← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 13652

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (937 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

عنه قال: إذا كان يوم القيامة يبعث اللَّهُ إلى أهل الجنَّة مناديًا ينادي: هل أنجز (١) اللَّهُ لكم ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعد لهم من الكرامة فيقولون: نعم، فيقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ النظرُ إلى وجه الرحمن " (٢) . وقال عبد اللَّه بن المبارك: عن أبي بكر الهذلي أنبأنا أبو تميمة قال: سمعتُ أبا موسى الأشعري ﵁ يخطب النَّاسُ في جامع البصرة ويقول: "إنَّ اللَّهَ يبعث يوم القيامة ملكًا إلى أهل الجنَّة، فيقول: يا أهل الجنَّة، هل أنجز اللَّه لكم ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحليَّ والحلل والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجز اللَّه ما وعدنا، ثمَّ يقول الملك: هل أنجزكم اللَّه (٣) ما وعدكم ثلاث مرَّات، فلا يفقدون شيئًا ممَّا وُعِدُوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقيَ لكم شيء، إنَّ اللَّهَ يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ألا إنَّ الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه ".

стр. 667

وفي "تفسير أسباط بن نصر" عن إسماعيل السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ فقال: "أمَّا الحسنى: فالجنَّة، وأمَّا الزيادة: فالنظر إلى وجه اللَّه، وأمَّا القترُ: فالسَّواد" (١) . وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر بن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي، والضحاك بن مُزاحم وعبد الرحمن بن سابط وأبو إسحاق السَّبيعي وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر: الحُسْنَى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه (٢) . وقال غير واحدٍ من السَّلفِ في الآية: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: بعد النظر إليه، والأسانيد بذلك صحيحة. ولمَّا عطفَ سبحانه الزيادة على الحسنى التي هي الجنَّة؛ دلَّ على أنَّها أمرٌ آخر وراء الجنَّة، وقدرٌ زائدٌ عليها، ومن فسَّرَ الزيادة بالمغفرة والرضوان (٣) ، فهو من لوازم رؤية الرَّبَّ ﵎.

стр. 668

فصل الدليل الرَّابع: قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٤, ١٥]. ووجه الاستدلال بها: أنَّه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته، وسماع كلامه، فلو لم يرهُ المؤمنون، ولم يسمعوا كلامَهُ كانوا أيضًا محجوبين عنه، وقد احتج بهذه الحُجَّة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة، فذكره الطبري وغيره عن المزني قال: سمعتُ الشافعي يقول في قوله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ قال: "فيها دلالة على أنَّ أولياء اللَّه يرون ربَّهم يوم القيامة" (١). وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقولُ في قول اللَّه ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ فقال الشافعي: لمَّا أنْ حَجَبَ هؤلاءِ في السخط كان في هذا دليلٌ على أنَّ أولياءه يرونه في الرِّضى. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد اللَّه، وبه تقول؟ قال: نعمِ، وبه أدين اللَّه، لو لم يُوقن محمد بن إدريس أنَّه يرى اللَّه = لَمَا عَبَدَ اللَّهَ ".

стр. 669

ورواه الطبري في "شرح السنة" (١) من طريق الأصم أيضًا. وقال أبو زرعة الرَّازي: سمعتُ أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سُئِلَ محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، هل يرى الخلق كلهم [١٣١/ أ] ربهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراهُ إِلَّا المؤمنون. قال محمد: وسئل الشافعي عن الرؤية فقال: يقول اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ ففي هذا دليلٌ على أنَّ المؤمنين لا يُحْجَبون عن اللَّه " (٢). فصل والدليل الخامس: قوله : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥]. قال الطبريُّ (٣): قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه اللَّه ، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره (٤).

стр. 670

فصل الدليل السادس: قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. والاستدلال بهذا عجب (١)، فإنَّه من أدلة النفاة، وقد قرَّر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه، وقال لي: أنا ألتزمُ أنَّهُ لا يحتج مبطلٌ بآية أو حديثٍ صحيح على باطله؛ إِلَّا وفي ذلك الدليلِ ما يدلُّ على نقض قوله، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدلَّ منها على امتناعها، فإنَّ اللَّهَ سبحانه إنَّما ذكرها في سياق التمدُّح، ومعلومٌ أنَّ المدحَ إنَّما يكونُ بالأوصاف الثبوتية، وأمَّا العدمُ المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وإنَّما يُمْدح الربُّ تعالى بالعَدَمِ إذا تضمن أمرًا وجوديًّا: كمدحه بنفي السِّنَة والنوم المتضمن كمال القَيُّومية. ونفي الموت المتضمن كمال الحياة. ونفي الُّلغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة. ونفي الشريك والصاحبة والولدِ والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره. ونفي الأكلِ والشربِ المتضمن لكمال صَمَدِيَّتِهِ وغِنَاهُ.

стр. 671

ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناهُ عن خلقه. ونفي الظلمِ المتضمن كمال عدلهِ وعلمه وغناه. ونفي النسيان وعزوب شيءٍ عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته. ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته. ولهذا لم يتمدَّح بعَدَمٍ محْضٍ لا يتضمن أمرًا ثبوتيًّا، فإنَّ المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدمٍ، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه؛ فلو كان المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أنَّهُ لا يُرَى بحالٍ، لم يكن في ذلك مَدْحٌ ولا كمال، لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإنَّ العَدَمَ الصِّرْف لا يُرَى ولا تدركه الأبصارُ، والرَّبُّ ﷻ يتعالى أنْ يُمْدَحَ بما يشاركه فيه العدمُ المحض. فإذًا، المعنى أنَّه يرى ولا يُدرك، ولا يحاطُ به كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١]، أنَّه يعلمُ كلَّ شيء. وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، أنَّه كامل القدرة. وفي قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، أنَّه كامل العدل. وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُه سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أنَّهُ كامل القيومِيَّة.

стр. 672

فقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يدلُّ على غايةِ عظمته، وأَنَّه أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأنَّه لعظمته لا يُدْرَك بحيث يُحَاطُ به، فإنَّ الإدراك هو: الإحاطة بالشيء، وهو قدرٌ زائدٌ على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢] فلم ينفِ موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ إنَّا لمرْئِيُّون؛ فإنَّ موسى - صلوات اللَّه وسلامه عليه - نفى إدراكهم إيَّاهم بقوله: ﴿كَلَّا﴾ وأخبر اللَّه سبحانه أنَّه لا يخاف دركهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) ﴾ [طه: ٧٧]. فالرؤية والإدراك كلٌّ منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالربُّ تعالى يُرى ولا يُدْرَكُ، كما يعلمُ ولا يحاط به، وهذا هو الَّذي فهمته الصحابة والأئمة من الآية. قال ابن عباس ﵄: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لا تُحِيطُ به الأبصار" (١) . وقال قتادة: "هو أعظمُ من أنْ تدركه الأبصار" (٢) . وقال عطية: "ينظرون إلى اللَّهِ ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ " (٣) .

стр. 673

فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عيانًا، ولا تدركه أبصارهم، بمعنى أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف اللَّه بأن شيئًا يحيط به، وهو بكل شيء محيط، وهكذا يُسْمِعُ كلامه من شاء من خلقه، ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يُعلَّم الخلق ما علمهم، ولا يحيطون بعلمه. ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مِثْلٌ فيها، وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه، مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مِثْلَ له وليس له نظير، ولا شبيه ولا مثل = أنَّه قد تَمَيَّز عن الناس بأوصافٍ ونعوت لا يشاركونه فيها، وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات أمثاله، وبعد عن مشابهة أضرابه، فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدلِّ شيءٍ على كثرة نعوته وصفاته. وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] من أدلِّ شيءٍ على أَنَّهُ يُرى ولا يُدرك. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]، من أدلِّ شيءٍ على مباينة الرَّبِّ لخلقه؛ فإنه لم يخلقهم في ذاته بل

стр. 674

خلقهم (١) خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم عليه، ويراهم وينفذهم بصره، ويحيط بهم عِلْمًا وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا، فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا. وتأمَّل حُسن هذه المقابلة لفظًا ومعنًى بين قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، ولِلُطْفِه وخبرته يُدْرك الأبصار فلا تخفى عليه، فهو العظيم في لُطْفِه، اللطيف في عظمته، العالي في قربه، القريب في علوِّه، الَّذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٣]. فصل الدليل السابع: قوله : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وأنت إذا أَجَرْتَ هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراد منها = وجدتها منادية نداء صريحًا: أنَّ اللَّه سبحانه يُرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة، وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المُحرِّفُون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كل نصًّ تضمنه القرآن والسنة كذلك، ولا يشاء مُبْطِلٌ على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجَدَ إلى ذلك من السبيل

стр. 675

ما وجده متأول مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا. وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محلّه في هذه الآية، وتَعْدِيته بأداة "إلى" الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المُعَدَّى بـ "إلى" خلاف حقيقته، وموضوعه = صريح في أن اللَّه سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ ، فإن النظر له عِدَّة استعمالات بحسب صِلاته وتَعَدِّيه بنفسه: فإن عُدِّيَ بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وإن عُدَّيَ بـ "في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وإن عُدِّيَ بـ "إلى" فمعناه: المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فكيف إذا أُضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ قال يزيد بن هارون: أنبأنا مبارك، عن الحسن: "نظرت إلى ربها ﵎ فنَضِرت بنوره" (١) .

стр. 676

فاسمع الآن أيها السُّنِّي تفسير النَّبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية. قال ابن مردويه في "تفسيره": حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا يزيد بن الهيثم، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا سفيان، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) ﴾ قال: "من البهاء والحسن ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ [القيامة: ٢٣]. قال: في وجه اللَّه " (١) . وقال أبو صالح: عن ابن عباس ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ قال: "تنظر إلى وجه ربها" (٢) . وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) ﴾ قال: "من النعيم"، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) ﴾ (٣) قال: "تنظر إلى ربها نظرًا"، ثم حكى عن ابن عباس مثله" (٤) .

стр. 677

وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث. فصل وأما الأحاديث عن النَّبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها عنه أبو بكر الصديق وأبو هريرة (١)، وأبو سعيد الخدري، وجرير ابن عبد اللَّه البجلي، وصهيب بن سنان الرومي، وعبد اللَّه بن مسعود الهذلي، وعلي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم الطائي، وأنس بن مالك الأنصاري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وأبو رزين العقيلي، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن ثابت، وعمار بن ياسر، وعائشة أم المؤمنين، وعبد اللَّه بن عمر، وعُمَارة بن رُوَيْبة، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص -وحديثه موقوف- وأُبي بن كعب، وكعب بن عُجْرة، وفَضَالة بن عُبيد -وحديثه موقوف-، ورجل من أصحاب النَّبي ﷺ غير مُسمَّى. فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن، وتَلَقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، ولا تُكذِّب بها؛ فمن كَذَّبَ بها لم يكن إلى وجه ربه من

стр. 678

الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين. فصل فأما حديث أبي بكر الصديق: فقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدثني النضر بن شُمَيل المازني قال: حدثني أبو نَعَامة قال: حدثني أبو هُنَيدة البراء بن نوفل عن والان العدوي عن حذيفة عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: "أصبح رسول اللَّه ﷺ ذات يوم فصلى الغداة ثم جلس، حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول اللَّه ﷺ ، ثم جلس مكانه حتَّى صلَّى الأُولى والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول اللَّه ﷺ ما شأنه؟ صنع اليوم شيئًا لم يصنعه قط، قال: فسأله، فقال: "نعم، عرض عليَّ ما هو كائنٌ من أمر الدنيا وأمر الآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فَفَظِع (١) الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم ﷺ والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر، وأنت اصطفاك اللَّه ، اشفع لنا إلى ربك، قال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم؛ إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران: ٣٣] قال: فينطلقون إلى نوح ﷺ ، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك اللَّه واستجاب لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين ديارًا، فيقول: ليس ذلكم عندي،

стр. 679

انطلقوا إلى إبراهيم ﷺ فإن اللَّه اتخذه خليلًا، فينطلقون إلى إبراهيم، فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى موسى ﷺ ؛ فإن اللَّه كلمه تكليمًا، فيقول موسى ﷺ : ليس ذلك عندي، ولكن انطلقوا إلى عيسى بن مريم ﷺ فإنَّه كان يُبْرئُ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى، فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى سيد ولدِ آدم (١) ، إلى محمد ﷺ ، فليشفع لكم إلى ربَّكُم ، قال: فينطلقُ فيأتي جبريل ربه ﵎ فيقول اللَّه : ائذن له وبشِّرهُ بالجنَّة، فينطلقُ به جبريل ﷺ فيخر ساجدًا قدرَ جُمُعة، ويقولُ اللَّه : ارفع رأسَك، وقُلْ يُسمع، واشْفع تُشَفَّع، قال: فيرفع رأسه فإذ انظر إلى وجه ربِّه خرَّ ساجدًا قدْر جُمُعةٍ أخرى، فيقول اللَّه : ارفع رأسك وقل يُسمع، واشفع تُشفَّع، قال: فيذهب ليقع ساجدًا فيأخذ جبريل بِضَبْعَيه فيفتح اللَّه عليه من الدعاء شيئًا لم يفتحه على بشرٍ قط، فيقول: أي رب خلقتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق الأرض (٢) عنه يوم القيامة ولا فخر، حتَّى إنَّه ليرد على الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة، ثم يقال: ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء، قال: فيجيء النَّبي ومعهُ العِصَابة، والنَّبي ومعه الخمسة والستة، والنَّبي وليس معه أحد، ثمَّ يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلتِ الشهداء ذلك، قال: يقول اللَّه : أنا أرحمُ الرَّاحمين ادْخِلوا جنَّتي من كان لا يشرك بي شيئًا،

стр. 680

قال: فيدخلون الجنَّة، قال: ثمَّ يقول اللَّهُ : انظروا في النَّارِ هل تلقونَ من أحدٍ عمل خيرًا قطُّ؟ قال: فيجدون في النَّارِ رجلًا، فيقول له: هل عملت خيرًا قطُّ؟ فيقول: لا، غير أنِّي كُنْتُ أسامح الناس في البيع، فيقول اللَّهُ : اسْمحُوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي، ثمَّ يُخْرِجُون من النَّارِ رجلًا يُقول له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول: لا، غير أنِّي قد أمرت ولدي إذا متُّ، فأحرقوني بالنَّارِ ثمَّ اطحنوني حتَّى إذا كُنْتُ مثل الكُحل فاذهبوا بي إلى البحرِ فأذِرُّوني في الرِّيح، فواللَّهِ لا يقدرُ عليَّ ربُّ العالمين أبدًا، فقال اللَّهُ له: لِمَ فعلتَ ذلك؟ قال: من مخافتك، قال: فيقولُ اللَّهُ : انظر إلى مُلْكِ أعظمِ مَلِكٍ، فإنَّ لك مثلَهُ وعشرةَ أمثالهِ، قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك، قال: وذلك الَّذي ضحكتُ منه من الضُّحى" (١) .

стр. 681

فصل وأمَّا حديثُ أبي هريرة وأبي سعيد: ففي "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة أنَّ أُناسًا قالوا: يا رسول اللَّهِ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "هل تضارُّون في رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: هل تضارُّون في رؤية (٢) الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنَّكم ترونه كذلك، يجمعُ اللَّهُ النَّاس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتَّبع من كان يعبد الشمسَ الشمسَ، ويتبع من كان يعبد القمرَ القَمَرَ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّهُ ﵎ في صورةٍ غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك، هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم اللَّه في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظَهْرَانَي جهنَّم، فأكون أنا وأمتي أَوَّلَ من يُجِيْزُ، ولا يتكلَّم يومئذٍ إلَّا الرسل، ودعوى الرُّسل يومئذٍ: اللهم سلِّم سَلِّم، وفي جهنَّم كلاليبُ مثل شوكِ السَّعْدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، قال: فإنَّها مثل شوك السعدان غير أنَّه لا يعلمُ قدر عِظَمها إِلَّا اللَّهُ ، تخطف النَّاس بأعمالهم، فمنهم المُوْبَق بعمله، ومنهم المُجازى حتى ينجو، حتَّى إذا فرغ اللَّه من القضاء بين العباد، وأراد أنْ يُخرجَ برحمته من أراد من أهل النَّارِ، أمرَ الملائكة أن

стр. 682

يخرجوا من النَّارِ من كان لا يشرك باللَّه شيئًا ممَّن أراد اللَّه أنْ يرحمه ممَّن يقول: لا إله إِلَّا اللَّهُ، فيعرفونهم بأثر السجود، تأكل النَّارُ من ابن آدم إِلَّا أثرَ السجود، حرَّم اللَّهُ على النَّارِ أنْ تأكل أثر السجود، فيخرجون من النَّارِ قد امْتُحِشُوا فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحبَّة في حَميل السيل، ثمَّ يفرغ اللَّهُ من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ مقبل بوجهه على النَّارِ - وهو آخر أهل الجنَّة دخولًا الجنَّة - فيقول: أي ربِّ أصرف وجهي عن النَّارِ، فإنَّه قد قَشَبني ريحُها وأحرقني ذكاؤها، فيدعو اللَّه ما شاء أنْ يدعوهُ، ثمَّ يقول اللَّه ﵎: هل عسيت إنْ فعلت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره، فيُعطِي ربه من عهود ومواثيق ما شاء، فيصرف اللَّه وجهه عن النَّار، فإذا أقبلَ على الجنَّة، ورآها سكت ما شاء اللَّه أن يسكت، ثمَّ يقول: أَي ربِّ قدِّمني إلى باب الجنَّة، فيقول اللَّهُ: أليس قد أعطيتَ عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الَّذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول أي رب فيدعو اللَّه حتَّى يقول له: فهل عسيت إنْ أعطيتك ذلك أنْ تسأل غيره؟ فيقول: لا وعِزَّتك، فيُعطي ربَّه ما شاء اللَّه من عهودٍ ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنَّة، فإذا قامَ على باب الجنَّة انفهقت له الجنَّة فرأى ما فيها من الخيرِ والسرور، فسكتَ ما شاء اللَّهُ أنْ يسكت، ثمَّ يقول أي ربِّ أدخلني الجنَّة، فيقول اللَّه ﵎ له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أنْ لا تسأل غير ما أُعطِيت؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! فيقول: أي ربِّ، لا أكون أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتَّى يضحك اللَّه منه، فإذا ضحك اللَّه منه قال: أدخل الجنَّة، فإذا دخلها قال اللَّه له: تَمَنَّهْ، فيسأل ربه ويتمنَّى حتَّى أنَّ اللَّهَ لَيُذَكَّره فيقول:

стр. 683

من كذا وكذا، حتَّى إذا انقطعت به الأمانيُّ، قال اللَّهُ : لك ذلك ومثله معه". قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئًا حتَّى إذا حدَّث أبو هريرة: إنَّ اللَّه قال لذلك الرجل "ومثله معه" قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إِلَّا قوله: "ذلك لك ومثله معه" قال أبو سعيد: أشهدُ أنِّي حفظت من رسول اللَّه ﷺ قوله: "ذلك لك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنَّة دخولًا الجنَّة. وفي "الصحيحين" (١) أيضًا عَن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ ناسًا في زمن رسول اللَّه ﷺ قالوا: يا رسول اللَّه، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمرِ ليلة البدرِ صحوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللَّه؟ قال: ما تضارون في رؤية اللَّه ﵎ يوم القيامة؛ إِلَّا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذَّنَ مؤذَّنٌ، لتتبع كلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ ممَّن كان يعبد غير اللَّه من الأصنام والأنصاب إِلَّا يتساقطون في النَّارِ، حتَّى إذا لم يبقَ إِلَّا من كان يعبد اللَّه من برٍّ وفاجر، وغير أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كُنَّا نعبد عزيرَ ابنَ اللَّه، فيقال: كذبتم ما اتخذَ اللَّه من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا رب فاسقنا، فيشار إليهم ألا

стр. 684

تردون؟ فيحشرون إلى النَّارِ كأنَّها سراب يَحْطِمُ بعضها بعضًا، فيتساقطون (١) في النَّارِ، ثمَّ يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كُنَّا نعبد المسيح ابنَ اللَّه، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ اللَّهُ من صاحبة ولا ولد، فيقال: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيُحْشَرون إلى جهنَّمْ كأَنَّها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتَّى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللَّه من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ لِتَتَّبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ باللَّه منك لا نشرك باللَّه شيئًا -مرتين أو ثلاثًا- حتى إنَّ بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيُكْشَف عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجد للَّه من تلقاء نفسه إلا أذن اللَّه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتَّقاءً ورياء إلا جعل اللَّه ظَهْره طبقةً واحدةً، كلمَّا أراد أنْ يسجد خرَّ على قفاهُ، ثمَّ يرفعون رؤوسهم، وقد تحوَّل في صورته التي رأوهُ فيها أَوَّل مرَّة، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربنا، ثمَّ يُضْرَب الجسر على جهنَّم وتحلُّ الشفاعة، قيل: يا رسول اللَّه وما الجسر؟ قال: دحض مزلَّة فيه خطاطيف وكلاليب، وحَسَك -تكون بنجدٍ فيها شويكة يقال لها السَّعْدَان- فيمرُّ المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالرِّيح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكابِ،

стр. 685

فناجٍ مسلَّم، ومخدوشٌ مُرْسَلٌ، ومكدوشٌ في نار جهنَّم، حتَّى إذا خلص المؤمنون من النَّار، فوالَّذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشدَّ مناشدةً للَّه في استيفاء الحقِّ من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الَّذين في النَّارِ، يقولون: ربنا كانوا يصومون معَنَا ويصلون ويحجُّون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النَّارِ فيُخرجون خلقًا كثيرًا، قد أخذتِ النَّار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه، فيقولون: ربَّنَا ما بقيَ فيها أحد ممن أمرتنا، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينارٍ من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثمَّ يقولون: ربنا لم نَذَرْ فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثمَّ يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينارٍ من خير فأخرجوه، فيُخْرِجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارْجِعوا فمن وجدتم في قلبه مثال ذرَّةٍ من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثمَّ يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا -وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إنْ شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] - فيقول اللَّه : شفعتِ الملائكة، وشفع النَّبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبقَ إِلَّا أرحمُ الرَّاحمين، فيقبض قبضة من النَّار فيُخْرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطُّ، قد عادوا حُمَمًا فيلقيهم في نهرٍ في أفواهِ الجنَّة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرجُ الحِبَّة في حَميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أصيفر وأُخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض، فقالوا يا رسول اللَّه كأنَّكَ كنتَ ترعى بالبادية، قال: فيخرجون كاللؤلؤ في

стр. 686

رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنَّة: هؤلاء عتقاء اللَّه الَّذين أدخلهم اللَّه الْجنَّة بغير عملٍ عملوه ولا خيرٍ قدَّموه، ثمَّ يقول: ادخلوا الجنَّة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: يا ربنا وأيُّ شيءٍ أفضل من هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". فصل وأما حديث جرير بن عبد اللَّه: ففي "الصحيحين" (١) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عنه قال: كنا جلوسًا مع النَّبي ﷺ فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: "إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق: ٣٩]. رواه عن إسماعيل بن أبي خالد: عبد اللَّه بن إدريس الأودي، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، وجرير ابن عبد الحميد، وعبيدة بن حُمَيد، وهشيم بن بشير، وعلي بن عاصم، وسفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، وأبو أسامة، وعبد اللَّه بن نُمَير، ومحمد بن عبيد، وأخوه يعلى بن عبيد، ووكيع بن الجراح، ومحمد ابن فضيل، والطُّفَاوي، ويزيد بن هارون، وإسماعيل بن [مجالد] (٢)،

стр. 687

وعنبسة بن سعيد، والحسن بن صالح بن حَيٍّ، وورقاء بن عمر، وعمار بن رزيق، وأبو الأغر سعيد بن عبد اللَّه، ونصر بن طريف، وعمار بن محمد، والحسن بن عياش أخو أبي بكر، ويزيد بن عطاء، وعيسى بن يونس، وشعبة بن الحجاج، وعبد اللَّه بن المبارك، وأبو حمزة السكري، وحسين بن واقد، ومعتمر بن سليمان، وجعفر ابن زياد، وخداش بن المهاجر، وهُرَيْم بن سفيان، ومندل بن علي، وأخوه: حبان بن علي، وعمرو بن مَرْثد، وعبد الغفار بن القاسم، ومحمد بن بشر الجريري، ومالك بن مِغول، وعصام بن النعمان، وعلي بن القاسم الكِنْدِي، وعُبيدة بن الأسود الهمْداني، وعبد الجبار ابن العباس، والمُعلَّى بن هلال، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، والصبَّاح ابن مُحَارب، ومحمد بن عيسى، وسعيد بن حازم، وأبان بن أرقم، وعمرو بن النعمان، ومسعود بن سعد الجُعفي، وعثَّام بن علي،

стр. 688

وحسن بن حبيب، وسنان بن هارون البرجمي، ومحمد بن يزيد الواسطي، وعمرو بن هاشم (١) ، ومحمد بن مروان، ويعلى بن الحارث المحاربي، وشعيب بن راشد، والحسن بن دينار، وسلَّام بن أبي مطيع، وداود بن الزِّبْرقان، وحماد بن أبي حنيفة، ويعقوب بن حبيب، وحكَّام بن سلم، وأبو مقاتل ابن حفص، ومسيب بن شريك، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت، وعمرو بن شمر الجعفي، وعمرو بن عبد الغفار الفُقَيمي، وسيف بن هارون البُرْجُمي أخو سنان، وعائذ بن حبيب، ومالك بن سُعَيْر بن الخِمس، ويزيد بن عطاء مولى أبي عوانة، وخالد بن يزيد العَصْري، وعبيد اللَّه بن موسى، وخالد بن عبد اللَّه الطحَّان، وأبو كُدَيْنَة يحيى بن المُهَلَّب، ورَقَبَة بن مَصْقَلة، ومعمر بن سليمان الرَّقي، ومُرَجَّى بن رجاء، وعمرو بن جرير، ويحيى بن هاشم (٢) السمسار، وإبراهيم بن طَهْمَان، وخارجة بن مصعب، وعبد اللَّه بن عثمان -شريك شعبة-، وعبد اللَّه بن فروخ، وزيد ابن أبي أُنيسة، وجوَّده فقال: "ستُعايَنُون ربَّكُم كما تُعاينون هذا القَمَرَ" (٣) . وأبو شهاب الحنَّاط وقال: "سَتَرَوْنَ ربَّكُم

стр. 689

عِيَانًا" (١) . وجارية بن هرم، وعاصم بن حكيم ومقاتل بن سليمان وأبو جعفر الرازي، والحسن بن أبي جعفر، والوليد بن عمرو، وأخوه: عثمان بن عمرو، وعبد السلام بن عبد اللَّه بن قرة العنبري، ويزيد بن عبد العزيز، وعلي بن صالح بن حَيّ، وزُفَر بن الهُذَيل، والقاسم بن معن. وتابع إسماعيل بن أبي خالد عن قيس جماعة منهم: بيَان بن بِشْر، ومُجَالد بن سعيد، وطارق بن عبد الرحمن، وجرير ابن يزيد بن جرير البجلي، وعيسى بن المسيب، كلُّهم عن قيس بن أبي حازم، عن جرير (٢) . فكلُّ هؤلاء شهدوا على إسماعيل بن أبي خالد، وشهد إسماعيل ابن أبي خالد على قيس بن أبي حازم، وشهد قيس بن أبي حازم على جرير بن عبد اللَّه، وشهد جرير على رسول اللَّه ﷺ فكأنَّك تسمع رسول اللَّه ﷺ وهو يقوله ويبلِّغه لأُمَّته، ولا شيءَ أقرَّ لأعينهم منه، وشهدت الجهمية والفرعونية والرَّافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان بكفر من اعتقد ذلك، وأنَّه من أهل التشبيه والتجسيم، وتابعهم على ذلك كلُّ عدوًّ للسنة وأهلها، واللَّه ناصرٌ كتابه وسُنَّة رسوله ولو كره الكافرون.

стр. 690

فصل وأمَّا حديث صهيب: فرواهُ مسلم في "صحيحه" (١) من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّةَ قال: يقول اللَّه : تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبيِّض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنَّة وتنجِّنا من النَّارِ؟ قال: فيكشفُ الحجابَ، فما أُعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظرِ إلى ربِّهم ، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ". وهذا حديثٌ رواه الأئمة عن حمَّاد وتلقوه عن نبيِّهم بالقبول والتصديق. فصل وأمَّا حديث عبد اللَّه بن مسعود: فقال الطبراني: حدثنا محمد بن النضر الأزدي وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، والحضرمي قالوا: حدثنا إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة الحرَّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحرَّاني عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن المِنْهَال بن عمرو عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه عن مسروق بن الأجدع، حدثنا عبد اللَّه بن مسعود قال: "يجمع اللَّه الأوَّلين والآخرين لميقات يومٍ معلوم، قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماءِ ينتظرون فصل القضاء، قال: وينزل اللَّه في ظُلَلٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي، ثمَّ ينادي منادٍ: أيها النَّاسُ ألم ترضوا من ربكم الَّذي خلقكم

стр. 691

ورزقكم، وأمركم أنْ تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كلَّ أناسٍ منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا، أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى، قال: فينطلق كلُّ قومٍ إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا، قال: فينطلقون، ويمثَّل لهم أشباه ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر، وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون، قال: ويمثَّل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى، ويمثَّل لمن كان يعبد عُزَيرًا شيطان عزير، ويبقى محمد ﷺ وأمته، فيأتيهم الربُّ فيقول: ما لكم لا تنطلقون كما انطلق النَّاسُ؟ قال: فيقولون: إنَّ لنا إلهًا ما رأيناهُ بَعْدُ، فيقول: هل تعرفونه إنْ رأيتموه؟ فيقولون: إنَّ بيننا وبينه علامة إذا رأيناه عرفناها، قال: فيقول ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه، فعند ذلك يكشف عن ساقٍ فيخرُّون له سُجَّدًا، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون، ثمَّ يقول: ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يُعْطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يُعطى نورًا أصغر من ذلك، ومنهم من يُعْطى نورًا مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك حتَّى يكون آخرهم رجلًا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرَّة، ويطفأ مرَّة، فإذا أضاء قدَّم قَدَمه فمشى، وإذا طفيء قام، والربُّ ﵎ أمامهم حتَّى يمر في النَّارِ فيبقى أثره كحدِّ السيف دحض مزلة، قال: ويقول: مرُّوا فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم

стр. 692

من يمر كالريح، ومنهم من يمرُّ كشد الفرس، ومنهم من يَمُرُّ كشدِّ الرجل، حتَّى يمر الَّذي أُعطي نوره على إبهام قدمه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه تخِرُّ يدٌّ، وتعلق يدٌ، وتخِرُّ رجلٌ، وتعلق رجلٌ، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها، ثمَّ قال: الحمد للَّه لقد أعطاني اللَّه ما لم يُعْطِ أحدًا، إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها، قال: فينطلق به إلى غدير عند باب الجنَّة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنَّة وألوانهم، فيرى ما في الجنَّة من خلال البابِ، فيقول: ربِّ أدخلني الجنَّة، فيقول اللَّه ﵎ له: أتسأل الجنَّةَ وقد نجيتك من النار؟! فيقول: رب اجعل بيني وبينها حجابًا، لا أسمع حسيسها. قال: فيدخل الجنَّة، قال: ويرى أو يرفع له منزلٌ أمام ذلك، كأنَّما الَّذي هو فيه إليه حلم، فيقول: رب أعطني ذلك المنزل، فيقول: فلعلك إنْ أعطيتكه تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزَّتك، لا أسألك غيره، وأي منزلٍ يكون أحسن منه؟ قال: فيعطاهُ فينزله، ويرى أمام ذلك منزلًا (١) ، كأنَّما الَّذي هو فيه إليه حلم، قال: أي رب أعطني ذلك المنزل، فيقول اللَّه ، فلعلك إنْ أعطيتكه تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه، قال: فيعطى فينزله، قال: ويرى أو يرفع أمام ذلك منزل آخر، كأنَّما هو إليه حلم، فيقول: أعطني ذلك المنزل، فيقول اللَّه ﷻ : فلعلك إنْ أعطيتكه تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزَّتك لا أسأل غيره، وأي منزلٍ - يكون أحسن منه، قال: فيعطاه فينزله، ثمَّ يسكت، فيقول اللَّه

стр. 693

عزَّ وجلَّ: مالك لا تسأل؟ فيقول له: ربِّ لقد سألتك حتَّى استحييتك، وأقسمت لك حتَّى استحييتك، فيقول اللَّه : ألا ترضى أن أعطيك مثل الدنيا منذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟ فيقول: أتستهزئُ بي وأنت رب العزَّة، فيضحك الرب من قوله - قال: فرأيتُ عبد اللَّه بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، قد سمعتك تحدث هذا الحديث مرارًا، كلَّما بلغتَ هذا المكان ضحكت، فقال: إنِّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يحدث هذا الحديث مرارًا؛ كلَّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، حتَّى تبدو أضراسه -. قال: فيقول اللَّه : لا ولكنِّي على ذلك قادرٌ، سل. فيقول: ألحقني بالنَّاسِ، فيقول: الحق بالنَّاس، قال: فينطلق يرمل في الجنَّة، حتَّى إذا دنى من النَّاسِ رُفِعَ له قصرٌ من درَّةٍ, فيخر ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك مالك؟ فيقول: رأيتُ ربِّي أو تراءى لي ربِّي، فيقال له: إنَّما هو منزلٌ من منازلك، قال: ثمَّ يلقى رجلًا، فيتهيأ للسجود، فيقال له: مه، مالك؟ فيقول: رأيتُ أنَّك ملكٌ من الملائكة، فيقول: إنَّما أنا خازنٌ من خُزَّانك، عبدٌ من عبيدك، تحت يديَّ ألف قهرمان، على مثل ما أنا عليه، قال: فينطلق أمامه حتَّى يفتح له القصر، قال: وهو في دُرَّةٍ مجوَّفة، شقائقها (١) ، وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها، يستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء كل جوهرة تفضي إلى جوهرة فيها سبعون بابًا، كلُّ بابٍ يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة بحمراء، كل جوهرة تفضي

стр. 694

إلى جوهرة (١) على غير لون الآخرى، في كلُّ جوهرة سررٌ وأزواج، ووصائف أدناهنَّ حوراء عيناء، عليها سبعون حلَّة، يُرى مُخ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضةً ازدادت في عينه سبعون ضعفًا، عمَّا كانت قبل ذلك، فيقول لها: واللَّه لقد ازددت في عيني سبعين [١٨٢/ ب] ضعفًا، وتقول له: واللَّه وأنت لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا، فيقال له: أَشْرِف، قال: فيشرف فيقال له: ملكك مسيرة مئة عام ينفذه بصره، قال فقال: عمر: ألا تسمع ما يحدثنا ابن أُمِّ عبدٍ يا كعب، عن أدنى أهل الجنَّة منزلًا، فكيف أعلاهم؟ قال كعب: يا أمير المؤمنين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، إنَّ اللَّه جعل دارًا فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة، ثمَّ أطبقها فلم يرها أحدٌ من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة، ثمَّ قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) ﴾ [السجدة: ١٧]، قال: وخلق دون ذلك جنتين، وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه، ثمَّ قال: من كان كتابه في عِلِّيين نزل تلك الدَّار التي لم يرها أحد حتَّى إنَّ الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه فما تبقى خيمةٌ من خيم الجنَّة إلَّا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه فيقولون: واهًا لهذه الرِّيح، هذا رجلٌ من أهل عِلِّيَّين قد خرج ليسير في ملكه، فقال: ويحك يا كعب، هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها، فقال كعب: والَّذي نفسي بيده إنَّ لجهنَّم يوم القيامة لزفرة ما يبقى من ملكٍ مقرَّب، ولا نبي مرسل إِلَّا خرَّ لركبتيه حتَّى إنَّ إبراهيم خليل اللَّه

стр. 695

يقول: ربِّ (١) نفسي نفسي، حتَّى لو كان لك عمل سبعين نبيًّا إلى عملك لظننتَ أنَّك لا تنجو" (٢) . هذا حديثٌ كبيرٌ حسن، رواه المصنفون في السنَّة كعبد اللَّه بن أحمد والطبراني والدَّارقطني في كتاب "الرؤية" (٣) ، رواه عن ابن صاعد،

стр. 696

حدثنا محمد بن أبي عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثنا أبي، حدثنا ورقاء بن عمر، حدثنا أبو طيبة، عن كرز بن وبرة، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه. ورواهُ من طريق عبد السلام بن حرب، حدثنا الدالاني، حدثنا المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به. ورواهُ من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة به. ومن طريق أحمد بن أبي طيبة، عن كرز بن وبرة عن نعيم بن أبي هند عن أبي عبيدة. فصل وأمَّا حديث علي بن أبي طالب: فقال يعقوب بن سفيان: حدثنا محمد بن المصفَّى حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جدِّه علي (١) بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَزُوْرُ أهلُ الجنَّة الربَّ ﵎ في كلِّ جمعة، وذكر ما يُعطون قال: ثمَّ يقول اللَّه ﵎: اكشفوا حجابًا، فيكشف حجاب، ثمَّ حجاب (٢)، ثمَّ يتجلَّى لهم تبارك

стр. 697

وتعالى عن وجهه، فكأنَّهم لم يرو نعمةً قبل ذلك، وهو قوله ﵎: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥] " (١). فصل وأمَّا حديث أبي موسى: ففي "الصحيحين" (٢) عنه ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: "جنَّتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنَّتانِ من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القَوْمِ وبينَ أنْ ينظروا إلى ربِّهم ﵎ إلَّا رداء الكبرياء على وجهه في جنَّةِ عدن". وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمارة عن أبي بُرْدَة عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمع اللَّهُ الأُمَمَ في صعيدٍ واحدٍ يوم القيامة، فإذا بدا للَّه أنْ يصدع بين خلقه، مُثِّلَ لكلَّ قومٍ ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتَّى يقحموا بهم (٣) النَّار، ثمَّ يأتينا ربُّنا ونحن على مكان رفيع، فيقول: من أنتم؟ فنقول: نحن المسلمون، فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظرُ ربنا ، قال: فيقول: وهل تعرفونه

стр. 698

إنْ رأيتموه؟ فيقولون: نعم (١) ، إنَّه لا عِدْل له، فيتجلَّى لنا ضاحكًا فيقول: أبشروا يا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت في النار يهوديًّا أو نصرانيًّا مكانه" (٢) . وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن عمارة القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النَّبي ﷺ قال: "يتجلى لنا ربنا ﵎ ضاحكًا يوم القيامة" (٣) . وذكر الدارقطني من حديث أبان بن أبي عياش، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي موسى، عن النَّبي ﷺ قال: "يبعث اللَّه يوم القيامة مناديًا بصوت يسمعه أولهم وآخرهم: إنَّ اللَّه وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه " (٤) .

стр. 699

فصل وأمَّا حديث عدي بن حاتم: ففي "صحيح البخاري" (١) قال: "بينا أنا عند النَّبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتى إليه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي، هل رأيت الحِيْرة"؟ قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترين الظَعِينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا اللَّه". قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّارُ طيء الذين سعروا البلاد؟ "وإن طالت بك حياة لتفتحنَّ كنوز كسرى"، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، وإن طالت بك حياةٌ لَترينَّ الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدًا يقبله منه، وليلقين اللَّه أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فليقولن: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم". قال عدي: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة". قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا اللَّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النَّبي ﷺ ".

стр. 700

فصل وأما حديث أنس بن مالك: ففي "الصحيحين" (١) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يجمع اللَّه الناس يوم القيامة فيهتمُّون لذلك - وفي لفظ: فيُلْهمون لذلك - فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا؟ فيأتون آدم، فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا نوحًا أوَّل رسول بعثه اللَّه ، قال: فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلًا، فيأتون إبراهيم فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه اللَّه وأعطاه التوراة، فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح اللَّه وكلمته، فيأتون عيسى روح اللَّه وكلمته فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ ، عبدًا قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : فيأتوني فأستأذن على ربي فيؤذَنُ لي، فإذا أنا رأيته فأقع ساجدًا فَيَدَعَني ما شاء اللَّه أن يدعني، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تعط، واشفع تشفَّع. فأرفع رأسي، فأحمد

стр. 701

ربي بتحميد يعلِّمنيه ربي، فأشفع فيحد لي حدًّا، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود، فأقع ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك يا محمد، قل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفَّع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع: فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة. قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة، قال: فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن". أي: وجب عليه الخلود. وذكر ابن خزيمة: عن ابن عبد الحكم، عن أبيه وشعيب بن الليث، عن الليث (١) ، حدثنا معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس قال: "يلقى الناس في القيامة ما شاء اللَّه أن يلقوه من الحبس، فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم فيشفع لنا إلى ربنا -فذكر الحديث إلى أن قال:- فينطلقون إلى محمد ﷺ فأقول: أنا لها، فانطلق حتى أستفتح باب الجنة فيفتح في فأدخل وربي على عرشه فأخر ساجدًا" وذكر الحديث (٢) . وقال أبو عوانة، وابن أبي عروبة، وهمام، وغيرهم: عن أنس (٣) في هذا الحديث: "فأستأذن على ربي فإذا رأيته وقعت ساجدًا".

стр. 702

وقال عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: "فآتي ربي وهو على سريره، أو كرسيه فأخر له ساجدًا". وساقه ابن خزيمة بسياق طويل، وقال فيه: "فأستفتح فإذا نظرت إلى الرحمن وقعت له ساجدًا" (١) . ورؤية النَّبي ﷺ لربه في هذا المقام ثابته عنه ثبوتًا يقطع به أهل العلم بالحديث والسنة، وفي حديث أبي هريرة: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا صاحب لواء الحمد ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، آخذ بحلقة باب الجنة، فيؤذن لي، فيستقبلني وجه الجبار ﷻ ، فأخر له ساجدًا" (٢) . وقال الدارقطني: حدثنا محمد بن إبراهيم النسائي المعدل بمصر، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر القاضي، حدثنا أبو بكر إبراهيم بن محمد، حدثنا الخليل بن عمر حدثنا [عمر بن سعيد الأبح] (٣) ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ عن النَّبي ﷺ في قوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

стр. 703

[يونس: ٢٦] قال: "النظر إلى وجه اللَّه " (١) . حدثنا أبو صالح عبد الرحمن بن سعيد بن هارون الأصبهاني، ومحمد بن جعفر بن أحمد المَطِيْري (٢) ، ومحمد بن علي ابن إسماعيل الأيلي، قالوا: حدثنا عبد اللَّه بن روح المدائني، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا ورقاء، وإسرائيل، وشعبة، وجرير بن عبد الحميد كلهم قالوا: حدثنا ليث عن عثمان بن أبي حميد، عن أنس ابن مالك، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أتاني جبريل وفي كفه كالمرآة البيضاء يحملها، فيها كالنكتة السوداء، فقلت: ما هذه التي في يدك يا جبريل؟ فقال: هذه الجمعة، قلت: وما الجمعة، قال: لكم فيها خير كثير، قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: يكون عيدًا لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعًا لكم، قلت: وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعة لا يسأل اللَّه عبدٌ فيها شيئًا هو له قِسْمٌ إلا أعطاه إياه، أوْ ليس له بقسم إلا ذُخر له في آخرته ما هو أعظم منه، قلت: ما هذه النكتة التي هي فيها؟ قال: هي الساعة ونحن ندعوه يوم المزيد، قلت: وما ذاك يا جبريل؟ قال إن ربك اتخذ في الجنة واديًا، فيه كثبان من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة هبط من عِلَّيين على كرسيه، فيحف

стр. 704

الكرسيَّ، بكراسي من نور، فيجئ النَّبيون حتى يجلسوا على تلك الكراسي، وتحف الكراسي بمنابر من نور، ومن ذهب مكللة بالجوهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغرف من غرفهم، حتى يجلسوا على تلك الكثبان، ثم يتجلى لهم فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وذلك بمقدار منصرفكم من الجمعة، ثم يرتفع على كُرْسِيِّهِ ، ويرتفع معه النَّبيون والصديقون، ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي: لؤلؤة بيضاء، أو زبرجدة خضراء، أو ياقوتة حمراء، غرفها وأبوابها فيها، أنهارها مطردة فيها، وأزواجها وخدامها، وثمارها متدلية فيها، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظرًا إلى ربهم ويزدادوا منه كرامة" (١) .

стр. 705

هذا حديث كبير عظيم الشأن، رواه أئمة السنة وتلقوه بالقبول، وجَمَّل به الشافعي "مسنده"، فرواه عن إبراهيم بن محمد، قال: حدثني موسى بن عبيدة، قال: حدثني أبو الأزهر، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير أنه سمع أنس بن مالك، فذكره بنحوه، وقد تقدم لفظه (١) . ثم قال الشافعي: أنبأنا إبراهيم قال: حدثني أبو عمران إبراهيم بن الجعد، عن أنسٍ شبيهًا به وزاد فيه أشياء (٢) . ورواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن أنس به، وقال فيه: "ثم يتجلى لهم ربهم ، حتى ينظروا إلى وجهه الكريم. . . " وذكر باقي الحديث. ورواه عمرو بن أبي قيس، عن أبي ظبية (٣) ، عن عاصم، عن عثمان بن عمير أبي اليقظان، عن أنس وجوَّدهُ، وفيه: "فإذا كان يوم الجمعة نزل على كرسيه، ثم حف الكرسي بمنابر من نور، فيجيء النَّبيون حتى يجلسوا عليها، ويجيء أهل الغرف حتى يجلسوا على الكُثُب، قال: ثم يتجلى لهم ربهم ﵎، فينظرون إليه
следующие страницы →