← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فيهن الطرف باديًا مخُّ سوقهن من وراء ثيابهن، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن، كالمرآة من رقة الجلد، وصفاء اللون" (١) . وهذا من الاتفاق، وليست اللفظة مشتقة من الحيرة. وأصل الحور: البياض. والتحوير: التبييض. والصحيح: أن الحور مأخوذ من الحَوَرِ في العين، وهو شدة بياضها مع قوة سوادها، فهو يتضمن الأمرين. وفي "الصحاح": "الحَوَرُ: شدة بياض العين في شدة سوادها. امرأة حَوْرَاء: بَيِّنة الحَوَر. وقال أبو عمرو: الحَوَر: أن تسْودَّ العين كلها مثل أعين الظِّباء والبقر، وليس فى بني آدم حور، وإنما قيل: للنساء: حور العيون (٢) ؛ لأنهنَّ شُبِّهنَ بالظباء والبقر" (٣) . وقال الأصمعي: "ما أدري ما الحَوَرُ في العين؟ " (٤) . قلت: خالف أبو عمرو أهل اللغة، و (٥) اشتقاق اللفظة، وردَّ الحَوَر إلى السواد، والناس غيره إنما ردُّوه إلى البياض، أو إلى بياضٍ في سواد.

стр. 527

والحَوَرُ في العين: معنى يلتئم من حسن البياض والسواد وتناسبهما، واكتساب كل واحد منهما الحسن من الآخر. وعينٌ حوراء: إذا اشتدَّ بياضُ أبيضِها وسواد أسودها، ولا تسمى المرأة حوراء حتى تكون مع حور عينها بيضاء لون الجسد. والعِيْنُ: جمع عيناء، وهي العظيمة العين من النساء. ورجلٌ أعين: إذا كان ضخم العين. وامرأة عيناء، والجمع عِيْنٌ. والصحيح: أنَّ العِيْنَ اللاتي جَمَعَتْ أعينهن صفات الحسن والملاحة، قال مقاتل: "العين: حسان الأعين" (١) . ومن محاسن المرأة اتساع عينها في طول، وضيق العين في المرأة من العيوب، وإنما يستحب الضيق منها في أربعة مواضع: فمها، وخرق أذنها، وأنفها، وما هنالك. ويستحب السَّعَة منها في أربعة مواضع: وجهها، وصدرها، وكاهلها: وهو ما بين كتفيها، وجبهتها. ويستحب البياض منها في أربعة مواضع (٢) : لونها، وفرقها، وثغرها، وبياض عينها. ويستحب السواد منها في أربعة مواضع (٣) : عينها، وحاجبها، وهدبها، وشعرها.

стр. 528

ويستحب الطول منها في أربعة: قوامها، وعنقها، وشعرها، وبنانها (١). ويستحب القِصَر منها في أربعة -وهي معنوية-: لسانها، ويدها، ورجلها، وعينها، فتكون قاصرة الطرف، قصيرة الرَّجْلِ واللسان عن الخروج وكثرة الكلام، قصيرة اليد عن تناول ما يكره الزوج، وعن بذله. ويستحب الدقة منها في أربعة: خصرها، وفرقها، وحاجباها (٢)، وأنفها. فصل وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ [الطور: ٢٠]. قال أبو عبيدة: "جعلناهم أزواجًا كما يزوج النعل بالنعل، جعلناهم اثنين اثنين" (٣). قال يونس: "قرنَّاهم بهن، وليس من عقد التزوج، قال: والعرب لا تقول: تزوجت بها، وإنما تقول تزوجتها" (٤). قال من نصر هذا: التنزيل (٥) يدل على ما قاله يونس، وذلك قوله

стр. 529

تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ولو كان على تزوجت بها لقال: زوجناك بها. وقال ابن سلَّام: "تميم تقول: تزوجت امرأةً، وتزوجت بها" وحكاه الكسائي أيضًا. وقال الأزهري: "تقول العرب: زوجته امرأةً، وتزوجت امراةً، وليس من كلامهم: تزوجت بامرأة، قال: وقوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠] أي: قرنَّاهم، وقال الفرَّاءُ: "هي لغة في أزدِ شَنُوْءة" (١) ، قال الواحدي: "وقول أبي عبيدة في هذا حسن (٢) ؛ لأنه جعله من التزوج الذي هو بمعنى جعل الشيء زوجًا لا بمعنى عقد النكاح، ومن هذا يجوز أن يقال: كان فردًا فزوجته بآخر، كما يقال: شفعته بآخر، وإنما تمتنع الباء عند من يمنعها، إذا كان بمعنى عقد التزويج". قلت: ولا يمتنع أن يراد الأمران معًا، فلفظ التزويج: يدل على النكاح، كما قال مجاهد: "أنكحناهم الحور" (٣) ، ولفظ الباء: يدل على الاقتران والضم، وهذا أبلغ من حذفها، واللَّه أعلم. وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) ﴾. [الرحمن: ٥٦ - ٥٨]. وصفهنَّ سبحانه بِقِصَرِ الطرف في ثلاثة مواضع: أحدها: هذا.

стр. 530

والثاني: قوله تعالى في الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) ﴾ [آية: ٤٨]. والثالث: قوله تعالى في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) ﴾ [آية: ٥٢]. والمفسرون كلهم على أنَّ المعنى: قَصَرْنَ طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يطمحن إلى غيرهم. وقيل: قصرن طرف أزواجهنَّ عليهنَّ، فلا يدعهم حسنهنَّ وجمالهنَّ أنْ ينظروا إلى غيرهنَّ. وهذا صحيح من جهة المعنى، وأمَّا من جهة اللفظِ: فقاصرات: صفة مضافة إلى الفاعل، كحسان الوجوه (١) ، وأصله: قاصرٌ طرفهنَّ، أي: ليس بطامحٍ متعدٍّ. قال آدم: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن: ٥٦] قال: "يقول: قاصرات الطرف على أزواجهنَّ، فلا يبغين غير أزواجهنَّ" (٢) . قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: "قصرن طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يُرِدْنَ (٣) غيرهم، واللَّه ما هنَّ متبرِّجات،

стр. 531

ولا متطلعات" (١) . وقال منصور عن مجاهد: "قصرن أبصارهنَّ وقلوبهنَّ وأنفسهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يردن غيرهم" (٢) . وفي "تفسير سعيد" عن قتادة قال: "قصرن طرفهنَّ على أزواجهنَّ، فلا يردن غيرهم" (٣) . وأمَّا الأتراب: فجمع تِرْب (٤) : وهو لِدَة (٥) الإنسان. قال أبو عبيدة وأبو إسحاق: "أقران، أسنانهنَّ واحدة" (٦) . قال ابن عباس ﵄ وسائر المفسرين: "مستويات على سنٍّ واحدةٍ وميلادٍ واحد، بنات ثلاث وثلاثين سنة" (٧) . وقال مجاهد: "أتراب:

стр. 532

أمثال" (١) . قال أبو إسحاق: "أي: هنَّ في غاية الشباب والحُسن، وسَمَّي سنَّ الإنسان وقرنه تِرْبه؛ لأنَّه مسَّ (٢) تراب الأرض معه في وقتٍ واحدٍ (٣) ، والمعنى من الإخبار باستواء أسنانهنَّ، أنَّهنَّ ليس فيهنَّ عجائز قد فات حسنهنَّ، ولا ولائد لا يُطِقْنَ الوطَء بخلاف الذكور، فإنَّ فيهم (٤) الولدان: وهم الخدم. وقد اختلف في تفسير (٥) الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾: فقالت طائفة: تفسيره (٦) الجنتان، وما حوتاه من القصور والغرف والخيام. وقالت طائفة: تفسيره (٧) الفرش المذكورة في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، و (في) بمعنى: على. وقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) ﴾ [الرحمن: ٥٦]. قال أبو عبيدة: لم يمسهنَّ. يقال: ما طمث هذا البعير حَبْلٌ قط،

стр. 533

أي ما مسَّه (١) ، وقال يونس: تقول العرب (٢) : هذا جمل ما طمثه حبل قط: أي ما مسَّه (٣) "، وقال الفرَّاء: "الطمث: الافتضاض، وهو النكاح بالتَّدمية. والطَّمث: هو الدم. وفيه لغتان: طَمِثَ يَطْمُثُ ويَطْمَثُ" (٤) . قال الليث: "طمثت الجارية: إذا افترعتها (٥) ، والطامث في لغتهم: هي الحائض" (٦) . قال أبو الهيثم: "يقال للمرأة: طُمِثَت تُطْمَث، إذا أُدْمِيَت بالافتضاض، وطَمِثَت على فَعِلَتْ تَطْمَث إذا حاضت أوَّل ما تحيض، فهي طامث، وقال في قول الفرزدق: خرجن إليَّ لم يُطمثْنَ قبلي ... وهن أصَحُّ من بَيْضِ النَّعام (٧) أي: لم يُمْسَسْنَ. قال المفسرون: لم يطأهنَّ، ولم يغشهنَّ، ولم يجامعهنَّ. هذه ألفاظهم، وهم مختلفون في هؤلاء: فبعضهم يقول: هنَّ اللواتي أُنشِئْن في الجنَّة من حورها، وبعضهم يقول: يعني نساء (٨) الدنيا، أُنْشِئنَ خلقًا آخر أبكارًا كما وصفهنَّ.

стр. 534

قال الشعبي: "نساء من نساء الدنيا، لم يُمْسَسْن منذ أنشئن خلقًا" (١) . وقال مقاتل: "لأنهنَّ خلقن في الجنَّة" (٢) . قال عطاء عن ابن عباس: "هنَّ الآدميات الَّلاتي مُتْنَ أبكارًا" (٣) . وقال الكلبي: "لم يجامعهنَّ في هذا الخلق الذي أُنْشِئْنَ فيه إنسٌ ولا جانٌّ" (٤) . قلتُ: ظاهر القرآن أنَّ هؤلاء النِّسوة لسن من نساء الدنيا، وإنَّما هنَّ من الحُوْر العين، أمَّا نساء الدنيا فقد طَمِثَهنَّ الإنس، ونساء الجن قد طَمِثهنَّ الجن، والآية تدل على ذلك. قال أبو إسحاق: "وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشَى، كما أنَّ الإنْسِيَّ يَغْشَى" (٥) . ويدل على أنَّهنَّ الحور الَّلاتي خلقنَ في الجنَّة: - أنَّه سبحانه جعلهنَّ ممَّا أعدَّهُ اللَّهُ في الجنَّة لأهلها من الفواكه

стр. 535

والثمار والأنهار والملابس وغيرها. - ويدلُّ عليه أيضًا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) ﴾ [الرحمن: ٧٢] ثمَّ قال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]. قال الإمام أحمد: "والحور العين لا يمتْن عند النفخة في الصور؛ لأنَّهنَّ خلقن للبقاء" (١) . وفي الآية دليل لما ذهب إليه الجمهور، أنَّ مؤمني الجنِّ في الجنَّة، كما أنَّ كافرهم في النَّارِ. وبوَّب عليه البخاري في "صحيحه" فقال: "بابُ ثوابِ الجن وعقابهم" (٢) . ونصَّ عليه غير واحدٍ من السَّلف: قال ضَمْرة بن حبيب، وقد سئل: هل للجن ثواب؟ فقال: نعم، وقرأ هذه الآية ثمَّ قال: "الإنسيات للإنس، والجنِّيات للجنَّ" (٣) .

стр. 536

وقال مجاهد في هذه الآية: "إذا جامع الرجل، ولم يسمِّ انطوى الجانُّ على إحليله فجامع معه" (١) . والضميرُ في قوله ﴿قَبْلَهُمْ﴾ للمعنِيَّين بقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، وهم: أزواج هؤلاء النسوة. وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) ﴾ [الرحمن: ٥٨]. قال الحسنُ وعامَّة المفسرين: أراد صفاء الياقوت في بياض المرجان، شبَّههن في صفاء الَّلون وبياضه بالياقوت والمرجان" (٢) . يدلُّ عليه ما قالهُ عبد اللَّه: "إنَّ المرأة من نساء أهل الجنَّة لتلبس عليها سبعين حُلَّة من حرير، فيُرَى بياضُ ساقيها من ورائهنَّ، ذلك بأنَّه

стр. 537

تعالى (١) يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ ألا وإنَّ الياقوت حجر، لو جعلت فيه سِلْكًا، ثمَّ استصفيته نظرتَ إلى السِّلْك من وراء الحجر" (٢). فصل وقال تعالى في وصفهنَّ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. المقصورات: المحبوسات. قال أبو عبيدة: "خُدِّرْنَ في الخيام" (٣)، وكذلك قال مقاتل: "محبوسات في الخيام" (٤). وفيه معنى آخر: وهو أن يكون المراد: أنهن محبوسات على أزواجهن، لا يردن غيرهم، وهم في الخيام. وهذا معنى قول من قال: قُصِرْن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، ولا يطمحن إلى من سواهم، ذكره الفراء (٥). قلتُ: وهذا معنى ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الصافات: ٤٨] لكن أولئك قاصرات بأنفسهن، وهؤلاء مقصورات، وقوله تعالى: ﴿فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ على هذا القول: صفة لحور، أي: هن في الخيام، وليس معمولًا لمقصروات، وكأنَّ أرباب هذا القول فرُّوا من أن يكُنَّ (٦)

стр. 538

محبوسات في الخيام، لا تُفارِقْنها إلى الغرف والبساتين. وأصحاب القول الأوَّل يجيبون عن هذا: بأنَّ اللَّه سبحانه وصفهنَّ بصفات النساء المخدَّرات المصونات، وذلك أكملُ في الوصف، ولا يلزمُ من ذلك أنَّهنَّ لا يفارقن الخيام إلى الغرف والبساتين، كما أنَّ نساء الملوك وذويهم من النساء المخدَّرات المصونات، لا يمتنع أنْ يخرجن في سَفَرٍ وغيره إلى مُتَنَزَّهٍ (١) وبستانٍ ونحوه، فوَصْفُهنَّ الَّلازم لهنَّ: القصرُ في البيت، ويعرض لهنَّ مع الخدم الخروج إلى البساتين ونحوها. وأمَّا مجاهد فقال: "مقصورات قلوبهنَّ على أزواجهنَّ في خيام اللؤلؤ" (٢) . وقد تقدم وصف النسوة الأُوَل (٣) ، بكونهنَّ قاصرات (٤) الطرف، وهؤلاء بكونهنَّ مقصورات، والوصفان لكلا (٥) النوعين، فإنَّهما صفتا كمالٍ، فتلك الصفة: قَصْرُ الطرف عن طموحه إلى غير الأزواج، وهذا الصفة قصر الرِّجْل عن التبرج والبروز والظهور للرجال.

стр. 539

فصل قال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ [الرحمن: ٧٠]. فالخيرات جمع خَيْرَةٍ، وهي مُخَفَّفة من خيِّرة، كَسَيِّدة ولَيِّنة. وحسان: جمع حسنة، فهن خيرات الصفات والأخلاق والشيم، حسان الوجوه. قال وكيع: حدثنا سفيان عن جابر، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد اللَّه قال: "لكل مسلم خيرة، ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبوب، يدخل عليها كل يوم من كل باب تحفة وهدية وكرامة لم تكن قبل ذلك، لا مَرِحات (١) ولا ذفرات ولا بَخِرَات (٢) ولا طماحات" (٣). فصل وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٨]. [١٠٢/ أ] أعاد الضمير إلى النساء، ولم يَجْرِ لهنَّ ذكر؛ لأن الفرش دلت عليهن، إذ هي محلهن. وقيل: الفرش، في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ [الواقعة: ٣٤]: كناية

стр. 540

عن النساء، كما يكنى عنهن بالقوارير والأزر وغيرها. ولكن قوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ (٣٤) ﴾: يأبى هذا إلا أن يقال: المراد رِفْعة القدر. وقد تقدم تفسير النَّبي ﷺ للفرش وارتفاعها (١) . فالصواب أنها الفرش نفسها، ودلت على النساء: لأنها محلَّهنَّ غالبًا. قال قتادة وسعيد بن جبير: "خلقناهن خلقًا جديدًا" (٢) ، وقال ابن عباس ﵄: "يريد نساء الآدميات" (٣) وقال الكلبي ومقاتل: "يعني نساء أهل الدنيا العجز الشمط" يقول تعالى: خلقناهن بعد الكبر والهرم، بعد الخلق الأوَّل (٤) في الدنيا" (٥) .

стр. 541

ويؤيد هذا التفسير حديث أنس المرفوع: "هن عجائزكم العُمْش الرمص" (١) رواه الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد الرقاشي عنه. ويؤيده ما رواه يحيى الحماني، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة ﵂: "أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها وعندها عجوز، فقال من هذه؟ فقالت: إحدى خالاتي، قال: أما إنه لا يدخل الجنة العجز، فدخل العجوز من ذلك ما شاء اللَّه، فقال النَّبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) ﴾ [الواقعة: ٣٥] "خلقًا آخر، يحشرون يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلًا، وأول من يُكْسَى إبراهيم خليل الرحمن"، ثم قرأ النَّبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) ﴾ [الواقعة: ٣٥] (٢) .

стр. 542

قال آدم بن أبي إياس: حدثنا شيبان، عن جابر الجعفي، عن يزيد ابن مرة، عن سلمة بن يزيد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في قوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) ﴾ [الواقعة: ٣٥] قال: "يعني الثَّيب والأبكار الَّلاتي كُنَّ في الدنيا" (١) . قال آدم: وحدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجنة العجز". فبكت عجوز، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخبروها أنها ليست يومئذ بعجوز، إنها يومئذ شابَّة، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) ﴾ [الواقعة: ٣٥] (٢) . وقال ابن أبي شيبة: حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسعدة بن اليسع، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،

стр. 543

عن عائشة ﵂: "أن نبي اللَّه ﷺ أتته عجوز من الأنصار فقالت: يا رسول اللَّه ادع اللَّه أن يدخلني الجنة، فقال نبي اللَّه ﷺ : "إن الجنة لا يدخلها عجوز" فذهب نبي اللَّه ﷺ فصلى ثم رجع إلى عائشة فقالت عائشة: لقد لَقِيَتْ من كلمتك مشقة وشِدَّة، فقال نبي اللَّه ﷺ : "إن ذاك كذاك، إن اللَّه تعالى إذا أدخلهن الجنة حولهن أبكارًا" (١) . وذكر مقاتل قولًا آخر -وهو اختيار الزجاج- أنهن الحور العين التي ذكرهن. "قيل: أنشأهن اللَّه لأوليائه لم يقع عليهن ولادة (٢) . والظاهر أن المراد به أنشأهن اللَّه تعالى في الجنة إنشاء، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه قد قال في حقِّ السَّابقين: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا

стр. 544

يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) ﴾ [الواقعة: ١٧ - ٢٣]. فذكر سُرُرَهم وآنيتهم وشرابهم وفاكهتهم وطعامهم وأزواجهم من الحور العين، ثمَّ ذكر أصحاب الميمنة وطعامهم وشرابهم وفرشهم ونساءهم، فالظاهر: أنَّهنَّ مثلُ نساءِ مَنْ قبلهم خُلِقنَ في الجنَّة. الثاني: أنَّه سبحانه قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) ﴾ [الواقعة: ٣٥]. وهذا ظاهرٌ أنَّه إنشاء أوَّل لا ثانٍ؛ لأنَّه سبحانه حيث يريد الإنشاء الثاني يُقيِّده بذلك، كقوله: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) ﴾ [النجم: ٤٧]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢]. الثالث: أنَّ الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) ﴾ [الواقعة: ٧]، إلى آخره للذكور والإناث، والنشأة الثانية عامَّة أيضًا للنوعين، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) ﴾ [الواقعة: ٣٥]، ظاهره اختصاصهنَّ بهذا الإنشاء، وتأمَّل تأكيده بالمصدر، والحديث لا يدلُّ على اختصاص العجائز المذكورات بهذا الوصف، بل يدلُّ على مشاركتهنَّ للحور العين في هذه الصفات المذكورة، فلا يتوهم انفراد الحور العين عنهنَّ ممَّا (١) ذُكِرَ من الصفات، بل هُنَّ أحقُّ بها منهنَّ، فالإنشاءُ واقعٌ على الصِّنفين، واللَّهُ أعلمُ. وقوله تعالى: ﴿عُرُبًا﴾ جمع عَرُوب: وهنَّ المتحبِّبات إلى

стр. 545

أزواجهنَّ. قال ابن الأعرابي: "العَرُوب من النساء: المطيعة لزوجها المتحبِّبَة إليه" (١) . وقال أبو عبيدة "العروب: الحسنة التبعُّل" (٢) . قلتُ: يريد حسن مواقعتها، وملاطفتها لزوجها عند الجماع. وقال المبرِّد: "هي العاشقة لزوجها" (٣) وأنشد لِلَبيْد: وفي الحُدوجِ عَرُوب غير فاحشةٍ ... ريّا الرَّوادِفِ يَعْشى دُونَها البَصَرُ (٤) وذكر المفسرون في تفسير العُرُب: أنَّهن العواشق المتحببات الغَنِجَات الشَّكِلات المتعشقاتِ الغَلِمَاتُ المَغْنُوجاتُ، كلُّ ذلك من ألفاظهم (٥) . وقال البخاري في "صحيحه": "عُربًا: مثقَّلة واحدها عَرُوب، مثل صَبُور وصُبُر، يسمِّيها أهل مكة: العَرِبَة، وأهل المدينة: [الغَنِجَة، وأهل العراق] (٦) : الشَّكِلة، والعُرُب: المتحبِّبات إلى أزواجهنَّ".

стр. 546

هكذا ذكره في كتاب: "بدء الخلق" (١)، وقال في كتاب "التفسير" في سورة الواقعة (٢): "عُرُبًا مثقلة واحدها عَروب مثل صَبور وصُبُر تسميها أهل مكة: العَرِبَة، وأهل المدينة: الغَنِجة، وأهل العراق: الشَّكِلَة". قلتُ: فجمع بين حُسْن صورتها وحسن عشرتها، وهذا غاية ما يطلب من النساء، وبه تكمل لذَّة الرَّجلِ بِهِنَّ، وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ [الرحمن: ٥٦] إعلام بكمال الَّلذة بهنَّ، فإنَّ لذَّة الرجلِ بالمرأةِ التي لم يطأها سواهُ، لها فضل على لذَّته بغيرها، وكذلك هي أيضًا. فصل وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٣]. فالكواعب: جمع كاعب، وهي: النَّاهد. قاله: قتادة ومجاهد والمفسرون (٣). قال الكلبي: "هنَّ المُفلَّكات اللواتي تكعبت ثديهنَّ وتفلَّكت" (٤). وأصل اللفظة من الاستدارة، والمراد أنَّ ثديهنَّ نواهد

стр. 547

كالرَّمان ليست متدليَّة إلى أسفل، ويُسَمَّيْن نواهد وكواعب (١). فصل روى البخاري في "صحيحه" (٢) عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لَغَدْوةٌ في سبيل اللَّهِ أو رَوحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولَقَابُ قوسِ أحدكم أو موضع قِيْدِهِ -يعني: سوطهِ- من الجنَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو اطَّلعت امرأةٌ من نساء أهل الجنَّة إلى الأرضِ لملأت ما بينهما ريحًا، ولأضاءتْ ما بينها، ولنصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها". وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "إنَّ أوَّل زُمرةٍ تدخل الجنَّة على صورة القمر ليلة البدرِ، والتي تليها على أضوإِ كوكبٍ دُرِّيٍّ في السَّماءِ، ولكلَّ امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سُوقِهِمَا من وراء اللحم، وما في الجنَّة أعزب". وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة حدثنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : "للرجل من أهل الجنَّة زوجتان من حور العينِ، على كلَّ واحدةٍ سبعون حُلَّة يُرى مُخُّ ساقها من وراء الثياب" (٤).

стр. 548

وقال الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم (١) البيروتي، حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسَّان عن الحسن عن أُمِّه عن أمِّ سلمة قالت: قلتُ يا رسول اللَّه أخبرني عن قول اللَّه ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) ﴾ [الواقعة: ٢٢] قال: ﴿وَحُورٌ﴾ بيضٌ. ﴿عِينٌ﴾: ضخام العيون، شفر (٢) الحوراء بمنزلة جناح النسر. قلتُ: أخبرني عن قوله : ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) ﴾ [الطور: ٢٤]. قال: صفاؤهنَّ صفاء الدر الَّذي في الأصداف الَّذي لم تمسه الأيدي. قلتُ: يا رسول اللَّه أخبرني عن قوله : ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) ﴾ [الرحمن: ٧٠] قال: "خَيْرَاتُ الأخلاق، حسان الوجوه". قلتُ: يا رسول اللَّه أخبرني عن قوله : ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) ﴾ [الصافات: ٤٩]، قال: رِقَّتهنَّ كرقة الجلدِ الَّذي رأيته في داخلِ البيضة ممَّا يلي القشْر، وهو الغِرْقِئُ قلتُ: يا رسول اللَّهِ أخبرني عن قوله : ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) ﴾ [الواقعة: ٣٧]، قال: هنَّ الَّلواتي قُبضْنَ في دار الدنيا عجائز رُمْصًا شُمْطًا خلقهنَّ اللَّه بعد الكِبَر، فجعلهنَّ عذارى، عُرُبًا: متعشِّقاتٍ محبَّباتٍ، أترابًا: على ميلادٍ واحد. قلتُ: يا رسول اللَّهِ نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة. قلتُ: يا رسول اللَّهِ وبِمَ ذاك، قال: بصلاتهنَّ وصيامهنَّ، وعبادتهنَّ اللَّه تعالى، ألبس اللَّه وجوههنَّ النور، وأجسادهنَّ الحرير، بيضُ الألوان، خضر الثياب،

стр. 549

صفر الحلي، مجامرهنَّ الدُّر، وأمشاطهنَّ الذهبُ، يقلْن نحن الخالدات فلا نموتُ، ونحن النَّاعمات فلا نبؤس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ونحن الرَّاضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كُنَّا له وكان لنا. قلتُ: يا رسول اللَّه المرأة منَّا تتزوج زوجين والثلاثة والأربعة ثمَّ تموتُ فتدخل الجنَّة، ويدخلون معها، مَنْ يكون زوجها؟ قال: يا أم سلمة إنَّها تُخَيَّر فتختار أحسنهم خُلقًا، فتقول: أي ربِّ، إنَّ هذا كان أحسنهم معي خلقًا في دار الدنيا فزوَّجْنِيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة" (١) . تفرَّد به سليمان بن أبي كريمة: ضعَّفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: "عامَّة أحاديثه مناكير، ولمَ أرَ للمتقدمين فيه كلامًا ثمَّ ساق هذا الحديث من طريقه، وقال: لا يعرف إلَّا بهذا السند". وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد حدثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القُرَظِي عن رجل من الأنصارِ، عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ وهو في طائفةٍ

стр. 550

من أصحابه، فذكر حديث الصور وفيه: "فأقولُ يا ربِّ وعدتني الشفاعة فشفَّعني في أهل الجنَّة يدخلون الجنَّة، فيقول اللَّه تعالى: قد شفَّعتك وأذِنْت لهم في دخول الجنَّة، فكان رسول اللَّه ﷺ يقول: والَّذي بعثني بالحقِّ، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهلِ الجنَّة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل رجلٍ منهم على ثنتين وسبعين زوجةً ممَّا ينشئ اللَّهُ، وثنتين من ولدِ آدم لهما فضل على من أنشأ اللَّهُ، بعبادتهما اللَّه في الدنيا، يدخلُ على الأولى منهما في غرفة من ياقوتةٍ على سرير من ذهب مكلَّل باللؤلؤ عليه سبعون زوجًا من سُندس وإستبرق، وإنَّه ليضع يده بين كتفيها، ثمَّ ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنَّه لينظر إلى مخَّ ساقها، كما ينظر أحدكم إلى السلك في قَصَبَةِ الياقوت، كَبِدُهُ لها مرآة، وكبدها له مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها من مرَّة إلَّا وجدها عذراء، ما يفتر ذَكَرُهُ، ولا يشتكي قُبُلُهَا، فبينا هو كذلك إذ نودي إنَّا قد عرفنا أنَّك لا تَمَلُّ ولا تُمَلُّ، إلَّا أنَّه لا منيَّ ولا منيَّة، إلَّا أنْ تكون له أزواج غيرها فيخرج فيأتيهنَّ واحدةً واحدةً كلما جاء واحدة (١) قالت: واللَّهِ ما في الجنَّة شيءٌ أحسن منك، وما في الجنَّة شيءٌ أحبّ إليَّ منكَ" (٢) . هذا قطعةٌ من حديث الصور الَّذي تفرَّد به إسماعيل بن رافع، وقد روى له الترمذي وابن ماجه وضعَّفه أحمد ويحيى وجماعة. وقال

стр. 551

الدارقطني وغيره: "متروك الحديث". وقال ابن عدي: "عامة أحاديثه فيها نظر". وقال الترمذي: "ضعفه بعض أهل العلم. وسمعت محمدًا، يعني البخاري - يقول: هو ثقة مقارب الحديث". وقال لي شيخنا أبو الحجاج الحافظ: "هذا الحديث مجموع من عدة أحاديث ساقه إسماعيل أو غيره هذه السياقة، وشرحه الوليد بن مسلم في كتاب مفرد، وما تضمنه معروف في الأحاديث". واللَّه أعلم. وقال عبد اللَّه بن وهب: حدثنا عمرو أن دراجًا حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة، الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء" (١) . رواه الترمذي (٢) ؛ ولكنَّ دراجًا أبا السمح بالطريق، قال أحمد: "أحاديثه مناكير"، وقال النسائي: "منكر الحديث"، وقال أبو حاتم: "ضعيف"، وقال النسائي أيضًا: "ليس بالقوي"، وساق له ابن عدي أحاديث وقال: "عامتها لا يتابع عليها"، وقال الدارقطني: "ضعيف"، وقال مرة: "متروك". وأما يحيى بن معين: فقد وثقه، وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه"، وقال عثمان بن سعيد الدارمي، عن علي بن المديني: "هو ثقة".

стр. 552

وقال ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النَّبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) ﴾ [الرحمن: ٥٨] قال: "ينظرُ إلى وجهه في خدَّها أصفى من المرآة، وانْ أدنى لؤلؤةٍ عليها لتضيءُ ما بين المشرق والمغربِ، وإنَّهُ ليكون عليها سبعون ثوبًا ينفذها بَصَرُهُ حتَّى يُرى مُخُّ ساقِهِا من وراء ذلك" (١) . وقال الفِرْيابي: أنبأنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد ابن يزيد بن (٢) أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أُمامة ﵁ عن رسول اللَّهِ ﷺ قال: "ما من عبدٍ يدخل الجنَّة إلَّا ويزوج ثنتين وسبعين زوجة: ثنتان من الحور العين، وسبعون من أهل ميراثه من أهل الدنيا، ليس منهنَّ امرأة إلَّا ولها قُبُلٌ شهيٌّ، وله ذكَرٌ لا ينْثني" (٣) . قلتُ: خالد هذا هو ابن (٤) يزيد بن عبد الرحمن الدمشقي: وهَّاهُ ابن معين، وقال أحمد: "ليس بشيءٍ"، وقال النسائي: "غير ثقة" وقال

стр. 553

الدَّارقطني: "ضعيف"، وذكر ابن عدي له هذا الحديث ممَّا أنكره عليه. وقال أبو نعيم: حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه حدثنا (١) محمد بن حمويه حدثنا أحمد بن حفص حدثني أبي (٢) حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج عن قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لِلمُؤمن في الجنَّة ثلاثٌ وسبعون زوجة"، فقلنا يا رسول اللَّهِ أَوَ له قُوَّة ذلك؟ قال: "إنَّه ليُعْطَى قوَّة مئة" (٣) . قلتُ: أحمد بن حفص هذا هو السَّعدي، له مناكير، والحجَّاجُ هو ابن أرطاة.

стр. 554

وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا أبو همَّام الوليد ابن شُجاع. وأنبأنا محمد بن أحمد بن هشام السجزي (١) ببغداد، حدثنا عبد اللَّه بن عمر بن أبان قالا: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول اللَّه، هل نَصِلُ إلى نسائنا في الجنَّة؟ فقال: إنَّ الرَّجل لَيصِلُ في اليومِ إلى مئة عذراء" (٢) . قال الطبراني: "لم يروهِ عن هشام إلَّا زائدة تفرَّد به الجعفي".

стр. 555

قال محمد بن عبد الواحد المقدسي: "ورجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح" (١). وقال أبو الشيخ: حدثنا أبو يحيى بن سلم الرَّازي حدثنا هناد بن السَّري حدثنا أبو أُسامة عن هشامِ بن حسان عن زيد بن أبي الحواري - وهو زيد العمَّي - عن ابن عباس ﵄ قال: قيل يا رسول اللَّهِ أنفضي إلى نسائنا في الجنَّة، كما نُفضي إليهنَّ في الدنيا؟ قال: والَّذي نفس محمد بيده إنَّ الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مئة عذراء". وزيد هذا قال فيه ابن معين: "صالح"، وقال مرَّة: "لا شيء"، وقال: "ضعيف، يكتب حديثه"، وكذلك قال أبو حاتم، وقال الدَّارقطني: "صالح"، وضعفه النسائي، وقال السعدي: "متماسك" (٢). قلتُ: وحسبه رواية شعبة عنه. فصل والأحاديث الصحيحة إنَّما فيها "أنَّ لكلِّ منهم زوجتين" (٣)، وليس في "الصحيح" زيادة على ذلك، فإنْ كانت هذه الأحاديث محفوظة: فإمَّا أنْ يُراد بها ما لكلِّ واحدٍ من السراري زيادة على الزوجتين،

стр. 556

ويكونون في ذلك على حسب منازلهم في القِلَّة والكثرة كالخدمِ والولدان. وإمَّا أنْ يُرادَ أنَّه يعطى قوَّة من يُجامع هذا العدد، ويكون هذا هو المحفوظ، فرواهُ بعض هؤلاء بالمعنى فقال: له كذا وكذا زوجة. وقد روى الترمذي في "جامعه" من حديث قتادة عن أنس ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "يُعطى المؤمنُ في الجنَّة قوَّة كذا وكذا من الجماع، قيل: يا رسول اللَّهِ أوَ يطيقُ ذلك؟ قال: يعطى قوَّة مئة" (١) هذا حديث صحيح، فلعلَّ من رواهُ "يفضي إلى مئة عذراء" (٢) رواهُ بالمعنى أو يكون تفاوتهم في عدد النساء بحسب تفاوتهم في الدرجات، واللَّه أعلم. ولا ريبَ أنَّ للمؤمن في الجنَّة أكثر من اثنتين، لِمَا في "الصحيحين" (٣) ، من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد اللَّه

стр. 557

ابن قيس عن أبيه قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ للعبدِ المؤمنِ في الجنَّة لخيمةً من لؤلؤةٍ مجوَّفةٍ طولها ستون ميلًا للعبد المؤمن فيها أهلون فيطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا".

стр. 558

الباب الرَّابع والخمسون في ذكر المادَّة التي خلق منها الحور العين وما ذكِر فيها من الآثار وذكر صفاتهنَّ ومعرفتهنَّ اليوم بأزواجهنَّ فأمَّا المادَّة التي خلق منها الحور العين: فقد روى البيهقى من حديث الحارث بن خليفة، قال حدثنا شعبة، حدثنا إسماعيل بن عُليَّة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "الحورُ العينِ خُلِقْنَ من الزعفران" (١). قال البيهقي: "وهذا منكرٌ بهذا الإسناد، لا يصح عن ابن علية". قلتُ: ولكنَّه حديث فيه شعبة. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن رشدين حدثنا علي بن الحسن بن هارون الأنصاري حدثني الليث بن ابنة (٢) الليث بن أبي سليم قال:

стр. 559

حدثتني عائشة بنت يونس امرأة الليث بن أبي سُليم عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي أُمامة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "خُلِقَ الحورُ العين من الزعفران" (١) . قال الطبراني: "لا يروى إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به علي بن الحسن ابن هارون". قلتُ: وقد رواهُ إسحاق بن راهويه، عن عائشة بنت يونس قالت: سمعتُ زوجي ليث بن أبي سُليم يحدِّث عن مجاهد فذكره موقوفًا عليه، وهو أشبه بالصواب. ورواهُ عُقبة بن مُكْرَم عن عبد اللَّه بن زياد عن ليث عن مجاهد عن

стр. 560

ابن عباس قوله. ولا يصح رفع الحديث، وحسبه أن يصل إلى ابن عباس. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: "إنَّ لوليِّ اللَّه في الجنَّة عروسًا لم يَلِدْها آدم ولا حواء، ولكن خُلقت من زعفران" (١) . وهذا مروي عن صحابيين وهما: ابن عباس وأنس، وعن تابعيين: وهما أبو سلمة ومجاهد، وبكلِّ حالٍ فهنَّ من المنشآت في الجنَّة لسْنَ مولودات بين الآباء والأمهات، واللَّهُ أعلم. وقد رواهُ الطبراني من حديث عبيد اللَّه بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أُمامة ﵁ عن النَّبي ﷺ (٢) . وهذا الإسنادُ لا يُحْتَجُّ به. ورواهُ أبو نعيم: حدثنا علي بن محمد الطوسي، حدثنا علي بن سعيد حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني حدثنا منصور بن المهاجر حدثنا أبو النضر الأبار، عن أنس ﵁ يرفعه: "لو أنَّ حوراء

стр. 561

بصقت في سبعة أبحر لعذب البحار من عذوبة فمها، وخلق الحور العين من الزعفران" (١) . وإذا كانت هذه الخِلْقة الآدمية التي هي من أحسن الصور وأجملها، مادَّتها من تراب وجاءت الصورة من أحسن الصور، فما الظنُّ بصورةٍ مخلوقةٍ من مادة الزعفران الَّذي هناك! فاللَّه المستعان. وقد روى أبو نعيم: من حديث عيسى بن يوسف بن الطباع حدثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدثنا سفيان الثوري، حدثنا المغيرة، حدثنا إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "سطع نورٌ في الجنَّة، فرفعوا رؤوسهم، فإذا هوَ من ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها" (٢) .

стр. 562

وروى بقية بن الوليد حدثنا بَحِيْر بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرَّة قال: "إنَّ منَ المزيد أن تمرَّ السحابةُ بأهل الجنَّة فتقول: فما تريدون أن أمطركم؟ فلا يتمنون شيئًا إلَّا مطروا: قال: يقول كثير: لئن أشهدني اللَّه ذلك لأقولنَّ: أمطرينا جواري مُزَيَّنات" (١) . وقد رُويَ في مادة خلقهن صفة أخرى: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثنا سعيد بن أيوب، عن عُقَيل بن خالد، عن الزهري أنَّ ابن عباس قال: "إنَّ في الجنَّة نهرًا يقال له البيذخ، عليه قباب من ياقوت، تحته جوارِ ناشئاتٍ يقول أهل الجنَّة: انطلقوا بنا إلى البيذخ، فيجيئون فيتصفَّحون تلك الجواري فإذا أعجب رجلًا منهم جارية مسَّ مِعْصَمَهَا فتتبعه" (٢) . وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبدة (٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ لجبريل: "يا جبريل قفْ بي على الحور العين، فأوقفه عليهنَّ، فقال: من أنتنَّ؟ فقلن: نحن جواري قومٍ كرامٍ حَلُّوا فلم

стр. 563

يظعنوا، وشبُّوا فلم يهرموا، ونَقُوا فلم يَدْرَنُوا" (١) . وقال ابن المبارك: أنبأنا يحيى بن أيوب عن عبيد اللَّه بن زَحْر عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش (٢) قال: كُنَّا جلوسًا مع كعب يومًا فقال: "لو أنَّ يدًا من الحور دُلَّيت من السماء لأضاءتْ لها الأرض؛ كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، ثمَّ قال: إنَّما قلتُ: يدها، فكيف بالوجه في بياضه وحسنه وجماله! " (٣) . وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث كثير بن مرَّة عن معاذ بن جبل ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلَّا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ اللَّهُ، فإنَّما هو عندك دخيل يوشك أنْ يفارقك إلينا" (٤) .

стр. 564

وفي مراسيل عكرمة عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ الحور العين لأكثر عددًا منكُنَّ، يدعون لأزواجهنَّ يَقُلْنَ: الَّلهم أَعِنْهُ على دينك، وأقْبِل بقلبه على طاعتك، وبلَّغه بعزتك يا أرحم الرَّاحمين" (١) . ذكرهُ ابن أبي الدنيا من حديث أُسامة بن زيد عن عطاء عنه. وذكر الأوزاعي عن حسَّان بن عطية عن ابن مسعود ﵁ قال: "إنَّ في الجنَّة حوراء يُقال لها: اللُّعبة، كل حور الجنان يعجبن بها، يضربن بأيديهنَّ على كتفها ويقلنَ: طوبى لك يا لعبةُ، لو يعلم الطالبون لك لَجَدُّوا، مكتوبٌ بين عينيها: من كان يبتغي أنْ يكون له (٢) مثلي فليعمل برضى ربي" (٣) . وقال عطاء السليمي لمالك بن دينار: يا أبا يحيى شوَّقنا، قال: "يا عطاء إنَّ في الجنَّة حوراء يتباهى أهل الجنَّة بحسنها، لولا أنَّ اللَّهَ تعالى كتب على أهل الجنَّة ألا يموتوا لماتوا من حُسْنها، فلم يزل عطاء

стр. 565

جَهِدًا (١) من قول مالك [أربعين عامًا] (٢) " (٣) . وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني جعفر بن محمد قال: لقي حكيم حكيمًا، فقال: "أتشتاق إلى الحور العين؟ فقال: لا، فقال: فاشتق إليهنَّ، فإنَّ نور وجوهِهِنَّ من نور اللَّهِ ، فغشيَ عليه، فحمل إلى منزله فجعلنا نعوده شهرًا" (٤) . وقال ربيعة بن كلثوم: "نظر إلينا الحسن ونحن حوله شباب فقال: يا معشر الشباب، أما تشتاقون إلى الحور العين؟ " (٥) . وقال ابن أبي الحواري حدثني الحضرمي قال: "نمتُ أنا وأبو حمزة على سطحٍ، فجعلتُ أنظرُ إليهِ يتقلَّبُ على فراشه إلى الصباح، فقلت: يا أبا حمزة ما رقدتَ الليلة؟ فقال: إنَّي لمَّا اضطجعتُ تمثَّلت لي حوراء حتَّى كأنِّي أحسَسْت بجلدها قد مسَّ جلدي، فحدَّثتُ به أبا سليمان فقال: هذا رجلٌ كان مشتاقًا" (٦) . وقال ابن أبي الحواري: سمعتُ أبا سليمان يقول: "يُنشأ خلق الحور العين إنشاءً، فإذا تكاملَ خلقهنَّ ضربت عليهنَّ الملائكة الخيام" (٧) .
следующие страницы →