← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

-﵁ قال: "إن في الجنة نهرًا طول الجنة، حافتاه العذارى قيام متقابلات، ويغنين بأصوات حتى يسمعها الخلائق، ما يرون في الجنة لذة مثلها، قلنا: يا أبا هريرة وما ذاك الغناء؟ قال: إن شاء اللَّه التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب " (١) . هكذا رواه موقوفًا. وروى أبو نعيم في "صفة الجنة" من حديث مسلمة (٢) بن علي، عن زيد بن واقد، عن رجل، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب، وفروعها من زبرجد ولؤلؤ، فتهبُّ لها ريح فيَصْطَفِقْن (٣) ، فما سمع السامعون بصوت شيء قط ألذ منه" (٤) . وأما حديث أنس: فقال أبو نعيم: أنبأنا عبد اللَّه بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عون بن الخطاب بن عبد اللَّه بن رافع،

стр. 597

عن ابنٍ لأنس؛ عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الحور يغنين في الجنة: نحن الحور الحسان، خلقنا لأزواج كرام" (١) . ورواه ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر،

стр. 598

حدثنا ابن أبي ذئب، عن أبي عبد اللَّه بن رافع، عن بعض ولد أنس فذكره. وأما حديث ابن أبي أوفى: فقال أبو نعيم: حدثنا عبد اللَّه بن (١) محمد بن جعفر من أصله، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا حامد بن يحيى البلخي، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا الوليد بن أبي ثور، حدثني سعد الطائي، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يزوج إلى كل واحد من أهل الجنة أربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيِّم، ومئة حوراء، فيجتمعن في كل سبعة أيام، فيقلن بأصوات حسان، لم تسمع الخلائق بمثلهنَّ: نحن الخالداتُ فلا نبيد، ونحن النَّاعمات فلا نبأس، ونحن الرَّاضياتُ فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، طوبى لمن كان لنا وكُنَّا له" (٢) .

стр. 599

وأمَّا حديث أبي أُمامة: فقال جعفر الفريابي: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أُمامة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ما مِنْ عَبْدٍ يدخلُ الجنَّة، إلَّا ويجلسُ عندَ رأسِهِ وعند رجليهِ ثنتان من الحُورِ العينِ، تُغنِّيانه بأحسن صوتٍ سَمعهُ الإنس والجنُّ، وليس بمزامير الشَّيطانِ" (١) . وأمَّا حديث ابن عمر: فقال الطبراني: حدثنا أبو رفاعة عمارة بن وَثِيمَة بن موسى بن الفُرَات المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "إنَّ أزواج أهل الجنَّة ليُغنِّين أزواجهنَّ بأحسنِ أصواتٍ سمعها أحدٌ قطُّ، وإنَّ ممَّا يغنين به: نحنُ الخيراتُ الحِسَانُ، أزواجُ قومٍ كرامٍ، ينظرن بقُرَّةِ أعيان، إنَّ مما يغنين به: نحن الخالدات فلا نُمتْنَه، نحنُ الآمناتُ فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنَّه" (٢) .

стр. 600

قال الطبراني: "لم يروه عن زيد بن أسلم إلَّا محمد، تفرَّد به ابن أبي مريم". وقال ابن وهب: حدثني سعيد بن أبي أيوب قال: قال رجلٌ من قريش لابن شهاب: هل في الجنَّة سماعٌ؛ فإنَّه حُبِّبَ إليَّ السماعُ؟ فقال: "إي والَّذي نفس ابن شهاب بيده، إنَّ في الجنَّة لشجرًا حمله اللؤلؤ والزبرجد، تحته جوارٍ ناهداتٍ يتغنين بالقرآن يقُلْنَ: نحنُ النَّاعمات فلا نبأس، ونحن الخالداتُ فلا نموت، فإذا سمع ذلك الشجر صَفَقَ بعضه بعضًا، فأجَبْنَ الجواري، فلا يُدرى أصواتُ الجواري أحسنُ، أم أصواتُ الشجر" (١) . قال ابن وهب: وحدثنا الليث بن سعد عن خالد بن يزيد: "أنَّ الحورَ العين يغنين أزواجهنَّ فيقلن: نحنُ الخيراتُ الحِسَان، أزواجُ شباب (٢) كرام، ونحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الرَّاضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، في صدر إحداهنَّ مكتوبٌ: أنت حِبِّي، وأنا حِبُّك، انتهت نفسي عندك، لم تَرَ عيناي مثلك" (٣) .

стр. 601

وقال ابن المبارك: حدثنا الأوزاعي، حدثنا يحيى بن أبي كثير: "إنَّ الحورَ العينِ يتلقين أزواجهنَّ عندَ أبواب الجنَّة فيقلن: طالما انتظرناكم، فنحنُ الرَّاضيات فلا نسخط، والمقيمات فلا نظعن، والخالداتُ فلا نموت، بأحسن أصوات سُمِعَتْ تقول: أنتَ حِبِّي وأنا حبُّك ليس دونك مقصد (١) ، ولا وراءك مَعْدل" (٢) .

стр. 602

فصل ولهم سماع أعلى من هذا قال ابن أبي الدنيا: حدثني دَهْثَم بن الفضل القرشي، حدثنا روَّاد ابن الجرَّاح، عن الأوزاعي قال: "بلغني أنَّه ليس من خلق اللَّه أحسن صوتًا من إسرافيل، فيأمرهُ اللَّهُ ﵎ فيأخذ في السماع، فما يبقى ملكٌ في السماوات إلَّا قطع عليه صلاته، فيمكث بذلك ما شاء اللَّهُ أنْ يمكث، فيقول اللَّه : وعزَّتي وجلالي (١) لو يعلمُ العبادُ قدرَ عظمتي (٢) ما عبدوا غيري" (٣). وحدثني داود بن عمرو (٤) الضبي، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر قال: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أينَ الَّذين كانوا ينزَّهون أسماعهم وأنفسهم عن مجالس الَّلهو ومزامير الشيطان، أسكنوهم رياضَ المسكِ، ثمَّ يقول للملائكة: أسمعوهم تمجيدي وتحميدي" (٥).

стр. 603

وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار في قوله : ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) ﴾ [ص: ٢٥] قال: "إذا كان يوم القيامة أمرَ بمنبر رفيعٍ فوضِع في الجنَّة، ثمَ نودي: يا داود مجِّدْني بذلك الصوت الحَسَنِ الرخيم الَّذي كنتَ تمجدني به في دار الدنيا، قال: فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنان، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) ﴾ " (١) . وذكر حماد بن سلمة عن ثابت البُناني، وحجاج الأسود عن شهر ابن حوشب قال: "إنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه يقول للملائكة: إنَّ عبادي كانوا يحبون الصَّوت الحسن في الدنيا، فيدعونه من أجلي فاسْمِعُوا عبادي، فيأخذوا بأصواتٍ من تهليلٍ وتسبيحٍ وتكبيرٍ لم يسمعوا بمثله قَطُّ" (٢) . قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد في كتاب "الزهد" لأبيه: "حدثني علي بن مُسْلم الطُّوسي حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك ابن دينار في قوله : ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) ﴾ قال: "يقيم اللَّهُ سبحانه داود عند ساق العرش، فيقول: يا داود مجِّدني اليومَ

стр. 604

بذلك الصوت الحسنِ الرَّخيم، فيقول: إلهي كيف أمجدك وقد سَلبْتنيه في دار الدنيا؟ قال: فيقول اللَّه : فإنِّي أرده عليك، قال: فيرده عليه، فيزداد صوته، قال: فيستفرغ صوت داود نعيم أهل الجنَّة" (١) . وقال ابن أبي الدنيا (٢) : حدثنا مسلم بن إبراهيم الحراني (٣) ، حدثنا مسكين بن بكير عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لُبَابة قال: "إنَّ في الجنَّة شجرة ثمرها زبرجد وياقوت ولؤلؤ، فيبعث اللَّه ريحًا فتصفق، فيُسمع لها أصواتٌ لم يسمع ألذُّ منها" (٤) . حدثنا أبو بكر بن يزيد وإبراهيم بن سعيد قالا: حدثنا أبو عامر العَقَدِي، حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام (٥) عن عكرمة عن ابن عباس قال: "في الجنَّة شجرة على ساق قدر ما يسير الرَّاكبُ في "ظلَّها مئة عام، فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم، فيذكر لهو الدنيا،

стр. 605

فيرسل اللَّه ريحًا من الجنَّة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهوٍ كان في الدنيا" (١). حدثني إبراهيم بن سعيد حدثنا علي بن عاصم حدثنا سعيد بنِ أبي سعيد الحارثي قال: "حُدَّثْتُ أنَّ في الجنَّة آجامًا من قَصَبٍ من ذَهَبٍ حملها اللؤلؤ، فإذا اشتهى أهل الجنَّة أنْ يسمعوا صوتًا حسنًا؛ بعث اللَّه على تلك الآجام ريحًا فتأتيهم بكل صوت يشتهونه" (٢). فصل ولهم سماع أعلى من هذا يضمحل دونه كلُّ سماع، وذلك حين يسمعون كلام الرب ﷻ ، وخِطَابه وسلامه عليهم، ومحاضرته لهم، ويقرأ عليهم كلامه، فإذا سمعوه منه، فكأنَّهم لم يسمعوه قبل ذلك، وسيمرُّ بك - أيها السُّنَّيُّ - من الأحاديث الصِّحاح والحسان في ذلك ما هو من (٣) أحب سماع لك في الدنيا وألذه لأذنك، وأقرِّهِ لعينك، إذ ليس في الجنَّة لذَّةٌ أعظمُ من النظر إلى وجه الرَّبِّ تعالى، وسماعِ كلامه منه، ولا يُعْطَى أهل الجنَّة شيئًا أحبَّ إليهم من ذلك.

стр. 606

وقد ذكر أبو الشيخ عن صالح بن حيَّان عن عبد اللَّه بن بُرَيْدة قال: "إنَّ أهلَ الجنَّة يدخلون كلَّ يومٍ مرَّتين على الجبَّارِ ﷻ فيقرأ عليهم القرآن، وقد جلسَ كلُّ امرئٍ منهم مجلسه الَّذي هو مجلسه على منابر الدرِّ والياقوت، والزبرجد والذهب والزمُرُّد، فلم تَقَرَّ أعينهم بشيءٍ، ولم يسمعوا شيئًا قطُّ أعظم ولا أحسنَ منه، ثمَّ ينصرفون إلى رحالهم ناعمين قرِيرة أعينهم، إلى مثلها من الغَدِ" (١) .

стр. 607

الباب الثامن والخمسون: في ذكر مطايا أهل الجنَّة وخيولهم ومراكبهم قال الترمذي: حدثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن حدثنا عاصم بن علي حدثنا المسعودي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بُريدة عن أبيه: أنَّ رجلًا سأل النَّبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه: هل في الجنَّة من خيل؟ قال: إن اللَّهُ أدخلك الجنَّة فلا تشاءُ أن تُحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنَّة حيث شئت إلَّا فعلت (١)، قال: وسأله رجل، فقال: يا رسول اللَّه! هل في الجنَّة من إبل؟ قال: فلم يقل ما قال لصاحبه، قال: إن يدخلك اللَّهُ الجنَّة يكن لك فيها ما اشتهت نفسُك ولذَّت عينُك" (٢).

стр. 608

حدثنا سويد بن نصر، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النَّبي ﷺ نحوه بمعناه وهذا أصحُّ من حديث المسعودي. حدثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرة الأحْمسِي حدثنا أبو معاوية عن واصل بن السائب عن أبي سَوْرة عن أبي أيوب قال: أتى النَّبي ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسول اللَّهِ إنَّي أحبُّ الخيل أفي الجنة خَيْلٌ؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أدخلت الجنَّة أُتيتَ بفرسٍ من ياقوتةٍ له جناحان فحملت

стр. 609

عليه، ثمَّ طار بك حيث شئت" (١) . قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بالقوي، ولا نعرفه من حديث أبي أيوب إلَّا من هذا الوجه، وأبو سورة: هو ابن أخي أبي أيوب، يضعَّف في الحديث، ضعفه ابن معين جدًّا، قال: وسمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث، يروي مناكير عن أبي أيوب لا يتابع عليه (٢) ". قلتُ: أمَّا حديث علقمة بن مرثد فقد اضطرب فيه علقمة: فمرَّة يقول: عن سليمان بن بريدة عن أبيه. ومرَّة يقول: عن عبد الرحمن بن سابط (٣) عن عبد الرحمن (٤) بن ساعدة قال: كنتُ أحبُّ الخيل، فقلتُ: هل في الجنَّة خيلٌ يا رسول اللَّهِ؟ ومرَّة يقول: قال رجلٌ من الأنصارِ يُقال له عمير بن ساعدة: يا رسول اللَّه.

стр. 610

ومرَّة يقول: عن عبد الرحمن بن سابط عن النَّبي ﷺ . والترمذي جعل هذا أصحَّ من حديث المسعودي؛ لأنَّ سفيان أحفظ منه، وأثبت. وقد رواهُ أبو نعيم من حديث علقمة هذا، فقال: عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ أعرابيًّا قال: يا رسول اللَّه! أفي الجنَّة إبلٌ؟ قال: يا أعرابي إنْ يُدخلك اللَّه الجنَّة رأيتَ فيها ما تشتهي نفسك وتلذُّ عينُك". ورواه أيضًا من حديث علقمة عن يحيى بن إسحاق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ في ذكر الجنَّة فقال: "والفردوس أعلاها سُمُوًّا، وأوسعها مَحَلَّةً، ومنها تفجر أنهار الجنَّة، وعليها يوضعُ العرش يومَ القيامة، فقام إليه رجلٌ، فقال: يا رسول اللَّهِ إنِّي رجلٌ حُبِّبَ إليَّ الخيل (١) ، فهل في الجنَّة خيل؟ قال: إي والَّذي نفسي بيده، إنَّ في الجنَّة لخيلًا وإبلًا هَفَّافةً ترفّ بين خلال ورق الجنَّة، يتزاورون عليها حيث شاؤوا، فقام إليه رجل فقال: يا رسول اللَّه! إنِّي حُبِّبَ إليَّ الإبل ... وذكر الحديث. وأمَّا حديث أبي سَوْرَة فلا يعرف إلَّا من حديث واصل بن السائب عنه، ولم يروه عنه غيره، وغير يحيى بن جابر الطائي. وقد أخرج له أبو داود حديث: "ستُفتح عليكم الأمصارُ، وتجندون أجنادًا" (٢) .

стр. 611

وأخرج له ابن ماجه عن أبي أيوب: "رأيتُ النَّبي ﷺ توضأ فخلَّل لحيته" (١) . وحديثًا آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] " (٢) . وأخرج له الترمذي حديث: "خيل الجنَّة" (٣) فقط. ورواهُ أبو نعيم: من حديث جابر بن نوح عن واصل به وقال: "إنَّ أهل الجنَّة ليتزاورون على نجائب بيضٍ، كأنَّها الياقوت، وليس في الجنَّة من البهائم إلَّا الخيلُ والإبل" (٤) . وقال أبو الشيخ: حدثنا القاسمُ بن زكريا حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مروان بن معاوية عن الحكم بن أبي خالد عن الحسن البصري عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، عن النَّبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل

стр. 612

الجنَّة الجنَّة جاءتهم خيولٌ من ياقوت أحمر، لها أجنحةٌ، لا تروث ولا تبول فقعدوا عليها، ثمَّ طارت بهم في الجنَّة، فيتجلى لهم الجبار، فإذا رأوه خرُّوا سجدًا فيقول لهم الجبار ﵎: ارفعوا رؤوسكم فإنَّ هذا ليس بيوم عمل، إنَّما هو يوم نعيم وكرامة، قال: فيرفعون رؤوسهم، فيُمطر اللَّه تعالى عليهم طيبًا، فيمرُّون بكثبان المسك، فيبعث اللَّه على تلك الكثبان ريحًا، فتهيِّجها عليهم حتى إنَّهم ليرجعون إلى أهليهم وإنَّهم لشعث غُبْر" (١) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا همام عن قتادة عن عبد اللَّه بن عمرو قال: "في الجنَّة عِتَاق الخيل، وكرائم النجائب يركبها أهلها" (٢) .

стр. 613

الباب التاسع والخمسون: في زيارة أهل الجنَّة بعضهم بعضًا، وتذاكرهم ما كان بينهم في الدنيا قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٠ - ٥٧]. أخبر أنَّ أهل الجنَّة أقبل بعضهم على بعض يتحدثون، ويسأل بعضهم بعضًا عن أحوال كانت في الدنيا، فأفضت بهم المحادثة والمذاكرة إلى أنْ قال قائلٌ منهم: كان لي قرينٌ في الدنيا ينكر البعث والدَّار الآخرة، ويقول ما حكاهُ اللَّهُ عنه، يقول: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ بأنَّا نُبعث ونُجازى بأعمالنا، ونُحاسبُ بها بعد أنْ مَزَّقَنَا البِلَى، وكُنَّا تُرابًا وعظامًا، ثمَّ يقول المؤمنُ لإخوانه في الجنَّة: هل أنتم مطلعون في النَّارِ لننظر منزلة قريني هذا وما صار إليه. هذا أظهرُ الأقوالِ، وفيها قولان آخران: أحدهما: أنَّ الملائكة تقول لهؤلاء المتذاكرين الَّذين يحدث بعضهم بعضًا: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ [الصافات: ٥٤]. رواهُ عطاء عن ابن عباس (١).

стр. 614

والثاني: أنَّه من قول اللَّه لأهل الجنَّة يقول لهم: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) ﴾. والصحيح القول الأوَّل (١) ، وأنَّ هذا قول المؤمن لأصحابه ومحادثيه، والسياق كله والإخبار عنه وعن حال قرينه. قال كعب: "بين الجنَّة والنَّارِ كُوًى، فإذا أراد المؤمنُ أنْ ينظر إلى عدوٍّ كان له في الدنيا اطَّلعَ من بعض تلك الكُوى" (٢) . وقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ﴾ أي: أشرف. قال مقاتل: "لما قال لأهل الجنَّة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؟ قالوا له: إنَّك أعرف به منَّا، فاطَّلِعْ أنت، فَأَشْرَفَ فرأى قرينه في وسط الجحيم، ولولا أنَّ اللَّه عرَّفه إيَّاهُ لما عرَفه، لقد تغيَّر وجهُهُ ولونُهُ وغيَّرهُ العذاب أشدَّ تغيير، فعندها قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) ﴾ [الصافات: ٥٦ - ٥٧] أي: إنْ كدتَ لتهلكني، ولولا أنْ (٣) أنعمَ اللَّهُ عليَّ بنعمه لكنتُ من المحضرين معَك في العذاب" (٤) .

стр. 615

وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) ﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٨]. وقال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق حدثنا سهل بن عثمان حدثنا المسيب بن شَرِيك عن بشر بن نُمير (١) عن القاسم عن أبي أُمامة قال: سُئِلَ رسول اللَّه ﷺ : أيتزاورُ أهل الجنَّة؟ قال: يزور الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى، إلَّا الَّذين يتحابون في اللَّه يأتون منها حيث شاؤوا على النُّوق محتقبين الحشايا" (٢) . وقال الدورقي: حدثنا أبو سلمة التبوذكي، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: بلغنا أنَّ أهل الجنَّة يزورُ الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى" (٣) .

стр. 616

وقد تقدم حديث علقمة بن مرثد عن يحيى بن إسحاق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ (١) . وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبدوس حدثنا الحسن بن حماد حدثنا جابر بن نوح عن واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب يرفعه: "إنَّ أهل الجنَّة يتزاورون على النجائب" وقد تقدم (٢) . فأهلُ الجنَّة يتزاورون فيها، ويستزيرُ بعضهم بعضًا، وبذلك تَتِمُّ لذَّتُهم وسرورهم، ولهذا قال حارثة للنَّبي ﷺ وقد سألهُ: "كيف أصبحتَ يا حارثة؟ " قال: أصبحتُ مؤِمنًا حقًّا، قال: "إنَّ لكلِّ حقًّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزَفتْ نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأنِّي أنظرُ إلى عرش ربي بارزًا، وإلى أهل الجنَّة يتزاورون فيها، وإلى أهل النَّارِ يُعَذَّبون فيها، فقال: "عبدٌ نوَّر اللَّهُ قلبَه" (٣) .

стр. 617

قال ابن أبي الدنيا: حدثنا عبد اللَّه (١) حدثني سلمة بن شبيب حدثنا سعيد بن دينار عن الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّةَ، قال: فيشتاقُ الإخوان بعضهم إلى بعض، فيسير سريرُ هذا إلى سرير هذا، وسرير هذا إلى سرير هذا، حتَّى يجتمعا جميعًا، فيقول أحدهما لصاحبه: تعلمُ متى غفر اللَّهُ لنا؟ فيقول صاحبه: يوم كُنَّا في موضع كذا وكذا، فدعونا اللَّه فغفر لنا" (٢) . قال: وحدثنا حمزة بن العباس، أنبأنا عبد اللَّه بن عثمان أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا إسماعيل بن عياش قال: حدثني ثعلبة بن مسلم (٣) ، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شُفَيِّ بن ماتِعٍ (٤) أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ من نعيم أهل الجنَّة أنَّهم يتزاورون على المطايا

стр. 618

والنجب، وأنَّهم يؤتون في الجنَّة بخيلٍ مُسرجةٍ مُلْجمةٍ، لا تروث ولا تبول، فيركبونها حتَّى ينتهوا حيث شاء اللَّهُ ، فيأتيهم مثل السحابة، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، فيقولون: أمطري علينا، فما يزال المطرُ عليهم حتَّى ينتهي ذلك فوق أمانيهم، ثمَّ يبعث اللَّه ريحًا غير مؤذية، فتنسف كثبانًا من مسك عن أيمانهم وعن شمائلهم، فيأخذ ذلك المسك في نواصي خيولهم، وفي مفارقهم (١) وفي رؤوسهم، ولكلِّ رجلٍ منهم جُمَّة على ما اشتهت نفسه، فيتعلَّق ذلك المسك في تلك الجمام وفي الخيل، وفيما سوى ذلك من الثياب، ثمَّ يقبلون حتى ينتهوا إلى ما شاء اللَّهُ تعالى، فإذا المرأة تنادي بعض أولئك: يا عبد اللَّه أمالك فينا حاجة؟ فيقول: ما أنتِ ومن أنتِ؟ فتقول: أنا زوجك وحِبُّكَ، فيقول: ما كنتُ علمتُ بمكانِك، فتقول المرأة: أوما تعلم انَّ اللَّه قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ [السجدة: ١٧] فيقول: بلى وربِّي، فلعلَّه يُشْغَلُ (٢) عنها بعد ذلك الموقف أربعين خريفًا، لا يلتفتُ ولا يعودُ؛ ما يشغلهُ عنها إلَّا ما هو فيه من النعيم والكرامة" (٣) .

стр. 619

حدثني حمزة أنبأنا عبد اللَّه بن عثمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا رشدين ابن سعد قال: حدثني ابنُ أنعم أنَّ أبا هريرة ﵁ قال: "إنَّ أهل الجنَّة ليتزاورون على العِيْس الجُوْنِ، عليها رحال المَيْس، تثير مناسمها غبار المسك، خِطام أو زمام أحدها خيرٌ من الدنيا وما فيها" (١) . وذكر ابن أبي الدنيا: من حديث أبي اليمان، حدثنا إسماعيل بن عيَّاش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ أنَّه سأل جبريل عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] قال: "هم الشهداء يبعثهم اللَّه متقلدين أسيافهم حول عرشه، فأتاهم ملائكة من المحشر بنجائب من ياقوت، أزِمَّتها الدُّرُّ الأبيض، برحال الذهب، أعِنَّتها السندس والإستبرق، ونمارقها أَلْيَنُ من الحرير، مدُّ خُطَاها مدُّ أبصار الرجال، يسيرون في الجنَّة على خيول، يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا ننظر كيف يقضي اللَّه (٢) بين خلقه، يضحك اللَّهُ إليهم، وإذا ضحك اللَّه إلى عبدٍ في موطن فلا حساب عليه" (٣) .

стр. 620

قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا الفضل بن جعفر ثنا جعفر بن حسن (١) ، حدثنا أبي، عن الحسن بن علي عن علي (٢) ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ في الجنَّة لشجرةً يخرجُ من أعلاها حللٌ، ومن أسفلها خيلٌ من ذهب مسرجةٍ ملجمةٍ من درٍّ وياقوت، لا تروث ولا تبول، لها أجنحة خطوها مدُّ بصرها، فيركبها أهل الجنَّة فتطيرُ بهم حيث شاؤوا، فيقول الَّذين أسفلَ منهم درجة (٣) : يا رب بِمَ بلغ عبادُك هذه الكرامة كلها؟ قال: فيقال لهم: كانوا يصلون بالليل وكنتم تنامون، وكانوا يصومون وكنتم تأكلون، وكانوا ينفقون وكنتم تبخلون، وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون" (٤) .

стр. 621

فصل ولهم زيارةٌ أخرى أعلى من هذه وأجلُّ، وذلك حين يزورون ربهم ﵎، فيريهم وجهَه، ويُسْمعهم كلامَه، ويحلُّ عليهم رضوانه. وسيمرُّ بك ذكر هذه الزيارة عن قريبٍ، إنْ شاء اللَّهُ تعالى (١).

стр. 622

الباب الستون: في ذكر سوق الجنَّة وما أعدَّ اللَّهُ تعالى فيه (١) لأهلها قال مسلم في "صحيحه" (٢): حدثنا سعيد بن عبد الجبار الصَّيرفي، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إنَّ في الجنَّة لسُوقًا يأتونها كلَّ جمعة، فتهبُّ ريحُ الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حُسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم، وقد ازدادوا حُسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: واللَّهُ لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم واللَّهِ لقد ازددتم بعدنا حُسنًا وجمالًا". ورواهُ الإمام أحمد في "مسنده" عن عفَّان، عن حماد بن سلمة به (٣). وقال: "فيها كثبان المسكِ فإذا خرجوا إليها هبَّت الرِّيح" (٤). وقال ابن أبي عاصم في كتاب "السنة": حدثنا هشام بن عمَّار حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب أنَّه لقيَ أبا هريرة، فقال أبو هريرة: أسأل اللَّه أنْ يجمع بيني وبينك في سوقِ الجنَّة، فقال سعيد: أوَ فيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول اللَّه ﷺ : "أنَّ أهلَ الجنَّة إذا دخلوها نزلوها بفضل

стр. 623

أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون اللَّه ﵎، فيبرز لهم عرشه، ويتبدَّى لهم في روضة من رياض الجنَّة، فيوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ياقوت، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم - وما فيها دنيٌّ - على كثبان المسك والكافور، وما يرون أنَّ أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا، قال أبو هريرة: فقلتُ: هل (١) نرى ربنا ؟ قال: نعم، قال: هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدرِ؟ قلنا: لا، قال: فكذلك لا تمارون في رؤية ربكم ﵎، ولا يبقى في ذلك المجلس أحدٌ إلَّا حاضره اللَّه محاضرة، حتَّى يقول: يا فلان بن فلان، أتذكر يوم فعلت كذا وكذا؟ فيُذَكِّره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: بلى، فيقول: يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فبمغفرتي بلغتَ منزلتك هذه، قال: فبينما هم على ذلك، غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قطُّ، ثمَّ يقول ربنا ﵎: قُوموا إلى ما أعددتُ لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، قال: فيأتون سوقًا قد حفَّتْ به (٢) بها الملائكة، فيه ما لم تنظرِ العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطر على القلوب، قال: فيُحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيءٌ ولا يُشْتَرى، وفي ذلك السُّوق يلقى أهل الجنَّة بعضهم بعضًا، قال: فيقبل ذو البِزَّة المرتفعة فيلقى من هو دونه - وما فيهم دنيٌّ - فيروعه ما يرى

стр. 624

عليه من اللباس والهيئة، فما ينقضي آخر حديثه حتَّى يتمثل عليه أحسنَ منه، وذلك أنَّه لا ينبغي لأحد أنْ يحزن فيها، قال: ثمَّ ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا، فيقلن: مرحبًا وأهلًا بمُحِبِّنَا (١) ، لقد جئتَ وإنَّ بك من الجمالِ والطَّيب أفضل ممَّا فارقتنا عليه، فيقول: إنَّا جالسنا اليومَ ربنا الجبَّار ﵎، وبحقنا أنْ ننقلبَ بمثل ما انقلبنا" (٢) . ورواه الترمذي في "صفة الجنَّة": عن محمد بن إسماعيل عن هشام بن عمار. وليس في هذا الإسناد من ينظر فيه إلَّا عبد الحميد بن حبيب وهو كاتب الأوزاعي، فلا نُنْكِرُ عليه تفرده عن الأوزاعي بما لم يروهِ غيره، وقد قال الإمام أحمد وأبو حاتم الرَّازي: هو ثقة، وأمَّا دُحَيم والنسائي: فضعَّفاه، ولا يعرف أنَّه حدث عن غير الأوزاعي. والترمذي قال: "هذا الحديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه". قلتُ: وقد رواهُ ابن أبي الدنيا، عن الحكم بن موسى حدثنا هقل (٣) بن زياد عن الأوزاعي قال: نُبِّئتُ أنَّ سعيد بن المسيب لقيَ أبا هريرة فذكره.

стр. 625

وقال الترمذي: حدثنا أحمدُ بن منيع وهنَّاد قالا: حدثنا أبو معاوية أنبأنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد (١) عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ في الجنَّة لسوقًا ما فيها شراء ولا بيع إلَّا الصُّور من الرِّجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورةً دخلَ فيها" (٢) . قال: "هذا حديثٌ غريب". وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا سليمان التيمي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "يقول أهلُ الجنَّة: انطلقوا إلى السوق، فينطلقون إلى كثبان المسك (٣) ، فإذا رجعوا إلى أزواجهم، قالوا: إنَّا لنجدُ لكُنَّ ريحًا ما كانت لكُنَّ إذ خرجنا من عندكنَّ (٤) قال: فيقُلنْ لقد رجعتم بريحٍ ما كانت لَكُمْ إذ خرجتم من عندنا (٥) " (٦) . قال ابن المبارك: وأنبأنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: "إنَّ في الجنَّة لسوقًا على كثبان (٧) مسك يخرجون إليها،

стр. 626

ويجتمعون إليها، فيبعث اللَّهُ تعالى ريحًا فتدخلها (١) بيوتهم فيقول لهم أهلوهم إذا رجعوا إليهم: قد ازددتم بعدنا حُسنًا، ويقولون لأهليهم: قد ازددتم أيضًا عندنا حسنًا" (٢) . وقال الحافظ محمد بن عبد اللَّه الحضرمي المعروف بمطيَّن: حدثنا أحمدُ بن محمد بن طريف البجلي حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجُعفي عن أبي جعفر عن (٣) علي بن الحسين عن جابر بن عبد اللَّه قال: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن مجتمعون، فقال: يا معشر المسلمين إنَّ في الجنَّة لسوقًا ما يُباع فيها ولا يُشترى إلَّا الصُّور، من أحبَ صورةً من رجل أو امرأةٍ دخل فيها" (٤) .

стр. 627

الباب الحادي والستون: في ذكر زيارة أهل الجنَّة ربَّهم ﵎ قال الشافعي في "مسنده": حدثنا إبراهيم بن محمد قال: حدثني موسى بن عبيدة قال: حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد اللَّه بن عُبيد بن عُمَير أنَّهُ سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها وَكْتَةٌ (١) إلى النَّبي ﷺ فقال النَّبي ﷺ : ما هذه؟ قال: الجمعة، فُضِّلتَ بها أنتَ وأمتك، فالنَّاس لكم فيها تبعٌ: اليهودُ والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو اللَّه بخيرٍ إلَّا استجيبَ له، وهو عندنا يوم المزيد، قال النَّبي ﷺ : يا جبريل وما يومُ المزيد؟ قال: إنَّ ربك اتخذَ في الفردوس واديًا أفيحَ فيه كثبُ مسكٍ، فإذا كان يوم الجمعة أنزل اللَّهُ ﵎ ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النَّبيين، وحَفَّ تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللةٍ بالياقوتِ والزبرجد، عليها الشهداء والصِّدِّيقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكُثُب فيقول اللَّه تعالى: أنا ربُّكم قد صَدَقْتكم (٢) وعْدِي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم عليَّ ما تمنيتم، ولديَّ مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الَّذي استوى فيه ربكم على العرشِ، وفيه خلق

стр. 628

آدم، وفيه تقوم الساعة" (١) . ولهذا الحديث طرق سنشير إليها في باب المزيد إنْ شاء اللَّهُ تعالى (٢) . وروى أبو نعيم من حديث شيبان بن جُبير عن فَرْقَد (٣) عن الحسن عن أبي بَرْزَة الأسلمي عن النَّبي ﷺ (٤) قال: "إنَّ أهل الجنَّة ليغدون في حُلَّةٍ ويروحون في أخرى؛ كغدوِّ أحدكم ورواحه إلى ملك من ملوك الدنيا، كذلك يغدون ويروحون إلى زيارة ربِّهم ، وذلك لهم بمقادير ومعالم يعلمون تلك السَّاعة التي يأتون فيها ربهم " (٥) . وقد رواهُ جعفر بن جَسْر بن (٦) فرقد، عن أبيه مثله.

стр. 629

وذكر أبو نعيم أيضًا: من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال: إذا سكن أهل الجنَّة الجنَّة، أتاهم مَلَكٌ يقول: إنَّ اللَّه ﵎ يأمركم أنْ تزوروه، فيجتمعون فيأمر اللَّهُ ﵎ داود ﵊، فيرفع صوته بالتسبيح والتهليل، ثمَّ توضع مائدة الخُلْد، قالوا: يا رسول اللَّه وما مائدة الخلد؟ قال زاوية من زواياها أوسع مما بين المشرق والمغرب، فيطمعون، ثمَّ يسقون، ثمَّ يكسون فيقولون: لم يبقَ إلَّا النظر في (١) وجه ربنا ، فيتجلَّى لهم فيخرون سُجَّدًا، فيقال لهم: لستم في دار عملٍ، إنَّما أنتم في دار جزاء" (٢) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو موسى إسحاق بن إبراهيم الهَرَوِي حدثنا القاسم بن يزيد المَوصِلي حدثنا أبو إلياس قال: حدثني محمد ابن علي بن الحسين قال: قال رسول اللَّه ﷺ (٣) .

стр. 630

وقال أبو نعيم: حدثني محمد بن علي بن حبيش حدثنا إبراهيم بن شريك حدثنا أحمد بن يونس حدثنا المُعَافَى بن عمران - وكان من خيار النَّاس - قال: حدثني إدريس بن سِنَان، عن وهب بن مُنَبه، عن محمد بن علي، قال إدريس: ثمَّ لقيت محمد بن علي بن الحسين بن فاطمة فحدثني قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ في الجنَّة شجرةً يُقال لها طُوبَى، لو سُخِّرَ الجواد الرَّاكب أنْ يسير في ظلِّها لسار فيها مئة عام، ورقها برودٌ خضرٌ، وزهرها رياط صفْر، وأقناؤها سندس وإستبرق، وثمرها حُللٌ، وصمغها زنجبيل وعسل، وبطحاؤها ياقوت أحمر، وزمرد أخضر، وأترابها مسكٌ، وحشيشها زعفران، منبع الألنجوج (١) يؤجَّجان من غير وقود، يتفجَّر من أصلها أنهار السلسبيل والمعين والرَّحيق، وظلها مجلس من مجالس أهل الجنَّة يألفونه، ومتحدث يجمعهم، فبينا هم يتحدثون في ظلها إذ جاءتهم الملائكة يقودون نُجُبًا جُبِلت من الياقوت، ثمَّ نُفِخَ فيها الروح مزمومة بسلاسل من ذهبٍ، كأنَّ وجوهها المصابيح نضارةً وحسنًا، وَبَرُهَا حرير (٢) أحمر، ومِرْعِزِّي أبيض مختلطان، لم ينظر الناظرون إلى مثلها، عليها رحائل (٣) ألواحها من الدرِّ والياقوت، مُفضَّضة باللؤلؤ والمرجان، صفافها من الذهب الأحمر، ملبسة بالعبقري والأرجوان، فأناخُوا إليهم تلك النجائب، ثم قالوا لهم: إن ربكم ﵎ يقرئكم

стр. 631

السلام، ويستزيركم لتنظروا إليه، وينظر اليكم، وتحيونه ويحييكم، ويكلمكم وتكلمونه، ويزيدكم من سعته وفضله، إنه ذو رحمة واسعة، وفضل عظيم. فيتحول كل رجل منهم على راحلته، ثم انطلقوا صفًّا واحدًا معتدلًا، لا يفوت منه شيء شيئًا، ولا يفوت أذن الناقة أذن صاحبتها، ولا بِرْكَة (١) ناقة بركة صاحبتها، ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرتها، وَرَحَلَتْ لهم عن طريقهم كراهية أن ينثلم صفهم، أو يفرق بين الرجل ورفيقه، فلما رفعوا إلى الجبار ﵎ أسفر لهم عن وجهه الكريم، وتجلى لهم في عظمته العظيمة، فقالوا: ربنا أنت السلام ومنك السلام، ولك حق الجلال والإكرام، فقال لهم ربُّهم ﵎: إنِّي السلام، ومنِّي السلام، ولي حق الجلال والإكرام، مرحبًا بعبادي الذين حفظوا وصيتي، ورعوا عهدي، وخافوني بالغيب، وكانوا مني على كل حال مشفقين. قالوا: وعزتك وجلالك وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، وما أدينا إليك كل حقك، فائذن لنا بالسجود، فقال لهم ربهم ﵎: إني قد وضعت عنكم مؤنة العبادة، وأرحتُ لكم أبدانكم، فطالما أنصبتم لي الأبدان، وأعنيتم لي الوجوه، فالآن أفضيتم إلى رَوحي ورحمتي وكرامتي، فسلوني ما شئتم، وتمنُّوا عليَّ أُعطِكُم أمانيكم، فإنِّي لن أجزِيَكُم اليوم بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي وكرامتي، وَطَوْلي وجلالي، وعلو مكاني وعظمة شأني. فما يزالون في الأماني والعطايا

стр. 632

والمواهب، حتَّى إنَّ المقتصر من أُمْنِيَّتِهِ ليتمنَّى مثلَ جميع الدنيا، منذ خلقها اللَّه إلى يومِ أفناها، فقال لهم ربُّهم ﵎: لقد قصَّرتم في أمانِيِّكم، ورضيتم بدون ما يحقُّ لكم، فقد أوجبتُ لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم ذريتكم وزدتكم ما قصرت عنه أمَانِيُّكم". ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبي ﷺ ، وحسبه أنْ يكون من كلام محمد بن علي، فغلط فيه بعض هؤلاء الضعفاء، فجعله من كلام النَّبي ﷺ . وإدريس بن سنان: هذا هو سِبْط وهب بن منبه ضَعَّفه ابن عدي، وقال الدَّارقطني: متروك، وأمَّا أبو إلياس المُتابِعُ له، فلا يُدرى من هو (١) ، وأمَّا القاسم بن يزيد الموصلي الرَّاوي عنه فمجهول أيضًا، ومثل هذا لا يصح رفعه، واللَّهُ أعلم. وقال الضحاك في قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) ﴾ [مريم: ٨٥] قال: "على النجائب عليها الرِّحال" (٢) .

стр. 633

الباب الثاني والستون: في ذكر السحاب والمطر الَّذي يصيبهم في الجنَّة (١) قد تقدَّم في حديث سوق الجنَّة أنَّه يغشاهم يوم الزيارة سحابةٌ من فوقهم، فتمطر عليهم طيبًا لم يجدوا مثلَ ريحه قطُّ (٢). وقال بقية بن الوليد: حدثنا بَحِيْر بن سعد عن خالد بن مَعْدَان عن كثير بن مُرَّة قال: "إنَّ من المزيد أنْ تمرَّ السحابة بأهل الجنَّة، فتقول: ماذا تريدون أنْ أمطركم؟ فلا يتمنون شيئًا إلَّا مُطِرُوا" (٣). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أزهر بن مروان، حدثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه (٤) الشيباني عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن صَيْفِي اليماني (٥)، قال: سأله عبد العزيز بن مروان عن وفد أهل الجنَّة قال: إنَّهم يفدون إلى اللَّهِ سبحانه كلَّ خميس فيوضع لهم أسرَّة، كلُّ إنسانٍ منهم أعرف بسريره منك بسريرك هذا الَّذي أنت عليه، فإذا قعدوا عليه وأخذ القومُ مجالسهم قال ﵎: أطعموا عبادي وخلقي وجيراني ووفدي، فيطعموا، ثمَّ يقول: أسقوهم، قال: فيأتون بآنية من ألوانٍ شتَّى مختمة (٦) فيشربون منها، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني

стр. 634

ووفدي قد طعموا وشربوا، فكِّهُوْهُم، فتجيء ثمرات شجر مدلاة، فيأكلون منها ما شاؤوا، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا، أكسوهم، فتجيء ثمرات شجر أخضر وأصفر وأحمر، وكل لونٍ لم تنبت إلَّا الحلل، فينشر عليهم حللًا وقُمصًا، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكُسوا، طيِّبوهم، فيتناثر عليهم المسلك مثل رُذاذِ المطرِ، ثمَّ يقول: عبادي وجيراني وخلقي ووفدي قد طعموا وشربوا وفَكهوا وكسوا وطيِّبوا لأتجلينَّ لهم حتَّى ينظروا إليَّ، فإذا تجلَّى لهم فنظروا إليه؛ نضرت وجوههم، ثمَّ يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فتقول لهم أزواجهم: خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها؟ فيقولون: ذلك أنَّ اللَّه جلَّ ثناؤه تجلَّى لنا فنظرنا إليه، فنضرتْ وجوهنا" (١) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا إسماعيل بن عيَّاش، قال: حدثني ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شُفي بن ماتع (٢) أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ من نعيم أهل الجنَّة أنَّهم يتزاورون على المطايا والنجب، وأنَّهم يُؤْتَون في الجنَّة بخيلٍ مُلجمة مسرجة لا تروث ولا تبول، يركبونها حتَّى ينتهوا حيث شاء اللَّه، فيأتيهم مثلُ السحابة فيها

стр. 635

ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، فيقولون: أمطري علينا فما يزال المطر عليهم حتَّى ينتهيَ ذلك فوق أمانيهم، ثمَّ يبعث اللَّه تعالى ريحًا غير مؤذية فتنسفُ كثبانًا من مسك عن أيمانهم وعن شمائلهم، فيأخذون ذلك المسك في نواصي خيولهم وفي مفارقها وفي رؤوسهم، ولكلِّ رجلٍ منهم جُمَّة على ما اشتهتْ نفسه، فيتعلق ذلك المسك في تلك الجمام، وفي الخيلِ وفيما سوى ذلك من الثياب، ثمَّ يقبلون حتَّى ينتهوا إلى ما شاء اللَّه، فإذا المرأة تنادي بعض أولئك: يا عبد اللَّه أَمَا لَك فينا حاجة؟ فيقول (١): ما أنت، ومن أنت؟ فتقول: أنا زوجتك وحِبك، فيقول: ما كنت علمت بمكانك، فتقول المرأة: وما تعلم أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، فيقول: بلى وربِّي. فلعلَّه يشتغل عنها بعد ذلك الموقف أربعينَ خريفًا، ما يشغله عنها إلَّا ما هو فيه من النعيم" (٢). فصل وقد جعل اللَّهُ سبحانه السحاب وما يمطره سببًا للرحمة والحياة، في هذه الدَّار، ويجعله سببًا لحياةِ الخلقِ في قبورهم، حيث يمطر على الأرضِ أربعين صباحًا (٣) مطرًا متداركًا من تحت العرشِ، فينبتون
следующие страницы →