← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

إرهاق (١) الله إياه، وقطعه رجاءه من كل حيلة ومتعلّق، وانقطاع المنافع عنه، وحيل بينه وبين الماء فضلا عن غيره، حتى همّ به خدمه وأشياعه من أهل المدينة ومن نجامعه إليها، وتحزّبوا على الوثوب به للدّفع عن أنفسهم والنجاة بها، وغير ذلك مما فسّرت لأمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- مما أرجو أن يكون قد أتاه. وإنى أخبر أمير المؤمنين أنى روّيت فيما دبّر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين فى المخلوع، وما عرض عليه وأجابه إليه، فوجدت الفتنة، فى تخلّصه من موضعه الذى قد أنزله الله فيه بالذّلة والصّغار، وصيّره فيه إلى الضّيق والحصار تزداد، ولا يزيد أهل التربّص فى الأطراف إلا طمعا وانتشارا. وأعلمت ذلك هرثمة بن أعين وكراهتى ما أطمعه فيه وأجابه إليه- فذكر أنه لا يرى الرجوع عما أعطاه فصادرته- بعد يأس من انصرافه عن رأيه- على أن يقدّم المخلوع رداء رسول الله ﷺ وسيفه وقضيبه قبل خروجه، ثم أخلى له طريق الخروج إليه، كراهة أن يكون بينى وبينه اختلاف نصير منه إلى أمر يطمع الأعداء فينا، أو فراق القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشيّة السبت.

стр. 1402

فتوجّهت فى خاصّة ثقاتى الذين اعتمدت عليهم، وأثق بهم بربط الجأش (١)، وصدق البأس، وصحة المناصحة، حتى طالعت جميع أمر كلّ من كنت وكّلت بالمدينة والخلد برّا وبحرا، والتقدمة إليهم فى التحفّظ والتيقّظ، والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حرّاقات (٢) وسفنا سوى العدّة التى كانت لأركبها بنفسى لوقت ميعادى بينى وبين هرثمة، فنزلتها فى عدّة ممن كان ركب معى من خاصّة ثقاتى وشاكريّتى (٣)، وصيّرت عدّة منهم فرسانا ورجّالة بين باب خراسان وللمشرعة (٤) وعلى الشّطّ. وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدا مستعدّا، وقد خاتلنى (٥) بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة ليحمله قبل أن أعلم، أو يبعث إلىّ بالرّداء والسيف والقضيب، على ما كان فارقنى عليه من ذلك. فلما وافى خروج المخلوع على من وكّلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم، ليعرفوا الطابع لأمرى كان أتاهم، وتقدّمى إليهم ألّا يدعوا أحدا يجوزهم إلا بأمرى، فبادرهم نحو المشرعة وقرّب هرثمة إليه الحرّاقة، فسبق الناكث أصحابى إليها، وتأخّر «كوثر (٦)» فظفر به «قريش» مولاى، ومعه الرّداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوا من إرادة أصحابى منع مخلوعهم من الخروج، فبادر بعضهم حرّاقة هرثمة، فتكفّأت بهم حتى أغرقت فى الماء ورسبت، فانصرف بعضهم إلى المدينة، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحرّاقة فى دجلة متخلّصا إلى الشّطّ، نادما على ما كان من خروجه، ناقضا للعهد، داعيا بشعاره (٧)، فابتدره (٨) عدّة من

стр. 1403

أوليائى الذين كنت وكّلتهم بما بين مشرعة باب خراسان وركن الصّراة، فأخذوه عنوة (١) قهرا بلا عهد ولا عقد، فدعا بشعاره وعاد فى نكثه، فعرض عليهم مائة حبّة، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم، وإيثارا للحق الواجب عليهم، فتعلّقوا به، قد أسلمه (٢) الله وأفرده، كلّ يرغبه ويريد أن يفوز بالحظوة عندى دون صاحبه، حتى اضطربوا فيما بينهم، وتناولوه بأسيافهم، منازعة فيه، وتشاحّا (٣) عليه، إلى أن أتيح له مغيظ لله ودينه ورسوله وخليفته، فأتى عليه، وأتانى الخبر بذلك، فأمرت بحمل رأسه إلىّ، فلما أتيت به تقدّمت إلى من كنت وكّلت بالمدينة والخلد وما حواليها وسائر من فى المسالح، فى لزوم مواضعهم والاحتفاظ بما يليهم إلى أن يأتيهم أمرى، ثم انصرفت، فأعظم الله لأمير المؤمنين الصّنع والفتح عليه، وعلى الإسلام به وفيه. فلمّا أصبحت هاج الناس واختلفوا فى المخلوع: فمصدّق بقتله ومكذّب، وشاكّ وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشّبهة فى أمره، قمضيت برأسه لينظروا إليه، فيصحّ بعينهم، وينقطع بذلك بعل (٤) قلوبهم، ودخل (٥) التياث المستشرفين للفساد، والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم من فيها، وأعطى أهلها الطاعة، واستقام لأمير المؤمنين شرقىّ ما يلى مدينة السلام وغربيّه وأرباعه (٦) وأرباضه ونواحيه، وقد وضعت الحرب أوزارها، وتلافى بالسلام والإسلام أهله، وبعّد الله

стр. 1404

الدّغل (١) عنهم وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والسكون والدّعة والاستقامة والاغتباط والصّنع من الله جل وعز والخيرة والحمد لله على ذلك. فكتبت إلى أمير المؤمنين- حفظه الله- وليس قبلى داع إلى فتنة، ولا متحرك ولا ساع فى فساد، ولا أحد إلا سامع مطيع باخع (٢) حاضر، قد أذاقه الله حلاوة أمير المؤمنين، ودعة ولايته، فهو يتقلّب فى ظلّها، يغدو فى متجره ويروح فى معايشه، والله ولىّ ما صنع من ذلك، والمتمّم له، والمانّ بالزيادة فيه برحمته. وأنا أسأل الله أن يهنئ (٣) أمير المؤمنين نعمته، ويتابع له فيها مزيده، ويوزعه (٤) عليها شكره، وأن يجعل منّه لديه متواليا دائما متواصلا، حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة ولأوليائه وأنصار حقّه ولجماعة المسلمين، ببركته وبركة ولايته ويمن خلافته، إنه ولىّ ذلك منهم وفيّه، إنه سميع لطيف لما يشاء». وكتب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ١٩٨ هـ (تاريخ الطبرى ١٠: ٢٠٣) ٢٠٣ - كتاب طاهر بن الحسين إلى أبى عيسى بن الرشيد وروى الصّولى فى أدب الكتاب قال: وقال طاهر بن الحسين- وهو يحارب الأمين، وكان أبو عيسى بن الرشيد معه- لكتابه: اكتبوا إلى أبى عيسى كتابا تتقربون به إليه وتتباعدون، ولا تطمعوه ولا تؤيسوه، فقالوا: إن رأى الأمير أن يعلمنا كيف ذلك ويحدّه لنا، فقال اكتبوا: «بسم الله الرحمن الرحيم: حفظك الله وأبقاك وأمتع بك، وعزيز علىّ أن

стр. 1405

أكتب إلى صغير منكم أو كبير، بغير التأمير، وقد بلغنى عنك ممالأة (١) للمخلوع، فإن كان ذلك منك ميلا على أمير المؤمنين، فقليل ما أكاتبك به كثير، وإن كنت كما قال الله: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته». (أدب الكتاب ص ١٥١) *** وروى ابن عبد ربه فى العقد الفريد قال: وكتب طاهر بن الحسين حين أخذ بغداد إلى إبراهيم بن المهدى: «أما بعد، فإنه عزيز علىّ أن أكتب إلى أحد من بيت الخلافة بغير كلام الإمرة وسلامها، غير أنه بلغنى عنك أنك مائل الهوى والرأى للناكث المخلوع، فإن كان كما بلغنى فقليل ما كتبت به كثير لك، وإن يكن غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، وقد كتبت فى أسفل كتابى أبياتا فتدبّرها: ركوبك الهول ما لم تلق فرصته ... جهل رمى بك بالإقحام تغرير أهون بدنيا يصيب المخطئون بها ... حظّ المصيبين، والمغرور مغرور فازرع صوابا وخذ بالحزم حيطته ... فلن يذمّ لأهل الحزم تدبير فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به ... فأنت عند ذوى الألباب معذور وإن ظفرت على جهل ففزت به ... قالوا جهول أعانته المقادير (العقد الفريد ٢: ١٩٨) ٢٠٤ - كتاب السيدة زبيدة إلى المأمون ولما قتل الأمين كتبت أمّه السيده زبيدة (٢): لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل راق فوق أعواد منبر

стр. 1406

ووارث علم الأوّلين وفخرهم ... وللملك المأمون من أمّ جعفر كتبت، وعينى تستهلّ دموعها ... إليك ابن عمى من جفونى ومحجرى (١) وقد مسّنى ضرّ وذلّ كآبة ... وأرّق عينى يابن عمى تفكّرى أصبت بأدنى الناس منك قرابة ... ومن زال عن كبدى فقلّ تصبّرى وهمت لما لاقيت بعد مصابه ... فأمرى عظيم منكر حدّ منكر سأشكو الذى لاقيته بعد فقده ... إليك شكاة المستهام المقهّر (٢) وأرجو لما قد مرّ بى مذ فقدته ... فأنت لبثّى خير ربّ مغيّر (٣) أتى طاهر (لا طهّر الله طاهرا) ... فما طاهر فيما أتى بمطهّر فأبرزنى مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالى وأخرب (٤) آدرى يعزّ على هرون ما قد لقيته ... وما نالنى من ناقص الخلق أعور فإن كان ما أسدى بأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدّر تذكّر أمير المؤمنين قرابتى ... فديتك من ذى حرمة متذكّر فلما قرأ المأمون شعرها بكى ثم قال: اللهم إنى أقول كما قال أمير المؤمنين علىّ ابن أبى طالب كرم الله وجهه لمّا بلغه قتل عثمان «والله ما أمرت ولا رضيت» اللهم جلّل قلب طاهر حزنا. (تاريخ الطبرى ١٠: ٢١٣ ومروج الذهب ٢: ٣١٦) ٢٠٥ - كتاب السيدة زبيدة إلى المأمون وكتبت إلى المأمون أيضا تستعطفه: «كلّ ذنب يا أمير المؤمنين- وإن عظم- صغير فى جنب عفوك، وكل زلل

стр. 1407

- وإن جلّ- حقير عند صفحك، وذلك الذى عوّدك الله، فأطال مدّتك، وتمّم نعمتك، وأدام بك الخير، ورفع بك الشّرّ. هذه رقعة الواله (١) التى ترجوك فى الحياة لنوائب الدهر، وفى الممات لجميل الذّكر، فإن رأيت أن ترحم ضعفى واستكانتى (٢)، وقلّة حيلتى، وأن تصل رحمى، وتحتسب (٣) فيما جعلك الله طالبا، وفيه راغبا، فافعل، وتذكر (٤) من لو كان حيّا لكان شفيعى إليك». ٢٠٦ - رد المأمون عليها فكتب إليها المأمون: «وصلت رقعتك يا أمّاه، حاطك (٥) الله وتولّاك بالرّعاية، ووقفت عليها وساءنى- شهد الله- جميع ما أوضحت فيها، لكنّ الأقدار نافذة، والأحكام جارية، والأمور متصرّفة، والمخلوقون فى قبضتها لا يقدرون على دفاعها، والدنيا كلّها إلى شتات (٦) وكل حىّ إلى ممات، والغدر والبغى حتف الإنسان، والمكر راجع إلى صاحبه (٧)، وقد أمرت بردّ جميع ما أخذ لك، ولن تفقدى ممّن مضى إلى رحمة الله إلا وجهه، وأنا بعد ذلك على أكثر مما تختارين، والسلام».

стр. 1408

٢٠٧ - كتاب أحمد بن يوسف فى قتل الأمين وكان أول ما ارتفع به أحمد (١) بن يوسف الكاتب، أنه لما قتل الأمين أمر طاهر بن الحسين الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا، فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة فأحضره لذلك (٢) فكتب: «أما بعد. فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين فى النّسب واللّحمة (٣)، فقد فرّق حكم الكتاب والسنة بينه وبينه فى الولاية والحرمة، بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين، يقول الله فيما اقتصّ علينا من نبإ نوح

стр. 1409

وابنه «يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ» ولا صلة لأحد فى معصية الله ولا قطيعة ما كانت القطيعة فى ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين، وقد قتل الله المخلوع وردّاه رداء نكثه (١)، وأحصد (٢) لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من سابق وعده، فالأرض بأكنافها (٣) أوطأ مهاد لطاعته، وأتبع شىء لمشيئته، وقد وجّهت إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس المخلوع، وبالآخرة وهى البردة والقضيب. والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقه (٤) والكائد له من ختر (٥) عهده، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأحيا به أعلام الدين بعد دروسها (٦)، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته». (زهر الآداب ٢: ٣٨ وتاريخ الطبرى ١٠: ٢١٤ ومعجم الأدباء ٥: ١٦٧ وكتاب الوزراء والكتاب ص ٣٨٥) ٢٠٨ - رسالة الخميس لأحمد بن يوسف ومن رسائل أحمد بن يوسف رسالة الخميس (٧) التى كتبها للمأمون وكانت تقرأ بخراسان على شيعة بنى العباس، وهى:

стр. 1410

«من عبد الله الإمام (١) المأمون أمير المؤمنين إلى المبايعين على الحق، والناصرين للدين، من أهل خراسان وغيرهم من أهل الإسلام. سلام عليكم، فإن أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّى على محمد عبده ورسوله، أما بعد: فالحمد لله القادر القاهر، الباعث الوارث، ذى العزّ والسلطان، والنور والبرهان، فاطر (٢) السموات والأرض وما بينهما، والمتقدّم بالمنّ والطّول على أهلهما، قبل استحقاقهم لمثوبته بالمحافظة على شرائع طاعته، الذى جعل ما أودع عباده من نعمته، دليلا هاديا لهم إلى معرفته، بما أفادهم من الألباب التى يفهمون بها فصل الخطاب، حتى أقيموا على موارد الاختبار، وتعقّبوا مصادر الاعتبار، وحكموا على ما بطن بما ظهر، وعلى ما غاب بما حضر، واستدلّوا بما أراهم من بالغ حكمته، ومتقن صنعته، وحاجة متزايل (٣) خلقه ومتواصله إلى القوم (٤) بما يلمّه ويصلحه، على أن له بارئا هو أنشأه وابتدأه ويسّر بعضه لبعض، فكان أقرب وجودهم

стр. 1411

ما يباشرون من أنفسهم فى تصرّف أحوالهم، وفنون انتقالهم، وما تظهرون عليه من العجز عن التأتّى (١) لما تكاملت به قواهم، وتمّت به أدواتهم، مع أثر تدبير الله وتقديره فيهم، حتى صاروا إلى الخلقة المحكمة، والصورة المعجبة، ليس لهم فى شىء منها تلطّف يتيمّمونه، ولا مقصد يعتمدونه من أنفسهم، فإنه قال تعالى ذكره «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» ثم ما يتفكّرون فيه من خلق السموات، وما يجرى فيها من الشمس والقمر والنجوم مسخّرات، على مسير [لا يثبت العالم إلا به]: من تصاريف الأزمنة التى بها صلاح الحرث والنّسل، وإحياء الأرض، ولقاح النبات والأشجار، وتعاور (٢) الليل والنهار، ومرّ الأيام والشهور والسنين التى تحصى بها الأوقات، ثم ما يوجد من دلائل التركيب فى طبقات السّقف المرفوع، والمهاد الموضوع، [باختلاف] أجزائه والثئامها، وخرق الأنهار، وإرساء الجبال، ومن البيان الشاهد على ما أخبر الله به من إنشائه الخلق، وحدوثه، بعد أن لم يكن، مترقّيا فى النّماء، وثباته إلى أجله فى البقاء، ثم محاره (٣) منقضيا إلى غاية الفناء، ولو لم يكن له مفتتح عدد، ولا منقطع أمد، ما ازداد بنشوء، ولا تحيفّه (٤) [نقصان] ولا تفاوت على الأزمان، ثم ما يوجد عليه منفعته من ثبات بعضه لبعض، وقوام كل شىء منه بما يسّر له، فى بدء استمداده، إلى منتهى نفاده، كما احتج الله على خلقه فقال: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» وقال : «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ. وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ» وكلّ ما تقدّم من الأخبار عن آيات الله ودلالاته فى سمواته التى بنى، وأطباق الأرض التى دحا (٥)، وآثار صنعه

стр. 1412

فيما برأ وذرأ (١) ثابت فى فطر العقول، حتى يستجرّ أولى الزّيغ ما يدخلون على أنفسهم من الشّبهة فيما يجعلون له من الأضداد والأنداد، جلّ عما يشركون، ولولا توحّده بالتدبير عن كل معين وظهير (٢)، لكان الشركاء جدراء أن تختلف بهم إرادتهم [فيما يخلقون] ولم يكن التخلّف فيه من إثباته وإزالته ليخلو من أحد وجهيه، وأيهما كان فيه فالعجز والنقص مما أتاه وبرأه، جلّ البديع خالق الخلق ومالك الأمر عن ذلك، وتعالى علوّا كبيرا، كما قال سبحانه: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ» ثم من عظيم نعمة الله على خلقه افتقاده (٣) إياهم، ثم يسدّدهم ويدلّهم على منافعهم، ويجنّبهم مضارّهم، ويهديهم لما فيه صلاحهم، ويرغّبهم فى المحافظة على التمسّك بدين الله الذى جعله عصمة لهم، وحاجزا بينهم. ولولا ما تقدّم به من تلافيهم (٤) واستدراكهم بفضل رحمته لاجتاحهم (٥) التّلف لقصور معرفتهم عن التأتّى لأقواتهم ومعايشهم، ولم يكونوا ليقتصروا على حظوظهم وأقسامهم عما بنوا عليه من الجمع والرغبة، ولتهالكوا ببغى بعضهم على بعض، وعدوان قويّهم على ضعيفهم، ولكنه بعد تعريفه إياهم ملك قدرته، وجلالة عزّته، بعث إليهم أنبياءه ورسله مبشّرين ومنذرين بالآيات التى لا تنالها أيدى المخلوقين، فرضوا بما قسط بينهم، وارتدعوا عن التباغى والتظالم، لما وعدوا من الثواب الجسيم، وخوّفوا من العقاب الأليم، ولم يكونوا ليطيعوا أمرا لآمر، ولا نهيا لناه، إلّا بحجّة يتبيّن بها [الحقّ] لمن خالفه من المبطلين، وتخويف يتّقون به مقارفة (٦) ما حرّ [م عليهم]، ورجاء يتجشمون له مئونة ما تعبّدوا به، فافتتح الله بأبيهم آدم ﵇،

стр. 1413

فعلّمه الأسماء كلّها، وأمر الملائكة بالسجود له كما افتص فى وحيه المنزل- وكرّم ولده وفضّلهم، فقال جلّ وعزّ: «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا» وجعل ما فطرهم عليه من العطف على ذراريّهم وأبنائهم سببا لما أراد من بقائهم وتناسلهم، وما اختصّهم به من العلم والفهم حجّة عليهم، ليمتحن طاعتهم، ويبلوهم (١) أيّهم أحسن عملا. ولم تزل رسل الله إلى خلقه تترى (٢) بالنور الساطع، والبرهان القاطع، لا يجدون لما يوردون عليهم من الحق القاهر مردّا ولا مدفعا، لقول الله : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» فلم يجد المكذّبون مساغا (٣) إلى دفع ما أقيم عليهم من لازم الحجة إلا المعاندة والمجاحدة، وكان أنبياء الله صلوات الله عليهم يبعثون فى أعصار الحقب (٤) نذرا للأمم، حتّى ختمهم الله بالنبىّ الأمّىّ محمد ﷺ ، فبعثه فردا وحيدا لا عاضد له ولا رافد (٥)، إلى قوم يعبدون أصناما بكما، وحجارة صمّا، فكذّب به القوم الذين بعث فيهم أول ما دعاهم، ورامه ملوك أقطار البلاد بتوجيه الأجناد، ومرافدة القوة والعتاد (٦)، وبغى الغوائل، ونصبت له الحبائل، وهو يدعو إلى سبيل ربه بما أمره به إذ يقول تعالى: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» ثم جاهد بمن أطاعه من عصاه، وبمن اتّبعه من خالفه، حتى أعزّ الله كلمته، وأظهر دعوته، وأكمل لعباده دينهم الذى ارتضى لهم، فلما اختار الله له ما لديه، واختصّه بما عنده، من النعيم

стр. 1414

المقيم، والجزاء الكريم، بعد استقامة الدين ودخول الناس فيه أفواجا (١)، خلفه- إذ ختم به الأنبياء- بالبررة النجباء من أدانيه ولحمته (٢)، لإقامة الشرائع المفترضة، وإنفاذ حكم الله المنزّل، واقتفاء السّنّة المأثورة، وحفظا له فى قرابته، ومجيبى دعوته وإتماما لما أوجب له من الفضيلة، وقريب الوسيلة، وإنجازا لما وعده من إظهار ما بعثه به، من دينه الذى اصطفاه وارتضاه. وكان اختيار أولى الفضل من لحمته وعصبته لإرث خلافته، من عظيم الزّلف (٣) التى رغب إلى الله فيها أنبياؤه، فيما اقتصّ فى منزل وحيه (٤)، واختصّ ﵎ نبيّه ﷺ بما أمره به من مسألة أمّته تصيير مودّته فى القربى، جزاءه ممّن تبعه على الرسالة، وهداه من الضلالة، فكانت فضيلتهم عزيمة من الله ، دون طلب رسول الله ﷺ ، ألزمه تأديته إلى خلقه. وألزمهم أداءه، فقال : «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» ودلّ بما أخبر به وأظهره من تطهيره إياهم، وإذهابه الرّجس (٥) عنهم على اصطفائه لهم، فقال تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» وكان مما أوجب لهم به حقّ الوراثة فى محكم تنزيله قوله تعالى «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ» * ثم قرن طاعتهم بطاعته فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» وأحبّهم من النّباهة والصّيت، بالمحلّ الذى أعلى به أمرهم، ورفع به ذكرهم، لما أحبّ من التبيين فى الدلالة عليهم، والهداية إليهم، فإنه يقول : «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ»،

стр. 1415

ولو كان الأئمة المقلّدون أمر عباده خاملة أنسابهم، متقطعة أسبابهم، غير مخصوصين بفضيلة يرونهم بها دون غيرهم لم تعد طلبتهم وعقد الخلافة لهم، أن تكون من مفترضاته على كافّة الأمة، أو على بعض دون بعض، فإن كان لأهل الشرق والغرب من ذوى النقص والكمال أن يختاروا لأنفسهم، فليس فى اجتماع آرائهم مع تفرّقهم واختلافهم طمع آخر أيام الدهر، وإن كان إلى خاصّة دون عامّة، فستحتاج العامّة من طلب معرفة تلك الحال، إلى مثل ما احتاجوا إليه فى أئمتهم إذ لم يكن أهل الارتياب والطلب من أعلام الآفاق، ليتواطئوا على اتفاق، لنفاد آجالهم قبل بلوغهم غاية الاجتهاد فى الفحص والتكشيف، وحاجتهم إلى اختيار البلدان، وتمحيص أولى الفضائل بالامتحان، وما [هو] خاف عليهم من الشّبه فى اختيارهم، والاختلاف فيمن عسوا أن يجتبوه (١) ويقدّموه، حتى تتهالك الرعية، بتظالمها بينها، وبطرق من يليها من الأمم إياها إذ لا ذائد عنها ولا محامى، فإذا ألزمت الأمة الحاجة إلى نصب الحكّام لإقامة الدين، وتقسيط الحقوق بين المسلمين، ومجاهدة عدوّهم من المشركين، لم يكن لهم فى الإمامة عليهم مجاز إلى التخلص إليهم، ولا ريب عند المعرفة برأفة الله ورحمته، ولطفه وحكمه، فى دفعه عن عباده ما لم يجعل فى حيلتهم له وسعا، ولا فى حيلتهم له دركا، وكفايته إياهم ما يعجزهم من البحث والتنقيب عن ولاة أمرهم، بنصبه إياهم، وما رفعهم إليه من الدرجة التى أعلاها وأسناها (٢)، إذ وصل نسبهم برسول الله ﷺ ، وافترض مودّتهم على خلقه، ولم يشنهم (٣) جهلهم للغرض الذى ألزمهم له، ولم يجب عليهم فرض فى معرفة من سواهم، ولم يزل سياق أئمة الهدى مطّردا، ونظامهم متّصلا، يتلقاه كابر عن كابر، ويؤدّيه أوّل إلى آخر، حتى تناهى إلى أمير المؤمنين، وهو حالّ دار دعوته، وبين أنصاره من أهل

стр. 1416

خراسان، فنظر به خيرهم، وعرفوا ما تصرّفت به أحوالهم، وظهر لهم من بيان حجّته على من نازعه فى الأمر، وشاهدوا من إبلاغه فى العذر، واستظهاره بالتأنّى والصبر، ما أزاح عنهم الشّبهة، وكشط (١) الحيرة، حتى استراثوا (٢) نهوضه بحقه، وخافوا الزّيغ على أديانهم فيما أعطوه من صفقة أيمانهم، وهو ماض على عادته، مستديم للموادعة، متلوّم (٣) على المراجعة، بالغ غاية ما وسعه من الرّخصة فى دفع الولاية التى نهنه (٤) بها الرعية، حتى ضاق عليه فى دينه ترك القيام بما أنهضه الله به من ثقلها، وقلّده من حملها، وخان المخلوع فابتغاه بالشّرّة والعزّة، فتناول أولياء الحق باغيا طاغيا، لما أراد الله من تأييدهم (٥) عليه بالبيان والحجّة التى وجب (٦) لها قلبه، وفتّ بها فى عضده (٧)، وقبل الله ما أيّدكم به (٨) من النصر والغلبة فيه التى جعلها الله للمتقين، فاجتمع لكم معشر أهل خراسان فى دولة أمير المؤمنين ثلاث خلال اختصّكم الله بفضيلتها، وسنىّ (٩) مراتبها، دون ثلاث شملتكم وغيركم: أمّا الأولى من اللواتى خصّكم الله بهن، فما تقدّم لأسلافكم من نصرة أهل بيت [النبى] وخاتم ميراثه من آباء أمير المؤمنين. وأمّا الثانية فما آثركم الله به من نصرته فى دعوته الثانية. وأما الثالثة فما تقدّمتم به من صحة ضمائركم، ومحض (١٠) مناصحتكم. وأما الثلاث اللواتى هن لكم ولغيركم: فمنهن: ما أكّد الله لأمير المؤمنين فى أعناق المسلمين، من العهد الذى أخذ إصره (١١)، وألهمهم الوفاء به، والتمسّك بوثائق عصمته، عند محاولة المخلوع ما حاول

стр. 1417

من الإعلان بالرّدّة، والتمس من تبديل معالم الدين وتعفية آثاره، فلم يلف الرّعية سدى مهملين، لا جامع لأمرهم، ولا ضامّ لنشرهم. ومنهن: ما أفادكم الله وإياهم من العبر، عند حلول الغير (١)، بمن غدر وختر (٢)، تذكرة لأولى النّهى، وحجّة بالغة على من أدبر وتولّى، ليهتدى متحيّر، ويتّعظ مزدجر «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ». ومنهن: اجتماع أهل الفضل من المسلمين ممّن لم يكن له نصر ولا أزر (٣) فى الدعوة الأولى، على المشايعة فى الدعوة الثانية، فأصبح دعاة أمير المؤمنين- من أهل الحرمين والمصرين (٤) ومدينة السلام والمشرق والمغرب، ممّن غار وأنجد (٥) من المتمسّكين بذممهم، الموفين بنذورهم، من إخوانكم، وإن كان الله قد قدّمكم فى الأمرين جميعا بتفوّق حالكم على غيركم- يعتدّون من معاضدتكم ومكانفتكم (٦) بما جعله الله ألفة لكم، ومودّة بينكم، يبيد بها ما كان الشيطان ينزغ (٧) به بين أهل التباعد فى الأنساب، والتنائى فى الأوطان، من إيقاع العداوة والبغضاء، والانطواء على الأحقاد والدّمن (٨)، وطلب تقديم الإحن (٩)، وصار أهل النموّ إلى الدرجة العليا، والاعتصام بالعروة الوثقى، من أولياء أمير المؤمنين، وشيعته، منشرحة صدورهم بمكانفته، منبسطة أيديهم بمعاونته على حقه، منفسحة آمالهم فى إذكاء (١٠) ناره على

стр. 1418

عدوه والإثخان فى بلاده وافتتاح ممتنع حصونه، بما جمعهم الله عليه من الألفة، ورفع عنهم من الحميّة (١) والعصبيّة، راجين عودتهم إلى أحسن ما مضى عليه سلفهم فى عهد نبيه ﷺ ، من سلامة الصدور، وصلاح ذات البين، واجتماع القوى على مجاهدة من شاقّهم (٢)، قد أفرخ الله عنهم نغر (٣) التجارب والتجاذب، وجعل ما كان يسعى به بعضهم من الإعداد لبعض، زيادة فى ريحهم (٤)، وحدّا فى شوكتهم، لائتلافهم فى دولة أمير المؤمنين المجدودة (٥) المؤيّدة بصدق الضمائر، ونفاذ البصائر، وإلى الله يرغب أمير المؤمنين فى إعانته على صالح نيته، وتبليغه منتهى سؤله، وغاية همته، فى إعزاز دينه، وإذلال من صدّ عن سبيله، إنه سميع قريب. ومن أقوى الأسباب إلى استدعاء الشكر على النعمة تذكّر ما كانت عليه الحال قبلها، فاستديموا الإفاضة فيما رفع الله من خساستكم، وأعلي من أقداركم، بنصرة أهل بيت نبيكم ﷺ ، وما أبلاكم الله فى الدعوة الأولى، مما لا يؤدّى حقّه إلّا بعون الله وتوفيقه، فإنه ارتاح لهم (٦) بلطفه وتوفيقه، فأنالهم رغائب الأقسام، وسنىّ الحظوات، ورفع درجهم ودرج خلوفهم وأعقابهم من بعدهم، بعد إذ هم مستضعفون يخافون أن يتخطّفهم الناس، مذعنون بقهر عدوهم واستئثاره عليهم، ثم لم يلبثوا أن صاروا إلى الحال التى يرونهم بها من الغبطة والبهجة، إلا أنهم أخذوها بحقّها، وكانت فى أيدى الظّلمة من أهل بيت اللّعنة وأتباعهم، بخلسة الباطل، ومحنة الابتلاء «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ». وليس أحد منكم بخارج من المحنة بما ألبس من النعمة، وإن كنتم أهلها

стр. 1419

الآخذين لها بحقّها، بل الذى يلزمكم استدامتها والقيام بحفظها، على حسب ما أولاكم الله منها، فربما كان الذى يعقب أهلها من الغفلة والاغترار، ويلهيهم بها من حبورها (١) وسرورها، أعظم إثما وحوبا (٢) مما يخاف على أهل البطالة والضرّ، من ضعف العزم، وقلة الصبر، لما يستولى عليهم من استكانة الذّلّة، والاغترار بالتقصير، والفزع إلى ربهم فى تنفيس كربهم، فإنه ﵎ قد وصف أهل الطبقتين فقال: «وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ» فحاجتكم- إذ أنجح الله سعيكم، وأظفركم بطلبتكم- إلى حياطة ما أودعكم الله من مننه، وحراسة ما آتاكم الله من فضله بالشكر الممترى (٣) للمزيد. فتعهّدوا- معشر شيعة أمير المؤمنين- أنفسكم بتذكّر ما سهّل الله لكم من الحزونة (٤)، وذلّل لكم من الصّعوبة، وحكم لكم به من النصر، على مرّاق (٥) الملّة، ومخالفى أهل القبلة، وأباحكم من ديارهم وأموالهم، فأصبحتم- بمنّ الله عليكم- حماة الدين، وأنصار الأئمة الراشدين، وحصون كافّة المسلمين، بعد ما اجتثّ (٦) الله بكم قرون النفاق، وأبار بكم صناديد الضّلالة، وشرّد بمن لم تستحمله سيوفكم، وأضرع (٧) إليكم من أذعن واستسلم، وقد استشرفكم (٨) - معشر شيعة أمير المؤمنين- أهل الشّنآن، ولا حظوكم بأعين الحسد والمنافسة، فبين ذلك مجهر معالن (٩)، ومستسرّ مداهن، وداخل فى عدادكم، ووالج فى سوادكم (١٠)، يرى أمنه بين ظهوركم، فطعنه عليكم

стр. 1420

فى دولتكم بريبة التمويه، وخدع التشبيه، أيسر عليه كلفة، وأعظم فيكم جرحا ونكاية، فتوقّوا هذه الطبقة أشدّ التوقّى، فإن أكثر من يلجأ إلى استباحة الحيلة، من عجز عن المباداة (١) والإصحار، وعند ظهور الحازم وغلبته يحترز من لطيف الخدع، وخفىّ الاستدراج. واحذروا- معشر شيعة أمير المؤمنين- من استمهال الطّاءة (٢)، والركون إلى راحة الدّعة، ما قد رأيتم وباله عاد على أهله، وأورثتهم عواقبه طول الندم والحسرة، فإنكم قد كنتم فى حال المراقبة لعدوّكم، والخوف لبائقته (٣)، متيقّظين متحفّظين لما كان يرومكم به من ختله (٤) وحيله، ثم أفضيتم إلى الحجّ، وقد جهدكم السعى، ومسّكم النّصب، وسيلقى الشيطان فى أمانيّكم أن قد اكتفيتم بسالف ما قاسيتم، ويجد من ضعف العزائم معينا داعيا إلى اعتنام الخفض، والإحلاد إلى الأرض، ما لم تعتصموا بما عاينتم من الاعتبار، وتمتثلوا مواضى الآثار فيمن سلف من القرون الخالية، وما أفضت به إليه الغرّة من زوال النعم، ووقوع الغير، فإن جميع ما خوّلكم الله وأفادكم مرتهن بما ألزمكم من حياطته واستمائه، فقد وجبت عليكم الحجّة بما حضّكم الله عليه، وعظمت عليكم المنّة بما هداكم إليه، وأراكم من آياته ومثلاته (٥) فيمن خلا قبلكم، ما فيه أبلغ الإعذار والإنذار لكم، ومن اجتمع له اقتناء صواب من تقدّمه، إلى ما ينبعث من نفسه، فكأنّه قد اختبر بالتجربة، مع استمداده بما يستفيد ويستزيد ما يفتح لبّه ورأيه. وايقنوا أنكم لن تصلوا إلى من

стр. 1421

سواكم، ممن هو أعسر طاعة عليكم، وأعذر بمعصيتكم، حتى تبدءوا باستصلاح أنفسكم، وأنه لن يرجى لكم القوة على مجاهدة عدوكم، حتى تقووا على مجاهدة أهوائكم، فإن على كل امرئ ريبة من أمره، وغطاء من غيبه، لا يكشفه إلا صحة المعرفة والإذعان بالنّصفة (١)، فهناك يؤمن عليه الجهل والمعاندة، وإذا أمنت هاتان الخلّتان انسدّت بإذن الله ثلم الآفات، وفتوق المكاره، فإنه لا يخاف الضلال على من اهتدى. ولا اعتماد الجور على من انتصف من هوى. وليكن أول ما تتعهّدون به أنفسكم، وتثابرون عليه من صالح أدبكم، تناصف الحقّ بينكم، بتقديم أهل الفضائل والآثار المحمودة منكم، وتفخيم أمرهم، فقد علمتم أن منكم المبرّز (٢) الفائت الذى لا يدرك شأوه، ولا يوازى بلاؤه، حين كشف الإبلاء ضمائر القلوب، وجلا مشتبهات الظّنون، فصرّح بالمحاربة بعد التقدّم فى الحجة، وفاء بمؤكّد العهد، وركوبا منه لهائل الخطر، غير هائب مع صحبة الحق، ما برق لديه الناكث المخلوع ورعد، ولا مستوحش فيما تفرّد به إلى من تولّى وأدبر، حتى أتى الغاية التى أجرى إليها فى الله ، ولخليفته، ثم لرؤسائكم من أهل المشايعة والمكانفة والنّصرة والحظّ الجزيل والأثر المبين، ثوابهم واجب، وحقّهم لازم، ثم منكم من يحفظ لسلفه وأوّله من الآباء الذين يحفظون ولايتهم، فإن الله يقول فى ذكر اليتيمين: «وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» وقال على لسان يعقوب لابنه يوسف «وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».

стр. 1422

وأمير المؤمنين يرى توريث الحكمة والذّمام (١) سنّة عليه فى أخلاقه التى يرعاها ويحافظ عليها، كما أنه يرى وراثة التّركة فريضة واجبة، فيخلف السّلف الصالح عنده فى المزيّة والفضل من يتلون به من أهل الغناء (٢) بأنفسهم، ثم يتلوهم من اقتدى بهم واهتدى بهديهم، والسابق المتقدّم من اعتدّ ببلاء نفسه إلى بلاء سلفه، ثم يتبعه بعد المبلى بنفسه، ثم يتلوهما المتوسّل بآبائه، ثم الصاعد به هواه ورأيه، طبقة فطبقة، فليقصر كلّ امرئ منكم على المرتبة التى أحلّه بها سعيه، وليسلك إلى الازدياد فيها بالزيادة من نفسه، فإن من الفتوق العظيمة على أهل الدول ما ينزغ به الشيطان بينهم ويكثر عندهم ما يكون منه، فيوافق من الحيف للأنفس ما يجد به مساغا إلى ما يروم من إبقاع الشّحناء بينهم، وتثبيت الإحن فى صدورهم، بعد التآزر والتناصر. ومتى يجمع المرء لمزيّة من فوقه واغتباط من دونه، كفى ما ترك، ولن تخلص نيّاتكم، وتسلم ضمائركم حتى تمحضوا (٣) شكر ما أوليه إخوانكم، وتعتدّوا ما نالهم شاملا لكم، وتجانبوا طريقة من اقتصر بأمنيّته على خاصّته، وتعتّب فيما أوثر به أهل الفضل دونه، وكفى عظة فيما نهاكم الله عنه من ذلك، يقول الله : «وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً» ولا يلتمسنّ أحد مودّته عن سوء نيّة بحسن مداراة فى ظاهر، فإنّ الله مقلّد كلّ امرئ ربقة (٤) عمله، ومطوّقه طوق سريرته، ولا يغدرنّ فيما يلزمه لإمامه، فإنه إنما يغدر فى حظّه، ويبخس قسمه، وينحس (٥) نفسه، ثم لا يقتصرنّ على استصلاحها حتى يتناول من

стр. 1423

كانت منّته عليه من أقربيه وحشويّه (١)، فإنّ يسير ما هو معان من تأديتهم، لا ينشب أن يتجاوز أدنى المراتب إلى أقاصيها، وقريبها إلى منتاهيها، حتى يستفيض شاملا عامّا، بعد أن بدا محلّلا (٢) خاصّا. واعلموا أن أمير المؤمنين متفقّد من تثقيفكم وتقويمكم على صالح الأدب، ومحمود السّيرة، ما لا يتفقّد به من سواكم، فإنه إن كان يوحب على نفسه استصلاح الرعية، وحملهم على ما فيه رشدهم وقوامهم، لما يلزمه من فضل العناية بالأخصّ والأولى فالأولى، فإن فى إخلائكم من التقديم فى التأديب والتعهّد وجوها من الضرر، منها: أنكم أولى بحسن الطاعة وسرعة الإجابة، للطف محلّكم، وقرب مكانكم عند أمير المؤمنين. ومنها: أنكم يأنس بكم المؤتمّون، ويقتدى بكم التابعون، فمتى قصّرتم وأخللتم، اقتفى أثركم من نصبتم له أعلاما، ثم لم يكن لكم أن تزروا (٣) عليه، ولا أن تأخذوا فوق يده، بل كان قمينا (٤) أن يكون يسومكم الرّضا بمثل ما سمتموه، ثم تجرى هذه العادة فى الطّبقات، حتى يطّرد السّياق، إلى أن يستفيض الفساد فى حشو الناس وعامّتهم، فلا تغنى قوة ولا حزم ولا شدّة إلا العجز والإضاعة، ثم يجد الأعداء مساغا إلى الطعن والعيب، فلا يملكون أن يرهقوكم (٥)، ويستولى عليكم الفشل، فإن الأيدى إنما تبسط بنفاذ العزائم، والعزائم إنما تنفذ بثبات الحجّة، والحجة إنما تثبت إذا كانت عن الحق، وإذا أضيع أوّل هذه الرسوم التى رسم لكم أمير المؤمنين

стр. 1424

تبعته تواليه، وشفعته لواحقه، ووجد العدوّ الملاحظ مكان العورة، مطمعا فى إهمال ما كان يعدّ له من الغرّة، ويتوفّق به من مناهزة الفرصة. وليكن ما تفيضون فيه وتعدّونه ظهيرا على طاعن إن طعن فى دولتكم، ما ألهم الله أمير المؤمنين من شمول رعيّته بالعدل، وفرش (١) الأمر فى مضمراتها ومنقلبها، ورفع به عنهم من سير الجود (٢)، وبسط به يده من إثابة أهل البلاء، وتغمّد (٣) الجرائم لأولى الزّلل، والإبلاغ فى دعاء من عاند وشاقّ إلى التوبة والإنابة، وإقالة العثرة بعد القدرة، والحقن لمباح الدماء، فلم تعلموه صبر محلّا (٤) ولا هتك لأحد ممن أظفره الله به سترا، ولا وقفه على عورة. ثم تولّى الله أمير المؤمنين فى حروبه شرقا وغربا، التى أغناه الله عن الإطناب فى وصف صنع الله لكم فيها، لاستفاضة أخبارها فى دهمائكم (٥)، مع ما أحبّ من مطالعته إياكم ببالغ أدبه، وشافى عطفه، أن يتنكب (٦) عن الإسهاب، فى غير ما صمد (٧) له، ورأى من تقريع أسماعكم وأذهانكم، لوعى ما التمس أن تعوه، من تبصيركم حظّكم، وتنبيهكم على رشدكم، وحسب أمير المؤمنين فى نفسه وفيكم الله، وكفى به مبينا. وإن أمير المؤمنين- مع ما تقدّم به إليكم- لعلى ثقة من حياطة الله خلافته التى جعلها عزا لدينه، وقواما لخلقه، وأنه ليس بها ممن أدبر عن حقها اختلال، بل من خلع ربقتها وأضاع حظّه منها، جلب الخلّة (٨) والحاجة وحسران الدنيا والآخرة، وإنما أتى المقصّرون فى إعظام حقها، من ضعف الرويّة عن بلوغ ما تفضى بهم إليه مصادر

стр. 1425

العواقب، وتؤدّيهم إليه رواجع ما قدّموا، فلا يكونون بعملهم متجاوزين لهممهم- وفيهم الذى هم فيه- إلى ما يمنعهم (١). واستديموا معشر المسلمين سابغ النعمة، بحمد موليها والمتطوّل بها، وقد ترون ما كنتم فيه قبلها، وما آلت إليه حال من سلبها، ثم يعقب الندامة حين لا مستعتب (٢) ولا نظرة يمكن فيها استقالة الفارط بتقصير ولا هفوة زلل، وثقوا من رعاية أمير المؤمنين محمود آثاركم، وما مضى من بلاء كلّ امرىء منكم، بما تطمئنون إليه، وتتوقعون عادته، بأسنى ما ترتفع إليه آمالكم، وتسمو إليه هممكم، إلى ما يدّخر الله لمن تمسّك بهداه، واعتصم بتقواه، وجاهد عن حقه، وافيا بأمر عهده، من جزيل ثوابه، وكريم مآبه، إلى الدار التى هى أكبر درجات وأكبر تفضيلا. أحبّ أمير المؤمنين أن يتعهّدكم بعظة تنبّهكم على حظّكم، وتثبّت من بصائركم وتقطع من طمع الشيطان وحزبه فيكم، لما يجب عليه إرشادكم، ويرجو من تأدية حق منّ الله فيكم، ولما يرى من اتصالكم بحبله، وما يشمله من الصنيع فيما ولّاكم الله به، وتولاه لكم. وأمير المؤمنين يسأل الله الذى دلّ على الدعاء تطوّلا، وتكفّل بالإجابة حتما، فقال : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» أن يجمع على رضاه ألفتكم، وأن يصل على الطاعة حبلكم، وأن يمتّعكم بأحسن ما أودعكم من مننه، ويوزعكم (٣) عليها من شكره، ما يواصل لكم مزيده، وأن يكفيكم كيد الكافرين، وحسد الباغين، ويحفظ أمير المؤمنين فيكم بأفضل ما حفظ به «إمام هدى» فى أوليائه وشيعته، ويحمل عنه ثقل ما حمّله منكم. وبالله يستعين أمير المؤمنين على ما ينوى من جزائكم بالحسنى،

стр. 1426

وحملكم على الطريقة المثلى، وبه يرضى ناصرا ووليّا، وكفى بالله وليا، وكفى بالله نصيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته». (المنظوم والمنثور ١٢: ١٧٣) ٢٠٩ - تحميد لأحمد بن يوسف إلى الولاة عن الخليفة «أما بعد، فالحمد لله ذى المنن الظاهرة والحجج القاهرة، الذى قطع بينه وبين عباده المعذرة، ورادف عليهم البيّنة، ومهلة النّظرة (١)، وجعل ما آتاهم من حظوظ الدنيا بالقسم والمكتوب، وما ذخر لهم من ثواب الآخرة بالنّجح المطلوب، فهم فى العاجلة شركاء فى النعمة، وفى الآجلة شتّى فى الرحمة يختص بها أهلها المنتفعين بما ضرب لهم من الأمثال، وتصريف الحال بعد الحال، المبادرين بأعمالهم إلى انقضاء مدد آجالهم، قبل حلول ما يتوقّع، وفوت ما لا يرتجع». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٦٩) ٢١٠ - تحميد لأحمد بن يوسف ولأحمد بن يوسف عن ذى الرياستين إلى إبراهيم بن اسمعيل بن داود صدر فتح. «أما بعد، فالحمد لله الذى حفظ من دينه ما ضيّع الملحدون، ورأب (٢) منه ما [ثلمته] الصّدعة، وأعاد من حبله (٣) ما حاولوا نقصه حتى أعاد لعباده أحسن ألفتهم، وردّ إليهم أجمل عودهم، من الاستشلاء (٤) بعد التردّى فى قحم المعاطب والاستنقاذ بعد التوريط فى المهالك، وبلّغ خليفته القائم بحقّه، المؤتمّ بكتابه، الذائد (٥) عن حريم

стр. 1427

الدين، وميراث النبيين، أجزل ما بلّغ الخلفاء الراشدين المهديّين، من إعلاء الكلمة، وغلبة الأعداء، والفوز بالعاقبة التى وعدها المتقين، وفرّغه لما أشعر قلبه، وشرح له صدره، من إمضاء حكم الفرائض الموجبة، واقتفاء السّنن الهادية، حيث سلك به من المناهج، حمدا يوازى نعمه، ويبلغ أداء شكره، ويوجب مزيده. والحمد لله على ما خصّنا به من إعلاء الدرجة، وإسناء (١) الرّتبة، فى مشايعة أمير المؤمنين- أيّده الله- والمجاهدة عن حقه، والوفاء لله بما عقده له، لا نريد بما كان منا إلّا وجهه، ولا نسعى فيه إلا لرضاه، حمدا لا يحصى عدده، ولا ينقطع أمده». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٤) ٢١١ - تحميد لأحمد بن يوسف فى فتح السند «الحمد لله ولىّ الحمد، وأهل الثناء والمجد، خالق الخلق ومدبّر الأمر، المسبغ (٢) على عباده، والموجب عليهم حجّته، فليسوا يرجون إلّا سعة فضله، ولا يحذرون إلا ما اجترحوا (٣) من معصيته، لما سبق من جزيل إحسانه، وتظاهر (٤) من امتنانه، وتقدّم به الإعذار والإنذار اللذان لا يستخفّ بما عظم منهما إلّا من استحوذ (٥) عليه الشيطان، واستولى عليه الخذلان، وقاده الحين (٦) إلى موارد الهلكة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٣) ٢١٢ - تحميد لكاتب خزيمة بن خازم فى فتح الصنارية (٧) «أما بعد، فالحمد لله ذى الملكوت والقدرة، والجبروت والعزّة، والسلطان

стр. 1428

والقوة، أهل المحامد كلّها، ومدبّر الأمور ووليّها، وخالق الخلائق وبارئها، ومميتها ومحييها، وباعثها ووارثها، الذى أوجب على نفسه بما نفذ من مشيئته، وسبق من علمه، وثبّت فى اللوح المحفوظ عنده إعزاز دينه، وإظهار حقه، وإعلاء كلمته، وإبلاج (١) حجّته، وإزهاق باطل أعدائه، الصادفين (٢) عن طاعته، والجاحدين لربوبيّته، المكذّبين بكتبه ورسله، بلغ بذلك أمره، ونطق به كتابه، فإنه يقول تبارك اسمه فى المنزل من فرقانه: «بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٦٩) ٢١٣ - كتاب للفضل بن سهل ووجّه الفضل بن سهل إلى رجل بجائزة، وكتب إليه: «قد وجّهت إليك بجائزة، لا أعظمها تكثّرا، ولا أقلّلها تجبّرا، ولا أقطع لك بعدها رجاء، ولا أستثيبك عليها ثناء، والسلام». (تاريخ بغداد للخطيب البغدادى ١٢: ٣٤٢) ٢١٤ - كتاب إبراهيم بن إسماعيل بن داود إلى ذى الرياستين وكتب إبراهيم (٣) بن إسماعيل بن داود إلى ذى الرّياستين: «وصل إلىّ كتابك بخطّ يدك المباركة، فلم أر قليلا أجمع، ولا إيجازا أكفأ من إطناب، ولا اختصارا أبلغ فى معرفة وفهم منه، وما رأيت كتابا على وجازته أحاط بما أحاط، وضربت ظنّى فى فلان فعظّم ذلك سرورى، وقد يستعطف الظالم،

стр. 1429

ويستعتب المتجنّى (١)، وفى رفقك وعلمك بالأمور ما يصلح الفاسد، ويذلّل الصعب، ويقبل المدبر، ولا يمنعنّك جور من جار عليك، من الاعتقاد فى الحجّة عليه، والأخذ بالثّقة فى أمره، فإن الله لم يجعل عليك فى ذلك منقصة ولا غضاضة، بل فيه الإعذار والإنذار والاستبصار وقضاء حاجة النفس، مع التأدية إلى السلامة، والأمن من الندامة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٢) ٢١٥ - كتاب إبراهيم بن إسماعيل إلى على بن الهيثم وكتب إبراهيم بن إسمعيل إلى على بن الهيثم: «بلغنى ما أظهرت من الوعيد والحميّة، فحملت ذلك منك على شرف الحسب، وكرم النسب، فإن لأشراف العرب سطوات لا يملكونها، وكلّ ما أتيت فشبيه بك وبموضعك، وقد قيل: «اخذر صولة اللئيم إذا شبع» وأنت أبا حسن- مدّ الله فى عمرك- منهم، ولك فى معاداة الرجال لذّة أرجو أن يجعلها الله سبيلا لهلاكك، وقد ينبغى أن تعلم أن الذى أنت فيه لم يحدث لك نفسا غير نفسك، ولا أبا غير أبيك، وقد تجرى المقادير لكثير من السّفلة بوجوه من الحظ، يجعلها الله عليهم وبالا، ولهم فى الدنيا والآخرة نكالا، يهتك بها أستارهم، ويخرج بها أضغانهم، إذا ضمّتهم مضامن النعم، وهم مع ذلك يرون أنه لا يلحقهم بأهل الفضل غير التجبّر والفخر، ووالله ما دعانى إلى هذا أنى أرى الانتقام منك حظّا، ولكنى أحببت أن أعرّفك من نفسك ما أصبحت به جاهلا، وأصبح للناس باديا، ولئن أنكرت نصيحتى (٢) لقد وضعتها فى غير موضعها، وبالله نستعين على ابتلائه الدنيا، وتدنيسه النعمة، وحطّه المراتب والأقدار بك، أعاذنا مما ابتلاك به». (المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٢)

стр. 1430

٢١٦ - رد ابن الهيثم عليه فأجابه على بن الهيثم: «قرأت كتابك الذى تتظرّف، وبجوابك عنه تتشرّف، ولولا ما نسبتنى إليه من الكبر ما كان له معنى، إن الله جعلنى فى أصل حرمك نيله، ولم يلبسك فضله، فلزمت الموضع الذى وضعنى الله به، جهله من جهله وعلمه من علمه، إذ أنت تنتقل من نسب إلى نسب، ومن أب إلى أب، بلا أصل ثابت، وما مثلك إلا مثل إبليس لمّا أذلّه الله لآدم ﵇، فأسجده وأبان فضله عليه، أحقده فخسر دنياه وآخرته، إذ كاده وكاد ولده، فلم يبلغ له من كيادته (١) أكثر من قيادته، والكسب الّلوم، والفعل المأثوم، وما تغنى أساطيرك وأقاويلك، فلو كنت بأصول أبيك وأمك تلفظ، أو عنها تنطق، لطال عليك أن تتكلم أو تعلم، فاشكر الله واشكر اللسان الذى انتحلته، ونبتّ به ولست من أهله، أمّا أنا فلم أعد ما كان عليه أبى من قوله فى نفسه، وشرفه فى رتبه، وأنا بموضع من الكتابة وفى الشرف من العمالة، وبمكان من أولاد الخلافة، أحلو فى قلوبهم، وأعذب فى ألسنتهم، وأتولّى الدواوين، وأخالط السلاطين، وأحكم فى أمر الدنيا والدين، وأنت لا تصلح لمعاش، ولا ترجى فى معاد، دنّس فعلك لئيم أصلك، تهحو العرب بلسانهم، وتفتخر عليهم بكلامهم فإذا أخذك عقاب الله بأيديهم، ووجب عليك حقّه فيهم، [اتخذت الإيمان، وابتذاله دينه (٢)] فحسبك ما أحببت من ذهاب آخرتك، ولؤم طبعك، ولو أردت قتلك لم أقتلك، أو أصل إلى قتلك، بأكرم من لؤم فعلك وأصلك؛ فافخر بهذا جوابا، على أنى لا أريك له أسبابا، والسلام على كل عاقل كريم سليم الأصل، ولرسول الله صلى الله عليه، والإسلام وأهله». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٢)

стр. 1431

٢١٧ - كتاب الحسن بن سهل إلى أخيه الفضل وكتب الحسن بن سهل إلى أخيه ذى الرياستين فى تهنئة بمولود: «إنه ليس من نعم الله وفوائد قسمه- وإن خصّ موقعها، ووجب شكرها- نعمة تعدل النعمة فى الولد لنمائها فى العدد، وزيادتها فى قوة العضد، وما يتعجّل به من عظيم بهجتها، ويرجى من باقى ذكرها فى الخلوف والأعقاب، ولاحق بركتها فى الدعاء والاستغفار، وإنّ الله قد أفادك وأنالك غلاما سريّا سمّيته فلانا، فكان ميلاده عند فتح الله على أمير المؤمنين، فرجوت أن تكون موافاته بالنصر الذى أظهرنا الله به على عدوّ الدين والمسلمين، من دلائل بركته ويمنه، وشواهد سعادته والسعادة به، فبارك الله لأمير المؤمنين فى طارف نعمته وتالدها، وشفع له قديم مننه بحادثها، ورزقه ذكورا طيّبين مهذّبين يأنس بهم ربعه (١)، ويتصل بهم نجاحه، ويجعلهم ذرّيّة زاكية، وبقية صالحة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٣) ٢١٨ - كتاب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن وكتب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن بن سهل فقال: «إن الله قد جعل جدّك عاليا، وجعلك فى كل خير مقدّما، وإلى غاية كل فض سابقا، وصيّرك- وإن نأت بك الدار- من أمير المؤمنين وكرامته قريبا، وقد جدّد لك من البرّ كيت وكيت، وكذا يحوز الله لك من الدين والدنيا والعز والشرف، أكثره وأشرفه، إن شاء الله». (عيون الأخبار ١: ٩٤)

стр. 1432

٢١٩ - عهد المامون لعلى بن موسى الرضى وفى سنة ٢٠١ هـ جعل المأمون- وهو بخراسان- علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد ابن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنه ولىّ عهد المسلمين والخليفة من بعده وسمّاه الرّضىّ من آل محمد ﷺ ، وكتب له كتابا بخطه، وذلك أنه نظر فى بنى العباس وبنى علىّ، فلم يجد أحدا هو أفضل ولا أورع ولا أعلم منه، وأمر الناس بطرح السّواد ولبس ثياب الخضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق. وهذه نسخة عهده لعلى بن موسى: «هذا كتاب كتبه عبد الله بن هرون الرشيد أمير المؤمنين بيده لعلىّ بن موسى ابن جعفر ولىّ عهده. أما بعد: فإن الله اصطفى الإسلام دينا، واصطفى له من عباده رسلا دالّين عليه، وهادين إليه، يبشّر أولهم بآخرهم، ويصدّق تاليهم ماضيهم، حتى انتهت نبوّة الله إلى محمد ﷺ ، على فترة من الرّسل، ودروس (١) من العلم، وانقطاع من الوحى، واقتراب من الساعة، فختم الله به النبيين، وجعله شاهدا لهم ومهيمنا (٢) عليهم، وأنزل عليه كتابه العزيز الذى «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» فأحلّ وحرّم، ووعد وأوعد، وحذّر وأنذر، وأمر ونهى، لتكون له الحجّة البالغة على خلقه، و «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ» فبلّغ عن الله رسالته، ودعا إلى سبيله بما أمره به من الحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتى هى أحسن، ثم بالجهاد والغلظة حتى قبضه الله إليه، واختار له ما عنده صلى الله عليه.

стр. 1433

فلما انقضت النّبوّة وختم الله بمحمد ﷺ الوحى والرسالة، جعل قوام الدين، ونظام أمر المسلمين، بالخلافة وإتمامها وعزّها والقيام بحق الله فيها، بالطاعة التى تقام بها فرائض الله وحدوده، وشرائع الإسلام وسننه، ويجاهد بها عدوّه، فعلى خلفاء الله طاعته فيما استحفظهم واسترعاهم من دينه وعباده، وعلى المسلمين طاعة خلفائهم ومعاونتهم على إقامة حق الله وعدله، وأمن السّبل، وحقن الدّماء، وصلاح ذات البين وجمع الألفة، وفى إخلال ذلك اضطراب حبل المسلمين واختلالهم، واختلاف ملّتهم، وقهر دينهم، واستعلاء عدوّهم، وتفرّق الكلمة، وخسران الدنيا والآخرة. فحقّ على من استخلفه الله فى أرضه، وأتمنه على حلقه، أن يؤثر ما فيه رضا الله وطاعته، ويعدل فيما الله واقفه عليه، وسائله عنه، ويحكم بالحق ويعمل بالعدل فيما حمّله الله وقلّده، فإن الله يقول لنبيه داود ﵇: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» وقال : «فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ» وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: «لو ضاعت سخلة (١) بجانب الفرات لتخوّفت أن يسألنى الله عنها» وايم الله إن المسئول عن خاصّة نفسه، الموقوف على عمله، فيما بين الله وبينه، لمتعرّض لأمر كبير، وعلى خطر عظيم، فكيف بالمسئول عن رعاية الأمة؟ وبالله الثقة، وإليه المفزع والرغبة فى التوفيق مع العصمة، والتسديد والهداية إلى ما فيه ثبوت الحجّة، والفوز من الله بالرضوان والرحمة. وأنظر (٢) الأئمة لنفسه، وأنصحهم فى دينه وعباده وخلافته فى أرضه، من عمل بطاعة الله وكتابه وسنّة نبيه ﵇ فى مدّة أيامه، واجتهد وأجهد رأيه ونظره فيمن يولّيه عهده، ويختاره لإمامة المسلمين ورعايتهم بعده، وينصبه علما لهم،

стр. 1434

ومفزعا فى جمع ألفتهم، ولمّ شعثهم، وحقن دمائهم، والأمن بإذن الله من فرقتهم، وفساد ذات بينهم واختلافهم، ورفع نزغ (١) الشيطان وكيده عنهم، فإن الله جعل العهد بالخلافة من تمام أمر الإسلام وكماله وعزّه وصلاح أهله، وألهم خلفاءه من توسيده لمن يختارونه له من بعدهم، ما عظمت به النّعمة، وشملت منه العافية، ونقض الله بذلك مرّ (٢) أهل الشقاق والعداوة، والسعى فى الفرقة والرّفض (٣) للفتنة. ولم يزل (٤) أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقتها، وثقل محملها (٥)، وشدة مئونتها، وما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة الله ومراقبته فيما حمّله منها، فأنصب بدنه، وأسهر عينه، وأطال فكره فيما فيه عزّ الدين، وقمع المشركين، وصلاح الأمة ونشر العدل، وإقامة الكتاب والسنة، ومنعه ذلك من الخفض والدّعة بهنىّ العيش: علما بما الله سائله عنه، ومحبّة أن يلقى الله مناصحه فى دينه وعباده، ومختارا لولاية عهده، ورعاية الأمة من بعده أفضل من يقدر عليه فى دينه وورعه وعلمه، وأرجاهم للقيام بأمر الله وحقه، مناجيا لله بالاستخارة فى ذلك، ويسأله إلهامه ما فيه رضاه وطاعته فى ليله ونهاره، ومعملا فى طلبه والتماسه من أهل بيته من ولد عبد الله بن العباس وعلى بن أبى طالب فكره ونظره، ومقتصرا فيمن علم حاله ومذهبه منهم على علمه، وبالغا فى المسألة عمّن خفى عليه أمره جهده وطاقته، حتى استقصى أمورهم بمعرفته، وابتلى (٦) أخبارهم مشاهدة، وكشف ما عندهم مساءلة فكانت خيرته بعد استخارته لله وإجهاده نفسه فى قضاء حقه وبلاده، من البيتين

стр. 1435

جميعا: علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب لما رأى من فضله البارع، وعلمه الناصع (١) وورعه الظاهر، وزهده الخالص، وتخلّيه من الدنيا، وتسلّمه من الناس، وقد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطئة، والألسن عليه متفقة، والكلمة فيه جامعة، ولما لم يزل يعرفه به من الفضل يافعا (٢) وناشئا وحدثا ومكتهلا، فعقد له بالعقد والخلافة إيثارا لله والدين، ونظرا للمسلمين، وطلبا للسلامة وثبات الحجّة والنجاة فى اليوم الذى يقوم الناس فيه لربّ العالمين. ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصّته وقوّاده وخدمه، فبايعوه مسرعين مسرورين، عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة الله على الهوى فى ولده وغيرهم، ممّن هو أشبك به رحما، وأقرب قرابة، وسمّاه «الرّضىّ» إذ كان رضيّا عند أمير المؤمنين. فبايعوا معشر بيت أمير المؤمنين ومن بالمدينة المحروسة من قوّاده وجنده وعامّة المسلمين «الرّضىّ» من بعده، على اسم الله وبركته وحسن قضائه لدينه وعباده، بيعة مبسوطة إليها أيديكم، منشرحة لها صدوركم، عالمين بما أراد أمير المؤمنين بها، وآثر طاعة الله والنظر لنفسه ولكم فيها، شاكرين لله على ما ألهم أمير المؤمنين من نصاحته فى رعايتكم، وحرصه على رشدكم وصلاحكم، راجين عائده فى ذلك فى جمع ألفتكم، وحقن دمائكم، ولمّ شعثكم، وسدّ ثغوركم، وقوّة دينكم، ورغم عدوكم، واستقامة أموركم، وسارعوا إلى طاعة الله وطاعة أمير المؤمنين، فإنه الأمر إن سارعتم إليه، وحمدتم الله عليه، عرفتم الحظّ فيه إن شاء الله تعالى». (صبح الأعشى ٩: ٣٦٢)

стр. 1436

٢٢٠ - صدر رسالة لإبراهيم بن المهدى فى الخميس فلما علم العباسيون ببغداد بما فعل المأمون، من نقل الخلافة من البيت العبّاسىّ إلى البيت العلوىّ، وتغيير لباس آبائه وأجداده بلباس الخضرة، أنكروا عليه ذلك، وخلعوه من الخلافة، وبايعوا عمه إبراهيم (١) بن المهدى، وقد أنشأ إبراهيم لنفسه رسالة للخميس، صدرها: «الحمد لله الذى اختار الإسلام دينا لنفسه، ورضى أن يعبده من فى سمواته من الملائكة المقرّبين، ومن فى أرضه من النبيين والمرسلين، ومن آمن بالنور الذى هداهم له من الثّقلين (٢)، واختار لرسالته فى سابق علمه، والذّكر الحكيم عنده، محمدا ﷺ وأنزل عليه كتابه، وجعل طاعته وطاعة نبيّه ﷺ موصولة (بكدا) فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٩)

стр. 1437

٢٢١ - رسالة الشكر لأحمد بن يوسف ولما قتل الفضل (١) بن سهل (سنة ٢٠٢)، استوزر المأمون بعده أخاه الحسن (٢) ابن سهل جبرا لمصابه بقتل أخيه، فأمر الحسن أحمد بن يوسف فكتب عن لسانه رسالة يشكر فيها للمأمون صنعه، وهى: «أما بعد، فالحمد لله القاهر القادر الخالق الرازق، فاطر السموات والأرض، الذى أحاط بكل شىء علما، ونطق به خبرا، وأتقنه حكمة وعلما، وألّف بين مختلفه ومتّفقه، ليدلّ بقوام بعضه على بعض على اتّصال تدبير مشيئته ومبتدعه، وأنه أحد صمد (٣)، لا ضدّ له ولا ندّ، إذ قدّر له حاجته، ثم شدّها ببلاغها إلى الغاية التى جعلها، فقال الله

стр. 1438

عز وجل «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» وحكى عن نجيّه موسى ﵇: «قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» وقال الله تعالى: «وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا» ثم لم يكلّف العباد من شكره كفاء نعمته، بل رضى منهم باليسير، وقبل منهم العفو، وجعل طاعتهم إياه عائدة عليهم بجزيل الحظّ فى دينهم ودنياهم لغناه عن عبادتهم، واتّساع قدرته بالتطوّل عليهم، مفتتحا وخاتما، وبادئا وعائدا. والحمد لله الذى اصطفى محمدا ﷺ ، نبيّا لرسالته، وأتمنه على وحيه، وأنزل عليه كتابه العزيز، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فأدّى إلى خلقه الرسالة، واستنقذهم من الضلالة، وصدع بأمر ربّه، وجاهد فى سبيله، ونصح لأمته، حتى أتاه اليقين من ربّه، بعد استنارة الحقّ، وظهور الحجّة، فصلّى الله عليه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، قد تلافى من الهلسكة، وجمع الألفة بعد الفرقة، وأوضح الهدى بعد الدّروس (١)، ومعالم الرّشد بعد الطّموس، وكان بالمؤمنين رحيما. والحمد لله الذى قفّى على آثار المرسلين، والأئمة الراشدين، الهادى التقىّ، الطاهر الزّكىّ، الإمام المأمون أمير المؤمنين- أعزّ الله نصره- فسدّ ثلمتهم، ورأب صدعهم (٢)، وقلّده خلافتهم، وجعله لكافّة المسلمين غياثا ورحمة، وجعل ما ألهمه من العدل والإحسان إليهم، منّة عليه ورحمة ذخرها له دون الخلفاء قبله، فيما أظهر من فضل زمانه على الأزمنة، وسياسة من تقدّمه، ومنح الرعية من عطفه ونظره ما لا يحمل عنهم أوبه (٣)، ولا يؤدّى عنهم شكره، إلا هو لا شريك له، وأحسن الله جزاء أمير المؤمنين ومثوبته، على صلة رحم رسول الله ﷺ التى هى

стр. 1439

رحمه وقرابته، واختياره لولاية عهده الأمير الرضىّ علىّ بن موسى- حفظه الله- حين أحمد سيرته (١)، ورضى محبّته، وعرف استقلاله (٢) بما قلّده فى هديه ودينه، ووفاءه بما أكّد الله به عليه من عهد أمير المؤمنين- أيّده الله- فى اعتيامه (٣) من آزره وآساه مما شفع رأيه، وأنفذ تدبيره حين همّ لاستصلاح ما استرعاه الله من أمور عباده، لمّا انتضى (٤) القائم بدعوته، ورئيس شريعته، الأمير ذا الرياستين- ﵀ فاتّخذه مكانفا ظهيرا ووزيرا دون من سواه، فاتّبع منهاج أمير المؤمنين- أيده الله- وسار بسيرته شرقا وغربا، وغورا ونجدا، موفيا بعهده، قائما بدعوته، مقتفيا لأثره وسنّته، فحسم الله به الأدواء، وقمع به الأعداء: من عتاة الأمم، وطواغيت (٥) الشّرك، وأبار (٦) على يده أهل الشقاق والنفاق، فى كل أفق وطرف، بجدّ أمير المؤمنين- أعزّه الله- وبركة سياسته ودولته، ونجح سعى من قام بنصرة من قام بحقه وأنار برهانه، حتى توفّاه الله ، حين بلغ همّته وغايته، وحمّ (٧) أجله وانقطعت مدّته، سعيدا حميدا، شهيدا فقيدا، عند إمامه- أكرمه الله- وعند الخاصّة والعامة. وكان من إجلال أمير المؤمنين الحادث الذى نزل به، فأحيا آثاره، بوصف محاسنه فى مشاهده ومجامعه، وترّحمه عليه عند ذكره، وحفظه فى لحمته (٨) وأهل حرمته، وفيمن كان بحمد الله على طاعته ونصيحته، ما أتمّ به نعمته عندنا وعندكم معشر الشيعة، فقد أصبح أمره بكم متّصلا، وموقعه من جماعتكم [متمكّنا]، يقبضكم ما قبضه، ويبسطكم ما بسطه من لوعة المصيبة، وحسن العقبى، وقد علمتم-

стр. 1440

معشر أهل الحجا والنّهى والطاعة لله وخليفته، وذوى الغناء (١) والبلاء فى دعوته، من أهل خراسان وغيرهم ممن حضر، ممن امتحن الله قلبه بوفاء العهد، والاستبصار فى حق أمير المؤمنين أبقاه الله، والمجاهدة دونه، والصبر على مواطن الصدق والّلأواء (٢)، والذبّ عن البيضة والحريم، والمتحمّلين للنّصب والمصائب التى انجلت حتى كأن لم تكن، وبقى أجرها على الله ، ومحمود ذكرها شائعا فى الناس- أنّ نعم الله قد جلّت ولطفت، وخصّت وعمّت، وعلت وسمقت (٣)، وتمّت ودامت، حتى قصّرنا عن موازينها، والإحاطة بأدائها، فإذا لم يكن لنا معشر إخواننا سبب إلى مكافأة بلائه بالعمل، فنحن جدراء أن نجتهد فى القول، ونطنب فى الوصف إن شاء الله جل وعز، ففد جعل ذكر النّعم من أسباب الشكر. وقد جدّد لنا أمير المؤمنين- أيّده الله- من الحباء (٤) والكرامة وجزيل الحيطة وسنىّ الرّتبة التى قرئ بها عليكم كتابه، ما يستغرق جهدنا، ويستفرغ وسعنا، فنرغب إلى الله ولىّ الرغبة، ومؤتى السّؤل والطّلبة، فى إعانتنا على تأدية ما وجب له، فيما منحنا من فوائده ونحله (٥)، ثم نسترفدكم (٦) ونستعينكم على شكره، وإمدادنا بما بلغته طاقتكم فى السعى له، فقد آدنا (٧) ثقل ما حمّلنا، وثقل ما طوّقنا، وعظمت فاقتنا إلى استعمال القوىّ من الأنفس والحامّة (٨)، والخاصّة والعامّة، فى جزاء ما جلّل (٩) أمير المؤمنين فينا من سننه، وشملنا من تالد أياديه وطارفها (١٠)، وقديمها
следующие страницы →