← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

لهم، وأداء الجزية إليهم، حميّة ولا نقيصة ولا عار، والذين يفون لكم بما يعقدون، ويتبعون فعلهم ما يقولون. ثم أمير المؤمنين بخاصّة، لما جعل الله عليه رأيه، وفيه نظره، من البرّ والرحمة والإقساط والوفاء يالعقود والعهود والشروط، نظرا لدينه، وخوفا من ربه، ولما قذف الله فى قلبه وقلوب المسلمين من المحبة والطاعة والأثرة، ولما جعلهم الله عليه من اجتماع الكلمة، واتفاق الأفئدة، والنصائح فى السر والعلانية، وما عوّده الله ممن نصب له بمجاذبة، ورماه بمكايدة، وعراه بحيلة، من النصر العزيز، والفتح الغريب، والظفر المبين، فابذل من الجزية ما شئت، وسمّ منها ما هويت. واعلم أن أمير المؤمنين ليس يحدوك عليها لحاجة به إليها ولا للمسلمين، ولكن طاعة لربه، وأثرة لحقه، وليجعلها سببا لما يريد أن يجرى فيما بينه وبينكم، وإنه إنما كان قبول المهدىّ- ﵀ الفدية منكم، بطلبة أمير المؤمنين كانت إليه، والحاجة كانت فيها عليه (١)، ولم يكن من رغبة فيها، ولا حاجة إليها، ولا استعظام لها، ولقد كان يعطى فى المجلس الواحد مرارا أمثالها، ولكن ذلك كان رأى أمير المؤمنين يومئذ فيكم، فأما اليوم إذ استبان له غدركم ونقضكم ونكثكم، واستخفافكم بدينكم، وجرأتكم على ربكم، فليس بين أمير المؤمنين وبينكم إلا الإسلام أو الحرب المجلية إن شاء الله، ولا حول بأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله، عليه يتوكّل، وبه يثق، وإياه يستعين، والسلام على من اتبع الهدى». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٢٦) ١٦٨ - كتاب نقفور ملك الروم إلى الرشيد وجرى الصلح بين الرشيد وبين إيرينى (٢) ملكة الروم بعد حروب دارت بينهما، فعادت الروم على إيرينى فخلعتها، وملّكت عليها نقفور (٣)، فلما استوثقت له الروم بالطاعة كتب إلى الرشيد:

стр. 1367

«من نقفور ملك الروم إلى هرون ملك العرب. أما بعد، فإن الملكة التى كانت قبلى أقامتك مقام الرّخّ (١)، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثالها إليها، لكن ذاك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابى فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك، وإلّا فالسيف بينى وبينك». ١٦٩ - رد الرشيد عليه فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزّه الغضب وكتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم: من هرون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم. قد قرأت كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام». ثم شخص إليه من يومه ففتح وغنم، فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه فى كل سنة، فأجابه إلى ذلك، وكان ذلك سنة ١٨٧ هـ. (تاريخ الطبرى ١٠: ٩٢) ١٧٠ - رواية أخرى وفى رواية صبح الأعشى أن نقفور كتب إلى الرشيد: «أما بعد، فإن هذه المرأة وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرّخ، وينبغى أن تعلم أنى أنا الشاه، وأنت الرّخ، فأدّ إلىّ ما كانت المرأة تؤدى إليك». فلما قرأ الكتاب، قال لكتّابه: أجيبوا عنه، فكتبوا ما لم يرتضه، فكتب هو إليه: «من عبد الله هرون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الروم، أما بعد فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسلام على من اتبع الهدى».

стр. 1368

ويقال: إنه كتب: «الجواب ما تراه لا ما تسمعه، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدّار». (صبح الأعشى ١: ١٩٢، ٦: ٤٥٧) *** وفى رواية الأغانى أن نقفور كتب إلى الرشيد: «أما بعد، فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك، ووضعت نفسها موضع السّوق (١)، وإنى واضعك بغير ذلك الموضع، وعامل على طرق بلادك، والهجوم على أمصارك، أو تؤدّى إلىّ ما كانت المرأة تؤدّى إليك، والسلام». (الأغانى ١٧: ٤٤) ١٧١ - كتاب الرشيد إلى على بن عيسى بن ماهان وولى الرشيد على بن عيسى بن ماهان خراسان (سنة ١٨٣) فعاث فيها فسادا، وظلم أهلها، ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخفّ برجالهم، فكتب رجال من وجوهها إلى الرشيد، وكتبت جماعة من كورها إلى قراباتها وأصحابها تشكو سوء سيرته، وخبث طعمته، ورداءة مذهبه، وتسأل أمير المؤمنين أن يبدلها منه من أحبّ من كفاته وأنصاره، فدعا الرشيد هرثمة بن أعين وقال له: لقد أنكر أهل خراسان أمر علىّ بن عيسى، إذ خالف عهدى ونبذه وراء ظهره، وقد كتب يستمدّ ويستجيش (٢)، وأنا كاتب إليه أخبره أنى أمدّه بك، وأوجّه إليه معك من الأموال والسلاح والعدّة ما يطمئن إليه قلبه، وتتطلّع إليه نفسه، وأكتب معك كتابا بخطّى فلا تفضّنّه ولا تطّلعنّ فيه حتى تصل إلى نيسابور، فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله ولا تجاوزه إن شاء الله، وأنا موجّه معك «رجاء» الخادم بكتاب أكتبه إلى على

стр. 1369

ابن عيسى بخطى، فلا تظهرنه عليه ولا تعلمنّه ما عزمت عليه، وتأهّب للمسير، وأظهر لخاصّتك وعامّتك أنى أوجهك مددا لعلى بن عيسى وعونا له. ثم كتب إلى على بن عيسى كتابا بخطه، نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يابن الزانية، رفعت من قدرك، ونوّهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عقبك، وجعلت أبناء ملوك العجم خولك (١) وأتباعك، فكان جزائى أن خالفت عهدى، ونبذت وراء ظهرك أمرى، حتى عثت فى الأرض، وظلمت الرعية، وأسخطت الله وخليفته بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك (٢)، وظاهر خيانتك، وقد ولّيت هرثمة بن أعين مولاى ثغر خراسان، وأمرته أن يشدّ وطأته عليك وعلى ولدك وكتّابك وعمّالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهما ولا حقّا لمسلم ولا معاهد إلّا أخذكم به، حتى تردّه إلى أهله، فإن أبيت ذلك وأباه ولدك وعمّالك، فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصبّ عليكم السّياط، ويحلّ بكم ما يحلّ بمن نكث وغيّر وبدّل وخالف وظلم وتعدّى وغشم (٣)، انتقاما لله بادئا، ولخليفته ثانيا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثا، فلا تعرّض نفسك التى لا شوى (٤) لها، وأخرج مما يلزمك طائعا أو مكرها». وكان ذلك سنة ١٩١. (تاريخ الطبرى ١٠: ١٠٢) ١٧٢ - عهد الرشيد لهرثمة بن أعين وقد ولاه خراسان وكتب عهد هرثمة بخطه: «هذا ما عهد هرون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعين، حين ولّاه ثغر (٥)

стр. 1370

خراسان وأعماله وخراجه: أمره بتقوى الله وطاعته، ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إماما فى جميع ما هو بسبيله، فيحلّ حلاله، ويحرّم حرامه، ويقف عند متشابهه، ويسأل عنه أولى الفقه فى دين الله، وأولى العلم بكتاب الله، أو يردّه إلى إمامه، ليريه الله فيه رأيه، ويعزم له على رشده. وأمره أن يستوثق من الفاسق على بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشدّ عليهم وطأته، ويحل بهم سطوته، ويستخرج منهم كل مال يصحّ عليهم، من خراج أمير المؤمنين، وفىء المسلمين، فإذا استنظف (١) ما عندهم وقبلهم من ذلك، نظر فى حقوق المسلمين، والمعاهدين، وأخذهم بحقّ كلّ ذى حق حتى يردوه إليهم، فإن ثبتت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين، وحقوق للمسلمين، فدافعوا بها وجحدوها، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله، وأليم نقمته، حتى يبلغ بهم الحال التى إن تخطاها بأدنى أدب (٢)، تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم، فإذا خرجوا من حق كل ذى حق أشخصهم كما تشخص العصاة- من خشونة الوطاء، وخشونة المطعم والمشرب، وغلظ الملبس- مع الثّقات من أصحابه، إلى باب أمير المؤمنين إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك، فإنى آثرت الله ودينى على هواى وإرادتى، فكذلك فليكن عملك، وعليه فليكن أمرك، ودبّر فى عمّال الكور الذين تمر بهم فى صعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمر يريبهم، وظنّ يرعبهم، وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضى الله منك وخليفته ومن ولّاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدى وكتابى بخطى، وأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه وسكان سمواته، وكفى بالله شهيدا». وكتب أمير المؤمنين بخط يده لم يحضره إلا الله وملائكته. (تاريخ الطبرى ١٠: ١٠٢)

стр. 1371

١٧٣ - كتاب هرثمة بن أعين إلى الرشيد وسار هرثمة إلى خراسان، وأنفذ ما عهد به إليه الرشيد، فلما حمل علىّ بن عيسى إلى الرشيد، كتب إليه كتابا يخبره ما صنع، ونسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن الله لم يزل يبلى (١) أمير المؤمنين فى كل ما قلّده من خلافته، واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجمل البلاء وأكمله، ويعرّفه فى كل ما حضره ونأى عنه، من خاصّ أموره وعامّها، ولطيفها (٢) وجليلها، أتمّ الكفاية، وأحسن الولاية، ويعطيه فى ذلك كلّه أفضل الأمنية، ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة، امتنانا منه عليه، وحفظا لما جعل إليه، مما تكفّل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته، فنستتمّ الله أحسن ما عوّده وعوّدنا، من الكفاية فى كل ما يؤدّينا إليه، ونسأله توفيقا لما نقضى به المفترض من حقّه فى الوقوف عند أمره، والاقتصار على رأيه. ولم أزل- أعزّ الله أمير المؤمنين- مذ فصلت (٣) عن معسكر أمير المؤمنين، ممتثلا ما أمرنى به فيما أنهضنى له، لا أجاوز ذلك ولا أتعدّاه إلى غيره، ولا أتعرّف اليمن والبركة إلّا فى امتثاله، إلى أن حللت أوائل خراسان، صائنا للأمر الذى أمرنى أمير المؤمنين بصيانته وستره، لا أفضى ذلك إلى خاصّىّ ولا إلى عامّىّ، ودبّرت فى مكاتبة أهل: «الشاش وفرغانة (٤)». وخزلهما عن الخائن، وقطع طمعه وطمع من قبله عنهما، ومكاتبة من «ببلخ» بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسّرت له، فلما نزلت نيسابور عملت فى أمر الكور التى اجتزت عليها، بتولية

стр. 1372

من ولّيت عليها قبل مجاوزتى إياها، كجرجان ونيسابور ونسا وسرخس (١)، ولم آل الاحتياط فى ذلك، واختيار الكفاة وأهل الأمانة والصّحّة من ثقات أصحابى، وتقدمت إليهم فى ستر الأمر وكتمانه، وأخذت عليهم بذلك أيمان البيعة، ودفعت إلى كل رجل منهم عهده بولايته، وأمرتهم بالمسير إلى كور أعمالهم، على أخفى الحالات وأسترها، والتشبّه بالمجتازين فى ورودهم الكور ومقامهم بها، إلى الوقت الذى سمّيت لهم، وهو اليوم الذى قدّرت فيه دخولى إلى «مرو»، والتقائى وعلىّ ابن عيسى، وعملت فى استكفائى إسمعيل بن حفص بن مصعب أمر جرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين، فنفّذ أولئك العمال لأمرى، وقام كلّ رجل منهم فى الوقت الذى وقّت له بضبط عمله، وإحكام ناحيته، وكفى الله أمير المؤمنين المئونة فى ذلك بلطيف صنعه. ولما صرت من مدينة «مرو» على منزل، اخترت عدّة من ثقات أصحابى، وكتبت بتسمية ولد على بن عيسى وكتّابه وأهل بيته وغيرهم رقاعا، ودفعت إلى كل رجل منهم رقعة باسم من وكّلته بحفظه فى دخولى، ولم آمن لو قصّرت فى ذلك وأخّرته، أن يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره، إلى التغيب والانتشار، فعملوا بذلك، ورحلت عن موضعى نحو مدينة «مرو»، فلما صرت منها على ميلين تلقّانى علىّ ابن عيسى فى ولده وأهل بيته وقوّاده، فلقيته بأحسن لقاء وآنسته، وبلغت من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أوّل ما بصرت به، ما ازداد به أنسا وثقة، إلى ما كان ركن إليه قبل ذلك مما كان يأتيه من كتبى، فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال منى له والالتماس، لألقى سوء الظن عنه، لئلا يسبق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبّر أمير المؤمنين فى أمره، وأمرنى به فى ذلك، وكان الله ﵎ هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمر فيه، إلى أن ضمنى وإياه مجلسه، وصرت إلى الأكل معه،

стр. 1373

فلما فرغنا من ذلك بدأنى يسألنى المصير إلى منزل كان ارتاده لى، فأعلمته ما معى من الأمور التى لا تحتمل تأخير المناظرة فيها، ثم دفع إليه «رجاء» الخادم كتاب أمير المؤمنين، وأبلغه رسالته، فعلم عند ذلك أن قد حلّ به الأمر الذى جناه على نفسه، وكسبته يداه، من سخط أمير المؤمنين، وتغيّر رأيه، بخلافه أمره، وتعدّيه سيرته. ثم صرت إلى التوكيل به، ومضيت إلى المسجد الجامع، فبسطت آمال الناس ممّن حضر، وافتتحت القول بما حمّلنى أمير المؤمنين إليهم، وأعلمتهم إعظام أمير المؤمنين ما أتاه ووضح عنده من سوء سيرة علىّ، وما أمرنى به فيه وفى عمّاله وأعوانه، وأنى بالغ من ذلك، ومن إنصاف العامة والخاصّة، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم، وأمرت بقراءة عهدى عليهم، وأعلمتهم أن ذلك مثالى وإمامى، وأنّى به أقتدى، وعليه أحتذى، فمتى زلت عن باب واحد من أبوابه فقد ظلمت نفسى، وأحللت بها ما يحلّ بمن خالف رأى أمير المؤمنين وأمره، فأظهروا السرور بذلك والاستبشار، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء، وحسن الجزاء. ثم انكفأت إلى المجلس الذى كان علىّ بن عيسى فيه، فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتّابه وعمّاله، والاستيثاق منهم جميعا، وأمرتهم بالخروج إلىّ من الأموال التى احتجنوها (١) من أموال أمير المؤمنين وفىء المسلمين، وإعفائى بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب، وناديت فى أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم، فحملوا إلىّ- إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين- صدرا صالحا من الورق والعين (٢)، وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قبلهم، واستنظاف ما وراء ظهورهم، ويسهّل الله من ذلك أفضل ما لم يزل يعوّده أمير المؤمنين من الصّنع فى مثله، من الأمور التى يعنى بها إن شاء الله تعالى.

стр. 1374

ولم أدع عند قدومى «مرو» التقدم فى توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة فى الإعذار والإنذار، والتبصير والإرشاد، إلى «رافع (١)» ومن قبله من أهل سمرقند، وإلى من ببلخ (٢)، على حسن ظنّى بهم فى الإجابة ولزوم الطاعة والاستقامة، ومهما تنصرف به رسلى إلىّ يا أمير المؤمنين من أخبار القوم فى إجابتهم وامتناعهم، أعمل على حسبه من أمرهم، وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقّه وصدقه، وأرجو أن يعرف الله أمير المؤمنين فى ذلك من جميل صنعه، ولطيف كفايته، ما لم تزل عادته جارية به عنده بمنّه وطوله وقوّته، والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٠٥)

стр. 1375

١٧٤ - رد الرشيد عليه فأجابه الرشيد: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك بقدومك «مرو» فى اليوم الذى سمّيت، وعلى الحال التى وصفت، وما فسّرت، وما كنت قدّمت من الحيل قبل ورودك إياها، وعملت به فى أمر الكور التى سمّيت، وتولية من ولّيت عليها قبل نفوذك عنها، ولطّفت له من الأمر الذى استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن على بن عيسى وولده وأهل بيته، ومن صار فى يدك من عمّاله، وأصحاب عمّاله، واحتذائك فى ذلك كلّه ما كان أمير المؤمنين مثّل لك ووقفك عليه، وفهم أمير المؤمنين كلّ ما كتبت به، وحمد الله على ذلك كثيرا، وعلى تسديده إياك، وما أعانك به من توفيقه، حتى بلغت إرادة أمير المؤمنين، وأدركت طلبته، وأحسنت ما كان يحبّ بك وعلى يديك إحكامه، مما كان اشتد به اعتناؤه، ولجّ به اهتمامه، وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك، فلا أعدم الله أمير المؤمنين أحسن ما عرفه منك، فى كل ما أهاب (١) بك إليه، واعتمد بك عليه. وأمير المؤمنين يأمرك أن تزداد جدّا واجتهادا فيما أمرك به، من تتبّع أموال الخائن على بن عيسى وولده وكتّابه وعمّاله ووكلائه وجهابذته (٢)، والنظر فيما اختانوا (٣) به أمير المؤمنين فى أمواله، وظلموا به الرعية فى أموالهم، وتتبّع ذلك واستخراجه من مظانّه ومواضعه التى صارت إليه، ومن أيدى أصحاب الودائع التى استودعوها إياهم، واستعمال اللين والشدة فى ذلك كله، حتى تصير إلى استنظاف ما وراء ظهورهم، ولا تبقى من نفسك فى ذلك بقيّة، وفى إنصاف الناس منهم فى حقوقهم

стр. 1376

ومظالمهم حتى لا تبقى لمتظلّم منهم قبلهم ظلامة إلا استقضيت ذلك له، وحملته وإياهم على الحق والعدل فيها، فإذا بلغت أقصى غاية الإحكام والمبالغة فى ذلك، فأشخص الخائن وولده وأهل بيته وكتّابه وعمّاله إلى أمير المؤمنين فى وثاق (١)، وعلى الحال التى استحقّوها من التغيير والتنكيل بما كسبت أيديهم، وما الله بظلّام للعبيد. ثم اعمل بما أمرك به أمير المؤمنين، من الشّخوص إلى سمرقند، ومحاولة ما قبل «خامل (٢)» ومن كان على رأيه، ممن أظهر خلافا وامتناعا من أهل كور ما وراء النهر وطخارستان (٣) بالدّعاء إلى الفيئة (٤) والمراجعة، وبسط أمانات أمير المؤمنين التى حمّلكها إليهم، فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أملك بهم، وفرّقوا جموعهم، فهو ما يحبّ أمير المؤمنين أن يعاملهم به، من العفو عنهم والإقالة لهم، إذ كانوا رعيّته، وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذا أجابهم إلى طلبتهم، وآمن روعهم، وكفاهم ولاية من كرهوا ولايته، وأمر بإنصافهم فى حقوقهم وظلاماتهم، وإن خالفوا ما ظنّ أمير المؤمنين، فحاكمهم إلى الله إذ طغوا وبغوا وكرهوا العافية وردّوها، فإن أمير المؤمنين قد قضى ما عليه، فغيّر ونكّل وعزل واستبدل وعفا عمن أحدث وصفح عمن اجترم (٥)، وهو يشهد الله عليهم بعد ذلك فى خلاف إن آثروه، وعنود (٦) إن أظهروه، وكفى بالله شهيدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، عليه يتوكل وإليه ينيب، والسلام». وكتب إسماعيل بن صبيح بين يدى أمير المؤمنين. (تاريخ الطبرى ١٠: ١٠٧)

стр. 1377

١٧٥ - كتاب لهرثمة بن أعين وكتب هرثمة بن أعين: «ليس يكون منك شىء وإن حسن، إلّا وحسن ظنّى بك يبلغه، فاستتمّ أحسن ما كان منك، يتمّ لك أحسن ما تحبّ منى، ولا يمنعنّك الاكتفاء بحالك اليوم، من طلب الزيادة فى غد، فإنه لقلّ شىء لا يزيد إلا نقص، والزمان يمحق الكثير، كما يربو على الزيادة القليل». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٤) ١٧٦ - كتاب لقمامة بن زيد فى السلامة إلى الخليفة وكتب قمامة (١) بن زيد فى السلامة إلى الخليفة. «كلّ ما قبلنا وما يتناهى إلينا عن ثغور أمير المؤمنين وأطرافه وبلاده أقصاها وأدناها، فى صلاح ذلك كلّه واستقامته وهدوئه، على أفضل ما عوّد الله أمير المؤمنين فيه العلوّ والعافية، وأنا أحتذى (٢) فيه من أمير المؤمنين أمرين: إمّا تقدمة عرّفنى فيها رأيه، فأنا ألزمها ولا أعدل عنها، وإمّا أثر قد نهجه أمير المؤمنين فأنا أركبه وأتّبعه ولا أفارقه، فعلى هذا بحول الله وقوته معتمدى، قد كفى الله به فى الهداية، وأعطى فيه الخير والمنّ والسعادة، فله الحمد والشكر». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٨) ١٧٧ - كتاب آخر «كتبت إليك وقد استقام كلّ ما قبلى واعتدل، وجمع الله أيدى أهله وقلوبهم على إمامهم، وأراهم من تباشير الخير وأمارات البركة، ما أرجو أن يديمه الله، ويتابع

стр. 1378

المزيد فيه، والحمد الله الذى قذف فى قلوب رعيته من الإذعان بحقه، والبخوع (١) بطاعته، والخروج من ضيق ما كانوا فيه إلى سعة مما كانوا عليه، والذى ولّاك ذلك منا ومنهم بذاتك (٢) وباسمك، وجعلك الحامل له عنا، والقائم به لنا، واللسان فيه دوننا، وأحسن الله جزاءك على ما حطت من هذه الدولة، وتلافيت ما كان قد رثّ من حبلها، ووهى من قوّتها». (المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٤) ١٧٨ - كتاب إسحق بن الخطاب إلى الهزبر بن صبيح ولإسحق (٣) بن الخطاب إلى الهزبر (٤) بن صبيح يعزيه عن أبيه: «فإنّ أولى من حسن عزاؤه من كان بمعرفته مكتفيا، وعن غيره فيما أنعم الله عليه معزّيا، وأنت لسان منصوب لذلك، بفضل ما عندك فيما بلغه منطقك، وأتى عليه بيانك، وهذا أوان اختبار الله إياك بشكر ذلك، وإقرارك بالحجة عليه فيما كنت به محتجّا على غيرك، ودليلا عليه مما ذخر الله لأهل الفضل، ووعدهم إياه على ما رضى من القول عند وقوع قضائه وقدره، وما أخبر به خلقه وبلاهم بحسنه وسيّئه، وحلوه ومرّه، والموت قد رأيت ورأينا خطراته بين أظهرنا، يخترم (٥) الأبعد فلا يحفل، ويترك الأقرب يجزع له، وتتقلب قلوبنا فى ذلك مع أهوائنا دون الرضا به، أسأل الله توفيقك وتوفيقنا بحظّ العاجل، وسعادة الآجل. وقد كان أبو الهزبر مخلوقا لما صار إليه، لا يؤمن منه الشفقة عليه، حتى أتاه ما كان يتوقّع، ونزل به ما لم ينكر، فأعاذك الله أن تكون لمحنة الله كارها،

стр. 1379

ولقدره منكرا، بطرف أو وجد قلب أو بأدنى جزع، وإن خلصت فى التسليم لذلك نيّتك دون تحقيقه بقولك، وتصديقه بفعلك، فإن الله لم يرض من طيّب (١) خلقه ومن أثنى عليه بصالح عمله، إلا بباطن مع ظاهر، وظاهر مع باطن، ولم يحمل كلّا إلا على قدر طاقته، ومبلغ عمله، فيما قرّب من طاعته، وجانب معصيته، ولم يجعل لك عذرا فى تقصير عن شكر نعمه عليك، وإحسانه فى كل الحالات إليك، ورحم الله أبا الهزبر، وجعل ما نقله إليه خيرا ثوابا وأملا، وخيرا عقبا ومردّا، وأرجو أن يفعل الله ذلك به، لما كان عليه فى دينه ونفسه وكريم خلقه، وما متّعه الله به من لسان الناس فيه، وأصحبه إياه من حسن الثناء عليه، وعوّضك الله من فقده وما عدمت من الأنس به السعادة فى دنياك ودينك، حتى تلقاه على أفضل حالات أملك، وأوفاها له فيما تؤثر من طاعته، وأبلغها فى شكر نعمته، وما قدّمك به على كثير من خلقه فيما تراه ويرى بك من فضله، جعلنا الله وإياك من الموفّقين بالعصمة، والآمنين من عذاب يوم القيامة، ولا أعدمنا الأنس بك، والمتاع بطول بقائك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٣) ١٧٩ - كتاب إسحق بن الخطاب إلى زيد بن الفرج وكتب إسحق بن الخطّاب إلى زيد بن الفرج يعزّيه عن أمه: «أسأل الله أن يعصمك بعصمة التقوى، ويوفّقك من العمل لما يحبّ ويرضى، وإنا وخلق الله كلّهم إليه راجعون، إن الإكثار من العظة لا يغنى عن ذى الجهالة، والاقتصار على الكفاية لا يخلّ بذى المعرفة، وعندك مما كنت تعظ به غيرك ما قد احتجنا إلى الانتفاع به فى نفسك، وكفى بالله واعظا، وبما وعد من ثوابه معزّيا، ولست أصغّر مصيبتك بوالدتك، ولا أهوّن ما نزل بك فيها، بل أعظّمها وأجلّها

стр. 1380

لما كنت ترجو من الله على برّك بها، وتتقرّب من زيادته إياك بدعائها، غير أنّ أملك الأمرين بك فى حق الله عليك: التسليم لأمره، والرضا بما وقع من قدره، والأخذ من نفسك بكل ما دعاك إليه بيتك من بعد صلاحه وحسن عمله (١)، فإنك ومثلك من حملة النّعم، وذوى التقلّب من الله فى البلاء الحسن، لستم كمن يدع ما يلزم، ويجهل ما ينبغى له أن يعلمه، ولولا ما فى الكتاب من قضاء حق الله، ومن جرّ (٢) ثواب وتذكّر، لرضيت بمعرفتك. دون تعزيتك، فأعظم الله أجرك، ولا أفقدك ما يعودك ببقائها من نافلة (٣) وزيادة فى حظّ، وجعلك وإيانا من الشاكرين الراضين بمجارى أقضيته، وولى لك أمورك وإخوانك بتعميرك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٤) ١٨٠ - كتاب للهزبر فى التنصل «قد فتحت علىّ- منع الله فقدك- باب المعتبة، وأحوجتنى إلى أن أغلقه عنى بالمعذرة والحجّة، وكلّفتنى من ذلك ما لم يكن لى خلقا ولا عادة، ورأيتك عجلت فقبلت صناعة لسان كاذب، واستعذبت رأى فاجر، فاسمع وأنصف، ولا يذهبنّ بك هوى مسرف، ولا يغلبنّ عليك شىء سبق إلى أذن أو قلب، فليس لك أن تغفل ولا تغافل (٤)، ولا تجعل توهّما كحقّ، ولا يقينا كشكّ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠)

стр. 1381

١٨١ - كتاب محمد بن كثير إلى الرشيد وكتب محمد بن كثيّر إلى هرون الرشيد: «يا أمير المؤمنين، لولا حظّ كرم الفعل فى مطالع السؤال، لألهى المطل قلوب الشاكرين، ولصرف عيون الناظرين إلى حسن المحبة، فأى الحالين يبعد قولك عن مجاز فعلك؟ ». فقال هرون الرشيد: هذا الكلام لا يحتمل الجواب، إذا كان الإقرار به يمنع من الاحتجاج عليه». (زهر الآداب ٣: ٣٥٦) ١٨٢ - كتاب أبى هرون العبدى إلى زبيدة بنت جعفر ولما مات قرد زبيدة (١) بنت جعفر، ساءها ذلك ونالها من الغم ما عرفه الصغير والكبير من خاصّتها، فكتب إليها أبو هرون العبدى: «أيتها السيدة الخطيرة، إن موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب، كموقع السرور بنيل الكثير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التّافه الخفىّ، عمى عن التهنئة بالجليل السّنىّ (٢)، فلا نقصك الله الزّائد فى سرورك، ولا حرمك أجر الذاهب من صغيرك». فأمرت له بجائزة (زهر الآداب ٣: ٢٩٧) ١٨٣ - كتاب الأمين إلى أخيه المأمون ووافت الرشيد منيّته وهو بطوس إحدى مدن خراسان فى جمادى الآخرة

стр. 1382

سنة ١٩٣، وكان معه ابنه صالح (١)، والمأمون يومئذ بمرو، والأمين ببغداد، فبويع له بالخلافة. وكان الأمين لمّا بلغه أن أباه قد اشتدت علّته، وأنّه لمآبه، بعث بكر بن المعتمر، وكتب معه كتبا: منها كتاب إلى أخيه المأمون، وكتاب إلى أخيه صالح، وأمره بإخفائها حتى يموت أمير المؤمنين، فإذا مات دفع إلى كلّ كتابه، فلما قضى الرشيد دفع ابن المعتمر إلى صالح كتابه، وبعث إلى المأمون بكتابه. وكانت نسخة كتاب الأمين إلى أخيه المأمون: «إذا ورد عليك كتاب أخيك- أعاذه الله من فقدك- عند حلول ما لا مردّ له ولا مدفع، مما قد أخفّ (٢) وتناسخ الأمم الخالية، والقرون الماضية، بما عزّاك الله به، واعلم أن الله جلّ ثناؤه، قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، وأجزل الحظّين، فقبضه الله طاهرا زاكيا قد شكر سعيه، وغفر ذنبه إن شاء الله، فقم فى أمرك قيام ذى الحزم والعزم، والناظر لأخيه ونفسه وسلطانه وعامّة المسلمين، وإياك أن يغلب عليك الجزع، فإنه يحبط (٣) الأجر، ويعقب الوزر، وصلوات الله على أمير المؤمنين حيّا وميتا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وخذ البيعة على من قبلك من قوّادك وجندك وخاصّتك وعامتك لأخيك، ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين على الشّريطة التى جعلها لك أمير المؤمنين من نسخها (٤) له أو إثباتها، فإنك مقلّد من ذاك ما قلّدك الله وخليفته، وأعلم من قبلك

стр. 1383

رأيى فى صلاحهم وسدّ خلّتهم (١) والتوسعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته، أو اتهمته على طاعته، فابعث إلىّ برأسه مع خبره، وإياك وإقالته، فإن النار أولى به، واكتب إلى عمّال ثغورك وأمراء أجنادك، بما طرفك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أن الله لم يرض الدنيا له ثوابا حتى قبضه إلى روحه (٢) وراحته وجنته مغبوطا محمودا، قائدا لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله، ومرهم أن يأخذوا البيعة على أجنادهم وخواصّهم وعوامّهم على مثل ما أمرتك به من أخذها على من قبلك، وأوعز إليهم فى ضبط ثغورهم، والقوة على عدوهم. إنى متفقّد حالاتهم، ولامّ شعثهم، وموسّع عليهم، ولا آن (٣) فى تقوية أجنادى وأنصارى، ولتكن كتبك إليهم كتبا عامّة لتقرأ عليهم، فإن ذلك ما يسكّنهم ويبسط أملهم، واعمل بما نأمر به لمن حضرك أو نأى عنك من أجنادك على حسب ما ترى وتشاهد، فإن أخاك يعرف حسن اختيارك، وصحّة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشدّ بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء». وكتب بكر بن المعتمر بين يدىّ وإملائى شوال سنة ١٩٢. (تاريخ الطبرى ١٠: ١٢٥) ١٨٤ - كتاب الأمين إلى أخيه صالح ونسخة كتابه إلى أخيه صالح: «بسم الله الرحمن الرحيم: إذا ورد عليك كتابى هذا عند وقوع ما قد سبق فى علم الله، ونفذ من قضائه فى خلفائه وأوليائه، وجرت به سنّته فى الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين- فقال: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» - فاحمدوا الله على ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه، ومرافقة

стр. 1384

أنبيائه صلوات الله عليهم، إنا إليه راجعون، وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبيه محمد ﷺ ، وقد كان لهم عصمة وكهفا (١)، وبهم رءوفا رحيما. فشمّر فى أمرك، وإياك أن تلقى بيديك، فإن أخاك قد اختارك لما استنهضك له، وهو متفقّد مواقع فقدانك (٢)، فحّقق ظنّه، ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قبلك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته ومواليه، وخاصّته وعامّته، لمحمد أمير المؤمنين، ثم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشّريطة التى جعلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه من فسخها على القاسم أو إثباتها، فإن السعادة واليمن فى الأخذ بعهده والمضىّ على مناهجه، وأعلم من قبلك من الخاصّة والعامّة رأيى فى استصلاحهم، وردّ مظالمهم، وتفقّد حالاتهم، وأداء أرزاقهم وأعطياتهم (٣) عليهم، فإن شغب (٤) شاغب، أو نعر ناعر، فاسط به سطوة تجعله نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين. واضمم إلى الميمون ابن الميمون الفضل (٥) بن الربيع ولد أمير المؤمنين وخدمه وأهله ومره بالمسير معهم فيمن معه وجنده ورابطته (٦)، وصيّر إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه، فإنه ثقة على ما يلى، مقبول عند العامّة، واضمم إليه جميع جند الشّرط من الروابط وغيرهم إلى من معه من جنده، ومره بالجدّ والتيقظ وتقديم الحزم فى أمره كله ليله ونهاره، فإن أهل العداوة والنفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة.

стр. 1385

وأقرّ حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومره بحراسة ما يحفظ به قصور أمير المؤمنين، فإنه ممن لا يعرف إلا بالطاعة، ولا يدين إلا بها، بمعاقد من الله، مما قدّم له من حال أبيه (١) المحمود عند الخلفاء. ومر الخدم بإحضار روابطهم من يسدّ بهم وبأجنادهم مواضع الخلل من عسكرك، فإنهم حدّ من حدودك. وصيّر مقدّمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد، وساقتك (٢) إلى يحيى بن معاذ فيمن معه من الجنود، ومرهما بمناوبتك فى كل ليلة، والزم الطريق الأعظم، ولا تعدونّ المراحل، فإن ذلك أرفق بك، ومر أسد بن يزيد أن يتخيّر رجلا من أهل بيته أو قواده فيصير إلى مقدّمته، ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل أو بعض الطريق، فإن لم يحضرك فى عسكرك بعض من سمّيت فاختر لمواضعهم من تثق بطاعته ونصيحته وهيبته عند العوامّ، فإن ذلك لن يعوزك من قوادك وأنصارك إن شاء الله. وإياك أن تنفذ رأيا أو تبرم أمرا إلّا برأى شيخك وبقيّة آبائك الفضل ابن الربيع، وأقرر جميع الخدم على ما فى أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك، ولا تخرجنّ أحدا منهم من ضمن ما يلى إلى أن تقدم علىّ. وقد أوصيت بكر بن المعتمر بما سيبلغكه، واعمل فى ذلك بقدر ما تشاهد وترى، وإن أمرت لأهل العسكر بعطاء أو رزق، فليكن الفضل بن الربيع المتولّى لإعطائهم على دواوين (٣) يتخذها لنفسه، بمحضر من أصحاب الدواوين، فإن الفضل ابن الربيع لم يزل مثل ذلك لمهمّات الأمور.

стр. 1386

وأنفذ إلىّ عند وصول كتابى هذا إليك إسماعيل بن صبيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد (١)، ولا يكون لك عرجة (٢) ولا مهلة بموضعك الذى أنت فيه حتى توجّه إلىّ بعسكرك بما فيه من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته». وكتب بكر بن المعتمر بين يدىّ وإملائى فى شوال سنة ١٩٢. (تاريخ الطبرى ١٠: ١٢٦) ١٨٥ - كتاب عيسى بن واضح إلى الفضل بن الربيع وكتب عيسى بن واضح إلى الفضل بن الربيع: «قد أكّد الله من حرمتى بك، ووصل من الشّعب بينى وبينك، ما جعله ذخيرة ليوم الحاجة، وعدّة عند ملّم النازلة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٣) ١٨٦ - كتاب موسى بن عيسى إلى الأمين وكتب موسى بن عيسى فى سلامة الموسم إلى الأمين: «أما بعد، فإن الله بحمده ومنّه هو ولىّ أمير المؤمنين وولىّ النعمة عليه فيما حمّله

стр. 1387

الله واستحفظه، وجعله القائم به، والمحافظ عليه، من ولاية دينه، ورعاية أهله، والمرجوّ لإتمام (١) ذلك بمنّه ورحمته. وإنى كتبت إلى أمير المؤمنين يوم النّفر (٢) الأول، وقد قضى الله مناسكنا، وتمّم حجّنا، وأرانا فى مواقفنا وإفاضتنا ومن حضر الموسم معنا من رعية أمير المؤمنين أفضل ما لم يزل يبلى (٣) الله أمير المؤمنين ويعوّده، ويبلى الرعية فى خلافته، من السلامة والعافية، والتوفيق والكفاية، والله محمود. ولم أر موسما كان أعمّ عافية وسلامة، وأحسن هديا ودعة، وأكثر داعيا لأمير المؤمنين وولىّ عهده بطول البقاء، من موسم الناس فى عامهم هذا، بنعمة الله وفضله. أحببت الكتاب إلى أمير المؤمنين، لمعرفتى بعنايته وتطلّعه إلى عمله، ليسرّ به، ويحمد الله عليه ويشكره، فإنه شاكر يحبّ الشاكرين». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧١) ١٨٧ - كتاب المامون إلى الأمين واستوزر الأمين الفضل بن الربيع، فما لبث أن سعى فى إغرائه بأخيه المأمون، وحثّه على خلعه، وصرف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يزل به يزيّن له خلعه حتى جنح إلى رأيه (٤).

стр. 1388

وكتب الأمين إلى المأمون يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سمّاها وأن يوجّه العمال إليها من قبل الأمين، وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يولّيه البريد عليه ليكتب إليه بخبره، فكبر ذلك على المأمون واشتد، وأحضر خاصّته من الرؤساء والأعلام، وقرأ عليهم الكتاب، واستشارهم فى الأمر، فأشار عليه كلّ بما يرى، فقال المأمون لوزيره الفضل (١) بن سهل ذى الرياستين: اكتب يا فضل إليه، فكتب: «وقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين، يسأل التّجافى عن مواضع سمّاها، مما أثبته الرشيد فى العقد، وجعل أمره إلىّ، وما أمر رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثره، غير أن الذى (٢) جعل إلىّ الطّرف الذى أنا به لا ظنين فى النظر لعامّته، ولا جاهل بما أسند إلىّ من أمره، ولو لم يكن ذلك مثبتا بالعهود والمواثيق المأخوذة، ثم كنت على الحال التى أنا عليها: من إشراف عدوّ مخوف الشّوكة، وعامّة لا تتألّف عن هضمها (٣)،

стр. 1389

وأجناد لا تستتبع طاعتها إلا بالأموال وطرف (١) من الإفضال، لكان فى نظر أمير المؤمنين لعامّته، وما يحبّ من لمّ أطرافه، ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرا من عنايته، وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحقّ، ووكّدته مأخوذة العهد؟ وإنى لأعلم أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت، لم يطلع ما كتب بمسألته إلىّ، ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٠) ١٨٨ - رد الأمين على المأمون فكتب إليه الأمين: «أما بعد: فإن أمير المؤمنين الرشيد، وإن كان أفردك بالطّرف، وضمّ ما ضمّ إليك من كور الجبل، تأييدا لأمرك، وتحصينا لطرفك، فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك، وقد كان هذا الطرف وخراجه كافيا لحدثه، ثم تتجاوز بعد الكفاية إلى ما يفضل من ردّه، وقد ضمّ لك إلى الطرف كورا من أمّهات كور الأموال لا حاجة لك فيها، فالحقّ فيها أن تكون مردودة فى أهلها ومواضع حقها. فكتبت إليك أسألك ردّ تلك الكور إلى ما كانت عليه من حالها، ليكون فضول ردّها مصروفة إلى مواضعها، وأن تأذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدّى إلينا علم ما نعنى به من خبر طرفك، فكتبت تلطّ (٢) دون ذلك بما إن تمّ أمرك عليه صيّرنا الحقّ إلى مطالبتك، فاثن عن همّك، أثن عن مطالبتك إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٣)

стр. 1390

١٨٩ - رد المأمون على الأمين فلما قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبا له: «أما بعد: فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين، ولم يكتب فيما جهل فأكشف له عن وجهه؟ ولم يسأل ما لا يوجبه حق فيلزمنى الحجّة بترك إجابته؟ وإنما يتجاوز المناظران منزلة النّصفة (١) ما ضاقت النّصفة عن أهلها، فمتى تجاوز متجاوز- وهى موجودة- ولم يكن تجاوزها إلا عن نقضها واحتمال ما فى تركها؟ فلا تبعثنى يابن أبى على مخالفتك وأنا مذعن بطاعتك، ولا على قطيعتك وأنا على إيثار (٢) ما تحبّ من صلتك، وارض مما حكم به الحقّ فى أمرك، أكن بالمكان الذى أنزلنى به الحقّ فيما بينى وبينك والسلام». (تاريخ الطبرى ١: ١٣٤) ١٩٠ - رد الأمين على المأمون فلما وصل كتاب المأمون إلى الأمين غضب وتغيظ وأمر بالإمساك عن الدعاء له على المنابر، وكتب إليه: «أما بعد: فقد بلغنى كتابك عامطا (٣) لنعمة الله عليك فيما مكّن لك من ظلّها (٤) متعرّضا لحراق نار (٥) لا قبل لك بها، ولحطّك عن الطاعة (٦) كان أودع، وإن كان قد تقدّم منى متقدّم (٧) فليس بخارج من مواضع نفعك، إذ كان راجعا على العامة من رعيّتك، وأكثر من ذلك ما يمكّن لك من منزلة السلامة، ويثبت لك من حال الهدنة (٨)، فأعلمنى رأيك أعمل عليه إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٤)

стр. 1391

١٩١ - كتاب المأمون إلى الأمين وقال المأمون لذى الرياستين: إن ولدى وأهلى ومالى الذى أفرده الرشيد لى بحضرة الأمين، وهو مائة ألف ألف، وأنا إليها محتاج، وهى قبله، فما ترى فى ذلك؟ فكتب عنه إلى الأمين: «أما بعد: فإن نظر أمير المؤمنين للعامّة نظر من لا يقتصر عنه على إعطاء النّصفة من نفسه حتى يتجاوزها إليهم ببرّه وصلته، وإذ كان ذلك رأيه فى عامّته فأحر (١) بأن يكون على مجاوزة ذلك بصنوه (٢) وقسيم نسبه، فقد تعلم يا أمير المؤمنين حالا أنا عليها: من ثغور حللت بين لهواتها (٣)، وأجناد لا تزال موقنة بنشر غيّها، وبنكث آرائها، وقلة الخرج (٤) قبلى، والأهل والولد والمال قبل أمير المؤمنين، وما للأهل- وإن كانوا فى كفاية من برّ أمير المؤمنين، فكان لهم والدا- بدّ من الإشراف، والنّزوع (٥) إلى كنفى وما لى بالمال من القوة والظّهير (٦) على لمّ الشعث بحضرتى، وقد وجّهت لحمل العيال وحمل ذلك المال، فرأى أمير المؤمنين فى إجازة فلان إلى «الرّقّة (٧)» فى حمل ذلك المال، والأمر بمعونته عليه، غير محرّج (٨) له فيه إلى ضيقة تقع بمخالفته، أو حامل له على رأى يكون على غير موافقته والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٤)

стр. 1392

١٩٢ - رد أحد أعيان أهل العسكر فوافق قدوم الرسول بغداد ما أمر به الأمين من الكفّ عن الدعاء للمأمون فى الخطبة يوم الجمعة، فدفع الكتب إلى كلّ من كتب إليه معه، فمنهم من أمسك عن الجواب وأعرب للرسول عما فى نفسه، ومنهم من أجاب عن كتابه، وكتب أحدهم: «أما بعد، فقد بلغنى كتابك، وللحقّ برهان يدلّ على نفسه تثبت به الحجّة على كل من صار إلى مفارقته، فكفى غبنا بإضاعة حظّ من حظ العاقبة، لمأمول من حظّ عاجلة، وأبين فى الغبن إضاعة حظ عاقبة فى التعرّض للنّكبة والوقائع ولى من العلم بمواضع خطر ما أرجو أن يحسن معه النظر منى لنفسى، ويضع عنى مؤنة استزادتى إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٦) ١٩٣ - كتاب رسول المأمون إليه وكتب الرسول الموجّه إلى بغداد، إلى المأمون: «أما بعد: فإنى وافيت البلدة وقد أعلن خليطك (١) بتنكّره، وقدّم علما من اعتراضه ومفارقته بحضرته، ودفعت كتبك فوجدت أكثر الناس ولاة السّريرة، ونفاة العلانية، ووجدت المستمالين بالرغبة لا يحوطون إلا عنها، ولا ينالون ما احتملوا فيها، والمنازع مختلج (٢) الرأى لا يجد دافعا منه عن همّه، ولا راغبا فى عامّه، والمحلّون بأنفسهم يجلّون تمام الحدث، ليسلموا من منهزم حدثهم، والقوم على جدّ، فلا تميلوا للتوانى (٣) إن شاء الله والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٦)

стр. 1393

١٩٤ - رد الأمين على المأمون فكتب إليه الأمين: «أما بعد: فقد بلغنى كتابك بما ذكرت: مما عليه رأى أمير المؤمنين فى عامّته، فضلا عما يجب من حقّ لذى حرمته وخليط (١) نفسه، ومحلّك بين لهوات ثغور، وحاجتك لمحلّك بينها إلى فضلة من المال لتأييد أمرك، والمال الذى سمّى لك من مال الله، وتوجيهك من وجّهت فى حمله وحمل أهلك من قبل أمير المؤمنين. ولعمرى ما ينكر أمير المؤمنين رأيا هو عليه مما ذكرت لعامّته، وما يوجب عليه من لحوق أقربيه وعامّته، وبه إلى ذلك المال الذى ذكرت حاجة فى تحصين أمور المسلمين، فكان أولى به إجراؤه منه على فرائضه، وردّه على مواضع حقه، وليس بخارج من نفعك ما عاد بنفع العامة من رعيتك، وأمّا ما ذكرت من حمل أهلك، فإنّ رأى أمير المؤمنين تولّى أمرهم، وإن كنت بالمكان الذى أنت به من حق القرابة، ولم أر من حملهم على سفرهم مثل الذى رأيت من تعريضهم بالسفر للتشتّت، وإن رأى ذلك من قبلى أوجّههم إليك مع الثّقة من رسلى إن شاء الله والسلام» (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٥) ١٩٥ - كتاب المامون إلى أعيان أهل العسكر ببغداد ورأى المأمون أن يختار ثقة من أصحابه، يكتب معه كتبا إلى أعيان أهل العسكر من بغداد، فإن أحدث الأمين خلعا للمأمون صار إلى ذويها، وتلطّف لعلم حالات أهلها، وإلّا أمسك عن إيصالها، وكان كتابه مع الرسول الذى وجّهه لعلم الخبر:

стр. 1394

«أما بعد: فإن أمر (١) المؤمنين كأعضاء البدن: تحدث العلّة فى بعضها فيكون كره ذلك مؤلما لجميعها، وكذلك الحدث فى المسلمين، يكون فى بعضهم فيصل كره ذلك إلى سائرهم، للّذى يجمعهم من شريعة دينهم، ويلزمهم من حرمة آخرتهم، ثم ذلك من الأئمة أعظم، للمكان الذى به الأئمة من سائر أممهم، وقد كان من الخبر ما لا أحسبه إلا سيعود عن مجيئه، ويسفر (٢) عما ستر، وما اختلف مختلفان فكان أحدهما أزمع (٣) على الغدر إلّا كان أول معونة المسلمين وموالاتهم فى ذات الله، وأنت- يرحمك الله- من الأمر بمرأى ومسمع، وبحيث إن قلت آذن (٤) لقولك، وإن لم تجد للقول مساغا فأمسكت عن مخوف، أقتد فيه بك، ولن يضيع على (٥) الله ثواب الإحسان، مع ما يجب علينا بالإحسان من حقّك، ولحظّ حاز لك النصيبين أو أحدهما أمثل من الإشراف لأحد الحظّين مع التعرّض لعدمهما (٦)، فاكتب إلىّ برأيك، وأعلم ذلك لرسولى، ليؤدّيه إلىّ عنك إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٣٥) ١٩٦ - كتاب المامون إلى على بن عيسى بن ماهان وكان علىّ بن عيسى بن ماهان ممن مالأ على خلع المأمون من البيعة، فكتب إليه المأمون لما بلغه ما عزم عليه:

стр. 1395

«أما بعد: فإنك فى ظلّ دعوة لم تزل أنت وسلفك بمكان ذبّ (١) عن حريمها، وعلى عناية بحفظها، ورعاية لحقّها، توجبون ذلك لأئمتكم، وتعتصمون بحبل جماعتكم، وتعطون بالطاعة من أنفسكم، وتكونون يدا على أهل مخالفتكم، وحزبا وإخوانا لأهل موافقتكم، تؤثرونهم على الآباء والأبناء، وتتصرّفون فيما تصرّفوا فيه من منزلة شديدة ورخاء، لا ترون شيئا أبلغ فى صلاحكم من الأمر الجامع لألفتكم، ولا أجرى لبواركم (٢) مما دعا بشتات كلمتكم، ترون من رغب عن ذلك جائرا عن القصد (٣)، وعن أمّه على منهاج الحق، ثم كنتم على منهاج الحق، ثم كنتم على أولئك سيوفا من سيوف نقم الله، فكم من أولئك قد صاروا وديعة مسبعة (٤)، وجزرا جامدة، قد سفت الرّياح فى وجهه، وتداعت السّباع إلى مصرعه، غير ممهّد ولا موسّد، قد صار إلى أمّة ...... (٥) وغير عاجل حظّه ممن كانت الأئمة تنزلكم لذلك بحيث أنزلتم أنفسكم، من الثّقة بكم فى أمورها، والتقدمة فى آثارها، وأنت مستشعر (٦) دون كثير من ثقاتها وخاصّتها، حتى بلغ الله بك فى نفسك أن كنت قريع (٧) أهل دعوتك، والعلم القائم بمعظم أمر أمّتك، إن قلت ادنوا دنوا، وإن أشرت أقبلوا أقبلوا، وإن أمسكت وقّفوا وقرّوا، وئاما (٨) لك واستنصاحا، وتزداد نعمة مع الزيادة فى نفسك، ويزدادون نعمة مع الزيادة لك بطاعتك، حتى حللت المحلّ الذى قربت به من يومك، وانقرض فيما دونه أكثر مدتك، لا تنتظر بعدها إلّا ما يكون ختام عملك: من خير فيرضى ما تقدّم من صالح فعلك، أو خلاف فيضلّ له متقدّم

стр. 1396

سعيك، وقد ترى يا أبا يحيى حالا عليها جلوت (١) أهل نعمتك والولاة القائمة بحق إمامتك، من طعن فى عقدة كنت القائم بشدّها، وبعهود توليت معاقد أخذها، يبدأ فيها بالأخصّين، حتى أفضى الأمر إلى العامّة من المسلمين، بالأيمان المحرّجة (٢)، والمواثيق المؤكّدة، وما طلع مما يدعو إلى نشر كلمة، وتفريق أمّة، وشتّ جماعة، وتتعرّض به لتبديل نعمة، وزوال ما وطّأت الأسلاف من الأئمة، ومتى زالت نعمة من ولاة أمركم وصل زوالها إليكم فى خواصّ أنفسكم، ولن يغيّر الله ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وليس الساعى فى نشرها بساع فيها على نفسه، دون السعى على حملتها القائمين بحرمتها، قد عرّضوهم أن يكونوا جزرا لأعدائهم، وطعمة قوم تتظفّر مخالبهم فى دمائهم، ومكانك المكان الذى إن قلت رجع إلى قولك، وإن أشرت لم تتّهم فى نصيحتك، ولك مع إيثار الحقّ الحظوة عند أهل الحقّ، ولا سواء من حظى بعاجل مع فراق الحق فأوبق (٣) نفسه فى عاقبته، ومن أعان الحقّ فأدرك به صلاح العاقبة مع وفور الحظ فى عاجلته. وليس لك ما تستدعى، ولا عليه ما تستعطف، ولكنه حق من حقّ أحسابك، يجب ثوابه على ربك، ثم على من قمت بالحق فيه من أهل إمامتك، فإن أعجزك قول أو فعل فصر إلى الدار التى تأمن فيها على نفسك، وتحكم فيها برأيك، وتجاوز إلى من يحسن تقبّلا لصالح فعلك، ويكون مرجعك إلى عقدك وأموالك، ولك بذلك الله، وكفى بالله وكيلا، وإن تعذّر ذلك بقية على نفسك، فإمساكا بيدك وقولا بحق ما لم نخف وقوعه بكرهك، فلعلّ مقتديا بك ومغتبطا بنهيك، ثم أعلمنى رأيك أعرفه إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٤٣) فأتى علىّ بالكتاب إلى الأمين.

стр. 1397

١٩٧ - كتاب المأمون إلى الأمين ولما بعث الأمين إلى المأمون فى البيعة لابنه موسى، ووجّه الرسل إليه فى ذلك، كتب المأمون جواب كتابه: «أما بعد، فقد انتهى إلىّ كتاب أمير المؤمنين منكرا لإبائى منزلة تهضّمنى (١) بها، وأرادنى على خلاف ما يعلم من الحق فيها، ولعمرى إن أورد أمير المؤمنين موارد النّصفة، فلم يطالب إلا بها، ولم يوجب نكرة تركها، لا نبسطت بالحجّة مطالع مقالته، ولكنت محجوجا بمفارقة ما يوجب من طاعته، فأمّا وأنا مذعن بها، وهو على ترك إعمالها، فأولى به أن يدير الحقّ فى أمره، ثم يأخذ به ويعطى من نفسه، فإن صرت إلى الحق فرّغت عن قلبه، وإن أبيت الحقّ قام بمعذرته، وأمّا ما وعد من برّ طاعته، وأوعد من الوطأة بمخالفته، فهل أحد فارق الحقّ فى فعله فأبقى للمتبيّن موضع ثقة بقوله؟ والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٤٣) ١٩٨ - كتاب الأمين إلى المامون ولما عزم الأمين على خلع المأمون، أشار عليه إسمعيل بن صبيح الكاتب أن يكتب إليه يعلمه حاجته إليه وما يحبّ من قربه، والاستعانة برأيه، ويسأله القدوم إليه، فقال الفضل بن الربيع: القول ما قال يا أمير المؤمنين، قال، فليكتب بما رأى، فكتب إليه: «من عند الأمين محمد أمير المؤمنين إلى عبد الله بن هرون أمير المؤمنين. «أما بعد، فإن أمير المؤمنين روّى (٢) فى أمرك، والموضع الذى أنت فيه من

стр. 1398

ثغرك، وما يؤمّل فى قربك من المعاونة والمكانفة على ما حمّله الله وقلده من أمور عباده وبلاده، وفكّر فيما كان أمير المؤمنين الرشيد أوجب لك من الولاية، وأمر به من إفرادك على ما تصيّر إليك منها، فرجا أمير المؤمنين أن لا يدخل عليه وكف (١) فى دينه، ولا نكث فى يمينه، إذ كان إشخاصه إياك فيما يعود على المسلمين نفعه، ويصل إلى عامّتهم صلاحه وفضله، وعلم أمير المؤمنين أن مكانك بالقرب منه أسدّ للثغور، وأصلح للجنود، وآكد للفىء، وأردّ على العامّة، من مقامك ببلاد خراسان، منقطعا عن أهل بيتك، متغيّبا عن أمير المؤمنين، وما يحبّ الاستمتاع به من رأيك وتدبيرك. وقد رأى أمير المؤمنين أن يولّى موسى ابن أمير المؤمنين فيما يقلّده من خلافتك ما يحدث إليه من أمرك ونهيك، فاقدم على أمير المؤمنين على بركة الله وعونه، بأبسط أمل، وأفسح رجاء، وأحمد عاقبة، وأنفذ بصيرة، فإنك أولى من استعان به أمير المؤمنين على أموره، واحتمل عنه النّصب فيما فيه صلاح أهل بيته وذمّته، والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٤٦) ١٩٩ - رد المأمون على الأمين فكتب إليه المأمون: «لعبد الله محمد أمير المؤمنين من عبد الله بن هرون: أما بعد: فقد وصل إلىّ كتاب أمير المؤمنين، وإنما أنا عامل من عمّاله، وعون من أعوانه، أمر الرشيد صلوات الله عليه بلزوم هذا الثّغر ومكايدة من كايد أهله من عدوّ أمير المؤمنين، ولعمرى إن مقامى به أردّ على أمير المؤمنين، وأعظم غناء (٢) على المسلمين، من الشّخوص إلى أمير المؤمنين، وإن كنت مغتبطا

стр. 1399

بقربه، مسرورا بمشاهدة نعمة الله عنده، فإن رأى أن يقرّنى على عملى، ويعفينى من الشخوص إليه فعل إن شاء الله، والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٤٩) ٢٠٠ - كتاب طاهر بن الحسين إلى المامون ونمى الشرّ بين الأخوين واستطار شرره، وبعث الأمين جيشا كثيفا بقيادة على بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون، وأعد المأمون للقائه جيشا بقيادة طاهر ابن الحسين، ونشب القتال بين الفريقين، ودارت الدائرة على جيش الأمين وقتل ابن ماهان (سنة ١٩٥). وكتب طاهر (١) إلى المأمون: «أطال الله بقاءك، وكبت (٢) أعداءك، وجعل من يشنؤك (٣) فداءك، كتابى إليك ورأس على بن عيسى بين يدىّ، وخاتمه فى إصبعى، وجنده مصرّف تحت أمرى، والحمد لله رب العالمين». (تاريخ الطبرى ١٠: ١٤٢، ١٥٥ ومروج الذهب ٢: ٣٠٠ والفخرى ص ١٩٥ والمثل السائر ص ٣٣٩) ٢٠١ - كتاب الأمين إلى طاهر بن الحسين وحدث بعد ذلك حروب ووقائع وشغب كثير، حتى سار طاهر ومعه هرثمة بن أعين إلى بغداد وحاصراها- وقد نزل طاهر بالجانب الغربى، وهرثمة بالجانب الشرقى- وكتب الأمين إلى طاهر بخطه: «بسم الله الرحمن الرحيم: اعلم أنه ما قام لنا مذقمنا قائم بحقّنا، وكان جزاؤه إلا السيف، فانظر لنفسك أو دع». (مروج الذهب ٢: ٣٠٣)

стр. 1400

٢٠٢ - كتاب طاهر بن الحسين إلى المأمون وكان الغلبة لطاهر بن الحسين، وقتل الأمين وحمل رأسه إلى المأمون بخراسان (سنة ١٩٨) وكتب طاهر إلى المأمون بالفتح: «أما بعد فالحمد لله المتعالى ذى العزّة والجلال والملك والسلطان، الذى إذا أراد أمرا فإنما يقول له كن فيكون، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. كان فيما قدّر الله فأحكم، ودبّر فأبرم، انتكاث المخلوع ببيعته، وانتقاضه بعهده، وارتكاسه (١) فى فتنته، وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه، وما الله بظلّام للعبيد، وقد كتبت إلى أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- فى إحاطة جند الله بالمدينة والخلد (٢)، وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها فى دجلة، نواحى أزقّة مدينة السّلام، وانتظام المسالح (٣) حواليها، وحدرى السّفن والزّواريق بالعرّادات (٤) والمقاتلة إلى ما واجه الخلد وباب خراسان، تحفّظا بالمخلوع، وتخوّفا من أن يروغ (٥) مراغا، ويسلك مسلكا يجد به السبيل إلى إثارة فتنة، وإحياء نائرة (٦)، أو يهايج قتالا، بعد أن حصره الله وخذله، ومتابعة الرّسل بما يعرض عليه هرثمة ابن أعين مولى أمير المؤمنين ويسألنى من تخلية الطريق له فى الخروج إليه، واجتماعى وهرثمة بن أعين لنتناظر فى ذلك (٧)، وكراهتى ما أحدث وراءه من أمره بعد

стр. 1401

إرهاق (١) الله إياه، وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلّق، وانقطاع المنافع عنه، وحيل بينه وبين الماء فضلا عن غيره، حتى همّ به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجامعه إليها، وتحزّبوا على الوثوب به للدّفع عن أنفسهم والنجاة بها، وغير ذلك مما فسّرت لأمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- مما أرجو أن يكون قد أتاه. وإنى أخبر أمير المؤمنين أنى روّيت فيما دبّر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين فى المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنة، فى تخلّصه من موضعه الذى قد أنزله الله فيه بالذّلة والصّغار، وصيّره فيه إلى الضّيق والحصار تزداد، ولا يزيد أهل التربّص فى الأطراف إلا طمعا وانتشارا. وأعلمت ذلك هرثمة بن أعين وكراهتى ما أطمعه فيه وأجابه إليه- فذكر أنه لا يرى الرجوع عما أعطاه فصادرته- بعد يأس من انصرافه عن رأيه- على أن يقدّم المخلوع رداء رسول الله ﷺ وسيفه وقضيبه قبل خروجه، ثم أخلى له طريق الخروج إليه، كراهة أن يكون بينى وبينه اختلاف نصير منه إلى أمر يطمع الأعداء فينا، أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشيّة السبت.

стр. 1402

فتوجّهت فى خاصّة ثقاتى الذين اعتمدت عليهم، وأثق بهم بربط الجأش (١)، وصدق البأس، وصحة المناصحة، حتى طالعت جميع أمر كلّ من كنت وكّلت بالمدينة والخلد برّا وبحرا، والتقدمة إليهم فى التحفّظ والتيقّظ، والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حرّاقات (٢) وسفنا سوى العدّة التى كانت لأركبها بنفسى لوقت ميعادى بينى وبين هرثمة، فنزلتها فى عدّة ممن كان ركب معى من خاصّة ثقاتى وشاكريّتى (٣)، وصيّرت عدّة منهم فرسانا ورجّالة بين باب خراسان وللمشرعة (٤) وعلى الشّطّ. وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدا مستعدّا، وقد خاتلنى (٥) بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة ليحمله قبل أن أعلم، أو يبعث إلىّ بالرّداء والسيف والقضيب، على ما كان فارقنى عليه من ذلك. فلما وافى خروج المخلوع على من وكّلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم، ليعرفوا الطابع لأمرى كان أتاهم، وتقدّمى إليهم ألّا يدعوا أحدا يجوزهم إلا بأمرى، فبادرهم نحو المشرعة وقرّب هرثمة إليه الحرّاقة، فسبق الناكث أصحابى إليها، وتأخّر «كوثر (٦)» فظفر به «قريش» مولاى، ومعه الرّداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من إرادة أصحابى منع مخلوعهم من الخروج، فبادر بعضهم حرّاقة هرثمة، فتكفّأت بهم حتى أغرقت فى الماء ورسبت، فانصرف بعضهم إلى المدينة، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحرّاقة فى دجلة متخلّصا إلى الشّطّ، نادما على ما كان من خروجه، ناقضا للعهد، داعيا بشعاره (٧)، فابتدره (٨) عدّة من

стр. 1403

أوليائى الذين كنت وكّلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصّراة، فأخذوه عنوة (١) قهرا بلا عهد ولا عقد، فدعا بشعاره وعاد فى نكثه، فعرض عليهم مائة حبّة، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم، وإيثارا للحق الواجب عليهم، فتعلّقوا به، قد أسلمه (٢) الله وأفرده، كلّ يرغبه ويريد أن يفوز بالحظوة عندى دون صاحبه، حتى اضطربوا فيما بينهم، وتناولوه بأسيافهم، منازعة فيه، وتشاحّا (٣) عليه، إلى أن أتيح له مغيظ لله ودينه ورسوله وخليفته، فأتى عليه، وأتانى الخبر بذلك، فأمرت بحمل رأسه إلىّ، فلما أتيت به تقدّمت إلى من كنت وكّلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من فى المسالح، فى لزوم مواضعهم والاحتفاظ بما يليهم إلى أن يأتيهم أمرى، ثم انصرفت، فأعظم الله لأمير المؤمنين الصّنع والفتح عليه، وعلى الإسلام به وفيه. فلمّا أصبحت هاج الناس واختلفوا فى المخلوع: فمصدّق بقتله ومكذّب، وشاكّ وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشّبهة فى أمره، قمضيت برأسه لينظروا إليه، فيصحّ بعينهم، وينقطع بذلك بعل (٤) قلوبهم، ودخل (٥) التياث المستشرفين للفساد، والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها، وأعطى أهلها الطاعة، واستقام لأمير المؤمنين شرقىّ ما يلى مدينة السلام وغربيّه وأرباعه (٦) وأرباضه ونواحيه، وقد وضعت الحرب أوزارها، وتلافى بالسلام والإسلام أهله، وبعّد الله

стр. 1404

الدّغل (١) عنهم وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والسكون والدّعة والاستقامة والاغتباط والصّنع من الله جل وعز والخيرة والحمد لله على ذلك. فكتبت إلى أمير المؤمنين- حفظه الله- وليس قبلى داع إلى فتنة، ولا متحرك ولا ساع فى فساد، ولا أحد إلا سامع مطيع باخع (٢) حاضر، قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين، ودعة ولايته، فهو يتقلّب فى ظلّها، يغدو فى متجره ويروح فى معايشه، والله ولىّ ما صنع من ذلك، والمتمّم له، والمانّ بالزيادة فيه برحمته. وأنا أسأل الله أن يهنئ (٣) أمير المؤمنين نعمته، ويتابع له فيها مزيده، ويوزعه (٤) عليها شكره، وأن يجعل منّه لديه متواليا دائما متواصلا، حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة ولأوليائه وأنصار حقّه ولجماعة المسلمين، ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته، إنه ولىّ ذلك منهم وفيّه، إنه سميع لطيف لما يشاء». وكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ١٩٨ هـ (تاريخ الطبرى ١٠: ٢٠٣) ٢٠٣ - كتاب طاهر بن الحسين إلى أبى عيسى بن الرشيد وروى الصّولى فى أدب الكتاب قال: وقال طاهر بن الحسين- وهو يحارب الأمين، وكان أبو عيسى بن الرشيد معه- لكتابه: اكتبوا إلى أبى عيسى كتابا تتقربون به إليه وتتباعدون، ولا تطمعوه ولا تؤيسوه، فقالوا: إن رأى الأمير أن يعلمنا كيف ذلك ويحدّه لنا، فقال اكتبوا: «بسم الله الرحمن الرحيم: حفظك الله وأبقاك وأمتع بك، وعزيز علىّ أن

стр. 1405

أكتب إلى صغير منكم أو كبير، بغير التأمير، وقد بلغنى عنك ممالأة (١) للمخلوع، فإن كان ذلك منك ميلا على أمير المؤمنين، فقليل ما أكاتبك به كثير، وإن كنت كما قال الله: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته». (أدب الكتاب ص ١٥١) *** وروى ابن عبد ربه فى العقد الفريد قال: وكتب طاهر بن الحسين حين أخذ بغداد إلى إبراهيم بن المهدى: «أما بعد، فإنه عزيز علىّ أن أكتب إلى أحد من بيت الخلافة بغير كلام الإمرة وسلامها، غير أنه بلغنى عنك أنك مائل الهوى والرأى للناكث المخلوع، فإن كان كما بلغنى فقليل ما كتبت به كثير لك، وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، وقد كتبت فى أسفل كتابى أبياتا فتدبّرها: ركوبك الهول ما لم تلق فرصته ... جهل رمى بك بالإقحام تغرير أهون بدنيا يصيب المخطئون بها ... حظّ المصيبين، والمغرور مغرور فازرع صوابا وخذ بالحزم حيطته ... فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به ... فأنت عند ذوى الألباب معذور وإن ظفرت على جهل ففزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير (العقد الفريد ٢: ١٩٨) ٢٠٤ - كتاب السيدة زبيدة إلى المأمون ولما قتل الأمين كتبت أمّه السيده زبيدة (٢): لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر
следующие страницы →