الدرع، ومنه

стр. 510

سُمِّي الوَضين، وهو نطاق من سيور (١) ينسج، فيدخل بعضه (٢) على بعض، وأنشدوا للأعشى: ومن نسج داودَ موضونة ... تساقُ مع الحيِّ عِيْرًا فَعِيرًا (٣) قالوا موضونة: منسوجة بقضبان الذهب مشبَّكة (٤) بالدرِّ والياقوت والزبرجد. قال هشيم: حدثنا حصين، عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: "مرْمولة (٥) بالذهب" (٦) . وقال مجاهد: "موصولة (٧) بالذهب" (٨) ، وقال

стр. 511

علي (١) بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: "موضونة: مصفوفة" (٢). وأخبر أنَّها مرفوعة قال عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: "سرر من ذهب، مكلَّلة بالزبرجد والدُّرِّ والياقوت، والسرير مثل ما بين مكة وأيلة" (٣). وقال الكلبي: "طول السرير في السماء مئة عام (٤)، فإذا أراد الرجل أنْ يجلس عليه تواضع له حتى يجلس عليه، فإذا جلس عليه ارتفع إلى مكانه". فصل وأمَّا الأرائك: فهي أجمع أريكة. قال مجاهد عن ابن عباس ﵄: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ [الكهف: ٣١]، قال: "لا يكون أريكة (٥)

стр. 512

حتى يكون السرير في الحَجَلة، فإنْ كان سريرًا بغير حَجَلة لا يكون أريكة، وإن كانت حَجَلة بغير سرير لم تكن أريكة، و (١) لا تكون أريكة إلَّا والسرير في الحجلة، فماذا اجتمعا كانت أريكة" (٢) . وقال مجاهد: "هي الأسِرَّة في الحِجَال" (٣) . وقال الليث: "الأريكة: سرير حجلة، فالحجلة والسرير أريكة، وجمعها أرائك". وقال أبو إسحاق: "الأرائك: الفرش في الحجال". قلتُ: ها هنا ثلاثة أشياء: أحدها: السرير. الثانية: الحجلة، وهي البشخانة التي تعلق فوقه. الثالث (٤) : الفراش الَّذي على السرير، ولا يسمَّى السرير أريكة، حتى يجمع ذلك كله.

стр. 513

وفي "الصحاح": "الأريكة: سريرٌ مُنَجَّدٌ (١) مُزَيَّن في قُبَّةٍ أو بيتٍ، فإذا لم يكن فيه سرير، فهو حجلة، والجمع الأرائك" (٢) . وفي الحديث: "أنَّ خاتم النَّبي ﷺ كان مثل زرِّ الحَجَلة" (٣) . وهو الزِّرُّ الَّذي يُجمع به بين طرفيها من جملة أزرارها، واللَّهُ أعلم.

стр. 514

الباب الثاني والخمسون في ذكر خدمهم وغلمانهم قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ [الإنسان: ١٩]، وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨]. قال أبو عبيدة والفرَّاء: "مخلَّدون لا يهرمون، ولا يتغيرون، قال: والعربُ تقول للرجل إذا كَبُرَ ولم يشمط: إنَّهُ لمخلَّد، وإذا لم تذهب أسنانه من الكِبَر، قيل: هو مخلَّد" (١). وقال آخرون: مُخلَّدون: مُقَرَّطُون مُسَوَّرُون، أي في آذانهم القِرَطَة، وفي أيديهم الأساور. وهذا اختيار ابن الأعرابي، قال: مخلَّدون: مُقَرَّطون بالخَلَدة، وجمعها خَلَدٌ، وهي: القِرَطَة (٢). وروى عمرو (٣) عن أبيه: "خلَّد جاريته، إذا حلَّاها بالخَلَدِ، وهي

стр. 515

القِرَطَة، وخَلَدَ إذا أسنَّ ولم يَشِبْ" (١) ، وكذلك قال سعيد بن جبير: "مقرَّطون" (٢) . واحتجَّ هؤلاء بحجتين: إحداهما: أنَّ الخلود عامٌّ لكلَّ من في الجنَّة، فلا بُدَّ أنْ يكون الوِلدان موصوفين بتخليدٍ يختصُّ بهم، وذلك هو القِرَطة. الحجة الثانية: قول الشاعر: ومُخلَّداتٍ بالُّلجين كأنَّما ... أعجازهنَّ رَواكِدُ الكُثبانِ (٣) وقال الأوَّلون: الخُلْد هو البقاء. قال ابن عباس: "غلمان لا يموتون" (٤) . وقول ترجمان القرآن في هذا كافٍ، وهذا قول مجاهد والكلبي ومقاتل، قالوا: لا يكبرون ولا يهرمون ولا يتغيرون (٥) .

стр. 516

وجمعتْ طائفة بين القولين، وقالوا: هم ولدان لا يعرض لهم الكِبَر ولا الهرم، وفي آذانهم القِرَطة، فمن قال: مقرَّطون. أراد هذا المعنى، أنَّ كونهم ولدانًا أمرٌ لازمٌ لهم. وشبَّههم سبحانه باللؤلؤ المنثور، لما فيه من البياض وحسن الخلق، وفي كونه منثورًا فائدتان: إحداهما: الدلالة على أنَّهم غير معطَّلين، بل مَبْثوثون في خدمتهم وحوائجهم. والثاني (١) : أنَّ اللؤلؤ إذا كان منثورًا، ولا سيما على بساط من ذهبٍ أو حرير؛ كان أحسن لمنظره وأبهى من كونه مجموعًا في مكان واحد. وقد اختلف في هؤلاء الوِلْدان: هل هم مِنْ وِلْدان الدنيا، أم أنشأهم اللَّهُ في الجنَّة إنشاء؟ على قولين: فقال علي بن أبي طالب والحسن البصري: هم أولاد المسلمين الَّذين يموتون، ولا حسنةَ لهم ولا سيئة، يكونون خدم أهل الجنَّة وولدانهم (٢) ، إِذِ الجنَّة لا وِلادة فيها (٣) . قال الحاكم: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن حدثنا إبراهيم بن الحسين حدثنا آدم حدثنا المبارك بن فَضَالة عن الحسن في قوله تعالى:

стр. 517

﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) ﴾ [الواقعة: ١٧] قال: "لم يكن لهم حسنات فَيُجْزَوْن بها (١) ، ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع" (٢) . ومن أصحاب هذا القول من قال: هم أطفال المشركين، يجعلهم اللَّهُ خَدَمًا لأهل الجنَّة. واحتجَّ هؤلاء بما رواهُ يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبي حازمٍ المديني، عن يزيد الرَّقاشي عن أنس عن النَّبي ﷺ قال: "سألتُ ربي الَّلاهين من ذرية البشر أنْ لا يعذبهم، فأعطانيهم فهم خدم أهل الجنَّة" (٣) . يعني: الأطفال.

стр. 518

قال الدَّارقطني: ورواهُ عبد العزيز بن الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النَّبي ﷺ . انتهى. ورواهُ فضيل (١) بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أنس. وهذه الطرق ضعيفة؛ فيزيد واهٍ (٢) ، وفضيل بن سليمان مُتَكَلَّمٌ فيه (٣) ، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف (٤) . قال ابن قتيبة: والَّلاهون، مِن "لهيتَ" عن الشيء إذا غفلت عنه (٥) ، وليس هو مِن "لهوت" (٦) . وأصحاب القول الأوَّل لا يقولون: إنَّ هؤلاء أولادٌ وُلِدُوا لأهل

стр. 519

الجنَّة فيها، وإنَّما يقولون: هم غلمان أنشأهم اللَّهُ في الجنَّة إنشاءً (١) ، كما أنشأ الحور العين. قالوا: وأمَّا وِلْدان أهل الدنيا فيكونون يوم القيامة أبناء ثلاث وثلاثين سنة؛ لما رواهُ ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجًا أبا السَّمح حدَّثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من مات من أهل الجنَّة من صغيرٍ أو كبيرٍ يُردُّون بني ثلاثٍ و (٢) ثلاثين سنة في الجنَّة، لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النَّار" (٣) . رواهُ الترمذي. والأشبه أنَّ هؤلاءِ الولدان مخلوقون من الجنَّة -كالحور العين- خَدَمًا لهم وغِلْمَانًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) ﴾ [الطور: ٢٤] وهؤلاء غير أولادهم، فإنَّ من تمام كرامة اللَّهُ تعالى لهم أنْ يجعل أبناءهم مخدومين معهم، لا يجعلهم غلمانًا لهم. وقد تقدَّم في حديث أنس عن النَّبي ﷺ : "أنا أوَّل النَّاسُ خروجًا إذا بُعِثُوا، -وفيه- يطوف عليَّ ألفُ خادمٍ كأنَّهم لؤلؤ مكنون" (٤) . والمكنون: المستور المصون الَّذي لم تبتذله الأيدي.

стр. 520

وإذا تأملتَ لفظة الـ ﴿وِلْدَانٌ﴾، ولفظة ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ واعتبرتها بقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] وضَممت ذلك إلى حديث أبي سعيد المذكور آنفًا = علمتَ أنَّ الولدان غلمانٌ أنشأهم الرَّبُّ تعالى في الجنَّة خدمًا لأهلها، واللَّهُ أعلم.

стр. 521

الباب الثالث والخمسون في ذكر نسائهم وسراريِّهم، وأصنافهنَّ وحسنهنَّ وأوصافهنَّ (١) وجمالهنَّ الظاهر والباطن الَّذي وصفهنَّ اللَّهُ تعالى به في كتابه قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥]. فتأمَّل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقدر ما بشَّرك به، وضمنه لك على أسهل شيءٍ عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البَدَنِ بالجنان، وما فيها من الأنهارِ والثمارِ، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلبِ وقُرَّة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه. والأزواج: جمع زوج، والمرأة: زوجُ الرجل، وهو زوجها، هذا هو الأفصحُ، وهو لغة قريش، وبها نزل القرآن كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ومن العربِ من يقول: زوجة، وهو نادرٌ، لا يكادون يقولونه. وأمَّا المطهرة: وإنْ جرتْ صفةً على الواحد، فتجري صفة على

стр. 522

جمع التكسير إجراءً له مجرى جماعة، كقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [الصف: ١٢]، و ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ [سبأ: ١٨]. ونظائره، والمطهرة: التي طُهِّرت من الحيضِ والبول والنفاس، والغائط والمخاط والبُصاق، وكل قَذَر، وكلِّ أذًى يكون من نساء الدنيا، وطُهِّرَ (١) مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة، وطهر لسانها من الفحش والبذاء، وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها، وطهرت أثوابها من أنْ يعرض لها دنسٌ أو وسخٌ. قال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد ﵁ عن النَّبي ﷺ ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] قال: "من الحيض والغائط والنخامة والبصاق" (٢) .

стр. 523

وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁ وعبد اللَّه بن عباس ﵄: "مطهرة: لا يحضن ولا يُحْدِثْنَ (١) ولا يتنخَّمن" (٢) . وقال ابن عباس ﵄ أيضًا: "مطهرة من القَذَرِ والأذى" (٣) . وقال مجاهد: "لا يبلنَ ولا يتغوطن، ولا يمذين (٤) ولا يمنين، ولا يحضنَ، ولا يبصقن ولا يتنخمن، ولا يلدن" (٥) . وقال قتادة: "مطهرة من الإثم والأذى، طهرهنَّ اللَّهُ من كلِّ بولٍ وغائطٍ وقذرٍ ومأثم" (٦) .

стр. 524

وقال عبد الرحمن بن زيد: "المطهرة: التي لا تحيض، وأزواج الدنيا لسن بمطهراتٍ، ألَا تراهنَّ يدمين، ويتركن الصلاة والصيام؟. قال: وكذلك خُلِقَتْ حوَّاء حتى عَصَت، فلمَّا عصت قال اللَّهُ: إنَّي خلقتك مطهرةً، وسأُدْميك كما دميت هذه الشجرة" (١) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٦]. فجمعَ لهم بين حُسْن المنزل، وحصول الأمن فيه من كلِّ مكروهٍ، واشتماله على الثمار والأنهار، وحسن اللباس وكمال العِشْرة بمقابلة بعضهم بعضًا، وتمام الَّلذة بالحور العين، ودعائهم بجميع أنواع الفاكهة، مع أمنهم من انقطاعها، ومضرتها وغائلتها، وختامُ ذلك أعلمهم بأنَّهم لا يذوقون هناك موتًا. والحُوْرُ: جمع حَوْراء، وهي المرأة الشابة الحسناء الجميلة البيضاء، شديدة سواد العين. وقال زيد بن أسلم: "الحَوْرَاء: التي يحار فيها الطرف، وعِيْن: حسان الأعين" (٢) .

стр. 525

وقال مجاهد: "الحوراء التي يحار فيها الطرف من رِقَّة الجلد، وصفاء اللون" (١) . وقال الحسن: "الحوراء: شديدة بياض العين، شديدة سواد العين" (٢) . واختلف في اشتقاق هذه اللفظة: فقال ابن عباس ﵄: "الحور في كلام العرب: البيض" (٣) . وكذلك قال قتادة "الحور: البيض" (٤) وقال مقاتل: "الحور: البيض الوجوه" (٥) . وقال مجاهد: "الحور العين، التي يحار

стр. 526

فيهن الطرف باديًا مخُّ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن، كالمرآة من رقة الجلد، وصفاء اللون" (١) . وهذا من الاتفاق، وليست اللفظة مشتقة من الحيرة. وأصل الحور: البياض. والتحوير: التبييض. والصحيح: أن الحور مأخوذ من الحَوَرِ في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها، فهو يتضمن الأمرين. وفي "الصحاح": "الحَوَرُ: شدة بياض العين في شدة سوادها. امرأة حَوْرَاء: بَيِّنة الحَوَر. وقال أبو عمرو: الحَوَر: أن تسْودَّ العين كلها مثل أعين الظِّباء والبقر، وليس فى بني آدم حور، وإنما قيل: للنساء: حور العيون (٢) ؛ لأنهنَّ شُبِّهنَ بالظباء والبقر" (٣) . وقال الأصمعي: "ما أدري ما الحَوَرُ في العين؟ " (٤) . قلت: خالف أبو عمرو أهل اللغة، و (٥) اشتقاق اللفظة، وردَّ الحَوَر إلى السواد، والناس غيره إنما ردُّوه إلى البياض، أو إلى بياضٍ في سواد.

стр. 527

والحَوَرُ في العين: معنى يلتئم من حسن البياض والسواد وتناسبهما، واكتساب كل واحد منهما الحسن من الآخر. وعينٌ حوراء: إذا اشتدَّ بياضُ أبيضِها وسواد أسودها، ولا تسمى المرأة حوراء حتى تكون مع حور عينها بيضاء لون الجسد. والعِيْنُ: جمع عيناء، وهي العظيمة العين من النساء. ورجلٌ أعين: إذا كان ضخم العين. وامرأة عيناء، والجمع عِيْنٌ. والصحيح: أنَّ العِيْنَ اللاتي جَمَعَتْ أعينهن صفات الحسن والملاحة، قال مقاتل: "العين: حسان الأعين" (١) . ومن محاسن المرأة اتساع عينها في طول، وضيق العين في المرأة من العيوب، وإنما يستحب الضيق منها في أربعة مواضع: فمها، وخرق أذنها، وأنفها، وما هنالك. ويستحب السَّعَة منها في أربعة مواضع: وجهها، وصدرها، وكاهلها: وهو ما بين كتفيها، وجبهتها. ويستحب البياض منها في أربعة مواضع (٢) : لونها، وفرقها، وثغرها، وبياض عينها. ويستحب السواد منها في أربعة مواضع (٣) : عينها، وحاجبها، وهدبها، وشعرها.

стр. 528

ويستحب الطول منها في أربعة: قوامها، وعنقها، وشعرها، وبنانها (١). ويستحب القِصَر منها في أربعة -وهي معنوية-: لسانها، ويدها، ورجلها، وعينها، فتكون قاصرة الطرف، قصيرة الرَّجْلِ واللسان عن الخروج وكثرة الكلام، قصيرة اليد عن تناول ما يكره الزوج، وعن بذله. ويستحب الدقة منها في أربعة: خصرها، وفرقها، وحاجباها (٢)، وأنفها. فصل وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ [الطور: ٢٠]. قال أبو عبيدة: "جعلناهم أزواجًا كما يزوج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين اثنين" (٣). قال يونس: "قرنَّاهم بهن، وليس من عقد التزوج، قال: والعرب لا تقول: تزوجت بها، وإنما تقول تزوجتها" (٤). قال من نصر هذا: التنزيل (٥) يدل على ما قاله يونس، وذلك قوله

стр. 529

تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولو كان على تزوجت بها لقال: زوجناك بها. وقال ابن سلَّام: "تميم تقول: تزوجت امرأةً، وتزوجت بها" وحكاه الكسائي أيضًا. وقال الأزهري: "تقول العرب: زوجته امرأةً، وتزوجت امراةً، وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة، قال: وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: قرنَّاهم، وقال الفرَّاءُ: "هي لغة في أزدِ شَنُوْءة" (١) ، قال الواحدي: "وقول أبي عبيدة في هذا حسن (٢) ؛ لأنه جعله من التزوج الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجًا لا بمعنى عقد النكاح، ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردًا فزوجته بآخر، كما يقال: شفعته بآخر، وإنما تمتنع الباء عند من يمنعها، إذا كان بمعنى عقد التزويج". قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معًا، فلفظ التزويج: يدل على النكاح، كما قال مجاهد: "أنكحناهم الحور" (٣) ، ولفظ الباء: يدل على الاقتران والضم، وهذا أبلغ من حذفها، واللَّه أعلم. وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) ﴾. [الرحمن: ٥٦ - ٥٨]. وصفهنَّ سبحانه بِقِصَرِ الطرف في ثلاثة مواضع: أحدها: هذا.

стр. 530

والثاني: قوله تعالى في الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) ﴾ [آية: ٤٨]. والثالث: قوله تعالى في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) ﴾ [آية: ٥٢]. والمفسرون كلهم على أنَّ المعنى: قَصَرْنَ طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يطمحن إلى غيرهم. وقيل: قصرن طرف أزواجهنَّ عليهنَّ، فلا يدعهم حسنهنَّ وجمالهنَّ أنْ ينظروا إلى غيرهنَّ. وهذا صحيح من جهة المعنى، وأمَّا من جهة اللفظِ: فقاصرات: صفة مضافة إلى الفاعل، كحسان الوجوه (١) ، وأصله: قاصرٌ طرفهنَّ، أي: ليس بطامحٍ متعدٍّ. قال آدم: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] قال: "يقول: قاصرات الطرف على أزواجهنَّ، فلا يبغين غير أزواجهنَّ" (٢) . قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: "قصرن طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يُرِدْنَ (٣) غيرهم، واللَّه ما هنَّ متبرِّجات،
следующие страницы →