لم أتحرّف (١) - بحمد الله- بعد الهجرة، ولم أنافق بعد النّصرة، ولم أكن كحاطب (٢) حين ألقى بالمودّة (٣)، ولا كتميم يوم نادوا من وراء الحجرات (٤)، بل أقمت على مكانتى، واصطبرت على عسرتى، لا أردّ الجوعة إلا بالبلغة (٥) أحيانا، ولا أوارى العورة إلا بالغنية (٦) زمانا، حتى جاء الفتح من عند الله (٧)، وطلع الأمير- حفظه الله-
стр. 1262
فلما ظهر وتمكّن، ورجونا الغنى منه حين أيسر وأثخن (١)، والعزّ تماما على الّذى أحسن (٢)، وأن يشفى الله به صدور قوم مؤمنين (٣) ويذهب غيظ قلوبهم ركن إلى الظالمين، وأصغى إلى المداهنين، واستمع من المنافقين، وعفا عن المرجفين (٤)، وتجاوز عن المستهزئين، وخفض جناحه للمتكبّرين، وصعّر (٥) خدّه للمستضعفين، وعبس فى وجوه المقلّين، وجفا عشيرته الأقربين، وأقصى شيعته الأوّلين والآخرين، وحرم إخوانه الأقدمين، «فما تنفعهم شفاعة الشّافعين» ثم تأوّل الكتاب، فتعدّى الصواب، وقرّب الأحزاب، وآوى المتخلّفين (٦) من الأعراب، وآثر بالفىء من لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (٧)، فأصبحت أياديه عند المؤلّفة قلوبهم، ومن كان يسرّ النفاق فيهم، ويلمزه فى الصّدقات منهم (٨)، وصنائعه عند المعذّرين من
стр. 1263
الأعراب (١)، والذين جاءوا من بعدهم، ظاهرة فى الآفاق وفى أنفسهم (٢)، وأصبح نقباء العقبة (٣)، وفقراء الهجرة، ومساكين الصّفّة (٤) تفيض أعينهم من الدّمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون (٥)، وأصبح السابقون الأوّلون منا ومن أهل النّصرة (٦) مرجين لأمر الله (٧)، والتائبون العابدون موقوفين لحكم الله، وأصبح الفقراء المستضعفون محصورين فى سبيل الله، فإن رأى الأمير- حفظه الله تعالى- أن يميرنا
стр. 1264
فإنا قد سغبنا (١)، وأن يعطف علينا من قبل أن يزيغ قلوب فريق (٢) منّا، فعل، ف «إنّ الإنسان خلق هلوعا (٣)، إذا مسّه الشّرّ جزوعا، وإذا مسّه الخير منوعا» ولست أدرى ماذا أعتذر به اليوم إلى الناس فى أمرى عن الأمير! وهم يعلمون أنى قد رأيت فيه ثلثى أملى، ولم أبلغ فى نفسى ربع رجائى، أم ماذا ينتظر الأمير- حفظه الله- فىّ؟
بعد أن آتاه الله الملك، وعلّمه الحكمة (٤) ومكّنه من خزائن الأرض (٥)، وجعله فى الدنيا وجيها (٦)، وفى الإسلام مكينا. وعند الخليفة- أبقاه الله تعالى- مطاعا امينا (٧)، فمن يفر (٨) الأمير بعد هذه النعمة؟ أم من يعذره مع هذه الكرامة؟ ومن يرضى منه بأقلّ من جبره (٩)، إلا من سفه (١٠) نفسه، ولست آمن أن يتطاول علينا الجزع،
стр. 1265
ويتمادى به منا المنع، أن يجتمع منا أئمة صابرة، وفرقة خاشعة، وطائفة ممنوعة، وأخرى مدفوعة، فيدعو ربّهم تضرّعا وخفية إنه لا يحبّ المعتدين (١) والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٤؛ ومفتاح الأفكار ص ٢٧٣ والمواهب الفتحية ٢: ١٤٤)
١٤٤ - كتابه إلى الحجبى
وكتب إليه أيضا- وكان نهى بشرا عن التعرّض للوزراء ولأهل العراق-:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تنهانى عن السلطان وعن قربه، ولست أعتذر إليك فى ذلك، إن دعانى السلطان سارعت، وإن أبطأ عنى تعرّضت. فإن كان الله ﵎ أحلّ لك خدمة أمير المؤمنين، ومنادمة الفضل، ومسامرة جعفر (٢)، وأباح لك أن تأخذ من أموالهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة (٣)، وحرّم علىّ مكاتبة الشّرط، ومراسلة البرد (٤)، والتخدم للحضّان (٥) والتعرّض للدّايات، وحظر علىّ من أموالهم ما أسدّ به الفورة (٦)، وأوارى به
стр. 1266
العورة، فأنا الهالك وأنت الناجى، وإن لم يكن الأمر على ذلك، وكان لكلّ امرئ منّا ما اكتسب من الإثم، فأنت الذى تولّى كبره منهم (١)، وضرب لنا مثلا ونسى خلقه (٢) والسلام». (مفتاح الأفكار ص ٢٧٥)
١٤٥ - كتابه إلى يحيى بن خالد البرمكى
وكتب إلى يحيى بن خالد البرمكى:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فإنى كتبت إليك كتبا لم أر لشىء منها جوابا، ولست- أمتع الله بك- أتكبّر عن مواترة (٣) الكتب إليك، ولا أستنكف من (٤) تركك الكتاب إلىّ، لأن مثلك لا يكتب إلى ضعيف مثلى إلا بعون الله وتأييده، ولا يلّقى الحكمة كتابه إلا بتوفيق الله وإحسانه، ولعلك- أمتع الله بك- لم يوافق نزول ذلك من ربك، فإنه ﵎ يقدّر ما يشاء، إنه بعباده خبير بصير (٥)». (مفتاح الأفكار ص ٢٧٥)
стр. 1267
١٤٦ - كتابه إلى يحيى بن خالد البرمكى
«وكتب بشر البلوى إلى يحيى بن خالد أيضا يستمتع (١) بالحجبى المذكور:
«أما بعد: حفظ الله أبا على، وحفظ لك ما استحفظك (٢) من دينك وأمانتك، وخواتيم عملك، أمّا ما تحب أن ينتهى إليك علمه من قدوم الحجبىّ علينا، وما عمل به فينا، وعلى ما أصبح المسلمون معه قبلنا، فكلّ ذلك بحمد الله تعالى ونعمه على أفضل سرورك، وأعظم رجائك، ومنتهى أملك، من سكون الدّهماء (٣)، وأمان السّبل، وحسن الحال، وتتابع الأمطار، وقد أصبح الناس بحمد الله رحماء (٤) بينهم، لا يسمع إلا سلاما سلاما (٥)، وذلك أن الحجبىّ لمّا قدم علينا، فزع إلى خيار الناس وأهل الصلاح منهم، فقرّبهم وأدناهم، وغلظ على أهل الفجور والرّيبة، وأبعدهم وأقصاهم، وبعث لحملة القرآن، فلما اجتمعوا إليه من أطراف البلاد تخيّر الفقهاء وذوى الرأى منهم، فجعلهم بطانته، وأهل مشاورته، وبعث أكثرهم عمّالا على كثير من نواحى عمله، وعهد إليهم ما عهد إليه أمير المؤمنين، فى أخذ الصّدقات والزكاة على
стр. 1268
وجوهها، وقسم السّهمان (١) الخمسة موفّرة بين أهلها، وأعلمهم أن أمير المؤمنين لم يأمره ولا من قبله من ولاة اليمن وغيرها إلا بالعدل والإحسان، وأن أمير المؤمنين يبرأ إلى الله من ظلم كلّ ظالم، وجور كلّ جائر، وأنه قد خلع ما يتثقّل به عن رقبته، وجعله فى دين الحجبىّ وأمانته، فلم يبق عند ذلك فرقة من فرق المسلمين، ولا جماعة من الصالحين، ولا أحد من الفقراء المساكين، إلّا دعا لأمير المؤمنين بطول البقاء، ثم دعوا لك يا أبا على بأفضل الدعاء، ونشروا عنك أحسن الثناء، لما ساقه الله إليهم بسببك، وجعله بيمن (٢) موازرتك وأجراه لهم على لسانك ويدك، ولما أخذ الحجبىّ فيهم من ورائك، فإنا قد عرفناه بالرّفق الذى ليس معه ضعف، وبالشدة التى ليس معها عنف، وبالجدّ الذى لا يخالطه هزل، ثم هو مع ذلك قليل الغفلة، شديد التّهمة، لا يتّكل على كتّابه، ولا يفوّض أمره إلى أمنائه، ولا يطمئنّ إلى جلسائه، حتى يتفقّد الأشياء بنفسه، فيورد ما حضر منها على عينه، ويصدر ما غاب عنه منها على علمه، لا يمنعه من مطالبة الصغير مزاولة الكبير، قد أحكم السياسة، ورسخ فى التدبير، فأشدّ الناس خوفا لغضبه أرجاهم جميعا لمثوبته، وأقلّهم أمانا لعقوبته أطولهم لزوما لمجالسته، قد شغل كلّا بنفسه، فأقبل كل على شأنه، فليس أحد يجاوز حدّه، ولا يعدو قدره، ولا يتكلم إلا فيما يعنيه، ولسنا نراه بحمد الله يزداد فى كل يوم إلا شدّة، ولا تزداد الأمور معه إلا إحكاما، فليس لمغتاب إليه سبيل، ولا لمنتقص معه مطمع، والسلام». (مفتاح الأفكار ص ٢٧٥، والمواهب الفتحية ٢: ١٤٧)
стр. 1269
١٤٧ - كتابه إلى بشار بن رضابة
وكتب ينصح بشّار بن رضابة:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد: فإنى رأيتك فى أول زمانك تغدو على العلماء وتروح عنهم (١)، وتحدّث عن الله وعن ملائكته ورسله، وقد أصبحت تحدّث عن معن (٢) وعن عمّاله، وعن أبى مسلم (٣) وعن أصحابه، فبئس للظالمين بدلا (٤)، فمن خلّفت على أهلك، أم على من تتكل فى هول سفرك، أم بمن تثق فى حال غربتك؟ أبا لله أم عليه؟ وكيف؟ ولست أخشى عليك إلا من قبله، لأنه قد أعذر إليك وأنذر، فعصيت أمره، وأطعت أعداءه، وخرجت مغاضبا تظنّ أن لن يقدر عليك (٥)، فاتّق على نفسك الزّلل، وانزل من دابّتك فى كل جبل (٦)،
стр. 1270
فإذا استويت أنت ومن معك على ظهورها (١)، فلا تقل: سبحان الّذى سخّر لنا هذا، لأن الله ﵎ قد كره أن يحمد على ما نهى عنه، ولكن قل: ربّنا من قدّم لنا هذا فزده عذابا ضعفا فى النّار (٢)».
(مفتاح الأفكار ص ٢٧٨، والمواهب الفتحية ٢: ١٤٢)
١٤٨ - كتاب مطرف بن أبى مطرف إلى أحد إخوانه
قال ابن طيفور:
وكتب إلى مطرّف (٣) بن أبى مطرّف الليثى رجل من إخوانه يسأله عن عبد الله ابن مصعب الزبيرى، فكتب إليه:
«أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تسألنى عن عبد الله بن مصعب، كأنك هممت به أو تريد (٤) القدوم عليه، فلا تفعل- أمتع الله بك (٥) - فإن حسن الظنّ به لا يقع فى الفهم إلا بخذلان الله، وإن الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا من سوء التوكل على الله ، وإن الرجاء لما فى يده لا ينبغى (٦) إلا بعد اليأس من روح الله، لأنه
стр. 1271
يرى أن الإقتار الذى نهى الله عنه هو التبذير الذى يعاقب الله فيه، وأن الاقتصاد الذى أمر الله به هو الإسراف الذى يعذّب الله عليه، وأن بنى إسرائيل لم يستبدلوا العدس بالمنّ (١)، والبصل بالسّلوى، إلا لفضول أحلامهم، وقديم علم توارثوه عن آبائهم، وأن الضيافة مرفوعة، وأن الصلة موضوعة، وأن الهبة مكروهة، وأن الصّدقة منسوخة، وأن السّلف (٢) بدعة، وأن التوسّع ضلالة، وأن الجود فسوق وأن السخاء من همزات الشياطين، وأن مواساة الرجل أخاه من العظائم الموبقة (٣)، وأن فضاله عليه إحدى الكبائر الموجبة الهلكة، وأن الله لا يغفر أن يؤثر المرء فى الخصاصة على نفسه (٤)، فقد ضلّ عند أبى بكر ضلالا يعيدا، كأن لم يسمع بالمعروف إلا فى الجاهلية الأولى الذين قطع الله دابرهم، ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم، وكأن لم تأخذ الرّجفة آل مدين (٥) عنده إلا لسخاء كان فيهم، ولم تهلك الرّيح العقيم
стр. 1272
عادا (١) إلا لتوسّع ذكر عنهم، فهو يخشى العقاب على الإنفاق، ويرجو الثواب على الإفتار، ويعد نفسه الفقر، ويأمرها بالبخل، خيفة أن تنزل به قوارع (٢) الظالمين، أو أن يصيبه ما أصاب القرون الأولين (٣)، فأقم- يرحمك الله- على مكانتك، واصطبر على عسرتك، وتربّص به الدوائر (٤) عسى الله أن يبدلنا خيرا منه زكاة وأقرب حما (٥)». (المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٢، ومفتاح الأفكار ٢٧٨)
١٤٩ - كتاب آخر له
وكتب إلى ذلك الرجل الذى يصف له عبد الله بن مصعب:
«أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تسألنى عن عبد الله بن مصعب، فكان والله غثّا (٦) فى دينه، قذرا فى دنياه، رثّا فى مروءته، سمجا فى هيئته، مسكينا فى علمه، منقطعا إلى نفسه، راضيا عن عقله، بخيلا بما وسّع الله عليه من رزقه كتوما لما آتاه الله من فضله
стр. 1273
حلّافا لجوجا لا يطمع فيما عنده حتى يحلف ألا يفعل، ولا يرجّى منه أحد ما يعطى حتى يقسم بالله ألّا يقبل، فإذا ألحّ فى ذلك وأكثر حنث متعمّدا، وأتى الذى ذكره من ذلك متطوّعا، لو أنفق ما فى الأرض جميعا لم يكن ذلك قدر حنثه فى هزله، فكيف ظنّك بكفّارة حلفه فى جدّه؟ ولو سكن الفالج (١) فى لسانه لم ينقص ذلك حرفا واحدا من إيمانه، أشد الناس إكراما لأبعدهم من ذلك استحقاقا، وأقلّ الناس إحسانا إلىّ أشدهم لذلك استيجابا، كأن البخل والشؤم صارا جميعا فى سهمه، وكانا قبل ذلك حظّا (٢) فى قسمه، فاستجمعهما من الورثة، واستحقّ ما استهلك منهما بالشّفعة، واستولاهما من كلّ بالقيمة، وأشهد على حيازتهما أهل الدين والأمانة، حتى خلصا له من كل بائع، وسلما من تبعة كل منازع، فلا يصيب إلا مخطئا، ولا يحسن إلا ناسيا، ولا ينفق إلا كارها، ولا ينصف إلا صاغرا، ولا يعدل إلا راهبا (٣) ولا يرفع نفسه عن (٤) منزلة إلا ذلّ بعد تعزّزه فيها، ولا يكره خطّة سوء إلّا أصابه ما هو شرّ منها، لا تردّ أعناق أموره إلا على تعسّف وجهالة، ولا تصدر أعقاب رأيه إلّا عن حرقة وندامة، برأى جدّه (٥) خرجت أمّنا (٦)، وشؤم والده (٧) هدمت قبلتنا، وعلى يديه ظهر الدجّال فينا، فمن يهده الله يومئذ فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا (٨)». (المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٣)
стр. 1274
١٥٠ - كتاب آخر
وكتب إليه:
«أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تسألنى عن عبد الله بن مصعب، فكان والله قويّا على أهل الضعف والمسكنة، ذليلا عند أهل الجلد والقوة، بليغا فيما استحى الحكماء من ذكره، وصّافا لما لا ينتفع به كليلا عما لا يستغنى عنه، قد غلبت عليه الدّعابة واستهوته (١)، فلا يحسن إلا ترّهات (٢) الأمور، ولا يحفظ إلا سفساف (٣) الأحاديث ولا يروى إلا خرافات الأباطيل، فأمّا البصيرة النافعة، والحكمة البالغة، فقد أصبح منها أبو بكر (٤) غفلا، وفى المعرفة بها طفلا، ولو لبث أربعين سنة لم يفهم أولاها، ولم يعرف أخراها، إلا نظر المغشىّ عليه من الموت (٥)».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٣)
١٥١ - كتاب آخر
وله أيضا فيه (٦):
أما بعد: فإنّ من النّاس من تحمّل حاجته أهون من فحش طلبه، ومنهم من حمل عداوته أخفّ من ثقل صداقته، ومنهم من إفراط لائمته أحسن من قدر مدحته (٧) وإن الله خلق أبا بكر ليغمّ به الدنيا، ويقذّر به أهلها، فهو على قذره فيها من حجج الله
стр. 1275
على أهلها، فأسأل الذى فتن الأرض بحياته، وغمّ أهلها بطول بقائه، أن يديل بطنها من ظهرها (١)، والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٣ ومفتاح الأفكار ص ٢٨٠)
١٥٢ - كتاب آخر
وكتب إليه:
«أما بعد، فإنى قد ظننت أنه لم يدعك إلى خلاف أمير المؤمنين فى عهده ووصيه، وترك ما أمرك به من القسم فى رعيته، مع البغض لأهل بيته والفرية على قرابته، إلا أنك لم تر أن تمسّك النار إلا أيّاما معدودة (٢)، وأنك فكّرت فى ذلك وقدّرت (٣)، فقلت: نصيحة ظاهرة، وفرية غائبة، ومتعة عاجلة، ومواعيد آجلة، وتهاونت بعذاب الآخرة، ولو قد لقيت أبا مسلم وأتيت الحجّاج، وجمع بينك وبين أخويك: مروان ابن الحكم، ومسرف (٤) بن عقبة، لقد أعلمك القوم جميعا أنهم وجدوا مثقال الذّرّة مكتوبا، ووزن الحبّة محسوبا، وأنهم قد أخذوا بأيسر من ذنبك، وعذّبوا بأصغر من جرمك، وأن الأيام ليست كما عددت، وأن المدة على غير ما كنت حسبت، وأنك قد أوهمت (٥) حين فكّرت، وأسأت حين قدّرت، وأنهم كانوا ظنوا كما ظننت، فأرداكم ظنّكم الّذى ظننتم بريكم فأصبحتم من الخاسرين. فإن تصبروا فالنّار مثواكم وإن تستعتبوا فما أنتم من المعتبين (٦)». (المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٤)
стр. 1276
١٥٣ - كتاب آخر
وكتب إليه أيضا:
«أما بعد، فإن الله قد وعدك وعدا حسنا (١)، فلست أدرى أطال عليك العهد فقسا قلبك، أم أردت أن يحلّ عليك غضب من ربك، فأخلفت موعده الذى وعدته، ونقضت عهده الذى عاهدته، وصحبت أعداءه، وهو يدعوك من أخراك فيد فعك عن أولاك، فلا دعاؤه نفعك، ولا دفعه منعك، حتى نفرت على وجهك «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ» وقد ألقيت حملك من كتاب الله، ونزعت حبلك من عروة الله «فما أدرى أيها الرجل: من استخلفت على أهلك، أم بمن تثق فى حال غربتك، أم على من تتكل فى هول سفرك؟ أبا لله أم عليه (٢)؟
فكيف ولست أخاف عليك أحدا غيره (٣)؟ والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٥)
١٥٤ - كتاب آخر
وكتب أيضا:
«أما بعد فإن أبا نهيك خبّرنى أنك اختضبت بالوسمة (٤)، فعلمت أنك أردت
стр. 1277
بذلك ابتغاء الزينة عند أهل الدنيا، لما عرفت من قبح وجهك عند أهل الآخرة، لتركك الصلوات، ومنعك الصّدقات، واستحلالك الحرمات. وكلما ازددت من ذلك إكثارا، كنت عند نفسك من المقصّرين، وعند أهل السماء من الممقوتين، وفى أهل الأرض من المعترضين، فالحمد لله الذى عافانى مما ابتلاك به، فإنك من الذين قال الله فيهم فى كتابه: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ». (المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٦)
١٥٥ - كتاب آخر
وكتب أيضا:
أما بعد، فإن الله حبّب إلى كل مسلم شعبة من دينه، فمنهم من حبّب إليه الصلاة، فهو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه (١)، ومنهم من حبّب إليه الزكاة، فهو ينفق ماله بالليل والنهار سرّا وعلانية، ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم (٢)، ومنهم من حبّب إليه الجهاد، فهو بين المسلمين وبين عدوهم، يذبّ عن حريمهم، ويقاتل من دونهم، وفاء بعهد الله، وتسليما لبيعة الله. فأمّا الراسخون فى العلم ممن قد عرف سيرتك، وما أبدى لهم الله من سريرتك، فقد اقتصروا على
стр. 1278
بغضك، ثقة والله بعداوتك، فهم لا يوترون (١) إلا بك وبأشباهك، ولا يرون القنوت اليوم واجبا إلّا من أجلك وأجل أضرابك (٢)، ولا يعتمدون بالدعاء فيه إلا عليك وعلى أمثالك، حفظا على صلواتهم، ورعاية لما ائتمنوا عليه من دينهم (٣)، ووفاء بعهد الميثاق الذى أخذ عليهم: أن يصلّوا مع الله وملائكته على رسوله (٤)، وأن يلعنوا مع الله من لعن من أعدائه وأهل معصيته (٥)، فهم يعرضونك على الله فى أدبار السجود وعند إدبار النجوم (٦)، ويسألونه بآلائه (٧) مخلصين، وبأسمائه ملحفين (٨)، أن يصيبك بعذاب من عنده أو بأيديهم (٩)، لما استحلّت جنودك من سفك الدماء، وأباحت رسلك من حرم النساء، ولظلمك اليتامى، وافترائك على ذى القربى، وتعريضك إياهم
стр. 1279
فى فتوحك للعقاب والهلكة والخلاف والمعصية، فويل لك ولكتّابك مما كتبت أيديكم وويل لكم ممّآ تكسبون (١)
، وقد وردت كتبك محمد الله من أمير المؤمنين- حفظه الله- على حلم لا يوهنه الغضب، وعلى عمل لا يغيّره الكذب، وعلى إيمان لا يستخفّه الذين لا يوقنون (٢)، حفظ الله أمير المؤمنين حفظا يكون له حصنا من عذابه وحرزا من غضبه، وحاجزا من معصيته، ونورا يستضىء به يوم لقائه فى خلقه، ويهتدى به إلى جنته». (المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٧)
١٥٦ - كتاب آخر
وكتب إليه (٣):
«أما بعد، فإنى رأيتك فى أمر دينك منتقصا (٤) مخذولا، وفى أمر دنياك فاجرا مثبورا (٥)، وفيما بين ذلك مبغضا ممقوتا، وتلك خصال لا تجتمع فى مسلم إلا بسوء سريرة، أو إصرار (٦) على كبيرة، أو إضمار لعظيمة يعمّ بها عباد الله، ويخصّ بها أولياء الله (٧)، ومن آية ذلك أنه تشمئزّ قلوب أهل الحرمين إذا ذكرت، وتقشعرّ جلود أهل المصرين إذا مدحت، وأنهم لا يزدادون لك إلا بغضا، ولا فى الشهادة عليك إلا قطعا، لمعرفتك بهم قديما وحديثا، وعلمهم بحاليك صغيرا وكبيرا، فلعمرى لئن
стр. 1280
كنت إلى يومك هذا كما ذكروا، إنك إذن لمن المستهزئين، ولئن كنت قد نزعت (١) عما عهدوا، ما خلصت لله إذن نيتك، ولا صدقت توبتك، وإن فى إيمانك لضعفا، وإن فى نفسك لوهنا، وإن فى صدرك لكبرا ما أنت ببالغه (٢)، وإن فى قلبك لقساوة (٣)، وإن فى معيشتك لإسرافا (٤)، فاستعذ بالله إنّه سميع عليم».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٦ ومفتاح الأفكار ٢٧٩)
١٥٧ - كتاب آخر
وكتب إليه:
«أما بعد، فإنى نظرت فى قول الله فى كتابه: «يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ» فعلمت أنه يريد الطيّبات من المكاسب، وأنه لا يعنى بها الحلو والحامض، ولا الحارّ والبارد من الطعام، وقد زعم أهل المعرفة بك أنه لم يقع فى يدك من زينة الله الّتى أخرج لعباده (٥)، وأرزاقه الطيبة التى بسطها على خلقه، ما تردّ به جوعة ولا توارى به عورة، وإن ذلك لم يصل إليك إلا ببغى المسلمين، وبطانة المستهزئين، وإفك المفترين، ولا أحسبك- إذا كانت
стр. 1281
بهذا وأشباهه مكاسبك- تبرأ من كسبك من شىء من دينك إلى أحد من غرمائك إلا صرت بها تبرأ من ذلك إلى أهل الأرض، رهينة عند أهل السماء، ولا تصل بشىء من جمعك أحدا من ذوى قرابتك إلا كانت مسألة الله إياك عن قطيعتهم أهون عليك من محاسبته إياك بالذى وصل إليهم منك، ولا تنفق نفقة صغيرة ولا كبيرة (١) إلا وقّعت لك فى سجّين (٢)، ولا ترفع منزلة إلا هبطت بك أسفل سافلين (٣)، وما سلم- مع ما تعرف فى نفسك- قلبك، حتى عرفت به المشرق والمغرب إلا من ضعف قلبك، ولا فتح عليك حتى رجعت إلى أهلك إلّا من قلة عقلك، ولو نفرت فى الأرض حيران على وجهك (٤)، وركبت الفلك أنفا من حدثك، أو سرت إلى الجبال هربا من خطيئتك، أو ترمّمت (٥) العظام مع الكلاب، أو ولغت (٦) فضول الماء مع السباع، لما كان ذلك بقدر جرمك خفضا ودعة فى حياتك، وبقدر عملك
стр. 1282
رغدا من معيشتك، ولو ابيضّت عيناك من الحزن (١)، أو عضضت على يديك (٢) فأبنتهما من الغبن، أو تقطّع قلبك من الهم، أو ذهبت نفسك حسرات (٣)، لما كان ذلك أرش (٤) ما خرجت به من دينك، ولا نذر ما لويت (٥) به من أمانتك، ولا قيمة ما فاتك من ربك، فإذا بلغت من نفسك المسكينة ما بلغت، ورضيت عنك نفسك الضعيفة بما صنعت، فلا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٥ ومفتاح الأفكار ص ٢٧٩)
١٥٨ - كتاب يحيى بن خالد إلى ابنه جعفر
وذكروا أن جعفر بن يحيى كان يدخل فى منادمة الرشيد حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته، ويأمره بترك الأنس به، فيترك أمر أبيه ويدخل معه فيما يدعوه إليه.
وكتب يحيى إلى ابنه جعفر حين أعيته حيلته فيه:
«إنى إنما أهملتك ليعثر الزمان بك عثرة تعرف بها أمرك، وإن كنت لأخشى أن تكون التى لا شوى (٦) لها». (تاريخ الطبرى ١٠: ٨٣)
стр. 1283
١٥٩ - كتاب يحيى بن خالد إلى أيوب بن هرون بن سليمان
ثم تغيّر الرشيد على البرامكة، فأوقع (١) بهم (سنة ١٨٧) وقتل جعفرا، وحبس يحيى والفضل وسائر البرامكة فى سجن الزّنادقة إلى أن ماتوا فيه، واستصفى أموالهم وضياعهم.
ووافى أيوب بن هرون بن سليمان بن على خبر مقتل جعفر وزوال أمرهم، فكتب إلى يحيى يعزّيه، فكتب إليه:
«أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربّك بظلّام للعبيد، وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد».
(تاريخ الطبرى ١٠: ٨٧)
١٦٠ - كتاب يحيى بن خالد إلى الرشيد
وكتب يحيى بن خالد من الحبس، إلى الرشيد:
«يا أمير المؤمنين إن كان الذنب خاصّا فلا تعمّنّ بالعقوبة، فإن الله يقول: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى».* (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٦)
١٦١ - بين يحيى بن خالد والرشيد
وكتب يحيى بن خالد وهو فى الحبس إلى هرون الرشيد:
«لأمير المؤمنين، وخليفة المهدّيين، وإمام المسلمين، وخليفة رب العالمين، من عبد أسلمته (٢) ذنوبه وأوبقته عيوبه، وخذله شقيقه، ورفضه صديقه، ومال به
стр. 1284
الزمان، ونزل به الحدثان (١). فحلّ فى الضيق بعد السّعة، وعالج البؤس بعد الدّعة، وافترش السّخط بعد الرّضا، واكتحل السّهاد بعد الهجود، ساعته شهر، وليلته دهر، قد عاين الموت، وشارف الفوت، جزعا لموجدتك (٢) يا أمير المؤمنين، وأسفا على مافات من قربك، لا على شىء من المواهب، لأن الأهل والمال إنما كانا لك وبك، وكانا فى يدىّ عاريّة (٣)، والعارية مردودة، وأما ما أصبت به من ولدى فبذنبه، ولا أخشى عليك الخطأ فى أمره، ولا أن تكون تجاوزت به فوق حدّه، فتذكّر يا أمير المؤمنين كبر سنّى، وضعف قوّتى، وارحم شيبتى، وهب لى رضاك، بالعفو عن ذنب إن كان (٤)، فمن مثلى الزّلل، ومن مثلك الإقالة، وإنما أعتذر إليك بإقرار ما يجب به الإقرار حتى ترضى عنى، فإذا رضيت رجوت إن شاء الله أن يتبين لك من أمرى وبراءة ساحتى ما لا يتعاظمك (٥) بعده ذنب أن تغفره، مدّ الله لى فى عمرك، وجعل يومى قبل يومك، وكتب إليه بهذه الأبيات:
قل للخليفة ذى الصّنيعة والعطايا الفاشيه ... وابن الخلائف من قريش والملوك العاليه
إن البرامكة الذين رموا لديك بداهيه
стр. 1285
صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه
فكأنّهم مما بهم ... أعجاز نخل خاويه
عمّتهم لك سخطة ... لم تبق منهم باقية
بعد الإمارة والوزا ... رة والأمور الساميه
ومنازل كانت لهم ... فوق المنازل عاليه
أضحوا وجلّ مناهم ... منك الرضا والعافيه
يا من يودّ لى الرّدى ... يكفيك منى ما بيه
يكفيك ما أبصرت من ... ذلّى وذلّ مكانيه
وبكاء فاطمة الكئي ... بة والمدامع جاريه (١)
ومقالها بتوجّع ... يا سوءتى وشقائيه!
من لى وقد غضب الزما ... ن على جميع رجاليه؟
يا لهف نفسى لهفها ... ما للزمان وماليه؟
يا عطفة الملك الرّضا ... عودى علينا ثانيه
*** فلم يكن له جواب من الرشيد.
*** وفى رواية أن الرشيد ردّ عليه من كتاب:
إن أمير المؤمنين لم يأت على ولدك اللّعين، ومن رأيه ترك الباقين، ولم يأمر بحبسك، وهو يريد بقاء نفسك، إنما أخّرك وإياهم لتعالج البؤس بعد النعيم، ثم تصير إلى العذاب الأليم، فأبشر أيها المخادع الزّنديق، والمخالف الفسّيق (٢)، بما أعدّ لك أمير المؤمنين من تبديد شملك، وخمول ذكرك، وإطفاء أمرك، فتوقّعه صباحا ومساء»
стр. 1286
ووقّع الرشيد عليه: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ».
واعتل يحيى فى الحبس، فلما أشفى (١) دعا برقعة، فكتب فى عنوانها: ينفّذ أمير المؤمنين أبقاه الله عهد مولاه يحيى بن خالد، وفيها مكتوب:
«بسم الله الرحمن الرحيم: قد تقدّم الخصم إلى موقف الفصل، وأنت على الأثر، والله حكم عدل. وستقدم فتعلم» فلما ثقل (٢) قال للسّجان: هذا عهدى توصله إلى أمير المؤمنين، فإنه ولىّ نعمتى، وأحقّ من نفّذ وصيتى، فلما مات يحيى أوصل السجان عهده إلى الرشيد.
قال سهل بن هرون: وأنا عند الرشيد إذ وصلت الرقعة إليه فلما قرأها جعل يكتب فى أسفلها، ولا أدرى لمن الرقعة، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ألا أكفيك؟
قال: كلا، إنى أخاف عادة الراحة أن يتقوى سلطان العجز، فيحكم بالغفلة، ويقضى بالبلادة، ووقّع فيها: «الحكم الذى رضيت به فى الآخرة لك، هو أعدى الخصوم عليك، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يردّ قضاؤه» قال: ثم رمى الصكّ إلىّ، فلما رأيته علمت أنه ليحيى، وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه.
(العقد الفريد ٣: ٢٥ وغرر الخصائص الواضحة ص ٤٠٦ والإمامة والسياسة ٢: ١٣٨)
١٦٢ - عهد الأمين على نفسه للرشيد
وحجّ الرشيد ومعه ابناه محمد الأمين (٣) وعبد الله المأمون (٤) وقوّاده ووزراؤه وقضاته سنة ١٨٦ هـ، فلما قضى مناسكه استكتب ولديه الأمين والمأمون بخط يدهما
стр. 1287
عهدين، عهد فيهما بالخلافة من بعده للأمين، ثم من بعد الأمين للمأمون، وأشهد فيهما، وأمر بتعليقهما فى داخل الكعبة، وتقدّم إلى حجبتها فى حفظهما ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما.
ونسخة عهد الأمين- كما رواه الطبرى-:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب لعبد الله هرون أمير المؤمنين، كتبه محمد بن هارون أمير المؤمنين فى صحّة من عقله، وجواز من أمره، طائعا غير مكره:
إن أمير المؤمنين ولّانى العهد من بعده، وصيّر البيعة لى فى رقاب المسلمين جميعا، وولّى عبد الله بن هرون أمير المؤمنين العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدى، برضا منى وتسليم، طائعا غير مكره، وولّاه خراسان وثغورها وكورها وحربها وجندها وخراجها وطرازها (١) وبريدها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشرها وعشورها وجميع أعمالها فى حياته وبعده.
وشرطت لعبد الله هرون أمير المؤمنين، برضا منى وطيب نفسى، أنّ لأخى عبد الله بن هرون علىّ الوفاء بما عقد له هرون أمير المؤمنين، من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعا بعدى، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها كلّها وما أقطعه أمير المؤمنين من قطيعة، أو جعل له من عقدة (٢) أو ضيعة من ضياعه، أو ابتاع من الضّياع والعقد، وما أعطاه فى حياته وصحته، من مال أو حلىّ أو جوهر أو متاع أو كسوة أو منزل أو دوابّ أو قليل أو كثير، فهو لعبد الله بن هرون أمير المؤمنين موفّرا مسلّما إليه، وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا.
стр. 1288
فإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد بن أمير المؤمنين، فعلى محمد إنفاذ ما أمره به هرون أمير المؤمنين فى تولية عبد الله بن هرون أمير المؤمنين خراسان وثغورها، ومن ضمّ إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرماسين (١)، وأن يمضى عبد الله بن أمير المؤمنين إلى خراسان والرّىّ والكور التى سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من معسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين، وجميع من ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحبّ من لدن الرّى إلى أقصى عمل خراسان، ليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحوّل عنه قائدا ولا مقودا ولا رجلا واحدا ممن ضمّ إليه من أصحابه الذين ضمّهم إليه أمير المؤمنين، ولا يحوّل عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التى ولّاه إياها هرون أمير المؤمنين من ثغور خراسان وأعمالها كلّها، ما بين عمل الرّىّ مما يلى همذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها وما هو منسوب إليها، ولا يشخصه (٢) إليه، ولا يفرّق أحدا من أصحابه وقوّاده عنه، ولا يولّى عليه أحدا، ولا يبعث عليه ولا على أحد من عمّاله وولاة أموره بندارا (٣) ولا محاسبا ولا عاملا، ولا يدخل عليه فى صغير من أمره ولا كبير ضررا ولا يحول بينه وبين معمل فى ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يعرض لأحد ممن ضمّ إليه أمير المؤمنين، من أهل بيته وصحابته وقضاته وعمّاله وكتّابه وقوّاده وخدمه ومواليه وجنده، بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم، فى أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم، ولا أحد ينسل (٤) منهم، ولا فى دمائهم ولا فى أموالهم، ولا فى ضياعهم ودورهم ورباعهم (٥) وأمتعتهم ورقيقهم ودوابّهم، شيئا من ذلك صغيرا ولا كبيرا، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيص
стр. 1289
له فى ذلك، وإدهان (١) منه فيه، لأحد من ولد آدم، ولا يحكم فى أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممن كان بسبب منه، بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأى قضاته.
وإن نزغ (٢) إليه أحد ممن ضمّ أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، من أهل بيت أمير المؤمنين وصحابته وقواده وعماله وكتّابه وخدمه ومواليه وجنده، ورفض اسمه ومكتبه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين، عاصيا له أو مخالفا عليه، فعلى محمد ابن أمير المؤمنين ردّه إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين بصغر (٣) له وقماء، حتى ينفذ فيه رأيه وأمره.
فإن أراد محمد ابن أمير المؤمنين خلع عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده، أو عزل عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية خراسان وثغورها وأعمالها، والذى من حدّ عملها مما يلى همذان، والكور التى سماها أمير المؤمنين فى كتابه هذا، أو صرف أحد من قوّاده الذين ضمّهم أمير المؤمنين إليه ممن قدم قرماسين، أو أن ينتقصه قليلا أو كثيرا مما جعله أمير المؤمنين له، بوجه من الوجوه، أو بحيلة من الحيل، صغرت أو كبرت، فلعبد الله بن هرون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدّم على محمد ابن أمير المؤمنين، وهو ولىّ الأمر من بعد أمير المؤمنين، والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هرون من أهل خراسان وأهل العطاء وجميع المسلمين فى جميع الأجناد والأمصار، لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيام معه والمجاهدة لمن خالفه، والنصر له والذّبّ عنه، ما كانت الحياة فى أبدانهم، وليس لأحد منهم جميعا من كانوا أو حيث كانوا أن يخالفه، ولا يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين فى خلع عبد الله بن هرون أمير المؤمنين، وصرف العهد عنه
стр. 1290
من بعده إلى غيره، أو ينتقصه شيئا مما جعله له أمير المؤمنين هرون فى حياته وصحته، واشترط فى كتابه الذى كتبه عليه فى البيت الحرام فى هذا الكتاب، وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدّق فى قوله، وأنتم فى حلّ من البيعة التى فى أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هرون إن نقص شيئا مما جعله له أمير المؤمنين هرون، وعلى محمد ابن هرون أمير المؤمنين أن ينقاد لعبد الله ابن أمير المؤمنين هرون، ويسلّم له الخلافة وليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هرون، ولا لعبد الله ابن أمير المؤمنين، أن يخلعا القاسم (١) ابن أمير المؤمنين هرون ولا يقدّما عليه أحدا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البريّة، فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، فالأمر إليه فى إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى من رأى من ولده وإخوته، وتقديم من أراد أن يقدّم قبله، وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد من يقدم قبله، يحكم فى ذلك بما أحبّ ورأى.
فعليكم معشر المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين فى كتابه هذا، وشرط عليهم، وأمر به، وعليكم السمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمته وذمة رسوله ﷺ وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التى أخذ الله على الملائكة المقرّبين والنبيين والمرسلين، ووكّدها فى أعناق المؤمنين والمسلمين: لتكنّ لعبد الله أمير المؤمنين بما سمّى، ولمحمد وعبد الله والقاسم بنى أمير المؤمنين بما سمّى وكتب فى كتابه هذا واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم، فإن أنتم بدّلتم من ذلك شيئا أو غيرتم أو نكثتم أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين واشترط عليكم فى كتابه هذا، فبرئت منكم ذمّة الله وذمة رسوله محمد ﷺ وذمم المؤمنين والمسلمين، وكل مال هو اليوم لكل رجل منكم
стр. 1291
أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين، وعلى كل رجل منكم المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة خمسين حجّة نذرا واجبا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك، وكل مملوك لأحد منكم أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة حرّ، وكل امرأة له فهى طالق ثلاثا ألبتّة طلاق الحرج (١) لا مثنويّة فيها، والله عليكم بذلك كفيل وراع وكفى بالله حسيبا». (تاريخ الطبرى ١٠: ٧٣)
١٦٣ - صورة أخرى
وروى صاحب صبح الأعشى عهد الأمين بصورة أخرى. وهى:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب لعبد الله هرون أمير المؤمنين، كتبه له محمد ابن أمير المؤمنين، فى صحّة من بدنه وعقله، وجواز من أمره، طائعا غير مكره.
إن أمير المؤمنين هرون ولّانى العهد من بعده، وجعل لى البيعة فى رقاب المسلمين جميعا، وولّى أخى عبد الله ابن أمير المؤمنين هرون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين من بعدى، برضا منى وتسليم، طائعا غير مكره، وولّاه خراسان بثغورها وكورها وجنودها وخراجها وطرازها وبريدها وبيوت أموالها وصدقاتها وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها، فى حياته وبعد وفاته، فشرطت لعبد الله ابن أمير المؤمنين علىّ الوفاء بما جعله له أمير المؤمنين هرون، من البيعة والعهد وولاية الخلافة وأمور المسلمين بعدى، وتسليم ذلك له، وما جعل له من ولاية خراسان وأعمالها، وما أقطعه أمير المؤمنين هرون من قطيعة، وجعل له من عقدة أو ضيعة من ضياعه وعقده، أو ابتاع له من الضّياع والعقد، وما أعطاه فى حياته وصحّته: من مال أو حلىّ أو جوهر أو متاع أو كسوة أو رقيق أو منزل أو دوابّ، قليلا أو كثيرا، فهو لعبد الله ابن أمير المؤمنين،
стр. 1292
موفّرا عليه مسلّما له، وقد عرفت ذلك كله شيئا فشيئا باسمه وأصنافه ومواضعه، أنا وعبد الله بن هرون أمير المؤمنين، فإن اختلفنا فى شىء منه، فالقول فيه قول عبد الله بن هرون أمير المؤمنين، لا أتبعه بشىء من ذلك، ولا آخذه منه، ولا أنتقصه صغيرا ولا كبيرا من ماله، ولا من ولاية خراسان ولا غيرها، مما ولّاه أمير المؤمنين من الأعمال، ولا أعزله عن شىء منها، ولا أخلعه ولا أستبدل به غيره، ولا أقدّم عليه فى العهد والخلافة أحدا من الناس جميعا، ولا أدخل عليه مكروها فى نفسه ولا دمه ولا شعره ولا بشره (١)، ولا خاصّ ولا عامّ من أموره وولايته، ولا أمواله ولا قطائعه ولا عقده، ولا أغيّر عليه شيئا لسبب من الأسباب، ولا آخذه ولا أحدا من عمّاله وكتّابه وولاة أمره ممّن صحبه وأقام معه بمحاسبة، ولا أتتبّع شيئا جرى على يديه وأيديهم فى ولاية خراسان وأعمالها وغيرها، مما ولّاه أمير المؤمنين فى حياته وصحّته، من الجباية والأموال والطّراز والبريد والصّدقات والعشر والعشور وغير ذلك، ولا آمر بذلك أحدا من الناس ولا أرخّص فيه لعيرى، ولا أحدّث نفسى فيه بشىء أمضيه عليه، ولا ألتمس قطيعة له، ولا أنقض شيئا مما جعله له هرون أمير المؤمنين وأعطاه فى حياته وخلافته وسلطانه، من جميع ما سمّيت فى كتابى هذا، وآخذ له علىّ وعلى جميع الناس البيعة، ولا أرخّص لأحد- من جميع الناس كلّهم فى جميع ما ولّاه- فى خلعه ولا مخالفته، ولا أسمع من أحد- من البريّة فى ذلك قولا، ولا أرضى بذلك فى سرّ ولا علانية، ولا أغمض عليه، ولا أتغافل عنه، ولا أقبل من برّ من العباد ولا فاجر، ولا صادق ولا كاذب، ولا ناصح ولا غاشّ، ولا قريب ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ﵇، من ذكر ولا أنثى، مشورة ولا حيلة ولا مكيدة فى شىء من الأمور: سرّها وعلانيتها، وحقّها وباطلها، وظاهرها وباطنها، ولا سبب من
стр. 1293
الأسباب، أريد بذلك إفساد شىء مما أعطيت عبد الله بن هرون أمير المؤمنين من نفسى، وأوجبت له علىّ، وشرطت وسمّيت فى كتابى هذا.
وإن أراد به أحد من الناس أجمعين سوءا أو مكروها، أو أراد خلعه أو محاربته أو الوصول إلى نفسه ودمه أو حرمه أو ماله أو سلطانه أو ولايته، جميعا أو فرادى مسرّين أو مظهرين له، فإنى أنصره وأحوطه (١) وأدفع عنه، كما أدفع عن نفسى ومهجتى ودمى وشعرى وبشرى وحرمى وسلطانى، وأجهّز الجنود إليه، وأعينه على كل من غشّه وخالفه، ولا أسلمه (٢) ولا أخذ له ولا أتخلّى عنه، ويكون أمرى وأمره فى ذلك واحدا أبدا ما كنت حيّا
إن حدث بأمير المؤمنين هرون حدث الموت، وأنا وعبد الله ابن أمير المؤمنين بحضرة أمير المؤمنين، أو أحدنا، أو كنا غائبين عنه جميعا، مجتمعين كنا أو متفرقين، وليس عبد الله بن هرون أمير المؤمنين فى ولايته بخراسان، فعلىّ لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان، وأن أسلّم له ولايتها بأعمالها كلها وجنودها، ولا أعوّقه عنها، ولا أحبسه قبلى، ولا فى شىء من البلدان دون خراسان، وأعجّل إشخاصه إلى خراسان، واليا عليها مفردا بها، مفوّضا إليه جميع أعمالها كلّها، وأشخص معه من ضمّ إليه أمير المؤمنين من قوّاده وجنوده وأصحابه وكتّابه وعمّاله ومواليه وخدمه، ومن تبعه من صنوف الناس بأهليهم وأموالهم، ولا أحبس عنه أحدا، ولا أشرك معه فى شىء منها أحدا، ولا أرسل أمينا ولا كاتبا ولا بندارا، ولا أضرب على يديه فى قليل ولا كثير.
وأعطيت هرون أمير المؤمنين وعبد الله بن هرون على ما شرطت لهما على نفسى، من جميع ما سمّيت وكتبت فى كتابى هذا عهد الله وميثاقه، وذمّة أمير المؤمنين وذمّتى وذمة آبائى وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله تعالى على النبيّين والمرسلين
стр. 1294
وخلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكّدة التى أمر الله الوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها.
فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت لهرون أمير المؤمنين ولعبد الله بن هرون أمير المؤمنين، وسمّيت فى كتابى هذا، أو حدّثت نفسى أن أنقض شيئا مما أنا عليه، أو غيّرت أو بدّلت، أو حلت أو غدرت، أو قبلت ذلك من أحد من الناس: صغيرا أو كبيرا، برّا أو فاجرا، ذكرا أو أنثى، وجماعة أو فرادى، فبرئت من الله ومن ولايته ومن دينه ومن محمد صلى الله عليه، ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا، وكلّ امرأة هى اليوم لى أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا ألبتة طلاق الحرج، وعلىّ المشى إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة: نذرا واجبا لله تعالى فى عنقى، جافيا راجلا، لا يقبل الله منى إلا الوفاء بذلك، وكلّ مال هو لى اليوم، أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدى (١) بالغ الكعبة الحرام، وكلّ مملوك هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله .
وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين ولعبد الله بن هرون أمير المؤمنين وكتبته وشرطته لهما، وحلفت عليه، وسمّيت فى كتابى هذا، لازم لى الوفاء به، لا أضمر غيره، ولا أنوى إلّا إياه، فإن أضمرت أو نويت غيره، فهذه العقود والمواثيق والأيمان كلّها لازمة لى، واجبة علىّ، وقوّاد أمير المؤمنين وجنوده وأهل الآفاق والأمصار، فى حلّ من خلعى وإخراجى من ولايتى عليهم، حتى أكون سوقة من السّوق، وكرجل من عرض (٢) المسلمين، لا حقّ لى عليهم، ولا ولاية، ولا تبعة لى قبلهم، ولا بيعة لى فى أعناقهم، وهم فى حلّ من الأيمان التى أعطونى، براء من تبعتها ووزرها فى الدنيا والآخرة.
شهد سليمان ابن أمير المؤمنين المنصور، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر،
стр. 1295
وعبد الله بن المهدىّ، وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، وإسحق بن موسى أمير المؤمنين، وإسحق بن عيسى بن على، وأحمد بن إسماعيل بن على، وسليمان بن جعفر بن سليمان، وعيسى بن صالح بن على، وداود بن عيسى بن موسى، ويحيى بن عيسى بن موسى، وداود بن سليمان بن جعفر، وخزيمة بن خازم، وهرثمة بن أعين، ويحيى بن خالد، والفضل بن يحيى، وجعفر بن يحيى، والفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين، والقاسم ابن الرّبيع مولى أمير المؤمنين، ودماثة بن عبد العزيز العبسى، وسليمان بن عبد الله الأصمّ، والربيع بن عبد الله الحارثى، وعبد الرحمن بن أبى الشمر الغسّانى، ومحمد بن عبد الرحمن قاضى مكّة، وعبد الكريم بن شعيب الحجبىّ، وإبراهيم بن عبد الله الحجبى، وعبد الله بن شعيب الحجبى، ومحمد بن عبد الله بن عثمان الحجبى، وإبراهيم ابن عبد الرحمن بن نبيه الحجبىّ، وعبد الواحد بن عبد الله الحجبىّ، وإسمعل بن عبد الرحمن ابن نبيه الحجبى، وأبان مولى أمير المؤمنين، ومحمد بن منصور، وإسمعيل بن صبيح، والحارث مولى أمير المؤمنين، وخالد مولى أمير المؤمنين.
وكتب فى ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائة. (صبح الأعشى ١٤: ٨٥)
١٦٤ - عهد المأمون على نفسه للرشيد
ونسخة عهد المأمون:
«هذا كتاب لعبد الله هرون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هرون أمير المؤمنين فى صحّة من عقله، وجواز من أمره، وصدق نيّة فيما كتب فى كتابه هذا، ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين، إن أمير المؤمنين هرون ولّانى العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين فى سلطانه، بعد أخى محمد بن هرون، وولّانى فى حياته وبعده ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها: من الصّدقات والعشر والبريد والطّراز وغير ذلك، وشرط لى على محمد بن هرون الوفاء بما عقد لى من الخلافة وولاية
стр. 1296
أمور العباد والبلاد بعده وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لى فى شى مما أقطعنى أمير المؤمنين، أو ابتاع لى من الضّياع والعقد والدور والرّباع، أو ابتعت منه لنفسى من ذلك، وما أعطانى أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكسا والمتاع والدوابّ والرّقيق وغير ذلك، ولا يعرض لى ولا لأحد من عمالى وكتّابى بسبب محاسبة، ولا يتتبّع لى فى ذلك ولا لأحد منهم أثرا، ولا يدخل علىّ ولا عليهم ولا على من كان معى، ومن استعنت به من جميع الناس، مكروها فى نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال ولا صغير من الأمور ولا كبير، فأجابه إلى ذلك وأقرّبه، وكتب له كتابا أكّد فيه على نفسه، ورضى به أمير المؤمنين هرون وقبله، وعرف صدق نيّته فيه، فشرطت لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسى أن أسمع لمحمد وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشّه، وأوفّى يبيعته وولايته، ولا أغدر ولا أنكث، وأنفّذ كتبه وأموره، وأحسن موازرته ومكانفته (١)، وأجاهد عدوّه فى ناحيتى بأحسن جهاد، ما وفى لى بما شرط لى ولأمير المؤمنين فى أمرى، وسمّى فى الكتاب الذى كتبه لأمير المؤمنين، ورضى به أمير المؤمنين، ولم ينقص شيئا من ذلك، ولم ينقض أمرا من الأمور التى شرطها أمير المؤمنين لى عليه.
فإن احتاج محمد ابن أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلىّ يأمرنى بإشخاصه إليه، أو إلى ناحية من النواحى، أو إلى عدو من أعدائه، خالفه أو أراد نقص شىء من سلطانه أو سلطانى، الذى أسنده أمير المؤمنين إلينا وولّانا إياه، فعلىّ أن أنفّذ أمره ولا أخالفه ولا أقصّر فى شىء كتب به إلىّ.
وإن أراد محمد أن يولّى رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدى، فذلك له، ما وفّى لى بما جعله أمير المؤمنين إلىّ، واشترطه لى عليه، وشرط على نفسه فى أمرى، وعلىّ إنفاذ ذلك والوفاء له به، ولا أنقص من ذلك ولا أغيّره ولا أبدّله، ولا أقدّم قبله
стр. 1297
أحدا من ولدى، ولا قرييا ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلّا أن يولّى أمير المؤمنين هرون أحدا من ولده العهد من بعدى، فيلزمنى ومحمدا الوفاء له.
وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد علىّ الوفاء بما شرطت وسمّيت فى كتابى هذا، ما وفّى لى محمد بجميع ما اشترط لى أمير المؤمنين عليه فى نفسى، وما أعطانى أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسمّاة فى هذا الكتاب الذى كتبه لى، وعلىّ عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمتى وذمم آبائى وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكّدة التى أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها، فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت وسمّيت فى كتابى هذا، أو غيّرت أو بدّلت أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله ومن ولايته ودينه، ومحمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا، وكلّ امرأة هى لى اليوم أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا ألبتّة طلاق الحرج، وكلّ مملوك هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعلىّ المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة ثلاثين حجّة نذرا واجبا علىّ فى عنقى، حافيا راجلا، لا يقبل الله منى إلا الوفاء بذلك، وكل مال هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدى بالغ الكعبة، وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت فى كتابى هذا لازم لى، لا أضمر غيره، ولا أنوى سواه».
وشهد سليمان ابن أمير المؤمنين، وفلان، وفلان
وكتب فى ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائة (١)
(تاريخ الطبرى ١٠: ٧٦، وصبح الأعشى ١٤: ٨٩)
стр. 1298
١٦٥ - كتاب الرشيد إلى عماله
وكتب الرشيد إلى عمّاله فى هذا الشأن:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فإن الله ولىّ أمير المؤمنين وولىّ ما ولّاه، والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدّم وأخّر من أموره، والمنعم عليه بالنصر والتأييد فى مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ (١) والحافظ والكافى من جميع خلقه، وهو المحمود على جميع آلائه (٢)، المسئول تمام حسن ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين، وعادته الجميلة عنده، وإلهام ما يرضى به، ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله.
وقد كان من نعمة الله عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوامّ المسلمين، ما تولّى الله من محمد وعبد الله ابنى أمير المؤمنين، من تبليغه بهما أحسن ما أمّلت الأمة، ومدّت إليه أعناقها، وقذف الله لهما فى قلوب العامّة من المحبة والمودّة والسكون إليهما والثّقة بهما، لعماد دينهم، وقوام أمورهم، وجمع ألفتهم، وصلاح دهمائهم (٣)، ودفع المحذور والمكروه من الشّتات والفرقة عنهم، حتى ألقوا إليهما أزمّتهم، وأعطوهما بيعتهم، وصفقات أيمانهم بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان المغلّظة عليهم، أراد الله فلم يكن له مردّ، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته، ولا صرف له عن محبته ومشيئته، وما سبق فى علمه منه، وأمير المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما فى ذلك وعلى الأمة كافّة، لا عاقب لأمر الله، ولا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه.
ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عقد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من
стр. 1299
بعد أمير المؤمنين، ولعبد الله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، يعمل فكره ورأيه ونظره ورويته فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية، والجمع للكلمة، واللّمّ للشّعث، والدّفع للشّتات والفرقة، والحسم لكيد أعداء النّعم، من أهل الكفر والنفاق، والغلّ والشقاق، والقطع لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما، ويستخير الله أمير المؤمنين فى ذلك، ويسأله العزيمة له على ما فيه الخيرة لهما ولجميع الأمة، والقوة فى أمر الله وحقّه، وائتلاف أهوائهما، وصلاح ذات بينهما، وتحصينهما من كيد أعداء النعم، وردّ حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما فعزم الله لأمير المؤمنين على الشّخوص بهما إلى بيت الله وأخذ اليبعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره، واكتتاب الشّرط على كل واحد منهما، لأمير المؤمنين ولهما، بأشدّ المواثيق والعهود وأغلظ الأيمان والتوكيد، والأخذ لكل واحد منهما على صاحبه، بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع ألفتهما ومودّتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسن النظر لأنفسهما ولرعية أمير المؤمنين التى استرعاهما، والجماعة لدين الله وكتابه وسنن نبيه ﷺ ، والجهاد لعدوّ المسلمين من كانوا وحيث كانوا، وقطع طمع كل عدوّ مظهر للعداوة ومسرّ لها وكل منافق مارق وأهل الأهواء الضّالّة المضلّة من فرقة تكيذ بكيد توقعه بينهما، وبدحس تدحس (١) به لهما، وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه، من الضرب بين الأمة، والسعى بالفساد فى الأرض، والدعاء إلى البدع والضلالة، نظرا من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمة نبيه محمد ﷺ ، ومناصحة لله ولجميع المسلمين، وذبّا عن سلطان الله الذى قدّره وتوحّد فيه للذى حمّله إياه، والاجتهاد فى كل ما فيه قربة إلى الله، وما ينال به رضوانه والوسيلة عنده.
فلمّا قدم مكّة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه فى ذلك، وما نظر فيه لهما، فقبلا كل
стр. 1300
ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله وكتبا لأمير المؤمنين فى بطن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما، بمحضر ممن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين، استودعهما أمير المؤمنين الحجبة، وأمر بتعليقهما فى داخل الكعبة.
فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كله فى داخل بيت الله الحرام وبطن الكعبة أمر قضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابهما، أن يعلموا جميع من حضر الموسم من الحاجّ والعمّار (١) ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما، وقراءة ذلك عليهم، ليفهموه ويعوه (٢) ويعرفوه ويحفظوه، ويؤدّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك، وقرئ عليهم الشرطان جميعا فى المسجد الحرام، فانصرفوا وقد اشتهر ذلك عندهم وأثبتوا الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم، وحقن دمائهم، ولمّ شعثهم، وإطفاء جمرة أعداء الله وأعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، وأظهروا الدعاء لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه فى ذلك.
وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللّذين كتبهما لأمير المؤمنين ابناه محمد وعبد الله فى بطن الكعبة فى أسفل كتابه هذا، فاحمد الله على ما صنع لمحمد وعبد الله وليّى عهد المسلمين حمدا كثيرا، واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليّى عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمّة محمد ﷺ كثيرا، واقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلك من المسلمين، وأفهمهم إياه، وقم به بينهم وأثبته فى الديوان قبلك وقبل قوّاد أمير المؤمنين ورعيته قبلك، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون فى ذلك إن شاء الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبه الحول والقوة والطّول».