← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أمور العباد والبلاد بعده وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لى فى شى مما أقطعنى أمير المؤمنين، أو ابتاع لى من الضّياع والعقد والدور والرّباع، أو ابتعت منه لنفسى من ذلك، وما أعطانى أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكسا والمتاع والدوابّ والرّقيق وغير ذلك، ولا يعرض لى ولا لأحد من عمالى وكتّابى بسبب محاسبة، ولا يتتبّع لى فى ذلك ولا لأحد منهم أثرا، ولا يدخل علىّ ولا عليهم ولا على من كان معى، ومن استعنت به من جميع الناس، مكروها فى نفس ولا دم ولا شعر ولا بشر ولا مال ولا صغير من الأمور ولا كبير، فأجابه إلى ذلك وأقرّبه، وكتب له كتابا أكّد فيه على نفسه، ورضى به أمير المؤمنين هرون وقبله، وعرف صدق نيّته فيه، فشرطت لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسى أن أسمع لمحمد وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشّه، وأوفّى يبيعته وولايته، ولا أغدر ولا أنكث، وأنفّذ كتبه وأموره، وأحسن موازرته ومكانفته (١)، وأجاهد عدوّه فى ناحيتى بأحسن جهاد، ما وفى لى بما شرط لى ولأمير المؤمنين فى أمرى، وسمّى فى الكتاب الذى كتبه لأمير المؤمنين، ورضى به أمير المؤمنين، ولم ينقص شيئا من ذلك، ولم ينقض أمرا من الأمور التى شرطها أمير المؤمنين لى عليه. فإن احتاج محمد ابن أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلىّ يأمرنى بإشخاصه إليه، أو إلى ناحية من النواحى، أو إلى عدو من أعدائه، خالفه أو أراد نقص شىء من سلطانه أو سلطانى، الذى أسنده أمير المؤمنين إلينا وولّانا إياه، فعلىّ أن أنفّذ أمره ولا أخالفه ولا أقصّر فى شىء كتب به إلىّ. وإن أراد محمد أن يولّى رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدى، فذلك له، ما وفّى لى بما جعله أمير المؤمنين إلىّ، واشترطه لى عليه، وشرط على نفسه فى أمرى، وعلىّ إنفاذ ذلك والوفاء له به، ولا أنقص من ذلك ولا أغيّره ولا أبدّله، ولا أقدّم قبله

стр. 1297

أحدا من ولدى، ولا قرييا ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلّا أن يولّى أمير المؤمنين هرون أحدا من ولده العهد من بعدى، فيلزمنى ومحمدا الوفاء له. وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد علىّ الوفاء بما شرطت وسمّيت فى كتابى هذا، ما وفّى لى محمد بجميع ما اشترط لى أمير المؤمنين عليه فى نفسى، وما أعطانى أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسمّاة فى هذا الكتاب الذى كتبه لى، وعلىّ عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمتى وذمم آبائى وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكّدة التى أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها، فإن أنا نقضت شيئا مما شرطت وسمّيت فى كتابى هذا، أو غيّرت أو بدّلت أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله ومن ولايته ودينه، ومحمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم القيامة كافرا مشركا، وكلّ امرأة هى لى اليوم أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا ألبتّة طلاق الحرج، وكلّ مملوك هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعلىّ المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة ثلاثين حجّة نذرا واجبا علىّ فى عنقى، حافيا راجلا، لا يقبل الله منى إلا الوفاء بذلك، وكل مال هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدى بالغ الكعبة، وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت فى كتابى هذا لازم لى، لا أضمر غيره، ولا أنوى سواه». وشهد سليمان ابن أمير المؤمنين، وفلان، وفلان وكتب فى ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائة (١) (تاريخ الطبرى ١٠: ٧٦، وصبح الأعشى ١٤: ٨٩)

стр. 1298

١٦٥ - كتاب الرشيد إلى عماله وكتب الرشيد إلى عمّاله فى هذا الشأن: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فإن الله ولىّ أمير المؤمنين وولىّ ما ولّاه، والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدّم وأخّر من أموره، والمنعم عليه بالنصر والتأييد فى مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ (١) والحافظ والكافى من جميع خلقه، وهو المحمود على جميع آلائه (٢)، المسئول تمام حسن ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين، وعادته الجميلة عنده، وإلهام ما يرضى به، ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله. وقد كان من نعمة الله عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوامّ المسلمين، ما تولّى الله من محمد وعبد الله ابنى أمير المؤمنين، من تبليغه بهما أحسن ما أمّلت الأمة، ومدّت إليه أعناقها، وقذف الله لهما فى قلوب العامّة من المحبة والمودّة والسكون إليهما والثّقة بهما، لعماد دينهم، وقوام أمورهم، وجمع ألفتهم، وصلاح دهمائهم (٣)، ودفع المحذور والمكروه من الشّتات والفرقة عنهم، حتى ألقوا إليهما أزمّتهم، وأعطوهما بيعتهم، وصفقات أيمانهم بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان المغلّظة عليهم، أراد الله فلم يكن له مردّ، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته، ولا صرف له عن محبته ومشيئته، وما سبق فى علمه منه، وأمير المؤمنين يرجو تمام النعمة عليه وعليهما فى ذلك وعلى الأمة كافّة، لا عاقب لأمر الله، ولا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه. ولم يزل أمير المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عقد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من

стр. 1299

بعد أمير المؤمنين، ولعبد الله ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، يعمل فكره ورأيه ونظره ورويته فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعية، والجمع للكلمة، واللّمّ للشّعث، والدّفع للشّتات والفرقة، والحسم لكيد أعداء النّعم، من أهل الكفر والنفاق، والغلّ والشقاق، والقطع لآمالهم من كل فرصة يرجون إدراكها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما، ويستخير الله أمير المؤمنين فى ذلك، ويسأله العزيمة له على ما فيه الخيرة لهما ولجميع الأمة، والقوة فى أمر الله وحقّه، وائتلاف أهوائهما، وصلاح ذات بينهما، وتحصينهما من كيد أعداء النعم، وردّ حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما فعزم الله لأمير المؤمنين على الشّخوص بهما إلى بيت الله وأخذ اليبعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره، واكتتاب الشّرط على كل واحد منهما، لأمير المؤمنين ولهما، بأشدّ المواثيق والعهود وأغلظ الأيمان والتوكيد، والأخذ لكل واحد منهما على صاحبه، بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع ألفتهما ومودّتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسن النظر لأنفسهما ولرعية أمير المؤمنين التى استرعاهما، والجماعة لدين الله وكتابه وسنن نبيه ﷺ ، والجهاد لعدوّ المسلمين من كانوا وحيث كانوا، وقطع طمع كل عدوّ مظهر للعداوة ومسرّ لها وكل منافق مارق وأهل الأهواء الضّالّة المضلّة من فرقة تكيذ بكيد توقعه بينهما، وبدحس تدحس (١) به لهما، وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه، من الضرب بين الأمة، والسعى بالفساد فى الأرض، والدعاء إلى البدع والضلالة، نظرا من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمة نبيه محمد ﷺ ، ومناصحة لله ولجميع المسلمين، وذبّا عن سلطان الله الذى قدّره وتوحّد فيه للذى حمّله إياه، والاجتهاد فى كل ما فيه قربة إلى الله، وما ينال به رضوانه والوسيلة عنده. فلمّا قدم مكّة أظهر لمحمد وعبد الله رأيه فى ذلك، وما نظر فيه لهما، فقبلا كل

стр. 1300

ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله وكتبا لأمير المؤمنين فى بطن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما، بمحضر ممن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحجبة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين، استودعهما أمير المؤمنين الحجبة، وأمر بتعليقهما فى داخل الكعبة. فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كله فى داخل بيت الله الحرام وبطن الكعبة أمر قضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابهما، أن يعلموا جميع من حضر الموسم من الحاجّ والعمّار (١) ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما، وقراءة ذلك عليهم، ليفهموه ويعوه (٢) ويعرفوه ويحفظوه، ويؤدّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك، وقرئ عليهم الشرطان جميعا فى المسجد الحرام، فانصرفوا وقد اشتهر ذلك عندهم وأثبتوا الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم، وحقن دمائهم، ولمّ شعثهم، وإطفاء جمرة أعداء الله وأعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، وأظهروا الدعاء لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه فى ذلك. وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللّذين كتبهما لأمير المؤمنين ابناه محمد وعبد الله فى بطن الكعبة فى أسفل كتابه هذا، فاحمد الله على ما صنع لمحمد وعبد الله وليّى عهد المسلمين حمدا كثيرا، واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليّى عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمّة محمد ﷺ كثيرا، واقرأ كتاب أمير المؤمنين على من قبلك من المسلمين، وأفهمهم إياه، وقم به بينهم وأثبته فى الديوان قبلك وقبل قوّاد أمير المؤمنين ورعيته قبلك، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون فى ذلك إن شاء الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبه الحول والقوة والطّول».

стр. 1301

وكتب إسمعيل بن صبيح يوم السبت لسبع ليال بقين من المحرم سنة ست وثمانين ومائة. (تاريخ الطبرى ١٠: ٧٧) ١٦٦ - رسالة يحيى بن زياد الحارثى فى تقريظ الرشيد «أما بعد: فإنى أسأل الله لأمير المؤمنين فى غابر أموره، أحسن ما عوّده فى سالفها، من السلامة التى حرسه بها من المكاره، والعزّ الذى قهر له به الأعداء، والنصر الذى مكّن له فى البلاد، والهدى الذى وهب له به المحبة، والرّفق الذى أدرّ له به الحلب (١) والاستصلاح الذى اتّسقت له به الرعية، حتى يكون- بما أعطاه من ذلك، وما هو مستقبل به منه- أبعد خلفائه فى الخير ذكرا، وأبقاهم فى العدل أثرا وأطولهم فى العمر مدة، وأحسنهم فى المعاد منقلبا. ثم نحمد الله الذى جعل نعمته على أمير المؤمنين شواهد منه على منزلته منه، ومكانه عنده، لا يحتاج معها إلى شهادات المثنين، ولا صفات المقرّظين، ثم جعل ذكر نعمته على أمير المؤمنين ومناصحتها والمجاهدة لمن كادها، فريضة أوجبها على العباد، ومحنة امتحنهم بها، وفرقانا ميّز به بينهم، فمن أصبح من رعيته أكثر شغله أن يستعمل لسانه فى صفته، وذكر محاسنه وفضائله، ووجوب حقه وطاعته، فقد أصبح آثرا أولى الأمور وأحسنها مغبّة فى دنياه ودينه، ومن بدّل ذلك عن قدرة عليه، ودفعه بعد معرفة، فلم يدعه إلا عن خذلان حاق به، أو بدعة استمالته، وكانت حجّة الله لأمير المؤمنين عليه هى الكافية لمئونته، وقد كان علماء الناس وجهّالهم يسوّون فى عامّ المعرفة بفضل أمير المؤمنين، فأما الخاصّ فلأهل الفضل فيه فضلهم، غير أنه مهما كان من ذلك فقد أصبحوا وهم فيه على منازل ثلاث: حاسد حجب الحسد

стр. 1302

بصره عن مواقع الصواب أن يراه، والنّعمة أن يشكرها، والحقّ أن يؤدّيه، وكانت معرفته عليه وبالا، وحسده إلى الغير به قائدا، وذو هوى قاده الهوى إلى البدعة، وأخرجته الضلالة من الجماعة، فهو عرضة لسوء الأدب أو سيف النّكال، لم يوحش الله أحدا بفقده (١)، ولم يعزّر (٢) أحدا بموالاته، وموثّق معصوم (٣) استنقذه الله بموالاة أمير المؤمنين من غلّ الحسد، وبدع الآراء، وجبله على صحّة الهوى، فهو إن نظر فبعينه ينظر، وإن قال فبلسانه يقول، لا يأمن حتى يعلم أن أمير المؤمنين قد استوطأ مهاد الخفض، ولا يزال له طليعة رأى توفى على خطّة حزم، وغامض فطنة تغلغل إلى لطيف منفعة، وسهم مكيدة نحو عورة (٤)، قد علم أن يوم أمير المؤمنين يومه، وأن غده غده، فهو إن تعرّض لأداء الحقّ فى نصيحته، ينظر لنفسه نظر من لا يأمل السلامة إلا بسلامته، ولا البقاء إلا ببقائه، وقد رجوت بالقرابة التى جعلها الله لى به، والواجب الذى عرفته من حقه، والعظيم الذى حملته من معروفه، ألّا يكون أحد ينظر إليه بعين الإشفاق أقوم ما جعله الله أهله منى، فإن أبلغ الذى أردت فبتوفيق الله، وإن أقصّر فعن مثل ما حاولت قصّر المجتهد. فأوّل ما أنا ذاكره من فضله: أن الله قدّم له الصّنع فى سابق علمه، فجعل محتده (٥) خير المحاتد عنصرا، ثم اختار له أبا فأبا، لا ينقله من أب إلى أب إلا نقل معه وإليه فضيلة العنصر الذى هو منه، حتى صيره بعد فضائل أبيه إلى أفضل بدنه (٦) فكان خير خلف من خير سلف، وأفضل ولد من أفضل أبوّة، وأرضى إمام من أزكى أئمة، ثم اختار له مكارم الأخلاق، وألبسه جمال الصورة، فلا نعلم نحن ولا

стр. 1303

آباؤنا خليفة أبعد فى حلمه من ذلّ، ولا فى هيبته من تجبّر، ولا فى شدّته من عنف، ولا فى لينه من وهن، ولا فى أناته من غفلة، ولا فى اقتصاده من بخل، ولا فى بذله من إضاعة، ولا أرقّ وجها عند لقاء، ولا أحسن بشرا عند تحيّة، ولا أغزر دمعا عند موعظة، ولا ألين قيادا عند تذكير بالله منه. ثم أفضت إليه الخلافة، وفى المال ما فيه من القلة، وفى الناس ما فيهم من الاستجراح (١)، فما دفع عن مال يعطيه عن قلّة، ولا قطع عادة توسعة على رعيته، ثم استدرّ الحلب برفقه، فكلما درّ له منه شخب (٢) فوّقه طائفة من جنده، حتى سقاهم بعد التفويق ريّا، وبعد النّهل عللا (٣)، ثم ساس رعيته بألين السياسة، فعفا عن مذنبها ولو شاء لعاقب، وآمن خائفها ولو طلب لأدرك، ودفع بالحسنة السيئة ولو كافأ لقدر، فما برح صنع الله له يفضّ جموع الضّلالة بلا قتال، ويعزّ له النصر بلا مكاثرة، حتى فرغ- بشغله- من كان لا يفرغ من الوزراء، ونام- بسهره- من كان لا ينام من العامّة، واطمأنت- بمفاءاته (٤) للأسفار- دار من كان لا ينال الخفض من الجنود حتى استوطئوا مركب الأمن، فكلهم ضنين بمفارقته. أمّا ذو النية فركن إلى الخفض (٥)، وأمّا من لا يد له (٦) ففعل ما كان يؤخذ به من الاستكراه، وأما الحشو من الجند والرّعاع فغلبت عليهم عادة الهوينى، حتى لقد رأيناه يحزبه (٧) الأمر، فما يجد له الأمر غناء عنده إن وكله إلى قوّته، ولا نشاطا ولا جدّا، ولا قوّة بماله (٨)، فلما رأى ما رأى من تخاذل العامّة، وتواكل

стр. 1304

الجنود، ونزور (١) الفىء، وجمود الحلب، واستكلاب (٢) العمّال على الخيانة، وجرأة الرعية على منع الحق، ومال الفراغ بكثير من الناس عن القصد (٣)، فتحركت الأهواء واستعرت نيران العصبيّة، وجاشت صدور الحسدة وأشياعهم بالأمانى، وظنوا أن لا شدّة معه، وأن عفوه لا نكير بعده، وأمير المؤمنين يرمقهم بعين بصيرة، وأذن مصيخة (٤)، وقلب يقظان، وقد وفّر الحلم أن يخفّ لأول بوادر السفهاء، فهو ينتظر بالمدبر أن يقبل، وبالمائد (٥) أن يعتدل، وبالمغلوب على رأيه أن يتذكّر فيبصر، شمّر فى إثرهم تشمير من قدّم الروية قبل العجلة، والعفو قبل العقوبة، والتثبّت قبل الإقدام، فاتخذ روابط (٦) انتجبها (٧) على الجلد والنشاط، ليست لهم سوابق تدعوهم إلى الإدلال، وتسمو بهم إلى كثير لم ينالوه، إنما همّهم أن يتفاضلوا فى النجدة، ويستوجبوا بالغناء، ثم فرّقهم على خواصّ خدمه، فإذا أراد أن يتناول بهم فرصة ممكنة، أوعدوا غارّا (٨)، أو رتق فتق قبل اتّساعه (٩)، يغمس يديه إلى أيّهم أراده، فينفذ لأمره، ولم يشركه فيه مشير، ولم يخرج به توقيع، ولم يحص فيه عامة، ولم يطّلع منه على مكيدة، فلم نعلم أننا رأينا جندا أسرع نهضة إذا أمروا، وأحسن إجابة إذا دعوا، وأفضل غناءا إذا استكفوا من جنده، ثم قصد بنفسه حتى مثل بين النواحى إلى أهمّها له فسادا فى البيضة (١٠)، وانتقاصا من الأطراف، فأتى ناحية الشأم فوطئها وطأة جمع الله بها منهم شتات الفرقة، وأخمد بها بينهم نار الفتنة.

стр. 1305

وأما الجزيرة فإنه ألفاها وهى كالجرح النّغل (١)، فاستأصل الله به منها شأفة الداء، وأطفأ به عنها نوائر (٢) السفهاء، وخيّر أمير المؤمنين من منزله الذى هو به منزلا جمع من بسطة فى الموضع، ورفاغية (٣) فى المعاش، أنه حامل للجنود، جامع للمرافق، فباشر أمره أمرا أمرا، حتى إذا استدبر (٤)، له منها مبرم، استقبل بعده جسام (٥) منتقض، وإذا أثخن (٦) من ثغوره ثغر لم يرض حتى يفتتح من حصون أعدائه حصنا، وإذا قضى الله عنه حجّة، وصل خطوه منها عزّا، ثم رأينا ما عزم الله به عليه من ترك الصوائف (٧)، مراقبا للذى كان من غموط (٨) أهل الشام لما كانوا فيه من النعمة، فلم نشكك فى أنه توفيق من الله له وافق سخطا عليهم، حتى استباحوا الحرم، وتسافكوا الدماء، ونقضوا ما بينهم من مبرم حبل الإسلام. ومن ذلك أن أرمينية كانت فيها جنود تخرج عليهم أطماع (٩)، وتحمل إليهم- بعد اعترافهم خراجهم- الأموال من كور الشام، فلما رأى ذلك فعل كذا وكذا، فلم يتوكّل على الله فى أمره فوكله إلى نفسه، ولم يكتف به فى حفظ طرف أو قاصية ثغر إلّا كفاه مئونته، وعلم أن ما يدخل منن (١٠) أضعاف العافية من عوارض العلل، إنما هو تقدير من الله لا يمتنع بعذر، ولا يستطاع دفعه بحيلة، يصيب فيه أقواما بالبلايا والتمحيص، ويقسم فيه لأقوام الأجر والجهاد والسعادة، فرأى أنّ فى عاجل

стр. 1306

ما يرفع عن أهل أرمينية من ضرر مئونتهم وحمطهم (١)، نفعا للرعية، وإجمالا للفىء، ورفقا بالعامة، مع اقتصاره (٢) فى «الأبواب» على أكناف سجيّتها، وفى سائر أرمينية على المقاتلة من أهلها، ولم يزل منذ أراه الله ذلك، يكفيه مئونة ذاك الثّغر، ويكفّ عنه بوائقه (٣) حتى كأنه- فى هدوء الأحداث عنه، وسكون الأفئدة من روعاته- مصر من الأمصار، واسط المحلّة، مأمون النّائرة، فلما اغتنم خاقان (٤) ما اغتنم، انتهز الفرصة مبادرا لما قد أيقن من معاجلة أمير المؤمنين إياه، فكأنه حين بلغه ذلك فى إعظامه إياه بسببه له، وما أتعب فيه من بدنه، وأسهر فيه من ليله، وأنصب (٥) فيه من نهاره- لم يعلم الذى كان يكون من أشباهه (٦) فى الأزمنة الماضية قبله- وإنه بذلك لجدّ عالم- غير أن حميّته للإسلام، وشفقته عليه، وامتعاضه من أن يتناول شىء من أطرافه، قد زاد ذلك عنده قدرا فى العظم، وتفاقما (٧) فى الخطب، حتى أكمل البعث بأكثر العدد وأكمل العدّة، واستقلّ (٨) أهل الكور والأمصار، وندب له من أهل بيته من لم يترك بعده نهاية فى التخيّر، وكان قد صرف باله إلى هذين الثغرين من الخزر والروم، وإلى هذين العدوّين المحاربين له من المارقة المتعصّبة. فلما بلغ الله فى إحكام أمرهما ما بلغ، لم يستغن عن إعادة النظر فى أمر غيرهما من نواحيه، ليستبرئ (٩) به إرادته فى أقوام يدافع ظنونهم به فى أخرى، وعلم أن لما شمل من بمدينة السلام من الأمن والفراغ نتيجة مكروهة، فشخص عنها عند تحقيق ذلك، مؤثرا لأبغض وطنيه على أحبّهما، وأخشن عيشيه على ألينهما، فلما ظهرت له العورة

стр. 1307

أقدم إقدام ذى الحجّة، فلم ير مثلها نارا خبت (١)، وسحابة أقشعت، لم يسفك بها دم امرئ مسلم صبرا، ولم ينتهك فيها حرمة محرّم إباحة، وذلك أنه بسط يده بسط من يريد الاستصلاح لا من يريد الانتقام، فلم يلبث الظالع (٢) أن رجع عن ظلعه، والناطق أن صمت عن بدعته، والناكث أن رجع إلى قصده، وازداد البرىء على البراءة فرحا، والسّالم بالسلامة اغتباطا. ولم نر مثله فيما أفضى الله به إليه من خلافته، وحمّله من أمور عباده، أمّا ليله بمناجاة ربّه فيها واستعانته إياه عليها فساهر، وأمّا نهاره فى جلب فيئها وإحكام أمورها فتعب، وأما صدقاته على فقرائها وأهل الحاجة فجارية، وأما مجلسه من فقهائها وصلحائها فغاصّ (٣)، وأما غلظته على ظالمها فعتيدة (٤)، وأما إفضاله لمظلومها فمبسوط، ولئن كان الحق لزم أقواما استوجبوا فى أنفسهم وأموالهم، إنّا لنعلم أنّ ما ترك أكثر، وأنه لولا ما خفّف من الوطأة على أقوام لحمّل الواحد منهم مثل الذى حمّله للجميع، ولكنه رضى بالعفو، وسخا نفسا عن الاستقصاء، فأوجب أن يبسط يدا بغلظة، ويتبعها أخرى بلين، فكان من ذلك نظره فى هذه البقايا التى هى فىء المسلمين ومال الله، غير أن الله جعله قيّمه فيه، وفى أخذه وصرفه فى وجوهه، فلما رأى ضراوة (٥) العمّال بها، ومصانعتهم دونها، وأن قد صارت كالسّنّة اللازمة، لا يدعها عفيفهم تورّعا، ولا شريفهم تنزّها، أحبّ مع توفيره للمسلمين فيئهم أن يحدث لهم أدبا يفطم به عنهم أهل الضّراوة، ويعرف به ذوو الاستخفاف بالأمانة والأمن (٦) للتّبعة، أن لهم من تفقّده وأدبه عينا ترمق، ويدا تقبض، ولو أنه حين همّ بأخذ تلك البقايا حمل على

стр. 1308

الموسر بقدر يساره، وأخذ المعسر بطاعته، كان قد أنصف، كلا! ولكنه أحب أن يستبقى قوة، ولا يبلغ من المكثر جهدا، واقتصر بهم على العشر من ذلك، كرما فى القدرة حين رأى موضع الرّفق، وتجافى عن العلّة حين عرف مكان العذر، فأىّ نعمة أعظم، وأىّ بلاء أحسن من هذه البقايا؟ كانت فى أيديهم جماما (١) فلما اطّلع طلعها (٢) أخذ ما أخذ، وترك ما ترك، محلّلا مع ما جعل الله فى ذلك من [كلمات (٣)] المقصّر من العمّال المؤذية التى لم تكن تعدو أفواههم، فليس منهم أحدا إلا كان منه له واعظ ألّا يكسر شيئا من الخراج تضييعا، أو يأخذه غلولا (٤)، أو ينفقه إسرافا، أو يتركه إرهابا. فلما فرغ من علاج الداء المخوف فاستأصله، ومن الفىء المتفرق فجمعه، ومن الأمور المعطّلة فأحكمها، استخلف على القيام بذلك من لا يجزئه (٥) عقله عن حذر، ولا إضاعة عن حفظ، ولا لين عن تشدّد، ولا يستحل الأكف عن نقض ما أبرم، ولا مزاولة ما أحكم، ولا فتح ما أغلق، ولا إغلاق ما فتح، «فلان»: خيرة أبويه، ومحّ (٦) بيضته، وجوهر أرومته، الفائت سبقا، البيّن عنقا (٧)، الراسخ عرقا، المتفجر بحرا، المحمود أمرا، القائل فصلا، الحاكم عدلا، ثم انصرف بما أفاده الله من الأجر إلى جناحه الذى كان مدّه على من خلّف من الأهل والأموال والرعايا والجنود، «فلان»: سليل صلبه، وثمرة قلبه، المحتنك (٨) مع فتاء سنّه عقلا، والمأمون مع شدة شكيمته

стр. 1309

حملا، والمحصد (١) مع لينه وتعطّفه أمرا، الشبيه بأمير المؤمنين إن نطق لفظا، وإن نظر لحظا، وإن سئل جودا، وإن اهتصر (٢) عودا، وإن ساس رفقا، وإن غضب حلما، وإن وصف علما» وإن كلّم فهما، وإن قدر عفوا، وإن لقى بشرا، وإن نازع فلجا (٣)، وإن قارع ظفرا، فكان عند ظنه به، رعاية للحرمة، وحزما فى المكيدة، وجلبا للفىء، وحياطة للغائب، ومباشرة للشاهد. هذا قليل من كثير، مما جعلك الله أهله، وإنما اقتصرت عليه لأنى رأيت المتكلمين من الخطباء تركوه، وأن ما سمعت من الكتب المقروءة لم تنتظمه، فأحببت أن يعلم أمير المؤمنين أن له فى كل أمر عمل به فى رعيته حجة واضحة، وعذرا معروفا، إن قام به متكلّم فى خاصّة حسن موقعه، وإن قرئ به كتاب فى عامّة قويت به حجّته. والحمد لله الذى جعله وذرّيته أولياء هذه النعم، والمخصوصين بهذه الفضائل، ونسأله أن يبقيه وإياهم للدّين الذى سدّ بهم عورته، والحقّ الذى أقرّ بهم جادّته، والعدل الذى أوضح بهم أعلامه حتى يكونوا ورثة هذه الأمة وخلفاءها فى غابر الدهر وباقيات الأيام، مستقلّين (٤) بالعدل، موفّقين للسّداد، معصومين من الشّبهات، مستوجبين مع فضائل الدنيا لأفضل كرامات المعاد، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ١٩٢) ١٦٧ - رسالة أبى الربيع محمد بن الليث التى كتبها للرشيد إلى قسطنطين (٥) ملك الروم «من عبد الله هرون أمير المؤمنين إلى قسطنطين عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، فإنى أحمد الله الذى لا شريك معه، ولا ولد له، ولا

стр. 1310

إله غيره، الذى تعالى عن شبه المحدودين بعظمته، واحتجب دون المخلوقين بعزّته، فليست الأبصار بمدركة له، ولا الأوهام بواقعة عليه، انفرادا عن الأشياء أن يشبهها، وتعاليا أن يشبهه شىء منها، وهو الواحد القهّار، الذى ارتفع عن مبالغ صفات القائلين ومذاهب لغات العالمين، وفكر الملائكة المقرّبين، فليس كمثله شىء، وله كل شىء، وهو على كل شىء قدير. أما بعد، فإن الله جل ثناؤه، وتباركت أسماؤه، قال لنبيه ﷺ فيما أنزل من آيات الوحى إليه: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» فرأى أمير المؤمنين من أحسن قوله، وأفضل فعله، أن يكون إلى سبيل ربه داعيا، وبرسوله ﷺ متأسّيا، ولقوله: «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» موافقا، وكنت- من كتب الله المنزّلة، وآياته المفسّرة، وخلقه الكثير- بحيث رجا أمير المؤمنين استماعك لموعظته، وانتفاعك بمجادلته انتفاع بشر كثير وخلق عظيم، قد بؤت بأوزارهم مع وزرك، واحتملت من آثامهم إلى إثمك فأحبّ أن يدعوك ومن رجا أن ينتفع بدعوته معك، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولّيتم عن ذلك رغبة عنه، أو تركتموه زهادة فيه، فاشهدوا بأنّا مسلمون، واستمعوا ما أمير المؤمنين واصف لكم، ومحتجّ به إن شاء الله عليكم، بقلوب شاهدة، وآذان واعية، ثم اتّبعوا أحسن ما تستمعون، ولا قوة إلا بالله. فإن الله يقول فيما أنزل من كتابه، واقتصّ على عباده: «فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» إن الله تبارك اسمه، وتعالى جدّه، وصف فيما أنزل من آياته، وشرح من بيّناته، الأمم الماضية، والقرون الخالية، والملل المتفرقة، الذين يجعلون مع الله

стр. 1311

آلهة أخرى لا برهان لهم بها، ولا حجة لهم فيها، فقال: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ، سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ». قالت العرب الذين يعبدون الملائكة، وأهل الكتاب الذين يقولون ثالث ثلاثة: بأيّتما آية يا محمد تزعم أن الله إله واحد! فأنزل الله فى ذلك آية تشهد لها العقول، وتؤمن بها القلوب، وتعرفها الألباب، فلا تستطيع لها ردّا، ولا تطيق لها جحدا، ذكر فيها اتصال خلقه، واتّفاق صنعه، ليوقن الجاهلون من العرب، والضالّون من أهل الكتاب، أنّ إله السماء والأرض وما بينهما من الهواء والخلق واحد لا شريك له، خالق لا شىء معه، فقال: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» فتفكّر فى تفسير هذه الآية من كلام الرّبّ ، وما أوضح فيها من بيان الخلق، فإنه ما من مفكر ينظر فيما ذكر الله فيها مما بين السماء والأرض، إلّا رأى من اتصال بعض ذلك ببعض، مثل ما رأى فى تدبيره نفسه، وعرف من اتصال خلقه فيما بين ذوائب (١) شئون رأسه، إلى أطراف أنامل قدمه، وفى ذلك أوضح آية، وأبين دلالة، على أن الذى خلقه وصنعه إله واحد لا إله معه، ولا من شىء ابتدعه، ولا على مثال صنعه،

стр. 1312

قد ترون بعيونكم وتعلمون بعقولكم، أن الله خلق للأنام الأرض، وجعلها موصولة بالخلق، فليس يدحوها (١) إلا لهم، ولا يديمها إلا معهم. وجعل ذلك الخلق متصلا بالنّبت، لا يقوم إلا به، ولا يصلح إلا عليه، وجعل ذلك النبت الذى جعله متاعا لكم، ومعاشا لأنعامكم متّصلا بالماء الذى ينزل من السماء بقدر معلوم لمعاش مقسوم، فليس ينجم (٢) النبت إلا به، ولا يحيا إلا عنه، وجعل السحاب الذى يبسطه كيف يشاء، متصلا بالريح المسخّرة فى جوّ السماء تثيره من حيث لا تعلمون، وتسوقه وأنتم تنظرون كما قال الله : «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ» ووصل الرياح التى يصرّفها فى جوّ السماء، بما يؤثّر فى خلق الهواء، من الأزمنة التى لا تثبت الهواحر (٣) إلا بثباتها، ولا يزول عنه برد إلا بزوالها، ولولا ذلك لظلّ راكدا بالحرّ المميت، أو مائلا (٤) بالبرد القاتل، ووصل الأزمنة التى جعلها متصرّفة متلوّنة بمسير الشمس والقمر الدائبين لكم، المختلفين بالليل والنهار عليكم، وجعل مسيرهما الذى لا تعرفون عدد السنين إلا به، ولا مواقع الحساب إلا من قبله، متصلا بدوران الفلك الذى فيه يسبحان، وبه يأفلان، ووصل مسير الفلك بالسماء للناظرين سواء، فهذا خلق الله ، ما فيه تباين ولا تزايل ولا تفاوت، كما قال : «ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ» ولو كان لله شريك أو معه ظهير (٥) عليه، يمسك منه ما يرسل، ويرسل منه ما يمسك، أو يؤخّر شيئا من ذلك عن وقت زمانه أو يعجّله قبل مجىء إبّانه، لتفاوت الخلق، ولتباين الصنع، ولفسدت السموات والأرض، ولذهب كل إله بما خلق كما قال وكذّب المبطلين- بَلْ أَتَيْناهُمْ*

стр. 1313

بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ». والعجب: كيف يصف مخلوق ربّه، أو يجعل معه إلها غيره! وهو يرى فيما ذكر الله من هذه الأشياء، صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، وتأليفا متّفقا، وتدبيرا متصلا، من السماء والأرض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، متجلّيا بين يديه، ماثلا نصب عينيه، يناديه إلى صانعه، ويدلّه على خالقه، ويشهد له على وحدانيته، ويهديه إلى ربوبيّته «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ. أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ» حقا ما كرّر هؤلاء الجاهلون بربهم، الضالّون عن أنفسهم، فى خلق الله النظر، ولا رجعوا- كما قال الله الفكر، ولو أعملوا فكرهم، وأجهدوا نظرهم، فيما تسمع آذانهم، وترى أبصارهم، من حوادث حالات الخلق، وعجائب طبقات الصّنع، لوجدوا فى أقرب ما يرون بأعينهم: من التأليف لتركيب خلقهم، والأثر فى التدبير بصنعهم، ما يدلّهم على توحيد ربهم، ويقف بهم على انفراده بخلقهم، فإنهم يرون فى أنفسهم بأعينهم، ويجدون بقلوبهم، أنها مخلوقة صنعة بعد صنعة، ومحوّلة طبقة عن طبقة، ومنقولة حالا إلى حال: سلالة من طين، ثم نطفة من ماء مهين (١)، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظما كساه الله لحما ونفخ فيه روحا فإذا هو خلق آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، الذى خلق فى قرار مكين، من ماء قليل ضعيف ذليل، خلقا صوّره بتخطيط، وقدّره بتركيب، وألّفه بأجزاء متّفقة، وأعضاء متّصلة، من قدم إلى ساق إلى فخذ إلى ما فوق ذلك، من مفاصل ما يعلن، أو عجائب ما يبطن، ليعلم الجاهلون، ويوقن الجاحدون، أن الذى صنع ذلك وخلقه، ودبّره وقدّره، وهيّأ ظاهره وباطنه، إله واحد لا شريك معه، فلا يذهبنّ ذكر هذا صفحا عنكم، ولا تسقط حكمته جهلا به عليكم، وفكّروا

стр. 1314

فى آيات الرسل وبيّنات النّذر، فإن فى ذلك فكرا للمبصرين، وبصرا للمعتبرين، وذكرى للعابدين، والحمد لله رب العالمين. وأمير المؤمنين واصف لكم، ومقتصّ من ذلك إن شاء الله عليكم، ما فيه شهادات واضحات، وعلامات بيّنات، ومبتدئ بذكر آيات نبينا ﷺ فيما أنزل الله منها فى الوحى إليه، فإنه ما أحد يقرع بآيات النبوّة قلبه، ويحصّن ببيّنات الهدى عقله، إلا قادته حتى يؤمن بمحمد ﷺ ، لا يجد إلى إنكار ما جاء به من الحق سبيلا، فأردت أن تكونوا على علم ومعرفة ويقين وثقة من أمر محمد ﷺ وحقّه وما أنزل إليه من ربه ، فأحضر كتاب أمير المؤمنين فهمك، وألق إلى ما هو واصف إن شاء الله سمعك. إن الله اصطفى الإسلام لنفسه، واختار له رسلا من خلقه، وابتعث كل رسول بلسان قومه، ليبيّن لهم ما يتّبعون، ويعلّمهم ما يجهلون، من توحيد الرب، وشرائع الحق «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» فلم تزل رسل الله قائمة بأمره، متوالية على حقه، فى مواضى الدهور، وخوالى القرون، وطبقات الزمان، يصدّق آخرهم بنبوّة أوّلهم، ويصدّق أولهم قول آخرهم، ومفاتح دعوتهم واحدة لا تختلف، ومجامع ملّتهم ملتئمة لا تفترق، حتى تناهت الولاية والوراثة التى بنى عيسى ﵇ عليها وبشّر بها، إلى النبى الأمّىّ الذى انتخبه الله لوحيه، واختاره بعلمه، فلم يزل ينقله بالآباء الأخاير، والأمّهات الطواهر، أمة فأمة، وقرنا فقرنا، حتى استخرجه الله فى خير أوان، وأفضل زمان، من أثبت محاتد (١) أرومات البريّة أصلا، وأعلى ذوائب نبعات (٢) العرب فرعا، وأطيب

стр. 1315

منابت أعياص (١) قريش مغرسا، وأرفع ذرى مجد بنى هاشم سمكا (٢)، محمد ﷺ خيرها عند الله وخلقه نفسا، على حين أوحشت الأرض من أهل الإسلام والإيمان، وامتلأت الآفاق من عبدة الأصنام والأوثان، واشتعلت البدع فى الدين، وأطبقت الظلم على الناس أجمعين، وصار الحق رسما عافيا (٣)، خلقا باليا، ميّتا وسط (٤) أموات، ما إن يحسّون للهدى صوتا يسمعونه، ولا للدّين أثرا يتّبعونه، فلم يزل ﷺ قائما بأمر الله الذى أنزل إليه، يدعوهم إلى توحيد الرب ، ويحذّرهم عقوبات الشّرك، ويجادلهم بنور البرهان، وآيات القرآن، وعلامات الإسلام، صابرا على الأذى، محتملا للمكروه، قد ألهمه الله أنه مظهر دينه، ومعزّ تمكينه، وعاصمه ومستخلفه فى الأرض، فليس يثنيه ريب، ولا يلويه هيب، ولا يعنّيه أذى، حتى إذا قهرت البينات ألبابهم، وبهرت الآيات أبصارهم، وخصم نور الحق حجتهم، فلم تمتنع القلوب من المعرفة بدون صدقه، ولم تجد العقول سبيلا إلى دفع حقه، وهم على ذلك مكذّبون بأفواههم، وجاحدون بأقوالهم، كما قال الله العليم بما يسرّون، الخابر بما يعلنون: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» بغيا وعداوة، وحسدا ولجاجة، افترض الله عليه قتالهم، وأمره أن يجرّد السيف لهم، وهم فى عصابة يسيرة، وعدّة قليلة، مستضعفين مستذلّين، يخافون أن يتخطّفهم العرب، وتداعى عليهم الأمم، وتستحملهم (٥) الحروب، فآواهم فى كنفه، وأيّدهم بنصره، وأنذرهم بمقدمة من

стр. 1316

الرعب، ومشغلة من الحق، وجنود من الملائكة، حتى هزم كثيرا من المشركين بقلّتهم، وغلب قوة الجنود بضعفهم، إبحازا لوعده، وتصديقا لقوله: «وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» فأحسن النظر وقلّب الفكر فى حالات النبى ﷺ من الوحى قائما لله، لتجد لمذاهب فكرك، وتصاريف نظرك، مضطربا واسعا، ومعتمدا نافعا، وشعوبا جمة، كلها خير يدعوك إلى نفسه، وبيان يكشف لك عن محضه، وأخبر أمير المؤمنين ما كنت قائلا لو لم تكن البعثة للنبىّ ﷺ بلغتك، ولم تكن الأنباء بأموره تقرّرت قبلك، ثم قامت الحجة بالاجتماع عندك، وقالت الجماعة المختلفة لك: إنه نجم بين ظهرانى (١) مثل هذه الضلالات المستأصلة، والجماعات المستأسدة (٢)، التى ذكر أمير المؤمنين، من قبائل العرب، وجماهير الأمم، وصناديد الملوك، ناجم قد نصب لها، وغرى (٣) بها، يجهّل أحلامها (٤)، ويكفّر أسلافها، ويفرّق ألّافها، ويلعن آباءها، ويضلّل أديانها، وينادى بشهاب (٥) الحق بينها، ويجهر بكلمة الإخلاص إلى من تراخى عنها، حتى حميت العرب، وأنفت العجم، وغضبت الملوك، وهو على حال ندائه بالحق ودعائه إليه، وحيدا فريدا لا يحفل بهم غضبا، ولا يرهب عنتا (٦)، يقول الله : «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» أكنت تقول فيما تجرى الأقاويل به، وتقع الآراء عليه، إلا أنه أحد رجلين: إما كاذب يجهل ما يفعل، ويعمى عما يقول، وقد دعا الحتف (٧) إلى نفسه،

стр. 1317

وأذن الله لقومه فى قتله، فليست الأيام بمادّة له، ولا الحال بثابتة له، إلّا ريثما تستلحمه (١) أسبابهم، وينهض به حلماؤهم، غضبا لربهم، وأنفة لدينهم، وحميّة لأصنامهم، وحسدا من عند أنفسهم. وإما صادق بصير بموضع قدمه، ومرمى نبله، قد تكفّل الله بحفظه، وصحبه بعزّه، وجعله فى حرزه، وعصمه من الخلق، فليست الوحشة بواصلة- مع صحبة الله- إليه، ولا الهيبة بداخلة- مع عصمة الله- عليه، ولا سيوف الأعداء بمأذون لها فيه، ثم ما رأيكم (٢) يا أهل الكتاب لو قيل لكم: إن الرجل الذى يدعى العصمة، وينتحل المنعة، قد نجحت الأمور به على ما قال، وسلمت الحال له فيما ادّعى، حتى نصب لعمارات (٣) العرب، وجماعات الأمم يقاتل بمن طاوعه من خالفه، وبمن تابعه من عانده، جادّا مشمّرا، محتسبا واثقا بموعود الله ونصره، لا تأخذه لومة لائم فى ربّه، ولا يوجد لديه غميزة (٤) فى دينه، ولا يلفته خذلان خاذل عن حقه، حتى أعزّ الله دينه، وأظهر تمكينه، وانقادت الأهواء له، واجتمعت الفرق عليه، ألم يكن ذلك يزيد حقّه يقينا عندكم، ودعوته ثبوتا فيكم، حتى تقول الجماعة من حلمائكم، وأهل الحنكة من ذوى آرائكم: ما كان الرجل- إذ كان وحيدا فريدا قليلا، ضعيفا ذليلا، معروفا بالعقل، منسوبا إلى الفضل- ليجترئ أن يقول: إن الله أوحى إليه فيما أنزل من الكتاب عليه أن يعصمه من العرب جميعا، ويمنعه من الأمم طرّا (٥)، حتى يبلّغ رسالات ربه، ويظهره على الدين كله، ويدخل الناس أفواجا فى دينه، إلا وهو على ثقة من أمره، ويقين من حاله. فسبحان الله يا أهل الكتاب! ما أبين حقّ النبى ﷺ لمن طلبه، وأسهله لمن قصد له؛ واستعملوا فى طلبه ألبابكم، وارفعوا [إليه (٦)] أبصاركم،

стр. 1318

تنظروا بعون الله إليه، وتقفوا إن شاء الله عليه، فإن علامات نبوّته، وآيات رسالته، ظاهرة لا تخفى على من طلبها، جمّة لا يحصى عددها، منها خواصّ تعرفها العرب، وعوامّ لا تدفعها الأمم، فأما الخواصّ المعروفة لدينا، المعلومة عندنا، التى أخذتها الأبناء عن الآباء، وقبلها الأتباع عن الأسلاف، فأمور قد كثرت البيّنات فيها، وتداولت الشّهادات عليها، وثبتت الحجج بها، وتراخت الأيام ببعضها، حتى رأيناه عيانا، وقبلناه إيقانا، فهى أظهر فينا من الشمس، وأبين لدينا من النهار، ولكن غيّبت الأزمان عنكم أمرها، ولم ينقل الآباء إليكم علمها، وما لا يدرك إلا بالسمع موضوع الحجة عن العقل، فليس أمير المؤمنين بمحاجّ لكم، ولا قاصد إليكم من قبلها. وأما الآيات العوامّ والدّلالات الظاهرة فى آفاق الأرضين، القاطعة لحجج المبطلين، التى لا تنكر عقول الأمم وجوب حقها، ولا تدفع ألباب الأعداء صحة أمرها، فسيولجها أمير المؤمنين مسالك أسماعكم، ويعيد بها حجّة الله فى أعناقكم، من وجوه جمّة وأبواب كثيرة إن شاء الله، منها: أنه لم تزل الشياطين فيما خلا من فترات الرسل، وندرات (١) النّذر، تصعد إلى سماء الدنيا، وتنصت للملإ الأعلى، فتسترق السّمع، وتحتفظ العلم، وتنزل به إلى كل أفّاك (٢) أثيم، يبنون أكاذيبهم على واضح صدقه، وينفّقون (٣) أباطيلهم بحسب حقه، خلطا للباطل فيه، وثبوتها؟ ؟ ؟ (٤) للعباد عليه، فلما بعث الله محمدا ﷺ ، وأنزل آيات القرآن إليه، حرست السماء بالنجوم، ورميت الشياطين بالشّهب، وانقطعت الأباطيل، واضمحلت الأكاذيب، وخلص الوحى فبطلت الكهّان، وضلّت السّحّار، وكذبت الأحلام، وتحيّرت الشياطين، فكانت آية بيّنة، وعلامة واضحة، وحجّة بالغة، تبهر قرائح العقول، وتخرق

стр. 1319

حجب الغيوب، فلا يقوم مع ضيائها ظلمة، ولا يثبت عند محكمها شبهة، ولا يقيم معها فى محمد ﷺ شكّ، لا من أصحابه خاصّة، ولا ممّن جاء بعده عامّة، وإنما جعلها الله آية باقية فى الغابرين، وحراسة ثابتة من الشياطين، لأن الله جلّ وعلا جعل نبيّنا ﷺ آخر النبيين، فليس باعثا بعده نبيا يكذّب أقاويل الكهنة، ويقطع أخابير (١) الجّنة. وستقول- فيما يذهب إليه الظنّ، ويقع عليه الرأى- أنت ومن عقل من أمتك وأهل ملتك، هذه آية حاسمة، وحجة قاطعة بيّنة قائمة، مستعلية لأمرها، مستغنية بنفسها لا تحتاج إلى ما قبلها، ولا يتّكل على ما بعدها، إن أقرّت العقول بما تقول، أو قامت البينة على ما تدّعى، بلى، ثم تقول: وأنّى لك بالبيّنة؟ ولسنا نقرّ بكتابك، ولا نؤمن برسولك، ولا نقبل قولك فيما قد سبقنا وإياك زمانه، وحجبت الغيوب عنا وعنك علمه، فأرجع إليكم إن قلتم ذلك، فإن وجدان القضاة قبل طلب البيّنات. وليس يجعل أمير المؤمنين فيما ينازعك ويحاجّك فيه حاكما غير عقلك، ولا قاضيا سوى نفسك، ولكنه يذكّرك الله الذى إليه معادك، وعليه حسابك، لمّا (٢) جعلت التفهّم لمسألته من بالك، وركبت حدودها فى جوابك، عادلا بالقسط، قاضيا بالحق، قائلا يالصدق ولو على نفسك، ناظرا بالأثرة لدينك، فلقد وفق الله لك آية، وأهدى إليك بيّنة، لا تستطيع دفعها لحجبها عن عقلك، ولا حجابا لنورها دون بصرك، فلا تدفع الآية بقولك، والبيّنة بلسانك، جحدا يقطع وصول الحجج إليك، ولا تغلق (٣) أبواب الفهم عنك، فإن اللسان لك مداول حيث شئت، ومنقاد تصرّفه فيما هويت، ولكن انصب نفسك للفهم وأنت شهيد، وأرد الحق وقبوله فيما تريد،

стр. 1320

فإذا تصوّرت البيّنات مجسّدة فى قلبك، وتبيّنت الحجج ممثّلة لنظرك، قد أضاء صوابها لك، وقرع حقّها قلبك، فاجعل القول بها شعارا للّسان به متصلا، وافهم المسألة، فهّمك الله الحقّ، وجنّبك الجحد، ما تقول أنت ومن قبلك فى رجل كان يتيما ضعيفا أجيرا ساهيا لاهيا عائلا (١) خاملا، لم يتل كتابا، ولم يتعلم خطّا، ولم يك فى محلّة علم، ولا إرث ملك، ولا معدن أدب، ولا بيت نبوّة، فتراقت الأيام به، واتصلت الحال بأمره، حتى خرج إلى العرب عامّة، والقبائل كافّة، وحيدا طريدا شريدا، مخذولا مجهولا، مجفوّا مرميّا بالعقوق لآلهتهم، مقذوفا بالكذب على أصنامهم، منسوبا إلى الهجر لأديانهم، وهم مجمعون على دعوة العصبيّة، وحميّة الجاهلية، متعادون متباغون، مختلفة أهواؤهم، متفرّقة أملاؤهم (٢)، يتسافكون الدماء، ويتناوحون (٣) النساء، ويستحلّون الحرم، لا تمنعهم ألفة، ولا تعصمهم دعوة، ولا يحجزهم برّ، فألّف قلوبها، وجمع شتيتها، حتى تناصرت القلوب، وتواصلت النفوس، وترافدت (٤) الأيدى، ثم اجتمعت الكلمة، واتفقت الأفئدة، حتى صار غاية لملقى رحالهم، ونهاية لمنتجع أسفارهم، وصاروا له حزبا متفقين، وجندا مطيعين، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها بينهم، ولا سلطان له عليهم، ولا ملك سلف لآبائه فيهم، ولا نباهة كانت له بين ظهرانيهم، أتقول: إنه ما قال ذلك كله إلا بوحى عظيم، وتنزيل كريم، وحكمة بالغة؟ فإن قلت ذلك فقد أقررت أن محمدا ﷺ رسول، وتركت ما كنت تقول إنه لم يدركه ولم يبلغه إلا بعقل سديد، ونظر بعيد، ورفق لطيف، ورأى وثيق، استبى به عقول الرجال، واستمال عليه أفئدة العوامّ، فإن قلتم ذلك، فأنا سائلكم بإلهكم الذى تعبدون،

стр. 1321

ودينكم الذى تنتحلون، لمّا صدقتم أنفسكم، وتجنّبتم الهوى عنكم: أتؤمن قلوبكم، وتقرّ عقولكم، ويحتمل نظركم أن محمدا ﷺ الذى وصفتموه بكمال العقل، وبيان الفضل، ورفق التدبير، كان يقول لرجالات العرب، وجماعات الأمم، ودهاة قريش: إن من آيات نبوّتى، ودلالات رسالتى، وعلامات زمانى، أن الشياطين ترمى بنجوم السماء، ولم تك ترمى بها فيما خلا، ثم يجعل ذلك كتابا يقرأ، وقرآنا يتلى؛ وهو كاذب فيما تلا، ومبطل فيما ادّعى، إبطالا تدركه عيون الناظرين، وكذبا يظهر لجميع العالمين، فسبحان الله! أرأيتم أن لو كان فيما قال من الكاذبين، وعلى ما ادّعى من الآثمين، ثم حاول إبعاد القلوب، وإنغال (١) الصدور، وإنفار النفوس، وتفريق الجموع، أكان يزيد على ذلك؟ . فيا أهل الكتاب، لا يحملنّكم الإلف لدينكم على اللّعب بتوحيدكم، فلعمر الله لئن تداركتم أنفسكم، وناصحتم نظركم، لتعلمنّ أن محمدا ﷺ لو حاول الكذب، أو رام الإفك، لما كان يترك جميع الأرض، وما يغيب عن بعض الخلق ويظهر لبعض، ويقصد للسماء المتصلة بالبصر، البارزة للنظر، التى لا تخفى على بشر، ولا تغيب عن أحد، فيدّعى فيها كذبا ظاهرا، وإفكا بارزا مكشوفا، لا يبقى صغير ولا كبير، ولا ذكر ولا أنثى، إلا عرف أنه إفك وزور، وكذب وغرور، ولا سيّما إذا كان يلقى ذلك إلى أقوام أكثرهم أعراب، ليس بينهم وبين السماء حجاب، إنما يراعون الكواكب، ويتفقّدون الغيوم، فأبعد عهد آخرهم بها تفقّده لها، ونظره إليها ساعة أو ساعتين، أو ليلة أو ليلتين، لعمر الله لو عثرت العرب من أمر النبى ﷺ على كذب، لكان أول من يواثبه به ويجادله فيه، أعداؤه من قريش عامّة، وحسّاده من جيرته خاصّة، ونظراؤه من أهل

стр. 1322

بيته دنية (١) الذين كانوا يستغرّونه (٢) بكل طريق، ويقعدون له على كل سبيل، ويتساءلون من أمره عن كل ذى حادث، فيتعلّقون بالحروف المشكلة، والآيات المشتبهة، جدلا وخصومة بها، وطعنا وإلحادا ومنازعة فيها، حتى لقد وصفهم الله بفعلهم، وأخبر عن ذلك من أمرهم، فقال : «بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٣)» وما كان الله ليقول ذلك ولا لأحد أن يقوله على الله فى أمرهم، إلا عن خصومة شديدة، ومنازعة بليغة، ومجادلة معروفة، فأحسن النظر لنفسك، ولا تهلكنّ شفقة على ملكك، فأيم الله لئن قلت: إن النجوم شىء كانت العرب تراه بعيونها، وتعرفه بقلوبها، فما كان محمد ﷺ وهو عارف بها غير جاهل لها، ليقول فيها إلا حقّا، وينتحل فيها إلا صدقا، لقد ثبّتّ فروع كلامك فيها على أسّه، ووصلت آخر قولك له بأوله، ثبوتا على ما ذكرت من عقده، ولزوما لما فرّطت من نظره، ولكنك لا تجد مع الإقرار بذلك بدّا من التصديق برسالته، ولا مذهبا عن الإيمان بنبوّته. ولئن زعمت أنه ادّعى أمر النجوم كذبا، وانتحلها باطلا، عارفا كان بها أم جاهلا، لقد نسبته من الخطأ الذى لا يعمى عن بصره إلى ما يخطئ فيه بشر، فأكذبت نفسك، وتركت قولك، إنه لم يكن التأليف لقلوب العرب، والجمع لشتيت القبائل، إلا برأى سديد، وعقل أصيل، ورفق بالغ، إلى أحد أمرين، لا تجد لكلامك وجها تذهب إليه غيرهما، ولا محملا تضعه عليه سواهما: إما أن تقول: إنه ألّف قلوب العرب، وفرّق جموع الأمم، بتنزيل الوحى، فتؤمن أنه نبىّ، وإما أن تقول: فعل ذلك بجهل، وهذا قول لا يقبل، كيف يصفه أحد من الجاحدين به

стр. 1323

المكذبين له بغباوة، أو يرمونه بجهالة، وهم يجوزون به حدود الأنبياء، ويرفعونه فوق أمور العلماء، ويتخطّون به مراتب الحكماء ومنازل الناس، تكثيرا لعلمه، وتسديدا لعقله، وتثبيتا لفضله، فيما لا يقدر الخلق عليه، ولا تهتدى الألسن إليه، حتى لقد نحلوه (١) فعل الرّبّ الذى لا يقدر عليه الخلق فى وجوه كثيرة، وأنحاء جمة. من ذلك أنه إذا قالت البقايا من أمتنا: كان محمد ﷺ يخبرنا بالغيوب قبل ظهورها، ويصف الأمور قبل حلولها، ويتجاوز ما يكون فى زمانه من ذلك إلى ما يكون فى زماننا، غيبا أطلعه الله عليه، أضافوا ذلك علما إليه، فقالوا: كان أعلم الناس بمواقع النجوم، وأبصرهم بمنازل البروج، وأنظرهم فى دقائق الحساب، كيف ولم يكن الحجاز دار نجوم، ولا محلّ حساب، ولا معدن أدب، بل كيف والمنجّم يقيس ويخطئ، ويشكّ فيما يدّعى، وهو أخو صواب لا شكّ فيه، وفارس صدق لا قياس معه. ومن ذلك أنه إذا قالت العلماء من المسلمين: كان نبينا ﷺ عليما بباطن أخبار النبيين، وخفىّ قصص القرون الأوّلين، قالوا: كان أحيا الناس قلبا، وأوسعهم سربا (٢)، وأسرعهم أخذا، يتتّبع ذلك ويحبه، وقد رواه وعلّمه، سبحان الله! أولا يعلمون أن المتعلّم معروف المعلّم، متفاوت الحالات، متنقّل الطّبقات؟ وأنه ما أحد يؤدّب صغيرا أو يطلب العلم كبيرا، إلا وله درجات فى علمه، وتارات فى أخذه، ومنازل فى تعلّمه، تارة تلميذ، وتارة مقارب، وأخرى حاذق، وبكل ذلك موصوف من أهله، معروف عند قومه، ظاهر لجيرته، مستفيض فى عشيرته، لا يجهل أمره، ولا يخفى ذكره، ولا ينسى عند مواضع الحاجة إليه، وتارات الاحتجاج به عليه، ولو كان ذلك معروفا فيهم، أو موجودا لديهم، أو ظاهرا عندهم،

стр. 1324

لما أمره الله أن يحتجّ عليهم، ويقول فى ذلك لهم: لقد لبثت فيكم عمرا من قبله، لا أتلو قرآنا، ولا أدعى وحيا، أفلا تعقلون! وأيم الله لو كانوا يعقلون أو ينظرون، لعلموا أن معلّمه على غير الملّة التى يعرفون لأنه لهم من المخالفين، وعليهم من الطاعنين، يذكر فضائح قولهم، ومعايب أمرهم، ومخازى أسلافهم، وعوائر (١) أديانهم، وأنه لو كان معلّمه نصرانيا لدعاه إلى النّصرانية أو يهوديا لدعاه إلى اليهودية، أو مجوسيّا لدعاه إلى المجوسية، ولو لم يكن له معلّم لما وقع على الحقيقة، هداية من تلقاء نفسه، ومعرفة بقوة عقله؛ ولو كان معلّمه الشيطان لما دعاه إلى عبادة الرحمن، ولا أمره بهجر الأوثان، وكسر الأصنام، وصلة الأرحام، والإصلاح فى الأرض، كيف وكان الشيطان يصدّ الناس عن سبيله، ويزهّدهم فى دينه وينهاهم عن طاعته، ويخرجهم من عبادته، ويدخلهم فى مساخطه، ويحملهم على معاصيه؟ إنه إذن لرحيم بهم، ناظر لهم، شفيق عليهم، كأنه هو المبعوث إليهم، كلا، ما كان لينقذهم من حبائله، ويخلّصهم من مصايده، ويخرجهم من ولايته وطاعته وسلطانه وخدعه وفتنته وحزبه، إلى غير ذلك من أمره، وما كان لينهى العرب أن يقتلوا أنفسهم، ويتناوحوا حرمهم، ويؤذوا ذريتهم، ولا ليقول لهم: لم تعبدون نحيت الحجارة التى جعلها الله لكم عارا، وتذرون عبادة الربّ الذى خلقكم أطوارا! هيهات! لقد ذهبتم بالشيطان الرجيم إلى صراط العزيز الحكيم، فقلتم قولا تنكره العقول، وتدفعه القلوب، وتستوحش منه النفوس، ألا تسمعون إلى قول الله : «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ» فما كان الشيطان ليرضى للعرب باللّعنة والبكم، والعمى والصّمم، فاتّق الله ولا تكن من الجاحدين.

стр. 1325

ومنها: أنه إذا قالت الفقهاء والحكماء: أتانا محمد ﷺ بكلام لم تسمع الآذان بمثله، ولم تقع القلوب على لغته، له رونق كحباب (١) الماء، وزبرج (٢) يعلو ولا يعلى، وعجائب لا تبلى ولا تفنى، وجدة لا تتغير، قالوا: كان محمد ﷺ أبلغهم قولا، وأحسنهم وصفا، فيا سبحان الله! ألا يعلمون أن لو كان القرآن كلاما للعباد، لما أقرّت الأعداء من [العرب (٣)] بفضله، ولا عجزت القبائل طرّا عن مثله، وهو يناديهم فى الكتاب، ويتحدّاهم فى الوحى، بصوت رفيع، ونداء سميع، فيقول: «هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» * وهم فرسان الكلام، وإخوان البلاغة، وأبناء الخطب، وأهل عداوة له وبغى عليه، فتستحسر (٤) الأبصار، وتثقل الأسماع، وتنعقد الألسن، وتخرس الخطباء، وتعجز البلغاء، وتحار الشعراء، وتستسلم الكهّان، ثم لقد قايست البصراء بالكلام والعلماء بالمنطق بين ما بأيدينا من كلام النبى ﷺ وما جاء به من كلام الوحى، فإذا بينهما بون (٥) بعيد، وتفاوت شديد، ليس بشبه له ولا مدان ولا قريب، وكذلك ينبغى لكلام الرب أن يعلو كلام الخلق، وألّا يشبه قول العباد فى تأليفه وأحاديثه ومعانيه وجميع ما فيه؛ لأن الله لا يشبهه شىء من ذلك، إنه إذا قال المسلمون: كان محمد ﷺ يرى ماضى أسلافنا، وصلّح آبائنا، من العجائب العظام، والآيات الكبار، ما هو جديد عندنا، بيّن قبلنا، فلم يعف أثره، ولم يدرس خبره، ولم يتقادم عهده: من شجرة ناداها فأقبلت، ثم أمرها فرجعت، ومن نحو بعير تظلّم، وذئب تكلّم، وأشباه لذلك كثيرة، ونظائر له عجيبة، قالوا: كان محمد ﷺ كاهنا حاذقا، وساحرا ماهرا، يشبّه بالخيال، ويأخذ بالأبصار،

стр. 1326

كيف والجموع الكثيرة تصدر عن الأطعمة اليسيرة، والمياه القليلة شباعا رواء أيكون ذلك والسحر سواء؟ والأخذ بالعيون لا يجرى فى البطون، ولو كانوا ينظرون لدينهم وينصفون من أنفسهم، لعلموا أن أمر الساحر يدور على إفك وغرور، وأن لمحمد ﷺ آثارا قائمة، ومنافع داثمة، ثم لو كانت الكهانة والسحر يبلغان مثل هذا من الأمر، لبطلت آيات الكتب، وعلامات الرسل، ولعلت الشّبهة، وسقطت الحجة، وكذبت النبوة، ولبطل ما كان يفعله عيسى ﵇: من إبرائه الأكمه (١) والأبرص وإحيائه الموتى، فلا يكوننّ التقليد للرجال مبلغ علمك، ولا القبول لدعواهم بلا بينة. ومن ذلك أنه إذا قالت البصراء من أمتنا والعلماء بملّتنا: كان النبى ﷺ أمّيا لا يحسن الكتاب، وحافظا لا ينسى القرآن، وقلما يجتمع العقل السديد والحفظ السريع والنسيان البطىء، قالوا: كان أخطّ الناس يدا، وأذكاهم حفظا، كان يكتب بالنهار، ويدرس بالليل. ولعمر الله أن لو كانت الحال كما يقولون، والأمر كما يصفون، لما خفيت الصّحف له، ولا اكتتمت الدراسة عليه، ولما كان يطيق سترها عن أهله، ولا حجابها دون قومه، وكيف تؤمن القلوب، وتقرّ العقول، أن رجلا كبيرا حمل علما كثيرا، وحكما جمّاء: من آيات متشابهة، وسور متوالية، وهو صاحب أسفار مترامية (٢)، وأخو حرب دائمة، لا يبطئ لفظه، ولا يسقط حفظه؛ لولا (٣) أن الله كفاه أن يحرّك به لسانه، وضمن له جمعه وقرآنه، فقال : «سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى» فلم يكن يسقط واوا ولا ألفا، ولا ينسى كلمة ولا حرفا، ما أبين هذا وأعجبه! وأعجب منه المنكر له!

стр. 1327

وأما قولهم فى الخطّ وإكثارهم فى الكتاب، فإن الله جعله أمّيّا ليثبت حجّته، ويصدّق مقالته، ولئلا يشكّ المبطلون فى أمره، ويقولون: تعلّمه من غيره. فإنه قد قال ذلك بطائن من منافقة العرب، وطوائف من كفرة العجم، فنطقت به الأعداء من جيرته، والحسدة من عشيرته، الذين بلغوا [ما بلغوا (١)] من مجادلة حقه، ومخاصمة ربه، كفاة لمن قرب، ووكلاء لمن بعد، فيما لم تكن العرب واقعة عليه، ولا الأمم مهتدية إليه، لأنهم (٢) قد أحاطوا من علم خبره وخفىّ أثره، بما كان عن غيرهم محتجبا، ومن سواهم مكتتما، وقالوا: لو كان محمد ﷺ يتعلم من بشر، أو يختلف إلى أحد، لما خفى عنا، ولسقط علينا (٣)، وحقا لو كان محمد ﷺ يختلف إلى أحد صغيرا، أو يتعلم من بشر كبيرا، لعرف ذلك أترابه المختلفون معه ورفقاؤه والمقتدون، ولما جهل ذلك من حوله من جيرته نصرة، ولا من معه من أهل بيته دنية، الذين عليهم يورد ومن قبلهم يصدر، ولكان شائعا عند حشم معلّمه وجيرة موضعه الذين كان يختلف إليهم، ويتأدّب بين ظهرانيهم، ولو كانوا بذلك عالمين، أو فيه من أمره شاكّين، ثم بلغهم وتقرّر قبلهم أنه يقول: إن الله أوحى إليه فيما أنزل من الكتاب عليه: «وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» لخاصمه منهم من كفر، ولكفر به منهم من آمن، ثم يدّعى ذلك قرآنا، وينتحله وحيا. أما كان يرهب أن ينتشر فى الأقربين ويخرج إلى الأبعدين، فتبطل حجته، وتنتقض دعوته، وتسقط نبوته، وينفر أصحابه الذين لم يصبروا (٤) معه فى المجاهدة أنفسهم، ويبذلوا عند الشدائد مهجهم، وينفقوا فيه- على الحاجة- أموالهم، مناصبين (٥) لأهل الشرق والغرب والعجم وكل الأمم، وهم قليلون مستضعفون عائلون جائعون، لا طلبا لدنيا، ولا طمعا فى منال، إلا لما

стр. 1328

تعقّبوا من قوله، وعرفوا من صدقه، ولولا أنه أخبرهم ووعدهم أن يغلب كسرى وقيصر لهم، فصدّقوا بقوله وآمنوا بوعده، حتى قويت البصائر، وصرمت (١) العزائم وقويت النّيات، فنشطت النفوس، وشجعت القلوب، وحمّلت الأبدان، لما وقع لهم طمع فيه، ولا ذهب لهم وهل (٢) إليه، فكن من ذلك على يقين لا يخلجه (٣) شك، ومعرفة لا يخلطها ريب إن شاء الله. ومن ذلك: أنه إذا قال المسلمون: ما من فعال محمود، ولا مقال معروف، ولا خلق كريم، ولا أدب فاضل، إلا وقد أدّب الله به محمدا ﷺ وأنزله فى الكتاب إليه، فكان يأمر بالمكارم، ويحضّ على المحامد، ويعمل بالمحاسن التى ليس فيها مدخل لشبهة طاعن، ولا معلق لحجّة قائل، ولا مغمز لبصيرة عائب، ولا موضع لخصومة بشر، فى وعد أو عهد، أو حلّ أو عقد، أو مقال أو فعال، أو غير ذلك من الأمور، قالوا: أمور حمل عليها نفسه، ودعاه إليها عقله، وصبر عليها، لما أمّل ورجا فيها، سبحان الله! وما أمّل بها وارتجى منها؟ إن قالوا: الدنيا، فلقد أكذبهم إدباره عنها، حيث أمكنته القدرة منها، وأعثرته الحال عليها، وإن قالوا: حبّ الأثرة، فقد جعل نفسه للمسلمين أسوة: فى سهامهم (٤) وقصاصهم (٥)، وحدودهم وحقوقهم، وغير ذلك من أمورهم، وإن قالوا الملك، فلقد كان أشدّ الناس لربه تواضعا، وأعظمهم فى جنبه تصاغرا، ما إن أكل متّكئا قطّ إلا مرّة، ثم قعد كهيئة الفزع لها النادم عليها، فقال: «اللهم إنّى عبدك ورسولك»، وإن قالوا: النعيم، فمن كان أببس منه معاشا، وأخشن رياشا (٦)، وأغلظ مأكلا؟ وكيف

стр. 1329

يذوق العيش، أو يجد لذيذ النعيم، من حرّم السّكر والخمر، ونهى عن الدّيباج والقزّ وكان أكثر دهره صائما، وأطول ليله قائما؟ فإن قالوا: طلب الصّوت (١) ورغب فى الدين، فذلك ما لم يطلبه أحد فى حب الصوت، والتماس الحمد، لما صبر على مغاضب قومه، وملاوم أهله، وشتائم العرب، وتوعّد العجم، واستهزاء قريش: يرمونه بالعقوق، ويقذفونه بالجنون، ويبهتونه (٢) بالسحر، وليس يدرى ما يهجم (٣) به الأمر. أم يقولون: طلب تأثيل (٤) الملك لقومه، وأراد توطئة الولاية لأقاربه، فكيف يطلب لقومه ما قد زهد فيه لنفسه؟ أم كيف يطلب لهم عزّ الملك، وقد أوطأهم الذّلّ ثم القتل؟ لعمر الله أن لو أراد الملك لأقاربه، وأراد طلب السلطان لذوى رحمه، لوكّد لهم عقدا لا يحلّ، ولأبرم لهم أمرا لا ينقض، ولأثّل لهم فى عنفوان (٥) أمره ملكا لا يخرج من أيديهم، ولا يبرح (٦) أبدا فيهم، امتثالا لصنيعكم، واحتذاء على مثالكم، مع أقاويل جمة، ونظائر كثيرة، لا يستقيم لهم معها أن يقولوا إن محمدا ﷺ غلب العرب وقهر العجم، أو قال فى أمر السلطان والنجوم بكذب. فإن قلتم: إن محمدا ﷺ ، كان فى قوة عقله، وبيان فضله، على ما قلنا وقلتم، وصدّقنا به نحن وأنتم، ولكن هفت العلماء، وزلّت الحكماء، وأخطأت القلوب، فقد يعلم أمير المؤمنين- وأنتم بذلك من العالمين- أنّ خطأ قلوب العلماء كخطأ دائرة الرّحى: ليست العلماء بمخطئة إلا المرة والثنتين، كما لا تخطئ الرحى إلا الحبّة والحبتين، ومثل الذى نسبتم إلى النبى ﷺ من الخطأ عندكم،

стр. 1330

والجهل فى أنفسكم، كثير لا يحصيه أحد، ولا يبلغه عدد، وأمير المؤمنين واصف بعضه لكم، ومورد ما حضر كتابه إن شاء الله لكم، وايم الله على ذلك لو قالت العلماء من المسلمين: هبوا محمدا ﷺ كان فى أمر النجوم من المخطئين، فكيف أخطأت العرب، وهفت الأمم فى ترك مجادلته، ورفض منازعته؟ وكيف لم تقل العلماء من إفتائه (١) والحكماء من حكمائهم، توبيخا منهم له، وتعييرا لمن آمن معه: هذا أمر من أوضح الأكاذيب، وأبطل الأباطيل، فلا يثبت مع قولهم إيمان، ولا يقيم على شرحهم إنسان. فإن قلت: فلعل ذلك قد كان، ولكنه درج (٢) على طول الأزمان، فكيف إذن صدّقت العرب بنبوّته، ولم تكفر القبائل برسالته، وهم يسمعون كذبا لا ينفع معه صدق كان قبله، وباطلا لا يعصم معه حقّ حدث بعده؟ وإن قلتم: أدخلهم بالقهر، وضبطهم بالقتل، وأكرههم بالسيف، فما بال القليل من المسلمين الذين قهرهم الكثير من المشركين، ما بالهم آمنوا وصدّقوا، وصبروا وصابروا وجدّوا وجاهدوا، كيف لم تنكسر عزائمهم، وتهن (٣) بصائرهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويهربوا عن توحيدهم؟ كلا، لو كان الأمر على ما تقول لارفضّ (٤) القوم عن الرسول، ولكان ﷺ أول مقتول أو مخذول، فأحسن النظر فيما تذهب الأهواء برأيك إليه من آيات النبى ﷺ ، وإن جمحت الدّعوى بكم، فقائل- قد مالت به الأهواء فى الباطل- فقال: إنه إلّا يكن الأنبياء ذكرت النجوم فى صحفها، بيّنت الحكماء منها ذكرا فى كتبها، فجعلت المنقضّ من الكواكب بين الأعوام، دليلا على أمر يحدث تلك الأيام، ولا ما هذا الاختلاق، يلطّ به الجاهل للفسّاق (٥)، ما إن وضعت الحكماء ذلك فى الكتب

стр. 1331

إلا ليالى ملئت السماء من الشّهب، وبالله لو ادّعيتم غير ذلك فكان حقا، وكانت القالة منكم صدقا لما كانت الدعوى بناقضة لآية النجوم حجّة، ولا مدخلة على أحد فيها شبهة، لأن رميا يقع فرط السنين من الكواكب، لا يبطل رجما قد ملأ السماء من كل جانب، ثم لو لم تكن النجوم آية دامغة (١)، وحجة بالغة، ودلالة قاهرة، وعلامة باهرة، وأمارة ظاهرة، وشهادة قاطعة، وبيّنة عادلة، وداعية قائمة، تبطل أظانين المشركين، وتردع أقاويل المنافقين، لما كان النبى ﷺ ، ليعظّم أمرها، ولا ليكرّر فى آى القرآن ذكرها، رهبة لمناهضة أحياء العرب، ومعرفة بمجادلة إخوان الكتب، الذين لو وجدوا فيما كتب به إليك أمير المؤمنين من أمر النجوم، واحتجّ به عليك من ذكر الرّجوم، موقعا لظنّ، أو معلما بطعن، أو مغمزا لقول، لناصبوه إذن بالمجادلة، وكاشفوه بالمنازعة، وجاهروه بالقول الذى لا يستطيع له ردّا، ولا يطيق له جحدا، ولكنها آيات ملأت الأفطار كثرة، وحسرت الأبصار قوة، قد وجّلت العقول، وولهّت القلوب، وملأت النفوس جزعا ووجعا، وفزعا شغلهم عن الأولاد، وأذهلهم عن البلاد، حتى بلغ أمير المؤمنين، وتقرّر عند فقهاء المسلمين أن الله لما ملأ السماء حرسا، وأحدث لها رصدا، وخلق فيها شهبا، ذكرت العقلاء من العرب وقعات الله فى الكتب بقوم نوح وعاد وثمود وأشباههم من مؤلّفى تلك الجنود، الذين كانوا أشدّ بطشا، وأكثر جمعا، فانفرجت أيديهم عن كرائم أموالهم، وأرسلت أنفسهم متائن عقدهم، وإن أهل الطائف لمّا فعلوا ذلك بأموالهم، وأجمعوا فيه الخروج إلى فقرائهم، قام فيهم رجل منهم ذو سنّ وعقل فقال: يا معشر العرب، لا تهلكوا أنفسكم قبل أن تهلكوا، ولا تخرجوا من أموالكم قبل أن تخرجوا، تفقّدوا مواقع نجوم السماء، وكواكب بدور الدّجى، فإن كانت النجوم التى حدث الرمى بها، والنجوم التى أخليتم الأموال

стр. 1332

لها، هى لبروج الشمس والقمر، ومسال (١) الحيوان والشجر، فهى جوائح الاستئصال، المتلفة الأنفس والأموال، وإن كانت النجوم التى حدث القدف بها إنما هى نجوم خلقت اليوم، فليست المعرفة بواقعة على مبتداها، ولا الأبصار بلاحقة منتهاها، فأمسكوا العقد (٢) عليكم والأموال، فإنه أمر يحدث فى إحدى هذه الليال. فإن قلت: كيف وقعت الأمور فى هذا الرجل كالعيان، وصارت المقالة منه كوعى الآذان؟ أنبأك أمير المؤمنين أن أوعية الفقه من المسلمين، الذين حملوا إلينا سنن الدين، هم أدوا ذلك إلينا، وأبقوه فخرا .... (٣) علينا، فما إن ينفكّ منهم مفتخر يقول: أبونا الذى حبس على العرب الأموال والعقد، فما إن يدفع القول فى ذلك منا أحد، هيهات! ما كانت العرب لتقرّ عند الفخار، إلا بطول هو أبين فيها من ضوء النهار، فافهم ما كتب به أمير المؤمنين فى هذا إليك، ولا يكن التعلّل فيها بالشّبهات أوثق ما لديك، فإنه قلّ حجة إلا وإلى جنبها شبهة تخيّل للعقول، وتعرّض للقلوب، وتجلجل (٤) فى الصدور، فلا يثبت مع تخيّلها، ولا يقيم لتعرّضها بشر، إلا من وزن الحقّ والباطل بميزان عادل، لا يميل إلى تفريط، ولا ينحطّ فى تقصير، وقد جعل الله العقول موازين للأمور، فزنوا ما سمعتم من حجج كلام الرب بما تنفون به الشبهة عن الحق، ولا تميلوا اللسان، فتخسروا الميزان. وسيعلّل أمير المؤمنين إن شاء الله ما جاء عن ذكر ما كتب به إليكم من أمر النجوم والرّجوم والشّهب فى القرآن والرواية والكتب، فألطفوا النظر فى صحة معانيه، ونحّوا الهوى عن شبهة (٥) ما وقعت فيه، قال الله : «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا

стр. 1333

بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ» وقال: «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ» وقال: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ» وإن شطب (١) عن الحق شاطب، أو ذهب إلى الباطل ذاهب، لا يعرف مذاهب كلام العرب، ولا وجوه معانى الكتب، ولا تفسير آى القرآن، فقال: إنما جعلت الكواكب والمصابيح حفظا من الله للسماء، ورجوما للشياطين من قبل أن يبعث الله محمدا ﷺ بالدّين، فإن فى آيات القرآن ما فيه بيان مما يبطل دعواه التى لا بيّنة عليها، ويكذّب مقالته التى لا شهود لها، فقالت الجن، فجعل الله ﵎ قولها وحيا، وبه منها صدقا: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» ألا ترون أنها كانت الجن لمست السماء فلم تجدها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وقعدت الشياطين منها مقاعد للسمع فلم تجد شهبا ولا رصدا، أو لا تسمعون إلى ما يحقّق ذلك ويسدّده ويصدّقه ويشهد له من قول الله تعالى: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ. تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ» مع قول الجن أيام حرست السماء، ورميت الشياطين: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» فإذا أعملتم فى ذلك فكركم، وقلّبتم فيه نظركم، فكنتم على برهان يقين، ونور مستبين من استطاعة الجنّ للاستماع، وقدرة الشياطين على الاستراق، وإمكان السماء للقعود فى تلك الحال الأولى، ففكّروا فى الحال الأخرى حيث حرست الآيات أن تعارض باطلا بحق، ومنعت الشياطين أن تنزل بصدق، وامتنعت السماء أن يصعد إليها شيطان، فقال الله «وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» قالت الجن: «وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً»

стр. 1334

إنّ فى قولهم الآن لأعظم نور وبيان، وأبين من ذلك لكم، وأصحّ لمن عقل إن شاء الله منكم، إخبار الله حين جعلت الكواكب حفظا من كل شيطان مارد أنهم «لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً (١) وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» مع إخباره فى الحال الأولى أنهم يسمعون ويقعدون وينزلون ويستطيعون ويتلون على ملك سليمان، فكن لهذا من الحافظين، وفيه من المفكّرين. ومن آيات النبى ﷺ أنه لما نفرت القبائل من أعلام الشرك بجموعها، وتداعت القادة من صناديد الكفر بأتباعها، حذرا على عير (٢) لها أقبلت من الشام، بصنوف رغائب أموال عظام، فكانت العير والنّفير طائفتين: طائفة ذات عدّة كثيرة وشوكة شديدة، وطائفة ذات أموال رغيبة ورجال قليلة، وفرصة ممكنة، أخرج الله نبيّه ﷺ ووعده ومن معه من المسلمين إحداهما، فكره المؤمنون جموع المشركين، وأراد الله أن يقطع دابر الكافرين، ويشيّد بذلك أركان الدين، فلما تراءت الفئتان، وتناوشت الفرسان، وتلاقى الناس، وقبل ذلك ما قال الله : «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» قبض النبى ﷺ قبضة من تراب، حثاها فى وجوههم، فلم يتناه دون مناخرهم وعيونهم، فانصرفوا منهزمين بلا كثير قتال من المسلمين، يأهل الكتاب فأيّتها آية أعظم حجة، وأوضح بينة، وأقهر غلبة من هذه التى لو صدرت الأمور بلا تحقيق لها، لانفضّت الجموع من المسلمين كفّارا بها، أبشارة الله المسلمين بأمداد الملائكة

стр. 1335

المقرّبين، وهزيمة نفير المشركين التى نجمت الأمور عليها، وتناهت الحال بهم إليها، أم قبضة من تراب يسير، ما ملا المناخر من عدد كثير؟ فلئن قلتم: إن هذه آيات بيّنات، وعلامات واضحات، ولكنا لا نقرّ لكم بها، ولا نؤمن بقولكم فيها، أفتؤمنون أن محمدا ﷺ ، مع ما نسبتموه من الفضل إليه، كان يختلقها كذبا من تلقاء نفسه، ثم يدّعيها وحيا من عند ربّه، وهو لا يدرى لعلّ الأمور تقع بخلاف ما يقول، فيظهر كذبه، ويرفضّ تبعه. ويزعم أن أصحابه كانوا كثيرا أقوياء، نشاطا جلداء، فكان على معرفة بقوّتهم ويقين من غلبتهم، فقد قال الله : «وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» ولم يكن الرسول ولا غيره ليخبر أصحابه من أمورهم بما يجهلون من أنفسهم، ثم يدّعى ذلك تنزيلا من ربهم! هذا لا تقبله الآراء، ولا تقرّ به الحكماء، ولا يحدّه النظر. أم تقولون: إنما أراد محمد ﷺ ببشارته لهم، وإخباره ما أخبرهم من هزيمة الله عدوّهم، أن يشجّع جبنهم، ويقوّى ضعفهم، فكيف إذن لم يثق (١) لما كان يرى من كثرة المشركين وقوتهم، وضعف المسلمين وقلّتهم- بظهور الأنباء على خلاف قوله، وأن يحتال؟ ؟ ؟ (٢) الخبر على غير ظنه، فيقع ظفر يكذّب نبوّته، ويقطع حجّته، ويكون له ما بعده؟ وكيف إذن لم ينسب الأمر إلى نفسه، وينحّى الخبر عن ربه، ليكون الخطر أصغر، والشأن أيسر، إن جرت الأقدار بما يحذر، أو وقعت الأمور على ما يكره؟ ولكنه أثبته فى كتاب مسطور، ورقّ (٣) منشور، فعل لعمر الله يدل على النبوة التى كان بها واثقا، ويهدى إلى الوحى الذى كان إليه ساكنا.
следующие страницы →