← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

السلام، ويستزيركم لتنظروا إليه، وينظر اليكم، وتحيونه ويحييكم، ويكلمكم وتكلمونه، ويزيدكم من سعته وفضله، إنه ذو رحمة واسعة، وفضل عظيم. فيتحول كل رجل منهم على راحلته، ثم انطلقوا صفًّا واحدًا معتدلًا، لا يفوت منه شيء شيئًا، ولا يفوت أذن الناقة أذن صاحبتها، ولا بِرْكَة (١) ناقة بركة صاحبتها، ولا يمرون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرتها، وَرَحَلَتْ لهم عن طريقهم كراهية أن ينثلم صفهم، أو يفرق بين الرجل ورفيقه، فلما رفعوا إلى الجبار ﵎ أسفر لهم عن وجهه الكريم، وتجلى لهم في عظمته العظيمة، فقالوا: ربنا أنت السلام ومنك السلام، ولك حق الجلال والإكرام، فقال لهم ربُّهم ﵎: إنِّي السلام، ومنِّي السلام، ولي حق الجلال والإكرام، مرحبًا بعبادي الذين حفظوا وصيتي، ورعوا عهدي، وخافوني بالغيب، وكانوا مني على كل حال مشفقين. قالوا: وعزتك وجلالك وعلو مكانك، ما قدرناك حق قدرك، وما أدينا إليك كل حقك، فائذن لنا بالسجود، فقال لهم ربهم ﵎: إني قد وضعت عنكم مؤنة العبادة، وأرحتُ لكم أبدانكم، فطالما أنصبتم لي الأبدان، وأعنيتم لي الوجوه، فالآن أفضيتم إلى رَوحي ورحمتي وكرامتي، فسلوني ما شئتم، وتمنُّوا عليَّ أُعطِكُم أمانيكم، فإنِّي لن أجزِيَكُم اليوم بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي وكرامتي، وَطَوْلي وجلالي، وعلو مكاني وعظمة شأني. فما يزالون في الأماني والعطايا

стр. 632

والمواهب، حتَّى إنَّ المقتصر من أُمْنِيَّتِهِ ليتمنَّى مثلَ جميع الدنيا، منذ خلقها اللَّه إلى يومِ أفناها، فقال لهم ربُّهم ﵎: لقد قصَّرتم في أمانِيِّكم، ورضيتم بدون ما يحقُّ لكم، فقد أوجبتُ لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم ذريتكم وزدتكم ما قصرت عنه أمَانِيُّكم". ولا يصحُّ رفعه إلى النَّبي ﷺ ، وحسبه أنْ يكون من كلام محمد بن علي، فغلط فيه بعض هؤلاء الضعفاء، فجعله من كلام النَّبي ﷺ . وإدريس بن سنان: هذا هو سِبْط وهب بن منبه ضَعَّفه ابن عدي، وقال الدَّارقطني: متروك، وأمَّا أبو إلياس المُتابِعُ له، فلا يُدرى من هو (١) ، وأمَّا القاسم بن يزيد الموصلي الرَّاوي عنه فمجهول أيضًا، ومثل هذا لا يصح رفعه، واللَّهُ أعلم. وقال الضحاك في قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) ﴾ [مريم: ٨٥] قال: "على النجائب عليها الرِّحال" (٢) .

стр. 633

الباب الثاني والستون: في ذكر السحاب والمطر الَّذي يصيبهم في الجنَّة (١) قد تقدَّم في حديث سوق الجنَّة أنَّه يغشاهم يوم الزيارة سحابةٌ من فوقهم، فتمطر عليهم طيبًا لم يجدوا مثلَ ريحه قطُّ (٢). وقال بقية بن الوليد: حدثنا بَحِيْر بن سعد عن خالد بن مَعْدَان عن كثير بن مُرَّة قال: "إنَّ من المزيد أنْ تمرَّ السحابة بأهل الجنَّة، فتقول: ماذا تريدون أنْ أمطركم؟ فلا يتمنون شيئًا إلَّا مُطِرُوا" (٣). وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أزهر بن مروان، حدثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه (٤) الشيباني عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن صَيْفِي اليماني (٥)، قال: سأله عبد العزيز بن مروان عن وفد أهل الجنَّة قال: إنَّهم يفدون إلى اللَّهِ سبحانه كلَّ خميس فيوضع لهم أسرَّة، كلُّ إنسانٍ منهم أعرف بسريره منك بسريرك هذا الَّذي أنت عليه، فإذا قعدوا عليه وأخذ القومُ مجالسهم قال ﵎: أطعموا عبادي وخلقي وجيراني ووفدي، فيطعموا، ثمَّ يقول: أسقوهم، قال: فيأتون بآنية من ألوانٍ شتَّى مختمة (٦) فيشربون منها، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني

стр. 634

ووفدي قد طعموا وشربوا، فكِّهُوْهُم، فتجيء ثمرات شجر مدلاة، فيأكلون منها ما شاؤوا، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا، أكسوهم، فتجيء ثمرات شجر أخضر وأصفر وأحمر، وكل لونٍ لم تنبت إلَّا الحلل، فينشر عليهم حللًا وقُمصًا، ثمَّ يقول: عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكُسوا، طيِّبوهم، فيتناثر عليهم المسلك مثل رُذاذِ المطرِ، ثمَّ يقول: عبادي وجيراني وخلقي ووفدي قد طعموا وشربوا وفَكهوا وكسوا وطيِّبوا لأتجلينَّ لهم حتَّى ينظروا إليَّ، فإذا تجلَّى لهم فنظروا إليه؛ نضرت وجوههم، ثمَّ يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فتقول لهم أزواجهم: خرجتم من عندنا على صورة، ورجعتم على غيرها؟ فيقولون: ذلك أنَّ اللَّه جلَّ ثناؤه تجلَّى لنا فنظرنا إليه، فنضرتْ وجوهنا" (١) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: أنبأنا إسماعيل بن عيَّاش، قال: حدثني ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير العجلي عن شُفي بن ماتع (٢) أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ من نعيم أهل الجنَّة أنَّهم يتزاورون على المطايا والنجب، وأنَّهم يُؤْتَون في الجنَّة بخيلٍ مُلجمة مسرجة لا تروث ولا تبول، يركبونها حتَّى ينتهوا حيث شاء اللَّه، فيأتيهم مثلُ السحابة فيها

стр. 635

ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، فيقولون: أمطري علينا فما يزال المطر عليهم حتَّى ينتهيَ ذلك فوق أمانيهم، ثمَّ يبعث اللَّه تعالى ريحًا غير مؤذية فتنسفُ كثبانًا من مسك عن أيمانهم وعن شمائلهم، فيأخذون ذلك المسك في نواصي خيولهم وفي مفارقها وفي رؤوسهم، ولكلِّ رجلٍ منهم جُمَّة على ما اشتهتْ نفسه، فيتعلق ذلك المسك في تلك الجمام، وفي الخيلِ وفيما سوى ذلك من الثياب، ثمَّ يقبلون حتَّى ينتهوا إلى ما شاء اللَّه، فإذا المرأة تنادي بعض أولئك: يا عبد اللَّه أَمَا لَك فينا حاجة؟ فيقول (١): ما أنت، ومن أنت؟ فتقول: أنا زوجتك وحِبك، فيقول: ما كنت علمت بمكانك، فتقول المرأة: وما تعلم أنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، فيقول: بلى وربِّي. فلعلَّه يشتغل عنها بعد ذلك الموقف أربعينَ خريفًا، ما يشغله عنها إلَّا ما هو فيه من النعيم" (٢). فصل وقد جعل اللَّهُ سبحانه السحاب وما يمطره سببًا للرحمة والحياة، في هذه الدَّار، ويجعله سببًا لحياةِ الخلقِ في قبورهم، حيث يمطر على الأرضِ أربعين صباحًا (٣) مطرًا متداركًا من تحت العرشِ، فينبتون

стр. 636

تحت الأرض كنبات الزرع (١) ، ويبعثون يوم القيامة والسماء تَطِشُّ عليهم (٢) ، وكأنَّه -واللَّهُ أعلمُ- أثر ذلك المطر العظيم كما يكون في الدنيا، ويثير لهم سحابًا في الجنَّة يمطرهم ما شاؤوا من طيبٍ وغيره، وكذلك أهل النَّارِ ينشئُ لهم سحابًا يمطرُ عليهم عذابًا إلى عذابهم؛ كما أنشأ لقومِ هودٍ وقوم شعيبٍ سحابًا أمطرهم عذابًا أهلكهم، فهو سبحانه ينشئه للرحمة والعذابِ.

стр. 637

الباب الثالث والستون: في ذكر مُلكِ الجنَّة وأنَّ أهلها كلهم (١) ملوك فيها قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ [الإنسان: ٢٠]. قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ قال: "عظيمًا". وقال: "استئذان الملائكة عليهم لا تدخل عليهم الملائكة إلَّا بإذن" (٢). وقال كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ قال: "يُرسِلُ إليهم ربُّهم الملائكة، فتأتي الملائكة فتستأذن عليهم" (٣). وقال بعضهم: الخدم، ولا تدخل الملائكة عليهم إلَّا بإذن. وقال الحكم (٤) بن أبان: عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ "أنَّه ذكر مراكب أهل الجنَّة ثمَّ تلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ " (٥).

стр. 638

وقال ابن أبي الحواري: سمعتُ أبا سليمان يقول في قول اللَّه : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) ﴾ قال: "الملك الكبير: أنَّ رسول ربِّ العِزَّة يأتيه بالتحفة واللطف (١) ، فلا يصل إليه حتَّى يستأذن عليه فيقول للحاجب: استأذن على وليِّ اللَّهِ، فإنِّي لستُ أصلُ إليه، فَيُعْلِمُ ذلك الحاجب حاجبًا آخر، وحاجبًا بعد حاجب، ومن داره إلى دار السلام باب يدخل منه على ربِّه إذا شاءَ بلا إذنٍ، فالملك الكبير: أنَّ رسول ربِّ العزَّة لا يدخل عليه إلَّا بإذن، وهو يدخل على ربِّه بلا إذنٍ" (٢) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا صالح بن مالك، حدثنا صالح المري، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ يرفعه: "إنَّ أسفَلَ أهلِ الجنَّة أجمعين درجةً مَنْ يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم" (٣) .

стр. 639

حدثني محمد بن عباد بن موسى، أنبأنا زيد بن الحُبَاب، عن أبي هلال الراسبي، أخبرنا الحجاج بن عتاب العبدي، عن عبد اللَّه بن معبد (١) الزمَّاني، عن أبي هريرة قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة وليس فيهم دني، من يغدو عليه كل يوم ويروح خمسة عشر ألف خادم، ليس منهم خادم إلا ومعه طرفة ليست مع صاحبه" (٢) . حدثني محمد بن عباد، حدثنا زيد بن الحباب، عن أبي هلال، حدثنا حميد بن هلال قال: "ما من رجل من أهل الجنة إلا وله ألف خازن، ليس منهم خازن إلا على عمل ليس عليه صاحبه" (٣) . حدثني هارون بن سفيان، أخبرنا محمد بن عمر، حدثنا المُفَضَّل ابن فضالة، عن زهرة بن معبد، عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "إن العبد أول ما يدخل الجنة يتلقاه سبعون ألف خادم كأنهم

стр. 640

اللؤلؤ" (١) . حدثني هارون بن سفيان، حدثنا محمد بن عمر، أخبرنا محمد بن هلال عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة - وما فيهم دني - لَمَن يغدو عليه عشرة آلاف خادم، مع كل خادم طرفة ليست مع صاحبه" (٢) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد اللَّه ابن زَحَر، عن محمد بن أبي أيوب المخزومي، عن أبي عبد الرحمن المعافري قال: "إنه لَيُصَفُّ للرجل من أهل الجنة سِمَاطان لا يرى طرفاهما من غلمانه، حتى إذا مرَّ مَشَوْا وراءه" (٣) . وقال أبو خيثمة: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، كما بين الجابية وصنعاء" (٤) .

стр. 641

وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا بقية بن الوليد، حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلًا -من مشيخة الجَنَد (١) - يقال له: أبو الحجاج قال: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن يكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من الخدم، وعند طرف السماطين باب مُبَوَّب فيقبل الملك من ملائكة اللَّه ليستأذن، فيقوم أدنى الخدم إلى الباب، فإذا هو بالملك يستأذن، فيقول للذي يليه هذا ملك يستأذن، ويقول للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا له، فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له كذلك، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف" (٢) . وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا قَبِيصة حدثنا سليمان العنبري، عن الضحاك بن مزاحم قال: بينا ولي اللَّه في منزله إذ أتاه رسول من اللَّه فقال للآذن: استاذن لرسول اللَّه على ولي اللَّه، فيدخل الآذن فيقول: يا ولي اللَّه، هذا رسول اللَّه يستأذن عليك، قال: ائذن له فيأذن له فيدخل (٣) على ولي اللَّه، فيضع ما بين يديه

стр. 642

تحفة، فيقول: يا ولي اللَّه: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تأكل من هذه، قال: فُيشبِّهُهُ بطعام أكله أيضًا، فيقول: إنما أكلت هذا الآن، فيقول: إن ربك يأمرك أن تأكل منها، فيأكل منها فيجد منها طعم كل ثمرة في الجنة، قال: فذلك قوله : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] " (١) . وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث المغيرة بن شعبة، عن النَّبي ﷺ قال: "سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو الرجل يجيء بعدما أُدخِل أهل الجنةِ الجنةَ، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربِّ، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربي، فيقول له: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك، فيقول: "رضيت رب" وذكر الحديث، وقد تقدم ذكره بتمامه (٣) . وقال البزار في "مسنده": حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة ابن سلمة، حدثنا وهيب عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد

стр. 643

قال: "خلق اللَّه ﵎ الجنة: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وغرسها بيده، وقال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] فدخلها (١) الملائكة، فقال: طوبى لك منزل الملوك" (٢) . هكذا رواه وهيب عن الجريري موقوفًا، ورواه عدي بن الفضل، عن الجريري فرفعه، قال البزار: "ولا نعلم أحدًا رفعه إلا عدي بن الفضل بهذا الإسناد، وعدي بن الفضل ليس بالحافظ، وهو شيخ بصري". قلت: عدي بن الفضل هذا تفرد به ابن ماجه، وقد ضعفه يحيى بن معين، وأبو حاتم. والحديث: صحيح موقوف. واللَّه أعلم. وقد تقدم ذكر التيجان على رؤوسهم (٣) ، وإنما (٤) يلبسها الملوك.

стр. 644

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (١٠) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح تأليف الإمام أبي عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) تحقيق زائد بن أحمد النشيري إشراف بكر بن عبد اللَّه أبو زيد [المجلد الثاني]

стр. 645

الباب الرَّابع والستون: في أنَّ (١) الجنَّة فوق ما يخطر بالبال أو يدورُ في الخلد، وأنَّ موضع سوطٍ منها خيرٌ من الدنيا وما فيها قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦، ١٧]. وتأمَّل كيفَ قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الَّذي أخفاهُ لهم ممَّا لا تعلمه نفس، وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حتى يقوموا إلى صلاة الليل = بقُرَّة الأعين في الجنَّة. وفي "الصحيحين" (٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قال اللَّهُ : أعددتُ لعبادي الصالحين، ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبَ بشرٍ، مِصْداقُ ذلك في كتاب اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ ". وفي لفظٍ آخر فيهما: "يقول اللَّهُ : أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلب بشر، ذُخْرًا بَلْهَ ما أطلعكم عليه، ثمَّ قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ

стр. 646

أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ الآية" (١) . وفي بعض طُرُق البخاري: قال أبو هريرة: اقرؤوا إنْ شِئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ " (٢) . وفي "صحيح مسلم" (٣) من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: شهدت من رسول اللَّه ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنَّة حتَّى انتهى، ثمَّ قال في آخر حديثه: "فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلب بشر، ثمَّ اقترأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] ". وفي "الصحيحين" (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقابُ قوس أحدكم في الجنَّة خيرٌ ممَّا طلعتْ عليه الشمس أو تغرب". وقد تقدَّم حديث أبي أُمامة (٥) عن النَّبي ﷺ : "أَلَا مُشَمِّرٌ للجنَّة، فإنَّ الجنَّة لا خَطَرَ لها، هي وربِّ الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ، ونهرٌ مُطَّرِدٌ، وثمرةٌ نضيجةٌ، وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ،

стр. 647

وحُللٌ كثيرة، ومقام في أبدٍ في دارٍ سليمة، وفاكهةٍ وخضرةٍ وحبرةٍ ونعمةٍ، في محلةٍ عاليةٍ بهيةٍ (١) " (٢) . ولو لم يكن من خطر الجنَّة وشرفها إِلَّا أنَّه لا يُسأل بوجه اللَّه غيرها = لكفاها شرفًا وفضلًا، كما في "سنن أبي داود" من حديث سليمان بن معاذٍ عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري (٣) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يسأل بوجه اللَّهِ إِلَّا الجنَّة" (٤) . وفي "معجم الطبراني" من حديث بَقِيَّة، عن ابن جُرَيْج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما خلقَ اللَّهُ جنَّةَ عَدْنٍ، خَلَقَ فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشرٍ، ثمَّ قال لها: تكلَّمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) ﴾ " (٥) .

стр. 648

وفي "صحيح البخاري" (١) من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "موضع سوط في الجنَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها". وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَقِيْدُ سوطِ أحدكم من الْجنَّة خيرٌ ممَّا بين السماء والأرضِ" (٢) . وهذا الإسناد على شرط الصحيحين. وقال الترمذي: حدثنا سُوَيد بن نصر حدثنا ابن المبارك أنبأنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص عن أبيه عن جده عن النَّبي ﷺ قال: "لو أنَّ ما يقِلُّ ظُفُر (٣) ممَّا في الجنَّة

стр. 649

بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السماوات والأرضِ، ولو أنَّ رجلًا من أهل الجنَّة اطَّلعَ فبدا أساوره لطمسَ ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوءَ الكواكب" (١) . قال الترمذي: "هذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إِلَّا من حديث ابن لهيعة، وقد روى يحيى بن أيوب هذا الحديث عن يزيد بن أبي حبيب، وقال: عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن النَّبي ﷺ ". قلتُ: وقد رواهُ ابن وهب أنبأنا عمرو يعني: ابن الحارث أنَّ سليمان بن حميد حدَّثه أنَّ عامر بن سعد بن أبي وقاص (٢) ، قال سليمان: لا أعلمُ إِلَّا أنَّه حدثني عن أبيه عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه قال: "لو أنَّ ما أقلَّ ظفر من الجنَّة برزَ للدنيا لتزخرف له ما بين السماء والأرضِ". وفي الباب: عن أَنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵃. وكيفَ يُقدَّر قدْر دارٍ غرسها اللَّه بيده، وجعلها مقرًّا لأحبابه، وملأها من كرامته ورحمته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهرها من كل عيب وآفة ونقص. فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران.

стр. 650

وإن سألت عن سقفها فهو عرش الرحمن. وإن سألت عن مِلاطها فهو المسك الأذفر. وإن سألت عن حصبائها فهي اللؤلؤ والجوهر. وإن سألت عن بنائها فَلَبِنَة من فضة ولبنة من ذهب. وإن سألت عن أشجارها فما فيها شجرة إلا ساقها من ذهب (١) أو فضة، لا من الحطب والخشب. وإن سألت عن ثمرها فأمثال القِلال، ألْين من الزبد، وأحلى من العسل. وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل. وإن سألت عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى (٢) . وإن سألت عن طعامهم ففاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون. وإن سألت عن شرابهم فالتسنيم والزنجبيل والكافور. وإنْ سألت عن آنيتهم فآنية الذهب والفضة في صفاء القوارير. وإنْ سألتْ عن سعة أبوابها فبين المصراعين مسيرة أربعين

стр. 651

من الأعوام، وليأتينَّ عليه يومٌ وهو كظيظ من الزحام وإنْ سألت عن تصفيق الرياح لأشجارها فإنَّها تستفز بالطرب لمن يسمعها. وإنْ سألت عن ظِلِّها ففيها شجرة واحدة يسير الرَّاكبُ المجدُّ السريع في ظلها مئة عام لا يقطعها. وإنْ سألت عن سعتها فأدنى أهلها يسير في ملكه وسرره وقصوره وبساتينه مسيرة ألفي عام. وإنْ سألت عن خيامها وقبابها فالخيمة الواحدة من دُرَّةٍ مجوَّفة طولها ستون ميلًا من جملة الخيام وإنْ سألت عن علاليها وجواسقها (١) فهي غرف من فوقها غرف مَبْنِية، تجري من تحتها الأنهار. وإنْ سألت عن ارتفاعها فانظر إلى الكوكب الطالع، أو الغارب في الأفق الَّذي لا تكاد تناله الأبصار. وإنْ سألت عن لباس أهلها فهو الحرير والذهب. وإنْ سألت عن فرشهم فبطائنها من إستبرق مفروشة في أعلى الرُّتَب.

стр. 652

وإنْ سألت عن أرائكها فهي الأسرة عليها البشخانات، وهي: الحِجَال مُزَرَّرَة بإزرار الذهب، فما لها من فُروج ولا خلال. وإنْ سألت عن وجوه أهلها وحسنهم، فعلى صورة القمر. وإنْ سألت عن أسنانهم فأبناءُ ثلاثة وثلاثين على صورة آدم أبي البشر. وإنْ سألت عن سماعهم فغناء أزواجهم من الحور العين، وأعلى منه سماع أصوات الملائكة والنَّبيين، وأعلى منهما سماع خطاب ربِّ العالمين. وإنْ سألت عن مطاياهم التي يتزاورون عليها، فنجائب أنشأها اللَّه تعالى ممَّا شاءَ تسير بهم حيث شاؤوا من الجنان. وإنْ سألت عن حُليهم وشارتهم، فأسَاوِر الذهب واللؤلؤ، على الرؤوس ملابس التِّيجان. وإنْ سألت عن غلمانهم فولدانٌ مخلدون كأنَّهم لؤلؤٌ مكنون. وإنْ سألتَ عن عرائسهم وأزواجهم فهُنَّ الكواعب الأترابُ، الَّلاتي جرى في أغصانِهنَّ ماءُ الشباب، فللوردِ والتفاح: ما لبسته الخدود، وللرُّمان: ما تضمنته النهود، ولِلُّؤلؤ المنظوم: ما حوته الثغور، وللدقة والَّلطافة: ما دارتْ عليه الخصور، تجري الشمسُ في محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، إذا قابلت حِبَّها فَقُلْ ما شئت في تقابل النَّيِّرَين، وإذا حادثته فما ظنُّك بمحادثة الحبيبين، وإنْ ضمها إليه فما ظنك بتعانق الغصنين، يرى وجهه في

стр. 653

صحن خدِّها، كما يرى في المرآة التي جلَّاها صيقلها، ويرى مخَّ ساقها من وراء اللحم، ولا يستره جلدها ولا عظمها ولا حُلَلُها، لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحًا، ولا استنطقت أفواهَ الخلائقِ تهليلًا وتكبيرًا وتسبيحًا، ولتزخرف لها ما بين الخافقين، ولأغمضت عن غيرها كلَّ عينٍ، ولطمستْ ضوءَ الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، ولآمن من على ظهرها باللَّه الحيَّ القيوم، نصيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ووصالها أشهى إليه من جميع أمانيها، لا تزداد على تطاول الأحقاب إِلَّا حسنًا وجمالًا، ولا يزدادُ لها على طول المدى إِلَّا محبة وَوِصالًا، مُبَرَّأة من الحبلِ والولادة والحيضِ والنفاس، مطهَّرة من المخاطِ والبصاق والبولِ والغائط وسائرِ الأَدناس، لا يفنى شبابُهَا، ولا تبلى ثيابها، ولا يخلقُ ثوب جمالها، ولا يملُّ طيبُ وصالها، قد قصرتْ طرفها على زوجها، فلا تطمحُ لأحدٍ سواهُ، وقَصَرَ طرفه عليها فهي غايه أُمنيته وهواه، إنْ نظرَ إليها سرَّته، وإنْ أمرها أطاعته، وإنْ غابَ عنها حفظته، فهو معها في غاية الأماني والأمان، هذا، ولم يطمثها قبله إنسٌ ولا جانٌّ، كلما نظر إليها ملأت قلبه سرورًا، وكلَّما حدثته ملأت أُذُنه لؤلؤًا منظومًا ومنثورًا، وإذا برزت ملأت القصرَ والغرفة نورًا. وإنْ سألت عن السِنِّ فأترابٌ في أعدلِ سنِّ الشباب. وإنْ سألت عن الحُسن فهل رأيت الشمس والقمر؟! وإنْ سألتَ عن الحدَق فأحسن سواد في أصفى بياض، في أحسن حَوَر.

стр. 654

وإنْ سألتَ عن القدود فهل رأيتَ أحسن الأغصان؟ وإنْ سألت عن النهود فهنَّ الكواعب، نهودهن كألطف الرمان. وإنْ سألت عن اللون فكأنَّهن الياقوت والمرجان. وإنْ سألت عن حسن الخلق فهنَّ الخَيْرات الحسان، الَّلاتي جُمِعَ لهنَّ بين الحسن والإحسان، فأعطين جمالَ الباطن والظاهر، فهنَّ أفراح النفوس، وقُرَّة النواظر. وإنْ سألت عن حُسْن العِشْرة، ولذة ما هنالك فهنَّ العُرُب المتحببات إلى الأزواج بلطافة التبعل التي تمتزج بالروح أيَّ امتزاج. فما ظنك بامرأة إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنَّة من ضحكها، وإذا انتقلت من قصر إلى قصر، قلتَ: هذه الشمس مُنْتقلة (١) في بروج فَلَكِهَا، وإذا حاضرت زوجها فيا حسن تلك المحاضرة، وإنْ خاصرته فيا لذَّة تلك المعانقة والمخاصرة: وحديثُها السحر الحلالُ لو (٢) انَّه ... لم يَجْنِ قتلَ المسلم المتحرِّز إنْ طال لم يُمْلَلْ وإنْ هي حدَّثت ... ودَّ المحدَّثُ أنَّها لم توجِزِ (٣) إنْ غنَّت فيا لذَّة الأبصارِ والأسماع، وإنْ آنست وأمتعت فيا حبَّذا تلك المؤانسة والإمتاع، وإنْ قَبَّلت فلا شيء أشهى (٤) إليه من ذلك

стр. 655

التقبيل، وإنْ نوَّلتْ فلا ألذَّ ولا أطيبَ من ذلك التَّنويل. هذا، وإنْ سألت عن يوم المزيد، وزيارة العزيز الحميد، ورؤية وجهه المنزَّه عن التمثيل والتشبيه، كما تُرَى الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدرِ، كما تواتر عن الصادق المصدوق النقل فيه، وذلك موجود في الصِّحاح، والسنن، والمسانيد، من رواية: جرير، وصهيب، وأنس، وأبي هريرة، وأبي موسى، وأبي سعيد = فاستمع يوم ينادي المنادي: يا أهل الجنَّة، إنَّ ربَّكم ﵎ يستزيركم فحيَّ على زيارته، فيقولون: سمعًا وطاعة، وينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنَّجائب قد أُعدتْ لهم، فيستوون على ظهورها مسرعين، حتَّى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح الَّذي جُعل لهم موعدًا، وجُمِعُوا هناك، فلم يغادر الدَّاعي منهم أحدًا = أمرَ ﵎ بكرسيِّه فنصبَ هناك، ثمَّ نصبت لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من زبرجد، ومنابرُ من ذهب، ومنابر من فضة، وجلس أدناهم -وحاشاهم من الدنايا- (١) على كثبان المسك، ما يرون أنَّ أصحاب الكراسي فوقهم في العطايا، حتَّى إذا استقرت بهم مجالسهم، واطمأنت بهم أماكنهم نادى المنادي: يا أهل الجنَّة إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا يريدُ أنْ ينجزَكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبيض وجوهنا ويثقِّل موازيننا، ويدخلنا الجنَّة، ويزحزحنا عن النَّارِ، فبينا هم كذلك إذ سطع لهم نورٌ أشرقت له الجنَّة، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الجبَّار ﷻ ، وتقدَّستْ أسماؤه، قد

стр. 656

أشرف عليهم من فوقهم وقال: يا أهل الجنَّة: سلامٌ عليكم، فلا تردُّ هذه التحية بأحسنَ من قولهم: اللهم أنت السلام، ومنكَ السلام، تباركتَ ياذا الجلال والإكرام، فيتجلى لهم الرب ﵎ يضحك إليهم، ويقول: يا أهل الجنة، فيكون أول ما يسمعون منه تعالى: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، فهذا يوم المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة أن قد رضينا فارض عنا، فيقول: يا أهل الجنة، إني لو لم أرض عنكم لم أُسْكِنْكم جنتي، هذا يوم المزيد فسلوني. فيجتمعون على كلمةٍ واحدة: أرنا وجهك ننظر إليه، فيكشف الرب ﷻ الحُجُب، ويتجلى لهم، فيغشاهم من نوره ما لولا أن اللَّه سبحانه وقضى أن لا يحترقوا لاحترقوا، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الربُّ تعالى محاضرة، حتى إنه ليقول: يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا، يذكره ببعض غدراته في الدنيا، فيقول: يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه. فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قُرَّة عيون الأبرار بالنظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذِلَّة الراجعين بالصفقة الخاسرة. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٥]. فحيَّ على جنَّاتِ عدْنٍ فإنَّها ... منازلُكَ الأُولى وفيها المُخَيَّمُ ولكنَّنا سبْي العدوِّ فهل ترى ... نعُودُ إِلى أوطاننا ونسلِّمُ (١)

стр. 657

الباب الخامس والستون: في رؤيتهم ربَّهم ﵎ وتجلِّيه لهم ضاحكًا إليهم هذا البابُ أشرفُ أبواب الكتاب، وأجلُّها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرُّها لعيون أهل السنَّة والجماعة، وأشدُّها على أهل البدعة والفُرقة، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابقَ إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون. إذا ناله أهل الجنَّة نَسُوا ما هم فيه من النعيم، وحِرْمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشدَّ عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلونَ، وجميعُ الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوِّكون، والفرعونية المبطلون (١)، والباطنية الَّذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرَّافضة الَّذين هم بحبائل الشيطان مُتمسِّكون (٢)، ومن حبل اللَّه منقطعون، وعلى مسبَّة أصحاب رسول اللَّه ﷺ عاكفون، وللسُّنَّة وأهلها محاربون، ولكلِّ عدوِّ للَّه ورسوله ودينه مسالمونَ، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال، وشيعة الَّلعين، وأعداء الرسول وحزبه. وقد أخبر سبحانه عن أعلم الخلق به في زمانه، وهو كليمه ونجيُّهُ وصفيُّهُ من أهل الأرضِ، أَنَّه سأل ربه تعالى النظر إليه، فقال له ربُّه

стр. 658

تبارك وتعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوهٍ عديدةٍ: أحدها: أنْ لا يُظَنَّ بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أنَّه يسأل ربَّهُ ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطلِ الباطل، وأعظم المحال، وعند فروخ اليونان، والصائبة، والفِرعونية بمنزلة أنْ يسأله أنْ يأكل ويشرب وينام، ونحو ذلك ممَّا يتعالى اللَّه عنه، فيالله العجب! كيف صارَ أتباعُ الصابئة والمجوس والمشركين عُبَّادِ الأصنام وفروخ الجهمية والفِرْعونية أعلمَ باللَّه تعالى من موسى بن عِمْران، وبما يستحيل عليه، ويجب له، وأشدَّ تنزيهًا له منه؟! الوجه الثاني: أنَّ اللَّه سبحانه لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لمَّا سأل إبراهيم الخليل ربه تعالى أنْ يريه كيف يحيى الموتى، لم ينكر عليه، ولمَّا سألَ عيسى ابن مريم ربَّه إنزالَ المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّهُ نجاةَ ابنهِ أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦ - ٤٧]. الوجه الثالث: أنَّه أجابه بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] ولم يقل: إنِّي لا أُرَى، ولا إنِّي لستُ بمرئيّ؛ ولا تجوز رؤيتي. والفرقُ بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّلَهُ. وهذا يدلُّ على أنَّه سبحانه مرئيٌّ، ولكنَّ موسى لا تحتمل قواهُ

стр. 659

رؤيته في هذه الدار لِضَعْفِ قوى البشرِ فيها عن رؤيته تعالى، يوضِّحه: الوجه الرَّابع: وهو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فأعْلَمَه أنَ الجبل مع قوَّته وصلابته لا يثبتُ لتجليه له في هذه الدَّار، فكيف بالبشر الضعيف الَّذي خُلِق من ضعْفٍ؟. الوجه الخامس: أنَّ اللَّهَ سبحانه قادرٌ على أنْ يجعل الجبل مستقرًّا مكانَه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالًا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية محالًا، لكان ذلك نظير أنْ يقول: إن استقرَّ الجبل فسوفَ آكلُ وأشربُ وأنامُ، فالأمرانِ عندكم سواء. الوجه السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جوازِ رؤيته ﵎، فإنَّه إذا جازَ أن يتجلَّى للجبلِ الَّذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلَّى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه؟ وأعلم سبحانه موسى أنَّ الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدَّارِ، فالبَشَر أضعف. الوجه السابع: أنَّ ربه سبحانه قد كلَّمه منه إليه، وخاطبه وناداهُ وناجاهُ، ومن جازَ عليه التَّكلمُ والتكليم، وأنْ يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إِلَّا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين، فأنكروا أنْ يكلِّم أحدًا، أو يراهُ أحدٌ، ولهذا سأله موسى النظر إليه لمَّا

стр. 660

أسمعه كلامه، وعلم من (١) اللَّهِ جوازَ رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكنْ أراهُ أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجليه. وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] فإنَّما يدلُّ على النَّفي في المستقبل، ولا يدلُّ على دوام النَّفي؛ ولو قُيِّدت بالتأبيد، فكيف إذا أُطلقت، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فصل الدليلُ الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وأجمع أهل اللسان على أنَّ اللقاء متى نُسِبَ إلى الحي السليم من العَمَى والمانع؛ اقتضى المعاينة والرؤية، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧]: فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أنَّ المنافقين يرونه تعالى في عَرَصَات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في "الصحيحين" في حديث التجلي يوم القيامة، وسيمرُّ بِكَ عن قريبٍ إن شاء اللَّه (٢).

стр. 661

وفي هذه المسألة ثلاثة أقوالٍ لأهل السنة: أحدها: أنَّه لا يراهُ إِلَّا المؤمنون. الثاني: يراهُ جميع أهل الموقف: مؤمنهم وكافرهم، ثمَّ يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك. والثالث: يراهُ المنافقون دون الكفار. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم، ولشيخنا (١) في ذلك مُصنَّف مُفْرد، حكى فيه الأقوال الثلاثة وحُجج أصحابها. وكذا قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦] إنْ عادَ الضميرُ على العمل: فهو رؤيته في الكتاب المسطور مُبَينًا، وإنْ عادَ على الرَّبُّ ﵎؛ فهو لقاؤه الَّذي وَعَدَ به. فصل الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٦].

стр. 662

فالحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجْهِهِ الكريم، كذلك فسَّرها رسول اللَّه ﷺ الَّذي أُنزِلَ عليه القرآن، والصحابة من بعده، كما روى مسلم في "صحيحه" (١) من حديث حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب ﵁ قال: قرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّةَ، وأهل النَّارِ النَّارَ، نادى منادٍ: يا أهل الجنَّة إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا يريدُ أنْ ينجزكموهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا، وَيُبَيِّضْ وجوهنا، ويدخلنا الجنَّة ويجرنا من النَّارِ؟! فيكشف الحجابَ فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة". وقال الحسن بن عرفة: حدثنا سلم بن سالم البلخي عن نوح بن أبي مريم عن ثابت عن أنس ﵁ قال: "سُئِلَ رسول اللَّه ﷺ عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى: وهي الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه تعالى" (٢) .

стр. 663

وقال محمد بن جرير: حدثنا ابن حُمَيد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جُرَيج عن عطاء عن كعب بن عُجْرَة ﵁ عن النَّبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الزيادة: النظرُ إلى وجه الرحمن ﷻ " (١) . قلتُ: عطاء هذا هو الخراساني، وليس بعطاء بن أبي رباح. قال ابن جرير: وحدثنا ابن عبد الرحيم (٢) حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعتُ زهيرًا. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليدُ بن مسلم حدثنا زهير بن محمد قال: حدثني من سمعَ أبا العالية الرياحي يُحدَّث عن أُبي بن كعب ﵁ قال: سألت رسول اللَّه ﷺ عن الزيادة في كتاب اللَّهِ قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٥] قال الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه " (٣) .

стр. 664

وقال أَسَدُ السُّنَّة: حدثنا قيس بن الربيع عن أبان عن أبي تميمة الهُجَيْمي أنَّه سمع أبا موسى ﵁ يحدَّث أنَّه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "يبعثُ اللَّهُ يومَ القيامة مناديًا ينادي أهلَ الْجنَّة، بصوتٍ يُسْمعُ أَوَّلهم وآخرهم، إنَّ اللَّه وعدَكم الحسنى، والحسنى: الْجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه " (١) . وقال ابن وهب (٢) ، أخبرني شَبِيْب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي، أنَّه سمع أبا موسى الأشعري ﵁ يحدث عن رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنَّة، بصوتٍ يُسْمِعُ أوَّلهم وآخرهم: إنَّ اللَّهَ وعدكم الحسنى وزيادة. الحُسنى: الجنَّة، والزِّيادة: النَّظرُ إلى وجه الرَّحمن". وأمَّا الصَّحابة: فقال ابن جرير: حدثنا بشَّارُ، حدثنا عبد الرحمن هو ابن مَهْدِي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد

стр. 665

عن أبي بكر الصديق -رضي اللَّه تعالى عنه- ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: النَّظرُ إلى وجه اللَّه" (١) . وبهذا الإسناد: عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة ﵁: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: النَّظرُ إلى وجه ربهم ﵎ (٢) . وحدثنا علي بن عيسى، حدثني شَبَابَة، حدثنا أبو بكر الهذلي قال: سمعتُ أبا تميمة الهُجَيمي يحدث عن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه

стр. 666

عنه قال: إذا كان يوم القيامة يبعث اللَّهُ إلى أهل الجنَّة مناديًا ينادي: هل أنجز (١) اللَّهُ لكم ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعد لهم من الكرامة فيقولون: نعم، فيقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ النظرُ إلى وجه الرحمن " (٢) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: عن أبي بكر الهذلي أنبأنا أبو تميمة قال: سمعتُ أبا موسى الأشعري ﵁ يخطب النَّاسُ في جامع البصرة ويقول: "إنَّ اللَّهَ يبعث يوم القيامة ملكًا إلى أهل الجنَّة، فيقول: يا أهل الجنَّة، هل أنجز اللَّه لكم ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحليَّ والحلل والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجز اللَّه ما وعدنا، ثمَّ يقول الملك: هل أنجزكم اللَّه (٣) ما وعدكم ثلاث مرَّات، فلا يفقدون شيئًا ممَّا وُعِدُوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقيَ لكم شيء، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ألا إنَّ الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه ".

стр. 667

وفي "تفسير أسباط بن نصر" عن إسماعيل السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ فقال: "أمَّا الحسنى: فالجنَّة، وأمَّا الزيادة: فالنظر إلى وجه اللَّه، وأمَّا القترُ: فالسَّواد" (١) . وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر بن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي، والضحاك بن مُزاحم وعبد الرحمن بن سابط وأبو إسحاق السَّبيعي وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر: الحُسْنَى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه (٢) . وقال غير واحدٍ من السَّلفِ في الآية: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: بعد النظر إليه، والأسانيد بذلك صحيحة. ولمَّا عطفَ سبحانه الزيادة على الحسنى التي هي الجنَّة؛ دلَّ على أنَّها أمرٌ آخر وراء الجنَّة، وقدرٌ زائدٌ عليها، ومن فسَّرَ الزيادة بالمغفرة والرضوان (٣) ، فهو من لوازم رؤية الرَّبَّ ﵎.

стр. 668

فصل الدليل الرَّابع: قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٤, ١٥]. ووجه الاستدلال بها: أنَّه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته، وسماع كلامه، فلو لم يرهُ المؤمنون، ولم يسمعوا كلامَهُ كانوا أيضًا محجوبين عنه، وقد احتج بهذه الحُجَّة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة، فذكره الطبري وغيره عن المزني قال: سمعتُ الشافعي يقول في قوله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ قال: "فيها دلالة على أنَّ أولياء اللَّه يرون ربَّهم يوم القيامة" (١). وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقولُ في قول اللَّه ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ فقال الشافعي: لمَّا أنْ حَجَبَ هؤلاءِ في السخط كان في هذا دليلٌ على أنَّ أولياءه يرونه في الرِّضى. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد اللَّه، وبه تقول؟ قال: نعمِ، وبه أدين اللَّه، لو لم يُوقن محمد بن إدريس أنَّه يرى اللَّه = لَمَا عَبَدَ اللَّهَ ".

стр. 669

ورواه الطبري في "شرح السنة" (١) من طريق الأصم أيضًا. وقال أبو زرعة الرَّازي: سمعتُ أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سُئِلَ محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، هل يرى الخلق كلهم [١٣١/ أ] ربهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراهُ إِلَّا المؤمنون. قال محمد: وسئل الشافعي عن الرؤية فقال: يقول اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ ففي هذا دليلٌ على أنَّ المؤمنين لا يُحْجَبون عن اللَّه " (٢). فصل والدليل الخامس: قوله : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. قال الطبريُّ (٣): قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه اللَّه ، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره (٤).

стр. 670

فصل الدليل السادس: قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. والاستدلال بهذا عجب (١)، فإنَّه من أدلة النفاة، وقد قرَّر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه، وقال لي: أنا ألتزمُ أنَّهُ لا يحتج مبطلٌ بآية أو حديثٍ صحيح على باطله؛ إِلَّا وفي ذلك الدليلِ ما يدلُّ على نقض قوله، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدلَّ منها على امتناعها، فإنَّ اللَّهَ سبحانه إنَّما ذكرها في سياق التمدُّح، ومعلومٌ أنَّ المدحَ إنَّما يكونُ بالأوصاف الثبوتية، وأمَّا العدمُ المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وإنَّما يُمْدح الربُّ تعالى بالعَدَمِ إذا تضمن أمرًا وجوديًّا: كمدحه بنفي السِّنَة والنوم المتضمن كمال القَيُّومية. ونفي الموت المتضمن كمال الحياة. ونفي الُّلغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة. ونفي الشريك والصاحبة والولدِ والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره. ونفي الأكلِ والشربِ المتضمن لكمال صَمَدِيَّتِهِ وغِنَاهُ.
следующие страницы →