هوادة ولا غميزة (١)، وأن يصبر نفسه على ما نابه وورد عليه من أمورهم ومظالمهم، وينظر ويجلس له، حتى يؤدّى إلى كل ذى حقّ حقّه، فإن فى ذلك صلاحهم ومعونته على ما ينوى من العدل عليهم، وتأدية حق الله عليه فيهم إن شاء الله.
وأمره بحسن الولاية ورفق السياسة، وإظهار العدل والعمل بالحق، وكفّ الظلم، وإبطال الجور، وإيثار أهل الطاعة والنصيحة والفضل والورع وصدق النية، ويفضّلهم على غيرهم، ويستعين بآرائهم فيما هو مصدره حتى يكون ما يمضى وينفذ منه بحسب ما يجتمعون عليه ويرونه موافقا للعدل، ومجانبا للظلم والجور.
هذا عهدى إليك، وأمرى إياك فيما وليتك، وأسندت إليك وقلّدتك، فامتثله، واعمل به ولا تجاوزه، واستعن بالله فيما غلبك، يعنك الله، والله أسأل أن يصلى على محمد عبده ورسوله، وأن يوفقك ويحسن كفايتك».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٥٠٣)
١٠٢ - كتاب المهدى إلى محمد بن سليمان
وكتب المهدىّ إلى محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، وهو والى البصرة، يأمره أن يردّ آل زياد إلى نسبهم (٢).
стр. 1227
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإن أحقّ ما حمل عليه ولاة المسلمين أنفسهم وخواصّهم وعوامّهم فى أمورهم وأحكامهم، العمل بينهم بما فى كتاب الله، والاتباع لسنة رسول الله ﷺ ، والصبر على ذلك والمواظبة عليه، والرضا به فيما وافقهم وخالفهم، للّذى فيه من إقامة حدود الله، ومعرفة حقوقه، واتّباع مرضاته، وإحراز جزائه وحسن ثوابه، ولما فى مخالفة ذلك والصّدود عنه وغلبة الهوى لغيره، من الضلال والخسار فى الدنيا والآخرة.
وقد كان من رأى معاوية بن أبى سفيان فى استلحاقه زياد بن عبيد، عبد آل علاج من ثقيف، وادعائه ما أباه بعد معاوية عامّة المسلمين، وكثير منهم فى زمانه، لعلمهم بزياد وأبى زياد وأمّه، من أهل الرضا والفضل والفقه والورع والعلم، ولم يدع معاوية إلى ذلك ورع ولا هدى، ولا اتباع سنّة هادية، ولا قدوة من أئمة الحق ماضية، إلّا الرغبة فى هلاك دينه وآخرته، والتصميم على مخالفة الكتاب والسّنّة، والعجب بزياد فى جلده ونفاذه، وما رجا من معونته وموازرته إياه على باطل ما كان يركن إليه فى سيرته وآثاره وأعماله الخبيثة، وقد قال رسول الله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر (١)» وقال: «من ادّعى إلى غير أبيه،
стр. 1228
أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (١)».
ولعمرى ما ولد زياد فى حجر أبى سفيان، ولا على فراشه، ولا كان عبيد عبدا لأبى سفيان، ولا سميّة أمة له، ولا كانا فى ملكه، ولا صارا إليه لسبب من الأسباب، ولقد قال معاوية فيما يعلمه أهل الحفظ للأحاديث عند كلام نصر بن الحجّاج ابن علاظ السّلمىّ ومن كان معه من موالى بنى المغيرة المخزوميّين، وإرادتهم استلحاقه وإثبات دعوته، وقد أعدّ لهم معاوية حجرا تحت بعض فرشه، فألقاه إليهم، فقالوا له:
نسوّغ لك ما فعلت فى زياد، ولا تسوّغ لنا ما فعلنا فى صاحبنا! فقال: قضاء رسول الله ﷺ خير لكم من قضاء معاوية، فخالف معاوية بقضائه فى زياد واستلحاقه إياه، وما صنع فيه وأقدم عليه، أمر الله جلّ وعزّ، وقضاء رسول الله ﷺ ، واتّبع فى ذلك هواه رغبة عن الحقّ، ومجانبة له، وقد قال الله :
«وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» وقال لداود ﷺ وقد آتاه الحكم والنّبوّة والمال والخلافة-:
«يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ».
فأمير المؤمنين يسأل الله أن يعصم له نفسه ودينه، وأن يعيذه من غلبة الهوى، ويوفّقه فى جميع الأمور لما يحبّ ويرضى، إنه سميع قريب، وقد رأى أمير المؤمنين أن يردّ زيادا ومن كان من ولده إلى أمّهم ونسبهم المعروف، ويلحقهم بأبيهم عبيد وأمّهم سميّة، ويتّبع فى ذلك قول رسول الله ﷺ ، وما أجمع عليه الصالحون وأئمة الهدى، ولا يجيز لمعاوية ما أقدم عليه ممن يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله
стр. 1229
عليه وسلم، وكان أمير المؤمنين أحقّ من أخذ بذلك وعمل به، لقرابته من رسول الله ﷺ واتّباعه آثاره، وإحيائه سنّته، وإبطاله سنن غيره الزائغة الجائرة عن الحق والهدى، وقد قال الله جل وعز: «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ».
فاعلم أن ذلك من رأى أمير المؤمنين فى زياد وما كان ممن ولد زياد، فألحقهم بأبيهم زياد بن عبيد وأمّهم سمية، واحملهم عليه، وأظهره لمن قبلك من المسلمين، حتى يعرفوه ويستقيم فيهم، فإن أمير المؤمنين قد كتب إلى قاضى البصرة، وصاحب ديوانهم بذلك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
وكتب معاوية بن عبيد الله فى سنة ١٥٩ هـ. (تاريخ الطبرى ٩: ٣٣٥)
١٠٣ - كتاب بشر البلوى إلى على بن سليمان
وكتب بشر البلوىّ إلى على بن سليمان وكان واليا للمهدى على اليمن يعاتبه (١):
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فإنه مهما اختلط علىّ من عقلى، واشتبه علىّ من رأيى، وشككت فيه من أمرى، فلست أشكّ فى أن الله ﵎ إذا أراد أن يقدر (٢) علىّ رزقى، أو يبتلى بالشّدة عيالى، أطلعك على (٣) باب طمعى، ودلّك على وجه طلبى، وجعلك جليسا لأهل حاجتى، ثم ابتلانى بطلبها إليك، فإذا ذكرتها لك أسفرت (٤) وأبشرت ووعدت من نفسك وعدا حسنا، ففرّقت نفقتى لإسفارك، ووسّعت على عيالى لإبشارك، وتسلّفت (٥) من إخوانى لموعدك، فإذا أتيتك متنجّزا
стр. 1230
ذلك عبست وبسرت، ثم أدبرت واستكبرت (١) وقد تصرّمت النفقة، وانقطع الرجاء، ويئست من الطمع، كما يئس الكفّار من أصحاب القبور (٢).
وأعظم من ذلك عندى كربا، وأشده جهدا (٣) أن غيرك يعرض علىّ الحاجة التى طلبتها إليك، فأكره أن تكون إلّا بسببك، وأن تجرى إلّا على يدك، ولعمرى ما كان ذلك إلا لسابق العلم فى شقوتى (٤) بك. فأسأل الله الذى جعل جاهتك (٥) من بلائى، وحسن منزلنك من مصابى. وطول حياتك فتنة لعيالى، أن ينقلك إلى جنّته (٦) قبل أن يرتدّ إليك طرفك (٧) والسلام».
(مفتاح الأفكار ص ٢٧٧، والمنظوم والمنثور ١٣: ٤١٦)
١٠٤ - كتاب عيسى بن موسى بنزوله عن ولاية العهد لموسى الهادى
وفاوض المهدىّ عيسى بن موسى فى أن ينزل عن ولاية العهد لابنه موسى الهادى، وألحّ عليه فى ذلك فأبى، ثم أجابه إلى سؤله، على مال عوّضه المهدىّ إياه من حقّه: عشرة آلاف ألف درهم وضياع بالزّاب الأعلى (٨) وكسكر (٩)، وكتب
стр. 1231
عليه بذلك كتابا أشهد عليه فيه جماعة أهل بيته وصحابته وجميع شيعته وكتّابه وجنده فى الدواوين، ليكون حجة على عيسى وقطعا لقوله ودعواه فيما خرج منه، وكان ذلك سنة ١٦٠ هـ.
وهذه نسخة الشرط الذى كتبه عيسى على نفسه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب لعبد الله المهدى محمد أمير المؤمنين، ولولىّ عهد المسلمين موسى بن المهدىّ ولأهل بيته وجميع قوّاده وجنوده من أهل خراسان، وعامّة المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، وحيث كان كائن منهم، كتبته للمهدىّ محمد أمير المؤمنين، وولىّ عهد المسلمين موسى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على، فيما جعل إليه من العهد، إذ كان إلىّ، حتى اجتمعت كلمة المسلمين واتّسق أمرهم، وأتلفت أهواؤهم على الرضا بولاية موسى بن المهدىّ محمد أمير المؤمنين وعرفت الحظّ فى ذلك علىّ، والحظّ فيه لى، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون من الرضا بموسى ابن أمير المؤمنين، والبيعة له، والخروج مما كان لى فى رقابهم من البيعة، وجعلتكم فى حلّ من ذلك، وسعة من غير حرج يدخل عليكم، أو على أحد من جماعتكم وعامّة المسلمين، وليس فى شىء من ذلك قديم ولا حديث لى دعوى ولا طلبة (١) ولا حجة ولا مقالة ولا طاعة على أحد منكم ولا على عامة المسلمين ولا بيعة، فى حياة المهدى محمد أمير المؤمنين، ولا بعده، ولا بعد ولىّ عهد المسلمين موسى، ولا ما كنت حيّا حتى أموت، وقد بايعت لمحمد المهدى أمير المؤمنين، ولموسى ابن أمير المؤمنين من بعده، وجعلت لهما ولعامّة المسلمين من أهل خراسان وغيرهم الوفاء بما شرطت على نفسى فى هذا الأمر الذى خرجت منه، والتمام (٢) عليه، علىّ بذلك عهد الله وما اعتقد أحد من خلقه من عهد أو ميثاق أو تغليظ أو تأكيد،
стр. 1232
على السّمع والطاعة والنصيحة للمهدى محمد أمير المؤمنين، وولىّ عهده موسى ابن أمير المؤمنين، فى السرّ والعلانية، والقول والفعل والنية، والشّدة والرخاء، والسّرّاء والضّرّاء، والموالاة لهما ولمن والاهما، والمعاداة لمن عاداهما، كائنا من كان فى هذا الأمر الذى خرجت منه، فإن أنا نكبت (١) أو غيّرت أو بدّلت أو دغلت (٢) أو نوبت غير ما أعطيت عليه هذه الأيمان، أو دعوت إلى خلاف شىء مما حملت على نفسى فى هذا الكتاب، للمهدى محمد أمير المؤمنين، ولولىّ عهده موسى ابن أمير المؤمنين ولعامّه المسلمين، أولم أف بذلك، فكلّ زوجة عندى يوم كتبت هذا الكتاب أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا ألبتّة (٣) طلاق الحرج (٤)، وكل مملوك عندى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وكل مال لى نقد أو عرض (٥) أو قرض أو أرض، أو قليل أو كثير، تالد أو طارف (٦)، أو أستفيده فيما بعد اليوم إلى ثلاثين سنة، صدقة على المساكبن يضع ذلك الوالى حيث يرى، وعلىّ من مدينة السلام (٧) المشى حافيا إلى بيت الله العتيق الذى بمكة،
стр. 1233
نذرا واجبا ثلاثين سنة لا كفّارة لى ولا مخرج منه إلا الوفاء به، والله على الوفاء بذلك راع كفيل شهيد، وكفى بالله شهيدا».
وشهد على عيسى بن موسى بإقراره بما فى هذا الشرط أربعمائة وثلاثون من بنى هاشم، ومن الموالى والصحابة من قريش والوزراء والكتب والقضاة.
وكتب فى صفر سنة ١٦٠ هـ، وختم عيسى بن موسى.
(تاريخ الطبرى ٩: ٣٣٣)
١٠٥ - كتاب المهدى إلى روح بن حاتم
وفى سنة ١٦٧ هـ توفّى عيسى بن موسى بالكوفة، ووالى الكوفة يومئذ روح ابن حاتم، فحضر جنازته، فقيل له: تقدّم فأنت الأمير، فقال: ما كان الله ليرى روحا يصلى على عيسى بن موسى، فليتقدّم أكبر ولده، فأبوا عليه، وأبى عليهم، فتقدم العباس بن عيسى فصلّى على أبيه.
وبلغ ذلك المهدىّ فغضب على روح وكتب إليه:
«قد بلغنى ما كان من نكوصك (١) عن الصلاة على عيسى، أبنفسك، أم بأبيك، أم بجدّك، كنت تصلّى عليه؟ أو ليس إنما ذلك مقامى لو حضرت؟ فإذ غبت كنت أنت أولى به، لموضعك من السلطان».
فأمر بمحاسبته، وكان يلى الخراج مع الصلاة والأحداث.
(تاريخ الطبرى ١٠: ٩
стр. 1234
١٠٦ - كتاب أبى عبيد الله إلى المهدى
وكتب إلى المهدىّ وزيره أبو عبيد الله (١) وقد عزله عن ديوان الرسائل سنة (١٦٧) هـ، وولّاه الربيع:
«لم ينكر أمير المؤمنين حالى فى قرب المؤانسة، وخصوص الخلطة (٢)، من حالى عنده قبل ذلك فى قيامى بواجب خدمته التى أدنتنى من نعمته، ووطّدت (٣) لقدمى من كرامته، فلم أبدّل- أعزّ الله أمير المؤمنين- حال التبعيد؟ وأفرّب فى محل الإقصاء، وما يعلم الله منى فيما قلت إلّا ما علمه أمير المؤمنين، فإن رأى- أكرمه الله- أن يعارض قولى بعلمه بدءا وعاقبة، فعل إن شاء الله».
*** فلما قرأ كتابه شهد بتصديقه قلبه، فقال: ظلمنا أبا عبيد الله فليردّ إلى حاله، ويعلم ما تجدّد له من حسن رأيى فيه. (زهر الآداب ١: ٣٤٣)
١٠٧ - تحميد لأبى عبيد الله
«الحمد لله الذى شرع- لإظهار حقّه، وإنفاذ سابق قضائه فيمن ذرأ وبرأ (٤) من عباده. بإدخال من أراد أن يدخل فى رحمته، وإنجاز ما حقّ له من العبادة على
стр. 1235
خلقه، بابتدائه خلقهم، ومظاهرته الآلاء (١) عليهم، وإحسانه البلاء عندهم، وإبلاغه فى الحجج إلى عامّتهم- دينا رضيه لنفسه وملائكته الذين أسكن سمواته ورسله فأتمّه على وجه لم يرض إلّا به (٢)، ولم يقبل إلا إياه، ثم كان ما أعزّ به نفسه، وأظهر به نوره، وأراد أن يبلو (٣) به عباده، تحقيقا لما سبق به علمه، وإنفاذا لما جرت به مقاديره، أن بعث لما شرع من دينه، واصطفى لتسبيحه وتقديسه من ملائكته المقرّبين، من ارتضى واختار من أنبيائه ورسله المجتبين (٤) لتبليغ رسالته وإظهار حقه، واستشلاء (٥) من أراد سعادته من خلقه بالرحمة التى اطّلعت عليهم وعمّتهم، ليعبد مخلصا له، محمودا بما استحمد به إلى خلقه، مشهودا له بما أشهد به من كلمة الحق، فكان منهم التبليغ لما أرسلوا به، والنصيحة لمن أرسلوا إليه، غير مختلفين فيما بعثوا له، ولا متفرّقين فيما استعملوا فيه، يدعوهم آخر إلى ما دعاهم إليه أول، فيصدّق بذلك بعضهم بعضا، ويهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فمضت رسل الله وأنبياؤه على ذلك، سالكين منهاج الحق وسبيله، والدّعاء إلى الله وإلى طاعته، هادين مهديّين، غير مبخوسين شيئا مما كانوا أهله فى المنزلة عند الله، والقربة منه، والوسيلة إليه، هم ومن آمن بهم وعزّرهم (٦) واتّبع النور الذى أنزل معهم، حتى تقضّت بهم الأعمار، وتقطّعت بهم الآثار، وتخرّمتهم (٧) الآجال».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٧)
стр. 1236
١٠٨ - تحميد لأبى عبيد الله
«الحمد لله الذى جعل الإسلام رحمة قدّمها لعباده قبل خلقه إياهم، واستيجابهم إياها منه، فاصطفاه لنفسه وشرعه لهم دينا يدينون به، ثم جعل تجديد وحيه ومتابعة رسله رحمة تلافاهم بها بعد تقديمها، ومنّة ظاهرها عليهم قبل استيجابهم لها، تطوّلا على العباد بالنّعماء، وإعذارا إليهم بالحجج، وتقدمة بالوعد، وإنذارا إليهم عواقب سخطه فى المعاد.
والحمد لله الذى ابتعث محمدا ﷺ بهداه وشرائع حقه على فترة من الرسل، وطموس من معالم الحق، ودروس (١) من سبل الهدى، عند الوقت الذى بلغ فى سابق علمه ومقاديره أن يجتبى لدينه الأصفياء، ويختار له الأولياء، الظاهرين بحقه، القاهرين لمن ابتغى سبيلا غير سبيله، فعظّم حرمته، ووسّع حوزته، وصدع (٢) بأمره، وجاهد عن حقه فى حومات الضلالة وظلمات الكفر، بالحق المبين، والسّراج المنير، ثم جعله مصدّقا لمن سبقه من الرسل، ومجدّدا لما بعثوا له وهدى ورحمة، ثم جعل لدينه وظائف وظّفها على أهله، وشرائع شرعها لهم، لا يكمل دينهم إلا بها، وجعل أداءها إليه، واعتصامهم بها، إماما لدينه، ونظاما لنوره، وقواما لحقه، واستيجابا لما وعد عليه من ثوابه، وأمنا لما أوعد من خالفه من عقابه، فليس يسع أهل الإيمان بالله الذين أكرمهم به، وأجزل لهم فضله وأجره، وجعل لهم عزّه وعلوّه، واختار لهم الغلبة والعاقبة على من فارقهم فيه، إلا معرفتها وأداؤها بما يستكمل به حدودها وممّا لها من كذا وكذا». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٨)
стр. 1237
١٠٩ - تحميد لأبى عبيد الله
«أما بعد، فالحمد لله ذى الآلاء والقدرة، والطّول والعزّة، الذى اصطفى الإسلام دينا لنفسه وملائكته وأنبيائه ومن كرم عليه من خلقه، فبعث به محمدا ﷺ اختصاصا له فى ذلك بكراماته، واصطفاء له به على عباده، فأعزّه ومنعه، وكفاه وحاطه، وتوكّل لأهله بالعلم والتمكين، والظهور والتأييد، فلم يلحد فيه ملحد، ولم يزغ عن قبول حقه زائغ، بعد إعذار الله إليه، وإعادة الحجّة لله عليه، إلا أنزل به من الذّل والصّغار، والاجتياح والاستئصال، ما يجعل له فيه قمعا (١)، حمدا كثيرا دائما مرضيا له، مؤمّنا من غيره (٢)، موجبا لأفضل مزيد ثوابه».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٤)
١١٠ - تحميد لأبى عبيد الله
«والحمد لله الذى أكرم أمير المؤمنين بما أصار إليه من الخلافة، وإرث النبوّة وجعله القائم بأمر عباده وبلاده، والمحيى لسننه، والذابّ عن دينه وحقه، والمناصب لأهل الشّرك والجحود به، ثم نصره وأظهر فضل أيامه ودولته، ومكّن له فى بلاد عدوّه، وجعل كلمته العليا، وأنصاره الغالبين، ومن ناوأه (٣) من أهل الخلاف الأذلّين المقهورين، وعرّفه من نعمته فى ذلك ومنّته وجميل صنعه وعاداته، أحسن ما عوّد أحدا من أوليائه الذابّين عن الإسلام وأهله، حمدا متتابعا لا انقطاع له ولا انصرام دون بلوغ حقه، وقد كان كذا وكذا».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٩)
стр. 1238
١١١ - تحميد لأبى عبيد الله فى آخر كتاب
«فالحمد لله على ما يحدث لأمير المؤمنين فى دولته وسلطانه، ولعامّة المسلمين من صنعه وكراماته، فى جسيم الأمور ولطيفها، وخاصّها وعامّها، بما يجعله للنعمة تماما، وعلى ما يحلّ بعدوّه من بأسه وقوارعه (١)، ويوقع بهم من جوائحه واستئصاله، ما يكون لموعوده إنجازا، حمدا يبلغ رضاه، ويستوجب به مزيده».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٩٥)
١١٢ - كتاب إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى إلى المهدى
«وكتب إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمىّ إلى المهدى يعزّيه على ابنته (٢):
«أما بعد: فإن أحقّ من عرف حقّ الله عليه فيما أخذ منه، من عظّم حقّ الله عليه فيما أبقى له. واعلم يا أمير المؤمنين أنّ الماضى قبلك هو الباقى لك، وأن الباقى بعدك هو المأجور فيك، وأنّ أجر الصابرين فيما يصابون به، أعظم من النّعمة عليهم فيما يعافون منه».
(البيان والتبيين ٢: ٣٦ والعقد الفريد ٢: ٣٥ واختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٦)
١١٣ - جواب تعزية لشبيب بن شيبة (٣)
«قد نالتنى عظتك بما عزّيت به (٤)، فجزاك الله أفضل الجزاء، فمثلك أهدى النّصح، وتوكّل بالتذكر، وقضى واجب الحق عليه فى الإرشاد».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٣)
стр. 1239
١١٤ - كتاب فى البيعة لمحمد بن حجر (١)
«أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمنّ الله ونعمته عليه وحسن بدئه وبلائه (٢) عنده، لم يزل مذ حمّله رعاية هذه الأمة، وقلّده حريمهم (٣)، يفعل كذا.
وقد كان من حادث نعمة الله على هذه الأمة فى حينه هذا وزمانه، أن أخرج لهم من ذرّية أمير المؤمنين ذريّة مباركة طيّبة، حذاهم على مثاله، وحلّاهم بحليته، وجعل فيهم ولىّ عهده، فلمّ بهم أمورهم، وسدّ بهم ثغورهم، ثم أحدث نعمه عليهم ما ألّف بين قلوبهم، وأفشى ذكره فى خاصّتهم وعامتهم، وسمت نحوه أبصارهم، من البيعة لهرون ابن أمير المؤمنين، وما أمّلوا فى ذلك ورجوا. من ألفتهم فى دينهم، والبلوغ لأفضل أملهم، ولم يكن الله ليختار للقيام بأمر هذه الأمة، والذّبّ عن دينها إلا من بيت نبيّه ﷺ وخيرته وصفوته مضطلعا (٤) فى رأيه، كاملا فى فضله، سائسا قويّا على طاعته، ولو أن الرعية عدلت بأبصارها عنه، أو قصدت بأهوائها دونه لمحقها الله، [إذ أفاض عليها ببركته ويمنه، من الخير والصلاح (٥)] ما أصبحت تتقلّب فيه من نعمته، وتتسربله من كرامته، كما قد عرّفهم وأراهم من حسن ثوابه على صدق نياتهم فيه، وعظيم رجائهم له، وقد أتتنا بيعة هرون على حين ظمأ إليها، وتطلّع نحوها، فتبادرتها أكفّنا، وأسرع إليها شاهدنا وغائبنا، وبايعنا بيعة رضوان من الله، بصحّة من نيّاتنا، وسلامة من صدورنا، مستبشرين ببيعتنا، راغبين فيما صفقت (٦) عليه أيماننا، عارفين بأنها مفتح نعمة، ومقدّمة فضيلة، ودرجة
стр. 1240
فى الخير رفيعة، مقدّمين للسرور بها نصح الجيوب (١)، باذلين للرجاء فيها ثمار القلوب، فنسأل الله أن يفعل الذى ...... (٢)».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٤٠)
١١٥ - رسالة ابن سيابة إلى يحيى بن خالد البرمكى
وكتب ابن سيابة (٣) إلى يحيى (٤) بن خالد بن برمك:
«للأصيد (٥) الجواد، الوارى الزّناد، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، الأشمّ (٦) الباذل، اللّباب الحلاحل (٧)، من المستكين المستجير، البائس الضرير،
стр. 1241
فإنى أحمد الله ذا العزة القدير، إليك وإلى الصغير والكبير، بالرحمة العامّة، والبركة التامة.
أما بعد، فاغنم واسلم، واعلم- إن كنت تعلم- أنه من يرحم يرحم، ومن يحرم يحرم، ومن يحسن يغنم، ومن يصنع المعروف لا يعدم (١)، وقد سبق إلىّ تغضّبك علىّ، واطّراحك لى، وغفلتك عنى، بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أنتبه ولا أرقد، فلست بحىّ صحيح، ولا بميت مستريح، فررت بعد الله منك إليك، وتحمّلت بك عليك، ولذلك قلت:
أسرعت بى حثّا إليك خطائى ... فأناخت بمذهب ذى رجاء (٢)
راغب راهب إليك يرجّى ... منك عفوا عنه وفضل عطاء
ولعمرى ما من أصرّ ومن تا ... ب مقرّا من ذنبه بسواء
فإن رأيت- أراك الله ما تحبّ، وأبقاك فى خير- أن لا تزهد فيما ترى من تضرّعى وتخشّعى، وتذلّلى وتضعّفى، فإن ذلك ليس منى بنحيزة (٣) ولا طبيعة، ولا على وجه تصنّع ولا تخدّع، ولكنه تذلّل، وتخشّع، وتضرّع، من غير ضارع (٤) ولا مهين ولا خاشع لمن لا يستحق ذلك، إلّا لمن التضرّع له عزّ ورفعة وشرف».
(البيان والتبيين ٣: ١١٠)
١١٦ - بين ابن سيابة وصديق له
وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له يساويه فى الأدب، ويرتفع عليه فى الحال، وكان كثير المال، كثير الصامت، يستسلف منه بعض ما يرتفق به إلى أن يأتيه بعض ما يؤمّل، فكتب إليه صديقه هذا يعتذر ويقول: «إن المال مكذوب له وعليه،
стр. 1242
والناس يضيفون إلى الناس فى هذا الباب ما ليس عندهم، وأنا اليوم مضيق (١)، وليست الحال كما نحبّ، وأحقّ من عذر الصديق العاقل» فلما ورد كتابه على ابن سيابة كتب إليه: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت ملوما فجعلك الله معذورا».
(البخلاء ص ١٧٩، والأغانى ١١: ٦)
١١٧ - كتاب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد
وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من عمل:
«شكرى لك على ما أسألك الخروج منه، شكر من نال الدخول فيه، فأمّا عذرى فى تطويل الكتاب إليك فلم يذهب، على أن وجوه الحوائج قد يكثر الكلام فيها، وتشتد قراءتها، وإن من الحق على الراغب الاكتفاء ببعض ما بلغ، وإن نفسى جاشت بعظيم حاجتها».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨١، وكتاب الصناعتين ص ٣٢٧)
١١٨ - كتاب آخر
وكتب جعفر إليه أيضا:
«إنما حمّلت فلانا حاجتى، لأنه ضعف عن حمل أياديك شكرى، فجعلته شاهدا على فضلك عندى، وقيّما بشكرى لك وحدى».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٤)
١١٩ - كتاب آخر
وكتب جعفر إلى رجل لم يكاتبه:
«لست بما صرفت إلىّ من معروفك، بأسرّ منى بما أهديت إلىّ من قضاء الحق
стр. 1243
عنك، وقلة ذوى الحرمة بك لأنك قد تصل من لا يثق ولا يأنس إلا بمن يعتمد عليه»
(المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٧)
١٢٠ - كتاب يوسف بن القاسم إلى يحيى بن خالد
وزوّج يوسف بن القاسم ابنه أحمد بابنة الحسن بن سليمان- ويعرف بالشّيعى- وكان من كتّاب البرامكة، فكتب إلى يحيى بن خالد:
«عرضت حاجة فكرهت أن أعدل بها عن الوزير، فأبخسه (١) - مع معرفتى بمحبته لربّ (٢) نعمته، والزيادة فى صنيعته- حظّا، ولزمنى حقّ لا يمكن دفعه ولا تأخيره، وهو نقد مهر عن «أحمد» إلى ابنه الحسن بن سليمان، فإن رأى الوزير أن يوقّع مع ما استحققته من أرزاقى بشهرين، سلفا لشهرين، فعل، فإنى أرجو أن أبلغ بذلك لعبده «أحمد» محبّته، وأنال بغيته إن شاء الله».
١٢١ - رد يحيى عليه
فوقّع يحيى إليه:
«هذه فضيلة فى أوليائنا، وحقوق فى ضيافتنا، فنحن بالقيام منها دونك حريّون، وبحظّ نقلها عن مالك جديرون، وقد أمرت لأحمد بما سألت من المال، بمسألتك فيه، وزيادة الضعف، استظهارا منى له ومؤكدا، وأمرت باستحقاقك لشهرين من مال السلطان- أعزه الله- ومثله صلة من مالى، وأنفذت إليك بذلك كلّه رقاعا بخطّى إلى من تقبض ذلك منه، فأما السّلف من مال السلطان فلا سبيل إليه، ولا أعرف «جعفرا» بتارك «أحمد» إليك ولا إلينا، كما لم يترك «الفضل» «قاسما (٣)» إن شاء الله»:
стр. 1244
وفى أسفل الرقعة من شعر يحيى:
عندى لمثلك إحسان وتكرمة ... فثق بذلك منى وابسط الأملا
اعمل على ثقة، إنى أنا رجل ... لا أمنع المرء موجودا إذا سألا
وإن عندى لك الحسنى ونافلة (١) ... بنصح غيبك إذ لم تبغ بى بدلا
١٢٢ - رد يوسف بن القاسم عليه
فكتب إليه يوسف بن القاسم:
فهمت ما قلت فى برّى ومنزلتى ... ونصح غيبى وبسطى نحوك الأملا
ولم أزل منك من أمرى على ثقة ... لا أبتغى بك ممن قد ترى بدلا
بصدق وعدك إذ أسلفت عارفة (٢) ... وحسن عفوك عمن زاغ أو جهلا
فبى وبابنى وسم (٣) فى محبتكم ... كما تعرّفت من نيرانها الإبلا
فقد بسطتم لنا جاها بجاهكم ... وقد كفيتم ببذل العرف من بخلا
لولاكم كان جود الناس مشتبها ... لكن برعتم فأضحى جودكم مثلا
(كتاب الأوراق للصولى ١: ١٥٦)
١٢٣ - كتاب يوسف بن القاسم إلى محمد بن زياد الحارثى
وكتب يوسف بن القاسم إلى محمد بن زياد الحارثى:
«حفظك الله وحاطك، رأيتك- أكرمك الله- فى خرجتك هذه رغبت عن مواصلتنا بكتبك، وإبلاغنا خبرك، وقطعتنا قطع ذى السّلوة، أو أخى الملّة (٤)، حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقا، وإلى البعد منا توّاقا، فوقع بعدك بحيث
стр. 1245
تحبّ من جهتين: إحداهما حلاوة الولاية، والأخرى لذّة الراحة منا، فإن يكن ذلك كما رجّيناه، قاطعناك مجملين، أو لبسناك (١) على يقين، وإن لم يكن إدلالا بهدية أعددتها لنا من ناحية عملك، فليس قدر الهدايا وإن كثرت، ولا الفوائد وإن جلّت، احتمال لوم الإخوان إذا كانت الهدايا تراد لهم، والفوائد إنما تنال بهم، والمباهاة بأعراض الدنيا تراد لخلطتهم (٢)، وما أدرى ما أقول فى اختيارك ترك الكتب المحدّثة عن العتب بالأسرار المفهومة، حتى كأنها محادثة الحضور، على تنائى الدّور، والقلوب بها مشاهدة، وإن كانت الأبدان متباعدة، ولئن كذب فيك الرجاء، لقديما عزّ الوفاء، وقد أصبتك من مرارة العتاب بما لا تقيم بعده على قطيعة ولا جفاء، ولا تتوهّمنّ أنى أدرت إعناتك (٣) بإعتابى، ولا أزرى (٤) عليك بكتابى، فإن وصلت فمشكور، وإن قطعت فمعذور، والسلام».
(كتاب الأوراق للصولى ١: ١٥٢)
١٢٤ - بين يوسف بن القاسم ومحمد بن زياد
واقتضى محمد بن زياد الحارثى يوسف بن القاسم حوائج له، سأله عرضه لها على الرشيد، فقال له: إنى أنتظر بها وقتا أرجو لك فيه رجوعها بمسرّتك دون مساءتك، ثم كتب محمد بن زياد إليه فى ذلك، وكان صديقا له مدلّا عليه، فكان فى كتابه:
«ولولا أنك وسمت حاجتى بالتأخير، لجرت مجرى غيرها، إمّا بنجاح، وإما بسراح».
***
стр. 1246
فوقّع يوسف بن القاسم فى كتابه:
«صدقت وتعدّيت، فأمّا صدقك ففى تأخيرى، وأما تعدّيك ففى عذلى عليه، وإنما طلبت وقتا أصادف منه فيه طيب نفس، وطلاقة وجه، فيمكننى القول- قبل عرض الحاجة- فى تقريظك، بما لعلّه أن يميل إليك قلبه، وظننت أنى أخّرتها توانيا فتعديت».
وكتب بعدها:
إنى إذا ما صاحبى تعدّى ... فى اللوم والعذل علىّ حدّا
لم أوله بالعذل عذلا قصدا ... ولم أبقّ فى احتمال جهدا
فإن أبى إلا التعدّى عمدا ... أوسعته بالحلم منى صدّا
حتى يرى وجه اختيارى سدّا ... ويرجع الذم إلىّ حمدا
ثم قضى حوائجه، وكتب إليه:
«قد حقّق الله رجاءنا فيما أملنا، وأنجح طلبنا فيما ابتغينا، وخرج التوقيع بما أحببنا، والحمد لله على ذلك».
وفى أسفل الرقعة:
الرّفق يمن وبعض الناس يحسبه ... عجزا، وما العجز إلا الخرق والعجل
والخرق يورث ريثا (١) لا نجاح له ... والرفق يحيا به للآمل الأمل
(كتاب الأوراق للصولى ١: ١٥٩)
١٢٥ - كتاب ليوسف بن القاسم عن الفضل بن يحيى
وكتب يوسف بن القاسم عن الفضل بن يحيى فى حاجة لرجل:
«فلان قد استغنى باصطناعك إياه عن تحريكى لك بأمره، لأن الصنيعة حرمة
стр. 1247
المصطنع، ووسيلته إلى مصطنعه، سيّما عند من يحسن الصنيعة ويستتمّها مستثبتا للشكر عليها، والثناء الجميل بها، بسط الله بالخير يديك، ووصل به أسبابك، وأعانك عليه، وجعلك من أهله». (كتاب الأوراق للصولى ١: ١٥٨)
١٢٦ - كتاب يحيى بن خالد إلى ابنه الفضل
وقال الرشيد ليحيى بن خالد البرمكى: يا أبت (١) إنى أردت أن أجعل الخاتم (٢) الذى فى يد الفضل إلى جعفر، وقد احتشمت من مكاتبته فى ذلك، فاكفنيه، فكتب إليه يحيى:
«قد أمر أمير المؤمنين أعلى الله أمره- أن يحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك».
١٢٧ - رد الفضل عليه
فكتب إليه الفضل (٣):
«قد سمعت مقالة أمير المؤمنين فى أخى، وقد أطعت أمره، وما انقلبت عنى نعمة صارت إليه، ولا عزبت (٤) عنى رتبة طلعت عليه».
فقال جعفر (٥):
стр. 1248
«لله أخى ما أنفس نفسه! وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة (١) العقل فيه، وأوسع فى البلاغة ذرعه (٢)، وأرحب بها جنابه! يوجب على نفسه ما يجب له، ويحمل بكرمه فوق طاقته».
(زهر الآداب ١: ٣٣٣، ووفيات الأعيان ١: ٤٠٩، والفخرى ص ١٨٦)
١٢٨ - كتاب يحيى بن خالد إلى ابنه الفضل
ثم إن الرشيد قلّد الفضل بن يحيى خراسان، فتوجّه إليها وأقام بها مدّة وورد على الرشيد يوما كتاب صاحب البريد بخراسان- ويحيى بن خالد بين يديه- يذكر فيه أن الفضل بن يحيى متشاغل بالصيد وإدمان الّلذات عن النظر فى أمور الرعية، فلما قرأه الرشيد رمى به إلى يحيى وقال له: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه بما يردعه عن مثل هذا، فمدّ يده إلى دواة الرشيد، وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب البريد:
«حفظك الله يا بنىّ، وأمتع بك، قد انتهى إلى أمير المؤمنين مما أنت عليه، من التشاغل بالصيد ومداومة اللذات، عن النظر فى أمور الرعية ما أنكره، فعاود ما هو أزين بك، فإنه من عاد إلى ما يزينه أو يشينه لم يعرفه أهل دهره إلّا به والسلام»:
وكتب فى أسفله هذه الأبيات:
انصب نهارا فى طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل أتى مقبلا ... واستترت فيه وجوه الغيوب
فكابد الليل بما تشتهى ... فإنما الليل نهار الأريب (٣)
كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب
стр. 1249
أرخى عليه الليل أستاره ... فبات فى لهو وعيش خصيب
ولذّة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب
والرشيد ينظر إلى ما يكتب، فلما فرغ قال: أبلغت يا أبت، فلما ورد الكتاب على الفضل لم يفارق المسجد نهارا إلى أن انصرف من عمله.
(وفيات الأعيان ١: ٤٠٩، ومروج الذهب ٢: ٢٨٢)
١٢٩ - كتاب أبى العباس بن جرير إلى الفضل بن يحيى
وكتب أبو العباس بن جرير إلى الفضل بن يحيى:
«لا أعلم منزلة توحشنى من الأمير ولا توحشه منى، لأننى فى المودّة له كنفسى، وفى الطاعة كيده، وإنما ألطفه (١) من فضله، وقد بعثت بعض ما يحتاج إليه فى سفره» *** وذكر ما بعث. (زهر الآداب ٣: ٣٤٣)
*** قال صاحب زهر الآداب:
وكتب غيره فى هذا المعنى:
«إذا كان اللّطف دليل محبة، وميسم (٢) قربة، كفى قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، لا سيما إذا كان المقصود ذا همّة، لا يستعظم نفيسا، ولا يستصغر خسيسا، وقد حزت من هذه الصفة أجلّ فضائلها، وأرفع منازلها».
(زهر الآداب ٣: ٣٤٤)
стр. 1250
١٣٠ - كتاب للفضل بن يحيى
وكتب الفضل بن يحيى إلى رجل يشاوره فى أمر حدث:
«ليس كل امرئ- وإن كان ذا عزيمة فى رأيه، وأصالة فى عقله- بمستغن عن مكاشفة أهل الرأى، لتوزيع الله أقسام الفضل فى خلقه، وإشراكه إياهم فى عطاياه فرأيك فى كذا». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٧)
١٣١ - كتاب عمر بن مهران إلى الرشيد
وولّى الرشيد جعفر بن يحيى مصر سنة ١٧٦ هـ، فولّاها عمر بن مهران، وكان بها قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فبدأ برجل منهم، فلواه (١)، فقال: والله لا تؤدى ما عليك من الخراج إلا فى بيت المال بمدينة السلام إن سلمت، قال:
فأنا أؤدّى، فقال: قد حلفت ولا أحنث، فأشخصه مع رجلين من الجند، وكتب إلى الرشيد:
«إنى دعوت بفلان بن فلان، وطالبته بما عليه من الخراج فلوانى واستنظرنى (٢) فأنظرته، ثم دعوته فدافع ومال إلى الإلطاط (٣)، فآليت ألّا يؤدّيه إلا فى بيت المال بمدينة السلام، وجملة ما عليه كذا وكذا، وقد أنفذته مع فلان بن فلان وفلان بن فلان من قيادة فلان بن فلان، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكتب إلىّ بوصوله فعل إن شاء الله».
فلم يلوه أحد بشىء من الخراج. (تاريخ الطبرى ١٠: ٦١)
стр. 1251
١٣٢ - كتاب ابى الربيع محمد بن الليث إلى جعفر بن يحيى
«وكتب جعفر بن يحيى إلى محمد (١) بن الليث بستوصفه الخطّ، فكتب إليه»:
«أما بعد، فليكن قلمك بحريا، لا متينا ولا رقيقا ما بين الرّقّة والغلظ، ضيّق النّقب (٢)، فابره بريا مستويا كمنقار الحمامة، اعطف بطنه، ورقّق شفتيه، وليكن مدادك فارسيّا، خفيفا إذا وزنته، فانقعه ليلة ثم صفّه فى الدّواة، وليكن قرطاسك رقيقا مستوى النّسج، تخرج السّحاة (٣) مستوية من أحد الطّرفين إلى آخره، فليست تستقيم السطور إلا فيما كان كذلك، وليكن أكثر تمطيطك فى طرف القرطاس الذى فى يسارك، وأقلّه فى الوسط، ولا تمطّ فى الطرف الآخر، ولا تمط كلمة ثلاثة أحرف ولا أربعة ولا تترك الأخرى بغير مطّ، فإنك إذا قرنت القليل كان قبيحا، وإذا جمعت الكثير كان سمجا.
ثم ابتدئ الألف برأس القلم كله واخططه بعرضه واختمه بأسفله، واكتب الياء والتاء والسين والشين والمطة العليا من الصاد والضاد والطاء والظاء والكاف والعين والغين، ورأس كل مرسل، برأس القلم، واكتب الجيم والحاء والخاء والدال والذال والراء، والمطة السفلى من الصاد والضاد والطاء والظاء والكاف والعين والغين بالسّنّ السفلى من القلم، وامطط بعرض القلم، والمطّ نصف الخط، ولا يقوى عليه إلا العاقل، ولا أحسب العاقل يقوى عليه أيضا إلا بالنظر إلى اليد فى استعمالها الحركة والسلام».
(العقد الفريد ٢: ١٨١)
стр. 1252
١٣٣ - كتاب له فى السلامة
وكتب أبو الربيع محمد بن الليث فى السلامة:
«أما بعد: فإنى كتبت إليك، وأمير المؤمنين- أطال الله بقاءه، وزيّن أمره بلباس التقوى- وولىّ عهده- مدّ الله للمسلمين فى عمره- فى تظاهر نعم الله عليهما، وتوالى إحسانه إليهما، وحوادث مزيده إياهما ومن قبلهما وما يتناهى إليهما، ويعزّز لديهما، من عز أطرافهما، وثغور رعيتهما وجنودهما، من الأمن والسلامة، والهدوء والاستقامة، على أحسن ما جرت به العادة، ومضت به النعمة عليهما، والله محمود مشكور، والأمير أسعده الله بما آتاه، ومن جمعت النعمة فى ظلّ كنفه، على أحسن ما كان يبليه ويوليه، ويجرى النعمة فيه، وهو محمود، ونحن من تتابع النعم، وتكامل المزيد، بحيث يقصر الوصف عنا، وعن الحفظ له نظرنا، والله نسأل العون على شكره وتأدية حقه». (المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٥)
١٣٤ - كتاب له فى الاعتذار
«كيف يسعك أن تأخذنى بظنّ، لو كنت فيه على حقيقة علم لما وسعك أخذى ولا عقابى عليه، ولو كانت العقوبة على الذنب الكامن فى سويداء القلب، واسعة لك فى حكم الرّبّ، لكان فيما حجبت الغيوب من العمل، ما ينتقل فى القلوب التى لا تثبت على حال، إلّا ريثما يتبعها انتقال ما يدعوك إلى أن تمسك عنى، وتقف حتى تعرف أيمضى رأى أم ينصرف؟ ».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٨)
стр. 1253
١٣٥ - كتاب منصور النمرى إلى الرشيد
وكتب منصور (١) النّمرى (٢) إلى الرشيد:
«والله يا أمير المؤمنين ما وخزتنا شوكتهم، ولا مضّتنا (٣) فرحتهم، وإنما نحن حرمة من حرمك، وطرف من أطرافك، فننشدك الله أن يحول غضبك لنا غضبا علينا، ونقمتك فينا نقمة منا، فقد صرنا نشترى: ألّا تغضب لنا بألّا تغضب علينا، وألّا تنتقم فينا بألّا تنتقم منا». (المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٨)
١٣٦ - كتاب محمد بن عبد الله بن حرب
وكتب محمد (٤) بن عبد الله بن حرب:
«أما بعد، فإنى أحمد الله الذى توحّد بالحمد لنفسه، وجعله غاية شكر عباده، وأوّل دعوى أهل جنّته (٥) إذ أذهب عنهم الحزن، وأصارهم إلى مغفرته وحلول دار المقامة من فضله، وأتبع ذلك الصلاة على رسول الله ﷺ كثيرا، لما به من الضلالة هدينا، ومن حيرات العمى نجّينا، ثم أقول: جعلك الله لكل خير
стр. 1254
موفّقا، ومن كل سوء معصوما، قد كان أتانى منك كتاب حال عليه الحول عندى، ولم يمنعنى من إجابتك فيه فى البدء إلا أن رسولك الموصّل له أخبرنى بإجماع منك على بعثه خاصّة من أهلك لمطالعتى، فكانت الإجابة منى مع خاصّتك أوقع بموافقتى، ثم رأيتك- والله يصلح بالك- قطعت رسلك عنى، فصار ذلك سببا لإبطاء جوابى عنك، غير زاهد فى إخائك، ولا راغب عن ودادك، ولا منكر لجميل حالك، والفاضل من أقسام الله لك فيما منحك وأعارك فى عقلك ومحمود صفاتك ووفائك، فإنى وجدت حقائق الأخوّة لا تثبت إلا بمحض المودّة من صحة العقل والمجبول فى الطبيعة، وأصبت العقل قائدا إلى زين العاجلة وحظوتها، ومحبوب ما يتعاطف به ذوو الحجى فيها، ويتواصلون به فى دوام نعيمها وميسور أمورها، ودر كالمذخور أجر الآخرة وسعادتها وما ليس له عدل ولا خطر من جزائها وثوابها، وقد ألزم نفسى من تنافسها فى إخائك وضنّها وتمسكها بما أجرى الله بينى وبينك، ما يجاوز مدى المتنافسين فى رغائب الأمور المحروص عليها من كنوز الذهب والفضة، لأنى رأيت الأموال، وإن كثرت عند من يجمعها، حتى لا يحصى عددها وتعجز المواضع عنده لما نال منها دانية لديه إلا ريثما تختلف أعصر الدهر عليه فيها بالإتلاف لها، بالنوائب المفرّقة لما جمع منها، وكنز الإخاء ممّن استحكمت منه قواه بخالص الصفاء، أفضل ذخيرة وأحمد مغبّة، وأمسّ عند ملمّات الدهور منفعة، وأوصل إلى كل مرجوّ من خير فى عاجل أو عاقبة، من كنوز الأموال المكتنفة المتصرفة، فعلى ذلك فليكن عندك من الحالة، وبه فليكن فى غابر الأيام لى الثقة، وإلى الله الحول والقوة، فأمّا قيلك: إنا صرنا عندك- فيما أخلفنا من ظنك، وبعد الذى اختبرت من شاهدنا، ووافقك منا- كبرق الخلّب (١) الذى يضىء قليلا، ويضمحلّ وشيكا (٢)، فإنّ برق الخلّب لمن عاينه غير متصل له
стр. 1255
ما يلتمس به النور أمامه، ولا يبلغ له منتهى غايته فى دجى ظلمة الليل وأهواله، وذلك غير قياس من رسخت فى القلوب مودته، واستكنّت فى سريرتها مقته (١)، وساعدتها منه محبّته وثقته، وتمسكت بها حبائله، وانطوت عليها ضمائره، وإن الدليل من ذلك على رأيى فيك، لاحتفاظى بكتابك إلىّ منذ سنة قد مضت له، وهو عندى غير مضيّع، ولا مغفل لدىّ، وقد أتلفت ما يناهز المائة الألف من مالى فى معاريض نوائبى وحاجاتى، وأنا متمسك بكتابك، متلوّم (٢) بحوائجك، وتأدية الواجب من حقك، جعل الله الخلّة (٣) منا ومنك فيما يديم به المسرّة، ويوالى به النعمة، وتكون عاقبته إلى السعادة فى دار الخلود والمقامة من فضله والسلام». (المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٩)
١٣٧ - كتاب محمد بن على إلى محمد بن يحيى بن خالد
وكتب محمد بن على إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان واليا على أرمينية للرشيد:
«إن قوما صاروا إلى سبيل النّصح، فذكروا ضياعا بأرمينية قد عفت ودرست (٤) يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإنى وقفت عن المطالبة حتّى أعرف رأيك».
١٣٨ - رد محمد بن يحيى عليه
فكتب إليه:
«قرأت هذه الرّقعة المذمومة وفهمتها، وسوق السّعاية بحمد الله فى أيامنا كاسدة، وألسنة السّعاة فى أيامنا كليلة خاسئة، فإذا قرأت كتابى هذا فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما فى ديوانك، فإنا لم نولّك الناحية لتتّبع الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الدّاثرة، وجنّبنى وتجنّب بيت جرير يحاطب الفرزدق:
وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا
стр. 1256
وأجر أمورك على ما يكسب الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدة تنتهى، وأيام تنقضى، فإما ذكر جميل، وإما خزى طويل». (زهر الآداب ١: ٣٠٥)
١٣٩ - كتاب جعفر بن يحيى إلى أحد عماله
وكتب جعفر بن يحيى فى العفو والمسامحة لأحد عماله:
«عندنا الاغتفار لما اقترفت، وتصديق كلّ ما قلت واحتججت بذكره، واعتذرت بوصفه، والإسقاط لما حجدته، والإكذاب للجور الذى اقترفته، والرجوع عما أنكرته، والزّيادة فيما اخترته، استدعاء لك وإن انصرفت، وحياطة لما قدّمت وإن ذممت، وإيثارا للإغضاء والاحتمال، فإنهما أبلغ فى الإصلاح، وأنجع فى الاستنجاح، وأسرع فى التعليم، وأكبر فى التقويم، إن احتيج إليه فى مثلك ممن تؤمن عليه قريحته، وتردّه إلى إلاستقامة تجربته».
*** وله فصل من رسالة:
«فإن العذر إذا جاء واضحا لم يكن لسوء الظن مجاز، ولا لمن أراد التّجنّى مخلص، وما أريد أن أزداد بك علما إلى علمى». (المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٦)
١٤٠ - كتاب حميد بن مهران إلى عامل معزول
وكتب [حميد (١) بن مهران] إلى عامل عزل عن عمله:
«بلغنى- أعزك الله- انصرافك عن عملك، ورجوعك إلى منزلك، فسررت بذلك، ولم أستفظعه وأجزع له، لعلمى بأن قدرك أجلّ وأعلى من أن يرفعك عمل
стр. 1257
تتولاه، أو يضعك عزل عنه، وو الله لو لم تختر الانصراف، وترد الاعتزال، لكان فى لطف تدبيرك، وثقوب رويّتك، وحسن تأتّيك (١)، ما تزيل به السبب الداعى إلى عزلك، والباعث على صرفك، ونحن إلى تهنئتك بهذه الحال أولى بنا من أن نعزّيك، إذ أردت الانصراف فأوتيته، وأحببت الاعتزال فأعطيته، فبارك الله لك فى منقلبك، وهنأك النعم بدوامها، ورزقك الشكر الموجب لها، الزائد فيها».
(زهر الآداب ١: ٣٢٥)
١٤١ - تحميد لأنس بن أبى شيخ (٢)
«الحمد لله الذى بالقلوب معرفته، وبالعقول حجّته، الذى بعث محمدا ﷺ أمينا فوفّى له، ومبلّغا فأدّى عنه، فحجّ به المنكر وتألّف به المدبر، وثبّت به المستبصر، إلى أن توفّاه على منهاج طاعته، وشريعة دينه، ثم أورثكم عهده، وخصّكم بكلمة التقوى، وجعلكم الأمة الوسطى (٣)».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٥)
стр. 1258
١٤٢ - كتاب بشر البلوى إلى إبراهيم بن عبد الله الحجبى
وكتب بشر البلوى إلى إبراهيم بن عبد الله الحجبىّ والى صنعاء لهرون الرشيد، لمّا قدمها سنة ١٨٢، وعزم على أن يولّى بشرا بعض نواحى اليمن، فعاقه عن ذلك هشام بن يوسف الأبناوى (١):
بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن رأى الأمير- أمتع الله به- أن لا يعلم هشاما ما يريد من صلتى، فإنه لم يردنى وآلى قطّ بخير، ولم يفتح لى باب صلة، فتكون منه خالصة لا يريد بها إلا وجه الله وحده، ولا يرجو بها إلا ثوابه، إلا عرض هشام من دونها، فثقّلها وكرّهها (٢) وأدار القياس فيها، وضرب لها الأمثال، وألقى الحيلة فيها إلى الكاتب والحاجب، وقاسمهما إنّى لكما لمن النّاصحين (٣)» ومدحنى بما لا يسمع به من أخلاقى، وانتقصنى فيما لا يطمع بغيره منى، ليكون ما أظهر من المدحة، مصدّقا لما أسرّ من العيبة، ثم زخرف ذلك بالموعظة، وزيّنه بالنصيحة، وقاربه بالمودّة، وأغراه من ناحية الشفقة، وشهد عليه أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (٤)،
стр. 1259
فإذا الحاجب يزلقنى ببصره (١)، وإذا الكاتب يسلقنى بلسانه (٢)، وإذا الخادم بعرض عنى بجانبه (٣)، وإذا الوالى ينظرنى نظر المغشىّ عليه من الموت (٤)، فصارت وجوه النفع مردودة، وأبواب الطمع مسدودة، وأصبح الخير الذى كنت أرجوه هشيما تذروه الرّياح (٥)، والصلة التى كنت أشرفت عليها صعيدا زلقا، وأصبح ماؤها غورا فما أستطيع له طلبا (٦)، فأسأل الله الذى جعل لكل نبىّ عدوّا من المجرمين (٧)
стр. 1260
أن يكفينى شره، ويصرف عنى كيده، فإنه يرانى هو وقبيله، من حيث لا أراهم (١)، والسلام».
(مفتاح الأفكار ص ٢٧٣، والمواهب الفتحية ٢: ١٤٠)
١٤٣ - كتاب بشر البلوى إلى إبراهيم بن عبد الله الحجبى
وكتب بشر (٢) البلوىّ إلى إبراهيم بن عبد الله الحجبىّ أيضا يستمنحه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن الله- وله الحمد- قد كان عرضنى وجوها كثيرة، وخيّرنى فى مكاسب حلال، وكنت- بتوفيق الله وإحسانه- قد اخترت منها ناحية الأمير- حفظه الله تعالى- ورضيت به من كل مطلب، واقتصرت على رجائه من كل مكسب، فأثابه الله فتحا قريبا ومغانم كثيرة عجّلها، وكان الله عزيزا حكيما (٣)، وقد عرف الأمير- أبقاه الله تعالى- طول مودّتى له، وقديم حرمتى، وهجرتى معه، وأنّى ممّن أنفق من قبل الفتح وقاتل (٤)، ثم إنى
стр. 1261
لم أتحرّف (١) - بحمد الله- بعد الهجرة، ولم أنافق بعد النّصرة، ولم أكن كحاطب (٢) حين ألقى بالمودّة (٣)، ولا كتميم يوم نادوا من وراء الحجرات (٤)، بل أقمت على مكانتى، واصطبرت على عسرتى، لا أردّ الجوعة إلا بالبلغة (٥) أحيانا، ولا أوارى العورة إلا بالغنية (٦) زمانا، حتى جاء الفتح من عند الله (٧)، وطلع الأمير- حفظه الله-
стр. 1262
فلما ظهر وتمكّن، ورجونا الغنى منه حين أيسر وأثخن (١)، والعزّ تماما على الّذى أحسن (٢)، وأن يشفى الله به صدور قوم مؤمنين (٣) ويذهب غيظ قلوبهم ركن إلى الظالمين، وأصغى إلى المداهنين، واستمع من المنافقين، وعفا عن المرجفين (٤)، وتجاوز عن المستهزئين، وخفض جناحه للمتكبّرين، وصعّر (٥) خدّه للمستضعفين، وعبس فى وجوه المقلّين، وجفا عشيرته الأقربين، وأقصى شيعته الأوّلين والآخرين، وحرم إخوانه الأقدمين، «فما تنفعهم شفاعة الشّافعين» ثم تأوّل الكتاب، فتعدّى الصواب، وقرّب الأحزاب، وآوى المتخلّفين (٦) من الأعراب، وآثر بالفىء من لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (٧)، فأصبحت أياديه عند المؤلّفة قلوبهم، ومن كان يسرّ النفاق فيهم، ويلمزه فى الصّدقات منهم (٨)، وصنائعه عند المعذّرين من
стр. 1263
الأعراب (١)، والذين جاءوا من بعدهم، ظاهرة فى الآفاق وفى أنفسهم (٢)، وأصبح نقباء العقبة (٣)، وفقراء الهجرة، ومساكين الصّفّة (٤) تفيض أعينهم من الدّمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون (٥)، وأصبح السابقون الأوّلون منا ومن أهل النّصرة (٦) مرجين لأمر الله (٧)، والتائبون العابدون موقوفين لحكم الله، وأصبح الفقراء المستضعفون محصورين فى سبيل الله، فإن رأى الأمير- حفظه الله تعالى- أن يميرنا
стр. 1264
فإنا قد سغبنا (١)، وأن يعطف علينا من قبل أن يزيغ قلوب فريق (٢) منّا، فعل، ف «إنّ الإنسان خلق هلوعا (٣)، إذا مسّه الشّرّ جزوعا، وإذا مسّه الخير منوعا» ولست أدرى ماذا أعتذر به اليوم إلى الناس فى أمرى عن الأمير! وهم يعلمون أنى قد رأيت فيه ثلثى أملى، ولم أبلغ فى نفسى ربع رجائى، أم ماذا ينتظر الأمير- حفظه الله- فىّ؟
بعد أن آتاه الله الملك، وعلّمه الحكمة (٤) ومكّنه من خزائن الأرض (٥)، وجعله فى الدنيا وجيها (٦)، وفى الإسلام مكينا. وعند الخليفة- أبقاه الله تعالى- مطاعا امينا (٧)، فمن يفر (٨) الأمير بعد هذه النعمة؟ أم من يعذره مع هذه الكرامة؟ ومن يرضى منه بأقلّ من جبره (٩)، إلا من سفه (١٠) نفسه، ولست آمن أن يتطاول علينا الجزع،
стр. 1265
ويتمادى به منا المنع، أن يجتمع منا أئمة صابرة، وفرقة خاشعة، وطائفة ممنوعة، وأخرى مدفوعة، فيدعو ربّهم تضرّعا وخفية إنه لا يحبّ المعتدين (١) والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٤؛ ومفتاح الأفكار ص ٢٧٣ والمواهب الفتحية ٢: ١٤٤)
١٤٤ - كتابه إلى الحجبى
وكتب إليه أيضا- وكان نهى بشرا عن التعرّض للوزراء ولأهل العراق-:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تنهانى عن السلطان وعن قربه، ولست أعتذر إليك فى ذلك، إن دعانى السلطان سارعت، وإن أبطأ عنى تعرّضت. فإن كان الله ﵎ أحلّ لك خدمة أمير المؤمنين، ومنادمة الفضل، ومسامرة جعفر (٢)، وأباح لك أن تأخذ من أموالهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة (٣)، وحرّم علىّ مكاتبة الشّرط، ومراسلة البرد (٤)، والتخدم للحضّان (٥) والتعرّض للدّايات، وحظر علىّ من أموالهم ما أسدّ به الفورة (٦)، وأوارى به