← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

«بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبى جعفر أمير المؤمنين من عبيد الله بن عمر: سلام الله عليك ورحمة الله التى اتسعت فوسعت من شاء، أما بعد: فإنى عهدتك وأمر نفسك لك مهمّ، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها (١)، وأسودها وأبيضها، وشريفها ووضيعها، يجلس بين يديك العدوّ والصديق، والشريف والوضيع، ولكلّ حصّته من العدل، ونصيبه من الحق، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر، وإنى أحذّرك يوما تعنو (٢) فيه الوجوه والقلوب، وتنقطع فيه الحجّة، لملك قد قهرهم بجبروته، وأذّلهم بسلطانه، والخلق داخرون (٣) له، يرجون رحمته، ويخافون عذابه وعقابه، وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع فى آخر زمانها أن يكون إخوان العّلانية أعداء السّريرة، وإنى أعوذ بالله أن تنزل كتابى سوء المنزل، إنما كتبت به نصيحة والسلام (٤)». (الإمامة والسياسة ٢: ١١٧) ٧١ - رد أبى جعفر على العمرى فأجابه أبو جعفر المنصور: «من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن عمر بن حفص، سلام عليك. أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تذكر أنك عهدتنى وأمر نفسى لى مهمّ، فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة بأسرها وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه الأمة سيرجع فى آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولست إن شاء الله من أولئك، وليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض؛ صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم، وكتبت تحذرنى ما حذّرت به الأمم من قبلى، وقدما كان يقال: اختلاف الليل والنهار يقرّبان كلّ بعيد ويبليان

стр. 1192

كل جديد، ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار، وكتبت تتعوّذ بالله أن ننزل كتابك سوء المنزل، وأنك إنما كتبت به نصيحة، فصدقت وبررت، فلا تدع الكتب إلىّ، فإنه لا غنى بى عن ذلك، والسلام». (الإمامة والسياسة ٢: ١١٨) ٧٢ - كتاب أبى جعفر إلى محمد بن سليمان وأتى محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس فى عمله على الكوفة- وكان أبو جعفر ولّاه إياها سنة ١٥٠ هـ- بعبد الكريم بن أبى العوجاء، فأمر بحبسه، وكثر شفعاؤه عند أبى جعفر، وألحّوا عليه فيه، فلم يتكلم فيه إلا ظنين (١)، فأمر بالكتاب إلى محمد بن سليمان بالكفّ عنه إلى أن يأتيه رأيه. ثم إن محمدا دعا به وأمر بضرب عنقه، فلما أيقن أنه مقتول قال: أما والله لئن قتلتمونى لقد وضعت أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال، وأحلّ فيها الحرام، والله لقد فطّرتكم فى يوم صومكم، وصوّمتكم فى يوم فطركم، فضربت عنقه. وورد على محمد رسول أبى جعفر بكتابه: «إياك أن تحدث فى أمر ابن أبى العوجاء شيئا، فإنك إن فعلت فعلت بك وفعلت .. يتهدده». فقال محمد للرسول: هذا رأس ابن أبى العوجاء وهذا بدنه مصلوبا بالكناسة (٢)، فأخبر أمير المؤمنين بما أعلمتك، فتغيّظ عليه أبو جعفر وأمر بالكتاب بعزله، وقال: والله لهممت أن أقيده (٣) به، ثم أرسل إلى عيسى ابن على وقال له: هذا عملك، أنت أشرت بتولية هذا الغلام، فولّيته غلاما جاهلا لا علم له بما يأتى، يقدم على رجل يقتله ولا ينتظر أمرى! وقد كتبت بعزله، وبالله لأفعلن به ولأفعلن ... فسكت عنه عيسى حتى

стр. 1193

سكن غضبه، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن محمدا إنما قتل هذا الرجل على الزندقة، فإن كان قتله صوابا فهو لك، وإن كان خطأ فهو على محمد، فأمر أبو جعفر بالكتب فمزقت وأقرّ على عمله- وكان ذلك سنة ١٥٥ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٢٨٧) ٧٣ - رسالة غسان بن عبد الحميد فى العتاب قال ابن طيفور: ومن الرسائل المفردات رسالة غسّان (١) بن عبد الحميد المدائنى كاتب جعفر بن سليمان فى العتاب: «أما بعد: فإن الله جعل العباد أطوارا فى أخلاقهم، كما جعلهم أطوارا فى صورهم، وجعل بينهم أمورا يتآلفون عليها، ويعملون أحلامهم (٢) فيها من حرم يتجاملون بها، وحقوق يتنازعونها، ومودّة يتعاطونها، وأخوّة يتداولونها، ترعى بوفاء، وتؤدّى بأمانة، وتضيّع بتقصير، وتنتقص بخيانة، ليس من أدّيت إليه فيما يحفظ منها بأسعد من المؤدّى لها فيما يأخذ به من الفضل لنفسه، وليس من ضيّعت منه بأشقى ممن ضيّعها فيما يدخل من التقصير عليه، فإنه من أخطأه الوفاء من أخيه، فإنما يدخل عليه تقصير غيره، ومن ضيّع الوفاء لإخوانه فقد أدخل النقص فى خاصّة نفسه، والمرء يجد من أخيه إذا خانه بدلا، ولا يجد عن نفسه إذا قصّرت به متحوّلا، فليس نقص يستبدل به كنقص لا يستطيع مزايلته، وقد ألبس الله عبادا من عباده نعما، وجعل لهم فى صلاح الأمور قسما، فكان ذلك عندهم ذريعة يرعونها، لما ألحق عليهم فيها مما يكون صلاحا وتماما لها، لئلا يعملوا بانتقاص لأمر بلّغهم الله إياه، ولا

стр. 1194

بوضيعة لخلق رفعهم الله إليه حتى نسب إليهم ونسبوا إليه، فسمّى لهم فعلا وسموا له فعلا (١) وأولى من ألبسته (٢) نعمة، وأجرى لها على الألسن صفة، أن يكون عمله موافقا لما صنع الله به، ولا يكون لما أصلح منه مفسدا، ولا يكون (٣) له مخالفا. ولم أزل أتعرّف من نعم الله علىّ، قديما وحديثا، ويافعا ومسنّا، فيما أبلانى (٤) وأظهر منى، وأثبت معرفته عند الناس، ما أصبحت أرى استصلاحه والتوقّى لتغيّره حقا علىّ واجبا، فليس (٥) من كانت منه فجيعة لأهل الإخاء والحرمة الذين ارتادوا ارتيادا، واختار واختاروا، فوقع رأيه عليهم، ووقع رأيهم عليه، وارتضوه لأنفسهم، وارتضاهم لنفسه، واقتصروا عليه بمودتهم، واقتصر عليهم بمودّته، فحمّلوه أخوّتهم، وحمّلهم أخوّته، واسترعوه الوفاء لهم، حتى ثبّت الله بينهم وبينه ما كان داعيا لكل رأى جميل، نافيا لكل صنيع معيب، وأمر مريب، فأىّ نقص أكثر، وأىّ دناءة أبين، من أن يكون امرؤ بمنزلة ثقة، قد حفظت منه حرمة، واعتقدت بها عليه أمانة، فوجبت منه مصافاة، وانتظرت منه صلة، ثم ينكشف عن خيانة وغدر وقطيعة وفجعة؟ ثم أحقّ من كنت له على الجميل فيما بينى وبينه، أهل الفضل فى المنزلة، والثقة فى المكافأة، والأمانة فى الوفاء، والجمال فى الإخاء، الذين (٦) يرغب فيهم إنعامه، ويوثق بحفظهم اليسير من الحرمة، فما كنت لأقطع خاصّتى ممن يرغب فى عامتى، ولا لأضيّع الكثير ممن لا يضيع اليسير، ولا ألقى أخا شاهدا، بغير ما أكون عليه غائبا، فأكون قد لقيته بدلّ (٧)، وغبت

стр. 1195

عنه بقذر (١)، ويكون قد استودعنى شيئا حفظت ضدّه وسترت سواه، بل أنا لأخى حين يغيب عنى وأرعاه، أحفظ منّى حين يشاهدنى فيعاين ما يكون منى، ولم يكن ليمتّ (٢) بالأسباب إلىّ أهل الفضل والأحساب، لا يدعونى إليهم إلا الرغبة فيهم، والتزيّن بأحسابهم، والاستعداد بعددهم، حتى إذا استحكمت حرمتهم وتظاهرت، ووجبت وعظمت وصرت إمّا محافظا يزينه حفاظه، وإما مضيّعا يشينه تضييعه (٣) عملت فى ذلك بما يقطع ما أردت صلته، ويشين ما أردت زينه، ويصير علىّ ولا يصير لى، ويزهّد فىّ نظراءهم، إذا مددت بالأسباب إليهم، فأكون عند من اعتقدت إخاءه مقليّا (٤)، قد تغيّرت عنده منزلتى، ومن أردت استعارة مودّته مكروها، لا يقبل ذلك منى، إنى إذن إلى نفسى لمسىء، وبحظّى لمخطئ، وما كنت لأختار الإخوان على فضلهم، ثم أسير فيما بينى وبينهم بما يخالف أخطارهم (٥) ومنازلهم، لبئس (٦) إذن ما خالطت به الأكفاء، وراقبت به الحرم، وأسلمت (٧) به المودة التى قد أعطى الله فيها النعم، وأترك (٨) مخالطة الأكفاء قبل اعتقادها، وإن كان الفضل فيما بيننا أحسن من إيجاب حقها، ثم الاستخفاف بها، فإن المجانب المستور خير من المحافظ المذموم، ومن ليم على جميل لم يتناوله، أحسن ممن ليم على سمج (٩) قد أتاه. وإنه بلغنى أن غاشّا ظالما أتاك بأمر، لم أكن له أهلا، ولم تكن بقبوله خليقا، لأنى لم أكن لأشباهه معروفا، ولم أكن على استماع مثله مخوفا، فوجد فيك مساغا، وعندك مستقرّا، وكنت أحسن منازل إخوانك عندك، والثقة لهم منك فى حصن

стр. 1196

حصين، ومحلّ مكين، لا يناله أكاذيب الكاذبين، ولا أقاويل المفسدين؛ وذلك أن الكاذب كان بالتّهمة على منزلتى وحرمتى، أحقّ منى بالتّهمة على رأيى وخلقى، وأنا كنت عندك بالثقة فى وفائى، أحقّ منه بالتصديق فى عضيهته (١) إياى، فإن الأخ المخبور (٢)، أولى بالثقة من السّاعى بالكذب والزّور، وإذا كان يحفظ الإخوان ما هو مثلوم بأيدى السفهاء (٣)، إذا شاءوا سعوا فقبل قولهم، فكيف تبقى على ذلك أخوّة، أو ترعى معه حرمة، أو يصلح عليه قلب، أو يسلم صدر؟ وكنت إذ حذّرت أخاك من أهل الدناءة حقيقا أن تحذرهم فى إخوانك (٤) الذين وقع إحسانك عليهم، فلا تقبل سعايتهم بهم، وكيف تسخط على أهل الدناءة لإخائك (٥) وترضى قولهم على إخوانك؟ لقد عرفت أن على الأخ من ردّ الكذب عن أخيه (٦) ما حسّن الغيب له، فإذا لم تكن لذلك رادّا مكذّبا، فهلّا كنت فيه واقفا متأمّلا حتى تكشفه ويتبين لك حقّه من باطله! فإن وجدته حقا أتيت ما أتيت على بينة لك فيها حجّة، وإن وجدته باطلا كان أن تستخرج أخاك من تهمة، خيرا من أن تقيم له على سخطة ولم يكن منه إساءة، فقد كان إخوانك يرجون إن أساءوا أن يأتى على ذلك فضلك، ولا يخافون إن أحسنوا أن يضيع ذلك عندك، لقد طالت عشرتى، وتردّد خبرك (٧) علىّ فى حالات متصرّفة، ومنازل مختلفة، لا يصرف حالى لك حال انصرفت، ولا يقلب رأيى منزلة انقلبت، فكان ذلك منى فى غياب سلطانك، ثم كان فى مؤاتى (٨) زمانك، والناس فى ذلك تنصرف عنك حالاتهم، ويختلف عليهم رأيهم، فلم تكن

стр. 1197

جاجة كثير من الصديق فى السلطان إلا أن يأكلوك ويأكلوا بك، ويتعجّلوا يومك من غدك، ولا ينظرون لك ولا يبالون ما دخل- إذا أصابوا- فى جنبك، فكانت جاجتى الإبقاء عليك، والادّخار لك، والاستغفار لما يتعجّل المتعجّلون منك مع ما أؤمل فيك، ولم تكن حاجتهم حين نبا بك الزمان إلا أن يخذلوك ويدفنوا مودتك ويميتوا ذكر إخائك، ويتقرب أكثرهم بك، ويسمو بعداوتك، وإن كانوا قد أخلّوا بصداقتك (١)، وكانت حاجتى حفظك وحياطتك، أفما كان فى هذا ما تردّ به عنى بغى باغ، وسعاية ساع؟ ما كنت لأعادى من غشّك، وأعتتب (٢) بالغشّ لك! ولا لأوالى من ناصحك وأقطع نصيحتى لك! ولا لأعرّض نفسى فيك وأستخفّ بعد ذلك بحقك! فأكون عونا لمن عاديته فيك، مفارقا لمن واليت فيما واليته عليه، معرّضا فى أمر لأسلّم له ما قبلى، لقد بحمد الله خبرنى الإخوان فى طول هذا الزمان، فبغير هذا عرفونى، وعلى (٣) غيره احتملونى، فما (٤) كنت لأعايشك بغير ما عايشتهم، ولا لأعمل (٥) فى إخائك بغير ما عملت فى إخائهم، وأنت أعظمهم منزلة، وأقدمهم مودة، وأكملهم ثقة، وأزينهم أخوّة، وأجملهم محافظة، فما أعظم عندى أن أنزل منزلة استخفاف بحقك، أو تهمة عندك على براءة فيما بينى وبينك! فإنه إن تكن البراءة أخرجتنى من التقصير عندك فى الظن بك، فغفر الله لك، لقد جرى على لسانك ما لم يجر على لسان أخ قبلك، واضطررتنى فى إخائك إلى معاذير لم يضطرّنى إليها أحد سواك، ولو لم أكن بفضلك عارفا، وعلى نصيبى منك شحيحا، لشححت على ما سلف

стр. 1198

منى فيما بينى وبينك أن يذهب باطلا، ويصير ضائعا، ويتحول حسنه قبيحا، ومعروفه منكرا، ولو كانت منك إساءة فيما بينى وبينك لرأيت أن قد وجب علىّ من حقك ما يوجب احتمال ذلك، فكيف أهتك حرمتك عن غير إساءة منك؟ ولو أنى قد هجوتك لكنت لنفسى بهجائك، أهجى منى لك، لأنى بذلك لها مكذب فيما سلف من مدحتى إياك، وثنائى عليك، وقولى فيك! فهل يهجو امرؤ غيره بأشدّ من إكذابه نفسه؟ مع قطع الأخوّة، وهتك الحرمة، ولو كنت شاعرا ألتمس بشعرى موضعا، وأطلب له مخرجا، ما جعلت مخرجى فى صديقى، الذى هجاؤه علىّ أشدّ منه عليه، فإن ظهر افتضحت، وإن خفى احتفظت، ولو وجدت من أهل الدناءة والسّفاه من شينه بهم ألصق، وهم به أحقّ، ما أنا بالقول فيهم بحرىّ (١)، وايم الله إنى لأرى الشعر فى جميل الأمور، وحسن الثناء على الصديق قبيحا، فكيف إذا كان فى الظلم العدوان، والفجعة للإخوان؟ فاجتمعت نقيصة الشعر ونقيصة الغدر، ولقد ثقل علىّ ما كان من ذلك وهو باطل، صونا للنفس عنه، فكيف أرضى أن يكون منى ما أستحقّه به؟ وإنى لأرجو أن أكون ممن يصبر للوفاء على بليّة إن نزلت، فكيف أخرج منه بغير اضطرار إلى غيره؟ ، ولو كنت على وقع عليه (٢) لكنت بالنقص على نفسى مقرّا، وكيف أسخط على من أساء القول إلىّ، إذا أسأت الفعل إلى نفسى؟ وأسرّ بأن يحسن لى القول وأنا مسىء إلى نفسى فى الفعل؟ فهلّا رغبت بى أن أكون أتيت ذلك، كما رغبت بك عن التصديق به فيما بينى وبينك! ولكنك حبست كتبك عنا وقطعت تعهّدك، ونحن نحسن الظن بك، وبحالنا عندك، لا ننزل ذلك إلا على العذر لك، والشعل منك، ثم إخراجك ما أخرجت إخراج

стр. 1199

محقّق متيقن، لا إخراج متأمّل ناظر، فراجع أحسن (١)، واعلم أنّا لم نحل عن حبس الرأى فى حفظ حقك ساعة من ليل ولا نهار، فى سرّ ولا علانية، ولا غيبة ولا شهادة، ولا نأتى أمرا ينقص من حرمتنا، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ١٩٨) ٧٤ - كتاب لغسان بن عبد الحميد فى تهنئة بتزويج وكتب غسّان بن عبد الحميد فى تهنئة تزويج: «قد بلغنى جمع الأمير أهله على الحال التى جمعهم عليها من نعمة الله عليه، فالحمد لله على كل ما يرى الأمير فيما له فيه نعمة، فأسأل الله أن يجعل الطائر فى ذلك ميمونا، والشّمل مجتمعا، والبركة عظيمة، والأمور سليمة، وكذلك فقد عظّم الله القسم منه لزوجه، جعل الأمير (٢) سكنا لها، وأجرى المودة والرحمة بينهما، فإنه يقول : «خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» فلما كان الأمير هو المنظور إليه وهى المنظور إليها، اختارها الأمير لنفسه، واختار نفسه لها، وأراد الله أن يزيدها مع فضلها فى نفسها، فضلا اختيار الأمير إياها، وباختصاص الله لها بالأمير دون غيرها، فكان ذلك فضلا من الله زيّنه بفضل، وكرامة من الله وصل بعضها ببعض، فنرغب إلى الله فى أن يزيد الأمير فى كل سعة مبسوطة، ونعمة مقسومة، ويعطيه فى ذلك شكرا يكون لرضاه موجبا، كما أعطاه فضلا كان الشكر له به واجبا، ثم يملّى (٣) الأمير ذلك بأحسن ما ملّى أحدا من خلقه، كرامة اصطنعها عنده». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٢)

стр. 1200

٧٥ - تحميد له وله تحميد فى المطر: «الحمد لله الذى نشر رحمته فى بلاده، وبسط سعته على عباده، الذى لا يزال العباد منه فى رزق يقتسمونه، وفضل ينتظرونه، لا ينقضه ما قبله، ولا ينقضى ما بعده». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٣) ٧٦ - تعزية له «أما بعد، فإن الله لم يرض لنفسه أن يمضى قضاءه فيما وافق العباد أو خالفهم، ولم يرض من العباد إلا بأن يسلّموا لأمره فيما أحبّوا أو كرهوا مما أنزل بهم، فقضاء الله غير مردود، وأمره غير مدفوع، والساخط لذلك غير معتب (١)، وللراضى به، أفضل العوض». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٦) ٧٧ - تعزية له إلى خليفة «أما بعد، فإن الله جعل خلافته حفظا لدينه، ورحمة لعباده، ثم جعل لهم أولياء خلفاء يتوارثونها، ويتداولون الكرامة من الله بها، فتنقضى مدة ماضيهم (٢) لخيرة الله إياه، وتأتى خلافة باقيهم لا صطناع الله له، فنحمد الله الذى جعل فيكم أهل تلك الخلافة الذين جعلهم لها ورّاثا، فكان منهم الماضى الذى كانت له، والباقى الذى صارت إليه، والحمد لله على ما كانت عليه حياة أمير المؤمنين ووفاته من كرامة الله إياه، وعلى وضعه الخلافة عند أمير المؤمنين الباقى، ونسأل الله أن يعظم فى الماضى الأجر، ويمنحك من الباقى أفضل الحظ، ويعينك فى المصيبة على أفضل الصبر، وفى النعمة على أفضل الشكر». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٦)

стр. 1201

٧٨ - تعزية له «أما بعد، فإن الله ﵎ تولى القضاء فى خلقه، وأوجب عليهم الرضا بما قضى به، والموت لابدّ منه، وأمر الدنيا إلى فناء كلّه، فما أشبه الباقى الذى ينتظر الفناء له، بالماضى الذى قد أتى الفناء عليه، وأحوج ما يكون ذو العقل إلى عقله، وذو الفضل إلى فضله، حين ينزل به من قضاء ربه ما يبتلى فيه صبره، ويختبر به تسليمه، فإن فاته الصبر كان عنده أكبر الرزيّة، وإن أحرزه كان أعظم الغنيمة، وقد أحسن الله إليك فى رأيك، وما قسم لك، وعرّفك ما اتخذ به الحجة عليك، وما ينبغى لك أن تعود بمنفعة على غيرك، فكيف بك إن عجز ذلك عنك عند اختبار ربّك إياك، فإذا أخذ منك من قد سبقت النعمة فيه المصيبة به، مع إمتاعه إياك بطول صحبته على الذى خلق لك منه، ومنه لك، ثم قدّمه الله قبلك فكان فرطا (١) لك، وعوّضك الله أجره، وجعلك المستخلف بعده، فى الصلة له، والترحّم والصلاة عليه، والخلافة فى ركنه، ولم ينزل بك من المصيبة بأخيك، إلا ما رأيته نزل بالناس فى أحبائهم قبلك، فلا أحسبك رأيت منهم صابرا إلا غبطته (٢)، ولا جازعا إلا عجّزته، فخذ لنفسك بالذى تغبط به غيرك، واحذر عليها الذى تعجّز فيه سواك، وإذا ذكر الشيطان مصيبتك، فاذكر ثواب ربك، فهو خير لك من نصيبك من حياة أخيك، فاطلب بذلك صحبته لا يرزؤك ولا ترزؤه، ولا تدخل فرقة بينك وبينه، فلعمرى لئن كنتما اصطحبتما فى الدنيا بما اصطحبتما به من النعمة، ثم أعطيت صحبته فى دار المقامة والرّحمة، لقد سعد بك وسعدت به، ونفع الله بكل واحد منكما صاحبه، فما أقدر الله على أن يعطيك ذلك فيه باحتسابك إياه، ويعطيه ذلك فيك بدعائك له، فإنه قد تقدّم

стр. 1202

لك فيه من الأجر، وتخلّف عليك له الدعاء، فاستكمل إحداهما بالأخرى، أكمل الله لنا ولك الآخرة والأولى، ورحمة الله على فلان، وجعل الله ما يرجع إليه خيرا له مما كان فيه، وجعل أجره خيرا لك من بقائه، وخلفه بأحسن خلافة، وأعانك على حسن الخلافة له من بعده». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٠) ٧٩ - تعزية له «إن أعظم المصائب عندنا مصيبتك، وأجلّ المرازئ فى أنفسنا مرزئتك، ولو تركنا تعزيتك بمصيبتك لخاصّتنا بك، ومشاركتنا فيها لك، لكنت بمنزله ذلك إن شاء الله». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢١) ٨٠ - تعزية له «أما بعد، فإن الله ﵎ خلق الدنيا هيّنة عليه، زهيدة عنده، ثم أمر عباده أن ينزلوها المنزلة التى أنزلها الله بها، ثم أمتع بها البرّ والفاجر، والمحسن والمسىء، فلم تكن سرّاؤها علامة لرضاه، ولا بلواها دليلا على سخطه، نظرا لهم. بأن يبلوهم فى أهون الدارين عليه، ويجزيهم فى أفضل الدارين عنده، وأكرم أهل طاعته بأن أعطاهم فيها الزّهادة، كما أكرمهم بأن زوى (١) عنهم فيها الفتنة، ولو كانت عنده بمنزلة كرامة، جعل أهل طاعته هم أهل الإكثار منها والمسارعة فيها، فليست دارا اختارها الله لأهل ولايته، قبضها عنهم، وأمرهم بالإبعاد (٢) عنها بأنفسهم، وجعلها فتنة وغرورا، وأسماها لعباده لهوا ولعبا، لئلا يسرّ ذو عقل بما أعطى (٣) فيها، ولا يأس (٤) على ما فاته منها، ولولا أن الله جعلها بلغة للآخرة، وامتحانا

стр. 1203

لأعمال البرية، لكانت هى أهون عليه من أن يخلقها، أو أن يعمرها بمن عمرها، أو يبثّ ما بثّ لها. ومن أمور الدنيا ما جعله الله على الأسوة (١)، ومنه ما جعله على التفضيل، فأحقّ أمورها أن يرضاه من أعطيه، ويصبر له من نزل به، ما كان أمر أسوة فى محبة أو مكروه، وهذا الموت مما آسى الله فيه بين الخلائق، فقضى أن تذوقه كلّ نفس، ويمنى به كل حى، فالمتقدّم فيه على أسوة ممن قبله وممن بعده، وأنه سيلحقه الباقى كما سبقه الماضى، ومكاره الدنيا حالّة (٢) على من عمر الدنيا، فإن الله خلقها للبلاء حين خلقها، وخلق أهلها على الابتلاء، فجعل لهم منها أطباقا (٣) يركبونها، وحالات ينتقلون فيها من محنة إلى مكروه، ونقص (٤) وعافية، فكلّ ذى سلامة وإن طالت، وذى عافية، وإن تتابعت، لابدّ أن تناله المكاره، وتتصرّف به الحالات، ويبلى بالخير والشر فتنة، على ذلك وضعت، فيرجو عبد أن يعمرها بما لم يعمرها أحد قبله، ولا يعمرها به أحد بعده؟ إنه من نفسه فى قريب الدنيا وظاهرها- وينسى عواقبها التى بقيت وعبرها التى مضت- كان جاهلا مغرورا، ومن جعل قلبه فى الفكر والتذكر كان معافى معصوما، وكلّ كثير الدنيا قليل، وكل حالاتها غرور، غير أن الله برحمته جعل ما يتقرّب به العباد إليه زاكيا عظيما عنده، فاصبر لأمره، وارض يقضائه، وارج ما وعد أهل المعرفة بحقه من النعيم المقيم، والخلود الدائم، فيما لم تعلمه نفس، ولم تره عين، ولم يخطر على قلب، ولم تبلغه أمنيّة، فضلا مذخورا لأهل طاعته حين يحلّون عنده، ويتلذذون فيه بالشهوات، ويتجددون فيه على طول البقاء؛ قد فنى الموت وبقوا بعده كما كان يفنيهم ويبقى بعدهم، وجميع العباد أسوة لأخيك فى الموت الذى أتى عليه، ونظير ذلك فى أشباه المرزئة التى دخلت عليك، فاذكر ذلك عند

стр. 1204

مصيبتك، والعباد على مقادير، فكلّ داخل فيها مكتوب الذى له وعليه، وكلّ خارج منها محفوظ ما قدّم وما تقدم إليه فى الدنيا، أعمال قدّرت لآجال، وآجال قدّرت لأعمال، وابتلاء قدر لجزاء، وجزاء أخّر لابتلاء، وكذا، والسلام. (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢١) ٨١ - رسالة عمارة بن حمزة فى على بن ماهان قال ابن طيفور: ومن الرسائل المفردات رسالة عمارة بن حمزة (١) فى على بن ماهان، فإنه يقال إنه لا مثل لها فى معناها وهى: «أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك فى ابن ماهان وخالد، ولم يرد أمير المؤمنين بكتابه إليك مشقّة عليك فيما وصف لك من الأمور، وصرّف لك من الموعظة، ولكنه أحبّ أن ينبّهك لرشدك، ويدلّك على حظّك، فيشدّ بذلك عقد ما خشيت وهيه (٢)، ويذلّل لك صعوبة ما خفت نفاره- ولم يكن يقع ذلك ليصل إليك، إلا ببعض الغلظة التى فيها لذع وتقبيض- ويأخذ بمراشد الأمور، ووثائق الحزم، ورغائب الحظ التى لا يصل إليها إلا بالكره دون الهوينى، وبما يمرّ على أهله ويغلظ، دون ما يحلو لى ويلين، وأخلق بما شقّ عليك من كتاب أمير المؤمنين أن يعقبك منه مسرّة، فإن خير الأمور خيرها عواقب. وقد أصبح أمير المؤمنين واثقا بتمام عصمة الله فى حالك التى يرجو أن لا يزيلك الله عنها سرّاء لا ضرّاء، ما دمت بحقها قائما، ولبعدها (٣) لازما، مع أن أمير المؤمنين ليس ذلك يخاف عليك، ولا فيه يتعهّدك، ولكنّ أمورا من فلتات الخطأ، وميل الهوى، وخشية الزّلل، لا يأمنها عليك ولا على نفسه ولا على الأقرب

стр. 1205

رحما (١) ونصيحة له، فإن الجهاد جهاد المرء نفسه ثم حامّته (٢)، لأن النفس أمّارة بالسوء، والناس متزيّنون بالباطل، والشيطان شديد العداوة، لطيف (٣) الغشّ، بصير بالعورة، معدّ للفرصة، قد التمس أن يصعّب على نفسه ما ذلّل الله، ويحمل عليها مؤنة ما قدّم الله فيه الصّنع والكفاية. قد علم أمير المؤمنين أنه لم يبلغ غاية التأديب، فإنه لا يبلغ ذلك دون انقطاع الأمور التى يحتاج فيها إلى الأدب، وليس لها نهاية دون الفناء، ولم يصبح يتعهّد أحدا من الناس بعد نفسه أحقّ منك بتعهّده، لأنك الثقة له، ولعدوه الثائر (٤) الأعظم، وإن الناس بأوساط الأرض وأقطارها يصيخون (٥) بأسماعهم إلى خبر: يودّون أن تزلّ قدم بعد ثبوتها، وتفسد حال بعد صلاحها، وتكلّ بصيرة بعد نفاذها، متخذين ذلك ذريعة إلى الإخلال بحق أمير المؤمنين، ولم يكن بين طاعته ومعصيته إلا ساعة من نهار. وأمير المؤمنين لا ينكر قرب الطاعة من المعصية، قرب بعض الأمور من بعض، لسرعة تقلّب القلوب، واختلاف الحالات عند ميل الهوى، ولا ينكر جرى المقادير بغيب ذلك عن العباد، واستئثار الله بعلم ما لم يأتهم إلا بغتة، بل قد علم أمير المؤمنين أن أقواما فى قلوبهم ضغائن دونها الغدر يظهر أسرارهم، ويخرج أضغانهم، ثم يبلغ بغضبه منهم ما لم يكن ذلك عنده عزيزا، ولم يكن بهم امتناع، غير أنه قد أنكر وأنعم (٦) أن تعجل إلى «ابن ماهان» - وإن كان محلا بارزا- بأمر دون مؤامرته (٧)، ويكره لك العجلة فإنها موكّل بها الندم، وإنه كان يقال: «أصاب متأمّل أو كاد» وقالت العرب «فإمّا ترينّ أمرا رشدا، فتبيّن ثم ارعو، أو أقدم وأحكم» ولحقّ ما أمر الله به من التبيّن، وما حذّر أن يصاب قوم بجهالة

стр. 1206

وما خوّف على ذلك من الندامة (١)، فليس يبرح المرء بخير ما فرغ لقول الله واتعظ واستيقظ. وأما ما ذكرت من كذا، فليس يبعد أن يدعو إلى «خالد» التّهمة، وإلى «ابن ماهان» المعذرة، فإنما العجلة مستراح المريب، والبدار بالأمور أمر من ليس على ثقة من رأيه، ومن لا يرجو أن يكون التثبّت لقوله مصدّقا، ولرأيه منفّذا، فمن أخذ بهذا الرأى، وأنزل أحدا منزل تهمة وهو غير ظنين (٢) فقد أعظم الجريرة. وأمّا ما سألت من البعثة إليك فرأى أمير المؤمنين البيان الذى يذهب عنه ريب الشك، ولبس الشبهة فيما تحمله من أمر عيسى، ومادام على الثقة واليقين فليست منزلتك عند أمير المؤمنين بالمتلوّنة، فيكون الناس مجازا إلى انتقامك، وقد صدّق أمير المؤمنين قولك، وعذر خالدا باعتذارك، وتجاوز عما لا عذر فيه، غير أنه ليس يحبّ لنفسه من العجلة وسرعة المبادرة، ما يكره لكم، ولا يرضى منها بمثل ما يسخط منكم، ولا يريد المخالفة إلى ما بنهى عنه. وأما الشر الذى كان يثيره لو كان نفّس (٣) عنه، فمما لم يكن ليدافعه ولا ليستظهر عليه بمثل طاعة الله وتقواه، ولزوم الأمر ذى الحجة والعذر، ولو ميّل (٤) أمير المؤمنين بين أن تقع كريهة ذات شوكة يزاول (٥) خطرها، ويعالج مؤنتها، وبين أن يأخذ بشبهات الأمور المبهمة، حذرا لما عسى أن يقع، لا ختار ذات الشوكة بأن يحمل (٦) بليّتها على التحفظ والإقدام على الشبهة بغبر بيّنة، ليس ذلك إلا أن يكون

стр. 1207

عهد أمير المؤمنين حديثا بغشم (١) الحرب التى لم تكن تكفّ أيدى شيعته عما بسطوها إليه ولكنه لا تستوى السيرة قبل الإنجاز وبعده، بذلك مضت سنن الله ، حتى حرّم الله على الأنبياء أن تكون لهم أسرى حتى يثخنوا فى الأرض، وأمر بضرب الرقاب فإذا أثخنوا فالمنّ أو الفداء (٢) وليس من سعى فى طاعته فى البسط أمسّ بأجسم بلاء ممن انتهى إلى أمره فى الكفّ اليوم، فإنما الطاعة كلها بمنزلة قربان وتمحيص يحول بين الناس وبين أهوائهم، لأن الحق لا يتبع الهوى، ولا يجرى على شهوات النفوس، فمن أراد الله به الخير محّصه فأخلض إيمانه، وأنفذ بغيته، وألهمه عزائم الصبر عند ما يثقل عليه من الحق، ويخفّ عليه من الباطل، ومن يتّبع هواه فى كفّ أو بسط محقه الله وخذله. قد علم أمير المؤمنين أن للشيطان من كل قوم قسما يحتبيهم (٣) ويصدّق عليهم ظنّه، ولو كان ذلك مخطئه من قوم أخطأه من أصحاب محمد ﷺ ، وقد وقع هذا الحق بمراغم الشيطان ومكارهه، فليس تاركه جهدا، وليس وبال ذلك كله كائنا إلّا على أوليائه ومستجيبيه، وأمير المؤمنين يرجو أن يكون الله قد بلغ بحقّه

стр. 1208

مبلغا لا يضيره (١) معه عداوة عدو، ولا خذلان خاذل، ولا يستجيش (٢) من لم ينصره اليوم لو لم يكن له نصير. وقد رآك أمير المؤمنين خلطت اعترافا باعتذار، وتنصّلا بمجاحدة، فأمّا الذنب فمغفور متجاوز عنه، وأما العذر والحجة فلم يعرفهما أمير المؤمنين، ولم يثبتا لك، ولو ثبتا لك لم يزد ذلك من رضاه عنك، ورأيه فيك، على ما رأيت مستحكما لك عنده. وأمّا قرب بعض أصحابك لبعض حتى يدعوهم ذلك إلى الشهادة بسفك دمائهم، فإن ذلك قد عمّ الناس بكل أفق، وهو راجع إليك جوابا يجب أن تفهمه وتدبّره، وهو يستعيذ بالله من زلل (٣) الغىّ، وخطل القول، وشبهات العمل، وزينة الهوى، وخطرات الشيطان. اعلم أن هذا الجند الذين استرعيتهم، وأعنت بطاعتهم ونصرتهم، من أفضل أهل الأرض عليك حقا، وأن حقّهم هو حقّ الله ، وحق أمير المؤمنين، وحق همّة نفسك على نفسك، وأنه إن وصل إلى أقصاهم دارا، أو أدناهم منزلا، ضياع، كان ذلك لك ماسّا ولو لم تشعر به، وأنك لا تقدر لهم على شىء مما تلتمس به صلاح أمورهم، من بذل مال، أو مواساة بنفس، هو أعمّ لهم نفعا، وأغزر عليهم غناء، من أدب صالح تأخذهم به، وسيرة صالحة تحملهم عليها، من العفاف فى الدين، والحضور للصلوات، والتعلّم للقرآن، والتكرّم فى الأخلاق، والتزيّن بالوقار والصدق والكفّ عن الشبهة، مع أن عفو الوالى عما بدا له أن يعفو عنه، ليس ذلك بإبطال شهادة من شهد عليه، وإنما يكون ذلك لو كانت حقوقهم فيما بينهم، فلا يستطيع الإمام أن يبطلها، وأما إذا كان الحق حقّ الإمام يمضى فيه ما أحبّ، ويعفو عما أراد، فمن ذا الذى يخاصمه فى حقه، وينهاه عن التثبّت فيما اشتبه عليه، والعفو فيما أحبّ العفو عنه؟ أو ليس قد يكفر الرجل بعد إيمانه، ثم يثبت ذلك عليه، إمّا بإقراره، وإما ببيّنة

стр. 1209

فيستتيبه الإمام، ويحقن دمه إن تاب، ولا يشاركه الشهود فى أمره، ولا يعلّمونه، ولا يقولون اتّهمنا وردّت شهادتنا، مع أن تثبّت الوالى فيما تثبّت فيه من أمر أصحابه، حتى يبرّئ البرىء، وينطّف (١) السقيم المقرّ بذنبه، هو أقوى فى الأمر، وأبلغ فى الرأى، وأقرب إلى أن يأمن البرىء، ويخاف السقيم، وينطق الصدوق، ويهاب الكذوب، وإذا سوّى بين البرىء والسقيم فى العقوبة، وبين الصّدوق والكذوب فى إجازة القول، لم يتبكّل (٢) ذو الحزم، ولم يسلم ذو الاستقامة، ولم يزد الشرّ إلا فشوّا فى دين ورأى ونصح (٣). وأما ما سألت أمير المؤمنين من رضاه عنك، وما عظّمت من موقع كتابه منك، فلم يكتب إليك كتاب ساخط، ولكن كتاب استعتاب، وليس كلّ مستعتبا- وقد أعطاك الله منه الرضا قبل أن تسأله، وأنّى سألته، ورضى عن «خالد» بما رأى من إشراكك إياه مع نفسك فى المعذرة والطّلبة، وهو يسأل الله توفيقه وتسديده، وأن يتحنن عليكم برأفته، ويؤويكم فى كنف ألفته، ويحجزكم عن معاصيه، ويجعلكم خير أعوان وإخوان ووزراء على إنفاذ عدله فى مشارق الأرض ومغاربها، إنه سميع قريب، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ١٦٣) ٨٢ - كتاب له فى السلامة «أما بعد، فإنى كتبت إلى أمير المؤمنين حين حللت محلّ الوالى من خراسان من دار الإمارة بمرو، متعرّفا من حفظ الله أمير المؤمنين فيها، أجمل ما يعرفه أحد

стр. 1210

توجّه فى أموره، وسار مسيرا فى طاعته، وقرأت عهد أمير المؤمنين على من قدمت عليه من رعيته وجنده، مؤدّيا إليهم عنه الذى جعل الله لهم عنده من كذا، وأعلمتهم أن كل محسن أحمدوا له أثرا، فبسيرته سار، وبهداه وعهده ائتمّ واهتدى، وأن من خالف بهم سبل العدل والإنصاف، وسار فيهم بالجور والاعتساف، فبالتعدّى لأمره، والخلاف لعهده، وأعلمتهم أن القيام بكل ما قرأته فى عهده، أو حكيت لهم من رأيه وأمره، رهن غلق (١)، فأثبتّ لى فيهم قدم ولاية [وتوطّد] (٢) منّى به سلطان، فاستقام سرور ذلك فيهم، ورجع بأهوائهم إلى الألفة، ونفى عن صدورهم حسكات (٣) الوحشة والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٦٨) ٨٣ - كتاب له وكتب: «بلغنى كتابك تصف (كذا)، فإن رأيت ألّا تعتمد على ما لصقت به من عذرك، وأطعت فيه الهوى من قبول عفوك، وتجعلنى أحد من يسرّ بسرورك، وتشركه فى مهمّات أمورك، فإنى أحدهم وأوسطهم عناية بما عناك، وتوسّطا لما عراك، فعلت». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٤) ٨٤ - كتاب جبل بن يزيد إلى بعض إخوانه وكتب جبل بن يزيد (٤) إلى بعض إخوانه:

стр. 1211

«تمّم الله علينا وعليك النعم، وأجزل لنا ولك محاسن صالح القسم، إن الله ﵎ أجرى بيننا وبينك لطيف مودّة، وخاصّ أخوّة، غير أن المعرفة قد تحمد بعد الخبرة، والثقة إنما تعرف بعد التجربة، وقد أحببت أن يعلم من قبلك الذى أحدث الله لك من حال دولتك، وأن يعلم: هل أبقت لنا منك النعمة سعة، أم تركت لنا منك صفحة نعرف بها عهدك، ونأمل بها وصلك، فإن أصحاب السلطان بحال بلوى فى التغيّر والانتقال، إلّا من نالته من الله ﵎ عصمة، فإن كنت على ما رجونا من الوفاء، وحسن الحفظ للمودّة والإخاء، فمثلك لم يرض لنفسه إلا بأجمل الأخلاق، وأوفقها للسّداد، وإن حجزك عن ذلك ما تأتى به الأقدار فى متصرّف الليل والنهار، نعذرك بما نعذر به أهل السلطان إذا غيّرتهم الحال، وتنكّرت شمائلهم بين الإخوان». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٤) ٨٥ - كتابه إلى بعض إخوانه وله إلى بعض إخوانه أيضا: «اعلم أنى إليك مشوق، وأن صلة الإخوان كرم، وخير الصّلات ما لم يكن لها وجه إلا الرجاء والحفظ وتجديد المودّة وتصحيح الإخاء، فإن الذى يكاتب إخوانه على حال الرغبة، يكفى القائل كتابه حيث شاء إن أحبّ مال به إلى الصحّة، وإن شاء وضعه للرغبة، والرّغبة أملكهما به، والذى يكاتب إخوانه على حال الضرورة، فقد يستقطع الصّلة عند الحدث مخافة الملامة من الناس على القطيعة الشّنعاء المشهورة لإخوانه، فإن الذى لا مودة له قد يصل ذلك فى تلك القطيعة بأهل البلاء. والكتاب على مثل حالنا وحالك اليوم شاهد على أن ذلك ليس إلا صحّة الإخاء، والشوق إلى المحادثة بالكتاب، حين لا يلومك اللائمون لمنزلة البلاء تلك اللائمة على التقصير، ولا يوضع منك الرغبة فى الإطماع. إياك أن تعتلّ بالأشغال إن كنت

стр. 1212

فى خاصّة نفسك، فإن أداء الحق وصلة الإخوان أعظم الخاصّة بك خاصة، وإنما أمرنا فى كل هذا كأمرك فى الذى تستغنى به من خاصّتك تلك التى لنا، فإن لنا ما لك، وهذه التى لنا لك، أليس ما سرّنا سرّك، وما سلبناه حظا لك، فهذه كذلك وذلك كهذى، والله يوفقنا وإياك، وأنت أبا يوسف، هكذا حال ما بيننا وبينك ما وصفت لأبى سعيد، غير أنه سألنا أمرا لم يسألناه قطّ، فله فضل السّبق علينا فى المسألة، ولنا فضل المنزلة عليك فى اللائمة، ولن أدعك والفعل، دون أن تشفعه بالعمل الذى هو صلة القول، وسلام عليك ورحمة الله، وقضى الله بالحسنى لنا ولك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٥) ٨٦ - كتابه إلى بعض إخوانه وله إلى بعض إخوانه: «أما بعد، فإن أعظم الأمور فيما بين الناس حقا أمران: منهما الإخاء فى الدين، فهو سبب وصيّة الله بين عباده بالألفة والمحبّة التى انقطعت بها قرائن القلوب من بعضهم إلى بعض، فاتّصلت بحبائلهم مرائر (١) حبلها، وتقطعت فيما بينهم عاطفات وصلها، ومنهما مجاملة جميل الأعداء، وحفظ ما يحقّ لأهل حسن البلاء، ثم الصنائع بعد ذلك فى مواقعها فضائل، بقدر ما جرت به أسبابها، ولطفت مداخلها». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٣) ٨٧ - كتاب له فى المطر قد كنت كتبت إلى أمير المؤمنين أعلمه المطرة التى أصابتنا، وما أنزل الله بها من رحمته، ثم عادت لنا بعدها من الله عائدة رحمة، بولى (٢) مطر أنزله الله بأحسن

стр. 1213

ما رأينا من المطر، وابلا جودا (١) لا يفتر غزيره، ولا يرعوى جوده، إلا إلى ديمة (٢) عن ديمة، يتراخى إليها يسيرا ريثما تعود، فأقامت علينا سماؤه مستهلة (٣) بذلك وكذلك، إلى غروب الشمس، ثم انقطع مطرها بسكون من الريح، وفتور من القرّ (٤)، وفضل من الله عظيم ينشر به رحمته، ويبسط به رزقه، فأسبغ النعمة، وأوسع البركة، وأوثق (٥) بحمد الله معارف الخصب والحمى، والله محمود على آلائه (٦)، ومشكور على بلائه، وما أنزل الله من سقياه ورحمته بعد الذى أقبلت به السّنة البرّيّة (٧) والقحط وعدم الإمطار، وشدة ما بلغ الناس من القنوط وسوء الظنون». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٣) ٨٨ - تعزية له «من كان من نعمة الله، والعلم بالله، على مثل الذى حبيت به، اقتصر برأيه وصحة فهمه على ما يعود عليه فى العاجل والآجل، وبلغنى وفاة فلان، فأعظم لله بها فى المصائب مصيبة، وأجلل بها فى الأحداث نائبة، نوّر الله له فى قبره، وعزم لك على الصبر، وبارك لنا ولك فى الذى تئول إليه العواقب». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٨) ٨٩ - تعزية له «أما بعد، فإن من صحب الدنيا لم يخل من تصرّف أحوالها، وكثرة معاريض فجائعها، فى اخترام (٨) الأنفس فى خواصّها، ومواقع البلايا بين ذلك فيما يهدّها، ويعرو

стр. 1214

من الأسى عليها، وكلّ ذلك لا سبيل إلى دفعه ولا حيلة يستعان بها عند نزوله، إلا الرضا عن الله فيما قضى، والتسليم لأمره فى كل ما أتى، والسكون إلى الأسوة التى نهج الله سبيلها، وخفّف بها مواقع المصائب على أهلها، ثم الرجاء بعد ذلك لحسن ثواب الله، الذى جعله لمن لزم أمره، وأجشم (١) نفسه مكروهها فى مواطن الصبر على المصيبة والشكر فى حال العافية». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٨ و ١٢: ٢٦٣) ٩٠ - تعزية له إلى الخليفة «فإن الله أنزل أمير المؤمنين من الإسلام وأهله منزلا عظّم فيه فضله، واختصّه منه بالذى هو أهله وأولى به، فأصبح بفضل نعمة الله عليه، ولطيف إحسانه إليه، عمادا لجميع المسلمين، عليه تجتمع أهواؤهم، وإليه تسكن أملاؤهم (٢)، وبه يصلح الله دينهم، ولا تصلح إلا به دنياهم، فما يلبسه الله من عافية، ويحدث له من كرامة، تجلّلهم مع النعمة فى وصولها، وأعباء الشكر فى وجوبها، وما ينوبه- والله ولى حفظه- من نائبة حدث برزء مصيبة، شركوه فى ألم الحدث، وتركوا شركته فى حسن الثواب. وقد كان من قضاء الله فى ابن أمير المؤمنين، ما عظمت به المصيبة، وعمّت به الرزية للمنزلة التى أنزله الله بها من دينه وقرابته من نبيه ﷺ ، مع مكانه من خليفته، وما كان فيه مع ذلك من الأمل العظيم، والرجاء الجيم، الذى به سكنت القلوب، وأمّل لجليلات الخطوب، وكان عاريّة من عوارى نعم الله، أنعم بها الله على أمير المؤمنين، فاستمتع بما أعاره فيه من قرّة العين والغبطة والسرور، إلى أن بلغ منتهى مدّة ما أعير، وقضى كل ارتجاع [أن] يرتجعها معيرها فيبتلى بها من

стр. 1215

أعيرها، وكان يجرى من تقدير الله فى ذلك على حتم من العمر، وقسم من الرزق، ومدة لها وقت وتأجيل، فلما استكمل الحتم من عمره، واستتمّ القسم من رزقه، قبضه الله إليه اختيارا لما عنده، وابتلى أمير المؤمنين ليجمع له إن شاء الله حسن ثواب حسبته، إلى ماضى ما استمتع به فيه من نعمه، محمودا فى ذلك بلاؤه، منتصحا فيه قضاؤه، مسلّما فيه لأمره الذى جرت به سنّته، واعتدلت بالأسوة فيه حال جميع خلقه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، نسأل الله الذى ابتدأه بمنّه وفضله، أن يجعله وخليفته وارث إرث نبوّته، وصفىّ الأصفياء من صفوته، وفى معدن الفضل من أهل خبرته، وأن يلحقه بالأخيار من سلفه والمنتجبين (١) الأبرار من فرطه، ويكرم فيما لديه مآبه، ويحسن فى المعاد ثوابه، ويعظم هناك فضيلته، ويقرّب إليه وسيلته، ويرفع فى أعالى درجات الصالحين درجته، إكراما بذلك لنبيّه، وتوقيرا لخليفته، وتطوّلا عليه فيه بمنّه وكرمه، وأن يعظم أجر أمير المؤمنين فى مصيبته ويحسن فيها ثوابه، ويجزل فيها عوضه، ويكرم بها فى المعاد ذكره، ويريه من معارف عاجل حسن الخلف فى الزيادة النامية فى عباده، والمواهب المتتابعة فى ولده، ما يجبر به مصيبته، ويقرّ به عينه، ويتمّ به كرامته، ويبلغ به أفضل ما ينتهى إلى رضاه، من سبوغ (٢) العطية، وتمام النعمة، وإيتاء كل حسنة، وصرف كل سيئة، ولا يريه وإيانا فى ولده مكروها أبدا، فإنه وليه وولىّ إتمام النعمة عليه، وما اختصه به وظاهر عليه من المن والإحسان والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٨) ٩١ - فصل له فى الذم «إن فلانا حمة (٣) من بقايا حمة الشيطان، جمع الله إليه أولاد الهزائم وذوى الفتك وأبناء النّقم، ثم قدّم باطلهم بين أعينهم، فلفقهم (٤) على غير أسباب، حتى إذا تضايقت

стр. 1216

بهم المذاهب، أخرجهم الله كالنّبل لم يوصل به ريشه، ولم يشدد عليه نصله، فطاش عن المرمى، وقصر عن المدى، فنزعوا أيديهم، وصاروا إلى ربّهم بالخبل (١)». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٩) ٩٢ - كتاب بشر البلوى إلى يزيد بن منصور وكتب بشر (٢) بن أبى كبار البلوىّ إلى يزيد بن منصور عامل أبى جعفر المنصور على اليمن، وقدم إلى صنعاء أوّل سنة ١٥٤ بعد الفرات بن سالم، وقد طلب منه ما كان فرضه الفرات لنفسه على أهل اليمن: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإنه قدم علىّ كتاب من الأمير- حفظه الله- مع رسوله نعمان الهمدانىّ، يأمرنى أن أبعث إليه بفرض الفرات بن سالم، وأنا أخبر الأمير- أكرمه الله- أنه كان قدم علينا قبل كتابه كتاب الله تعالى مع رسوله محمد ﷺ ، يأمرنا فيه أن نفرّق ما جمع الفرات، وأن نهدم ما بنى، وأن نوالى من عادى، وأن نعادى من والى، ونظرت فى الرسالتين، وقست بين الرسولين، لغير تحيّر عرض، ولا لشبهة بحمد الله دخلت، فرأيت أن لا أنقض ما جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ، لما قدم به النعمان- لعنه الله وغضب عليه- وعلمت أنّه من يزغ منا عن أمر الله يذقه من عذاب السّعير (٣)، فليقض الأمير- حفظه الله- فىّ ما كان قاضيا (٤)، ثم ليعجّل ذلك ولا ينظرنى (٥)، فو الله إنّ العافية لفي عقابه، وإن العقاب

стр. 1217

لفى عافيته، وإن الموت لخير من الحياة معه، إذا كان هذا الجدّ منه، والحقّ عنده والسلام». (مفتاح الأفكار ص ٢٧٢، والمواهب الفتحية ٢: ١٤١) ٩٣ - كتاب أبى جعفر إلى عامله بحضر موت وولّى المنصور رجلا من العرب حضر موت، فكتب إليه والى البريد «إنه يكثر الخروج فى طلب الصيد ببزاة (١) وكلاب قد أعدّها» فعزله، وكتب إليه: «ثكلتك أمّك (٢)، وعدمتك عشيرتك، ما هذه العدّة التى أعددتها للنّكاية فى الوحش؟ إنّا إنما استكفيناك أمور المسلمين، ولم نستكفك أمور الوحش، سلّم ما كنت تلى من عملنا إلى فلان بن فلان، والحق بأهلك ملوما مدحورا (٣)». (تاريخ الطبرى ٩: ٢٩٧) ٩٤ - فصل من كتاب أبى جعفر إلى الآفاق بالبيعة للمهدى «والمهدىّ- معشر المسلمين- فى عفافه وصلاحه وورعه وطبائعه وشيمه وحلمه ورأفته واستصلاحه واستبقائه، وعفوه ومقدرته، ورأيه ومكيدته وشوكته على عدوّه، وحسن تدبيره فى ولايته وسياسته لجنوده، ورفقه وعدله، وأدبه وفقهه، وفهمه ونجابته ويمن نقيبته (٤) وتوسعة ذات يده، واغتفاره وهديه، وحسن جزائه أهل الغناء (٥) عنه والبلاء معه، والطاعة له والسمع منه، ولينه وحزمه وعزمه، ووفائه وصدقه، هو المصطنع (٦) لولايتكم، والمتخيّر لسياستكم واجتماع ألفتكم، وتمام نعمة الله عليكم، ولم يكن الله ليعدّ لهذه الأمور إلا مصطنعا فى رأيه، كاملا فى فضله وسياسته، قويا على طاعة الله ونصر دينه والذبّ عن حقه وملّته.

стр. 1218

وقد بايع أمير المؤمنين ومن قبله من أهل بيته وجنوده ورعيته للمهدى محمد ابن أمير المؤمنين، ولعيسى بن موسى من بعد محمد المهدىّ، مستبشرين ببيعتهم، راغبين فيما صفقت (١) عليه أيمانهم من تخيّر للذى كان يذكر فى الأمير من تمام نعمة الله عليهم مؤمّلين لما فى الأحاديث المأثورة من أهل الحق قبلهم موقنين بخيرة الله لهم، فإن اسم المهدى محمد ابن أمير المؤمنين واسم أبيه، والزمان الذى كان يذكر ذلك فيه، والأمور التى تنسب إليه، والفتوح التى كانت تذكر أنها تفتح عليه فى أول أمره، ومبتدإ زمانه- وقد رأيناها وعرفناها يشهد بعضها لبعض، متصلة على حالاتها، متوالية على ما ذكر فى الأحاديث منها يصدّق الأول منها الآخر على مراتبها ومنازلها، والأحايين التى تكون فيها، لا يخرم (٢) شىء منها عن شىء متلاحقة ملتئمة إن شاء الله ولا قوة إلا بالله- واصل (٣) هذه الأطراف المنكرة والأعلام المقدّمة بأصولها الجسيمة العظيمة التى ملأت (٤) الأرض نورا وعدلا وعزا لأهل الإسلام، وظفرا وتأييدا لأهل الحق، ونصرا وفضلا ونعمة من الله عليهم، ولم يحبّ أمير المؤمنين أن يخرج عيسى بن موسى من هذا الإلّ (٥)، فعقد له من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، وجعله ولىّ عهده، ونوى أمير المؤمنين الخير فى ذلك، واحتسب الأجر من الله عليه، ورجا صلاح الرعية. فبايعوا باسم الله وعلى بركته وتوفيقه وتسديده، لمحمد ابن أمير المؤمنين بيعة رضوان من الله إن شاء الله، بصحّة من نيّاتكم، وسلامة من صدوركم، ووفاء واستقامة بخير صفقة صفقت عليها أيمانكم، وأعظمها إن شاء الله وأتمّها نعمة، وأحسنها عاقبة، وأبلغها فى طاعة الله منزلة، وأرفعها فى الخير درجة، فأبشروا بنعم مخّبآت عاجلات وآجلات يعزّ الله بها دينكم، ويتمّ بها النعمة عليكم، ويقمع بها الشيطان وجنوده وأبالسته،

стр. 1219

ويفلّ بها حدّهم، ويوهن بها قوتهم، ويصرعهم فى كل موطن، ويقتلهم فى كل مشهد، فإنكم- معشر المسلمين- قد أخذتم فى توفيق الله إياكم، وتسديده لكم، بطرف أمر فيما ألهمكم الله من بيعتكم للمهدى ابن أمير المؤمنين، سيؤدّيكم إلى النّعم التى كانت توصف، والظهور الذى كان يذكر». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٣٩) ٩٥ - كتاب بعض الهاشميين إلى المهدى وهو ولى عهد وكتب بعض الهاشميين إلى المهدى وهو ولى عهد يشكر له: «إن لباس النّعم التى ألبس الله الأمير كرامة توحّد له بها فى سابق علمه، ونافذ قضائه، فأحلّه من التناسل فى أذكى النّسل، وأطيب المحلّ، طينة عن طينة، وأبا عن أب، وخلفا عن سلف، حتى انتهى به إلى المحلّ الذى منه برز، فكان خير البريّة وابن خيرها، حقّا له غير مجحود، وسابقة له معروفة عند أهل الأدب والدين، ثم خصّنا الله فى أنفسنا: بأن جعلنا من أهل المعرفة بذلك، وفى الأمير: بأن جعل لنا فى نسبه شركة انشعبت بها إلينا شعبة فى شرفنا المذكور، وزيننا الأعظم، والله محمود. ثم كان من بلاء الأمير عندى ما كان فى الخاصّة مشهورا، وعن لسانى وشكرى وقولى منشورا، ولت أدّعى حقا لى قبل الأمير فى القرابة والحرمة والمودّة إلا وللأمير عندى الفضل والزيادة على القدر، فأما ما علىّ من واجب الحق للأمير فلا أرانى- وإن اجتهدت- بالغا كنه حقّ الأمير علىّ، غير أن المحصول منى أن دنياى التى أصلح، وآخرتى التى أطلب، إنما أستنجحها بالأمير، لأن الأمير فى الدنيا ذو قرابتى، فالعائدة (١) علىّ، وفى دينى المهدىّ المرتضى، على ذلك بيعة يدى، ورضا نفسى، قد أوضح الله

стр. 1220

للناس من بركة الأمير ويمنه وعلامات صفته، ما لم يصبح أحد يحتاج فيه إلى خبر مخبر، ولا صفة واصف، والله محمود، نسأل الله الذى بلّغ الأمير فى نفسه وعلى ألسن الناس ما بلّغ، أن يتمّمه له بأحسن ما تمّمه لأحد قطّ فى طول البقاء لأمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، وأتمّ النعمة عليه فيه». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٣) ٩٦ - كتاب أبى جعفر عند موته يوصى بالمهدى وروى الطبرىّ أنه لما مات أبو جعفر المنصور (سنة ١٥٨ هـ) خرج الربيع (١) ابن يونس، وفى يده قرطاس، فألقى أسفله على الأرض، وتناول طرفه ثم قرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من خلف بعده، من بنى هاشم، وشيعته من أهل خراسان، وعامة المسلمين» ثم ألقى القرطاس من يده وبكى وبكى الناس، فأخذ القرطاس وقال: قد أمكنكم البكاء، ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين، لابدّ من أن نقرأه عليكم، فأنصتوا، رحمكم الله، فسكت الناس ثم رجع إلى القراءة. «أما بعد: فإنى كتبت كتابى هذا، وأنا حىّ فى آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السلام، وأسأل الله ألّا يفتنكم بعدى، ولا يلبسكم (٢) شيعا، ولا يذيق بعضكم بأس بعض، يا بنى هاشم ويا أهل خراسان».

стр. 1221

ثم أخذ فى وصيتهم بالمهدىّ، وإذ كارهم البيعة له، وحضّهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده ... إلى آخر الكتاب. قال النوفلى: قال أبى: وكان هذا شيئا وضعه الربيع. ثم أخذ الربيع البيعة منهم لمحمد المهدى. (تاريخ الطبرى ٩: ٣٢٤) ٩٧ - كتاب لجبل بن يزيد تعزية وتهنئة للمهدى فإنّه من أقرّ له بالقدرة، واعترف له بالرّبوبيّة، لم ينكر مواقع أقداره، وما مضت به سنّته على إحلالها فى الأوّلين والآخرين. وإنّ الخبر أتانا بوافد أمير المؤمنين المهدىّ بأنها (١) كانت بيعة سليمة مباركة، لم يطلع أحدا من الناس فيها اعتراض ولا خلاف بقول ولا فعل، بل استفاض به الرّضا والغبطة، وظهر السرور من العامّة والخاصّة، واجتمع فى ذلك أمران: مصيبة لا تعدلها المصائب، ولا توازيها الفجائع، وعائدة (٢) من الله تعظم عن كل ما عسى واصف أن يصفه من أهلها، أو يعظّم من وجوه شكر الله فيها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إعظاما للرزيّة، وإقرارا بالقصيّة، واعترافا لله بالقدرة. والحمد لله على ما تلافى به عباده فى بلائه، من نعمته التى لمّ بها الشّعث (٣)، وجبر بها المصيبة وشدّ بها أركان الإسلام وأهله، وأعظم بالمصيبة مصيبة نزلت، وأعظم بالنعمة نعمة حدثت. وإن أحقّ من انتصح لله فى قضائه، واعترف بوجود حسن بلائه، من علم أن الفجائع أمر جرت به سنن الله بين عباده تذكيرا وتحذيرا، ومن به انقادت معرفتها، ووفعت حجح الله على العباد فيها، ولولا ذلك لم يكن لمعزّ

стр. 1222

أن يروم تعزية أمير المؤمنين، ولا لمؤس (١) تأسية، إعظاما له عن ذلك، وتوفيرا لجلال منزلته، واكتفاء به فى ذلك بنفسه، مع الذى يحقّ على جميع المسلمين من الوقوف على مساماة فضله، والترقّى فى رفيع درجته، فعظّم الله على الحادث النازل أجره، وأحسن على الخلافة عونه، ثم لا وكله الله فى شىء من الأمور إلى نفسه، وألهمه العمل بما يرضيه، ويبلغ به تأدية حقّه فيما استرعاه واستحفظه، وجعله أهله وأحقّ به، والله فاعل ذلك إن شاء الله والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٠) ٩٨ - تعزية لغسان بن عبد الحميد عن خليفة (٢) «أما بعد: فإن الله ﵎ جعل المقادير علما ثابتا عنده، وكتابا سابقا منه، فجرت عليه ومضت به الأمور فى قدرته، والعباد فى قبضته، وليس عبد من عبيده إلا وقد كان عمره فى الدنيا موظوفا قبل خلقه، وكان ما يصيبه منها مكتوبا عليه قبل أن ينزل به، ثم جعل أهل عبادته أهل حظوظ متكاملة فى السعادة، وأهل فضائل متظاهرة فى الكرامة، فاصطفى منهم أنبياءه، وانتجب (٣) منهم خلفاءه، وألزمهم على ذلك الموت الذى لابدّ منه، وجعله الحياة لهم فيما عنده، فكانت وقاة من توفّى (٤) منهم له سعادة فيما يصيّرهم إليه، وحياة من أحيا منهم له كرامة فيما يصطنعهم له، فيمضى الأول منهم سعيدا، ويبقى الباقى منهم مصطنعا، فلا تنقطع الدنيا بماضيهم إلا إلى خير منها، ولا يبقى باقيهم إلا ليزداد خيرا فيها، قد أخذوا من الله بأسباب أصلح لهم بها معادهم فى آخرتهم، وحفظ لهم بها دنياهم فى محياهم، يعرف حقّ الميت منهم بعد موته، كما كان يعرف حقّه فى حياته، ويعظّم حقّ الحىّ منهم للمنزل الذى أنزله الله به.

стр. 1223

والحمد لله الذى جعل أمير المؤمنين «فلانا» من خلفائه الذين عمّروا فى كرامته وتمكينه، ومضوا على أحسن الرجاء فيما عنده، ثم جمع له الأجر بما أدّى من حق الله فى حياته، فيما نظر به للرعيّة، من استخلاف أمير المؤمنين بعده، وجمع لأمير المؤمنين الأجر فى محبته إياه بالبرّ والمؤازرة له، وفيما احتسب به من مودّته، وقام به من الحق فيما استخلفه عليه، فوالدك يا أمير المؤمنين خير الناس فرطا (١)، وأنت أفضل الناس خلفا، لقد لقّيت والله والدك من الحياة ما يرجّى له فى الوفاة، وأعقبك من مصيبتك به، ما وطّأ لك من الخلافة بعده، وأعقب الرعية من فقده، ما عملت به فيها من المعدلة (٢)، والماضى مفقود مستخلف منه، والباقى محمود مرضىّ به، وأمر الرعية قائم معدول فيه، فعل الله كذا والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٣) ٩٩ - فصل من تعزية له «ولم يزل أهل بيت أمير المؤمنين أعظم الناس مصيبة بميّت، وأعظم الناس نعمة بحىّ، لفضل أمواتهم، ونعمة الله على أحيائهم، فإن الله جعل أمواتهم للمسلمين سلفا، وجعل أحياءهم لهم عصما، فلحوق (٣) المسلمين بسلفهم من أمواتهم نجاة لهم فى معادهم، واعتصامهم بطاعة أحيائهم صلاح لأمورهم فى دنياهم، وأحقّ الأموات أن يسلو عنه الأحياء، من له- لفضله- أن يكون اختار الله له ما عنده، فيذهب ما يوجد عليه من الحزن، لما يقع له عند الله من حسن الأمل، فإن الحسبة تجبر المصيبة، والحزن لا يردّ المرزئة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٤)

стр. 1224

١٠٠ - كتاب له فى المودة «وقد أصبحت للوسائل إليك أسباب، وللحقوق إليك دواع، منها ما يشهدك ممن خالطك وكثر لقاؤه لك، ومنها ما غاب عنك، من مؤدّ لحقك، وعارف بفضلك، مناصح لك، مدّخر لموضع ذلك إذا هومتّ (١) به إليك، وليس من كان له نصيب من مخالطتك، بأوجب حقّا ممن له فضل فى أداء حقك، ولا أحسب أحدا ممن طالت لك خلطته (٢)، يبلغ من المعرفة بحقك، وما جعل الله فيك من الفضل، ما بلغ (٣) أصحاب النصيحة وإظهار المودة والسرور بما أحدث الله لك من الزيادة، وقد أحببت- إذ كنت على ذلك لك، وأحرزت حظى من معرفة فضلك- أن أحرز حظى فى موقع ذلك لى عندك، وأن تجرى المكاتبة، وكذا .... ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٩) ١٠١ - عهد من المهدى إلى أحد ولاته «هذا ما عهد به عبد الله المهدىّ محمد أمير المؤمنين إلى فلان، حين ولّاه ثغر أرمينية والباب والأبواب (٤)، حربها وخراجها وصدقاتها وجميع أعمالها. أمره بتقوى الله فى سرائره وعلانيته، والاعتصام بالله والعمل بطاعته، والإيثار لحقّه على ما سواه، والمراقبة له والخشية منه، والحفظ لدينه وأمانته، والانتهاء إلى ما يحقّ عليه فيما وافقه وخالفه، فإن الله لا يضيع لمحسن أجرا، ولا يصلح لمفسد عملا. وأمره أن يشعر قلبه مخافة الله وهيبته، وأن يعلم أنه لا حول ولا قوة فى شىء

стр. 1225

إلا بالله والعمل بطاعته، فإن الله إذا علم بذلك بصدق نيته، وصحة من يقينه، أحسن عوله، وخار (١) له فى قضائه، وكفاه ما همّه، ولم يكله فى شىء من أموره إلى نفسه إن شاء الله. وأمره أن يتعاهد نفسه فى دينه وطاعته ونصيحته وحاله، فى الصغير والكبير من أمره، ويكثر ذكر علمه به وقدرته عليه، وألّا يأتمر أمرا حتى يستخير الله فيه، ويستعينه عليه، ويستقضيه فيه، بالذى هو أحبّ إليه، وأرضى عنده، فإن العاقبة للتّقوى، وإن أفضل الأمور أصلحها عاجلا، وخيرها عاقبة، وأعظمها أجرا، وأحسنها ذخرا، إن شاء الله. وأمره أن يعلم أن الثّغر الذى ولّاه أمره، من أعظم ثغوره عنده، وأهمّ أعماله إليه، لقربه من العدو، وإطلاله عليهم، وموقعه من المسلمين، وأنه لم يسنده إليه إلا لحاله عنده، وثقته به، ومعرفته بطاعته ونصيحته، وكفايته وضبطه ومبالغته، وحسن سيرته، وسياسته ومكيدته، ونكايته فى أهل الشرك بالله، وعن الإسلام، وأهله وأنه ليس أحد من عماله إن اتّقى واعتصم بأمره وأخذ بعهده ورأيه، بأسرع منه بكل أمر زاده الله به عنده منزلة ومزية وفضلا. وأمره أن يصلّى الصلوات لمواقيتها فى مسجد الجماعة، ولا يتشاغل عنها بغيرها، فإن الله جعلها عمود الدين، فقال ﵎: «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً». وأمره أن يفتح بابه لأهل عمله، ويقلّ الاحتجاب عنهم، ويلين كنفه (٢) لهم، وينظر فى أمورهم ومظالمهم، وينصف بعضهم من بعض، ولا يحابى شريفا لشرفه، ولا يتعدّى على وضيع لضعته، وألّا يكون لأحد من الناس، يخالف الحقّ عنده،

стр. 1226

هوادة ولا غميزة (١)، وأن يصبر نفسه على ما نابه وورد عليه من أمورهم ومظالمهم، وينظر ويجلس له، حتى يؤدّى إلى كل ذى حقّ حقّه، فإن فى ذلك صلاحهم ومعونته على ما ينوى من العدل عليهم، وتأدية حق الله عليه فيهم إن شاء الله. وأمره بحسن الولاية ورفق السياسة، وإظهار العدل والعمل بالحق، وكفّ الظلم، وإبطال الجور، وإيثار أهل الطاعة والنصيحة والفضل والورع وصدق النية، ويفضّلهم على غيرهم، ويستعين بآرائهم فيما هو مصدره حتى يكون ما يمضى وينفذ منه بحسب ما يجتمعون عليه ويرونه موافقا للعدل، ومجانبا للظلم والجور. هذا عهدى إليك، وأمرى إياك فيما وليتك، وأسندت إليك وقلّدتك، فامتثله، واعمل به ولا تجاوزه، واستعن بالله فيما غلبك، يعنك الله، والله أسأل أن يصلى على محمد عبده ورسوله، وأن يوفقك ويحسن كفايتك». (المنظوم والمنثور ١٣: ٥٠٣) ١٠٢ - كتاب المهدى إلى محمد بن سليمان وكتب المهدىّ إلى محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، وهو والى البصرة، يأمره أن يردّ آل زياد إلى نسبهم (٢).

стр. 1227

«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن أحقّ ما حمل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصّهم وعوامّهم فى أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما فى كتاب الله، والاتباع لسنة رسول الله ﷺ ، والصبر على ذلك والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم، للّذى فيه من إقامة حدود الله، ومعرفة حقوقه، واتّباع مرضاته، وإحراز جزائه وحسن ثوابه، ولما فى مخالفة ذلك والصّدود عنه وغلبة الهوى لغيره، من الضلال والخسار فى الدنيا والآخرة. وقد كان من رأى معاوية بن أبى سفيان فى استلحاقه زياد بن عبيد، عبد آل علاج من ثقيف، وادعائه ما أباه بعد معاوية عامّة المسلمين، وكثير منهم فى زمانه، لعلمهم بزياد وأبى زياد وأمّه، من أهل الرضا والفضل والفقه والورع والعلم، ولم يدع معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتباع سنّة هادية، ولا قدوة من أئمة الحق ماضية، إلّا الرغبة فى هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسّنّة، والعجب بزياد فى جلده ونفاذه، وما رجا من معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه فى سيرته وآثاره وأعماله الخبيثة، وقد قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر (١)» وقال: «من ادّعى إلى غير أبيه،

стр. 1228

أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (١)». ولعمرى ما ولد زياد فى حجر أبى سفيان، ولا على فراشه، ولا كان عبيد عبدا لأبى سفيان، ولا سميّة أمة له، ولا كانا فى ملكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب، ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نصر بن الحجّاج ابن علاظ السّلمىّ ومن كان معه من موالى بنى المغيرة المخزوميّين، وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعدّ لهم معاوية حجرا تحت بعض فرشه، فألقاه إليهم، فقالوا له: نسوّغ لك ما فعلت فى زياد، ولا تسوّغ لنا ما فعلنا فى صاحبنا! فقال: قضاء رسول الله ﷺ خير لكم من قضاء معاوية، فخالف معاوية بقضائه فى زياد واستلحاقه إياه، وما صنع فيه وأقدم عليه، أمر الله جلّ وعزّ، وقضاء رسول الله ﷺ ، واتّبع فى ذلك هواه رغبة عن الحقّ، ومجانبة له، وقد قال الله : «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» وقال لداود ﷺ وقد آتاه الحكم والنّبوّة والمال والخلافة-: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ». فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينه، وأن يعيذه من غلبة الهوى، ويوفّقه فى جميع الأمور لما يحبّ ويرضى، إنه سميع قريب، وقد رأى أمير المؤمنين أن يردّ زيادا ومن كان من ولده إلى أمّهم ونسبهم المعروف، ويلحقهم بأبيهم عبيد وأمّهم سميّة، ويتّبع فى ذلك قول رسول الله ﷺ ، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه ممن يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله

стр. 1229

عليه وسلم، وكان أمير المؤمنين أحقّ من أخذ بذلك وعمل به، لقرابته من رسول الله ﷺ واتّباعه آثاره، وإحيائه سنّته، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جل وعز: «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ». فاعلم أن ذلك من رأى أمير المؤمنين فى زياد وما كان ممن ولد زياد، فألحقهم بأبيهم زياد بن عبيد وأمّهم سمية، واحملهم عليه، وأظهره لمن قبلك من المسلمين، حتى يعرفوه ويستقيم فيهم، فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضى البصرة، وصاحب ديوانهم بذلك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». وكتب معاوية بن عبيد الله فى سنة ١٥٩ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٣٣٥) ١٠٣ - كتاب بشر البلوى إلى على بن سليمان وكتب بشر البلوىّ إلى على بن سليمان وكان واليا للمهدى على اليمن يعاتبه (١): «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فإنه مهما اختلط علىّ من عقلى، واشتبه علىّ من رأيى، وشككت فيه من أمرى، فلست أشكّ فى أن الله ﵎ إذا أراد أن يقدر (٢) علىّ رزقى، أو يبتلى بالشّدة عيالى، أطلعك على (٣) باب طمعى، ودلّك على وجه طلبى، وجعلك جليسا لأهل حاجتى، ثم ابتلانى بطلبها إليك، فإذا ذكرتها لك أسفرت (٤) وأبشرت ووعدت من نفسك وعدا حسنا، ففرّقت نفقتى لإسفارك، ووسّعت على عيالى لإبشارك، وتسلّفت (٥) من إخوانى لموعدك، فإذا أتيتك متنجّزا

стр. 1230

ذلك عبست وبسرت، ثم أدبرت واستكبرت (١) وقد تصرّمت النفقة، وانقطع الرجاء، ويئست من الطمع، كما يئس الكفّار من أصحاب القبور (٢). وأعظم من ذلك عندى كربا، وأشده جهدا (٣) أن غيرك يعرض علىّ الحاجة التى طلبتها إليك، فأكره أن تكون إلّا بسببك، وأن تجرى إلّا على يدك، ولعمرى ما كان ذلك إلا لسابق العلم فى شقوتى (٤) بك. فأسأل الله الذى جعل جاهتك (٥) من بلائى، وحسن منزلنك من مصابى. وطول حياتك فتنة لعيالى، أن ينقلك إلى جنّته (٦) قبل أن يرتدّ إليك طرفك (٧) والسلام». (مفتاح الأفكار ص ٢٧٧، والمنظوم والمنثور ١٣: ٤١٦) ١٠٤ - كتاب عيسى بن موسى بنزوله عن ولاية العهد لموسى الهادى وفاوض المهدىّ عيسى بن موسى فى أن ينزل عن ولاية العهد لابنه موسى الهادى، وألحّ عليه فى ذلك فأبى، ثم أجابه إلى سؤله، على مال عوّضه المهدىّ إياه من حقّه: عشرة آلاف ألف درهم وضياع بالزّاب الأعلى (٨) وكسكر (٩)، وكتب
следующие страницы →