على الكرم، والنّجدة، والصدق، والحياء، والنجابة، والزّكانة (١)، وسائر ما لا يأتى عليه العدد من المحامد، ثم انحدرنا فيما أصعدنا فيه من هذا النّسب، فعدنا إلى الإخاء فوجدناه لا يقوم به إلا من هذه الخصال كلّها أخلاقه، ولمّا استوجب الإخاء مسالك المحمدة كلها، رأينا أن نتخيّر له المواضع فى صواب التوزير، وإحكام التقدير، وعلمنا أن الاحتباس به، أحسن من الندم بعد بذله، واستوجب- إذ كان جماع المحامد- أن نتخيّر له محامله التى كان يحمل عليها، فكان الناس فيما احتبسنا به عنهم من الإخاء، على صنفين: فصنف عذرونا بالتحبّس للتخير، إذ كان التخيّر من شأنهم، وصنف هم ذوو سرعة إلى الإخاء وسرعة فى الانتهاء، فقدّموا اللائمة (٢)، واستعجلوا بالمودّة، وتركوا باب التّروية، واستحلوا عاجل المحبة، ولهوا عن آجل الثقة، فكانوا بذلك أهل لائمة، ولم يجد المعذرون (٣) إلا الصبر على تلك، والاستعمال للرأى، والاستعداد بالعذر عند المحاجّة.
وقد فهمت كتابك إلىّ بالمودة، واستحثاثك إياى فى الأخوة، وما دنوت به من حرمة المحبة، فنازعت (٤) إليك نفسى بمثل الذى نازعت به إلىّ نفسك، فواثبتنى عادة الاستعمال للتروية فى الخبرة، والتخيّر للمغبّة، فجلت عن كتابك جولة غير نافرة، ثم راجعت مقاربتك، فقلت: ألقى إلىّ أسباب المودة قبل كشف العطاء بالخبرة فخشيت أن تعذر نفسك بالتقدم، وتحدث الزهادة للتعسّف بالجهالة عند الخبرة، فجلت عن هذا جولة كالجولة الأولى، ثم عاودت إسعافك، وطاعة التشوق، ومعصية التخيّر ثم قلت ما حال من جعل الظنّ دون اليقين، والتقدم قبل الوثيقة؟ فلما كان الرأى لى خصما، تنكّبت الوقوع فى خلافه، فلم أجد إلا الإدبار عن إقبالك سبيلا، ولا مع
стр. 1157
ذلك فى طاعة الشوق حجّة، فتبيّنت (١) السبيل بين ذلك إلى إعطائك طرف حبل الإخاء، فى غير الخروج من سبيل التخيّر، وكرهت أن تستعبدنى بالإخاء، قبل أن أعرفك بحسن الملكة، وأن تستظهر بى (٢) على الأعداء، قبل أن أعرفك بعدل السّيرة، وأن تستضىء بى فى ظلم الجهل، قبل أن أعرفك بعقد اللّبّ، وأن تستمكن بى فى المطالب، قبل أن أعرفك بقصد الهمّة، فقدّمت إليك الترحيب والعدة، وأحسنت عنك المفاوضة والثّقة، وتنظّرت أن تثمر لى فأذوق جناك (٣)، فأعرفك بالمذاقة فى الطّعم، إما لا فظا، وإما مستبلعا (٤)، فإن كان اللّفظ لم أكن من الرأى فى قلبه، وإن كان الاستبلاع ذوّقتك ما تشوقت إليه مما ادّعيت منى به الخبرة، وأوّل ما أنا معتبر به منك المواظبة على استنجاح ما سألت أو السآمة له، فإن كانت المواظبة فأحد الشهود المعدّلين (٥)، وإن كانت السآمة، فأنت عن حمل ما تعطى أضعف منك عن حمل ما تطلب، طالعنى بكتبك، فإنك قد حللت قبلى عقدا من التحفظ، وعقدت عقدا من التقرب، والسلام».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٢)
٤٨ - كتاب أبى نصر الرقاشى إلى يحيى بن زياد
وكتب أبو نصر (٦) الرّقاشى إلى يحيى بن زياد فى الإخاء:
«أما بعد، أصلحك الله، وأمتع بك، فى ستر منه وكرامة دائمة، فإن خير ما استفاد المرء لنفسه، واستعان به على مروءته، واعتقد (٧) لدنياه وآخرته، وإن كان الله قد أكمل عقله، وأحسن إليه فى جميع أموره، الأدب الصالح الذى به يكشف
стр. 1158
غطاء الجهل، وتنجلى غشاوة العمى، ويستنبط به مذخور العلم، ويستدل به على سبيل الرشاد، وإنى وجدت الطريق إلى سبيل الخير الأدب، لأن ما سلف من عهد الله فى الماضين، وبقى فى الغابرين، تأديب لهم، وحجّة عليهم، ولم أر من درجات الخير درجة، ولا فى أعلى الشرف محلّة، إلا والأدب الصالح مفتاح بابها، والسّلّم إلى إحراز نبلها، قبل ذلك من قبله فكان أسعد به، وضيّعه من ضيّعه فكان أشقى به.
وقد ابتليتنى فى ذلك أحسن البلاء، ووليتنى فيه بأحمد الولاية، فحملت منى المؤنة وقبلتنى بالأدب على الصغيرة، ورضيتنى محرما (١) عتيقا، لا تدّخرنى نصحا، ولا تألونى رشدا، فعلمتنى ما لم أعلم، وبصّرتنى ما كنت أجهل، حتى وسمتنى بعد الإغفال، ونوّهت بى بعد خمول ذكرى، وشهرتنى بعد الأفول بسطة من طولك، ويد من فضلك، كأنك تشكر لذلك نعمة، أو تجزى (٢) منّة، فكنت فى نعمتك إلى يومى هذا، قد أعطيتنى منك النّصف، مودة كريم بنا وحفظا وإنعاما؛ وليس المنعم كمتحمّل النعم، إفضالا بعد إفضال، وربابة (٣) بحسن بلائك، وتنبيها على كريم فعالك، فعل ذى الشرف بذى الشرف، والوالد ذى النعمة، فأصفيتنى دون (٤) لطف بنى الأخ، ولطفت لى دون منزلة العموم، أخا برّا، لا بل أبا كريما، فخلفت لى من سواك ولست بمخلوف، وكفيتنى الهمّ بإذن الله، وسددت عنى ثلمة البعيد، ثم لم يأت علىّ يوم منذ أنزلنى الله منك بحيث أنزلنى، وأصفانى منك بما أصفانى، إلّا وأنا لك فيه أحمد من الماضى قبله، وكذلك أنت لى فى غدك إن شاء الله.
ثم رأيتك لا تزداد على الخبرة إلا طيبا، ولا على بعد الغاية إلا قربا، ولا على طول الأيام إلا حسنا، لم أتحلّل من عقدك عقدة، ولم أزدد من فضلك إلا وفرا، ولم
стр. 1159
يقصّر بى (١) عن أداء حقك والمحافظة عليه وعلى ما يجب من المعرفة بفضلك، تضييع الأمانة، ولا نسيان النعمة، ولا نقصان الشكر.
وقد علمت أن لك فى الشكر رأيا، وفى استخراجك الشكر منى دليل على أنى من أهله إن شاء الله، فإنى وجدت الشكر شقيق الحسب، والوفاء وجدته يجزى (٢) من النعم ما قبله، ويستدعى تمامها بعده، فأىّ امرئ أخبث صنيعا إلى نفسه فيما يسوءها (٣) منّى إذا كان شكرك عندى منقوصا، وبلاؤك لدىّ مكفورا، وفضلك علىّ مجهولا، ولكنه لم يساعدنى دهر معين فأجزى بالبؤسى، وأصفى بالنّعمى، وإن أبلغ ذلك بعون الله، فهو أملى وما فيه النعمة، وإن تقصّر بى دون ذلك مقصّرات التقدير، فنحن وأنت راضون (٤) بما أتانا به تقدير المسوّى بعد له بين خلقه، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٦)
٤٩ - جواب يحيى بن زياد
«أما بعد، دفع الله عنا وعنك ما نكرهه بالنعم السّوابغ، ووقانا وإياك الأمور المشتبهة بالكرامات الظاهرة، والأيادى المترادفة، حتى يزول القضاء بنا وبك إلى ما نحبّ ونرضى، فإنك كتبت إلىّ تذكر منزلة الأدب من المتأدّب، ورأيتك ترغب إلى الإكثار والترديد، وقد يفزع إلى ذلك بعض المجتهدين، فإن اسم الاجتهاد إنما يقع على من بلغ جهده، ولكنى قد رأيت لك إخوانا ممن لم تعلق بهم معرفتك يعجبهم من أنفسهم وإخوانهم أن يجدوا لكثير الكلام جوامع (٥) يحيدون (٦) بمعرفتها عن سقطة الهذر، ويأمنون بها مع ذلك الخطأ، ولم تعدل عن حسن النية فى الإرادة لذلك،
стр. 1160
كما (١) عرفت من إعلام كتابك، إلا أن المريد بنيته غير معذور، دون أن يبلغ فيه بفعله (٢)، وقد ينحّى عنى اسم العنف بك، ويلزمنى اسم التأديب لك، أن التأديب بينى وبينك غير منكر عندى وعندك، وإن حملناه على قعود (٣) العنف كان كافيا لك من جميع صفات تعظيم الأدب أن تقول: لولا الأدب سقط اسم المتأدبين، وإذا سقط غلب اسم الجاهلين، وإذا غلب اسم الجاهلين عصى الخالق، وفسدت الدنيا ومن فيها.
وفهمت قولك، وما دللت به على نفسك من معرفة الشكر، فليس شىء مما سبقت به يدى إلى إخوانى، من مشاركتهم إياى فى مثل ما به نفسى، بسار لى أن يقع منى موقع إذلال لهم، أو عذاب عليهم، فإنه من يتخذ أيادى الإخوان عذابا على نفسه ووقرا (٤) على قوّته، فقد تعرّض لمعاودة بعض الأدب، للاستزادة من الأوقار المغتمّ بها، الملول (٥) من حملها، وبئست اليد يد جريرتها (٦) استثقال الكتب، وضيق الذّراع من فوائد الأحبّة.
فأمّا ما عظّمت من الشكر، فإن الشكر مكافأة، وإذا كان الشكر كفىء (٧) المنّة، فإن الكفىء لا يكون دون كفيئه، وإذا بلغت بالشكر منزلة المكافأة، فقد علوت به أعلى المنازل، وكان يجمع لك ذلك أن تقول: الشكر مكافأة، والمكافأة كفيئة، والكفىء مثل كفيئه.
فأمّا ما ظننت أنى أستدلّ به على أنك من أهل الشكر، بالكلمات التى وصفت، فلئن تقدمت باليد على جبالة- فى أول يوم- منّى بموضع الشكر، ما أنا (٨) بمبصر موضع الأمر ببادرة من الكلام هى (٩) مع ذلك غير حدود جامعة، ولو جمعت.
стр. 1161
فأمّا ما ذكرت من إبطاء الدهر عنك بالتقوية على مساعدتى، فكأنك عنيت بهذه الكلمة [أنّ صداقتك لى من ذات (١)] الأيدى، فإن كنت عنيت، فما أشنع ما ألزمتنى ونفسك من قبيح الخلق، وقد يردّ عنى فورة الغضب أنك لم تقل ذلك قاصدا، واستدللت على أنك لم تقصد له، بأنك بنفسك بدأت بالإفحاش، وسأصغّر لك ما صغر الله من ذات الأيدى التى تقطّع إليها أعناق السّخفاء، وأعظّم لك منزلة المودة بتدبير العقل، بما عظّم الله منها؛ ألا ترى رحمك الله أن العقل يكسب المال، وأن المال معجوز به عن مكسبة العقل، حسبى وحسبك ممن لم تكن له أخا أن تجعله أخا، وحسبنا ممن كان بعيدا أن نجعله قريبا، وحسبنا من المخالفين أن يكونوا موافقين. فأمّا ما تملك الأيدى، فإنى لا أدرى: أما خدعت العدوّ عنه أكثر، أم ما تناولته بغير المؤامرة (٢) من مال الصديق؟ فإن بلغت حدّ المؤامرة، فذلك وصم (٣) فى صداقة المأخوذ منه، أو عجز من الآخذ من صديقه؛ قد مضى لك إخوان لم تلحقهم، وآخرون كثير أنت بين أظهرهم لم تعرفهم، كان الرجل منهم يكره أن يعد إخوانه الوفاء، فيضرّ اختلاط المواعيد بصادق النية المكسوب عليها، مع ما فى المواعيد من التغرير بالعجز عنها، وما فى الزمان من الخيانة لأهله، وما فى الاختلاط (٤) من الضعف.
أما إنى قد كنت أرى مكان الموافقة فى الجواب، فأتعجّل حاضر سرورك بذلك، وتجرى بيننا وبينك الخديعة والرياء، فتركب (سبيل) السّفلة الذين أغلب الأشياء عليهم الملق، ولكن حرّكتنى المودة بالتأديب لبعض تلك المحرّكات فيما مضى حين عاودتنى المكاتبة بالمناسمة (٥)، وإنى قد علمت أنّ كل ذى عقل ذو حاجة، وأن
стр. 1162
الأعقل فالأعقل الأحوج فالأحوج، والاستفادة فيما مضى غير مضرّة بما يستفيد فيما يستقبل، وأن بعض ذلك اتّكال على بعض، غير مضرّ به، ولا ناقض له، ولا مسىء الثناء عليه، فافهم». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٧)
٥٠ - كتاب حماد عجرد إلى يحيى بن زياد
وروى صاحب الأغانى قال:
كان حمّاد عجرد (١) صديقا ليحيى بن زياد، فأظهر تورّعا وقراءة ونزوعا عما كان عليه، وهجر حمادا وأشباهه، فكان إذا ذكر عنده ثلبه (٢)، وذكر تهتكه ومجونه، فبلغ ذلك حمّادا، فكتب إليه (٣):
هل تذكرون دلجى إليك على المضمّرة القلاص (٤) ... أيام تعطينى وتأ
خذ من أباريق الرّصاص ... إن كان نسكك لا يتمّ بغير شتمى وانتقاصى
стр. 1163
أو كنت لست بغير ذا ... ك تنال منزلة الخلاص
فعليك، فاشتم آمنا ... كلّ الأمان من القصاص
واقعد وقم بى ما بدا ... لك فى الأدانى والأقاصى
فلطا لما زكّيتنى ... وأنا المقيم على المعاصى
أيام أنت (إذا ذكر ... ت) مناضل عنى مناصى (١)
وأنا وأنت على ارتكا ... ب الموبقات من الحراص
وبنا مواطن ما ينا ... فى البرّ آهلة العراص (٢)
فاتصل هذا الشعر بيحيى بن زياد، فنسب حمادا إلى الزّندقة، ورماه بالخروج عن الإسلام. فقال حماد فيه:
لا مؤمن يعرف إيمانه ... وليس يحيى بالفتى الكافر
منافق ظاهره ناسك ... مخالف الباطن للظاهر
(الأغانى ١٣: ٧٦ وفيات الأعيان ١: ١٦٦)
٥١ - جواب سلامة لمحمد (٣) بن زياد الحارثى إلى المنصور
أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين صلاحا دائما يستقبل به أنفس العمر فى أدوم السعادة، ويستقبل بنا فيه أحسن المتاع، مساعدا له القضاء على كل ما يرى فى نفسه وأهل بيته ورعيته، معدولا عنه كلّ محذور عليه، حتى يبلّغه فى نفسه غاية الأمل، وفى أهل بيته أحسن العمارة، وفى أمّته أكمل الصلاح، وفى أهل العداوة لدينه أبلغ النقم.
стр. 1164
أتانى كتاب أمير المؤمنين بما أحبّ أن يسرّنى به من سلامته، فى نعمته وولده وخاصّته، فأدام الله لأمير المؤمنين العافية، ووثّق له عقد الكرامة، وأسبغ عليه فضائل النعمة، وفواضل الأيادى، فإنه أصبح محتجرا (١) بصلاح أمير المؤمنين فى نفسه وولده وجميع أمته، مقرونا بما كرهوا له أو عليه، ما كرهوا لأنفسهم أو عليها، محقوقين ألّا يروا للنعمة تماما، ولا للعافية دواما، إلّا بتمامها على أمير المؤمنين وبقائها له، فإن الوالى إذا نزل من أمته، فى إحياء العدل لها، ودفع المكروه عنها، وإثبات شرائع الحق فيها، وإسباغ الأيادى بالفضل عليها، بمثل منزل أمير المؤمنين الذى أنزله الله به من رعيته، فى دينهم وحريمهم ومعاشهم، لم يروه بالنعمة عليه فى نفسه وولده وخاصته مخصوصا دون أنفسهم، لأن بقاءه وصلاحه مقرون موصول ببقائهم وصلاحهم، فلا زال أمير المؤمنين مصنوعا له، مدفوعا عنه، مجنّبا محذور الليل والنهار، موقّى ما تشتمل عليه الأ [يام من الأحداث (٢)]، ممنوعا يمنعه الله برحمته فى نفسه وولده، محروسا بكلاءة (٣) الله وحفظه فى جميع ما أنعم به عليه، نسأل الله لأمير المؤمنين تمام النعم، ودوام الكرامات، والسلام».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٠)
٥٢ - كتاب له فى الشكر
«لولا ما يجب علينا من قضاء حق الأمير بما تبلغه الطاقة فى تقريظ الألسن، ونصائح القلوب، والتمسّك بحبل الشكر له، والوفاء فى المحضر والمغيب، كان أولى الأمور بنا فى التخيّر لأنفسنا والنظر لها، الإمساك من ذلك عما لا يزيدنا ذكره إلا بعدا من غايته، وعجزا عن بلوغه، ولكنا لما صرنا نعتمد فى القول على الاجتهاد فى معرفة الحق على
стр. 1165
صدق النية، والمكافأة على باطن الشكر، وسعنا أن نظهر ما قدرنا عليه من الأسرار، لتعرف أن قد اجتهدنا فى قضاء حقه، ليعذرنا فيما قصّرنا عنه القول بالاجتهاد، ويحمل أمرنا فى الوفاء والشكر على ما يثق به منا فى محيض المودة، وصحة الضمير».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٤).
٥٣ - كتاب آخر
«مازال ظاهر معروف الأمير يشهد على باطن سريرته، وما برحت سريرة باطنه من جميل رأيه ونيّته متصلة بمعروف ظاهر، وما أنفكّ قديم من صلته يلحق بحديث، حتى ما نجد مستزادا، ولا لأملنا على ما أصبحنا فيه من برّه متنفّسا، ولا من التقصير وإن جهدنا فى تأدية الحق وشكر النعم مخرجا».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٤)
٥٤ - كتاب آخر
«قد يجب على من يتقلّب فى ظلّ كرامتك، ويأوى إلى كنف نعمتك، أن يقول بما هو أولى، ويخبر عما هو به مرتهن، من شكر بلائك، وحقّ نعمتك، ونحن الذين سبقت نعمتك عليهم، وعظمت منّتك لديهم، فيما أبليت وأوليت من جميل رأيك، وحسن أثرك، بعطفك وتحنّنك، واستخلاصك إياه مقة وأنسا، دون أصحابك من نظرائه فى أياد من أياديك عظمت فلا تجحد، ونعم من نعمك شهرت فلا تنكر ولا يحصى عددها، وإن اجتهدنا فى حفظها، ولا نبلغ فى شكرها وإن دأبنا فى بلوغ تأديتها، فقد اعتقدتها منّة علينا، ويدا عندنا، فنحن لك صنيعة ما بقينا، وبقى الخلف منا».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٤)
стр. 1166
٥٥ - كتابه إلى صالح بن على
وكتب إلى صالح بن على:
«فإن أحقّ الناس أن يجلّ موضع رضاه وسخطه من كان سخطه حطّة، ورضاه شرفا، وقد جعل الله الأمير كذلك، فرضاه عمن رضى عنه زين، وسخطه عليه حجّة، وإقباله إلى من أقبل إليه فائدة، وإدباره عمن أدبر عنه تأديب، وليس فى شىء مما يميل إليه الأمير من دواعى السخط والرضا تحامل يحجزه عن إنصاف، ولا هوى يزيله عن رأى، ولا بادرة تعجله عن تثبّت، ولا غلق (١) يقعده عن حلم، ولا سطوة بيد ولا لسان تحول بينه وبين عفو، بل يحلم ولا يجهل، ويعذر ولا يعاقب، ويصفح الصفح الجميل، ويدفع السيئة بالتى هى أحسن، والله محمود.
وقد نالنى من جفوة الأمير بعد ما كنت أعرف من برّه وإلطافه (٢)، أمر أحلّنى مع المذنب فى نفسى مع البراءة من الذنب، وألزمنى الإساءة مع التقصير، وزاده عندى عظما أنى شدّما (٣) حاولت المخرج منه بالاعتذار، ولم أجد إلى الأمير ذنبا أعتذر منه إليه، ولا فيما ألزمنى من معتبته حجّة أحاول دفعها والتخلص منها، فأصبحت أعالج من ذلك ما قد خفى عنى دواؤه، وأحاول صلاح ما لم أجن فساده، فإن رأى الأمير أن يصل قديم معروفه بحديثه، فإنى لم أجد إلى الأمير فى مطالبته بذلك أنجح من التوجّه إليه بنفسه».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٥).
стр. 1167
٥٦ - كتاب عبد الله بن الحسن إلى صديق له
وكتب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب إلى صديق له:
«أوصيك بتقوى الله تعالى، فإن الله جعل لمن اتقاه المخرج من حيث يكره، والرزق من حيث لا يحتسب».
(زهرة الآداب ١: ٩٣)
٥٧ - أبو جعفر المنصور وعبد الله بن الحسن
وروى صاحب العقد الفريد قال:
لما قام أبو جعفر بالأمر بعث بعطاء أهل المدينة، وكتب إلى عامله أن:
«أعط الناس فى أيديهم، ولا تبعث إلى أحد بعطائه، وتفقّد بنى هاشم، ومن تخلّف منهم ممن حضر، وتحفّظ بمحمد وإبراهيم ابنى عبد الله ابن الحسن».
ففعل وكتب: «إنه لم يتخلف أحد عن العطاء إلا محمد وإبراهيم ابنا عبد الله ابن الحسن، فإنهما لم يحضرا (١)».
فكتب أبو جعفر إلى عبد الله بن الحسن- وذلك مبدأ سنة تسع وثلاثين ومائة- يسأله عنهما، ويأمره بإظهارهما، ويخبره أنه غير غادره.
стр. 1168
فكتب إليه عبد الله: «أنه لا يدرى أين هما، ولا أين توجها، وأن غيبتهما غير معروفة».
فلم يلبث أبو جعفر- وكان قد أذكى (١) العيون، ووضع الأرصاد- حتى جاءه كتاب من بعض ثقاته يخبره أن رسولا لعبد الله ومحمد وإبراهيم خرج بكتب إلى رجال بخراسان يستدعيهم إليه، فأمر أبو جعفر برسولهم فأتى به وبكتبه، فرّدها إلى عبد الله بن الحسن بطوابعها لم يفتح منها كتابا، وردّ إليه رسوله وكتب إليه:
«إنى أتيت برسولك والكتب الذى معه، فرددتها إليك بطوابعها، كراهية أن أطّلع منها على ما يغيّر لك قلبى، فلا تدع إلى التقاطع بعد التواصل، ولا إلى الفرقة بعد الاجتماع، وأظهر لى ابنيك، فإنهما سيصيران بحيث تحبّ من الولاية والقرابة وتعظيم الشرف».
فكتب إليه عبد الله بن الحسن: يعتذر إليه، ويتنصّل فى كتابه، ويعلمه أن ذلك من عدو أراد تشتيت ما بينهم بعد التئامه، ثم جاءه كتاب ثقة من ثقاته يذكر أن الرسول بعينه خرج بالكتب بأعيانها على طريق البصرة، وأنه نازل على فلان المهلّبىّ، فإن أراده أمير المؤمنين فليضع عليه رصده، فوضع عليه أبو جعفر رصده، فأتى به إليه ومعه الكتب، فحبس الرسول وأمضى الكتب إلى خراسان مع رسول من عنده من أهل ثقاته، فقدمت عليه الجوابات بما كره، واستبان له الأمر.
فكتب إلى عبد الله بن الحسن يقول:
«أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد (٢)
أما بعد فقد قرأت كتبك وكتب ابنيك، وأنفذتها إلى خراسان، وجاءتنى
стр. 1169
جواباتها بتصديقها، وقد استقرّ عندى أنك مغيّب لابنيك تعرف مكانهما، فأظهرهما لى، فإن لك علىّ أن أعظم صلتهما وجوائزهما، وأضعهما بحيث وضعتهما قرابتهما، فتدارك الأمور قبل تفاقمها».
فكتب إليه عبد الله بن الحسن:
وكيف أريد ذاك وأنت منى ... وزندك حين تقدح من زنادى
وكيف أريد ذاك وأنت منى ... بمنزلة النّياط من الفؤاد؟ (١)
وكتب إليه: أنه لا يدرى أين توجها من بلاد الله، ولا يدرى أين صارا، وأنه لا يعرف الكتب، ولا يشكّ أنها مفتعلة (٢). (العقد الفريد ٣: ٢٩)
٥٨ - كتاب أبى جعفر إلى النفس الزكية
ولما بلغ أبا جعفر المنصور خروج النّفس الزّكيّة بالمدينة (٣) - وهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب- كتب إليه:
стр. 1170
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله، أما بعد: ف «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». ولك (١) علىّ عهد الله وميثاقه وذمته وذمّة رسوله ﷺ إن تبت ورجعت من قبل أن أقدر عليك أن أؤمنّك وجميع ولدك وإخوتك، وأهل بيتك ومن اتبعكم، على دمائكم وأموالكم، وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من فى حبسى من أهل بيتك، وأن أؤمّن كل من جاءك وبايعك واتّبعك، أو دخل معك فى شىء من أمرك، ثم لا أتبع أحدا منه بشى كان منه أبدا، فإن أردت أن تتوثّق لنفسك فوجّه إلىّ من أحببت أن يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به».
وكتب على العنوان، من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله.
(تاريخ الطبرى ٩: ٢١٠، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٥: ١٩٩، والكامل للمبرد ٢: ٢٩٣، وصبح الأعشى ١: ٢٣١)
стр. 1171
٥٩ - رد النفس الزكية على أبى جعفر
فسكتب إليه محمد بن عبد الله:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله المهدىّ (١) محمد بن عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن محمد:
«أما بعد: «طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ.
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ» وأنا أعرض عليك من الأمان مثل الذى عرضت علىّ، فإن الحقّ حقّنا، وإنما ادّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا، وإن أبانا عليّا كان الوصىّ، وكان الإمام، وكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا، وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللّعناء ولا الطّرداء ولا الطّلقاء، وليس يمتّ (٢) أحد من بنى هاشم بمثل الذى نمتّ به من القرابة والسابقة والفضل، وإنا بنو أمّ أبى رسول الله ﷺ فاطمة بنت عمرو (٣) فى الجاهلية، وبنو بنته فاطمة فى الإسلام دونكم، إن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمد ﷺ ، ومن السّلف أولهم إسلاما علىّ، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة، أول من آمن بالله وصلى إلى القبلة، ومن البنات خيرهن
стр. 1172
فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين فى الإسلام: حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة، وإن هاشما ولد عليّا مرتين (١)، وإن عبد المطّلب ولد حسنا مرتين (٢)، وإن رسول الله ﷺ ولدنى مرتين من قبل حسن وحسين (٣)، وإنى أوسط (٤) بنى هاشم نسبا، وأصرحهم أبا، لم تعرق فىّ العجم، ولم تنازع فىّ أمهات الأولاد (٥)، فما زال الله يختار لى الآباء والأمهات فى الجاهلية والإسلام، حتى اختار لى فى النار، فأنا ابن أرفع الناس درجة فى الجنة، وأهونهم عذابا فى النار (٦)، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار.
ولك الله علىّ إن دخلت فى طاعتى، وأجبت دعوتى، أن أؤمّنك على نفسك وولدك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حدّا من حدود الله، أو حقا لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمك فى ذلك، وأنا أولى بالأمر منك، وأوفى بالعهد، وأنت أحرى بقبول الأمان منى، فأما أمانك الذى عرضت علىّ فأىّ الأمانات هو؟ أأمان ابن هبيرة (٧)؟ أم أمان عمك عبد الله بن على (٨)؟ أم أمان أبى مسلم (٩)؟ والسلام» (١٠).
(تاريخ الطبرى ٩: ٢١٠، والكامل لابن الأثير ٥: ١٩٩ والكامل للمبرد ٢: ٢٩٤، وصبح الأعشى ١: ٢٣٢)
стр. 1173
٦٠ - رد أبى جعفر على النفس الزكية
فكتب إليه أبو جعفر:
«بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله: عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله. أما بعد:
فقد أتانى كتابك، وبلغنى كلامك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء، لتضلّ به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة (١) والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله جعل العمّ أبا وبدأ به فى كتابه على الوالد الأدنى، فقال جل ثناؤه عن نبيه يوسف ﵇: «واتّبعت ملّة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب (٢)»، ولقد علمت أن الله ﵎ بعث محمدا ﷺ ، وعمومته أربية، فأنزل الله «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان أحدهما أبى (٣)، وكفر اثنان أحدهما أبوك (٤)، فقطع الله ولايتهما منه، ولم يجعل بينه وبينهما إلّا (٥)، ولا ذمّة، ولا ميراثا.
стр. 1174
فأما ما ذكرت من النساء وقراباتهن، فلو أعطين على قرب الأنساب وحقّ الأحساب، لكان الخير كلّه لآمنة بنت وهب (١)، ولكن الله يختار لدينه من يشاء من خلقه (٢).
وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبى طالب وولادتها، فإن الله لم يرزق أحدا من ولدها الإسلام لا بنتا ولا ولدا (٣)، ولو أن أحدا رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله أولاهم بكل خير فى الدنيا والآخرة، ولكن الأمر لله يختار لدينه من يشاء (٤)، قال الله : «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ».
وأما ما ذكرت من فاطمة بنت أسد (٥) أم على بن أبى طالب، وفاطمة أم الحسن، وأن هاشما ولد عليا مرتين، وأن عبد المطلب ولد الحسن مرتين. وأن النبى ﷺ ولدك مرتين، فخير الأوّلين والآخرين محمد رسول الله ﷺ لم يلده هاشم إلا مرة واحدة ولم يلده عبد المطلب إلا مرة واحدة.
وزعمت أنك أوسط بنى هاشم نسبا، وأصرحهم أمّا وأبا، وأنه لم تلدك العجم ولم تعرق فيك أمهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بنى هاشم طرّا، فانظر ويحك أين أنت من الله غدا؟ فإنك قد تعدّيت طورك، وفخرت على من هو خير
стр. 1175
منك نفسا وأبا، وأوّلا وآخرا، فخرت على إبراهيم (١) ابن رسول الله ﷺ وعلى والد ولده، وما خيار بنى أبيك خاصّة، وأهل الفضل منهم إلا بنو أمّهات أولاد، وما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله ﷺ أفضل من علىّ بن الحسين (٢)، وهو لأمّ ولد، ولهو خير من جدّك حسن بن حسن، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد (٣) بن علىّ، وجدّته أمّ ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر (٤)، وجدّته أمّ ولد، ولهو خير منك.
وأما قولك: إنكم بنو رسول الله ﷺ ، فإن الله قد أبى ذلك. فقال: «ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ». ولكنكم بنو ابنته، وإنها لقرابة قريبة، غير أنها امرأة لا تجوز الميراث (٥)، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة، فكيف تورث الإمامة من
стр. 1176
قبلها؟ ولقد ظلمها أبوك من كل وجه، فأخرجها تخاصم (١)، ومرّضها سرّا، ودفنها ليلا، فأبى الناس إلا تقديم الشيخين وتفضيلهما، ولقد جاءت السنة التى لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجدّ أبا الأم والخال والخالة لا يرثون.
وأما قولك: إن الله اختار لك فى الكفر، فجعل أباك أهون أهل النار عذابا، فليس فى الشر خيار، ولا من عذاب الله هيّن، ولا ينبغى لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢).
وأما ما فخرت به من علىّ وسابقته، فقد حضرت رسول الله ﷺ الوفاة، فأمّر غيره (٣) بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل (٤) فلم يأخذوه ثم كان فى أصحاب الشّورى (٥) فتركوه كلّهم دفعا له عنها، ولم يروا له حقا فيها، أمّا عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقتل عثمان وهو له متّهم، وقاتله طلحة والزّبير، وأبى سعد بيعته (٦)، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاوية بعده.
ثمّ طلبها بكل وجه، وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكّم حكمين، وأعطاهما عهده وميثاقه على الرّضا بما حكما به، فاجتمعا على خلعه.
وأفضى أمر جدّك إلى أبيك الحسن، فبايعها من معاوية بخرق ودراهم، ولحق
стр. 1177
بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية، ودفع الأمر إلى غير أهله، وأخذ مالا (١) من غير ولائه ولا حلّه، فإن كان لكم فيها شىء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه.
ثم خرج عمك الحسين بن علىّ على ابن مرجانة (٢)، فكان الناس الذين معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه، وقتلوا رجالكم، وأسروا الصّبية والنساء، وحملوهم بلا وطاء (٣) فى المحامل، كالسّبى المجلوب، إلى الشأم (٤).
ثم خرج منكم غير واحد على بنى أمية، فقتّلوكم وصلّبوكم على جذوع النخل (٥)، وأحرقوكم بالنيران، ونفوكم من البلدان، حتى قتل يحيى (٦) بن زيد بخراسان.
حتى خرجنا عليهم، فأدركنا بثأركم إذ لم تدركوه، ورفعنا أقداركم، وأورثناكم أرضهم وديارهم، بعد أن كانوا يلعنون أباك فى أدبار الصلاة المكتوبة، كما تلعن الكفرة، فعنّفناهم وكفّرناهم، وبيّنا فضله، وأشدنا بذكره، فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت أنا- لما ذكرنا من فضل علىّ- قدّمناه على حمزة والعباس وجعفر (٧)، كلّ أولئك مضوا سالمين مسلّما منهم، وابتلى أبوك بالدماء (٨).
стр. 1178
ولقد علمت أن مكرمتنا فى الجاهلية سقاية الحجيج الأعظم وولاية زمزم، وكانت للعباس دون إخوته (١)، فنازعنا فيها أبوك (٢)، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها فى الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة (٣)، فلم يتوسّل عمر إلى ربه، ولم يتقرب إليه، إلا بأبينا (٤)، حتى نعشهم الله، وسقاهم الغيث، وأبوك حاضر لم يتوسّل به.
ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد النبى ﷺ غيره فكان وارثه من عمومته (٥)، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بنى هاشم فلم ينله إلا ولده، فالسّقاية سقايته، وميراث النبىّ له، والخلافة فى ولده، فلم يبق شرف ولا فضل، فى جاهلية ولا إسلام، فى دنيا ولا آخرة، إلا والعباس وارثه ومورّثه (٦)، ولقد جاء الإسلام (٧) والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التى
стр. 1179
أصابته (١)، ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كرها لمات عمّاك طالب وعقيل جوعا، وللحسا جفان عتبة وشيبة (٢)، ولكنه كان من المظعمين، فأذهب عنكم العار والشّنار (٣)، وكفاكم النفقة والمئونة، ثم فدى عقيلا يوم بدر (٤).
فكيف تفخر علينا؟ وقدمنّاكم (٥) فى الكفر، وفديناكم من الأسر، وحزنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ووضعناكم بحيث لم تضعوا أنفسكم، والسلام عليك، ورحمة الله».
(تاريخ الطبرى ٩: ٢١١، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٥: ١٩٩، والكامل المبرد ٢: ٢٩٥، وصبح الأعشى ١: ٢٣٣)
٦١ - كتاب أبى جعفر إلى الحسن بن زيد
وخاصم عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، بنى محمد النفس الزكية فى ميراث عبد الله، وقالوا: قتل أبوكم محمد فورثه
стр. 1180
عبد الله، فتنازعوا إلى الحسن بن زيد، فكتب بذلك إلى أبى جعفر، فكتب إليه:
«أما بعد: فإذا بلغك كتابى هذا فورّثهم من جدهم، فإنى قد رددت عليهم أموالهم (١)، صلة لأرحامهم، وحفظا لقرابتهم».
(تاريخ الطبرى ٩: ٢٣٢)
٦٢ - كتب بين أبى جعفر وسلم بن قتيبة
وكتب أبو جعفر إلى سلم بن قتيبة الباهلى لما ولّاه البصرة- بعد مقتل إبراهيم ابن عبد الله بن الحسن-:
أمّا بعد، فاهدم دور من خرج مع إبراهيم واعقر نخلهم».
فكتب إليه سلّم: «بأى ذلك أبدأ، أبا الدور أم بالنخل»؟
فكتب إليه أبو جعفر: «أما بعد: فقد كتبت إليك آمرك بإفساد تمرهم، فكتبت تستأذننى فى أيّة تبدأ به. أبالبرنىّ (٢) أم بالشّهريز (٣)؟ » وعزله، وكان ذلك سنة ١٤٦ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٢٦٤)
٦٣ - كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى
وكان أبو العباس السّفّاح، عام وفاته (سنة ١٣٦ هـ) عقد لأخيه أبى جعفر الخلافة من بعده، وجعله ولىّ عهد المسلمين، ومن بعده ابن أخيه عيسى بن موسى، وكتب العهد بذلك وصيّره فى ثوب، وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته، ودفعه إلى عيسى ابن موسى (٤).
стр. 1181
فلما ولى أبو جعفر الخلافة أقرّ عيسى بن موسى على ما كان أبو العباس ولّاه من ولاية الكوفة وسوادها، وكان له مكرما مجلّا، وكان إذا دخل عليه أجلسه عن يمينه، وأجلس المهدى ابنه عن يساره، ثم عزم على تقديم المهدى عليه فى الخلافة، وكلّمه فى ذلك برفيق من الكلام فأبى، فتغيّر عليه وباعده بعض المباعدة. وقصد إليه بالأذى حتى أجابه إلى ما سأله (١)، وكان ذلك سنة ١٤٧ هـ.
وروى الطبرى أن أبا جعفر كتب إليه فى ذلك:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله: عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى عيسى ابن موسى، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله ذى المنّ القديم، والفضل العظيم، والبلاء (٢) الحسن الجميل، الذى ابتدأ الخلق بعلمه، وأنفذ القضاء بأمره، فلا يبلغ مخلوق كنه حقّه، ولا ينال فى عظمته كنه ذكره، يدبّر ما أراد من الأمور بقدرته، ويصدرها عن مشيئته، لا قاضى فيها
стр. 1182
غيره، ولا نفاذ لها إلا به، يجريها على أذلالها (١)، لا يستأمر (٢) بها وزيرا، ولا يشاور فيها معينا، ولا يلتبس عليه شىء أراده، يمضى قضاؤه فيما أحبّ العباد وكرهوا، لا يستطيعون منه امتناعا، ولا عن أنفسهم دفاعا، ربّ الأرض ومن عليها، له الخلق والأمر، تبارك الله ربّ العالمين.
ثم إنك قد علمت الحال التى كنّا عليها فى ولاية الظّلمة: كيف كانت قوّتنا وحيلتنا، لما اجترأ عليه أهل بيت اللّعنة علينا، فيما أحببنا وكرهنا، فصبرنا أنفسنا على ما دعونا إليه، من تسليم الأمور إلى من أسندوها إليه، واجتمع رأيهم عليه، نسام الخسف (٣)، ونوطأ بالعسف، لا ندفع ظلما، ولا نمنع ضيما، ولا نعطى حقا، ولا ننكر منكرا، ولا نستطيع لها ولا لأنفسنا نفعا، حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وانتهى الأمر إلى مدّته، وأذن الله فى هلاك عدوّه، وارتاح بالرحمة لأهل بيت نبيه ﷺ ، فابتعث الله لهم أنصارا يطلبون بثأرهم، ويجاهدون عدوّهم، ويدعون إلى حبّهم، وينصرون دولتهم، من أرضين متفرّفة، وأسباب مختلفة، وأهواء مؤتلفة، فجمعهم لله على طاعتنا، وألّف بين قلوبهم بمودّتنا على نصرتنا، وأعزّهم بنصرنا، لم نلق منهم رجلا، ولم نشهر معهم سيفا، إلّا ما قذف الله فى قلوبهم، حتى ابتعثهم لنا من بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة، يلقون الظّفر، ويعودون بالنصر، وينصرون بالرّعب، لا يلقون أحدا إلا هزموه، ولا واترا إلا قتلوه، حتى بلغ الله بنا بذلك أقصى مدانا، وغاية منانا، ومنتهى آمالنا، وإظهار حقنا، وإهلاك عدوّنا، كرامة من الله جلّ وعزّ لنا، وفضلا منه علينا بغير حول منا ولا قوّة.
ثم لم نزل من ذلك فى نعمة الله وفضله علينا، حتى نشأ هذا الغلام (٤)، فقذف الله
стр. 1183
له فى قلوب أنصار الدّين الذين ابتعثهم لنا مثل ابتدائه لنا أوّل أمرنا، وأشرب قلوبهم موّدته، وقسم فى صدورهم محبّته، فصاروا لا يذكرون إلا فضله، ولا ينوّهون (١) إلا باسمه، ولا يعرفون إلا حقّه، فلما رأى أمير المؤمنين ما قذف الله فى قلوبهم من مودته، وأجرى على ألسنتهم من ذكره، ومعرفتهم إياه بعلاماته واسمه، ودعا العامّة إلى طاعته، أيقنت نفس أمير المؤمنين أنّ ذلك أمر تولّاه الله وصنعه، لم يكن للعباد فيه أمر ولا قدرة ولا مؤامرة ولا مذاكرة، للّذى رأى أمير المؤمنين من اجتماع الكلمة، وتتابع العامّة، حتى ظن أمير المؤمنين أنه لولا معرفة المهدىّ بحقّ الأبوّة لأفضت الأمور إليه، وكان أمير المؤمنين لا يمنع مما اجتمعت عليه العامّة، ولا يجد مناصا عن خلاص ما دعوا إليه، وكان أشدّ الناس على أمير المؤمنين فى ذلك الأقرب فالأقرب من خاصّته وثقاته من حرسه وشرطه، فلم يجد أمير المؤمنين بدّا من استصلاحهم ومتابعتهم، وكان أمير المؤمنين وأهل بيته أحقّ من سارع إلى ذلك، وحرص عليه ورغب فيه، وعرف فضله، ورجا بركته، وصدّق الرّواية فيه، وحمد الله إذ جعل فى ذرّيّته مثل ما سألت الأنبياء قبله، إذ قال العبد الصالح (٢): «فهب لى من لدنك وليّا. يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيّا». فوهب الله لأمير المؤمنين وليّا، ثم جعله تقيّا مباركا مهديّا، وللنبى ﷺ سميّا، وسلب من انتحل هذا الاسم (٣)، ودعا إلى تلك الشّبهة التى تحيّر فيها أهل تلك النّيّة، وافتتن بها أهل تلك الشّقوة، فانتزع ذلك منهم، وجعل دائرة السّوء عليهم، وأقرّ الحقّ قراره، وأعلن للمهدىّ مناره، وللدين أنصاره.
стр. 1184
فأحبّ أمير المؤمنين أن يعلمك الذى اجتمع عليه رأى رعيته، وكنت فى نفسه بمنزلة ولده، يحبّ من سترك ورشدك وزينك ما يحبّ لنفسه وولده، ويرى لك- إذا بلغك من حال ابن عمك ما ترى من اجتماع الناس عليه- أن يكون ابتداء ذلك من قبلك، ليعلم أنصارنا من أهل خراسان وغيرهم أنك أسرع إلى ما أحبّوا، مما عليه رأيهم فى صلاحهم منهم إلى ذلك من أنفسهم، وأن ما كان عليه من فضل عرفوه للمهدىّ، أو أمّلوه فيه، كنت أحظى الناس بذلك وأسرّهم به، لمكانه وقرابته، فاقبل نصح أمير المؤمنين لك، تصلح وترشد، والسلام عليك ورحمة الله».
(تاريخ الطبرى ٩: ٢٦٩)
٦٤ - رد عيسى بن موسى على المنصور
فكتب إليه عيسى بن موسى:
«بسم الله الرحمن الرحيم: لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين من عيسى بن موسى.
سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فقد بلغنى كتابك تذكر فيه ما أجمعت (١) عليه، من خلاف الحقّ، وركوب الإثم فى قطيعة الرّحم، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامّة، بالوفاء للخلافة والعهد لى من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حبله، وتفرّق بين ما ألّف الله جمعه، وتجمع بين ما فرّق الله أمره، مكابرة لله فى سمائه، وحولا (٢) على الله فى قضائه، ومتابعة للشيطان فى هواه، ومن كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه (٣)، ومن ماكره عن شى خدعه، ومن توكّل على الله منعه، ومن تواضع لله رفعه.
إن الذى أسّس عليه البناء، وخطّ عليه الحذاء (٤)، من الخليفة الماضى، عهد لى
стр. 1185
من الله، وأمر نحن فيه سواء، ليس لأحد من المسلمين فيه رخصة (١) دون أحد، فإن وجب وفاء فيه فما الأول بأحقّ به من الآخر، وإن حلّ من الآخر شىء فما حرّم ذلك من الأول، بل الأول الذى تلا خبره، وعرف أثره، وكشف عما ظنّ به وأمّل فيه أسرع، وكان الحقّ أولى بالذى أراد أن يصنع أوّلا، فلا يدعك إلى الأمن من البلاء اغترار بالله، وترخيص للناس فى ترك الوفاء، فإنّ من أجابك إلى ترك شىء وجب لى، واستحلّ ذلك منى، لم يحرج (٢) إذا أمكنته الفرصة، وأفتنته (٣) بالرّخصة، أن يكون إلى مثل ذلك منك أسرع، ويكون بالذى أسّست من ذلك أنجع، فاقبل العافية (٤)، وارض من الله بما صنع، وخذ ما أوتيت بقوّة، وكن من الشاكرين، فإن الله جلّ وعز زائد من شكره، وعدا منه حقّا لا خلف فيه، فمن راقب الله حفظه، ومن أضمر خلافه خذله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور، ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الأمور، وبغتات الموت، قبل ما ابتدأت به من قطيعتى، فإن يعجل بى أمر كنت قد كفيت مئونة ما اغتممت له، وسترت قبح ما أردت إظهاره، وإن بقيت بعدك لم تكن أو غرت (٥) صدرى، وقطعت رحمى، ولا أظهرت (٦) أعدائى فى اتّباع أثرك، وقبول أدبك، وعمل بمثالك.
وذكرت أن الأمور كلّها بيد الله هو مدبّرها ومقدّرها ومصدرها عن مشيئته، فقد صدقت، إنّ الأمور بيد الله، وقد حقّ على من عرف ذلك ووصفه العمل به، والانتهاء إليه.
стр. 1186
واعلم أنا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعا، ولا دفعنا عنها ضرّا، ولا نلنا الذى عرفته بحولنا ولا قوتّنا، ولو وكلنا فى ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا، لضعفت قوتنا، وعجزت قدرتنا فى طلب ما بلغ الله بنا، ولكن الله إذا أراد عزما لإنفاذ أمره، وإنجاز وعده، وإتمام عهده، وتأكيد عقده، أحكم إبرامه، وأبرم إحكامه، ونوّر إعلانه، وثبّت أركانه، حين أسّس بنيانه، فلا يستطيع العباد تأخير ما عجّل، ولا تعجيل ما أخّر، غير أن الشيطان عدوّ مضلّ مبين، قد حذّر الله طاعته، وبيّن عداوته، ينزغ (١) بين ولاة الحق وأهل طاعته، ليفرّق جمعهم، ويشّتت شملهم، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم، ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور، ومضايق البلايا، وقد قال الله فى كتابه: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».
ووصف الذين اتقوا فقال: «إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ»
فأعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته خلاف ما زيّن الله به جلّ وعزّ من كان قبله، فإنه قد سألتهم أبناؤهم، ونازعتهم أهواؤهم إلى مثل الذى همّ به أمير المؤمنين، فآثروا الحق على ما سواه، وعرفوا أن الله لا غالب لقضائه، ولا مانع لعطائه، ولم يأمنوا مع ذلك تغيير النّعم، وتعجيل النّقم، فآثروا الآجلة، وقبلوا العافية، وكرهوا التغيير، وخافوا التبديل، فأظهروا الجميل، فتمّم الله لهم أمورهم، وكفاهم ما أهمّهم، ومنع سلطانهم، وأعزّ أنصارهم، وكرّم أعوانهم، وشرّف بنيانهم، فتمت النعم، وتظاهرت (٢) المنن، فاستوجبوا الشكر، فتمّ أمر الله وهم كارهون، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله».
***
стр. 1187
وروى أن المنصور لمّا رجع إليه من عند عيسى جواب كتابه وقّع فى كتابه:
«اسل عنها تنل منها عوضا فى الدنيا، وتأمن تبعتها فى الآخرة».
(تاريخ الطبرى ٩: ٢٧٠)
٦٥ - كتاب عيسى بن موسى إلى المنصور
وروى الصّولى قال:
وكتب عيسى بن موسى إلى المنصور، حين ألحّ عليه فى البيعة للمهدىّ، كتابا غليظا لكتاب المنصور إليه:
«فهمت كتاب أمير المؤمنين، المزيل عنه نعم الله، والمعرّضه لسخطه، بما قرب فيه من القطيعة ونقض الميثاق، أوجب ما كان الشكر لله عليه، وألزم ما كان الوفاء له، فأعقب سبوغ (١) النعم كفرا، وأتبع الوفاء بالحق غدرا، وأمن الله أن يجعل ما مدّ من بسطته إحسانا، وتمكينه إياه استدراجا، وكفى الله من الظالم منتصرا، والمظلوم ناصرا، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبى وإليه المصير.
ولقد انتهت أمور يا أمير المؤمنين لو قعدت عنك فيها- فضلا عن ترك معونتك عليها- لقام بك القاعد، ولطال عليك القصير، ولقد كنت واجدا فيها بغيتى، وآمنا معها نكث بيعتى، فلزمت لك طريقة الوفاء، إلى أن أوردتك شريعة (٢) الرخاء، وما أنا بآيس من انتقام الله ورفع حلمه».
وكتب بعد ذلك:
«بدت لى أمارات من الغدر شمتها ... أظنّ وإياها ستمطركم دما (٣)
وما يعلم العالى متى هبطاته ... وإن سار فى ريح الغرور مسلما
стр. 1188
أتهضمنى حقا تراه مؤخرا ... لحكم إلهى حين صرت مقدّما؟
سننت انتقاض العهد فاصبر لمثله ... بنقضك من عهدى الذى كان أبرما
(الأوراق للصولى ٢: ٣١٥)
٦٦ - كتاب آخر
وكتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألحّ عليه فى الخلع، وطرح عليه من أهل خراسان من هدّده بالقتل.
«لو سامنى غيرك ما سمتنى لاستنصرتك عليه، ولاستشفعت بك إليه، حتى تقرّ الحرم (١) مقرّها، وتنزل الوفاء منزلته، ونحن أول دولة يستنّ بعملنا فيها، وينظر إلى ما اخترناه منها، وقد استعنت بك على قوم لا يعرفون الحقّ معرفتك، ولا يلحظون العواقب لحظك، فكن لى عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائك عن صلة الرّحم، وقطع الظّلم، إن شاء الله». (الأوراق للصولى ٢: ٣١٦)
٦٧ - رد المنصور عليه
فأجابه المنصور:
«لولا أنك تسام النزول عن حقّ لك، وواجب فى يديك، لزال الضّرع (٢) إليك، والتحمّل عليك، ولولا أنى أخاف أن تسبق أيدى هذه العصبة من أهل الدولة إليك، لما كلّفتك شاقّا، ولا حمّلتك مكروها، ولكنى عندك- بالنصح لك، والإشفاق عليك- فى جنبة (٣) من لا يرضى منك إلا بإرادته، ولا يستمهل أيامك لسرعته، وما الذى أسمو بك إليه بدون الذى يستنزلونك عنه، والله يوفّقك ويحسن الاختيار لك». (الأوراق للصولى ٢: ٣١٦)
стр. 1189
٦٨ - كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى
وكتب المنصور إلى عيسى بن موسى كتابا يحثه فيه على خلع نفسه وتقديم المهدى عليه، فكتب إليه عيسى:
«بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ (١) فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ». وقال : «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا».
قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهّمته وأنعمت (٢) بالنظر إليه كما أمر، ونحرته (٣)، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدنى لينقصنى، ويقرّبنى ليبعدنى، وما أجهل مالى فى رضاه من الحظ الجزيل، والأثر الخطير (٤)، ولكنه سامنى ما تشحّ (٥) به الأنفس، وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده مادام له حظّ فيه.
وقد علم أمير المؤمنين أنه يريد هذا الأمر لابنه لا له، وهو صائر إلى ما سيصير إليه، أشغل ما يكون، وأحوج إلى حسنة قدّمها، وسيئة اجتنبها، ولا صلة فى معصية الله، ولا قطيعة ما كانت فى ذات الله».
(الأوراق للصولى ٢: ٣١٩)
٦٩ - كتاب المنصور إلى عيسى بن موسى
وبلغ المنصور أن عيسى بن موسى قتل رجلا من ولد نصر بن سيّار (٦) كان مستخفيا بالكوفة، فدلّ عليه فضرب عنقه، فأنكر ذلك وأعظمه وهمّ فى عيسى بأمر كان فيه هلاكه، ثم قطعه عن ذلك جهل عيسى بما فعل، فكتب إليه:
стр. 1190
«أما بعد: فإنه لولا نظر أمير المؤمنين واستبقاؤه، لم يؤخرك عقوبة قتل ابن نصر ابن سيّار، واستبدادك به، بما يقطع أطماع العمّال فى مثله، فأمسك عمّن ولاك أمير المؤمنين أمره من عربىّ وأعجميّ، وأحمر (١) وأسود، ولا تستبدنّ على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة فى أحد قبله تباعة (٢)، فإنه لا يرى أن يأخذ أحدا بظنّة (٣) قد وضعها الله عنه بالتوبة، ولا بحدث كان منه فى حرب أعقبه الله منها سلما ستر به عن ذى غلّة (٤)، وحجز به عن محنة ما فى الصدور، وليس ييأس أمير المؤمنين لأحد ولا لنفسه من الله من إقبال مدبر، كما أنه لا يأمن إدبار مقبل إن شاء الله والسلام».
(تاريخ الطبرى ٩: ٢٩٤)
٧٠ - كتاب عبيد الله العمرى إلى أبى جعفر المنصور
وروى ابن قتيبة فى الإمامة والسياسة أن أبا جعفر المنصور لما قفل من حجّه سنة ثمان وأربعين ومائة، سأل عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو الفقيه المعروف بالعمرى، فقيل له: إنه لم يحجّ العام يا أمير المؤمنين، ولو حجّ لكان أول داخل عليك، فلا تقبل عليه أحدا، ولا يقدح فيه عندك إلا باطلىّ أو كذّاب، فإنه من علمت، فقال أبو جعفر: والله ما تخلف عن الحج فى عامه هذا إلّا علما منه بأنى حاجّ فلذلك تخلّف، ولا والله ما زاده ذلك عندى إلا شرفا ورفعة، وإنى من التوقير والإجلال له بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك، لشرفه فى قريش وعظم منزلته من هذا الأمر، والموضع الذى جعله الله فيه، والمكان الذى أنزله به، فلما قدم أبو جعفر بغداد ورد عليه كتاب عبيد الله العمرى، وفيه:
стр. 1191
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبى جعفر أمير المؤمنين من عبيد الله بن عمر:
سلام الله عليك ورحمة الله التى اتسعت فوسعت من شاء، أما بعد: فإنى عهدتك وأمر نفسك لك مهمّ، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها (١)، وأسودها وأبيضها، وشريفها ووضيعها، يجلس بين يديك العدوّ والصديق، والشريف والوضيع، ولكلّ حصّته من العدل، ونصيبه من الحق، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر، وإنى أحذّرك يوما تعنو (٢) فيه الوجوه والقلوب، وتنقطع فيه الحجّة، لملك قد قهرهم بجبروته، وأذّلهم بسلطانه، والخلق داخرون (٣) له، يرجون رحمته، ويخافون عذابه وعقابه، وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع فى آخر زمانها أن يكون إخوان العّلانية أعداء السّريرة، وإنى أعوذ بالله أن تنزل كتابى سوء المنزل، إنما كتبت به نصيحة والسلام (٤)». (الإمامة والسياسة ٢: ١١٧)
٧١ - رد أبى جعفر على العمرى
فأجابه أبو جعفر المنصور:
«من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن عمر بن حفص، سلام عليك.
أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تذكر أنك عهدتنى وأمر نفسى لى مهمّ، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة بأسرها وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الأمة سيرجع فى آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولست إن شاء الله من أولئك، وليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض؛ صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم، وكتبت تحذرنى ما حذّرت به الأمم من قبلى، وقدما كان يقال: اختلاف الليل والنهار يقرّبان كلّ بعيد ويبليان
стр. 1192
كل جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار، وكتبت تتعوّذ بالله أن ننزل كتابك سوء المنزل، وأنك إنما كتبت به نصيحة، فصدقت وبررت، فلا تدع الكتب إلىّ، فإنه لا غنى بى عن ذلك، والسلام».
(الإمامة والسياسة ٢: ١١٨)
٧٢ - كتاب أبى جعفر إلى محمد بن سليمان
وأتى محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس فى عمله على الكوفة- وكان أبو جعفر ولّاه إياها سنة ١٥٠ هـ- بعبد الكريم بن أبى العوجاء، فأمر بحبسه، وكثر شفعاؤه عند أبى جعفر، وألحّوا عليه فيه، فلم يتكلم فيه إلا ظنين (١)، فأمر بالكتاب إلى محمد بن سليمان بالكفّ عنه إلى أن يأتيه رأيه.
ثم إن محمدا دعا به وأمر بضرب عنقه، فلما أيقن أنه مقتول قال: أما والله لئن قتلتمونى لقد وضعت أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلّ فيها الحرام، والله لقد فطّرتكم فى يوم صومكم، وصوّمتكم فى يوم فطركم، فضربت عنقه.
وورد على محمد رسول أبى جعفر بكتابه: «إياك أن تحدث فى أمر ابن أبى العوجاء شيئا، فإنك إن فعلت فعلت بك وفعلت .. يتهدده».
فقال محمد للرسول: هذا رأس ابن أبى العوجاء وهذا بدنه مصلوبا بالكناسة (٢)، فأخبر أمير المؤمنين بما أعلمتك، فتغيّظ عليه أبو جعفر وأمر بالكتاب بعزله، وقال:
والله لهممت أن أقيده (٣) به، ثم أرسل إلى عيسى ابن على وقال له: هذا عملك، أنت أشرت بتولية هذا الغلام، فولّيته غلاما جاهلا لا علم له بما يأتى، يقدم على رجل يقتله ولا ينتظر أمرى! وقد كتبت بعزله، وبالله لأفعلن به ولأفعلن ... فسكت عنه عيسى حتى
стр. 1193
سكن غضبه، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن محمدا إنما قتل هذا الرجل على الزندقة، فإن كان قتله صوابا فهو لك، وإن كان خطأ فهو على محمد، فأمر أبو جعفر بالكتب فمزقت وأقرّ على عمله- وكان ذلك سنة ١٥٥ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٢٨٧)
٧٣ - رسالة غسان بن عبد الحميد فى العتاب
قال ابن طيفور:
ومن الرسائل المفردات رسالة غسّان (١) بن عبد الحميد المدائنى كاتب جعفر بن سليمان فى العتاب:
«أما بعد: فإن الله جعل العباد أطوارا فى أخلاقهم، كما جعلهم أطوارا فى صورهم، وجعل بينهم أمورا يتآلفون عليها، ويعملون أحلامهم (٢) فيها من حرم يتجاملون بها، وحقوق يتنازعونها، ومودّة يتعاطونها، وأخوّة يتداولونها، ترعى بوفاء، وتؤدّى بأمانة، وتضيّع بتقصير، وتنتقص بخيانة، ليس من أدّيت إليه فيما يحفظ منها بأسعد من المؤدّى لها فيما يأخذ به من الفضل لنفسه، وليس من ضيّعت منه بأشقى ممن ضيّعها فيما يدخل من التقصير عليه، فإنه من أخطأه الوفاء من أخيه، فإنما يدخل عليه تقصير غيره، ومن ضيّع الوفاء لإخوانه فقد أدخل النقص فى خاصّة نفسه، والمرء يجد من أخيه إذا خانه بدلا، ولا يجد عن نفسه إذا قصّرت به متحوّلا، فليس نقص يستبدل به كنقص لا يستطيع مزايلته، وقد ألبس الله عبادا من عباده نعما، وجعل لهم فى صلاح الأمور قسما، فكان ذلك عندهم ذريعة يرعونها، لما ألحق عليهم فيها مما يكون صلاحا وتماما لها، لئلا يعملوا بانتقاص لأمر بلّغهم الله إياه، ولا
стр. 1194
بوضيعة لخلق رفعهم الله إليه حتى نسب إليهم ونسبوا إليه، فسمّى لهم فعلا وسموا له فعلا (١) وأولى من ألبسته (٢) نعمة، وأجرى لها على الألسن صفة، أن يكون عمله موافقا لما صنع الله به، ولا يكون لما أصلح منه مفسدا، ولا يكون (٣) له مخالفا.
ولم أزل أتعرّف من نعم الله علىّ، قديما وحديثا، ويافعا ومسنّا، فيما أبلانى (٤) وأظهر منى، وأثبت معرفته عند الناس، ما أصبحت أرى استصلاحه والتوقّى لتغيّره حقا علىّ واجبا، فليس (٥) من كانت منه فجيعة لأهل الإخاء والحرمة الذين ارتادوا ارتيادا، واختار واختاروا، فوقع رأيه عليهم، ووقع رأيهم عليه، وارتضوه لأنفسهم، وارتضاهم لنفسه، واقتصروا عليه بمودتهم، واقتصر عليهم بمودّته، فحمّلوه أخوّتهم، وحمّلهم أخوّته، واسترعوه الوفاء لهم، حتى ثبّت الله بينهم وبينه ما كان داعيا لكل رأى جميل، نافيا لكل صنيع معيب، وأمر مريب، فأىّ نقص أكثر، وأىّ دناءة أبين، من أن يكون امرؤ بمنزلة ثقة، قد حفظت منه حرمة، واعتقدت بها عليه أمانة، فوجبت منه مصافاة، وانتظرت منه صلة، ثم ينكشف عن خيانة وغدر وقطيعة وفجعة؟ ثم أحقّ من كنت له على الجميل فيما بينى وبينه، أهل الفضل فى المنزلة، والثقة فى المكافأة، والأمانة فى الوفاء، والجمال فى الإخاء، الذين (٦) يرغب فيهم إنعامه، ويوثق بحفظهم اليسير من الحرمة، فما كنت لأقطع خاصّتى ممن يرغب فى عامتى، ولا لأضيّع الكثير ممن لا يضيع اليسير، ولا ألقى أخا شاهدا، بغير ما أكون عليه غائبا، فأكون قد لقيته بدلّ (٧)، وغبت
стр. 1195
عنه بقذر (١)، ويكون قد استودعنى شيئا حفظت ضدّه وسترت سواه، بل أنا لأخى حين يغيب عنى وأرعاه، أحفظ منّى حين يشاهدنى فيعاين ما يكون منى، ولم يكن ليمتّ (٢) بالأسباب إلىّ أهل الفضل والأحساب، لا يدعونى إليهم إلا الرغبة فيهم، والتزيّن بأحسابهم، والاستعداد بعددهم، حتى إذا استحكمت حرمتهم وتظاهرت، ووجبت وعظمت وصرت إمّا محافظا يزينه حفاظه، وإما مضيّعا يشينه تضييعه (٣) عملت فى ذلك بما يقطع ما أردت صلته، ويشين ما أردت زينه، ويصير علىّ ولا يصير لى، ويزهّد فىّ نظراءهم، إذا مددت بالأسباب إليهم، فأكون عند من اعتقدت إخاءه مقليّا (٤)، قد تغيّرت عنده منزلتى، ومن أردت استعارة مودّته مكروها، لا يقبل ذلك منى، إنى إذن إلى نفسى لمسىء، وبحظّى لمخطئ، وما كنت لأختار الإخوان على فضلهم، ثم أسير فيما بينى وبينهم بما يخالف أخطارهم (٥) ومنازلهم، لبئس (٦) إذن ما خالطت به الأكفاء، وراقبت به الحرم، وأسلمت (٧) به المودة التى قد أعطى الله فيها النعم، وأترك (٨) مخالطة الأكفاء قبل اعتقادها، وإن كان الفضل فيما بيننا أحسن من إيجاب حقها، ثم الاستخفاف بها، فإن المجانب المستور خير من المحافظ المذموم، ومن ليم على جميل لم يتناوله، أحسن ممن ليم على سمج (٩) قد أتاه.
وإنه بلغنى أن غاشّا ظالما أتاك بأمر، لم أكن له أهلا، ولم تكن بقبوله خليقا، لأنى لم أكن لأشباهه معروفا، ولم أكن على استماع مثله مخوفا، فوجد فيك مساغا، وعندك مستقرّا، وكنت أحسن منازل إخوانك عندك، والثقة لهم منك فى حصن