← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بصقت في سبعة أبحر لعذب البحار من عذوبة فمها، وخلق الحور العين من الزعفران" (١) . وإذا كانت هذه الخِلْقة الآدمية التي هي من أحسن الصور وأجملها، مادَّتها من تراب وجاءت الصورة من أحسن الصور، فما الظنُّ بصورةٍ مخلوقةٍ من مادة الزعفران الَّذي هناك! فاللَّه المستعان. وقد روى أبو نعيم: من حديث عيسى بن يوسف بن الطباع حدثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدثنا سفيان الثوري، حدثنا المغيرة، حدثنا إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "سطع نورٌ في الجنَّة، فرفعوا رؤوسهم، فإذا هوَ من ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها" (٢) .

стр. 562

وروى بقية بن الوليد حدثنا بَحِيْر بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرَّة قال: "إنَّ منَ المزيد أن تمرَّ السحابةُ بأهل الجنَّة فتقول: فما تريدون أن أمطركم؟ فلا يتمنون شيئًا إلَّا مطروا: قال: يقول كثير: لئن أشهدني اللَّه ذلك لأقولنَّ: أمطرينا جواري مُزَيَّنات" (١) . وقد رُويَ في مادة خلقهن صفة أخرى: قال ابن أبي الدنيا: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثنا سعيد بن أيوب، عن عُقَيل بن خالد، عن الزهري أنَّ ابن عباس قال: "إنَّ في الجنَّة نهرًا يقال له البيذخ، عليه قباب من ياقوت، تحته جوارِ ناشئاتٍ يقول أهل الجنَّة: انطلقوا بنا إلى البيذخ، فيجيئون فيتصفَّحون تلك الجواري فإذا أعجب رجلًا منهم جارية مسَّ مِعْصَمَهَا فتتبعه" (٢) . وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبدة (٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ لجبريل: "يا جبريل قفْ بي على الحور العين، فأوقفه عليهنَّ، فقال: من أنتنَّ؟ فقلن: نحن جواري قومٍ كرامٍ حَلُّوا فلم

стр. 563

يظعنوا، وشبُّوا فلم يهرموا، ونَقُوا فلم يَدْرَنُوا" (١) . وقال ابن المبارك: أنبأنا يحيى بن أيوب عن عبيد اللَّه بن زَحْر عن خالد بن أبي عمران عن أبي عياش (٢) قال: كُنَّا جلوسًا مع كعب يومًا فقال: "لو أنَّ يدًا من الحور دُلَّيت من السماء لأضاءتْ لها الأرض؛ كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، ثمَّ قال: إنَّما قلتُ: يدها، فكيف بالوجه في بياضه وحسنه وجماله! " (٣) . وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث كثير بن مرَّة عن معاذ بن جبل ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلَّا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلكِ اللَّهُ، فإنَّما هو عندك دخيل يوشك أنْ يفارقك إلينا" (٤) .

стр. 564

وفي مراسيل عكرمة عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ الحور العين لأكثر عددًا منكُنَّ، يدعون لأزواجهنَّ يَقُلْنَ: الَّلهم أَعِنْهُ على دينك، وأقْبِل بقلبه على طاعتك، وبلَّغه بعزتك يا أرحم الرَّاحمين" (١) . ذكرهُ ابن أبي الدنيا من حديث أُسامة بن زيد عن عطاء عنه. وذكر الأوزاعي عن حسَّان بن عطية عن ابن مسعود ﵁ قال: "إنَّ في الجنَّة حوراء يُقال لها: اللُّعبة، كل حور الجنان يعجبن بها، يضربن بأيديهنَّ على كتفها ويقلنَ: طوبى لك يا لعبةُ، لو يعلم الطالبون لك لَجَدُّوا، مكتوبٌ بين عينيها: من كان يبتغي أنْ يكون له (٢) مثلي فليعمل برضى ربي" (٣) . وقال عطاء السليمي لمالك بن دينار: يا أبا يحيى شوَّقنا، قال: "يا عطاء إنَّ في الجنَّة حوراء يتباهى أهل الجنَّة بحسنها، لولا أنَّ اللَّهَ تعالى كتب على أهل الجنَّة ألا يموتوا لماتوا من حُسْنها، فلم يزل عطاء

стр. 565

جَهِدًا (١) من قول مالك [أربعين عامًا] (٢) " (٣) . وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني جعفر بن محمد قال: لقي حكيم حكيمًا، فقال: "أتشتاق إلى الحور العين؟ فقال: لا، فقال: فاشتق إليهنَّ، فإنَّ نور وجوهِهِنَّ من نور اللَّهِ ، فغشيَ عليه، فحمل إلى منزله فجعلنا نعوده شهرًا" (٤) . وقال ربيعة بن كلثوم: "نظر إلينا الحسن ونحن حوله شباب فقال: يا معشر الشباب، أما تشتاقون إلى الحور العين؟ " (٥) . وقال ابن أبي الحواري حدثني الحضرمي قال: "نمتُ أنا وأبو حمزة على سطحٍ، فجعلتُ أنظرُ إليهِ يتقلَّبُ على فراشه إلى الصباح، فقلت: يا أبا حمزة ما رقدتَ الليلة؟ فقال: إنَّي لمَّا اضطجعتُ تمثَّلت لي حوراء حتَّى كأنِّي أحسَسْت بجلدها قد مسَّ جلدي، فحدَّثتُ به أبا سليمان فقال: هذا رجلٌ كان مشتاقًا" (٦) . وقال ابن أبي الحواري: سمعتُ أبا سليمان يقول: "يُنشأ خلق الحور العين إنشاءً، فإذا تكاملَ خلقهنَّ ضربت عليهنَّ الملائكة الخيام" (٧) .

стр. 566

وذكر ابن أبي الدنيا عن صالح المرِّي عن يزيد الرقاشي قال: "بلغني أنَّ نورًا سَطَعَ في الجنَّة لم يبقَ موضع من (١) الجنَّة إلَّا دخلَ من ذلك النور فيه، فقيل: ما هذا؟ قيل: حوراء ضحكت في وجه زوجها، قال صالح: فشهق رجلٌ من ناحية المجلس، فلم يزل يشهق حتَّى مات" (٢) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد حدثنا سعيد بن زَرْبي عن عبد الملك الجُوْنِي عن سعيد بن جبير قال: سمعتُ ابن عباس يقول: "لو أنَّ حوراء أخرجتْ كفَّها بين السَّماءِ والأرضِ لافتتنَ الخلائقُ بحسنها، ولو أخرجت نَصِيْفَها لكانت الشمس عند حسنه مثل الفتيلة في الشمس لا ضوء لها، ولو أخرجت وجهها لأضاء حسنها ما بين السماء والأرضِ" (٣) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسن بن يحيى وكثير العنبري، حدثنا خزيمة أبو محمد عن سفيان الثوري قال: "سطع نورٌ في الجنَّة لم (٤) يبقَ موضعٌ في (٥) الجنَّة إلَّا دخل فيه من ذلك النور، فنظروا

стр. 567

فوجدوا ذلك من حوراء ضحكت في وجه زوجها" (١) . ورواه الخطيبُ في "تاريخه" من حديث عبيد اللَّه (٢) بن محمد الكرخي، قال: حدثني عيسى بن يوسف بن الطباع، حدثنا حلبس بن محمد حدثنا سفيان الثوري عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه عن النَّبي ﷺ قال: "سَطَعَ نورٌ في الجنَّة فرفعوا رؤوسهم فإذا هو من ثَغْرِ حوراء ضحكت في وجه زوجها" (٣) . وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: "إذا سَبَّحت المرأة من الحورِ العينِ لم يبقَ شجرةٌ في الجنَّة إلَّا وردَّت عليها (٤) " (٥) . وقال ابن المبارك: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: "أنَّ الحورَ العين يتلقين أزواجهنَّ عند أبواب الجنَّة فيقلن: طالما انتظرناكم فنحن الراضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نظعن، والخالداتُ فلا نموتُ، بأحسن أصوات سُمِعت وتقول: أنت حِبِّي وأنا حِبك، ليس دونك تقصير (٦) ولا وراءك معدل" (٧) .

стр. 568

الباب الخامس والخمسون: في ذكر نكاح أهل الجنَّة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذَّةٍ، ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف، وأنَّه لا يُوجبُ غُسلًا قد تقدم حديث أبي هريرة: قيل يا رسول اللَّه، أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: "إن الرجل ليَصِلُ في اليوم إلى مئة عذراء" (١)، وأنَّ إسناده صحيح. وتقدم حديث أبي موسى المتفق على صحته: "إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلًا، لهُ فيها أهلون يطوف عليهم" (٢). وحديث أنس: "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع (٣) " (٤) وصححه الترمذي. وروى الطبراني، وعبد اللَّه بن أحمد، وغيرهم من حديث لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول اللَّه على ما نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مُصفَّى، وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من

стр. 569

لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة، لَعَمْرُ إلهك ممَّا تعلمون، وخير من مثله، وأزواج مطهَّرة". قلتُ: يا رسول اللَّهِ أَوَ لَنَا فيها أزواج مصلحاتٌ؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذذوا بهنَّ (١) مثل لذَّاتكم (٢) في الدنيا ويَلْذَذْنَ بكم (٣) ، غير أن لا توالد" (٤) . وقال ابن وهبٍ: أخبرني عمرو بن الحارث عن درَّاجٍ عن ابن حُجيرة عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه قال: يا رسول اللَّه أنطأ في الجنَّة؟ قال: نعم والَّذي نفسي بيده دَحْمًا دَحْمًا (٥) ، فإذا قام عنها رجعت مطهَّرةً بكرًا" (٦) .

стр. 570

وقال الطبراني: حدثنا إبراهيمُ بن جابر الفقيه، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، حدثنا معلَّى (١) بن عبد الرحمن الواسطي حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ أهل الجنَّة إذا جامعوا نساءهم عُدْنَ أبكارًا" (٢) . قال الطبراني: "لم يروه عن عاصمٍ إلَّا شريك تفرَّد به معلَّى" (٣) . قال الطبراني: وحدثنا عبدانُ بن أحمد حدثنا محمد بن عبد الرحيم (٤) البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا صدقة عن هاشم بن زيد عن سليم أبي (٥) يحيى أنَّه سمع أبا أُمامة ﵁ يحدث أنَّه سمع رسول اللَّهِ ﷺ وسئل: هل يتناكح أهلُ الجنَّة؟ قال: بِذَكَرٍ لا يَمَلُّ، وشهوةٍ لا تنقطع، دَحْمًا دَحْمًا" (٦) .

стр. 571

قال الطبراني: وحدثنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا سويد بن سعيد حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أُمامة أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أيجامعُ أهلُ الجنَّة؟ قال: دَحْمًا دَحْمًا، ولكن لا مَنِيَّ ولا مَنِيَّة" (١) . وهاشم وخالد، وإنْ تُكلَّمَ فيهما فليس الاعتماد عليهما، وقوله: "لا مَنِيَّ ولا مَنِيَّة" أي: لا إنزال ولا موت. وقال أبو نعيم: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ حدثنا عبد الرحمن بن زياد حدثنا عمارة بن راشد عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه سُئِلَ: هل يَمَسُّ أهل الجنَّة أزواجهم؟ قال: نعم، بذَكَرٍ لا يَمَلُّ، وفرْجٍ لا يحْفَى، وشهوةٍ لا تنقطع" (٢) .

стр. 572

وقال الحسنُ بن سفيان في "مسنده": حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد (١) عن القاسم عن أبي أُمامة رضى اللَّهُ عنه قال: سُئِلَ رسول اللَّهِ ﷺ : هل ينكح أهل الجنَّة؟ قال: "إي والَّذي بعثني بالحقِّ دَحْمًا دحْمًا - وأشار بيده - ولكن لا مَنِيَّ ولا مَنِيَّة" (٢) . وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيانُ عن أبي (٣) عمرو عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) ﴾ [يس: ٥٥] قال: "في افتضاض الأبكار" (٤) .

стр. 573

وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا أبو الربيع الزهراني ومحمد بن حميد: قالا: حدثنا يعقوبُ بن عبد اللَّه (١) حدثنا حفصُ بن حُميد عن شِمْر بن عطية عن شقيق بن سلمة عن عبد اللَّه بن مسعود في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) ﴾ قال: "شُغْلُهم افتضاض العَذَارَى" (٢) .

стр. 574

وقال الحاكم: أنبأنا الأصمُّ أنبأنا العباس بن الوليد، أخبرني شعيب، عن الأوزاعي في قول اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) ﴾ قال: "شغلهم افتضاض الأبكار" (١) . وقال مقاتل: "شُغِلُوا بافتضاض العذارى عن أهل النَّارِ فلا يذكرونهم ولا يهْتمُّون لهم" (٢) . وقال أبو الأحوص: "شُغِلوا بافتضاض الأبكارِ على السُّرر في الحِجَالِ" (٣) . وقال سليمان التيمي عن أبي مِجْلَزٍ: قلتُ لابن عباس: قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) ﴾ ما شغلهم؟ قال: "افتضاض الأبكارِ" (٤) .

стр. 575

وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا فُضيل بن عبد الوهاب حدثنا يزيد بن زُريع عن سليمان التيمي عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) ﴾ قال: "في افتضاض العذارى". حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جُبير [قال]: "إنَّ شهوته لتجري فى جسدها سبعين عامًا تجدُ الَّلذة" (١) . ولا يلحقهم بذلك جَنَابة، فيحتاجون إلى التَّطهير، ولا ضعف ولا انحِلال قوَّةٍ، بل وطؤهم وطءُ التذاذٍ ونعيم، لا آفة فيه بوجهٍ من الوجوه". وأكملُ النَّاسِ فيه أصونهم لنفسه في هذه الدَّارِ عن الحرامِ، فكما أنَّ من شربَ الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبسَ الحرير في الدنيا لم يَلْبسْهُ في الآخرة، ومَنْ أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النَّبي ﷺ : "إنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (٢) . فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار (٣) حُرِمَها هناك، كما نعى (٤) على من أذْهَبَ طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة - ومن تبعهم - يخافون من ذلك أشد الخوف،

стр. 576

وذكر الإمام أحمد، عن جابر بن عبد اللَّه: "أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم، فقال: ما هذا؟ قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم، فقال: أوكلما اشتهى أحدكم شيئًا اشتراه! أما سمعت اللَّه تعالى يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] (١) . وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير بن حازم، قال: حدثنا الحسن قال: قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى على عمر، فكنا ندخل عليه كل يوم وله خبز يُلَتُّ (٢) ، ربما وافقناها مأدومة بالسمن، وربما وافقناها مأدومة بالزيت، وربما وافقناها مأدومة باللبن، وربما وافقنا القدائد (٣) اليابسة، قد دقت ثم أغلي بها، وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل، فقال ذات يوم: إني واللَّه قد أرى تعذيركم (٤) وكراهيتكم لطعامي، إني واللَّه لو شئت لكنت من ألينكم

стр. 577

طعامًا، وأرقَّكم عيشًا، ولكني سمعت اللَّه تعالى عيَّرَ قومًا بأمر فعلوه، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] (١) . فمن ترك اللذة المحرمة للَّه استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون، ومن استوفاها ها هنا حُرِمَها هناك، أو نقص كمالها، فلا يجعل اللَّه لذة من أوضع في معاصيه ومحارمه، كلذة من ترك شهوته للَّه أبدًا (٢) ، واللَّه أعلم.

стр. 578

الباب السادس والخمسون: في اختلاف الناس هل في الجنة حَمْلٌ وَوِلادة أم لا؟ قال الترمذي في "جامعه": حدثنا بندار، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنُّه في ساعةٍ، كما يشتهي" (١). قال: "هذا حديثٌ حسنٌ غريب". وقد اختلفَ أهل العلم في هذا:

стр. 579

فقال بعضهم: في الجنَّة جماع، ولا يكون ولد، هكذا روي عن طاووس ومجاهد وإبراهيم النخعي (١) . وقال محمد -يعني البخاري-: قال إسحاق بن إبراهيم في حديث النَّبي ﷺ : "إذا اشتهى المؤمن الولدَ في الجنَّة كان في ساعة كما يَشتهي" ولكن لا يشتهي. قال محمد: وقد روي عن أبي رَزِين العُقَيلي عن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ أهل الجنَّة لا يكون لهم فيها ولد". وأبو الصديق الناجي: اسمه بكر بن عمرو، ويقال: بكر بن قيس" انتهى كلام الترمذي. قلتُ: إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح، فرجاله محتج بهم فيه؛ ولكنَّه غريب جدًّا، وتأويل إسحاق فيه نظر، فإنَّه قال: "إذا اشتهى المؤمنُ الولد. فـ "إذا" للمُتَحَقَّقِ (٢) الوقوع، ولو أُريِد ما ذكره من المعنى لقال: لو اشتهى المؤمن الولد لكان حمله في ساعة، فإنَّ ما لا يكون أحقَّ بأداة "لو" كما أنَّ المحقَّقَ الوقوع أحقُّ بأداةِ "إذا". وقد قال أبو نعيم: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا أحمد (٣) بن

стр. 580

إسحاق حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان الثوري، عن أبان، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول اللَّه، أيولَدُ لأهلِ الجنَّة، فإنَّ الولدَ من تمام السرور؟ فقال: "نعم والَّذي نفسي بيده، وما هو إلَّا كقدر ما يتمنَّى أحدكم فيكون حمله ورضاعه وشبابُه" (١) . حدثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن أحمد الرَّازي بمكة حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس حدثنا سليمان بن داود القزَّاز، حدثنا يحيى بن حفص الأسدي، قال: سمعتُ أبا عمرو بن العلاء، يُحَدِّثُ عن جعفر بن زيد (٢) العبدي عن أبي الصديق النَّاجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ الرجلَ من أهل الجنَّة ليولد له كما يشتهي، فيكون حمله وفصاله وشبابه في ساعةٍ واحدةٍ" (٣) .

стр. 581

وحديث معاذُ بن هشام، قال فيه بُنْدَار: عامر الأحول، وقال عمرو ابن علي: عاصم الأحول. وقال الحاكمُ: أنبأنا الأصم، حدثنا محمد بن عيسى حدثنا سلَّام ابن سليمان، حدثتا سلَّام الطويل عن زيد العمِّي عن أبي الصديق النَّاجي عن أبي سعيد الخدري يرفعه: "إنَّ الرجل من أهل الجنَّة ليشتهي الولدَ في الجنَّة، فيكون حمله وفصاله وشبابه في ساعةٍ واحدةٍ" (١) . قال البيهقي: "هذا إسناد ضعيف بمرَّة". وأمَّا حديث أبي رَزِين الَّذي أشارَ إليه البخاري فهو حديثه الطويل، ونحن نسوقه بطوله نجمِّل به الكتاب فعليه من الجلالة والمهابة ونورِ النبوة ما ينادي على صِحَّته. قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد في "مسند أبيه": كتب إليَّ (٢) إبراهيم ابن حمزة بن محمد بن حمزة (٣) بن مصعب بن الزبير الزبيري (٤) : كتبت إليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعتهُ على ما كتبتُ به إليك، فحدِّث بذلك عنَّي، قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الخزامي قال: حدثني عبد الرحمن بن عيَّاش السَّمَعِي (٥) الأنصاري -

стр. 582

من بني عمرو بن عوف - عن دَلْهم بن الأسود بن عبد اللَّه بن حاجب بن عامر بن المُنْتَفِق العُقَيلي عن أبيه عن عمِّه لقيط بن عامر قال دَلْهم: وحدَّثنيه أيضًا (١) أبي الأسودُ عن عاصم بن لَقِيْط: أنَّ لقيطًا خرج وافدًا إلى رسول اللَّه ﷺ ومعه صاحبٌ له يُقال له نَهِيْك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجتُ أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول اللَّه ﷺ حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في النَّاسِ خطيبًا فقال: "أيها النَّاسُ ألَا إنِّي قد خبأتُ لكم صوتي منذ أربعة أيَّامٍ ألا لأُسْمِعنَّكُم (٢) ، ألَا فَهَلْ من امْرئٍ بعثه قومه؟ فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول اللَّه ﷺ ؟ ألا ثُمَّ لعله أنْ يلهيه حديثُ نفسه، أو حديث صاحبه أو يلهيه الضَّلال، ألَا وإنِّي مسؤول هل بلَّغْتُ، ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا، قال: فجلس النَّاسُ، وقمتُ أنا وصاحبي، حتَّى إذا فرَّغ لنا فؤاده وبصره، قلتُ: يا رسول اللَّهِ ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعَمْرُ اللَّهِ وهزَّ رأسهُ، وعلم أنِّي أبتغي سَقْطَةً (٣) ، فقال: ضَنَّ ربُّكَ بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلَّا اللَّهُ، وأشار بيده، قلتُ: وما هي؟ قال: علم المَنِيَّة، قد عَلِمَ متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعِلْم المنيِّ حين يكون في الرَّحم قد علمه ولا تعلمون (٤) ، وعلم ما في غدٍ ما أنت طاعمٌ غدًا، ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف

стр. 583

عليكم أزلين مشفقين، فيظل يضحك، قد علم أنَّ غِيَرَكُم إلى قرب" (١) ، قال لقيط: قلتُ: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا، وعلمَ يوم السَّاعة، قلتُ: يا رسول اللَّه، علمنا مما تُعَلَّمُ النَّاسَ، وما تَعْلَمُ، فإنَّا من قَبيلٍ لا يصدقون تصديقنا أحد: من مَذْحِج التي تَرْبُوا علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: تلبثون ما لبثتم، ثمَّ يُتَوفَّى نبيكم، ثمَّ تلبثون ما لبثتم، ثمَّ تُبْعَثُ الصائحة، لعَمْرُ إلهِكَ ما تدَعُ على ظهرها شيئًا إلَّا ماتَ، والملائكة الَّذين مع ربِّك ، فأصبحَ ربُّكَ يطوفُ في الأرضِ وخلَتْ عليه البلاد، فأرسل ربُّك السماء بهَضْبٍ (٢) من عند العرشِ، فلعمرُ إلهك ما تدعُ على ظهرها من مصرع (٣) قتيل، ولا مدفن ميت إلَّا شقَّت القبر عنه، حتَّى تخلقه (٤) من عند رأسهِ، فيستوي جالسًا، فيقول ربك: مَهْيَمْ (٥) ، لما كان فيه. يقول: يا رب أمِتْني اليوم، ولعهده بالحياةِ يحسبه حديثًا بأهله، فقلتُ: يا رسول اللَّه، كيف يجمعنا بعدما تُمزقنا الرِّياح والبِلَى والسِّباع؟ قال: أُنْبِئُك بمثل ذلك في آلاءِ اللَّه: الأرض، أشرفت عليهَا وهي مدرة بالية، فقَلت: لا تحيا أبدًا، ثمَّ أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلَّا أيَّامًا حتى أشْرفْتَ عليها، وهي شَرَبَّة واحدة، ولَعَمْرُ إلهك لهو أقدرُ على أنْ يجمعهم من الماءِ على أنْ يجمع نبات الأرضِ،

стр. 584

فيخرجون من الأصواء (١) ، ومن مصارعهم، فتنظرون إليه وينظر إليكم (٢) ، قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، فكيف ونحن ملء الأرض، وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظرُ إليه، قال: أُنْبِئُك بمثل ذلك في آلاءِ اللَّه : الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً، لا تضارون في رؤيتهما، ولعمرُ إلهك، لهو أقدرُ على أنْ يراكم وترونه منهما (٣) ، قلتُ: يا رسول اللَّهِ، فما يفعل ربنا ، إذا لقيناه؟ قال: تعرضون عليه باديةً له صَفَحاتكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غُرْفَةً من الماءِ فينضح قِبَلكم (٤) بها، فلعمرُ إلهك ما تخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأمَّا المسلم فتدع وجهه مثل الرَّيطة (٥) البيضاء، وأمَّا الكافرُ فتخطمه بمثل الحُمم الأسود، ألا ثُمَّ ينصرف نبيكم ﷺ ، ويفترقُ على أثرهِ الصَّالحون، فيسلكون جسْرًا من النَّارِ، فيطأ أحدكم الجمرة فيقول: حَسِّ (٦) ، فيقول ربك: أَوَانُهُ، فتطَّلِعُون على حوضِ الرسول ﷺ على ظمإ -واللَّه- ناهلة قط رأيتها، فلعمرُ إلهك ما يبسط واحد منكم يدهُ إلَّا وقعَ عليها قدح مطهرة من

стр. 585

الطَّوْف (١) والبول والأذى، وتُحْبس الشمس والقمرِ، فلا ترون منهما واحدًا، قال: قلتُ: يا رسول اللَّهِ فَبِمَا نُبْصِرُ؟ قال: بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض، ثمَّ واجهته الجبال. قال: قلتُ: يا رسول اللَّهِ فَبمَا نُجْزَى من حسناتنا وسيئاتنا؟ قال: الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها إلَّا أنْ يعفو، قال: قلتُ: يا رسول اللَّهِ ما الجنَّة، ما النَّار؟ قال: لعمرُ إلهك إنَّ للنَّارِ سبعة أبوابٍ ما منهنَّ بابان إلَّا يسير الرَّاكبُ بينهما سبعين عامًا، قال: قلتُ: يا رسول اللَّهِ فعلى ما نطَّلِعُ من الجنَّة؟ قال: على أنهار من عَسَلٍ مصفَّى، وأنَّهارٍ من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماءٍ غير آسنٍ، وبفاكهةٍ لَعَمْرُ إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة، قلتُ: يا رسول اللَّه، ولنا فيها أزواج أو منهنَّ مُصْلحات؟ قال: الصالحات للصالحين، تلذوا بهنَّ (٢) مثل لذَّاتكم في الدنيا، ويلذذن (٣) بكم غير أنْ لا توالد، قال لقيط: فقلتُ: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه، فلم يجبه النَّبي ﷺ . فقلتُ: يا رسول اللَّه على ما أبايعك؟ قال فبسط النَّبي ﷺ يده، وقال: على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وَزِيَال الشرك، وأنْ لا تشرك باللَّه إلهًا غيره. قال: قلتُ: وإنَّ لنا ما بين المشرق والمغرب؟ فقبض النَّبي ﷺ يده وظن أنِّي مشترطٌ شيئًا لا يعطينيه. قال: قلتُ: نَحُلُّ منها حيث شئنا، ولا يجني

стр. 586

على امرؤٍ إلَّا نفسه، فبسط يده، وقال: ذلك لك تَحُلُّ حيث شئت، ولا يجني عليك إلَّا نفسك، قال: فانصرفنا عنه، ثمَّ قال: إنَّ هذين (١) لعمر إلهك من أتقى (٢) النَّاسِ في الأولى والآخرة، فقال له كعب بن الخُداريَّة أخو بني بكر بن كلاب: مَنْ هم يا رسول اللَّه؟ قال: بنو المنتفق أهلُ ذلك، قال: فانصرفنا وأقبلْتُ عليه فقلتُ: يا رسول اللَّه، هل لأحدٍ ممن (٣) مضى من خيرٍ في جاهليتهم؟ قال: قال رجل من عُرْضِ قُريش: واللَّه إنَّ أباك المنتفق لفي النَّارِ، قال فَلَكأنَّه (٤) وقع حَرٌّ بين جِلْدي ووجهي ولحمي مما قال لأبي على رؤوس (٥) الناس: فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول اللَّه، ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول اللَّه وأهلك؟ فقال: "وأهلي لعمر اللَّه ما أتيت عليه من قبرِ عامريًّ أو قرشيًّ من مشرك فقل: أرسلني إليك محمد ﷺ ، فأبشرك بما يسوءك، تُجَرُّ على وجهك وبطنك في النار". قال: قلت: يا رسول اللَّه ما فعل بهم ذلك، وقد كانوا على عمل لا يُحسنون (٦) إلَّا إيَّاهُ، وكانوا يحسبونهم مصلحين؟ قال: ذلك لأنَّ (٧) اللَّه بعث في

стр. 587

آخر كلِّ سبع أُمم -يعني نبيًا - فمن عصى نبيَّه كان من الضَّالين، ومن أطاعَ نبيه كان من المهتدين" (١) . هذا حديثٌ كبيرٌ مشهورٌ لا يعرف إلَّا من حديث أبي القاسم عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني (٢) ، ثمَّ من رواية إبراهيم ابن حمزة الزبيري المدني عنه، وهما من كبار علماء المدينة المحتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري، وروى عنهما في مواضع من كتابه. رواهُ أئمة الحديث في كتبهم، منهم: أبو عبد الرحمن عبد اللَّه بن الإمام أحمد، وأبو بكر أحمد ابن عمرو بن أبي عاصم، وأبو القاسم الطبراني، وأبو الشيخ الحافظ، وأبو عبد اللَّه بن منده، والحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني وغيرهم على سبيل القبول والتسليم. قال الحافظُ أبو عبد اللَّه بن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصَّغاني، وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقرؤوه بالعراق بمجمع (٣) العلماء وأهل الدَّين، فلم ينكره أحدٌ منهم، ولم يُتَكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول. وقال أبو الخير بن حمدان: "هذا حديث كبير ثابتٌ حسن مشهور". وسألتُ شيخنا أبا الحجاج المِزَّي عنه فقال: "عليه جلالة النبوة".

стр. 588

قال نُفَاةُ الإيلاد: فهذا حديث صريحٌ في انتفاء الولد، وقوله: "إذا اشتهى" معلق بالشرط، ولا يلزم من التعليق وقوع المُعَلَّق ولا المعلق به، و"إذا" وإنْ كانت ظاهرةً في المحقَّق، فقد استعمل لمجرد التعليق الأعم من المحقَّق وغيره. قالوا: وفي هذا الموضع يتعيَّن ذلك لوجوهٍ: أحدها: حديث أبي رَزِين هذا. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]، وهُنَّ الَّلاتي طُهَّرنَ من الحيض والنفاس والأذى. قال سفيان: أنبأنا ابن أبي نجيح عن مجاهد: "مطهرة من الحيض والغائط والبول والنخام والبصاق والمني والولد" (١) . وقال أبو معاوية: حدثنا ابن جريج عن عطاء: "أزواج مطهرة" قال: "من الولد والحيض، والغائط والبولِ" (٢) . الثالث: قوله: "غيرَ أنَّهُ لا مَنِي ولا مَنِيَّة" وقد تقدم (٣) ، والولد إنَّما يخلق من ماء الرجل، فإذا لم يكن هناك مني ولا مذي ولا نفخ في الفرج لم يكن هناك إيلاد.

стр. 589

الرَّابع: أنَّه قد ثبتَ في "الصحيح" (١) عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "يبقى في الجنَّة فضلٌ فينشئُ اللَّه لها خلقًا فيسكنهم إيَّاها"، ولو كان في الجنَّة إيلاد لكان الفضل لأولادهم، وكانوا أحقَّ به من غيرهم. الخامس: أنَّ اللَّهَ جعل الحمل والولادة مع الحيض والمني، فلو كُنَّ النساء يحْبَلْنَ في الجنَّة لم يقطع عنهنَّ الحيض والإنزال. السادس: أنَّ اللَّهَ سبحانه قدر التناسل في الدنيا؛ لأنَّه قدر الموت، وأخرجهم إلى هذه الدَّارِ قرنًا بعد قرنٍ، وجعل لهم أمَدًا ينتهون إليه، فلولا التناسل لبطل النوع الإنساني، ولهذا الملائكة لا تتناسل، فإنَّهم لا يموتون كما تموت الإنس والجنَّ، فإذا كان يوم القيامة أخرج اللَّهُ سبحانه النَّاسَ كلهم من الأرضِ، وأنشأهم للبقاءِ لا للموتِ فلا يحتاجون إلى تناسل يحفظ النوع الإنساني، إذ هو منشأ للبقاء والدوام، فلا أهل الجنَّة يتناسلون، ولا أهل النَّار (٢) . السابع: أنَّه قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ (٣) بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (٤) ﴾ [الطور: ٢١]. فأخبر سبحانه أنَّه يكرمهم بإلحاق ذُرِّياتهم الَّذين كانوا لهم في الدنيا، ولو كان ينشئ

стр. 590

لهم في الجنَّة ذُرِّية أخرى، لذكرهم كما ذكر ذريتهم الَّذين كانوا في الدنيا؛ لأنَّ قُرَّة عيونهم كانت تكون بهم، كما كانت (١) بذرياتهم من أهل الدنيا. الثامن: أنَّه (٢) إمَّا أنْ يقال باستمرار التناسل فيها لا إلى غاية، أو إلى غاية ثمَّ ينقطع، وكلاهما ممَّا لا سبيل إلى القول به، لاستلزام الأوَّل: اجتماع أشخاص لا تتناهى. واستلزام الثاني: انقطاع نوع من لذَّة أهل الجنَّة وسرورهم، وهو محالٌ، ولا يمكن أنْ يُقال: بتناسل يموت معه نسل ويخلفه نسل، إذ لا موت هناك. التاسع: أنَّ الجنَّة لا ينمو فيها الإنسان كما ينمو في الدنيا، فلا ولدان أهلها ينمون ويكبرون (٣) ولا الرجال ينمون (٤) كما تقدم، بل هؤلاء ولدان صغار لا يتغيرون، وهؤلاء أبناء ثلاث وثلاثين لا يتغيرون، ولو كان في الجنَّة ولادة لكان المولود ينمو (٥) ضرورة حتى يصير رجلًا، ومعلوم أنَّ من ماتَ من الأطفال يردون أبناء ثلاث وثلاثين من غير نموًّ. يوضحه: الوجه العاشر: أنَّ اللَّهَ ينشئ أهل الجنَّة نشأَة الملائكة، أو أكمل من نشأتهم، بحيث لا يبولون ولا يتغوطون ولا

стр. 591

ينامون، ويلهمون التسبيح ولا يهرمون على تطاول الأحقاب، ولا تنمو أبدانهم، بل القدر الَّذي جعلوا عليه لازمٌ لهم أبدًا، واللَّه تعالى أعلمُ. فهذا ما في هذه المسألة. فأمَّا قولُ بعضهم: إنَّ القُدْرة صالحة، والكلَّ ممكن. وقول آخرين (١) : إنَّ الجنَّة دار المكلفين التي يستحقونها بالعملِ. وأمثال هذه المباحث فرخيصة، وهي في كتب النَّاسِ، وباللهِ التوفيقِ. وقال الحاكمُ: "قال الأستاذُ أبو سهل: أهل الزيغ ينكرون هذا الحديث -يعني: حديث الولادة في الجنَّة - وقد رُوِيَ فيه غير إسناد، وسُئِلَ النَّبي ﷺ عن ذلك فقال: يكون ذلك على نحوٍ ممَّا روينا، واللَّه يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]، وليس بالمستحيل أنْ يشتهي المؤمنُ - الممكن من شهواته، المصفَّى المقرَّب المسلَّط على لذَّاته - قُرَّة عين، وثمرة فؤاد من الَّذين أنعم اللَّهُ عليهم بأزواجٍ مطهرة. فإنْ قيل: ففي الحديث أنَّهنَّ لا يحضن ولا يَنْفَسْنَ فأنَّى يكون الولد؟ قلتُ: الحيضُ سببُ الولادة المُمْتدّ أمَدُهُ بالحملِ على الكره والوضع عليه، كما أنَّ جميع ملاذَّ الدنيا من المشارب والمطاعم والملابس على ما عُرِفَ من التعب والنصبِ، وما يَعْقبهُ كلُّ منها (٢) ،

стр. 592

ممَّا يُحْذرُ منه ويُخاف من عواقبه، وهذه خمرةُ الدنيا المحرمة المستولية على كلِّ بَلِيَّةِ قد أعدَّها اللَّهُ تعالى لأهل الجنَّة منزوعة البلية، مُوَفَّرة (١) الَّلذة، فلمَ لا يجوزُ أنْ يكون على مثله الولدُ؟ انتهى كلامه" (٢) . قلتُ: النَّافون للولادة في الجنَّة لم ينفوها لزيغ في قلوبهم، ولكن لحديث أبي رزين "غيرَ أنْ لا توالد" وقد حكينا قول (٣) عطاء وغيره "أنَّهنَّ مطهرات من الحيض والولد" (٤) . وقد حكى الترمذي عن أهل العلم من السلف والخلف في ذلك قولين، وحكينا قول إسحاق بإنكاره، وقال أبو أُمامة ﵁ في حديثه: "غيرَ أنْ لا مَنيَّ ولا منيَّة"، والجنَّة ليست دار تناسل، بل دار بقاء وخلد، لا يموت من فيها فيقوم نسله مقامه. وحديث أبي سعيد الخدري هذا أجودُ أسانيده إسنادُ الترمذي، وقد حكم بغرابته، وأنَّه لا يُعْرف إلَّا من حديث أبي الصِّديق النَّاجي، وقد اضطرب لفظه: فتارةً يروى عنه: "إذا اشتهى الولد"، وتارة: "إنَّه ليشتهي الولد"، وتارةً: "إنَّ الرجل من أهل الجنَّة ليولد له" فاللَّه أعلمُ، فإنْ كان رسول اللَّه ﷺ قد قاله، فهو الحقُّ الَّذي لا شكَّ فيه، وهذه الألفاظ لا تنافي بينها، ولا تُناقِضُ حديث أبي رزين "غيرَ أنْ لا توالد"

стр. 593

إذ ذلك نفيٌ للتوالد المعهود في الدنيا، ولا ينفي ولادةً، حمل الولد فيها ووضعه وسنه وشبابه في ساعةٍ واحدة. فهذا ما انتهى إليه عِلْمنا القاصر في هذه المسألة، ولقد أتينا فيها بما لعلَّك لا تجده في غير هذا الكتاب، واللَّهُ أعلمُ بالصواب.

стр. 594

الباب السابع والخمسون: في ذكر سماع الجنَّة وغناء الحور العين وما فيه من الطَّرَبِ والَّلذة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٤ - ١٥]. قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن موسى الحَرَشي، حدثنا عامر بن يساف قال: سألتُ يحيى بن أبي كثير عن قوله : ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ [الروم: ١٥] قال: "الحَبْرةُ: اللَّذة والسماع" (١). حدثنا عبد اللَّه بن محمد الفريابي، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ﴿يُحْبَرُونَ (١٥)﴾ قال: "السماع في الجنة" (٢). ولا يخالف هذا قول ابن عباس: "يُكْرَمُون" (٣). وقول مجاهد، وقتادة: "ينعمون" (٤) فلذة الأذن بالسماع من الحبرة والنعيم.

стр. 595

وقال الترمذي: حدثنا هنَّاد وأحمد بن منيع قالا: حدثنا [أبو معاوية عن] (١) عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن عليًّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات (٢) فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له" (٣) . "وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس، وحديث علي: حديث غريب". قلت: وفي الباب عن ابن أبي أوفى، وأبي أمامة، وعبد اللَّه بن عمر أيضًا. فأما حديث أبي هريرة: فقال جعفر الفريابي: حدثنا سعيد بن حفص، حدثنا محمد بن سلمة (٤) ، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي صالح، عن أبي هريرة

стр. 596

-﵁ قال: "إن في الجنة نهرًا طول الجنة، حافتاه العذارى قيام متقابلات، ويغنين بأصوات حتى يسمعها الخلائق، ما يرون في الجنة لذة مثلها، قلنا: يا أبا هريرة وما ذاك الغناء؟ قال: إن شاء اللَّه التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب " (١) . هكذا رواه موقوفًا. وروى أبو نعيم في "صفة الجنة" من حديث مسلمة (٢) بن علي، عن زيد بن واقد، عن رجل، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب، وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهبُّ لها ريح فيَصْطَفِقْن (٣) ، فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه" (٤) . وأما حديث أنس: فقال أبو نعيم: أنبأنا عبد اللَّه بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عون بن الخطاب بن عبد اللَّه بن رافع،

стр. 597

عن ابنٍ لأنس؛ عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الحور يغنين في الجنة: نحن الحور الحسان، خلقنا لأزواج كرام" (١) . ورواه ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر،

стр. 598

حدثنا ابن أبي ذئب، عن أبي عبد اللَّه بن رافع، عن بعض ولد أنس فذكره. وأما حديث ابن أبي أوفى: فقال أبو نعيم: حدثنا عبد اللَّه بن (١) محمد بن جعفر من أصله، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا الوليد بن أبي ثور، حدثني سعد الطائي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يزوج إلى كل واحد من أهل الجنة أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيِّم، ومئة حوراء، فيجتمعن في كل سبعة أيام، فيقلن بأصوات حسان، لم تسمع الخلائق بمثلهنَّ: نحن الخالداتُ فلا نبيد، ونحن النَّاعمات فلا نبأس، ونحن الرَّاضياتُ فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، طوبى لمن كان لنا وكُنَّا له" (٢) .

стр. 599

وأمَّا حديث أبي أُمامة: فقال جعفر الفريابي: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أُمامة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما مِنْ عَبْدٍ يدخلُ الجنَّة، إلَّا ويجلسُ عندَ رأسِهِ وعند رجليهِ ثنتان من الحُورِ العينِ، تُغنِّيانه بأحسن صوتٍ سَمعهُ الإنس والجنُّ، وليس بمزامير الشَّيطانِ" (١) . وأمَّا حديث ابن عمر: فقال الطبراني: حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وَثِيمَة بن موسى بن الفُرَات المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ أزواج أهل الجنَّة ليُغنِّين أزواجهنَّ بأحسنِ أصواتٍ سمعها أحدٌ قطُّ، وإنَّ ممَّا يغنين به: نحنُ الخيراتُ الحِسَانُ، أزواجُ قومٍ كرامٍ، ينظرن بقُرَّةِ أعيان، إنَّ مما يغنين به: نحن الخالدات فلا نُمتْنَه، نحنُ الآمناتُ فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنَّه" (٢) .

стр. 600

قال الطبراني: "لم يروه عن زيد بن أسلم إلَّا محمد، تفرَّد به ابن أبي مريم". وقال ابن وهب: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: قال رجلٌ من قريش لابن شهاب: هل في الجنَّة سماعٌ؛ فإنَّه حُبِّبَ إليَّ السماعُ؟ فقال: "إي والَّذي نفس ابن شهاب بيده، إنَّ في الجنَّة لشجرًا حمله اللؤلؤ والزبرجد، تحته جوارٍ ناهداتٍ يتغنين بالقرآن يقُلْنَ: نحنُ النَّاعمات فلا نبأس، ونحن الخالداتُ فلا نموت، فإذا سمع ذلك الشجر صَفَقَ بعضه بعضًا، فأجَبْنَ الجواري، فلا يُدرى أصواتُ الجواري أحسنُ، أم أصواتُ الشجر" (١) . قال ابن وهب: وحدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد: "أنَّ الحورَ العين يغنين أزواجهنَّ فيقلن: نحنُ الخيراتُ الحِسَان، أزواجُ شباب (٢) كرام، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الرَّاضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، في صدر إحداهنَّ مكتوبٌ: أنت حِبِّي، وأنا حِبُّك، انتهت نفسي عندك، لم تَرَ عيناي مثلك" (٣) .
следующие страницы →