وخرج أبو مسلم يريد خراسان مراغما (١) مشاقّا وأخذ طريق حلوان، وقال أبو جعفر لعيسى بن على وعيسى بن موسى، ومن حضره من بنى هاشم: اكتبوا إلى أبى مسلم، فكتبوا إليه: «يعظّمون أمره ويشكرون ما كان منه، ويسألونه أن يتمّ (٢) على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة الغدر، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين، وأن يلتمس رضاه». وبعث إليه بالكتاب مع رسول له، وتقدّم إلى الرسول أن يلاينه وبعده ويمنّيه، فإن أبى أن يرجع تهدّده وتوعّده (٣)، فأنفذ الرسول ما أمر به. (تاريخ الطبرى ٩: ١٦٢)
٢٥ - كتاب أبى جعفر إلى أبى داود
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبى داود- وهو خليفة أبى مسلم بخراسان- حين اتّهم أبا مسلم: «إن لك إمرة خراسان ما بقيت».
(تاريخ الطبرى ٩: ١٦٣)
стр. 1122
٢٦ - كتاب أبى داود إلى أبى مسلم
فكتب أبو داود إلى أبى مسلم:
«إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله، وأهل بيت نبيه ﷺ ، فلا تخالفنّ إمامك، ولا ترجعنّ إلا بإذنه».
فرجع إلى أبى جعفر، فأمهله ثم قتله (١). (وكان ذلك سنة ١٣٧ هـ).
(تاريخ الطبرى ٩: ١٦٣)
٢٧ - رسالة عبد الله بن المقفع فى الصحابة «كتبها للمنصور»
«أما بعد- أصلح الله أمير المؤمنين، وأتمّ عليه النعمة، وألبسه المعافاة والرحمة- فإن أمير المؤمنين- حفظه الله- يجمع مع علمه المسألة والاستماع، كما كان
стр. 1123
ولاة الشرّ يجمعون مع جهلهم العجب والاستغناء، ويستوثق لنفسه بالحجّة، ويتخذها على رعيته فيما يلطف له من الفحص عن أمورهم، كما كان أولئك يكتفون بالدّعة، ويرضون بدحوض (١) الحجة، وانقطاع العذر فى الامتناع أن يجترئ عليهم أحد برأى أو خبر، مع تسليط الذّئاب (٢)، وقد عصم الله أمير المؤمنين- حين أهلك عدوّه، وشفى غليله، ومكّن له فى الأرض، وآتاه ملكها وخزائنها- من أن يشغل نفسه بالتمتّع والتفيّش (٣)، والتأثّل والأخلّاء (٤)، وأن يرضى ممن آوى (٥) بالمتاع به، وقضاء حاجة النفس منه، وأكرم الله أمير المؤمنين باستهانة ذلك واستصغاره إياه، وذلك من أبين علامات السعادة، وأتجح الأعوان على الخير، وقد قصّ الله علينا من نبأ يوسف بن يعقوب: أنه لمّا تمّت نعمة الله عليه، وآتاه الملك، وعلّمه من تأويل الأحاديث، وجمع له شمله، وأقرّ عينه بأبويه وإخوته، أثنى على الله بنعمته، ثم سلاعما كان فيه، وعرف أن الموت وما بعده هو أولى، فقال: «تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ».
وفى الذى قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجّع ذا الرأى على تناوله بالخبر فيما ظنّ أنه لم يبلغه إياه غيره، وبالتذكير بما قد انتهى إليه، ولا يزيد صاحب الرأى على أن يكون مخبرا أو مذكّرا، وكلّ عند أمير المؤمنين مقبول إن شاء الله، مع أن مما يزيد ذوى الألباب نشاطا إلى إعمال الرأى فيما يصلح الله به الأمة فى يومها، أو غابر دهرها، الذى أصبحوا قد طمعوا فيه، ولعل ذلك أن يكون على يدى أمير
стр. 1124
المؤمنين، فإن مع الطمع الجدّ، ومع اليأس القعود، وقلما ضعف الرّجاء إلّا ذهب الرّخاء، وطلب المؤيس عجز، وطلب الطامع حزم، ولم ندرك الناس نحن وآباؤنا إلّا وهم يرون فيها خلالا تقطع الرأى، وتمسك بالأفواه: من حال وال لم يهمّه الإصلاح، أو أهمّه ذلك، ولم يثق فيه بفضل رأى، أو كان ذا رأى ليس مع رأيه صول بصرامة أو حزم، أو كان ذلك استئثارا منه على الناس بنشب (١)، أو قلة تقدّم لما يجمع أو يقسم، أو حال أعوان تبتلى بهم الولاة ليسوا على الخير بأعوان، وليس لهم إلى اقتلاعهم سبيل، لمكانهم من الأمر، ومخافة الدّول (٢) والفساد إن هو هاجهم أو انتقص ما فى أيديهم، أو حال رعيّة متّزرة (٣)، ليس لها من أمرها النّصف فى نفسها، فإن أخذت بالشدة حميت، وإن أخذت باللين طغت، وكل هذه الخلائق قد طهّر الله منها أمير المؤمنين، فآتاه الله ما آتاه فى نيّته ومقدرته وعزمه، ثم لم يزل يرى ذلك منه الناس، حتى عرفه منه جهّالهم، فضلا عن علمائهم، وصنع الله لأمير المؤمنين ألطف الصّنع فى اقتلاع من كان يشركه فى أمره على غير طريقته ورأيه، حتى أراحه الله وآمنه منهم، بما جعلوا من الحجّة والسبيل على أنفسهم (٤)، وما قوّى الله عليه أمير المؤمنين فى رأيه واتباعه مرضاته، وأذلّ الله لأمير المؤمنين رعيّته، بما جمع له من اللين والعفو، فإن لان لأحد منهم ففى الإثخان (٥) له شهيد على أن ذلك ليس بضعف ولا مصانعة، وإن اشتدّ على أحد منهم ففى العفو شهيد على أن ذلك ليس بعنف ولا خرق، مع أمور سوى ذلك نكفّ عن ذكرها كراهة أن نكون كأنّا نصبنا للمدح، فما أخلق هذه الأشياء أن تكون عتادا (٦) لكل جسيم من الخير فى الدنيا والآخرة، واليوم والغد، والخاصة والعامّة، وما أرجانا لأن يكون أمير المؤمنين
стр. 1125
- بما أصلح الله الأمة من بعده- أشدّ اهتماما من بعض الولاة بما لا يصلح رعيته فى سلطانه، وما أشدّ ما قد استبان لنا أن أمير المؤمنين أطول بأمر الأمة عناية، ولها نظرا وتقديرا، من الرجل منا بخاصّة أهله، ففى دون هذا ما يثبّت الأمل، وينشّط للعمل، ولا قوة إلا بالله، ولله الحمد، وعلى الله التمام.
فمن الأمور التى يذكّر بها أمير المؤمنين- أمتع الله به- أمر هذا الجند من أهل خراسان، فإنهم جندلم يدرك مثلهم فى الإسلام، وفيهم منعة بها يتمّ فضلهم إن شاء الله أمّا هم فأهل بصر بالطاعة، وفضل عند الناس، وعفاف نفوس وفروج، وكفّ عن الفساد، وذلّ للولاة، فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم. وأمّا ما يحتاجون فيه إلى المنفعة من ذلك، فتقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم، فإن فى ذلك اليوم أخلاطا (١): من رأس مفرط غال، وتابع متحيّر شاكّ، ومن كان إنما يصول على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة فى الرأى والقول والسّيرة، فهو كراكب الأسد الذى يوجل (٢) من رآه، والراكب أشدّ وجلا؛ فلو أن أمير المؤمنين كتب لهم أمانا معروفا بليغا وجيزا، محيطا بكل شىء يجب أن يعملوا (٣) به أو يكفّوا عنه، بالغا فى الحجّة، قاصرا عن الغلوّ، يحفظه رؤساؤهم حتى يقودوا به دهماءهم (٤)، ويتعهّدوا به منهم من دونهم من عرض الناس، لكان ذلك إن شاء الله لرأيهم صلاحا، وعلى من سواهم حجّة، وعند الله عذرا، فإن كثيرا من المتكلمين من قوّاد أمير المؤمنين اليوم إنما عامّة كلامهم فيما يؤمر الأمر، ويزعم الزّعم أن أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت، ولو أمر أن تستدبر القبلة بالصلاة فعل ذلك، وهذا كلام قلّما يرتضيه من كان مخالفا، وقلّما يرد فى سمع السامع إلا أحدث فى قلبه ريبة
стр. 1126
وشكّا، والذى يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى للأمر، وأعزّ للسلطان، وأقمع للمخالف، وأرضى للموافق، وأثبت للعذر عند الله .
فإنا قد سمعنا فريقا من الناس يقولون: لا طاعة للمخلوق فى معصية الخالق، بنوا قولهم هذا بناء معوجّا فقالوا: إن أمرنا الإمام بمعصية الله فهو أهل أن يعصى، وإن أمرنا الإمام بطاعة الله فهو أهل أن يطاع، فإذا كان الإمام يعصى فى المعصية، وكان غير الإمام يطاع فى الطاعة، فالإمام ومن سواه على حقّ الطاعة سواء، وهذا قول معلوم يجده الشيطان ذريعة إلى خلع الطاعة، والذى فيه أمنيّته لكى يكون الناس نظائر، ولا يقوم بأمرهم إمام، ولا يكون على عدوّهم منهم ثقل.
سمعنا آخرين يقولون: بل نطيع الأئمة فى كل أمورنا، ولا نفتّش عن طاعة الله ولا معصيته، ولا يكون أحد منا عليهم حسيبا، هم ولاة الأمر وأهل العلم، ونحن الأتباع وعلينا الطاعة والتسليم، وليس هذا القول بأقلّ ضررا فى توهين (١) السلطان، وتهجين الطاعة، من القول الذى قبله، لأنه ينتهى إلى الفظيع المتفاحش من الأمر، فى استحلال معصية الله جهارا صراحا (٢).
وقال أهل الفضل والصواب: قد أصاب الذين قالوا: لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، ولم يصيبوا فى تعطيلهم طاعة الأئمة، وتسخيفهم إياها، أصاب الذين أقرّوا بطاعة الأئمة لما حقّقوا منها، ولم يصيبوا ما أبهموا من ذلك فى الأمور كلّها.
فأمّا إقرارنا بأنه لا يطاع الإمام فى معصية الله، فإنما ذلك من عزائم الفرائض والحدود التى لم يجعل الله لأحد عليها سلطانا، ولو أن الإمام نهى عن الصلاة والصيام والحج، أو منع الحدود وأباح ما حرّم الله، لم يكن له فى ذلك أمر.
فأمّا إثباتنا للإمام الطاعة فيما لا يطاع فيه غيره، فإن ذلك فى الرأى والتدبير والأمر
стр. 1127
الذى جعل الله أزمّته وعراه بأيدى الأئمة، ليس لأحد فيه أمر ولا طاعة، من الغزو والقفول (١)، والجمع والقسم، والاستعمال والعزل، والحكم بالرأى فيما لم يكن فيه أثر، وإمضاء الحدود والأحكام على الكتاب والسّنة، ومحاربة العدو ومخادعته، والأخذ للمسلمين والإعطاء عليهم، وهذه الأمور وأشباهها من طاعة الله الواجبة، وليس لأحد من الناس فيها حق إلا الإمام، ومن عصى الإمام فيها أو خذله فقد أوتغ (٢) نفسه، وليس يفترق هذان الأمران إلا ببرهان من الله عظيم، وذلك أن الله جعل قوام الناس وصلاح معاشهم ومعادهم فى خلّتين: الدّين والعقل، ولم تكن عقولهم- وإن كانت نعمة الله عظمت عليهم فيها- بالغة معرفة الهدى، ولا مبلغة أهلها رضوان الله، إلا بما أكمل لهم من النعمة، بالدّين الذى شرع لهم، وشرح به صدر من أراد هداه منهم، ثم لو أنّ الدّين جاء من الله لم يغادر حرفا من الأحكام والرأى والأمر وجميع ما هو وارد على الناس، وجار فيهم مذ بعث الله رسوله ﷺ إلى يوم يلقونه إلا جاء فيه بعزيمة، لكانوا قد كلّفوا غير وسعهم، فضيّق عليهم فى دينهم، وأتاهم ما لم تتّسع (٣) أسماعهم لاستماعه، ولا قلوبهم لفهمه، ولحارت عقولهم وألبابهم التى امتنّ الله بها عليهم، ولكانت لغوا لا يحتاجون إليها فى شىء، ولا يعملونها إلا فى أمر قد أتاهم به تنزيل، ولكن الله منّ عليهم بدينهم الذى لم يكن يسعه رأيهم، كما قال عباد الله المتّقون: «وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ».
ثم جعل ما سوى ذلك من الأمر والتدبير إلى الرأى، وجعل الرأى إلى ولاة الأمر، ليس للناس فى ذلك الأمر شىء إلا الإشارة عند المشورة، والإجابة عند الدّعوة، والنصيحة بظهر الغيب، ولا يستحقّ الوالى هذه الطاعة إلا بإقامة العزائم والسّنن مما هو فى معنى ذلك، ثم ليس من وجوه القول وجه يلتمس فيه إثبات فضل
стр. 1128
أهل بيت أمير المؤمنين على أهل كل بيت، وغير ذلك مما يحتاج الناس إلى ذكره، إلّا وهو موجود فيه من الكلام الفاضل المعروف ما هو أبلغ ممّا يغلو فيه الغالون، فإن الحجّة ثابتة، والأمر واضح بحمد الله ونعمته.
وممّا ينظر فيه لصلاح أهل الجند ألّا يولّى أحدا منهم شيئا من الخراج، فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة، ولم يزل الناس يتحامون ذلك منهم، وينحّونه عنهم، لأنهم أهل دالّة (١) ودعوى بلاء، وإذا كان (٢) جلّابا للدراهم والدنانير اجترأ عليهما، وإذا وقع فى الخيانة صار كلّ أمره (٣) مدخولا: نصيحته وطاعته، فإن جعل بينه وبين رفعه أمر حفّته (٤) الحميّة، مع أن ولاية الخراج داعية إلى ذلّة وعقوبة وهوان، وإنما منزلة المقاتل منزلة الكرامة واللّطف.
ومما ينظر فيه من أمرهم أن منهم من المجهولين من هو أفضل من بعض قادتهم، فلو التمسوا وصنعوا (٥) كانوا عدّة وقوة، وكان ذلك صلاحا لمن فوقهم من القادة، ومن دونهم من العامة.
ومن ذلك تعهّد أدبهم فى تعلّم الكتاب، والتفقّه فى السّنّة، والأمانة والعصمة والمباينة لأهل الهوى، وأن يظهر فيهم من القصد والتواضع واجتناب زىّ المترفين وشكلهم، مثل الذى يأخذ به أمير المؤمنين فى أمر نفسه، ولا يزال يطلع من أمير المؤمنين، ويخرج منه القول بما يعرّف مقته للإتراف والإسراف وأهلهما، ومحبّته القصد والتواضع ومن أخذ بهما، حتى يعلموا أن معروف أمير المؤمنين محظور عمن يكنزه بخلا، أو (٦) ينفقه سرفا فى العطر واللّباس والمغالاة بالنساء والمراتب، فإن أمير المؤمنين يؤثر بالمعروف من وجهته المعروف والمؤاساة.
стр. 1129
ومن ذلك أمر أرزاقهم أن يوقّت لهم أمير المؤمنين فيها وقتا يعرفونه، فى كل ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو ما بداله، وأن يعلم عامّتهم العذر الذى فى ذلك من إقامة ديوانهم، وجمل (١) أسمائهم، ويعلموا الوقت الذى يأخذون فيه، فينقطع الاستبطاء والشكوى، فإن الكلمة الواحدة تخرج من أحدهم فى ذلك، أهل أن تستعظم، وإنّ باب ذلك جدير أن يحسم، مع أن أمير المؤمنين قد علم كثرة أرزاقهم، وكثرة المال الذى يخرج لهم، وأن هذا الخراج إن لم يكن رائجا لغلاء السّعر، فإنه لابدّ من الكساد والكسر، وأن لكل شىء درّة وغزارة، وإنما درور خراج العراق بارتفاع الأسعار، وإنما يحتاج الجند اليوم إلى ما يحتاجون إليه من كثرة الرزق، لغلاء السعر، فمن حسن التقدير إن شاء الله أن لا يدخل على الأرض ضرر، ولا بيت المال نقصان من قبل الرحمن، إلا دخل ذلك عليهم فى أرزاقهم مع أنه ليس عليهم فى ذلك نقصان، لأنهم يشترون بالقليل مثل ما كانوا يشترون بالكثير، فأقول: لو أن أمير المؤمنين خلّى (٢) شيئا من الرزق، فجعل بعضه طعاما، وجعل بعضه علفا، وأعطوه بأعيانه، فإن قوّمت لهم قيمة، فخرج ما خرج على حسابه (٣) قيمة الطعام والعلف، لم يكن فى أزاقهم لذلك نقصان عاجل يستنكرونه، وكان ذلك قوة لهم فى نزالهم عند الحمل على العدو (٤)، وإنصاف بيت المال من أنفسهم فيما يستبطئون مع أنه إن زاد السعر أخذوا بحصّتهم من فضل ذلك.
ومن جماع الأمر وقوامه بإذن الله أن لا يخفى على أمير المؤمنين شىء من أخبارهم وحالاتهم وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والأطراف، وأن يحتقر فى ذلك النّفقة،
стр. 1130
ولا يستعين فيه إلا بالثّقات النّصّاح، فإنّ ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من الاستعانة فيه بغير الثقة، فتصير مغبّته للجهالة والكذب.
ومما يذكر به أمير المؤمنين- أمتع الله به- أمر هذين المصرين (١)، فإنهم- بعد أهل خراسان- أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعته ومعينيه، مع اختلاطهم بأهل خراسان- وإنهم منهم وهامتهم (٢) -، وإنما ينظر أمير (٣) المؤمنين منهم إلى صدق رابطتهم، وما أراد معزّتة (٤) من أمورهم استعان أهل خراسان فى ذلك لهم، مع الذى فى ذلك من جمال الأمر، واختلاط الناس بالناس، العرب بالعجم، وأهل خراسان بالمصرين.
إن فى أهل العراق يا أمير المؤمنين من الفقه والعفاف والألباب والألسنة، شيئا لا يكاد يشكّ أنه ليس فى جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه، فلو أراد أمير المؤمنين أن يكتفى بهم فى جميع ما يلتمس له أهل هذه الطّبقة من الناس، رجونا أن يكون ذلك فيهم موجودا، وقد أزرى بأهل العراق فى تلك الطّبقة أن ولاة العراق فيما مضى كانوا أشرار الولاة، وأن أعوانهم من أهل أمصارهم كذلك فحمل جميع أهل العراق على ما ظهر من أولئك الفسول (٥)، وتعلّق بذلك أعداؤهم من أهل الشام فنعوه (٦) عليهم، ثم كانت هذه الدولة فلم يتعلّق من دونكم من الوزراء والعمال إلّا بالأقرب فالأقرب مما دنا منهم، أو وجدوه بسبيل شىء من الأمر، فوقع رجال مواقع شائنة لجميع أهل العراق، حيثما وقعوا من صحابة خليفة، أو ولاية
стр. 1131
عمل، أو موضع أمانة، أو موطن جهاد، وكان من رأى أهل الفضل أن يقصدوا حيث يلتمسون، فأبطأ ذلك بهم أن يعرفوا وينتفع بهم، وإن كان صاحب السلطان ممن لم يعرف الناس قبل أن يليهم، ثم لم يزل يسأل عنهم من يعرفهم، ولم يستثبت فى استقضائهم، زالت الأمور عن مراكزها، ونزلت الرجال عن منازلها، لأن الناس لا يلقوته إلا متصنّعين بأحسن ما يقدرون عليه من الصمت والكلام، غير أن أهل النقص هم أشدّ تصنعا، وأحلى ألسنة، وأرفق تلطّفا للوزراء، وتمحّلا لأن يثنى عليهم من وراء وراء، فإذا آثر الولى ان يستخلص رجلا واحدا ممن ليس لذلك أهلا، دعا إلى نفسه جميع ذلك الشّرج (١)، وطمعوا فيه، واجترءوا عليه، وتواردوه، وزحموا على ما عنده، وإذا رأى ذلك أهل الفضل كفّوا عنه وباعدوا منه، وكرهوا أن يروا فى غير موضعهم، أو يزاحموا غير نظرائهم.
ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين الصرين، وغيرهما من الأمصار والنواحى، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة، التى قد بلغ اختلافها أمرا عظيما فى الدّماء والفروج والأموال، فيستحلّ الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرّمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف فى جوف الكوفة، فيستحلّ فى ناحية منها ما يحرّم فى ناحية أخرى، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين فى دمائهم وحرمهم، يقضى به قضاة جائر أمرهم وحكمهم، مع أنه ليس ممّن ينظر فى ذلك من أهل العراق وأهل الحجاز فريق إلّا قد لجّ بهم العجب مما فى أيديهم، والاستخفاف بمن سواهم، فأقحمهم ذلك فى الأمور التى يتبيّغ (٢) بها من سمعها من ذوى الألباب، مّا من يدّعى لزوم السّنّة منهم فيجعل ما ليس له سنّة سنّة حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بيّنة ولا حجّة على الامر الذى يزعم أنه سنة، وإذا سئل عن ذلك لم يستطع أن يقول هريق فيه دم على عهد رسول الله ﷺ ، او أئمة الهدى من بعده، وإذا قيل له: أىّ
стр. 1132
دم سفك على هذه السّنّة التى تزعمون؟ قالوا: فعل ذلك عبد الملك بن مروان، أو أمير من بعض أولئك الأمراء، وإنما يأخذ بالرأى، فيبلغ به الاعتزام على رأيه، أن يقول فى الأمر الجسيم من أمر المسلمين قولا لا يوافقه عليه أحد من المسلمين، ثم لا يستوحش لانفراده بذلك، وإمضائه الحكم عليه، وهو مقرّ أنه رأى منه، لا يحتجّ بكتاب ولا سنة.
فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسّنن المختلفة فترفع إليه فى كتاب؛ ويرفع معها ما يحتجّ به كل قوم من سنّة، أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين فى ذلك، وأمضى فى كل قضية رأيه الذى يلهمه الله، ويعزم له عليه، وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا عزما، لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ، حكما واحدا صوابا، ورجونا أن يكون اجتماع السّير قربة لإجماع الأمر براى أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر آخر الدهر إن شاء الله.
فأمّا اختلاف الأحكام، فإمّا شىء مأثور عن السّلف غير مجمع عليه، يدبّره قوم على وجه، ويدبّره آخرون على وجه آخر، فينظر فيه إلى أحقّ الفريقين بالتصديق، وأشبه الأمرين بالعدل. وإما رأى أجراه أهله على القياس، فاختلف وانتشر بغلط فى أصل المقايسة، وابتداء أمر على غير مثاله، وإما لطول ملازمته القياس، فإن من أراد أن يلزم القياس، ولا يفارقه أبدا فى أمر الدين والحكم، وقع فى الورطات ومضى على الشّبهات، وغمّض على القبيح الذى يعرفه ويبصره، فأبى أن يتركه كراهة ترك القياس، وإنما القياس دليل يستدلّ به على المحاسن، فإذا كان ما يقود إليه حسنا معروفا أخذ به، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك، لأن المبتغى ليس عين (١) القياس يبغى، ولكن محاسن الأمور ومعروفها وما ألحق الحقّ بأهله،
стр. 1133
ولو أن شيئا مستقيما على الناس، ومنقادا حيث قيد، لكان الصدق هو ذلك، ولا يعتبر بالمقاييس، فإنه لو أراد أن يقوده الصدق لم ينقد له، وذلك أن رجلا لو قال:
أتأمرنى أن أصدق فلا أكذب كذبة أبدا، لكان جوابه أن يقول: نعم، ثم لو التمس منه قود (١) ذلك فقال: أأصدق فى كذا وكذا، حتى يبلغ به أن يقول:
أأصدق فى رجل هارب، استدلّتى عليه طالب ليظلمه فيقتله، لكسر عليه قياده، وكان الرأى له أن يترك ذلك، وينصرف إلى المجتمع عليه المعروف المستحسن.
ومما يذكّر به أمير المؤمنين أهل الشام، فإنهم أشدّ الناس مؤنة، وأخوفهم عداوة وبائقة، وليس يؤاخذهم أمير المؤمنين بالعداوة، ولا يطمع منهم فى الاستجماع على المودّة، فمن الرأى فى أمرهم أن يختصّ أمير المؤمنين منهم خاصّة، ممن يرجو عنده صلاحا، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء، فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم فى الرأى والهوى، ويدخلوا فيما حملوا عليه من أمرهم، فقد رأينا أشباه أولئك من أهل العراق الذين استدخلهم أهل الشام، ولكن أخذ فى أمر أهل الشام على القصاص (٢). حرموا كما كانوا يحرمون الناس، وجعل فيئهم إلى غيرهم كما كان فىء غيرهم إليهم، ونحّوا عن المنابر والمجالس والأعمال كما كانوا ينحّون عن ذلك من لا يجهلون فضله فى السابقة والموضع، ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون الناس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذى يصنعه أمراؤهم للعامّة، فإذا رغب أمير المؤمنين بنفسه عن هذه السّيرة وما أشبهها، فلم يعارض (٣) ما عاب، ولم يمثّل ما سخط؟ كان العدل أن يقتصر بهم على فيئهم، فيجعل ما خرج من كور الشام فضلا عن النفقات،
стр. 1134
وما خرج من مصر فضلا عن حقوق أهل المدينة ومكة، بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلتهم ديوانهم، أو يزيد، أو ينقص، غير أنه يأخذ أهل القوة والغناء (١) وخفّة المؤنة والخفّة فى الطاعة، ولا يفضّل أحدا منهم على أحد، إلا على خاصّة معلومة، ويكون الديوان كالغرض المستأنف، ويأمر لكل جند من أجناد أهل الشام بعدّة من العيال يقترعون عليها، ويسوّى بينهم فيما لم يكونوا أسوة فيه فيمن مات من عيالاتهم، ولا يضيع أحدا (٢) من المسلمين.
وأمّا ما يتخوف المتخوّفون من نزواتهم، فلعمرى لئن أخذوا بالحق- ولم يؤخذوا به- إنهم لخلقاء أن يكون لهم نزوات ونزقات (٣)، ولكنّا على مثل اليقين- بحمد الله- من أنهم لم يشركوا يذلك إلا أنفسهم، وأن الدائرة لأمير المؤمنين عليهم آخر الدهر إن شاء الله، فإنه لم يخرج الملك من قوم إلّا بقيت فيهم بقية يتوثبون بها، ثم كان ذلك التوثّب هو سبب استئصالهم وتدويخهم.
ومما يذكّر به أمير المؤمنين أمر أصحابه، فإن من أولى أمر الوالى منه بالتثبّت والتحيّر، أمر أصحابه الذين هم بهاء فنائه (٤)، وزينة مجلسه، وألسنة رعيته، والأعوان على رأيه، ومواضع كرامته، والخاصّة من عامّته، فإن أمر هذه الصّحابة قد عمل فيه من كان وليه من الوزراء (٥) والكتّاب قبل خلافة أمير المؤمنين عملا قبيحا مفرط القبح، مفسدا للحسب والأدب والسياسة، داعيا للأشرار، طاردا للأخيار، فصارت صحبة الخليط (٦) أمرا سخيفا، فطمع فيه الأوغاد، وتزهّد فيه من كان يرغب فيما دونه، حتى إذا لقينا (٧) أبا العباس- رحمة الله عليه- وكنت فى ناس من صلحاء أهل البصرة
стр. 1135
ووجوههم، فكنت فى عصابة منهم أبوا أن يأتوه، فمنهم من تغيّب فلم يقدم، ومنهم من هرب بعد قدومه، اختيارا للمعصية على سوء الموضع؛ لا يعتذرون فى ذلك إلا بضياع المكتب (١) والدعوة والمدخل، يقولون: هذه منزلة كان من هو أشرف من أبنائنا يرغبون فيما هو دونها عند من هو أصغر أمراء ولاتنا اليوم، ولكنها قد كانت مكرمة وحسبا، إذ الناس ينظرون ويسأل عنهم، فأما اليوم ونحن نرى فلانا وفلانا ينفر (٢) بأسمائهم- على غير قديم سلف، ولا بلاء حدث، فمن يرغب فيما هاهنا يا أمير المؤمنين- أكرمك الله-؟ أما يصير العدل كله إلى تقوى الله ، وإنزال الأمور منازلها، فإن الأول قال:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
وقال:
هم سوّدوا نصرا، وكلّ قبيلة ... يبيّن عن أحلامها من يسودها
وإن أمر هذه الصحابة قد كان فيه أعاجيب، دخلت فيه مظالم، أمّا العجب فقد سمعنا من الناس من يقول: ما رأينا أعجوية قطّ أعجب من هذه الصحابة، ممن لا ينتهى إلى أدب ذى نباهة، ولا حسب معروف، ثم هو مسخوط الرأى، مشهور بالفجور فى أهل مصره (٣)، قد غبر عامّة دهره صانعا يعمل بيده، ولا يعتدّ مع ذلك ببلاء ولا غناء، إلا أنه مكّنه من الأمر صاغ (٤)، فاحتوى حيث أحبّ، فصار يؤذن له على الخليفة قبل كثير من أبناء المهاجرين والأنصار، وقبل قرابة أمير المؤمنين وأهل بيوتات العرب، ويجرى عليه من الرّزق الضّعف مما يجرى على كثير من بنى هاشم،
стр. 1136
وغيرهم من سروات (١) قريش، ويخرج له من المعونة على نحو ذلك، لم يضعه بهذا الموضع رعاية رحم، ولا فقه فى دين، ولا بلاء فى مجاهدة عدوّ معروفة ماضية متتابعة قديمة، ولا غناء حديث، ولا حاجة إليه فى شىء من الأشياء، ولا عدّة يستعدّ بها، وليس بفارس ولا خطيب ولا علّامة، إلا أنه خدم كاتبا أو حاجبا، فأخبر أن الدين لا يقوم إلا به، حتى كتب كيف شاء، ودخل حيث شاء.
وأما المظلمة التى دخلت فى ذلك فعظيمة، قد خصّت قريشا وعمّت كثيرا من الناس، وأدخلت على الأحساب والمروءات محنة شديدة وضياعا كثيرا، فإن فى إذن الخليفة، والمدخل عليه والمجلس عنده، وما يجرى على صحايته من الرزق والمعونة، وتفضيل بعضهم على بعض فى ذلك، حكما عظيما على (٢) الناس فى أنسابهم وأخطارهم وبلاء أهل البلاء منهم، وليس ذلك كخواصّ المعروف ولطيف المنازل، أو الأعمال التى يختص بها المولى من أحبّ، ولكنه باب من القضاء جسيم عامّ يقضى فيه للماضين من أهل السّوابق والمآثر من أهل الباقين، وأهل البلاء والغناء بالعدل أو بما يحال فيه عليهم، فإن أحقّ المظالم بتعجيل الرفع والتغيير، ما كان ضرّه عائبا، وكان للسلطان شائنا، ثم لم يكن فى رفعه مؤنة، ولا شغب، ولا توغير لصدور (٣)، عامّة، ولا للقوة والإضرار (٤) سبب.
ولصحابة أمير المؤمنين- أكرمه الله- مزيّة وفضل، وهى مكرمة سنيّة حريّة أن تكون شرفا لأهلها، وحسبا لأعقابهم، حقيقة أن تصان وتحظر، ولا يكون فيها إلا رجل بدر (٥) بخصلة من الخصال، أو (٦) رجل له عند أمير المؤمنين خاصّة بقرابة أو بلاء، أو رجل يكون شرفه ورأيه وعمله أهلا لمجلس أمير المؤمنين وحديثه
стр. 1137
ومشورته، أو صاحب نجدة يعرف بها ويستعدّ لها، يجمع نجدته حسبا وعفافا، فيرفع من الجند إلى الصّحابة أو رجل فقيه مصلح يوضع بين أظهر الناس لينتفعوا بصلاحه وفقهه، أو رجل شريف لا يفسد نفسه أو غيرها، فأمّا من يتوسّل بالشّفاعات فإنه يكتفي أو يكتفى له بالمعروف والبر فيما لا يهجّن رأيا، ولا يزيل أمرا عن مرتبته، ثم تكون تلك الصحابة المخلصة على منازلها، ومداخلها، لا يكون للكاتب فيها أمر فى رفع رزق ولا وضعه، ولا للحاجب فى تقديم إذن ولا تأخيره.
ومما يذكر به أمير المؤمنين، أمر فتيان أهل بيته وبنى أبيه وبنى علىّ وبنى العباس، فإن فيهم رجالا لو متّعوا بجسام الأمور والأعمال سدّوا وجوها، وكانوا عدّة لأخرى.
ومما يذكّر به أمير المؤمنين، أمر الأرض والخراج، فإن أجسم ذلك وأعظمه خطرا، وأشدّه مؤنة وأقربه من الضّياع، ما بين سهله وجبله، ليس لها تفسير على الرساتيق (١) والقرى، فليس للعمّال أمر ينتهون إليه، ولا يحاسبون عليه، ويحول بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعد ما يتأنّقون لها فى العمارة، ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم، فسيرة العمال فيهم إحدى ثنتين: إما رجل أخذ بالخرق (٢) والعنف من حيث وجد، وتتبّع الرجال والرساتيق بالمغالاة ممن وجد، وإما رجل صاحب مساحة، يستخرج ممن زرع، ويترك من لم يزرع، فيعمر من عمر (٣)، ويسلم من أخرب، مع أن أصول الوظائف (٤) على الكور لم يكن لها ثبت (٥)، ولا علم، وليس من كورة إلا وقد غيّرت وظيفتها مرارا، فخفيت وظائف بعضها، وبقيت وظائف بعض، فلو أن أمير المؤمنين أعمل رأيه فى التوظيف على الرّساتيق والقرى والأرضين
стр. 1138
وظائف معلومة، وتدوين الدواوين بذلك، وإثبات الأصول، حتى لا يؤخذ رجل إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها، ولا يجتهد فى عمارة إلا كان له فضلها ونفعها، لرجونا أن يكون فى ذلك صلاح للرعية، وعمارة للأرض، وحسم لأبواب الخيانة وغشم (١) العمال، وهذا رأى مؤنته شديدة، ورجاله قليل، ونفعه متأخّر، وليس بعد هذا فى أمر الخراج إلا رأى قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به، ولم نره من أحد قبله، من تخيّر العمال وتفقّدهم والاستعتاب (٢) لهم، والاستبدال بهم.
ومما يذكّر به أمير المؤمنين، جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة وما سوى ذلك، أن يكون من رأى أمير المؤمنين- إذا سخت نفسه عن أموالها من الصّدقات وغيرها- أن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم، لأن ذلك من تمام السّيرة العادلة، والكلمة الحسنة التى قد رزق الله أمير المؤمنين وأكرمه بها، من الرأى الذى هو بإذن الله حمى ونظام لهذه الأمور كلّها فى الأمصار والأجناد والثّغور والكور.
إنّ بالناس من الاستجراح (٣) والفساد ما قد علم أمير المؤمنين، وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم وطرائفهم ما هو أشدّ من حاجتهم إلى أقواتهم التى يعيشون بها، وأهل كل مصر وجند وثغر فقراء إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسّنّة والسّير والنصيحة مؤدّبون مقوّمون يذكّرون، ويبصّرون (٤) الخطأ، ويعظون من الجهل، ويمنعون عن البدع، ويحذّرون الفتن، ويتفقدون أمور عامّة من هو بين أظهرهم، حتى لا يخفى عليهم منها مهمّ، ثم يستصلحون ذلك ويعالجون ما استنكروا منه بالرأى والرّفق والنّصح، ويرفعون ما أعياهم إلى ما يرجون قوّته عليهم (٥)، مأمونين على سير ذلك وتحصينه، بصراء بالرأى حين ببدو، وأطبّاء باستئصاله قبل أن يتمكّن، وفى كل
стр. 1139
قوم خواصّ رجال عندهم على هذا معونة، إذا صنعوا لذلك، وتلطّف لهم، وأعينوا على رأيهم، وقوّوا على معاشهم ببعض ما يفرّغهم لذلك ويبسطهم له، وخطر (١) هذا جسيم فى أمرين: أحدهما رجوع أهل الفساد إلى الصلاح، وأهل الفرقة إلى الألفة.
والأمر الآخر أن لا يتحرك متحرّك فى أمر من أمور العامّة إلا وعين ناصحة ترمقه، ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ (٢) نحوه، وإذا كان ذلك لم يقدر أهل الفساد على تربيض (٣) الأمور وتلقيحها، وإذا لم تلقّح كان نتاجها بإذن الله مأمونا.
وقد علمنا علما لا يخالطه شكّ أن عامّة قط لم تصلح من قبل أنفسها، ولم يأتها الصّلاح إلا من قبل خاصّتها، وأن خاصّة قطّ لم تصلح من قبل أنفسها، وأنها لم يأتها الصلاح إلّا من قبل إمامها، وذلك لأن عدد الناس فى ضعفتهم (٤)
وجهّالهم الذين لا يستغنون برأى أنفسهم، ولا يحملون العلم، ولا يتقدمون فى الأمور، فإذا جعل الله فيهم خواصّ من أهل الدين والعقول، ينظرون إليهم ويسمعون منهم، واهتمّت خواصّهم بأمور عوامّهم، وأقبلوا عليها بجدّ ونصح ومثابرة وقوة، جعل الله ذلك صلاحا لجماعتهم، وسببا لأهل الصلاح من خواصّهم، وزيادة فيما أنعم الله به عليهم، وبلاغا إلى الخير كلّه، وحاجة الخاصّة إلى الإمام الذى يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصّهم وأعظم من ذلك، فبالإمام يجمع الله أمرهم، ويكبت (٥) أهل الطعن عليهم، ويجمع رأيهم وكلمتهم، ويبيّن لهم عند العامة منزلتهم، ويجعل لهم لحجّة والأيد (٦) والمقال على من نكب (٧) عن سبيل حقهم.
فلما رأينا هذه الأمور ينتطم بعضها ببعض، وعرفنا من أمر أمير المؤمنين ما بمثله جمع الله خواصّ المسلمين على الرغبة فى حسن المعاونة والمؤازرة والسعى فى صلاح عامّتهم:
стр. 1140
طمعنا لهم فى ذلك يا أمير المؤمنين، وطمعنا فيه لعامّتهم، ورجونا ألّا يعمل بهذا الأمر أحد إلا رزقه الله المتابعة فيه، والقوة عليه، فإن الأمر إذا أعان على نفسه جعل للقائل مقالا، وهيّأ للساعى نجاحا، ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو ربّ الخلق، وولىّ الأمر يقضى فى أمورهم، يدبّر أمره بقدرة عزيزة، وعلم سابق، فنسأله أن يعزم لأمير المؤمنين على المراشد، ويحصّنه بالحفظ والثبات والسلام، ولله الحمد والشكر».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ١٨٢)
٢٨ - الرسالة اليتيمة لابن المقفع
وقال ابن طيفور فى اختيار المنظوم والمنثور أيضا:
ومن الرسائل المفردات اللّواتى لا نظير لها ولا أشباه، وهى أركان البلاغة، ومنها استقى البلغاء، لأنها نهاية فى المختار من الكلام، وحسن التأليف والنظام، والرسالة التى لابن المقفع اليتيمة، فإن الناس جميعا مجمعون أنه لم يعبر أحد عن مثلها، ولا تقدّمها من الكلام شىء قبلها، ولم نكتبها على تمامها لشهرتها وكثرتها فى أيدى الرّواة لها، فمن فصولها قوله فى صدرها:
«وقد أصبح الناس- إلا قليلا ممن عصم الله- مدخولين منقوصين، فقائلهم باغ، وسامعهم عيّاب؛ سائلهم متعنّت، ومجيبهم متكلّف، وواعظهم غير محقّق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الهزء والاستخفاف، ومستشيرهم غير موطّن نفسه على إنفاذ ما يشار به عليه، ومصطبر للحق مما يسمع، ومستشارهم غير مأمون على الغشّ والحسد، وأن يكون مهتا كاللسّتر، مشيعا للفاحشة، مؤثرا للهوى، والأمين منهم غير متحفّظ من ائتمان الخونة، والصّدوق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورّع عن تفريط الفجرة، يتقارضون الثناء، ويترقبون الدّول، ويعيبون بالهمز، يكاد أحزمهم رأيا يلفته عن رأبه أدنى الرضا وأدنى
стр. 1141
وأدنى السّخط، ويكاد أمتنهم عودا أن تسحره الكلمة، وتسكره (١) اللّحظة، وقد ابتليت أن أكون قائلا، وابتليتم أن تكونوا سامعين، ولا خير فى القول إلا ما انتفع به، ولا ينتفع إلا بالصدق، ولا صدق إلا مع الرأى، ولا رأى إلا فى موضعه وعند الحاجة إليه، فإن خير القائلين من لم يكن الباطل غايته، ثم لزم القصد والصواب، وخير السامعين من لم يكن ذلك منه سمعة ولا رياء، ولم يتخذ ما يسمع عونا على دفع الهدى، ولا بلغة إلى حاجة دنيا، فإن اجتمع للقائل والسامع: أن يرزق القائل من الناس مقة وقبولا على ما يقوله، ويرزق السامع اتّعاظا بما يسمع فى أمر دنياه، وقد صلحت نيّاتهما فى غير ذلك، فعسى ذلك أن يكون من الخير الذى يبلغّه الله عباده، ويعجّل لهم من حسنة الدنيا ما لا يحرمهم (٢) من حسنة الآخرة، كما أن المريد بكلامه أن يعجب النّاس، قد يجتمع عليه: حرمان ما طلب مع سوء النية، وحمل الوزر، وقد وافقتم منى مسارعة فيما سألتمونى من غير معاودة فى أشباهه، ولكن استطال الناس فى جسيم أمورهم وإنفاذ الطوالع (٣)، ولم يبرح يطّلّع منى فى ذلك احتساب الخبر فيما بلغته القوة منى فى ذلك، طمعا فى أن ينفع الله بذلك من يشاء، فإنه ما يشاء يقع.
أمّا سؤالكم عن الزمان، فإن الزمان الناس، والناس رجلان: وال ومولّى عليه، والأزمنة أربعة على اختلاف حالات الناس.
فخيار الأزمنة: ما اجتمع فيه صلاح الراعى والرعية، فكان الإمام مؤدّيا إلى الرعية حقّهم فى الردّ عنهم، والغيظ على عدوهم، والجهاد من وراء بيضتهم، والاختيار لحكّامهم، وتولية صلحائهم، والتوسعة عليهم فى معايشهم، وإفاضة الأمن
стр. 1142
فيهم والمتابعة فى الحق (١) لهم، والعدل فى القسمة بينهم، والتقويم لاودهم، والأخذ لهم بحقوق الله عليهم، وكانت الرعية مؤدّية إلى الإمام حقّه فى المودة والمناصحة والمخالطة، وترك المنازعة فى أمره، والصبر عند مكروه طاعته، والمعونة له على أنفسهم، والشّدة على من أخلّ بحقه وخالف أمره، غير مؤثرين فى ذلك آباءهم ولا أبناءههم، ولا لابسين (٢) عليه أحدا، فاذا اجتمع ذلك فى الإمام والرعية، تمّ صلاح الزمان، وبنعمة الله تتمّ الصالحات.
ثم إن الزمان الذى بليه: أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس، ولا قوة بالإمام مع خذلان الرّعية ومخالفتهم وزهدهم فى صلاح أنفسهم، على أن يبلغ اذت نفسه فى صلاحهم، وذلك أعظم ما تكون نعمة الله على الوالى، وحجّة الله على الرعية بواليهم، فبالحرى أن يؤخذوا بأعمالهم، وما أخلقهم أن تصيهم فتنة أو عذاب أليم!
والزمان الثالث صلاح الناس وفساد الوالى، وهذا دون الذى قبله، فإن لولاة الناس يدا فى الخير والشر، ومكانا ليس لأحد، وقد عرفنا فيما يعتبر به أنّ ألف رجل كلّهم مفسد وأميرهم مصلح، أقلّ فسادا من ألف رجل كلّهم مصلح وأميرهم مفسد، والوالى إلى أن يصلح الله به الرعية أقرب من الرعية إلى أن يصلح الله بهم الوالى، وذلك لأنهم لا يستطيعون معاتبته وتقويمه، مع استطالته بالسلطان، والحميّة التى تعلوه.
وشر الزمان: ما اجتمع فيه فساد الوالى والرعية، وتلك كارثة (٣) لم يتقادم عهد كونها، ولم تعف عنكم آثارها، وكلّ هذه الطّباق من الشدة والرخاء فيما ببتلى الله به عباده، بجزاء معدّ، وكلمة سابقة، قال الله : «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ» فقولى فى هذا الزمان: إنه إلّا يكن خير
стр. 1143
الأزمان، فليس على واليكم ذنب، وإلّا يكن شرّ الأزمان، فليس لكم حمد ذلك، غير أنا بحمد الله قد أصبحنا نرجو لأنفسنا الصلاح بصلاح إمامنا، ولا نخاف عليه الفساد بفسادنا، وقد رأينا حظّه من الله فى التثبّت والعصمة، فلم يبرح الله يزيده خيرا، ويزيد به رعيته مذ ولّاه، فعندنا من هذا وثائق من عبر وبيّنات، ويحتسب من الله أن لا يزال إمامنا يسارع فى مرضاة ربه، بالاستصلاح لرعيته، والصبر على ما يستنكر منهم، وقلة المؤاخذة لهم بذنوبهم، حتى يقلب الله له بصلاحه قلوبهم ويفتح له أسماعهم وأبصارهم، فيجمع ألفتهم، ويقوّم أودهم، ويلزمهم مراشد أمورهم، وتتم نعمة الله على أمير المؤمنين، بأن يصلح له وعلى يديه، فيكونوا رعيّة خير راع، ويكون راعى خير رعية، إن شاء الله وبه الثقة.
والذى أصبحنا نحمد من أمير المؤمنين كثير، أنا ذكر ما تيسّر منه، وإلى هذا سيق الحديث، وهو [قيامه على] رعاية العهد وجحد الجحدة، وفيه استبطئ المستبطئون، وليم المليمون (١)، فإن المستبطئين فى التقصير لأكثر من المستبطئين فى لإنكار، فإنا قلّما نلقى من أهل العقل والمعاينة منكرا لنعمة الله بأمير المؤمنين على المسلمين إذا ذكّر ذلك ووقف عليه، وقلّما نلقى إلا مقصّرا من ناطق أو صامت، ولم تصبحوا معاتبين على ما جهلتم من حق أمير المؤمنين وفضله فى سير الأمور حين أقبلت، فإن الأمر فى مستقبله مما يستبهم على ذوى العقول، وتشتد فيه حيرتهم، لما يشتبه عندهم ببعض ما يتذكرون مما مضى: من أمور لم يكن لها تمام، وأخرى تمّت فلم تحمد، ولئن كان علم وصل إلى خاصّة قوم، ما على من قصر ذلك عنه لوم (٢)، وإن كان ممن وصل ذلك إليه، فأخذه بحقه، فضّله بذلك، فإذا آلت الأمور إلى مراتبها، وحصل محصولها، وصرّحت عن محضها، لم يكن فى جهالتها
стр. 1144
عذر، ولا فى تضييع حق ذى الحجة حجة، ومن أشدّ جهلا، وأفظع عذرا، ممن لم يعرف النعمة، ولم يقبل العافية؟ نعوذ بالله أن نكون من الذين لا يعقلون.
فتفهّموا ما أنا ذاكر لكم، وتدبّروه بالحق والعدل، فإن المرء ناظر بإحدى عيون ثلاث، وهما الغاشّتان والصادقة- وهى التى لا تكاد توجد-: عين مودة تريه القبيح حسنا، وعين شنآن (١) تريه الحسن قبيحا، وعين عدل تريه حسنها حسنا، وقبيحها قبيحا.
فتفكّروا فيما جمع الله لأمير المؤمنين فى معدنه وفى سيرته، وفيما ظاهر عليكم من النعمة والحق والحجة بذلك فيما عسى القائل أن يبتغى فيه المغمز والمقال، فلعمرى إن للشيطان من أهواء الناس وألسنتهم فى الأمر لنصيبا، وإنه لمستراحا بينهم، يستوفيهم أمنيّته، ويصدّق عليهم ظنّه، ويوحى إليهم بمكايده، فجعل الله كيده ضعيفا، وحزبه مغلوبا، وجعله وإياهم نصيبا لجهنم من أجزائه المقسومة لأبوابها وحطبها ووقودها وحصبها (٢) ليعدل لها.
فمن كان سائلا عن حق أمير المؤمنين فى معدنه، فإن أعظم حقوق الناس منزلة، وأكرمها نسبة، وأولاها بالفضل، حقّ رسول الله ﷺ نبى الرحمة، وإمام الهدى، ووارث الكتاب والنبوة، والمهيمن (٣) عليهما، وخاتم النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين، بعثه الله بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ثم هو باعثه يوم القيامة مقاما محمودا، شرع الله به دينه، وأتمّ به نوره على عهده، ومحق رءوس الضلالة، وجبابرة الكفر، وخوّله الشفاعة، وجعله فى الرّفيق الأعلى، ﷺ ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ١٦٠)
стр. 1145
٢٩ - تحميد لابن المقفع
«الحمد لله ذى العظمة القاهرة، والآلاء (١) الظاهرة، الذى لا يعجزه شىء ولا يمتنع منه، ولا يدفع قضاؤه ولا أمره «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» والحمد لله الذى خلق الخلق بعلمه، ودبّر الأمور بحكمه، وأنفذ فيما اختار واصطفى منها عزمه، بقدرة منه عليها، وملكة (٢) منه لها، لا معقّب لحكمه، ولا شريك له فى شىء من الأمور، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ فى شىء من أمورهم، سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
والحمد لله الذى جعل صفوة ما اختار من الأمور دينه الذى ارتضى لنفسه، ولمن أراد كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقرّبون، يعظّمون جلاله، ويقدّسون أسماءه، ويذكرون آلاءه، لا يستحسرون (٣) عن عبادته ولا يستكبرون. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ، وقام به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه فى أرضه، يطيعون أمره، ويذبّون عن محارمه، ويصدّقون بوعده، ويوفون بعهده ويأخذون بحقه، ويجاهدون عدوّه، وكان لهم عند ما وعدهم من تصديقه قولهم، وإفلاجه (٤) حجّتهم، وإعزازه دينهم، وإظهاره حقّهم، وتمكينه لهم، وكان لعدوّه وعدوّهم عند ما أوعدهم من خزيه، وإحلاله بأسهم، وانتقامه منهم، وغضبه عليهم، مضى على ذلك أمره، ونفذ فيه قضاؤه فيما مضى، وهو ممضيه ومنفذه على ذلك فيما بقى، يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ.
والحمد لله الذى لا يقضى فى الأمور ولا يدبّرها غيره، ابتدأها بعلمه، وأمضاها بقدرته، وهو وليّها ومنتهاها، وولىّ الخيرة فيها، والإمضاء لما أحب أن يمضى منها، يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
стр. 1146
والحمد لله الفتاح العليم، العزيز الحكيم، ذى المنّ والطّول، والقدرة والحول، الذى لا ممسك لما فتح لأوليائه من رحمته، ولا دافع لما أنزل بأعدائه من نقمته، ولا رادّ لأمره فى ذلك وقضائه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
والحمد لله المثيب بحمده ومنه ابتداؤه، والمنعم بشكره وعليه جزاؤه، والمثنى بالإيمان وهو عطاؤه». (اختيار المنظوم والمنثور: ١٣: ٢٨٢)
٣٠ - كتاب ابن المقفع إلى بعض إخوانه
وكتب ابن المقفع إلى بعض إخوانه:
«أما بعد، فتعلّم العلم ممن هو أعلم به منك، وعلّمه من أنت أعلم به منه، فإنّك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت».
(أمالى السيد المرتضى ١: ٩٥)
٣١ - وله فى وصف أحد إخوانه
ومن قوله يصف أخا له (١):
«إنى مخبرك عن صاحب لى كان أعظم الناس فى عينى، وكان رأس ما عظّمه فى عينى صغر الدنيا فى عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يتشهّى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه (٢) ريبة، ولا
стр. 1147
يستخفّ له رأيا ولا بدنا، وكان لا يأشر (١) عند نعمة، ولا يستكين عند مصيبة، وكان خارجا من سلطان لسانه، فلا يتكلم بما لا يعلم، ولا يمارى (٢) فيما علم، وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يتقدم أبدا إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا نطق بذّ القائلين، وكان يرى ضعيفا مستضعفا، فإذا جدّ الجدّ فهو الليث عاديا، وكان لا يدخل فى دعوى، ولا يشارك فى مراء، ولا يدلى بحجّة حتى يرى قاضيا فهما وشهودا عدولا، وكان لا يلوم أحدا على ما قد يكون العذر فى مثله حتى يعلم ما اعتذاره، وكان لا يشكو وجعه إلا إلى من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحبا إلا من يرجون عنده النصيحة، وكان لا يتبرّم (٣) ولا يتسخط، ولا يتشكى ولا يتشهّى، وكان لا ينقم على الولىّ، ولا يغفل عن العدوّ (٤) ولا يخصّ نفسه دون إخوانه بشىء من اهتمامه وحيلته وقوته.
فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها- ولن تطيق- ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع». (الأدب الكبير ص ١٢٩، وزهر الآداب ١: ٢٢٤)
٣٢ - كتاب ابن المقفع إلى صديق له يهنئه بمولودة
وكتب ابن المقفع إلى صديق له، ولدت له جارية:
«بارك الله لكم فى الابنة المستفادة، وجعلها لكم زينا، وأجرى لكم بها خيرا، فلا تكرهها، فإنهن الأمّهات والأخوات والعمّات والخالات، ومنهن الباقيات الصالحات، وربّ غلام ساء أهله بعد مسرّتهم، وربّ جارية فرّحت أهلها بعد مساءتهم». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٤)
стр. 1148
٣٣ - كتابه يعزى عن ولد
وكتب تعزية عن ولد:
«أعظم الله على المصيبة أجرك، وأحسن على جليل الرّزء ثوابك، وعجّل لك الخلف فيه، وذخر لك الثواب عليه».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٨)
٣٤ - كتابه يعزى عن ولد
وكتب يعزى عن ولد أيضا:
«إنما يستوجب على الله وعده، من صبر لله بحقه، فلا تجمعنّ إلى ما فجعت به من ولدك، الفجيعة بالأجر عليه والعوض منه، فإنها أعظم المصيبتين عليك، وأنكى المرزئتين (١) لك، أخلف الله عليك بخير، وذخر لك جزيل الثواب».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٨)
٣٥ - كتابه يعزى عن بنت
وكتب يعزى عن ابنة:
«لا ينقص الله عددك، ولا ينزع عنك نعمته التى ألبسك، وأحسن العوض لك، وجعل الخلف لك خيرا مما رزأك به، وما أعطاك خيرا مما قبض منك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٨)
٣٦ - كتابه يعزى عن بنت
وكتب يعزى عن بنت أيضا:
«جدّد الله لك من هبته ما يكون خلفا لك بما رزئته، وعوضا من المصيبة به،
стр. 1149
ورزقك من الثواب عليه أضعاف ما رزأك به منها، فما أقلّ كثير الدنيا، فى قليل الآخرة، مع فناء هذه، ودوام تلك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٨)
٣٧ - كتاب تعزية له
وله تعزية أيضا:
«أعظم الله أجرك فى كل مصيبة، وأوزعك (١) الشكر على كل نعمة، أعرف لله حقّه، واعتصم بما أمر به من الصّبر، تظفر مما وعد من عظيم الأجر».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٨)
٣٨ - كتاب آخر
وله أيضا:
«أما بعد، فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله، هو يدبّرهما ويقضى فيهما ما يشاء، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، فإن الله خلق الخلق بقدرته، ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة، لئلا يطمع أحد من خلقه فى خلد الدنيا، ووقّت لكل شىء ميقات أجل، لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت، لا يرجو أن يخلّصه من ذلك أحد، نسأل الله خير المنقلب.
وبلغنى وفاة «فلان» فكانت وفاته من المصائب العظام، التى يحتسب ثوابها من ربنا، الذى إليه منقلبنا ومعادنا، وعليه ثوابنا.
فعليك بتقوى الله والصبر، وحسن الظن بالله، فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة وجعلهم من المهتدين». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٥)
стр. 1150
٣٩ - كتابه إلى صديق له يستقضيه حاجة
وكتب إلى بعض إخوانه يستقضيه حاجة:
«أما بعد، فإن من قضى الحوائج لإخوانه، واستوجب بذلك الشكر عليهم، فلنفسه عمل لا لهم، والمعروف إذا وضع عند من لا يشكره فهو زرع لابدّ لزارعه من حصاده، أو لعقبه من بعده.
وكتبت إليك، ولحالنا التى نحن بها فيما نذكر لك حاجة، أوّل ما فيها معروف، تستوجب به الشكر علينا، وتدّخر به الأيادى قبلنا».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٢)
٤٠ - كتاب آخر
وكتب فى استقضاء حاجة أيضا:
«إن الناس لم يعدموا أن يطلبوا الحوائج إلى الخواصّ من الإخوان، وأن يتواصلوا بالحقوق، ويرغبوا إلى أهل المقامات، ويتوسّلوا إلى الأكفاء، وأنت بحمد الله ونعمته من أهل الخير، وممن أعان عليه، وبذل لأهل ثقته المصافين، وإنّ بذل النفوس فيه، وإعطاء الرّغيب، ليس منك ببكر ولا طريف، بل هو تليد، أتلده أوّلكم لآخركم، وأورثه أكابركم أصاغركم.
ومن حاجتى «كذا»، وأنت أحقّ من طلبت إليه واستعنته على حوادث الدهر، وأنزلت به أمرى، لقرب نسبك، وكريم حسبك، ونباهتك، وعلوّ منزلتك وجسيم طبائعك، وعوام أياديك إلى عشيرتك وغيرها، فليكن من رأيك ما حمّلتك من حاجتى، على قدر قسم الله لك من فضله، وما عوّدك من مننه، ووسع غيرى من نعمائك وإحسانك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٢)
стр. 1151
٤١ - كتاب له فى السلامة
وله فى السلامة:
«أما بعد، فقد أتانى كتابك فيما أخبرتنا عنه، من صلاحك وصلاح ما قبلك، وفى الذى ذكرت من ذلك نعمة مجلّلة عظيمة، نحمد عليها وليّها المنعم المفضل المحمود، ونسأله أن يلهمنا وإياك من شكره وذكره ما به مزيدها، وتأدية حقّها.
وسألت أن أكتب إليك بخبرنا، ونحن من عافية الله وكفايته ودفاعه على حال لو أطنبت فى ذكرها، لم يكن فى ذلك إحصاء للنعمة، ولا اعتراف لكنه الحق، فنرغب إلى الذى تزداد نعمه علينا فى كل يوم وليلة تظاهرا، ألّا يجعل شكرنا منقوصا ولا مدخولا، وأن يرزقنا مع كل نعمة كفاءها من المعرفة بفضله فيها، والعمل فى أداء حقها، إنه ولىّ قدير». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٨ و ٣٧٦)
٤٢ - كتاب آخر إلى ابن الثقفى
وله فى السلامة إلى ابن الثّقفى:
«أما بعد، فإن مما نمّق الله به مناقبك الكريمة المحمودة الفائتة عن القول والوصف، أنك موضع المؤنات (١) عن إخوانك، حمّال عنهم أثقال الأمور، ومما وضعت عنه المؤنة ارتفاعك عن الأمور التى يطأطأ إليها الكلام على ألسنة الناس إذا أباحوه وبهرجوه (٢)، وضيّعوا القول ونسوا القصد فيه، وأخذوا به فى كل فن، وأصفوا (٣) بصفوته غير أهلها فيما لا ينبغى لهم من التشبيه والتوقير والتفضيل.
كان من خبرى بعدك أنى قدمت بلد كذا، فتهيأ لى بعض ما شخصت له،
стр. 1152
والمحمود على ذلك الله ، وأنا على أن يأتينى خبرك محتاج، فأمّا جملة خبرى فى فراقك فقلبى مكة: كلّ ما سواك حرام فيها».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٦)
٤٣ - كتاب آخر
وله جواب فى السلامة:
«أما بعد، فقد أتانى كتاب الأمير، رجعة كتابى إليه، فكان فيه تصديق الظن، وتثبيت الرأى، ودرك البغية، والله محمود، فأمتع الله بالأمير، وأمتعه بصالح ما اتاه، وزاده من الخير مستعمرا له فيه، مستعملا بطاعته التى بها يفوز الفائزون، والذى رزق الله من الأمير فهو عندى عظيم نفيس، وكلّ الذى قبلى عن مكافأته فمقصّر، إلا أنه ليس فى النية تقصير، ولا بلوغ لشىء من الأمور إلّا بتوفيق الله ومعونته، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٦)
٤٤ - كتاب فى السلامة
وفى السلامة أيضا (١):
«كتبت إليك، وأمير المؤمنين، وما يأتيه من لين الطاعة واتّساق الكلمة، عمّت فى الدانى والقاصى من بلدانه، وحواشى سلطانه؛ على ما يحمد الله عليه، فإن نعمة الله على أمير المؤمنين تجرى على أذلالها (٢)، وتنقاد فى أسهل سبيلها».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٧)
стр. 1153
٤٥ - كتاب لابن الثقفى فى السلامة
وكتب ابن الثّقفى فى السلامة:
«أما بعد، أصلحنا الله وإياك صلاحا دائما يجمع لنا ولك به الفضيلة فى العاجلة، والكرامة فى الآجلة، فإنى لا أعلم أمرا أعظم عند أهل منفعة من أمر ترك ذكره لفضله، ولا أعلم أمرا أحقّ أن يستغنى أهله بفضله عندهم، عن ذكره فيما بينهم، من أمر وشّج (١) الله بيننا وبينك فى الدنيا، حتى نكون به إخوانا فى الآخرة، حين تصير الخلّة (٢) عداوة بين أهلها، إلا عداوة المتقين.
كتبت والأمير فى دخلة أمره وجميع حاله ومن قبله من الجند والرعية على «كذا»، ونحن فيما يحبّ امرؤ أن يكون عليه أحد من إخوانه، فإنى لا أرجو إلّا أن أكون مقصّرا عن أفضل غاية ذلك، فى تعظيم حقك، ورعاية ودّك وعهدك وحفظك، إن شاء الله.
وأمّا ما قبل فلان فليست بك إلينا فيه ولا إلى غيرنا حاجة، أنت منه بمكان أخصّ الخاصّة فى المودة والمقة، وأرضى الرّضا فى الدين والمروءة، ونسأل الله أن يزين كلّ محسن بك ظنا، وطالب لك فضلا، بتصديق أحسن ما نظر وتعرّف».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٦)
٤٦ - كتاب ابن المقفع إلى يحيى بن زياد الحارثى
ولعبد الله بن المقفع إلى يحيى (٣) بن زياد الحارثى ابتداء فى المؤاخاة:
«أما بعد، فإن أهل الفضل فى اللّب، والوفاء فى الودّ، والكرم فى الخلق،
стр. 1154
لهم من الثناء الحسن فى الناس لسان صدق يشيد بفضلهم، ويخبر عن صحة ودّهم، وثقة مؤاخاتهم، فيتخيّر إليهم رغبة الإخوان، ويصطفى لهم سلامة صدورهم، ويجتبى لهم ثمرة قلوبهم، فلا مثنى أفضل تقريظا، ولا مخبر أصدق أحدوثة منه، وقد لزمت (١) من الوفاء والكرم فيما بينك وبين الناس طريقة محمودة، نسبت إلى مزيتها فى الفضل، وجمل بها ثناؤك فى الذّكر، وشهد لك بها لسان الصّدق، فعرفت بمناقبها، ووسمت بمحاسنها، فأسرع إليك الإخوان برغبتهم مستبقين، يبتدرون (٢) ودّك، ويصلون حبلك، ابتدار أهل التنافس فى حظّ رغيب، ونصبت لهم غاية يجرى إليها الطالبون، ويفوز بها السابقون، فمن أثبت الله عندك بموضع الحرز والثقة، وملأ بك يده من أخى وفاء ووصلة، واستنام منك إلى شعب (٣) مأمون، وعهد محفوظ، وصار مغمورا بفضلك عليه فى الودّ يتعاطى من مكافأتك ما لا يستطيع، ويطلب من أثرك فى ذلك غاية بلوغها شديد، فلو كنت لا تؤاخى من الإخوان إلّا من كافأ بودّك، وبلغ من الغايات حدّك، ما آخيت أحدا، ولصرت من الإخوان صفرا، ولكن إخوانك يقرّون لك بالفضل، وتقبل أنت ميسورهم من الودّ، ولا تجشّمهم كلف مكافأتك، ولا بلوغ فصلك فيما بينك وبينهم، فإنما مثلك فى ذلك ومثلهم كما قال الأول:
ومن ينازع سعيد الخير فى حسب ... ينزع طليحا ويقصر قيده الصّعد (٤)
ولم أرد بهذا الثناء عليك تزكيتك، ليكون ذلك قربة عندك، وآخيّة (٥) لى لديك، ولكن تحرّيت فيما وصفت من ذلك الحقّ والصدق، وتنكّبت (٦) الإثم
стр. 1155
والباطل، فإن القليل من الصدق البرىء من الكذب، أفضل من كثير الصدق المشوب بالباطل، ولقد وصفت من مناقبك، ومحاسن أمورك، وإنى لأخاف الفتنة عليك حين تسمع بتزكية نفسك، وذكرى ما ذكرت من فضلك، لأن المدح مفسدة للقلب، مبعثة للعجب، ثم رجوت لك المنعة والعصمة، لأنى لم أذكر إلا حقّا، والحقّ ينفى عن اللبيب العجب، وخيلاء الكبر، ويحمله على الاقتصاد والتواضع، وقد رأيت- إذ كنت فى الفضل والوفاء على ما وصفت منك- أن آخذ بنصيبى من ودّك، وأصل وثيقة حبلى بحبلك، فيجرى بيننا من الإخاء أواصر (١) الأسباب التى بها يستحكم الودّ، ويدوم العهد، وعلمت أن تركى ذلك غبن، وإضاعتى إياه جهل، لأن التارك للحظّ داخل فى الغبن، والعائد عن الرشد موجف (٢) إلى الغىّ، فارغب من ودّى فيما رغبت فيه من ودّك، فإنى لم أدع شينا أستتلى به منك الرغبة، وأجترّ به منك المودة، إلا وقد اقتدت إليك ذريعته، وأعملت نحوك مطيّته، لترى حرصى على مودتك، ورغبتى فى مؤاخاتك، والسلام».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠١)
٤٧ - رد يحيى بن زياد على ابن المقفع
فكتب إليه يحيى بن زياد:
«أما بعد، فإنا لمّا رأينا موضع الإخاء ممن يحتمله فى تأنيسه من الوحشة، وتقريبه لذى البعدة (٣)، ومشاركته بين ذوى الأرحام فى القربة، لم نرض بمعرفة عينه دون معرفة نسبته، فنسبنا الإخاء فوجدناه فى نسبته لا يستحقّ اسم الإخاء إلا بالوفاء، فلما انتقلنا عنه إلى الوفاء فنسبناه، انتسب لنا إلى الصبر، فوجدناه محتويا
стр. 1156
على الكرم، والنّجدة، والصدق، والحياء، والنجابة، والزّكانة (١)، وسائر ما لا يأتى عليه العدد من المحامد، ثم انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النّسب، فعدنا إلى الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلّها أخلاقه، ولمّا استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها، رأينا أن نتخيّر له المواضع فى صواب التوزير، وإحكام التقدير، وعلمنا أن الاحتباس به، أحسن من الندم بعد بذله، واستوجب- إذ كان جماع المحامد- أن نتخيّر له محامله التى كان يحمل عليها، فكان الناس فيما احتبسنا به عنهم من الإخاء، على صنفين: فصنف عذرونا بالتحبّس للتخير، إذ كان التخيّر من شأنهم، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء وسرعة فى الانتهاء، فقدّموا اللائمة (٢)، واستعجلوا بالمودّة، وتركوا باب التّروية، واستحلوا عاجل المحبة، ولهوا عن آجل الثقة، فكانوا بذلك أهل لائمة، ولم يجد المعذرون (٣) إلا الصبر على تلك، والاستعمال للرأى، والاستعداد بالعذر عند المحاجّة.
وقد فهمت كتابك إلىّ بالمودة، واستحثاثك إياى فى الأخوة، وما دنوت به من حرمة المحبة، فنازعت (٤) إليك نفسى بمثل الذى نازعت به إلىّ نفسك، فواثبتنى عادة الاستعمال للتروية فى الخبرة، والتخيّر للمغبّة، فجلت عن كتابك جولة غير نافرة، ثم راجعت مقاربتك، فقلت: ألقى إلىّ أسباب المودة قبل كشف العطاء بالخبرة فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم، وتحدث الزهادة للتعسّف بالجهالة عند الخبرة، فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى، ثم عاودت إسعافك، وطاعة التشوق، ومعصية التخيّر ثم قلت ما حال من جعل الظنّ دون اليقين، والتقدم قبل الوثيقة؟ فلما كان الرأى لى خصما، تنكّبت الوقوع فى خلافه، فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلا، ولا مع
стр. 1157
ذلك فى طاعة الشوق حجّة، فتبيّنت (١) السبيل بين ذلك إلى إعطائك طرف حبل الإخاء، فى غير الخروج من سبيل التخيّر، وكرهت أن تستعبدنى بالإخاء، قبل أن أعرفك بحسن الملكة، وأن تستظهر بى (٢) على الأعداء، قبل أن أعرفك بعدل السّيرة، وأن تستضىء بى فى ظلم الجهل، قبل أن أعرفك بعقد اللّبّ، وأن تستمكن بى فى المطالب، قبل أن أعرفك بقصد الهمّة، فقدّمت إليك الترحيب والعدة، وأحسنت عنك المفاوضة والثّقة، وتنظّرت أن تثمر لى فأذوق جناك (٣)، فأعرفك بالمذاقة فى الطّعم، إما لا فظا، وإما مستبلعا (٤)، فإن كان اللّفظ لم أكن من الرأى فى قلبه، وإن كان الاستبلاع ذوّقتك ما تشوقت إليه مما ادّعيت منى به الخبرة، وأوّل ما أنا معتبر به منك المواظبة على استنجاح ما سألت أو السآمة له، فإن كانت المواظبة فأحد الشهود المعدّلين (٥)، وإن كانت السآمة، فأنت عن حمل ما تعطى أضعف منك عن حمل ما تطلب، طالعنى بكتبك، فإنك قد حللت قبلى عقدا من التحفظ، وعقدت عقدا من التقرب، والسلام».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٢)
٤٨ - كتاب أبى نصر الرقاشى إلى يحيى بن زياد
وكتب أبو نصر (٦) الرّقاشى إلى يحيى بن زياد فى الإخاء:
«أما بعد، أصلحك الله، وأمتع بك، فى ستر منه وكرامة دائمة، فإن خير ما استفاد المرء لنفسه، واستعان به على مروءته، واعتقد (٧) لدنياه وآخرته، وإن كان الله قد أكمل عقله، وأحسن إليه فى جميع أموره، الأدب الصالح الذى به يكشف
стр. 1158
غطاء الجهل، وتنجلى غشاوة العمى، ويستنبط به مذخور العلم، ويستدل به على سبيل الرشاد، وإنى وجدت الطريق إلى سبيل الخير الأدب، لأن ما سلف من عهد الله فى الماضين، وبقى فى الغابرين، تأديب لهم، وحجّة عليهم، ولم أر من درجات الخير درجة، ولا فى أعلى الشرف محلّة، إلا والأدب الصالح مفتاح بابها، والسّلّم إلى إحراز نبلها، قبل ذلك من قبله فكان أسعد به، وضيّعه من ضيّعه فكان أشقى به.
وقد ابتليتنى فى ذلك أحسن البلاء، ووليتنى فيه بأحمد الولاية، فحملت منى المؤنة وقبلتنى بالأدب على الصغيرة، ورضيتنى محرما (١) عتيقا، لا تدّخرنى نصحا، ولا تألونى رشدا، فعلمتنى ما لم أعلم، وبصّرتنى ما كنت أجهل، حتى وسمتنى بعد الإغفال، ونوّهت بى بعد خمول ذكرى، وشهرتنى بعد الأفول بسطة من طولك، ويد من فضلك، كأنك تشكر لذلك نعمة، أو تجزى (٢) منّة، فكنت فى نعمتك إلى يومى هذا، قد أعطيتنى منك النّصف، مودة كريم بنا وحفظا وإنعاما؛ وليس المنعم كمتحمّل النعم، إفضالا بعد إفضال، وربابة (٣) بحسن بلائك، وتنبيها على كريم فعالك، فعل ذى الشرف بذى الشرف، والوالد ذى النعمة، فأصفيتنى دون (٤) لطف بنى الأخ، ولطفت لى دون منزلة العموم، أخا برّا، لا بل أبا كريما، فخلفت لى من سواك ولست بمخلوف، وكفيتنى الهمّ بإذن الله، وسددت عنى ثلمة البعيد، ثم لم يأت علىّ يوم منذ أنزلنى الله منك بحيث أنزلنى، وأصفانى منك بما أصفانى، إلّا وأنا لك فيه أحمد من الماضى قبله، وكذلك أنت لى فى غدك إن شاء الله.
ثم رأيتك لا تزداد على الخبرة إلا طيبا، ولا على بعد الغاية إلا قربا، ولا على طول الأيام إلا حسنا، لم أتحلّل من عقدك عقدة، ولم أزدد من فضلك إلا وفرا، ولم
стр. 1159
يقصّر بى (١) عن أداء حقك والمحافظة عليه وعلى ما يجب من المعرفة بفضلك، تضييع الأمانة، ولا نسيان النعمة، ولا نقصان الشكر.
وقد علمت أن لك فى الشكر رأيا، وفى استخراجك الشكر منى دليل على أنى من أهله إن شاء الله، فإنى وجدت الشكر شقيق الحسب، والوفاء وجدته يجزى (٢) من النعم ما قبله، ويستدعى تمامها بعده، فأىّ امرئ أخبث صنيعا إلى نفسه فيما يسوءها (٣) منّى إذا كان شكرك عندى منقوصا، وبلاؤك لدىّ مكفورا، وفضلك علىّ مجهولا، ولكنه لم يساعدنى دهر معين فأجزى بالبؤسى، وأصفى بالنّعمى، وإن أبلغ ذلك بعون الله، فهو أملى وما فيه النعمة، وإن تقصّر بى دون ذلك مقصّرات التقدير، فنحن وأنت راضون (٤) بما أتانا به تقدير المسوّى بعد له بين خلقه، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٦)
٤٩ - جواب يحيى بن زياد
«أما بعد، دفع الله عنا وعنك ما نكرهه بالنعم السّوابغ، ووقانا وإياك الأمور المشتبهة بالكرامات الظاهرة، والأيادى المترادفة، حتى يزول القضاء بنا وبك إلى ما نحبّ ونرضى، فإنك كتبت إلىّ تذكر منزلة الأدب من المتأدّب، ورأيتك ترغب إلى الإكثار والترديد، وقد يفزع إلى ذلك بعض المجتهدين، فإن اسم الاجتهاد إنما يقع على من بلغ جهده، ولكنى قد رأيت لك إخوانا ممن لم تعلق بهم معرفتك يعجبهم من أنفسهم وإخوانهم أن يجدوا لكثير الكلام جوامع (٥) يحيدون (٦) بمعرفتها عن سقطة الهذر، ويأمنون بها مع ذلك الخطأ، ولم تعدل عن حسن النية فى الإرادة لذلك،
стр. 1160
كما (١) عرفت من إعلام كتابك، إلا أن المريد بنيته غير معذور، دون أن يبلغ فيه بفعله (٢)، وقد ينحّى عنى اسم العنف بك، ويلزمنى اسم التأديب لك، أن التأديب بينى وبينك غير منكر عندى وعندك، وإن حملناه على قعود (٣) العنف كان كافيا لك من جميع صفات تعظيم الأدب أن تقول: لولا الأدب سقط اسم المتأدبين، وإذا سقط غلب اسم الجاهلين، وإذا غلب اسم الجاهلين عصى الخالق، وفسدت الدنيا ومن فيها.
وفهمت قولك، وما دللت به على نفسك من معرفة الشكر، فليس شىء مما سبقت به يدى إلى إخوانى، من مشاركتهم إياى فى مثل ما به نفسى، بسار لى أن يقع منى موقع إذلال لهم، أو عذاب عليهم، فإنه من يتخذ أيادى الإخوان عذابا على نفسه ووقرا (٤) على قوّته، فقد تعرّض لمعاودة بعض الأدب، للاستزادة من الأوقار المغتمّ بها، الملول (٥) من حملها، وبئست اليد يد جريرتها (٦) استثقال الكتب، وضيق الذّراع من فوائد الأحبّة.
فأمّا ما عظّمت من الشكر، فإن الشكر مكافأة، وإذا كان الشكر كفىء (٧) المنّة، فإن الكفىء لا يكون دون كفيئه، وإذا بلغت بالشكر منزلة المكافأة، فقد علوت به أعلى المنازل، وكان يجمع لك ذلك أن تقول: الشكر مكافأة، والمكافأة كفيئة، والكفىء مثل كفيئه.
فأمّا ما ظننت أنى أستدلّ به على أنك من أهل الشكر، بالكلمات التى وصفت، فلئن تقدمت باليد على جبالة- فى أول يوم- منّى بموضع الشكر، ما أنا (٨) بمبصر موضع الأمر ببادرة من الكلام هى (٩) مع ذلك غير حدود جامعة، ولو جمعت.