إلا ليالى ملئت السماء من الشّهب، وبالله لو ادّعيتم غير ذلك فكان حقا، وكانت القالة منكم صدقا لما كانت الدعوى بناقضة لآية النجوم حجّة، ولا مدخلة على أحد فيها شبهة، لأن رميا يقع فرط السنين من الكواكب، لا يبطل رجما قد ملأ السماء من كل جانب، ثم لو لم تكن النجوم آية دامغة (١)، وحجة بالغة، ودلالة قاهرة، وعلامة باهرة، وأمارة ظاهرة، وشهادة قاطعة، وبيّنة عادلة، وداعية قائمة، تبطل أظانين المشركين، وتردع أقاويل المنافقين، لما كان النبى ﷺ ، ليعظّم أمرها، ولا ليكرّر فى آى القرآن ذكرها، رهبة لمناهضة أحياء العرب، ومعرفة بمجادلة إخوان الكتب، الذين لو وجدوا فيما كتب به إليك أمير المؤمنين من أمر النجوم، واحتجّ به عليك من ذكر الرّجوم، موقعا لظنّ، أو معلما بطعن، أو مغمزا لقول، لناصبوه إذن بالمجادلة، وكاشفوه بالمنازعة، وجاهروه بالقول الذى لا يستطيع له ردّا، ولا يطيق له جحدا، ولكنها آيات ملأت الأفطار كثرة، وحسرت الأبصار قوة، قد وجّلت العقول، وولهّت القلوب، وملأت النفوس جزعا ووجعا، وفزعا شغلهم عن الأولاد، وأذهلهم عن البلاد، حتى بلغ أمير المؤمنين، وتقرّر عند فقهاء المسلمين أن الله لما ملأ السماء حرسا، وأحدث لها رصدا، وخلق فيها شهبا، ذكرت العقلاء من العرب وقعات الله فى الكتب بقوم نوح وعاد وثمود وأشباههم من مؤلّفى تلك الجنود، الذين كانوا أشدّ بطشا، وأكثر جمعا، فانفرجت أيديهم عن كرائم أموالهم، وأرسلت أنفسهم متائن عقدهم، وإن أهل الطائف لمّا فعلوا ذلك بأموالهم، وأجمعوا فيه الخروج إلى فقرائهم، قام فيهم رجل منهم ذو سنّ وعقل فقال: يا معشر العرب، لا تهلكوا أنفسكم قبل أن تهلكوا، ولا تخرجوا من أموالكم قبل أن تخرجوا، تفقّدوا مواقع نجوم السماء، وكواكب بدور الدّجى، فإن كانت النجوم التى حدث الرمى بها، والنجوم التى أخليتم الأموال
стр. 1332
لها، هى لبروج الشمس والقمر، ومسال (١) الحيوان والشجر، فهى جوائح الاستئصال، المتلفة الأنفس والأموال، وإن كانت النجوم التى حدث القدف بها إنما هى نجوم خلقت اليوم، فليست المعرفة بواقعة على مبتداها، ولا الأبصار بلاحقة منتهاها، فأمسكوا العقد (٢) عليكم والأموال، فإنه أمر يحدث فى إحدى هذه الليال.
فإن قلت: كيف وقعت الأمور فى هذا الرجل كالعيان، وصارت المقالة منه كوعى الآذان؟ أنبأك أمير المؤمنين أن أوعية الفقه من المسلمين، الذين حملوا إلينا سنن الدين، هم أدوا ذلك إلينا، وأبقوه فخرا .... (٣) علينا، فما إن ينفكّ منهم مفتخر يقول: أبونا الذى حبس على العرب الأموال والعقد، فما إن يدفع القول فى ذلك منا أحد، هيهات! ما كانت العرب لتقرّ عند الفخار، إلا بطول هو أبين فيها من ضوء النهار، فافهم ما كتب به أمير المؤمنين فى هذا إليك، ولا يكن التعلّل فيها بالشّبهات أوثق ما لديك، فإنه قلّ حجة إلا وإلى جنبها شبهة تخيّل للعقول، وتعرّض للقلوب، وتجلجل (٤) فى الصدور، فلا يثبت مع تخيّلها، ولا يقيم لتعرّضها بشر، إلا من وزن الحقّ والباطل بميزان عادل، لا يميل إلى تفريط، ولا ينحطّ فى تقصير، وقد جعل الله العقول موازين للأمور، فزنوا ما سمعتم من حجج كلام الرب بما تنفون به الشبهة عن الحق، ولا تميلوا اللسان، فتخسروا الميزان.
وسيعلّل أمير المؤمنين إن شاء الله ما جاء عن ذكر ما كتب به إليكم من أمر النجوم والرّجوم والشّهب فى القرآن والرواية والكتب، فألطفوا النظر فى صحة معانيه، ونحّوا الهوى عن شبهة (٥) ما وقعت فيه، قال الله : «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا
стр. 1333
بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ» وقال: «وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ» وقال: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ» وإن شطب (١) عن الحق شاطب، أو ذهب إلى الباطل ذاهب، لا يعرف مذاهب كلام العرب، ولا وجوه معانى الكتب، ولا تفسير آى القرآن، فقال: إنما جعلت الكواكب والمصابيح حفظا من الله للسماء، ورجوما للشياطين من قبل أن يبعث الله محمدا ﷺ بالدّين، فإن فى آيات القرآن ما فيه بيان مما يبطل دعواه التى لا بيّنة عليها، ويكذّب مقالته التى لا شهود لها، فقالت الجن، فجعل الله ﵎ قولها وحيا، وبه منها صدقا: «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» ألا ترون أنها كانت الجن لمست السماء فلم تجدها ملئت حرسا شديدا وشهبا، وقعدت الشياطين منها مقاعد للسمع فلم تجد شهبا ولا رصدا، أو لا تسمعون إلى ما يحقّق ذلك ويسدّده ويصدّقه ويشهد له من قول الله تعالى: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ. تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ» مع قول الجن أيام حرست السماء، ورميت الشياطين: «وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» فإذا أعملتم فى ذلك فكركم، وقلّبتم فيه نظركم، فكنتم على برهان يقين، ونور مستبين من استطاعة الجنّ للاستماع، وقدرة الشياطين على الاستراق، وإمكان السماء للقعود فى تلك الحال الأولى، ففكّروا فى الحال الأخرى حيث حرست الآيات أن تعارض باطلا بحق، ومنعت الشياطين أن تنزل بصدق، وامتنعت السماء أن يصعد إليها شيطان، فقال الله «وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ. وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» قالت الجن:
«وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً»
стр. 1334
إنّ فى قولهم الآن لأعظم نور وبيان، وأبين من ذلك لكم، وأصحّ لمن عقل إن شاء الله منكم، إخبار الله حين جعلت الكواكب حفظا من كل شيطان مارد أنهم «لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً (١) وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» مع إخباره فى الحال الأولى أنهم يسمعون ويقعدون وينزلون ويستطيعون ويتلون على ملك سليمان، فكن لهذا من الحافظين، وفيه من المفكّرين.
ومن آيات النبى ﷺ أنه لما نفرت القبائل من أعلام الشرك بجموعها، وتداعت القادة من صناديد الكفر بأتباعها، حذرا على عير (٢) لها أقبلت من الشام، بصنوف رغائب أموال عظام، فكانت العير والنّفير طائفتين: طائفة ذات عدّة كثيرة وشوكة شديدة، وطائفة ذات أموال رغيبة ورجال قليلة، وفرصة ممكنة، أخرج الله نبيّه ﷺ ووعده ومن معه من المسلمين إحداهما، فكره المؤمنون جموع المشركين، وأراد الله أن يقطع دابر الكافرين، ويشيّد بذلك أركان الدين، فلما تراءت الفئتان، وتناوشت الفرسان، وتلاقى الناس، وقبل ذلك ما قال الله : «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» قبض النبى ﷺ قبضة من تراب، حثاها فى وجوههم، فلم يتناه دون مناخرهم وعيونهم، فانصرفوا منهزمين بلا كثير قتال من المسلمين، يأهل الكتاب فأيّتها آية أعظم حجة، وأوضح بينة، وأقهر غلبة من هذه التى لو صدرت الأمور بلا تحقيق لها، لانفضّت الجموع من المسلمين كفّارا بها، أبشارة الله المسلمين بأمداد الملائكة
стр. 1335
المقرّبين، وهزيمة نفير المشركين التى نجمت الأمور عليها، وتناهت الحال بهم إليها، أم قبضة من تراب يسير، ما ملا المناخر من عدد كثير؟
فلئن قلتم: إن هذه آيات بيّنات، وعلامات واضحات، ولكنا لا نقرّ لكم بها، ولا نؤمن بقولكم فيها، أفتؤمنون أن محمدا ﷺ ، مع ما نسبتموه من الفضل إليه، كان يختلقها كذبا من تلقاء نفسه، ثم يدّعيها وحيا من عند ربّه، وهو لا يدرى لعلّ الأمور تقع بخلاف ما يقول، فيظهر كذبه، ويرفضّ تبعه.
ويزعم أن أصحابه كانوا كثيرا أقوياء، نشاطا جلداء، فكان على معرفة بقوّتهم ويقين من غلبتهم، فقد قال الله : «وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» ولم يكن الرسول ولا غيره ليخبر أصحابه من أمورهم بما يجهلون من أنفسهم، ثم يدّعى ذلك تنزيلا من ربهم! هذا لا تقبله الآراء، ولا تقرّ به الحكماء، ولا يحدّه النظر.
أم تقولون: إنما أراد محمد ﷺ ببشارته لهم، وإخباره ما أخبرهم من هزيمة الله عدوّهم، أن يشجّع جبنهم، ويقوّى ضعفهم، فكيف إذن لم يثق (١) لما كان يرى من كثرة المشركين وقوتهم، وضعف المسلمين وقلّتهم- بظهور الأنباء على خلاف قوله، وأن يحتال؟ ؟ ؟ (٢) الخبر على غير ظنه، فيقع ظفر يكذّب نبوّته، ويقطع حجّته، ويكون له ما بعده؟ وكيف إذن لم ينسب الأمر إلى نفسه، وينحّى الخبر عن ربه، ليكون الخطر أصغر، والشأن أيسر، إن جرت الأقدار بما يحذر، أو وقعت الأمور على ما يكره؟ ولكنه أثبته فى كتاب مسطور، ورقّ (٣) منشور، فعل لعمر الله يدل على النبوة التى كان بها واثقا، ويهدى إلى الوحى الذى كان إليه ساكنا.
стр. 1336
وإن عرض لنظرك، أو وقع فى خلدك، أن الله عوّد محمدا ﷺ الغلبة، وأجراه على المنعة، فكان يجرى على عادة قد عرفها، ويسلك جادّة قد خبرها، فلقد كانت الهزيمة فى أول وقعة أوقعها الله، ثم لقد دالت الحرب فيما بعد سجالا (١) فيما بينه وبينهم، تارة عليه لهم، وأخرى له عليهم، فناصحوا الله فى نظركم، وقلّبوا فيما يقول أمير المؤمنين فكركم، فلعمر الله ما كان النبى ﷺ ليقول لملوك المشركين: إن الله هزمكم برمية من تراب، وهو يعلم أنه عنده من الكاذبين، فأحضر كتابى هذا فهمك، واصبر له، وإن خصمك، فإن هذه آية عظيمة، وحجّة بليغة، وبيّنة عجيبة، فى غلبة العرب.
وأعجب من هذه وألطف، وأكثر منها وأعظم، الآية فى غلبة العجم، واستمع:
أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للمؤمنين- وكانوا كما قال الله قليلا مستضعفين-: إن قبائل العرب ستتحزّب عليكم، وإن الله سيهزمهم لكم، وحيا أنزله فى الكتاب، فقال: «جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ» فكان أصحاب رسول الله ﷺ بعد ما نزل هذا القول عليه بدهور طويلة، وسنين كثيرة، محبوسين محصورين فى حومة الموت، وعسكر الخوف، وخندق القهر، وذلّ الحصر، سوادهم الأعمّ، وجلّهم الأعظم: حفاة عراة عالة (٢)، إخوان دبر (٣)، وأصحاب وبر، لا قوة بهم، ولا منعة لهم، ولا أسلحة عندهم، ولا عدّة معهم، قد أحدقت العرب بعسكرهم، وأحاطت القبائل بخندقهم، وسالت الأحزاب تصديقا لحتم الله عليهم، تريد أن تزلزل أقدامهم، وتهريق دماءهم، فكان المؤمنون كما وصف الله من سوء الحال، وضيق المآل، وشدة الكظاظ (٤)، فإن الله قد
стр. 1337
وصف لهم حالهم، وأذكرهم فعلهم، ولم يكن النبى ﷺ ليصف لهم عن الله ما يجهلون، ولا ليذكّرهم من أمره ما لا يعرفون، حذارا أن تنكسر عزائمهم، وتتغيّر بصائرهم، فتنهزم أفئدتهم، وتموت نجدتهم، وتختلف كلمتهم، فقال الله : «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً» حتى قالت طائفة منهم لأهل المدينة: «يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا» وقالت طائفة أخرى: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة (١) فأذن لنا، يقول الله تعالى:
«وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ، إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً» فبيناهم على تلك الحال قد أجمعت العرب تفريقهم فى الجبال، وتقسيمهم بالقداح (٢)، وأخذهم بالأيدى، إذ قال لهم الرسول ﷺ فيما ينبئهم به من علم الغيوب، ويبشّرهم به من أمر الفتوح، «إن الله سينصركم على جمع الروم، ويغلب لكم جموع فارس، فيهزم لكم جنودهم، ويورثكم قصورهم، ويستخلفكم فى الأرض من بعدهم، ويبدلكم من بعد خوفكم أمنا» وعدا صدّقه الكتاب، وبشارة نطق بها الوحى، فقال: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» فقال أقوام وأناس ارتابوا حين تضايقت الحال، وتزلزلت الأقدام، وطارت القلوب، ودارت العيون، وأشرف الموت: «ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً» أيعدنا هزيمة جموع الأحزاب، وفتح قصور الشام، وغلبة جنود كسرى، وقد سالت القبائل علينا من كل جانب، وأحدق الموت بنا من كل مكان، فبقينا فى مسغبة (٣) من الجوع، ومجهدة من الخوف،
стр. 1338
وضنك من الحال، مقهورين مقموعين (١)، وقالت الخاصة من المؤمنين حين عاينوا الجموع من المشركين، وذكروا ما خبّرهم الله من تحزّبهم عليهم، ومسيرهم إليهم:
«هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً» فبينا أصحاب النبى ﷺ فى مضابق تلك الحال، وشدة ذلك الخصال (٢)، وعموم تلك البلايا الباهظة، والأمور الفادحة، التى قد أخذ بأنفاسهم غمّها، وبلغ مجهودهم كربها، رافعين إلى الله أيديهم، يقلّبون فى السماء أعينهم، إذ أرسل الله على تلك الجنود الكثيفة، والجموع العظيمة، والأحزاب المقتدرة، ريحا من الأرض، وجنودا من السماء، فقطعت الأبنية، وطيّرت الأمتعة، وسفت التراب فى العيون، وقذفت الرعب فى القلوب، فولّوا مدبرين، وخرجوا منهزمين، لا يلوى (٣) والد على ولد، ولا مولود على أحد، أمر صدق الله فيه قوله، وأنجز به وعده، وهزم الأحزاب وحده، وذكّر المؤمنين نعمته فيهم، وعرّفهم منّته بهم، فقال: «اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» وقال : «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً» ما كان الله ليقتصّ على المسلمين فى أنفسهم إلا ما قد رأوه بأعينهم.
لولا أن هذا ما لا ينكره عقلك، ولا يدفعه نظرك، لما جادلتك بالكتاب، ولا نازعتك بالتنزيل، وإنى لأترك من آيات النبى ﷺ وعلامات الوحى، ما هو أعظم من هذا وأبين، وأجلّ وأوضح، ولكن ليس لى أن أحاجّك من آيات
стр. 1339
القرآن، إلا بما عليه شاهد من برهان، ومخبر من بيان، لا يستطيع عقلك ردّا له، ولا قلبك جحدا له، وكيف ينبسط لسانك، أو يجترئ قلبك، أن يقول: إن محمدا ﷺ أخبر أصحابه بالكذب وهم يعلمون، فاقتصّ عليهم من أمورهم ما لا يعرفون! لا، ما يسوغ لك ولا يجمل بك، ولا يقبل منك أن محمدا ﷺ يقوله من تلقاء نفسه، كيف! أما كان يخاف أن يكذّبه أصحابه، وتتنقل أحواله، وتنتقض أموره! لعمر الله لو وصفت بهذا من لا يعرف بفضل، ولا ينسب إلى عقل لما كان سائغا لك، ولا جائزا منك، فكيف تصف به من يرفع عن الناس قدره، ويفضل عليهم عقله، وتقرّ أنك لم ترفى الدنيا أحدا صنع ما صنع، وبلغ ما بلغ، فأيّتما آية فيما اقتصّ عليك أمير المؤمنين أعظم، أو بينة أعجب: أما كان يتلى على المؤمنين فى الكتاب من اجتماع قبائل الأحزاب بجنود عظيمة قبل اجتماعهم سنين كثيرة، أم ما كان (١) ينادى به القرآن من الهزيمة لهم، وينطق به الوحى من الفتح عليهم، أم قول النبى ﷺ لأصحابه: «إن الله يؤمّن خوفكم ويعزّ نصركم على الأمم» وهو على تلك الحال، ثم نجمت الأمور على ما قال، أم عسكران متطابقان، وجيشان متقابلان، باتت الريح تحوش (٢) أحدهما حتى انهزموا، وبات الآخرون منها فى عافية وغفلة حتى أصبحوا، فأحسن النظر فى أمرك، والتثبت فى دينك إن شاء الله.
واعلم أن من أعظم الآيات، وأبين الدّلالات على نبوّة محمد ﷺ وحقّه، وأن ليس يتقوّل شيئا من تلقاء نفسه، أنه قال فى عنفوان أمره: «إن الله سيظهر دينى على الدين كله» وجاء مع ذلك بأثرة عن ربه، فى كتاب مخطوط، وتنزيل محفوظ، فأىّ أمريه (٣) لك أدلّ، أو أيهما عندك أعجب؟ إذ كنت
стр. 1340
بنبوته مصدّقا، ولرسالته محقّقا: الخبر الذى أخبره، أم الفعل الذى صدّقه، لئن نظرت بعقلك، وقلت فى نفسك: كيف ترقّت إلى هذا نيّته، وارتفعت نحوه همّته، أم كيف امتدت إليه فطنته، وقويت عليه رويّته؟ بل كيف دعته إليه نفسه، وشجّعه عليه قلبه، ودخل فيه طمعه، وطاوعه فيه لسانه، وهو يذكر جنود كسرى، وجموع الروم، وملوك التّرك، وملوك الشّرك، وقيول (١) اليمن، وصناديد الأمم؟
إن هذا لعجب، ولا سيما إذا لم يكن فى إرث ملك قاهر، ولا كنف عزّ غالب، ولا معدن علم سالف.
ولئن أعدت النظر وكرّرت، فقلت: كيف وافق خبره أثره، وكيف صدّق فعله قوله، حتى غلب الشرق والغرب؟ إن هذا لعجب! وأعجب من هذا أمر يدلّك أمير المؤمنين عليه، ويهديك إن شاء الله إليه، لو قلت لأهل مملكتك ومن قبلك من أمتك: هل بلغكم أو تقرّر قبلكم، أنه كان فى الدهر الأول، والعصر الخالى، أحد مثل محمد ﷺ : بدأت الأمور به مثل حاله، من الوحدة والضعف والذّلّة والقلّة، وصدرت الحال به كفعاله، فى الغلبة والمنعة والقهر والظهور، وغير ذلك؟ لقالوا: لا.
ثم أنت لا تؤمن بمقالته، ولا تقرّ برسالته، إلفا لدينك، وضنّا بملكك، وطمعا فى قليل من الدنيا قد نعاه الله إليك، ورغبة فى صبابة عيش غير باقية فى يديك، فهذا عجب، وأعجب من هذا أمر نقفك أمير المؤمنين على نور حقه، ويوضّح لك إن شاء الله بيان أمره: أصبحت العرب طرّا والأمم جميعا فى محمد ﷺ ثلاثة لا رابع لهم، ولا مخرج للحق من بينهم: رجل مصدّق به من المؤمنين، ورجل مكذّب به من الكافرين، ورجل شاكّ فيه من المنافقين.
فأما الشاكّ فلمّا قيل له: أخرجت نفسك من الحق، وأبرأتها من الصواب،
стр. 1341
وأقررت عليها بالخطأ، لقولك: لا بدّ أن يكون الحق فى التصديق أو التكذيب، ولست على واحد منهما، اعتزل عنها.
وأما المكذّب فلمّا قيل له: أنت منكر، والمنكر ليس بمدّع، ومن لم يدّع لم يلزمه بينة، ولا يسأل عن حجة، اتبع صاحبه وأيم الله على ذلك، لو سئل هذا المدعى عن بينته، وكشف حجته، فقيل له: من أين عرف قلبك، وأيقنت نفسك إيقانا لا يخالجه شكّ، ومعرفة لا يشوبها ريب، ولا ينازعها شبهة، أن محمدا ﷺ ليس برسول؟ لما درى ما يقول، لأنه لا يستطيع أن يتقوّل على الرسل، ولا أن يتكذّب على الكتب، فيقول: قد أخبر الله فيها أنه لا يبعث نبيا، ولا ينزل وحيا فى كتاب مسطور بعد التوراة والإنجيل والزّبور، بل قد يجد أهل الكتاب فى أقاويل رسلهم، وأخابير كتبهم، أن الله ﵎ ينزل كتابا جديدا أو كلاما حديثا، بعد خراب بيت المقدس فى آخر الزمان، ولم ينزل بعد ذلك كتابا إلا القرآن.
وأما الرجل المصدّق بمحمد ﷺ فقيل له: أمّا أنت فقد ادّعيت، والمدّعى يسأل عن الحجة، وتقبل منه البينة، فما بيّنتك، ومن يشهد لك؟ فقال:
ألم تقولوا: إن الحق لا يخرج من بيننا، ولا بدّ أن يكون مع بعضنا؟ قالوا: بلى! قال:
فأية بينة أحقّ وأعدل، وأى شهود أزكى وأفضل من شهادتكم بسقوط صاحبىّ، وثبوت الحق من بعدهما فى يدىّ؟ قالوا: إن الأمر لكما تقول، ولكن البينة أشفى للصدور، فأقام بيّنة من الكتاب، وشهودا من الوحى، وآيات سوى ذلك عظاما، وبيّنات عوامّ، من كلام لا يقدر عليه الخلق، وصدق لا يكون إلا من قبل الربّ، شبيها بما أورده أمير المؤمنين عليكم، وكتب به فى صدر كتابه هذا إليكم، مما قد تشهد له قلوب الأمم، ويزكّيه فعال العرب.
فلما أقام بيّنته، وثبتت حجته، ووجب حقه، وقضى به له، قيل له: وكيف
стр. 1342
توسّعت الأمور عليك، وضاقت المقالة، لك أن تقول: إن الله لا يبعث نبيا بعد محمد ﷺ ، ولا وحيا ينزل غير القرآن، فأبطلت الكتب المحدثة، وأكذبت الوثيقة، ولم تترك وحيا غير القرآن، ولم يجز للنصارى أن تقول: لا نبىّ بعد عيسى ﵇، ولا كتاب خلف الإنجيل، وعن ذلك من أخبار الكتب ما قلنا:
كل متنبّئ بعد نبيّنا كذاب، فشاعت وجازت الحجة، ووضح العذر. وأما النصارى فيجدون فى أواخر كتبهم، وأقاويل رسلهم، أن الله يبعث نبيّا حديثا، وينزل كتابا جديدا، فليس لهم أن يكذّبوا نبينا ﷺ ، ولا أن يردّوا كتابنا.
فهؤلاء الثلاثة: أما الشاكّ فسقط، وأما المنكر فبطل، وأما المصدّق فثبت ثبوتا ليس فيه مدخل شبهة، ولا موضع لحجّة، ولا معلق لمنازعة، وذلك أن المنكر لوجوب حقه، والشاكّ فى ثبوت صدقه، لا يجد بدّا من أن ينحى الصدق عن الخلق، ويخلى الدنيا من الحق، وهذا قول المكذبين بربهم، الشاكّين فى بعثهم، فأحسن النّظر فى معانيه، ينكشف لك هما فيه إن شاء الله.
ومن أبين آياته وأدلّ علاماته ﷺ ، ووسع له فيما صدر إليه، أنه لما أخبرت النصارى واليهود أنهم لم يجدوا محمدا ﷺ فى التوراة والإنجيل موصوفا مكتوبا، تجمّعت العلماء منهم، وتدارست الكتب فيما بينهم، فلما نظروا إلى اسمه، وعاينوه بنعته، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويستفتحون بذكره على من سواهم، كفرت طائفة حسدا من عند أنفسها، وجحدا من بعد ما تبيّن لها، وآمنت طائفة، تصديقا بكتابها، وخوفا من ربها.
فلعمر الله لولا أن الذين آمنوا بحقه، وصدّقوا بأمره، رأوا صفته عيانا، وقبلوا نعته إيقانا، لما فارقوا أديانهم، ولا جادلوا إخوانهم، حتى وقفوهم على اسمه ونسبه، وصفته وعلامته، وهم علماء بنى إسرائيل، وحملة الإنجيل: من أهل الكتاب الذين
стр. 1343
احتج الله بهم على العرب فقال : «أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ» ولعمر الله إنها لآية عظيمة، وحجة بليغة، ذكرها الله فى كتابه وجعلها على العرب من بيّناته، فقال لهم: «قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا» يقولون: وعدنا أن يرسل رسولا، فقد أرسله، وحقّق قوله، وصدّق وعده، واحتجّ النبى ﷺ بذلك وذكره، ولم يكن النبى ﷺ ليجادل ويحتجّ فى أمرهم بكذب وباطل، ولم يكن ليقول للنصارى واليهود، فيما ذكر الله من صدق الموعود: إنه فى التوراة والإنجيل مكتوب موجود، إلا وهو من ذلك على حق يقين، ونور مستبين، وكيف كان يستشهد من التوراة والإنجيل بكذب، ويتقوّل عليهم الباطل، مع حرصه على تصديق أهل الكتاب، ليستدعى به إيمان أحياء العرب، أما كان يعلم أنه إذا قال لهم:
إنه موجود فى مثانى كتبهم، وسمّى على أفواه رسلهم، فلم يجدوا خبره يقينا، ولا وصفه مستبينا، أنهم سيدبرون عنه إدبارا، تزداد به العرب نفارا، إلا أن يقولوا خطأ من علمه، وهواء من خبره، فكيف لم يخطّ إذن فى كتبهم حرفا غيره، ولم يخالف منها شيئا سواه؟ سبحان الله! لقد أكثر المؤمنون العجب من ذهاب الأساقفة بكم، فأنتم إن تنكروا ما يقولون لكم، مما ليس لذى لبّ أن يأذن له أن يؤمن به، ولا أن ينبذ (١) إليه سمعه، يقولون: إن أنبياء الله ورسله، المبعوثين بالرحمة إلى خلقه، لطفت النبوة منهم، ووقعت الأخبار المنزّلة عليهم، على صغائر الأمور، وغوامض الخطوب، فسار الناس عليها، وأشاروا لهم إلى طلبها، فهى مكرّرة فى مثانى كتبهم، وبطون صحفهم، وأقاويل رسلهم، وتركوا من كلام الله النبأ العظيم والأمر الكبير، والذكر الحكيم الذى ملك آفاق الأرضين، واستفاض على جميع العالمين، لم يذكروه
стр. 1344
بخير يأتمرون به، ولا بشرّ ينتهون عنه، كلا! ما ترك الله على هذا خلقه، ولا بهذا وصف ﵎ نفسه، إنه لأرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين.
ولئن رجعت إلى قلبك، لتقولنّ فى نفسك: لعمر الله لو كان هذا الأمر الذى طلع طلوع الشمس، وامتدّ امتداد النهار، فبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وسهول الآفاق وحزونها (١)، حقا وصدقا وعدلا، لبشّرت الكتب به، وتنبّأت الرسل عليه، ودعت النّذر إليه، تزبينا له، وترغيبا فيه، وأمرا به، ولو كان ضلالة وجهالة وعماية، لتقدّموا فى التحذير منه، والتزهيد فيه، والتّثبيط عنه، فيدعو ذلك إلى أن ينظروا فى كتب الأنبياء، وأقاويل الرسل، فأيم الله لئن طلبت لتجدنّ، ولئن اجتهدت لتوفّقنّ، وما الصواب بممنوع، ولا الخير بمحظور، ولقد كانت العلماء بالكتب والبصراء بالتأويل تجده، ولكنها كانت تكتمه بتحريف كلام الكتب عن مواضعه، وصرف تأويل الحكم إلى أشباهه، حسدا من عند أنفسهم، وبغيا بعد ما تبيّن لهم، ثم لقد اقتديتم بهم، وجريتم معهم، وأخذتم عنهم، بلا حجة لكم ولا قوة معكم، إلا الاقتداء بالآباء، والاتّباع للآثار، فاتّق الله فى نفسك، واتّهم الرجال على دينك، ولا تجعل النظر إلى غيرك من ذوى الشك فى القلوب، والفسخ فى ... (٢) والتّهم فى التعطيل، الذين لعلّهم يعرض لآرائهم، ويقع فى أوهامهم أن يقولوا: فلعل ما يتلو عليكم أمير المؤمنين من آيات القرآن، ويقرع لكم من حجج الوحى، شىء زيد فى المصاحف بعد النبى ﷺ ، وهذا ما لا يحتمله عقل صحيح، ولا نظر قوىّ، وذاك الشاكّ فى شهادات الرجال- متفقة من بلدان وأمصار مختلفة، وشعوب وقبائل متفرّقة، ليس يدعوهم إلى ما شهدوا دين، ولا يحملهم على ما اتفقوا عليه دنيا- لا يستقيم له أن يؤمن (٣) بما لم تدركه جوارحه، وتحيط به
стр. 1345
حواسّه، لإسقاطه حجّة الإجماع، وإبطاله شهادة العوامّ، واتفاق المختلفين دلالة واضحة، فهو سائلكم عن الحجة فى الإنجيل، والبيّنة على التوراة، شكّا فى الرب، وتكذيبا بالرسل، فما كنت قائله له، أو مجيبه به فى كتابكم، فأجبه بمثله فى كتابنا، وإن كانت الأحوال منها غير معتدلة ولا مؤتلفة ولا مرتفقة ولا واحدة تعتدل حالاهما، ويتّفق أمرهما من كتابكم، ما لم تنزل به الملائكة وحيا كالقرآن، ولم يشافه المسيح به أصحابه باللسان، إنما كان فعلا أثبت من بعده، ولم يكن الفعال موضوعا بعده، وليس يكتب أمير المؤمنين بهذا إليكم شكّا فيه، ولا يورده عليكم مرية به.
ولقد علم أمير المؤمنين أن كتب الله محفوظة، وأن حججه مخزونة، لا يزاد فيها على تقادم عهد، ولا ينتقص منها على تقارب دهر، وأن ذلك ثبت فى الإنجيل من بعد عيسى ﵇، وأنه قال لمن اجتمع إليه من الحواريّين:
«بالوحى أكلّمكم، والأمثال أضرب لكم» فأمثاله المضروبة كلام، وكلامه الرائع وحى، ولكن ما بال الشكّ ينفى عن كتابكم بحجة الاجتماع عليه عندكم، وهو على ما وصف أمير المؤمنين لكم، وسيّان فى تنزيل كتابنا، وقد أدرك شهادة دينه، إما ما قربا (١) من عهده، ومعاينة وحيه، واجتماع على حفظه، هذا حكم مختلف.
فقل للذين يشكّون فيه ويرتابون به: أوقعوا أوهامكم على حالات الأوقات التى تعرفون وقومها (٢) بطبقات الرجال الذين يتهمون.
فإن قالوا: أمّا طبقات الرجال التابعين، وحالات أزمان أمير المؤمنين، فذلك ما لا يسوغ الأقاويل فيه، ولا تدخل الشبهة عليه، لانتشار القرآن وامتداد الزمان، وكثرة الحملة لآياته فيهم، والحفظة للسانه منهم، ولكن الدين الذى نزل به القرآن،
стр. 1346
وقبض النبى ﷺ بين أظهرهم، وكيف بوقوع تهمة، أو دخول شبهة، على أقوام لبث النبى ﷺ عشرين حجّة فيهم، يتلو كتاب الله فى كل عام عليهم، حتى حملوه فى صدورهم، وحفظوه فى قلوبهم، وكرّر فى آذانهم مسموعا، وأمرّ على أبصارهم مكتوبا، وجرى على ألسنتهم متلوّا، وجمعه كثير منهم محفوظا، ثم توارثوه فيهم، وتداولوه فيما بينهم، حتى أدّوه إلينا، وأوفوا به عندنا، من مواضع متفاوتة، وأصناف وأجناس متباينة، على كلمة واحدة.
فإن قالوا: اتفقت الرجال على الزيادة فيه، وأمكنت الحال من الحمل عليه، فليعلموا أن المؤمنين المخلصين ليسوا فى الزيادة متّهمين، وأن المنافقين الملحدين ليسوا على ذلك بقادرين، وكيف يقدر القليل من المنافقين على مخالفة الجمع من المؤمنين، بعد ما حفظته قلوبهم؟ ووعته أسماعهم، ثم تكتتم القدرة لهم، وتستتر الزيادة منهم؟
هذا ما لا يقدر عليه منافق، ولا يطيقه مشرك ولا فاسق، وأيم الله أن لو قدرت اليهود على الزيادة فى الإنجيل لأفسدوا كتابكم، وغيّروا دينكم، ولو جعل الله المنافقين على الزيادة فى كتابه قادرين، لبدّلوا ديننا، وغيّروا حالنا، ولو كانوا لذلك مقرنين (١) وعلى ذلك مقتدرين، لكان الذى كتب به أمير المؤمنين إليكم، وأورده من حجج الله عليكم، أوّل ما تلقون، ورأس ما تقترفون، فلا تلقينّ إلى ما قاله المضلّ سمعك، ولا تنصت الدّهر إليه ذهنك؛ فإنه اتخذ الشّكّ فى كتابنا ذريعة إلى الإخلال بكتابك وسلّما إلى الشك فى دينك (٢)، وعلّة فى الطعن على ملّتك، ولكن قل: يا ولىّ الشيطان:
أنّى وقع لك إيمان بأنك من ولد فلان؟ أتقول شهدت الجيرة، واجتمعت العشيرة، واتفق المختلفون، فذهب الشكّ وزال الرّيب، ووقع الإيقان من غير العيان؟ صدقت فما بال الشك فيما اجتمعت العامّة على القول به، واتفقت الجماعة فى الشهادة عليه،
стр. 1347
من آيات الكتب وبيّنات الرسل! وإن ذهب بهذا عن أمره، وباعده عن شبهه، فتؤمن أنه من نطفة خلق، ومن رحم خرج، فإن جحد وأبى ألّا يؤمن بما لا يرى فقل:
أرأيت لو كنت سميعا أعمى، أكنت تؤمن بشىء مما فى الدنيا: من سماء أو هواء، أو بحر أو سبع، أو أرض أو جبل، أو شبه ذلك، مما لم يدركه العيان، ولم يقبله إلا عن الناس؟ فإن قال نعم، فقل فهل لك إلا بالاجتماع الكفر بالرب؟ وما لدائه دواء غير الصّلب؟ فاتق الله إذ كنت إماما وقائدا لأهل ملكك، لا تقدهم إلى النار، فتحمل أوزارا مع وزرك. فإن من أبين آيات الوحى، وأدلّ علامات النبى ﷺ أنه لا يبتدع فى الدين أمرا من تلقاء نفسه، ولا يتقدم فى الأمور بين يدى ربه، والله أظهر فيما أنزل من الكتاب أمورا كان يحسبها ﷺ مستورة، فقال تأديبا له، وإخبارا لمن آمن من بعده: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ» وقال: «عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى. وَهُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى. كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ» وقال تعالى: «وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا. إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً»
وقال له حين صرف قلبه عن بيت المقدس إلى البلد الحرام، حين سكنت القلوب إليها، وأنست النفوس بها: «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» وكانت القبلة التى صرفه الله إليها وأمره بها عظيمة على المنافقين واقعة، بخلاف الكافرين، كبيرة (١) إلّا على الّذين هدى الله من المؤمنين، فإنهم قالوا: إذا اختلفت القبلتان، وافترقت الجهتان، كانت الطاعة
стр. 1348
فيهما واحدة، لا اختلاف فيها ولا افتراق عليها، وكيف تختلف الطاعة من رجل بنى بأمر الله ، ثم هدم بوحى الله؟ .
فإن قلت: إن الله حوّله عن أفضل القبلتين، وأقوم الجهتين، فلا سواء فى الفضل البيّن والخير السّرّ: قبلة سلّط الله عليها الكافرين، ولم يمنعها من الظالمين، وقبلة منعها بجنود من عنده، وعصمها بغير ما حول من خلقه، ولا حرمة يدعيها أحد ممن فيها، «فأرسل طيرا أبابيل (١) ترمى الأعداء بحجارة من سجّيل. فجعلهم كعصف مأكول» فإن تقل: هذا خبر ننكره، وقول لا نعرفه، فبأىّ حديث بعد هذا تؤمن به، وتشهد لله أنه من قبله؟ وأنتم تعلمون أنه أنزل الله سورة الفيل على قوم أدركه منهم بشر كثير.
فإن قلت: إن محمدا ﷺ خبّرهم بما عاينوه وأدركوا خلافه، نقل:
إنه أراد أن يفرّقهم عنه، ويوحشهم منه، وأحب أن يرموه بالكذب، ويقذفوه بالحمق، ويصموه بالجنون، ويظنّوا به الظنون، كلا! ما كان نبىّ ولا غير نبى ليجاهر (٢) أقواما بخلاف ما رأت أبصارهم، وشاهدت آباؤهم، فيخبرهم بخلاف ما شهدوا، وتكذيب ما عاينوا، فلا تكوننّ فى هذا من الممترين، ولا بأمر الفيل من المكذّبين.
فلعمر الله لو كان من أمر النبى ﷺ ما تلحد أنت وقومك إليه، لما قام معه رجلان، ولا اختلف فيه سيفان، وإن فيما صنع الله بالفيل وأتباعه، دلالة على قبلة الله وأنبيائه، فاتّق الله! فقد شرح أمير المؤمنين علامات النبى ﷺ ، وكشف الأغطية لك عن النور بآيات الوحى فإن مالت
стр. 1349
الأهواء بك، وغلبت الأساقفة عليك، وحضرك الرؤساء الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى بلا حجّة عندهم، ولا سلطان أتاهم، فقل: أنبئونى عما اجتمعت عليه النصرانية، وذهبت إليه بهم المعانى، من تشقيق (١) الكلام، وتصريف الكتب: أحروف تتعسّفونها، أم لغة تعرفونها؟ فإن قالوا: إنهم بغير لغة يتكلمون، فهم إذن قوم يلعبون، وإن قالوا: إنهم يتكلمون بلغة معروفة، ومعان معلومة، فقل: أخبرونى عن قولكم: أب وابن، أهما ما تعترف العقول من المنطق، ويقع فى القلوب من المعنى، أم لا؟ فإن قالوا: لا، ليس ذلك بالذى تذهب أوهام العباد إليه، ولا بالذى تقع الحقائق فى الآباء والأبناء عليه، إنما هو كقول الله فى التوراة لإسرائيل.
«بكرى» لا يعنى ولادة الرّحم، وكقول المسيح ﵇ للحواريّين:
«أنتم إخوتى» لا يعنى أخوّة النّسب، فذلك قول لا يجدون معه بدّا من أن ينسبوا عيسى ﵇ عبدا، وإن قالوا: بل هو ما تجرى به ألسن العباد، ويقع فى قلوب الخلق من الولادة المعروفة، والأبوّة المعلومة، فليخبرونا متى كان الأب والدا، والابن مولودا، أقبل الولادة أم بعدها؟ فإن قالوا: قبلها، رجعوا عن القول الأول بتثبيت الأبوّة، إلا أن ذلك ليس بالشىء الذى تذهب إليه الأوهام، ولا بالمعنى الذى يقع فى قلوب الأنام.
ولا بدّ إذا سقطت الولادة المعروفة، وبطلت الأبوّة الموجودة، أن يقولوا:
إن الأب والابن اسمان علّقا على غير معنى، ونسبان أضيفا إلى غير حق، فيقرّون أن عيسى ﵇ خلق مثلهم، وأنهم يتكلمون بغير لغة أحد منهم.
وإن قالوا: إنما كان الابن مولودا والأب والدا بعد الولادة، فقد أقرّوا بأن الابن حدث مخلوق، وعبد مربوب، لقولهم: إنه لم يكن حتى ولد، ولم يولد حتى خلق، وقل لمن يقول الزّور العظيم، ويقذف بالإفك المبين، أليس الأب أبا على حياله
стр. 1350
ولم يزل، والابن ابنا نجل (١)، وروح القدس كذلك، فإن قالوا: نعم، فقد أقرّوا بأنهم ثلاثة متباينة، وقعت عليهم ثلاثة أسماء متفاوتة، وتركوا قولهم: إنهم ثلاثة أصلهم واحد.
وإن قالوا: الأب والابن وروح القدس واحد، ولكنّ يعضه أب، وبعضه ابن، وبعضه روح القدس، فقد دخلوا فى التحديد الذى هو عيب عندهم، وقالوا فى التبعيض بما هو كفر قبلهم، وإن قالوا: ليس مبعّضا ولا مجزّأ ولا محدودا، ولا ثلاثة متباينين، فإذن هم قوم يلعبون: يقولون: الأب ابن، والابن أب، والوالد مولود، والمولود والد، والكبير صغير، والصغير كبير، والقليل كثير، والكثير قليل! وهذا من أبين المحال، وأخلف المقال، وليس من المنطق ما لا يوجد فى لغة عرب ولا عجم، ولا لسان أمة من الأمم، وإنما أرسل الله كلّ نبى بلسان قومه ليببّن لهم، فيضلّ الله الظالمين، ولولا ذلك لما فهمت الأمم مذاهب أقاويل الرّسل، ولا معانى أحاديث الكتب، فلا تطع الذين يلعبون بأنفسهم، ويتكلمون بغير لغتهم، ويقولون:
الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة، وهذا محال فى مجارى المقال، ومعانى الفعال.
لعمر الله لئن اتّهمت عقول الأساقفة على دينك، واهتممت بالنظر فى توحيدك، لتعلمنّ أن الواحد لا يكون ثلاثة، وأن الثلاثة لا تكون واحدا، إلا على وجه ما له ثان تقول به، ولا منه مخرج تستريح إليه، فألق نحوه سمعك، وأنصت إليه فهمك، فإن أمير المؤمنين واصفه لك، وليس واقعا إلا على المخلوقين، ولا لازما غير المحدودين، ولا داخلا على ربّ العالمين: وهو أن يكون الشىء أصله واحد وأجزاؤه كثيرة، من نحو الإنسان، وهو أصل يجمعه اسم، وله أجزاء تلزمها أسماء، فليس الجزء بالأصل، ولا الأصل بالجزء، ولكن الجزء بعض الأصل، فإذا أردت الجزء قلت: يد الإنسان، وسمع الإنسان، ولولا أنه محدود مخلوق مجزّأ مبعّض، لما جاز هذا القول فيه، ولا
стр. 1351
دخل هذا المثل عليه، وكذلك الشمس: الأصل واحد، وهى شمس، والأجزاء كثيرة:
وهى عين الشمس، وضوء الشمس، وشعاع الشمس، ودقيقها، وغليظها، وحرورها (١)، وأعلاها، وأسفلها، وأشباه ذلك.
فلئن قلت: سمّيت كل جزء من الأجزاء على حياله إنسانا، وكلّ جزء من الشمس دون أصله شمسا، ونسبت فعل الأصل إلى بعض أجزائه، وتركت أن تنسب الأصل فاعلا ببعض الأجزاء كما تقول: بسط الإنسان بيده، ومشى برجله، ونظر بعينه، ثم ضربت ذلك لله مثلا، وجعلت الله له قياسا، فقلت: الأصل واحد، وهو الله ، والأجزاء كثيرة، وهى أب وابن وروح القدس، وكل جزء منها إله على حياله، وربّ دون غيره، لم تجد بدّا أن تلحق اليد والعين والنفس بالأب والابن وروح القدس، فتكثر آلهتك، وتحدّد ربك، وتترك قولك: إن الله ليس محدودا ولا مجزّأ ولا مبعّضا، إلا أن يكون إنما تريد مذاهب الأسماء فتقول: المعنى واحد، وهو الله ، والأسماء أب وابن وروح القدس، فإن كنت تقول هذا وكنت إنما تعبد أسماء، فما تجد بدّا من أن تعبد الأسماء كلّها، وتقول: إنها آلهة على حيالها، حتى تقول باسم: ارحمنى، وبثان: اغفرلى، فاتّقوا الله يا أهل الكتاب، فإن الله ليس بأب ولا ابن ولا اسم، ولكن له الأسماء الحسنى فادعوه بها، وذروا الّذين يلحدون فى أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون.
فإن أشارت الأساقفة إلى بعض الإنسان باليد والرجل وأشباه ذلك، وقالوا:
ليس إنسانا، فقل: لا، ولكنه للإنسان، وقل: هو إنسان بكماله، وكذلك إن أشاروا إلى بعض الشمس، فقالوا: أليس هذا الشمس طالعا؟ فقل: لا، ولكنه بعضها، ولو كانت الأسماء التى تقع أبصاركم عليها، وتشير أيديكم إليها من الشمس والسماء والهواء شمسا وهواء وسماء، لكانت الشمس والهواء والسماء أكثر مما يبلغه الإحصاء، ولو
стр. 1352
قصدت بالإجابة لمسالك هذه الأودية، لبطلت الحجج الدّاحضة، وانقطعت الأقاويل المتناقضة، وسل من قبلك من أساقف أمتك، وشمامسة أهل ملّتك الذين يزعمون أن عيسى المسيح، ويرفعونه أن يكون عبدا: على أى شىء وقع اسم المسيح من عيسى:
على الرّوح، أم الجسد، أم على كليهما؟ فإن قالوا: وقع على الروح نفسه، لأن الرّوح إله دون غيره، فقد أقروا بأن إلههم يأكل ويشرب، ويمشى ويركب، لأنهم يجدون ذلك من فعل عيسى مبيّنا قبلهم، موصوفا عندهم، فإن قالوا: وقع اسم المسيح على الجسد بعينه، فكان الجسد هو المسيح إذن دون غيره، والمسيح إذن مخلوق عندهم، والإله إنسان إذن مثلهم، فلم يعبدون المخلوق، ويدعون من خلقه وبرأه؟ وإن قالوا:
وقع الاسم على الروح والجسد جميعا، فلن يجدوا مخرجا ولا بدّا ولا محيصا- إذا أوقعوا الاسم عليهما- من أن يضيفوا الأعمال إليهما، فيقولوا: إن الجسد المخلوق هو خلقهم، وإن الروح الخالقة قد ماتت قبلهم، وذلك لما يجدون من ذكر موت عيسى ﵇ فى الكتب عندهم، وفى الإنجيل الذى قبلهم، وسل من قبلك عن الأب والابن، فقل:
أيّهما أعظم، وأيهما أصغر؟ فإن قالوا: الأب أعظم والابن أصغر، فقد جعلوهما متباينين، وإن قالوا: هما واحد وكلاهما عظيم، وليس الأب بأعظم من الابن، ولا الابن بأصغر من الأب، فقد نقض حينئذ جوابهم، وأكذب المسيح ﵇ كلامهم، حيث يقول: «لو كنتم تحبّوننى لفرحتم حيث أذهب إلى إلهى، فإن إلهى أعظم منى (١)» فلم يقل: «أعظم منى» إلا وهو مقرّ بأنه أصغر منه، وسلهم عن قول المسيح: «أنا أذهب إلى إلهى وإلهكم (٢)» فقل: من هذا الإله الذى ذهب عيسى إليه ﷺ : إله فى السماء، متباين منه، منقطع عنه؟ فهما إذن اثنان
стр. 1353
متباينان، أم إله كان به متصلا، وكانا جميعا واحدا؟ فكيف إذن يجوز له أن يقول أذهب إليه»؟ إلا أن يقولوا: إنّ بعضه ذهب إلى بعض! وهذا مما لا يجوز عندهم فى صفة الربّ .
وسل من قبلك: أخرج المسيح من بطن أمه مريم بكماله، حتى كان البطن منه فارغا، وكان هو منه بكماله خارجا؟ فإن قالوا: نعم، فقد انكسر قولهم: إن الله بكل مكان، وإن قالوا: لم يخرج المسيح، ولم يخل البطن، فقد كذبوا إذن فى قولهم:
إنه قد خرج، وأقرّوا أنه قد ولد، فتعالى الله عما يصفون، وتنزّه عما يشركون.
وسلهم: لم هبط عيسى إلى بطن مريم، وتجسّد باللحم والدم؟ فإن قالوا: ليمحق الخطايا من الأرض، ويربط الشيطان عن الخلق، فقل: كيف إذن لم يربطه عن نفسه؟ وكيف جلاباه (١) من اليهود بصلبه؟ ولم سلّط على أهل دينه يتّبعون فى كل شعب (٢)، ويقتلون بكل واد؟
وقل للذين يقولون: إن الخالق فى كل مكان من السماء والأرض وغير ذلك:
أيّهما أعظم: المحيط المشتمل أم المحاط المشتمل عليه كما يقولون؟ تعالى الله عما يشركون؟
فإن قالوا: إنما التحم بعضه دون بعض، فقد حدّوا وبعّضوا ونقصوا، وإمّا قالوا، فلن يجدوا بدّا من أن يقولوا: إن بعض المسيح الذى جعلوه ربّهم، وهو إله عندهم، ميت بعضه جيفة، وإن بعضه حىّ طيب، لأنهم زعموا أنه التحم بجسد حى فيه روح، فلا بدّ إذن أن يدخل عليه ما يدخل على الأجسام الحيّة من الخوف والفزع والفرح والعطش وأشباه ذلك، وهو عندهم كفر عظيم، وإفك مبين، فاتّق عقوبة الله ربّك ولا تمش مكبّا على وجهك، ولكن اطلب والتمس وابحث، فقد قال عيسى ﵇ فى الإنجيل: «من سأل أعطى، ومن طلب وجد، ومن استفتح فتح له» (٣).
стр. 1354
اجمع العلماء والبصراء الذين عندك، والأساقفة والرّهبان الذين قبلك، فقل:
لأى شىء نسبتم المسيح إلها، وجعلتموه ربّا؟ ونجد الله سمّاه فى الكتاب ابنا، وقد تجدونه قال: «إنى أذهب إلى أبى وأبيكم، وإلهى وإلهكم أيضا» وهذا كلام يحتمل وجهين: أحدهما أولى به، وقول لا يحتمل إلا وجها وهو الرّبوبية، أم كيف تنظرون إلى كلامه: «أذهب إلى أبى وأبيكم» فتفردونها فى نفسه وقد قالها فيه وفى غيره؟
قاتّق الله وكن من القائمين بالحق، الموحّدين للرب. إنّ أمير المؤمنين قد ضرب لك أمثالا جمّة، وصرف إليك مسائل كثيرة، وبيّن لك من آيات النبى ﷺ وعلامات الوحى قليلا من كثير، واضحا من تفسير، لا تمتنع العقول من التصديق به، ولا القلوب من الإقرار به.
وسيذكر لك أمير المؤمنين من علامات النبى ﷺ فى التوراة والإنجيل ما يكتفى به، إن شاء الله، وباليسير منه، لأن كتب الله محفوظة، وحججه محروسة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وإذا وجدت فيها كلمة تدلك على حق وتهديك إلى رشد، فلست واجدا أخرى تصدّك عنه، وتشكّكك فيه، إذا تلى ذلك بالحق، ووضع على الصدق، ولكن ضلّت اليهود والنصارى بتحريف تأويل الكلام وتصريف تفسير الكتب، وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق.
من ذلك ما قد شهد به عيسى ﵇ عندكم، وبيّنه فى الإنجيل لكم، إذ قال للحواريّين: «أنا أذهب وسيأتيكم البار قليط روح الحقّ الذى لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له، وهو يشهد علىّ وأنتم تشهدون، لأنكم معى من قبل الناس بالخطيئة، وكل شىء أعدّ الله لكم يخبركم به (١)» وترجمة البار قليط: أحمد،
стр. 1355
هذا ما لا شكّ ولا مرية فيه، وهو الذى يخبر بما وعد الله المؤمنين وصالحى الحواريّين فى القرآن، ولستم تجدون ذلك فى التوراة ولا فى الإنجيل.
ومن ذلك قول أشعيا النبى ﵇: «قيل لى: أقم بطارا ما ترى بخبرى (١)؟
قال: أرى راكبين مقبلين أحدهما يقول لصاحبه: سقطت بابل وأصنامها المنحوتة» ولسنا نعلم نبيّا ركب بعد موسى ﷺ بعيرا إلا محمدا ﷺ كثيرا.
ومن ذلك قول داود ﵇: «اللهم ابعث جاعل السّنّة كى يعلم الناس أنهم بشر (٢)» يقول: كى يتبيّن الناس أن عيسى ﵇ إنسان، ولسنا نعلم نبيّا وضع سنّة تنسب إليه إلا محمدا ﷺ ، أما عيسى فإنه نصب سنّة موسى ﵇.
ومن ذلك قول حبقّوق المتنبى فى زمان دانيال: «جاء الله من السماء، والقدّيس من جبال فاران، وامتلأت السّماء من تحميد أحمد وتقديسه، ومسح الأرض بيمينه، وملك رقاب الأمم (٣)» وقال أيضا: «تضىء لنوره الأرض، وتحمل خيله
стр. 1356
فى البحر (١)» فإلى من ينحو هذا القول، وإلى أين يذهب بهذا المعنى؟ لئن ذهب به إلى غير الذى تحمل خيله فى البحر، وبدأ من جبال فاران أمره، وغلب على الأرض ومسحها (٢)، وملك رقاب الأمم كلها، لقد تركتم الحق وأنتم تعلمون.
ومن ذلك قول داود ﵇ فى الزّبور: «صدّقوا وسبّحوا الربّ تسبيحا حديثا، سبّحوا الذى هلّله (٣) الصالحون، ليفرح إسرائيل بخالقه، ويتوب صهيون من أجل أن الله اصطفى له أمته، وأعطاه النصر، وسدّد الصالحين بالكرامة، يسبّحونه على مضاجعهم، ويكبّرون الله بأصوات عالية، بأيديهم سيوف ذات شفرتين، لينتقم الله من الأمم الذين لا يعبدونه، ثم يقيّد ملوكهم بالقيود، وأشرافهم بالأغلال (٤)» فأيّتما أمّة يكبّرون الله بأصوات وأذان الصلوات الدائمة، وعلى كلّ شرف (٥)، وعند كل حرب، وأيتما أمة كانت سيوفها ذات شفرتين إلا أمة محمد ﷺ ؟
ومن ذلك قول أشعيا: «سبّحوا الرّب تسبيحا حديثا، ويسبّحه من آفاق الأرض فوج (٦) يكون فى بنى فيار (٧)» وبنو فيار قريش، أهل فاران الذى نزل فيه القرآن، وأيّتما أمّة تسبّح من آفاق الأرض، إلا أمة محمد ﷺ ، عندى أكدى (٨)
стр. 1357
ومن ذلك قول أشعيا «عبدى الذى وجب به حبى الذى بشّرت به نفسى، أفيض عليه روحى، يوصى الأمم بالوصايا، لا يضحك ولا يسمع صوته فى الأسواق، ويفتح العيون العور، ويسمع الآذان الصّمّ، ويحيى القلوب الغلف (١)، وما أعطيه لا أعطى غيره، أحمد يحمد الله حمدا حديثا، تهليله يأتى من أقصى الأرض، يجوز الماء بشدة أمواجه، ويعرح وكورها (٢) سكانها يحمدون الله على كل شرف، ويكبّرونه على كل رابية (٣)».
ومن ذلك قول داود ﵇ فى المزمور الخامس والأربعين (٤)، يقول الله لمحمد فى الزّبور: «انصبّت رحمتى على شفتيك من أجل ذلك بار كل الدهر تقلّد السيف على الأمم أيها الجبار على الأمم بالقتل والأسر والسّباء بهاك وحمدك أحمد يغلب البر منك كلمة الحق، وذللت لك الأشياء سيفك يحسمه يمينك ونبالك مسمومة ويسقط عند الأمم (٥)» فأىّ نبى كان على الأمم جبّارا، ولهم بإذن الله قتّالا إلا نبينا ﷺ ؟
ومن ذلك فى آخر التوراة: «جاء الله ﵎ من سيناء، وأشرق من ساعير، واستبان واستعلن من جبال فاران، وجاء عن يمينه ربوات القدّيسين (٦)»
стр. 1358
وتفسير هذا أن الله أنزل التوراة على موسى فى طور سيناء، وأنزل الإنجيل على عيسى ﵇ فى جبل ساعير، وهو جبل بالشام، وأنزل القرآن على محمد ﷺ فى جبال فاران، وهى بلاد مكة، وأنتم تجدون ذلك فى كتبكم مكرّرا، وتعرفونه جميعا بلغتكم.
ومن ذلك قول الله لموسى ﵇: «سأقيم لهم من إخوتهم مثلك أجعل كلامى على فمه، ولا يتكلم إلا بما آمره به (١)» فمن إخوة بنى إسرائيل إلا بنو إسمعيل؟ أما تعلم أن لو كان الله يعنى أحدا منهم لقال لهم: أقيم لكم نبيا منكم!
فإن قلتم: إنما قال من إخوتكم، وهو يريد من أنفسكم، فهب أمير المؤمنين قبل هذا الخلف منكم، ووسّع فى هذا المجال لكم، فكيف تصنعون بقول الله فى التوراة: «مثل موسى فى بنى إسرائيل لا يقوم» فهل تجدون من هذا مخرجا، ومن الإيمان أنّ المعنى وقع على محمد ﷺ بدّا؟ ألا تسمع قول الله ؟ «أجعل كلامى على فمه كى يعنى به، أمّىّ لا يقرأ ولا يكتب».
أو ليس قد أمر عيسى ﵇ حواريّيه أن يقولوا فى صلواتهم: «يا أبانا الذى فى السموات تقدّس اسمك (٢)» كيف صار عيسى دونهم ابنا، وصار دونه أبا وهم يقولون:
«يا أبانا»؟ أم كيف لم يجعل سليمان بن داود إلها، وقد قال الله لداود:
«يولد لك غلام يسمّى لى وأسمّى له»؟ ولم لا يجعلون إسرائيل إلها وقد قال الله له: «أنت بكرى» بل لم لا يسمّون المؤمنين عامة والحواريّين خاصّة آلهة، وقد قال المسيح للحواريّين: «أنتم إخوتى» وقد قال فى الإنجيل: «أعط كل من آمن بى سلطانا
стр. 1359
يدعى له» وإن كان هؤلاء كلهم للمسيح إخوة، أفلا تجعلونهم كلّهم آلهة؟ وكيف يقولون: إن عيسى ابن الله وهو يقول فى مواضع جمة، وأماكن كثيرة، إنه ابن الإنسان؟
فكيف يكون ابن الإنسان ابن الله؟ ومتى كان ذلك؟ لئن قالوا: إن عيسى لم يزل ابن الإنسان، لقد جعلوا مع الله إنسانا، وجعلوا الله إنسانا حديثا، وجعلوا المسيح ابن الله لم يزل، وابن الإنسان فيما حدث! وهذه أمور متناقضة، وججج داحضة، وأقاويل فاحشة.
فإن قالوا: إنما نعبد المسيح لأنه رفع إلى السماء، فليعبدوا الملائكة، فإنهم فى السماء قبله، وإدريس، فقد رفعه الله وغيره، وإن كانوا يعبدون المسيح لأنه لم يخلق من ذكر. فآدم وحوّاء لم يخلقا من ذكر ولا أنثى، ولم يقعا من غمّ (١) الرحم، وضيق البطن، وحال الصّبا، فيما وقع فيه المسيح، وإن قالوا: إنما نعبد عيسى لأنه أحيا الموتى فما أحيا حزقيل (٢) أكثر، وما كان من اليسع تلميذ إلياس أعجب، لأنه أحيا الموتى بعد مئين من السّنين، وإن طلبتم ذلك فى سير الملوك عند قصة اليسع أصبتموه إن شاء الله، وإن كانوا إنما يعبدون المسيح من أجل الأسقام التى أبرأ، والعجائب التى أرى، فعجائب موسى أعجب، وآياته أعظم، أين ما ذكرت لك من عجائب عيسى، من عجائب موسى: من انقلاب البحر له، وسلوك الجيش معه؟ أم أين ذلك من حجر
стр. 1360
يضربه فيتفجّر بعيون الماء، ويحمله معه حيث شاء؟ بل أين تلك وهذه وغير هذه من الآيات من حبس يوشع الشمس (١) ثلاث ساعات! وكل ما صنع موسى وعيسى وغيرهما بإذن الله وأمره وقدره وقضائه، فاتق الله وكن من القائلين بالحق، الموحدين للرب، ولا تقل على عيسى ما لم يقل، فإنكم لا تجدونه قال لكم فى شىء من كتبكم: اعبدونى فإنى ربكم، تعالى الله عما يقول الظالمون، ويذهب إليه الجاحدون.
وإن أمير المؤمنين قد أحبّ أن ينصح لك، فى أولى داريك بك، وأهمّ شأنيك لك، فدعاك إلى الإسلام، وأمرك بالإيمان الذى به تدخل الجنة وتنجو من النار، فإن قبلت فحظّك أصبت، ونفسك أحرزت، ولك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وإن رددت نصيحة أمير المؤمنين فيما فيه الحظّ فى آخرتك، فإن أمير المؤمنين ينصح لك فيما فيه الصلاح فى عاجلتك: من إعطاء الجزية التى يحقن الله بها دماءكم، ويحرّم بها سباءكم، ويجعلها قواما لمعاشكم، وصلاحا لبلادكم، وتوفيرا لأموالكم، وأمنا لجنابكم، وسعة لسربكم (٢)، وبركة على فقرائكم، وغنى لأهل الحاجة والفاقة والمسكنة منكم.
ولن يذكر أمير المؤمنين فى الجزية لكم: من حلول الأمن فيكم، وعموم العافية إياكم، واستقامة البركة عليكم، وكفّ أيدى المسلمين عنكم وبسطها على الأعداء منكم، شيئا إلّا وفى قليل ما كان من أشباه ذلك أيام تلك الفدية، التى كان الله أجرى نعمتها لكم على يده، وفتح بركتها عليكم من قبله، ما يدلّكم على صدق أمير المؤمنين فيما يذكر، ويشهد له على حقه فيما يقول إن شاء الله، فقد تعلمون أن الله قد أدخل على كل طرف من أطرافكم، وصنف من أصنافكم، بتلك الفدية، أمورا عظيمة البركة، واسعة المنفعة، فى أمور غير واحدة:
стр. 1361
منها أن قادة جنودكم وساسة حربكم، كانوا بعد وقوع أمرها واستحكام عقدها، فراغا لمحاربة أعدائكم، ومناصبة من ناوأكم (١)، بين أن يستعجموهم (٢) فى بلادهم، وينزلوا عليهم فى ديارهم، ولا يرهبون تعقّب بشر إن ساروا فى أرضهم، ولا يتخوّفون طرادا إن اجتمعوا لقتالهم، أن يقيموا فى خفض ودعة، وأمن وسعة، مع الأزواج والأولاد والعيال والأوطان والرّباع والمحالّ، وهم اليوم يترقّبون الجيوش من كل شعب، ويتخوّفون الحتوف فى كل وقت، لا يهدأ لهم جأش (٣)، ولا يسكن لهم فزع، ولا ينام لهم ليل، ولا يأمن فيهم حال، قد قطعت الهموم دابرهم، وأضمرت المخاوف جنوبهم، واستأصلت الجنود أموالهم.
ومنها: أن أهل الحراثة وإخوان العمارة فى بلادك وأطراف أرضك، كانوا سراعا إلى عمارة أرضهم، وإصلاح ما تحت أيديهم، فيما لا قوام لهم ولا لمعاشهم إلا به، ولا بقاء لدينهم إلا معه، قد أمنوا الجيوش ومعرّتها، والجنود وبادرتها (٤)، وانتشروا للعمارة، وابتكروا فى الزراعة، فارقوا رءوس الجبال وأقحام الغياض (٥)، وراحوا فى أوساط أوطانهم، وظلال محالّهم، يشقّقون الأنهار، ويغرسون الأشجار، ويفجّرون العيون، حتى نمت الأموال، واخضرّت المحال، وأخصب الجناب، وأصبحوا اليوم عن الزراعة ممسكين، وللحراثة تاركين، وبغيرها مشتغلين فى إصلاح آلات الهرب، وإحراز العيال فى الحصون، ورمّ القلاع للجلاء، وتحريش الحصون للبلاء، قد انتقلوا عن منابت البرّ، وكرائم الأرض، ومجارى المياه، إلى أوشال (٦) الجبال، وأشجار الغياض، وبطون الأودية، فليس يبلغون من عمارة بلادهم، ولزوم أوطانهم، ومن
стр. 1362
تناول ثمارهم وقوام معاشهم، مثل ما كانوا يبلغون، ولا ينالون من خفض العيش وطيب الأمن، ولذّة الدّعة، قريبا مما كانوا ينالون.
ومنها: أن إخوان التجارات وأصحاب الأموال وأهل الظّلف والحافر (١)، كانوا يتناولون ما شارفهم من بلادنا، وما قاربهم من أسواقنا، فينفّقون تجاراتهم، ويغلون بضائعهم، فتعظم الأرباح وتضعّف الأثمان، وكانت الباعة من تجار المسلمين وغيرهم من الذّمّيين يتناولونهم للبيع لهم، ويتناولونهم للشراء منهم، فعمّت البركة، وسهلت المنفعة، حتى نالت الرّعاء فى جبالها واقبالها؟ ؟ ؟ (٢)، والنساء فى غزولهنّ وعمل أيديهن فضلا عن غيرهن.
ومنها: أنك ومن قبلك من ذوى العبادة والزّهادة والتألّه والنّسك والنّيّات، كنتم على عافية من أيام الرضا بالحرب، وسلامة من أوزار الحضّ على قتال الخوف، قد نجوتم من معصية المسيح فى الدنيا التى نهاكم عنها، والأمور التى أمركم بها، من نحو قوله: «من لطم خدّك الأيمن فأمكنه من الأيسر، ومن انتزع قميصك فأعطه كساءك، ومن لطمك فاغفر له، ومن شتمك فأعرض عنه» (٣).
ومنها: أن من بأقاصى بلادك ونواحى حوزتك، قد ذاقوا تلك الأيام من لذة الخفض، ودعة الحال، وحلاوة الأمن، ورفاهية العيش، وسعة العافية، من سباء أزواجهم، وهيض (٤) أولادهم، وحطم معاشهم، وأسر رجالهم، وغنيمة بقرهم وغنمهم، وإفساد شجرهم وثمارهم، وإجلاء عن مساكنهم وأوطانهم، ما لم يكن لهم رأى يعرفه، ولا ظنّ يبلغه، ولا طمع يقاربه، ولا أمل يذهب إليه، وما قد عرفت
стр. 1363
الخاصّة من بطارقتكم، والعامة من أهل ملتكم به: من رأفتكم بهم، ورحمتكم لهم، وشفقتكم عليهم، وأثرتكم إياهم، وبركة ولايتكم ملكهم، ومنفعة سياستكم أمرهم، ما قد ازدادوا لكم به محبّة، وفى بقائكم رغبة، ولأمركم طاعة، وعلى ملككم شفقة، وفيما نابكم نصيحة، مع ما قد ازددتم بذلك من الهيبة فى صدور الأعداء، والشّرف فى قلوب النّظراء، والعظم فى عيون الأمم، حتى أقرّوا لكم بقوّة عزائم العقول، وفضل سياسة الأمور، وصحّة تدبير الملك، وصدق النيّة، ولطف الحيلة التى جعلوا نسبة عملكم بها، ومحلّ رأيكم فيها، على أنكم نظرتم لضعفائكم حتى قووا، ولفقرائكم حتى استغنوا، ولقرّانكم حتى بينوا وحيوا وقووا المسلمين (١) من أيام الحروب، وأوزار القتال، ومعصية المسيح ﵇، ولأعدائكم الأبعدين، وجيرتكم الأقربين، حتى كنتم من فراغكم لهم، واشتغالكم من أمركم بها ما أوطأتموه لحر؟ ؟ ؟ (٢) القتل، وذلّ الأسر، وغلبة القهر، والإذعان والاستسلام، وإمّا كفيتموهم بالصلح، واستوثقتم منهم بالرهن.
فإذا ذكرت ما كان من هذه وأشباهه وأمثاله فى الفدية، فاعلموا أن أمثاله وأضعافه مقيم معكم فى الجزية، فلا يكوننّ لك رأى غيرها، ولا أمير سواها، فلقد أكثر أمير المؤمنين العجب من أمركم، وأطال تقليب الفكرة فى بعضكم، فظن أن إخراجكم من جميع ما كنتم فيه إلى خلافه، مما أصبحتم عليه من انتظار وقعات الحروب وصولات الجنود، وأكل الحدود، وتوقّع الجلاء والسّباء والقتل، والأسر والحصر، شيئا اختدعكم الله فيه عن أنفسكم، وكيدا استدرككم به لما علم من قلوبكم.
ألا إنّ أعجب عذركم وأفظعه كان عند أمير المؤمنين، إذ بلغه جرأتكم على الله فى نقض عهده، واستخفافكم بحقّه فى خفر (٣) ذمته، وتهاونكم بما كان
стр. 1364
منكم، وأنتم تعلمون أن مواثيق العهود ونذور الأيمان الذى وضعه الله حرما بين ظهرانى خلقه، وأمانا أفاضه فى عباده، لتسكن إليه نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، وليتعاملوا به فيما بينهم، ويقيموا به من دنياهم ودينهم، فما من ملك من الملوك، ولا أمة من الأمم، تبيح حمى الله ، تهاونا به وجرأة عليه، إلا أجرى الله عليهم دائرة (١) من دول الأعداء، وأنزل عليهم عذابا من السماء، وقد رجا أمير المؤمنين أن يجرى الله نقمته منكم بأيدى المسلمين، بعد إذ كان اعتقد عهدكم وأخذ ميثاقكم بالأيمان الملغلّظة، والعهود المؤكدة، التى قد اعتقدها فى رقابكم، وحملها على ظهوركم، فأشهدتم الله بها على أنفسكم، وتسامع بها من حولكم، وحكم بها بطارقتكم وأساقفتسكم، فلا الله اتّقيتم، ولا من الناس استحييتم، نكثا للعهد، وبغضا للمسلمين، وخترا (٢) بالأمانة، وإباحة للحمى، فتوقّعوا العقوبة، وانتظروا الغيب، فلقد وثق أمير المؤمنين أن من عذاب الله ما هو حالّ إن شاء الله بكم.
ومن أسباب ما يريد الله من الانتقام منكم، ما قد أزمع أمير المؤمنين وعزم عليه، وقذف الله فى قلبه: من الإرادة والنية والرغبة فى إيطاء الجيوش بلادكم، واستباء المقاتلة أرضكم، والتفرّغ لكم من كل شغل، والإيثار لجهادكم على كل عمل، حتى تؤمنوا بالله وأنتم طائعون أو كارهون، وتؤدّوا الجزية عن يد (٣) وأنتم صاغرون، فكونوا على عدّة من الجزية، ويقين من الانتجاع الذى لا طاقة لكم إن شاء الله به، ولا صبر لكم بإذن الله عليه، فإن جنود أمير المؤمنين فارغة كثيرة، وخزائنه عامرة وافرة، ونفسه سخيّة بالإنفاق، ويده مطلقة بالبذل، والمسلمون نشاط إليكم، منقلبون عليكم، قد عوّدهم الله فى لقائكم عادة يرجون انتظار مثلها، وأبلاهم فى قتالكم بلاء من أمثالها، إن شاء الله.
стр. 1365
وكتاب أمير المؤمنين نذيره بين يدى جنوده، ومقدّمه إن شاء الله من جيوشه، إلا أن تؤدّوا الجزية عن التى دعاك أمير المؤمنين إليها، وحداك (١) ومن قبلك عليها، رحمة للضعفاء الذين لا ترحمهم، وتوجّعا للمساكين مما لا توجّع منه لهم من الجلاء والسّباء والقتل والأسر والقهر، وقساوة من قلوبكم، وأثرة لأنفسكم، واعتصاما بخواصّكم، وإجلاء لعوامّكم الضعفاء الفقراء المساكين الذين لا تمنعونهم بقوة، ولا تدفعون عنهم بحيلة، ولا تراقبون فى الرحمة لهم والتعطف عليهم، أدب المسيح إياكم، وقوله فى الكتاب لكم: «طوبى للذين يرحمون الناس، فإن أولئك أصفياء الله ونور بنى آدم (٢)».
وأيم الله لو يعلم من قبلك من المساكين والزراعين والفقراء والضعفاء والعملة بأيديهم، ما لهم عند أمير المؤمنين، لتحدّروا عليه، وأقبلوا إليه، : من إيوائهم، وإنزالهم الأرض الواسعة، وإمكانهم من مسايل المياه السائحة، والعدل عليهم بما لا تبلغه أنت ولا تقاربه، رفقا بهم ونظرا لهم، وإحسانا إليهم، مع تخليته إياهم وأديانهم، لا يكرههم على خلافها، ولا يجبرهم على غيرها، لاختاروا قرب أمير المؤمنين على قربك، وجواره على جوارك، ولأنقذوا (٣) أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأزواجهم وعيالاتهم، مما يحلّ بهم فى كل عام، ويلقون من كل غزاة، فاتق الله واقبل ما عرض عليك من الجزية، ولا يمنعنّك ما فيه (٤) الحظّ لك ولأهل مملكتك، ونحن على رجاء أن الله لا يؤخّر ذلك منكم ويدفعه عنكم، إلا ليجعله على يد أهل بيت النبوّة والرحمة، ولأهل الوراثة فيهم للكتاب والحكمة، الذين لا يدخل عليكم فى الإذعان
стр. 1366
لهم، وأداء الجزية إليهم، حميّة ولا نقيصة ولا عار، والذين يفون لكم بما يعقدون، ويتبعون فعلهم ما يقولون.
ثم أمير المؤمنين بخاصّة، لما جعل الله عليه رأيه، وفيه نظره، من البرّ والرحمة والإقساط والوفاء يالعقود والعهود والشروط، نظرا لدينه، وخوفا من ربه، ولما قذف الله فى قلبه وقلوب المسلمين من المحبة والطاعة والأثرة، ولما جعلهم الله عليه من اجتماع الكلمة، واتفاق الأفئدة، والنصائح فى السر والعلانية، وما عوّده الله ممن نصب له بمجاذبة، ورماه بمكايدة، وعراه بحيلة، من النصر العزيز، والفتح الغريب، والظفر المبين، فابذل من الجزية ما شئت، وسمّ منها ما هويت. واعلم أن أمير المؤمنين ليس يحدوك عليها لحاجة به إليها ولا للمسلمين، ولكن طاعة لربه، وأثرة لحقه، وليجعلها سببا لما يريد أن يجرى فيما بينه وبينكم، وإنه إنما كان قبول المهدىّ- ﵀ الفدية منكم، بطلبة أمير المؤمنين كانت إليه، والحاجة كانت فيها عليه (١)، ولم يكن من رغبة فيها، ولا حاجة إليها، ولا استعظام لها، ولقد كان يعطى فى المجلس الواحد مرارا أمثالها، ولكن ذلك كان رأى أمير المؤمنين يومئذ فيكم، فأما اليوم إذ استبان له غدركم ونقضكم ونكثكم، واستخفافكم بدينكم، وجرأتكم على ربكم، فليس بين أمير المؤمنين وبينكم إلا الإسلام أو الحرب المجلية إن شاء الله، ولا حول بأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله، عليه يتوكّل، وبه يثق، وإياه يستعين، والسلام على من اتبع الهدى». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٢٦)
١٦٨ - كتاب نقفور ملك الروم إلى الرشيد
وجرى الصلح بين الرشيد وبين إيرينى (٢) ملكة الروم بعد حروب دارت بينهما، فعادت الروم على إيرينى فخلعتها، وملّكت عليها نقفور (٣)، فلما استوثقت له الروم بالطاعة كتب إلى الرشيد:
стр. 1367
«من نقفور ملك الروم إلى هرون ملك العرب.
أما بعد، فإن الملكة التى كانت قبلى أقامتك مقام الرّخّ (١)، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابى فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلّا فالسيف بينى وبينك».
١٦٩ - رد الرشيد عليه
فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزّه الغضب وكتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: من هرون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم.
قد قرأت كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام».
ثم شخص إليه من يومه ففتح وغنم، فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه فى كل سنة، فأجابه إلى ذلك، وكان ذلك سنة ١٨٧ هـ. (تاريخ الطبرى ١٠: ٩٢)
١٧٠ - رواية أخرى
وفى رواية صبح الأعشى أن نقفور كتب إلى الرشيد:
«أما بعد، فإن هذه المرأة وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرّخ، وينبغى أن تعلم أنى أنا الشاه، وأنت الرّخ، فأدّ إلىّ ما كانت المرأة تؤدى إليك».
فلما قرأ الكتاب، قال لكتّابه: أجيبوا عنه، فكتبوا ما لم يرتضه، فكتب هو إليه:
«من عبد الله هرون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، أما بعد فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسلام على من اتبع الهدى».
стр. 1368
ويقال: إنه كتب: «الجواب ما تراه لا ما تسمعه، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدّار». (صبح الأعشى ١: ١٩٢، ٦: ٤٥٧)
*** وفى رواية الأغانى أن نقفور كتب إلى الرشيد:
«أما بعد، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت نفسها موضع السّوق (١)، وإنى واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على طرق بلادك، والهجوم على أمصارك، أو تؤدّى إلىّ ما كانت المرأة تؤدّى إليك، والسلام».
(الأغانى ١٧: ٤٤)
١٧١ - كتاب الرشيد إلى على بن عيسى بن ماهان
وولى الرشيد على بن عيسى بن ماهان خراسان (سنة ١٨٣) فعاث فيها فسادا، وظلم أهلها، ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخفّ برجالهم، فكتب رجال من وجوهها إلى الرشيد، وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها تشكو سوء سيرته، وخبث طعمته، ورداءة مذهبه، وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها منه من أحبّ من كفاته وأنصاره، فدعا الرشيد هرثمة بن أعين وقال له: لقد أنكر أهل خراسان أمر علىّ بن عيسى، إذ خالف عهدى ونبذه وراء ظهره، وقد كتب يستمدّ ويستجيش (٢)، وأنا كاتب إليه أخبره أنى أمدّه بك، وأوجّه إليه معك من الأموال والسلاح والعدّة ما يطمئن إليه قلبه، وتتطلّع إليه نفسه، وأكتب معك كتابا بخطّى فلا تفضّنّه ولا تطّلعنّ فيه حتى تصل إلى نيسابور، فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله ولا تجاوزه إن شاء الله، وأنا موجّه معك «رجاء» الخادم بكتاب أكتبه إلى على
стр. 1369
ابن عيسى بخطى، فلا تظهرنه عليه ولا تعلمنّه ما عزمت عليه، وتأهّب للمسير، وأظهر لخاصّتك وعامّتك أنى أوجهك مددا لعلى بن عيسى وعونا له.
ثم كتب إلى على بن عيسى كتابا بخطه، نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، يابن الزانية، رفعت من قدرك، ونوّهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عقبك، وجعلت أبناء ملوك العجم خولك (١) وأتباعك، فكان جزائى أن خالفت عهدى، ونبذت وراء ظهرك أمرى، حتى عثت فى الأرض، وظلمت الرعية، وأسخطت الله وخليفته بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك (٢)، وظاهر خيانتك، وقد ولّيت هرثمة بن أعين مولاى ثغر خراسان، وأمرته أن يشدّ وطأته عليك وعلى ولدك وكتّابك وعمّالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهما ولا حقّا لمسلم ولا معاهد إلّا أخذكم به، حتى تردّه إلى أهله، فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمّالك، فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصبّ عليكم السّياط، ويحلّ بكم ما يحلّ بمن نكث وغيّر وبدّل وخالف وظلم وتعدّى وغشم (٣)، انتقاما لله بادئا، ولخليفته ثانيا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثا، فلا تعرّض نفسك التى لا شوى (٤) لها، وأخرج مما يلزمك طائعا أو مكرها».
وكان ذلك سنة ١٩١. (تاريخ الطبرى ١٠: ١٠٢)
١٧٢ - عهد الرشيد لهرثمة بن أعين وقد ولاه خراسان
وكتب عهد هرثمة بخطه:
«هذا ما عهد هرون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين، حين ولّاه ثغر (٥)
стр. 1370
خراسان وأعماله وخراجه: أمره بتقوى الله وطاعته، ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إماما فى جميع ما هو بسبيله، فيحلّ حلاله، ويحرّم حرامه، ويقف عند متشابهه، ويسأل عنه أولى الفقه فى دين الله، وأولى العلم بكتاب الله، أو يردّه إلى إمامه، ليريه الله فيه رأيه، ويعزم له على رشده.
وأمره أن يستوثق من الفاسق على بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشدّ عليهم وطأته، ويحل بهم سطوته، ويستخرج منهم كل مال يصحّ عليهم، من خراج أمير المؤمنين، وفىء المسلمين، فإذا استنظف (١) ما عندهم وقبلهم من ذلك، نظر فى حقوق المسلمين، والمعاهدين، وأخذهم بحقّ كلّ ذى حق حتى يردوه إليهم، فإن ثبتت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين، وحقوق للمسلمين، فدافعوا بها وجحدوها، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله، وأليم نقمته، حتى يبلغ بهم الحال التى إن تخطاها بأدنى أدب (٢)، تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم، فإذا خرجوا من حق كل ذى حق أشخصهم كما تشخص العصاة- من خشونة الوطاء، وخشونة المطعم والمشرب، وغلظ الملبس- مع الثّقات من أصحابه، إلى باب أمير المؤمنين إن شاء الله.
فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك، فإنى آثرت الله ودينى على هواى وإرادتى، فكذلك فليكن عملك، وعليه فليكن أمرك، ودبّر فى عمّال الكور الذين تمر بهم فى صعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمر يريبهم، وظنّ يرعبهم، وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضى الله منك وخليفته ومن ولّاك الله أمره إن شاء الله.
هذا عهدى وكتابى بخطى، وأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وسكان سمواته، وكفى بالله شهيدا».
وكتب أمير المؤمنين بخط يده لم يحضره إلا الله وملائكته.
(تاريخ الطبرى ١٠: ١٠٢)