← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٢٢٠ - صدر رسالة لإبراهيم بن المهدى فى الخميس فلما علم العباسيون ببغداد بما فعل المأمون، من نقل الخلافة من البيت العبّاسىّ إلى البيت العلوىّ، وتغيير لباس آبائه وأجداده بلباس الخضرة، أنكروا عليه ذلك، وخلعوه من الخلافة، وبايعوا عمه إبراهيم (١) بن المهدى، وقد أنشأ إبراهيم لنفسه رسالة للخميس، صدرها: «الحمد لله الذى اختار الإسلام دينا لنفسه، ورضى أن يعبده من فى سمواته من الملائكة المقرّبين، ومن فى أرضه من النبيين والمرسلين، ومن آمن بالنور الذى هداهم له من الثّقلين (٢)، واختار لرسالته فى سابق علمه، والذّكر الحكيم عنده، محمدا ﷺ وأنزل عليه كتابه، وجعل طاعته وطاعة نبيّه ﷺ موصولة (بكدا) فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٧٩)

стр. 1437

٢٢١ - رسالة الشكر لأحمد بن يوسف ولما قتل الفضل (١) بن سهل (سنة ٢٠٢)، استوزر المأمون بعده أخاه الحسن (٢) ابن سهل جبرا لمصابه بقتل أخيه، فأمر الحسن أحمد بن يوسف فكتب عن لسانه رسالة يشكر فيها للمأمون صنعه، وهى: «أما بعد، فالحمد لله القاهر القادر الخالق الرازق، فاطر السموات والأرض، الذى أحاط بكل شىء علما، ونطق به خبرا، وأتقنه حكمة وعلما، وألّف بين مختلفه ومتّفقه، ليدلّ بقوام بعضه على بعض على اتّصال تدبير مشيئته ومبتدعه، وأنه أحد صمد (٣)، لا ضدّ له ولا ندّ، إذ قدّر له حاجته، ثم شدّها ببلاغها إلى الغاية التى جعلها، فقال الله

стр. 1438

عز وجل «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» وحكى عن نجيّه موسى ﵇: «قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» وقال الله تعالى: «وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا» ثم لم يكلّف العباد من شكره كفاء نعمته، بل رضى منهم باليسير، وقبل منهم العفو، وجعل طاعتهم إياه عائدة عليهم بجزيل الحظّ فى دينهم ودنياهم لغناه عن عبادتهم، واتّساع قدرته بالتطوّل عليهم، مفتتحا وخاتما، وبادئا وعائدا. والحمد لله الذى اصطفى محمدا ﷺ ، نبيّا لرسالته، وأتمنه على وحيه، وأنزل عليه كتابه العزيز، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. فأدّى إلى خلقه الرسالة، واستنقذهم من الضلالة، وصدع بأمر ربّه، وجاهد فى سبيله، ونصح لأمته، حتى أتاه اليقين من ربّه، بعد استنارة الحقّ، وظهور الحجّة، فصلّى الله عليه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، قد تلافى من الهلسكة، وجمع الألفة بعد الفرقة، وأوضح الهدى بعد الدّروس (١)، ومعالم الرّشد بعد الطّموس، وكان بالمؤمنين رحيما. والحمد لله الذى قفّى على آثار المرسلين، والأئمة الراشدين، الهادى التقىّ، الطاهر الزّكىّ، الإمام المأمون أمير المؤمنين- أعزّ الله نصره- فسدّ ثلمتهم، ورأب صدعهم (٢)، وقلّده خلافتهم، وجعله لكافّة المسلمين غياثا ورحمة، وجعل ما ألهمه من العدل والإحسان إليهم، منّة عليه ورحمة ذخرها له دون الخلفاء قبله، فيما أظهر من فضل زمانه على الأزمنة، وسياسة من تقدّمه، ومنح الرعية من عطفه ونظره ما لا يحمل عنهم أوبه (٣)، ولا يؤدّى عنهم شكره، إلا هو لا شريك له، وأحسن الله جزاء أمير المؤمنين ومثوبته، على صلة رحم رسول الله ﷺ التى هى

стр. 1439

رحمه وقرابته، واختياره لولاية عهده الأمير الرضىّ علىّ بن موسى- حفظه الله- حين أحمد سيرته (١)، ورضى محبّته، وعرف استقلاله (٢) بما قلّده فى هديه ودينه، ووفاءه بما أكّد الله به عليه من عهد أمير المؤمنين- أيّده الله- فى اعتيامه (٣) من آزره وآساه مما شفع رأيه، وأنفذ تدبيره حين همّ لاستصلاح ما استرعاه الله من أمور عباده، لمّا انتضى (٤) القائم بدعوته، ورئيس شريعته، الأمير ذا الرياستين- ﵀ فاتّخذه مكانفا ظهيرا ووزيرا دون من سواه، فاتّبع منهاج أمير المؤمنين- أيده الله- وسار بسيرته شرقا وغربا، وغورا ونجدا، موفيا بعهده، قائما بدعوته، مقتفيا لأثره وسنّته، فحسم الله به الأدواء، وقمع به الأعداء: من عتاة الأمم، وطواغيت (٥) الشّرك، وأبار (٦) على يده أهل الشقاق والنفاق، فى كل أفق وطرف، بجدّ أمير المؤمنين- أعزّه الله- وبركة سياسته ودولته، ونجح سعى من قام بنصرة من قام بحقه وأنار برهانه، حتى توفّاه الله ، حين بلغ همّته وغايته، وحمّ (٧) أجله وانقطعت مدّته، سعيدا حميدا، شهيدا فقيدا، عند إمامه- أكرمه الله- وعند الخاصّة والعامة. وكان من إجلال أمير المؤمنين الحادث الذى نزل به، فأحيا آثاره، بوصف محاسنه فى مشاهده ومجامعه، وترّحمه عليه عند ذكره، وحفظه فى لحمته (٨) وأهل حرمته، وفيمن كان بحمد الله على طاعته ونصيحته، ما أتمّ به نعمته عندنا وعندكم معشر الشيعة، فقد أصبح أمره بكم متّصلا، وموقعه من جماعتكم [متمكّنا]، يقبضكم ما قبضه، ويبسطكم ما بسطه من لوعة المصيبة، وحسن العقبى، وقد علمتم-

стр. 1440

معشر أهل الحجا والنّهى والطاعة لله وخليفته، وذوى الغناء (١) والبلاء فى دعوته، من أهل خراسان وغيرهم ممن حضر، ممن امتحن الله قلبه بوفاء العهد، والاستبصار فى حق أمير المؤمنين أبقاه الله، والمجاهدة دونه، والصبر على مواطن الصدق والّلأواء (٢)، والذبّ عن البيضة والحريم، والمتحمّلين للنّصب والمصائب التى انجلت حتى كأن لم تكن، وبقى أجرها على الله ، ومحمود ذكرها شائعا فى الناس- أنّ نعم الله قد جلّت ولطفت، وخصّت وعمّت، وعلت وسمقت (٣)، وتمّت ودامت، حتى قصّرنا عن موازينها، والإحاطة بأدائها، فإذا لم يكن لنا معشر إخواننا سبب إلى مكافأة بلائه بالعمل، فنحن جدراء أن نجتهد فى القول، ونطنب فى الوصف إن شاء الله جل وعز، ففد جعل ذكر النّعم من أسباب الشكر. وقد جدّد لنا أمير المؤمنين- أيّده الله- من الحباء (٤) والكرامة وجزيل الحيطة وسنىّ الرّتبة التى قرئ بها عليكم كتابه، ما يستغرق جهدنا، ويستفرغ وسعنا، فنرغب إلى الله ولىّ الرغبة، ومؤتى السّؤل والطّلبة، فى إعانتنا على تأدية ما وجب له، فيما منحنا من فوائده ونحله (٥)، ثم نسترفدكم (٦) ونستعينكم على شكره، وإمدادنا بما بلغته طاقتكم فى السعى له، فقد آدنا (٧) ثقل ما حمّلنا، وثقل ما طوّقنا، وعظمت فاقتنا إلى استعمال القوىّ من الأنفس والحامّة (٨)، والخاصّة والعامّة، فى جزاء ما جلّل (٩) أمير المؤمنين فينا من سننه، وشملنا من تالد أياديه وطارفها (١٠)، وقديمها

стр. 1441

وحديثها، وكيف يوجد إلى موازاة أمير المؤمنين سبيل ببذل جهد، أو بلوغ حشد، فإنما نقتدى بهداه، ونعشو (١) بنوره فى ديننا، وليس عجزنا عن أن نجزى حقّه (٢)، بواضع عنا مؤنة الدءوب فى التحرّى لتأديته، فإن الله قد أخبر بفضائل الشكر ومناقبه، وجعله من أسمائه «وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» وقد قال تعالى «ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً» وقال تعالى: «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» ولولا أنّ الله رضيه لنفسه لأجللناه عن التسمية، إذ كان أكثر ما نستعمله ونعرفه فى مكافأة من منّ وتطوّل، ثم ثنّى بذكر فضله فى العباد، فإن الله ﵎ افتتح أول ما علّم خلقه بالحمد، وجعله بدء كتابه وخاتمة دعوة أهل جنّته، فقال : «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» وخلق الله السموات والأرض ومن برأ وذرأ فى الحياة ليبلو عباده بشكره، وأعدّ الجنة فى الآخرة لمن شكره، والنار لمن كفره، وقال الله تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ»، وقال الله تعالى «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، فجعل التّقوى واقعة (٣)، والشكر مرجوّا، ليدلّ على ارتفاع رتبته، وعلوّ درجته عنده، وقال لنجيّه موسى ﵇: «إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» فلم يكلّفه إلا أخذ ما أعطاه، والشكر على ما آتاه، وأخبر بعزّته فى العباد فقال تعالى: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ».

стр. 1442

فأيّة نعمة أجلّ قدرا، وأسنى أمرا- معشر الشيعة- من نعمة أمير المؤمنين- أيّده الله- عند الأمير ذى الرياستين، ومراتبه التى رتّبه بها، فإنه أعطاه رياسة الحرب ورياسة التدبير، وعقد له على رأسهما علما فى راية دعوته، وقلّده سيفهما، وختّمه بخاتم الخلافة وخاتم الدولة، وجعل صلاته بين صاحب حرسه وصاحب شرطته، ومسيره بين أمير المؤمنين وبينهما أمامه وخلفه- وصيّر له الجلوس على الكرسى بحضرته فى صدر كل مجلس جلسه- إلا أن يؤثر به من أحبّ من أبناء الخلفاء- وقدّمه فى دخول داره (١) راكبا إلى أقصى مكان ينتهى إليه أحد من بنى هاشم، لأنه منهم، وأعظمهم غناء عنهم، فسمّاه صاحب دعوته، وسيفه على عدوه، وبابه الذى يدخل إليه منه، وولّاه خيوله فى أقطار الأرض، ومقدّمته بحضرته، وقلّده من الثغور ما قد علمتم، بما أفرده فى عهده، إلى ما أنفذه من أمره، فى جميع سلطانه وملكه، من مشارق الأرض ومغاربها، وأين يأتى الوصف على ما فضّله به وقدّمه وشرّفه على الناس كافّة؟ ولكنا نخطر بذكره ثم نكل السامعين إلى ما يرجعون إليه من المعرفة التى لا تبلغها الصّفة. ثم لم يكن ما أكرمه به فى حياته، بأعلى مما أكرمه به فى وفاته: تولّى غسله وتكفينه ومباشرته لجهازه إلى حفرته بيده، وقاسى من الغصص، وبرحاء (٢) الحزن، وإذراء (٣) العبرة، وإراقة الدّمعة، ما حال بينه وبين الكلام، وكاد يمنعه من القول، والدعاء فى صلاته عليه، من الحكم وحفظ أهل الحرمة به، رعاية له فيهم، ووفاء بعهده من بعده، وأقرّ خاصّته وقواده وعمّاله وكتّابه على مراتبهم، وحمد بحمده، وذمّ بذمه، وجدّد لجنده وشاكريّته (٤) نظرا وعطفا، فلم يبق عليه فى إحياء ذكره، وبلوغ كل ما يحبّه فى حياته، [غاية] إلا أتى من ورائها، وأمر بقراءة فتوحه، كما

стр. 1443

كانت تقرأ على عهده، وأضاف كل ما حدث من بعده، إلى ما تقدّم من سعيه، وأخبر أنه كان سببه، والمفتتح به، وولّى محمد بن الحسن خلافته، ونصبه منصبه، وأقامه مقامه إلى أن جدّد العهد لى، فاستخلفته على ما ولى بحضرته، ثم تتابعت كتب أمير المؤمنين- أكرمه الله- بعد مصاب الأمير ذى الرّياستين، بما (١) لا يقارب من التفضيل والإطلاق والتفويض الذى كنتم سمعتم به وبلغكم، فلم يكن يرى وراءه مجازاة (٢)، ولا فوقه مصعدا، حتى جدّد لنا من كرامته، ما قد قرئ عليكم فى كتابه، فبلغ بنا ما لم تكن الهمم لتبلغه، والأمانىّ لتحيط به، لولا ما منحنا الله من الترقّى فى الفضل إلى ما تنحسر (٣) من دونه الأبصار، وتنقطع دونه الآمال، وإنما اقتصصنا وذكرنا ما أبلانا واصطنع عندنا من بلائه، بدعائنا إلى الله ، وإلى طاعته بالعدل والإحسان إلى رعيته والنظر بالصفح، والأخذ بالفضل، والأمر بالمعروف، وصلة المروءة بالوفاء بالعهد، والشكر للمنن، ورعاية الأخلاق المحمودة، وإحظاء (٤) أهلها، وإقامة سوقها، حتى تنافسوها وتشاحّوا (٥) فيها، وصارت هى الذرائع إليه، والوسائل عنده، فلو تأمّل متأمّل أهل الزّلفة والأثرة لديه، لوجد الأخصّ فالأخصّ، والأعلى قدرا عنده، الأفضل دينا ومروءة، فلو لم يكن فى الحظوة عنده إلا إيجابها لصاحبها صحّة المحبة، والنزاهة عن كل ظنّة (٦)، لكان فيها أعظم الغبطة، وأعدل الشهادة والدلالة. وسنقصّ عليكم بما خبّرناكم عنه ما لا سبيل إلى جحده وإنكاره، لوضوح معالمه ومنائره، أو ليس المجاهد عن دين الله، والمحامى عن بيضة المسلمين،

стр. 1444

والمؤاتى (١) لأغلظ عدوّهم شوكة، وأخوفهم عداوة والمبحبح (٢) من بلادهم فيما كان لا يرام ولا يحاول، لاستصعابه وشدة مقاساته، حتى أذعن «جيغوية» بالعبوديّة له، ثم أباح حريمه حين تمرّد عليه، حتى بلغ السّبى إلى ولده وحابوناته؟ ؟ ؟ (٣)، وتوغّلت خيوله حتى توصلت إلى قبّتة ومنتهى عزّه؟ أو ليس مسكّن الهيج بالمشرق، حتى خبت (٤) النيران فيه، وأذعن رؤساؤها وقادتها أو ليس غازى بلاد بابل حين طغى [ملكها] وبدّل ونكث ونقض، حتى اجتثّ أرومته (٥)، وأباح حريمه، وأراح المسلمين من معرّته؟ أو ليس سادّ الثغور، ومحصّن عوراتها، والمباشر لتدبيرها، والمسعد المكايدة المنجح فيمن أرادها، وفاكّ العناة (٦) من رقّ الإسار، وناشر الرحمة على فقراء المسلمين وضعفائهم وأهل المسكنة والخلّة منهم، وقاسم الصّدقات فى أهلها، وعامر الموسم ومحصّنه من الآفات، حياطة للمسلمين فى حجّهم وما يتقربون به إلى ربهم؟ وهل اقترن لأحد من الأئمة ما اقترن له فى الملك والدين والعز والتواضع والسّعة والبذل والقدرة والعفو والغلظة واللّيان فى مواضعها، والنّسك مع الهمّة، والسّطوة مع الإقالة؟ وهل ترك معشر الأولياء والإخوان فى الدين غاية لم يسم بنا إلى شرفها، وعلىّ مراتبها، ومستزاد الحظّ فى عاجل وآجل لم يبلغناه؟ احتاز لنا خاصّ مكرمته، ومدّخر عاقبته، أرشدنا إلى الدين، وسلك بنا سبل الجنة، حازلنا الملك، فلم يبق وراء ما ملكنا غاية، وورد بنا الحروب وساسها لنا، فلم يدع غاية

стр. 1445

فى التعلم والدراية، والتقلّد والفقه، إلا سلّطنا عليها بسلطان الله (١) الذى آتاه، علّمنا الفضائل، ثم فضّلنا بها! غلب لنا الأمم، ثم خوّلناها (٢)، علّمنا طرائق الشرف، ثم شرّفنا بها، أخبرنا عن الأنباء فكفانا مؤنة التماسها، وأغنانا بما عنده فيها، أخذ على أيدينا الخير للرعية فوهب لنا شكرها، وصدّق مقالتنا عند الشّبهة، وأنفذ أمرنا فى التدبير. فيأيّها الإمام المنصور المهدىّ الرشيد: حزت فضائل الآباء، واهتديت بهدى الأنبياء، أنشكرك عن الإسلام؟ فأنت القائم به، الداعى له، والناصر لحقه، أم نشكرك عن الأمصار؟ فأنت المفتتح لممتنعها عنوة (٣)، والمتطوّل على أهلها بالرحمة، والمنعطف عليهم بحسن الفائدة، بعد ما هيّجت منك سورة (٤) الغضب، فأطفأت نارها، وأخمدت لهبها، وعدت على من سفه وأضاع حظّه، أم نشكرك على المساجد؟ فأنت الذى أسّستها على التقوى، وعمرتها بتلاوة القرآن، وطهّرت المنابر وركبتها، تعلوها صائما، وتنطق عليها صادقا، وتدعو إلى الرّشد عليها ناصحا، وتختم القرآن قبل أن تبدأها محسنا، وتتلو من قوارعه (٥) ما تصيخ له الأسماع، وتلين به القلوب، أم نشكرك على البيت العتيق، والرّكن والمقام والحجر وزمزم، ومشاعر الحج (٦)؟ وأنت ذببت عنها، وأعدت إليها عهدها فى مبعث نبيها ﷺ ، فأمّنت النازع (٧) إليها من كل فجّ عميق، والحالّين بها من الركع السّجود،

стр. 1446

أم نشكرك عن رسول الله ﷺ ، فيما حظفت فيه من عترته (١)؟ بعفوك عن مجرمهم، ومضاعفتك ثواب محسنهم، وإحيائك من أمرهم، ما كان قد اندرس وانطمس، معدّا للقاء نبى الله ﷺ ، وقد رعيت منه فى قرابته وقرابتك وذوى رحمه ورحمك ما ضيّع الناس، ووصلت منهم ما كان وصله. إذ كان الله قد فرض صلة الأرحام، فكان أطوع خلق الله فيما فرض عليه، أم نشكرك عن العوامّ؟ فقد ألبست المسلمين ثوب الأمن، وأذقتهم طعم السّعة والرّفاغة (٢)، وعدلت بينهم بالإنصاف، وتولّيت دونهم النّصب، وآثرتهم بالرّاحة، أم نشكرك عن الملوك والقواد والأجناد؟ فأنت الذى رفعت منازلهم، ووفّرت عددهم، فلم يكونوا فى دهر أحد من الخلفاء أسعد ولا أحظى منهم فى سلطانك، بما بذلت لهم من المعاون، وولّيتهم من الثغور والأمصار، وأدررت عليهم من الأرزاق والخواصّ، أم نشكرك عن الأحكام والسنن؟ فأنت الذى أنهجت (٣) سبيلها، فأوجبت فرضها، ونافست فى أهلها، أم نشكرك عن الأعداء؟ فأنت الذى بدأتهم بالحجّة، ودعوتهم إلى الفيئة (٤) والإنابة، ثم ثنّيت معقّبا بالعفو، ونعشتهم بعد البؤس، وآنستهم من الوحشة، أم نشكرك على مكارم الأخلاق؟ فأنت الذى ثبّتّ وطاءها (٥)، ونفيت عنها أضدادها، ولو نطقت بالفضل لنطقت بشكرك فى إزالتك إياها عن اللئام، وإخطائك من اعتزى (٦) (منهم) إليها، أم نشكرك عن الثغور؟ فأنت الذى تمّمتها وحصّنت عوراتها (٧)، أم نشكرك عن السّلف؟ فأنت الذى أشدت بفعالهم، وحفظتهم فى أبنائهم، أم نشكرك عن برد رسول الله ﷺ وعن القضيب الذى (كان) يتخصّر (٨)، حتى جعلتهما زينتك، وسموت بهما فى أعيادك

стр. 1447

عند حشدك على الطّهر والزكاة والنّسك والتقوى؟ أم نشكرك عن المسلمين؟ فى رعايتك إياهم، وما ترعيهم من جنابك، وتنفى عنهم من الآفات، وتفلّ (١) عنهم من جبابرة الكفر، وتفضّ من جيوش الشرك والنّكث، وتفتح من الحصون المستصعبة، وتسهّل من الطرق الوعرة؟ أم نشكرك عن تواضعك لله ولصالح المسلمين طلبا للرّفعة عند الله؟ أم نشكرك عن الدين؟ وقد جعلت السلطان عبدا وقائدا ومنفّذا، وكان مأمورا فجعلته آمرا، وآلة للقوة فجعلت القوة له آلة. فيامن اتصل شكره بشكر الله ، ونعمته بنعمة الله تعالى، وطاعته بطاعة الله، فوهب الله لك شرف المنازل، ورقّاك درج الفضائل، وجزاك الله عنا وعن غيرنا، مما شكر من ناطق أو صامت، جزيل الثواب، ورفيع الدرجات، وأمتعك ما آتاك، وأمتع الأمة ما آتاهم منك، والحمد لله ذى الرّغبات، ومتمّم الصالحات، شكرا لربّ العالمين، فإنه مبلغ طاقتنا، ومنتهى جهدنا، وبه نستعين على تأدية فرائضه إنه لا يعين على ذلك إلا هو. أحببت أن أشكر إليكم أمير المؤمنين- أيّده الله- إذ ورد علىّ من إنعامه وإفضاله ما لا أبلغه بالفعل، وأن يكون ما اقتصصنا عليكم داعيا لكم إلى أن تشكروه عنا وعن أنفسكم وعن الإسلام والمسلمين، ورجوت بما وفّقنا الله له فيما شرحنا وأوضحنا من الدلالة والبيان، أن يكون مجتمعا ينتفع به من حضرنا، ومن عسى أن يؤدّى إليه الخبر عنا، أو حدث بعدنا، وضننت بهذه المكرمة الرائعة والمأثرة البارعة التى ادّخرها الله لأمير المؤمنين- أعز الله نصره- وأفرده بها دون الأئمة والخلفاء، أن تمرّ بالأسماع صفحا، وتجتاز على القلوب سهوا، حتى تؤكّد بالشواهد والبرهان، ليبقى ذكرها ونفعها فى الخلوف والأعقاب.

стр. 1448

ونحن نسأل الله الذى جمع بأمير المؤمنين- مدّ الله فى عمره- ألفتنا، وعلى طاعته أهواءنا وضمائرنا، وأنالنا من الغبطة فى دولته وسلطانه ما لم تحوه شيعة إمام ولا أنصار خليفة، أن يتمّ نور أمير المؤمنين، ويعلى كعبه، ويمتّعنا ببقائه حتى يبلغه سؤله وهمّته فى الاستكثار من البرّ، وادّخار الأجر، واستيجاب الحمد والشكر وأن يلمّ به الشّعث، ويرأب به الصّدع، ويصلح على يديه الفساد، ويرتق به فتوق هذه الأمة، ويثخن (١) بسياسته ونكايته فى عدوها، ويتابع الفتوح فى بلدانهم حتى يؤتيه من نجح السّعى، ورغائب الحظّ فى الدنيا ما يجزل عليه ثوابه فى الآخرة، وأرشد نجباءه وأصفياءه الذين يقول لهم: «فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ١٦٦) ٢٢٢ - كتاب المأمون إلى الحسن بن سهل يعزيه بأخيه فصل من كتاب المأمون إلى الحسن بن سهل يعزيه بذى الرياستين: «وقد أبقى الله لأمير المؤمنين خلفا من خير سلف، افتقادا منك لأثر ذى الرياستين- نضّر الله وجهه ورحمه- وسلوكا منك لمذهبه وكفايته لأمير المؤمنين، وعائدته (٢) عنه، واجتهاده فى طاعته، ومعاونته على نيّته، وابتذالك نفسك فى إعزاز دولته، وجهاد عدوه، والمحاماة عن سلطانه، وحلولا من قلب أمير المؤمنين محلّه فى علوه وارتفاع مكانه، إذ كنت شقيقه وشبيهه، والجارى عند أمير المؤمنين فى الأنس والثّقة والتقديم مجراه». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٥)

стр. 1449

٢٢٣ - كتاب المأمون إليه يعزيه بأبيه وفصل من كتاب المأمون إليه بالتعزية بأبيه سهل: «وقد جرى من قضاء الله على أبى الفضل ﵀، بعقب المصيبة بذى الرياستين ﵀، ما عظم مبلغه من أمير المؤمنين، ووصل إليه من مضض وألم هده، لأنسه كان بمكانه، ومحلّه كان من قلبه، ولمعرفته بموقع ذلك عندك، وما تجدّد لك من الوحشة والوجد واللّوعة لوفاته، لأن المصائب لو تأخرت عن أمير المؤمنين وعنك بعد المصيبة بذى الرياستين رضى الله عنه عدّة سنين، لما عفا أثرها، ولا اندمل كلمها (١)، ولا سكن روعها ولا موقعها من فكره، فأعظم الله لأمير المؤمنين الأجر فيه على عظم الرزية، وأحسن عقباه وعقباك منه، وربط (٢) على قلبه وقلبك، وعزم لك من الصبر على ما يرضيه عنك، وسدّ الله كل ثلمة انثلمت عليك، ورحم الله أبا الفضل رحمة تأتى من وراء زلله، وتعفّى على فرطات لسانه ويده، آنس الله أمير المؤمنين ببقائك، ودفع الأسواء والمكاره عنك بقدرته». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٥) ٢٢٤ - كتاب المأمون إليه من كتاب المأمون إلى الحسن بن سهل بالإحماد له على كفايته: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين إذا فكّر فى نعمة الله عليه منذ استخلفه فى أرضه، واستحفظه دينه (٣) وعباده، وألهمه من طاعته، وجعل عليه رأيه وهمته ونيّته فى إقامة حقه، وبسط عدله، والعمل بفرائضه وأحكامه، وعضده به منك، وجعل عندك من

стр. 1450

النية فى مساعدته ومعاونته على ما فيه القربة إلى الله ، ودرك رضوانه والقيام بما استكفاه من أمور، ونجح السعى فى إعزاز الدين وتأييده. ووقم (١) الشرك وتدويخه، وتابع له من الفتوح على يدك فى صنوف أعدائه، من شرق الأرض وغربها، وسهلها وجبلها، وسهّل له البلدان المستصعبة على غيره، حتى دان له عظماؤها، وانقادت له رؤساؤها، وقيدت إليه أشرافها، وحملت إليه أربابها، رأى أنه قد عضده منك بما لا تبلغ الأوهام وصفه، ولا العقول كنهه، فالحمد لله رب العالمين على ذلك حمدا كثيرا، وشكر دائما». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٢) ٢٢٥ - كتاب الحسن بن سهل إلى المأمون وتزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، فكتب إليه الحسن بعد أن زفّت إليه بوران، وتوهّم القوّاد أن هذا التزويج قد أنسى الحسن حاله قبل ذلك. «قد تولّى أمير المؤمنين من تعظيم عبده، فى قبول أمته، شيئا لا يتّسع له الشكر عنه إلا بمعونة المحن (٢) لأمير المؤمنين- أدام الله عزه- فى إخراج توقيعه بتزيين حالى فى العامّة والخاصّة بما يراه فيه صوابا إن شاء الله». فخرج التوقيع: «الحسن بن سهل زمام على ما جمع أمور الخاصّة، وكنف (٣) أسباب العامّة، وأحاط بالنفقات، ونفذ بالولاة، وإليه الخراج والبريد واختيار القضاة، جزاء بمعرفته بالحال التى قرّبته منا، وإثابة لشكره إيانا على ما أولينا». (زهر الآداب ٢: ٣٠)

стр. 1451

٢٢٦ - كتاب الحسن بن سهل إلى محمد بن سماعة القاضى وكتب الحسن بن سهل إلى محمد (١) بن سماعة القاضى: «أما بعد: فإنى احتجت لبعض أمورى إلى رجل جامع لخصال الخير، ذى عفّة ونزاهة طعمة (٢)، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب، ليس بظنين (٣) فى رأيه، ولا بمطعون فى حسبه، إن اؤتمن على الأشرار قام بها، وإن قلّد مهمّا من الأمور أجزأ فيه (٤)، له سنّ مع أدب ولسان، تقعده الرّزانة، ويسكّنه الحلم، قد فرّ عن ذكاء وفطنة، وعضّ على قارحه (٥) من الكمال، تكفيه اللّحظة، وترشده السّكتة قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام فى أمورهم فحمد فيها، له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه، دلائل الفضل عليه لائحة، وأمارات العلم له شاهدة، مضطلعا (٦) بما استنهض، مستقلا بما حمّل، وقد آثرتك بطلبه، وحبوتك (٧) بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتّيك (٨)».

стр. 1452

٢٢٧ - رد ابن سماعة عليه فكتب إليه: «إنى عازم أن أرغب إلى الله جل وعز حولا كاملا فى ارتياد مثل هذه الصفة وأفرّق الرّسل الثّقات فى الآفاق لالتماسه، وأرجو أن يمنّ الله بالإجابة، فأفوز لديك بقضاء حاجتك والسلام». (الأمالى ١: ٢٥٣) ٢٢٨ - كتاب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وكتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب (١) وقد اصطبح (٢) فى يوم دجن لم يمطر: «أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس فى يومنا هذا بقرب المطر وبعده كأنه قول كثيّر (٣): وإنى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت (٤) لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت (٥)

стр. 1453

وما أصبحت أمنيّتى إلا فى لقائك، فليت ححاب النأى هتك بينى وبينك، ورقعتى هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلى ولم تتحيّفه (١)، وبعثت نشاط حركتى للكتاب (٢)، فرأيك فى إمطارى سرورا بسارّ خبرك، إذ حرمت السرور بمطر هذا اليوم موفّقا إن شاء الله». (زهر الآداب ٢: ٥٨) ٢٢٩ - رد الحسن بن وهب عليه فكتب الحسن بن وهب: «وصل كتاب الأمير- أيّده الله- وفمى طاهم، ويدى عاملة، ولذلك تأخّر الجواب قليلا، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استوجب ذنبا استحقّ به ذما، لأنه إدا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإن أمطر حكى جودك وسخاءك، وإن غام أشبه ظلّك وفناءك، وسؤال الأمير عنى نعمة من نعم الله علىّ، أعفّى (٣) بها آثار الزمان السيّئ عندى، وأنا كما يحبّ الأمير، صرف الله الحوادث عنه وعن حظّى منه». (زهر الآداب ٢: ٥٩) ٢٣٠ - كتاب المطلب بن عبد الله بن مالك إلى الحسن بن سهل وكتب المطلب بن عبد الله بن مالك إلى الحسن بن سهل فى رجل توسل به: «طلب العافين (٤) الوسائل إلى الأمير- أعزّه الله- ينبئ عن شروع (٥) موارد إحسانه، ويدعو إلى معرفة فضله، وما أنصفه- أعزّه الله تعالى- من

стр. 1454

توسّل إلى معروفه بغيره، ورأى الأمير فى التطوّل (١) على من قصرت معرفته عن ذلك ما يريد الله تعالى فيه موفّقا» ٢٣١ - رد الحسن بن سهل عليه فكتب إليه الحسن: «وصلك الله فيما وصلتنى فى صاحبك من الأجر والشكر، وأراك الإحسان فى قصدك إلىّ بامتثاله برضا يفيدك شكره، ويعقبك أجره، ورأيك فى إتمام ما ابتدأت به، وإعلامى ذلك مشكورا». (زهر الآداب ٣: ٣٨٧) ٢٣٢ - ومن فصول الحسن بن سهل فصل له: «فلان قد استغنى باصطناعك إيّاه عن تحريكى إياك فى أمره، فإن الصنيعة حرمة للمصنوع إليه، ووسيلة إلى مصطنعه، فبسط الله يدك بالخيرات، وجعلك من أهلها، ووصل بك أسبابها». (العقد الفريد ٢: ١٩٣) *** وفصل له: «موصّل كتابى إليك أنا، فكن له أنا، وتأمّله بعين مشاهدتى وخلّتى (٢)، فبلسانه أشكر ما أتيت إليه، وأذمّ ما قصّرت فيه». *** وكتب يصف عقل المأمون: «وقد أصبح أمير المؤمنين محمود السّيرة، عفيف الطعمة (٣)، كريم الشّيمة،

стр. 1455

حبارك الضّريبة (١)، محمود النّقيبة (٢)، موفّيا بما أخذ الله عليه، مطّلعا (٣) بما حمّله منه، مؤدّيا إلى الله حقّه، مقرّا له بنعمته، شاكرا لآلائه (٤)، لا يأمر إلا عدلا، ولا ينطق إلا فصلا، عبئا لدينه وأمانته، كافّا ليده ولسانه». (العقد الفريد ٢: ١٩٨) ٢٣٣ - كتاب الفضل بن الربيع إلى المأمون وروى صاحب زهر الآداب قال: ولما أمر المأمون أن يحجب عنه الفضل بن الربيع لسبب تألم قلبه منه كتب إليه: «يا أمير المؤمنين، لم ينسنى التقريب حالى أيام التبعيد، ولا أغفلتنى المؤانسة عن شكر الأبتداء، فعلى أىّ الحالين أبعد من أمير المؤمنين، ويلحقنى ذمّ التقصير فى واجب خدمته؟ وأمير المؤمنين أعدل شهودى على الصدق فيما وصفت، فإن رأى أمير المؤمنين أن لا يكتم شهادتى فعل إن شاء الله». (زهر الآداب ١: ٣٤٣) ٢٣٤ - كتاب أحمد بن يوسف إلى المأمون وكتب أحمد بن يوسف إلى المأمون حين كثر الطّلاب للصّلات ببابه: «إنّ داعى نداك، ومنادى جداك (٥)، جمعا ببابك الوفود، يرجون نائلك العتيد (٦). فمنهم من يمتّ (٧) بحرمة، ومنهم من يدلى بسالف خدمة، وقد أجحف

стр. 1456

بهم المقام، وطالت عليهم الأيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه (١)، ويحقّق (٢) حسن ظنهم بطوله، فعل، إن شاء الله تعالى». فوقع المأمون فى كتابه: الخير متّبع، وأبواب الملوك مغان (٣) لطالبى الحاجات، ومواطن لهم، ولذلك قال الشاعر: يسقط الطير حيث يلتقط الحبّ ... ب وتغشى منازل الكرماء فاكتب أسماء من ببابنا منهم، واحك مراتبهم ليصير إلى كل امرئ منهم قدر استحقاقه، ولا تكدّرن معروفنا عندهم بطول الحجاب، وتأخير الثّواب (٤)، فقد قال الشاعر: فإنك لن ترى طردا لحرّ ... كإلصاق به طرف الهوان ولم تجلب مودة ذى وفاء ... بمثل الودّ أو بذل اللسان (زهر الآداب ٢: ٣٩، ومعجم الأدباء ٥: ١٦٩، ونهاية الأرب ٧: ٢٦٠) ٢٣٥ - كتابه إلى المأمون وأهدى أحمد بن يوسف إلى المأمون فى يوم نوروز (٥) طبق جزع (٦)، عليه ميل من ذهب، فيه اسمه منقوشا، وكتب إليه:

стр. 1457

«هذا يوم جرت فيه العادة، بإلطاف (١) العبيد السّادة، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين طبق جزع فيه ميل». فلما قرأ المأمون الرّقعة قال: جاءت هدية أحمد بن يوسف؟ قالوا: نعم، قال: هى فى دارى، أم دارى فيها؟ فلما رفع المنديل استظرف الهدية، واسترجح مهديها. (زهر الآداب ٢: ٤٠) *** وفى رواية أخرى: وأهدى أحمد بن يوسف إلى المأمون فى يوم نوروز سفط ذهب فيه قطعة عود هندى فى طوله وعرضه (٢)، وكتب معه: «هذا يوم جرت فيه العادة، بإتحاف العبيد السادة، وقد قلت: على العبد حقّ فهو لا شكّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فواضله (٣) ألم ترنا نهدى إلى الله ما له ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله فلو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصّر عنه البحر يوما وساحله ولكننا نهدى إلى من نجلّه ... وإن لم يكن فى وسعنا ما يشاكله (صبح الأعشى ٢: ٤٢٠، ومعجم الأدباء ٥: ١٧٢، والفخرى ص ٢٠٦، والأوراق لأبى بكر الصولى ١: ٢١٢) *** وفى رواية أخرى للصولى: وأهدى أحمد بن يوسف هدية إلى المأمون فى عيد وكتب إليه: «هذا يوم جرت فيه العادة، بإهداء العبيد للسادة، وقد أهديت لامير المؤمنين قليلا من كثيره عندى، وقلت:

стр. 1458

أهدى إلى سيّده العبد ... ما ناله الإمكان والجهد (١) وإنما أهدى له ما له ... يبدأ هذا، ولذا ردّ فقال المأمون: عاقل أهدى حسنا. (الأوراق لأبى بكر الصولى ١: ٢١٦) ٢٣٦ - كتابه إلى إبراهيم بن المهدى وأهدى أحمد بن يوسف إلى إبراهيم بن المهدى ملحا مطيّبا وكتب إليه: «الثقة بك قد سهلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم». (زهر الآداب ٢: ٤٠، والعقد الفريد ٣: ٣٠٨) *** وقال ابن طيفور: كتب أحمد بن يوسف إلى إبراهيم بن المهدى فى هدية استقلّها: «بلغنى استقلالك لما ألطفتك، والذى نحن عليه من الأنس سهّل علينا قلة الحشد لك فى البرّ، فأهدينا هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٠) ٢٣٧ - كتاب له عن المامون وقال أحمد بن يوسف: أمرنى المأمون أن أكتب إلى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد فى شهر رمضان، فأعيا علىّ ولم أجد مثالا أحتذى عليه، فبتّ مغموما (٢)، فأتانى آت فى منامى فقال: اكتب:

стр. 1459

«فإن فى ذلك عمارة للمساجد، وإضاءة للمتهجّدين (١) وأنسا للسّابلة (٢)، ونفيا لمكامن (٣) الرّيب، وتنزيها لبيوت الله جل وعز عن وحشة الظّلم»: فانتبهت وقد انفتح لى ما أريد فابتدأت بهذا وأتممت عليه (٤). (كتاب بغداد ٦: ٢٣٧، وزهر الآداب ٢: ٤٠، وكتاب الصناعتين ٢٢، والأوراق للصولى ١: ٢٣١) ٢٣٨ - كتابه إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود له وكتب أحمد بن يوسف إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود له: «بارك الله فى مولودك الذى أتاك، وهنأك نعمته بعطيّته، وملّاك (٥) كرامته بفائدته، وأدام سرورك بزيادته، وجعله بارّا تقيّا، ميمونا مباركا زكيّا، ممدودا له فى البقاء، مبلّغا غاية الأمل، مشدودا به عضدك، مكثّرا به ولدك، مداما به سرورك، مدفوعا به الآفات عنك، مشفوعا بأكثر العدد، من طيّب الولد». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٣) ٢٣٩ - كتاب آخر وكتب إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود أيضا: «أمّا بعد فقد بلغنى من متجدّد نعم الله عليك، وإحسانه إليك، فيما رزقك من الهبة، ما اشتد جذلى (٦) به، وسألت الله أن يشفعه بأمثاله، ولذلك أقول:

стр. 1460

قد شفع الواحد بالوافد ... وأرغم الأنف من الحاسد أبا حسين: قرّ عينا بما ... أعطيته من هبة الماجد (١) وأكثر الشكر [جزيلا] فقد ... نلت حبا الرّفد من الرافد (٢) قد قلت لمّا بشّرونى به ... بورك فى المولود للوالد إنّا لنرجو وافدا مثله ... والطائر الميمون للوافد» (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٤) ٢٤٠ - كتاب آخر وكتب إلى بعض إخوانه يهنئه بمولود: «أما بعد، فإنه ليس من أمر يجعل الله لك فيه سرورا إلا كنت به بهجا، أعتدّ فيه بالنعمة من الله الذى أوجب علىّ من حقك، وعرّفنى من جميل رأيك، فزادك الله خيرا، وأدام إحسانه إليك. وقد بلغنى أن الله وهب لك غلاما سريا (٣)، أجمل لك صورته، وأتمّ خلقه، وأحسن البلاء (٤) فيه عندك، فاشتدّ سرورى بذلك، وأكثرت حمد الله عليه، فبارك الله فيه، وجعله بارّا تقيّا، يشد عضدك، ويكثر عددك، ويقرّ عينك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٤) ٢٤١ - كتاب آخر «هنّأك الله هذه الفائدة التى أفادكها، وبارك الله فى الهبة التى رزقكها، وشفعها بإخوة متواترين، يسرّونك فى حياتك، ويخلفونك فى عقبك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٣)

стр. 1461

٢٤٢ - كتابه فى تهنئة بإفراق من مرض وكتب فى تهنئة بإفراق (١) من مرض. «قد أذهب الله وصب (٢) العلّة ونصبها، ووفّر أجرها وثوابها، وجعل فيها من إرغام العدو بعقباها، أضعاف ما كان عنده من السرور بفتح أولاها». (العقد الفريد ٢: ١٩٨) ٢٤٣ - كتاب له وكتب: «قد بذلت لنا من نفسك أعزّ مبذول وأنفسه، والمودة التى كل ما يحمد من صاحبها فهو لها نافع، وثقتنا بك واستنامتنا (٣) إلى ناحيتك على أحسن ما أكّد الله بيننا وبينك، وإن كان مدى اللقاء بيننا لم يطل، فأثّل منه (٤) ما يرعاه أهل الوفاء والمخالصة، ويقصّر فى المحافظة عليه وعلى أكثر منه من دخلت نيّته، وضعفت خلّته (٥)». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٠) ٢٤٤ - كتابه إلى بعض أخلائه وكتب إلى بعض الأخلاء وقد اعتلّ: «ورد كتاب صاحبى علىّ، بذكر شكوى قبلك، فكرّه إلىّ الاستبداد عليك بالصّحة، وفبّح عندى ترك مشاركتك فى العلّة، ولم يكن لى حول يتغيير ما قدّر الله فى جسمى، ولا بنقل ما ألمّ بجسمك إلىّ، فاستقلّ (٦) بألم قلبى، وأسكنته همّى وكآبتى،

стр. 1462

لأكون كأسوة المنقطعين إليك، المنتظمين فى خيطك، وجعلت ذلك شعاره فى علتك، حتى يأتينى المرجوّ من سلامتك، وأخّرت الكتاب بالعيادة، وإرسال من يقوم مقامى فيها لديك، لأنى إذا استقصيت فى الكتاب وصف ما يداخلنى طال، فعققت به من قصدت برّه، والرسول فلا يحمل ما يتضمنه صدرى، فينثل (١) كنه ما عندى، ولا يلقاك بسحنة (٢) مرسله، التى تترجم عن نيته، فإنى لكذلك أميّل (٣) بين التقرير فى إتيانك قبل استئذانك، أو تقدمة استطلاع رأيك، إذ جاءنى البشير بإفراقك (٤) وإقبال العافية إليك، وظهور تباشيرها عليك، فانحسر (٥) كل هم، وزال كل غمّ، ورحب (٦) من الأرض ما كان متضايقا علىّ، واستقبلت أملا سرّتنى جدّته، وسرّى (٧) عنى ما كنت أجده، فالحمد لله الذى أشجى (٨) عدوّك، ولم يصدّق طمعه، وأزال غصّة وليّك، ولم يحقّق حذره، وأنا أسأل الله الذى وهب لنا إقالته (٩)، وساق إليك عافيته، أن يهب لك عمرا زائدا على أمنيّتك، متجاوزا حدّ إحسانك، موفيا (١٠) على مبلغ ظنك، ويصل العز لك فى أمده، بكريم المنقلب من بعده، ويجعل حسن بلائه عندك، كمدا فى صدر حاسدك، وجمالا فى عين مؤمّلك، وسرورا للمتصلين بك إن شاء الله». (الأوراق للصولى ١: ٢٣٤) ٢٤٥ - كتاب له وكتب: «من قصر فى الشغل عمره، قلّ فى العطلة (١١) صبره، وما من وجهة أؤمّل فيها

стр. 1463

سدّ اختلالى، إلا دهمتنى فيها خيبة تكسف بالى، وأنت من لا يتخطاه الأمل فى أوان عطلته، ولا يجاوز رجاءه الحرمان فى حين ولايته، وليس لذمّ عليك طريق، ولا إلى مدحك سبيل، لأنى إذا قلت فيك ما لا تعرف به، عورضت بالتكذيب، وإن أتيت بما لم تولنى، طالبت حالى بالتحقيق، فلا يرى الناس فيها أثر تصديق، وقد صفرت يدى من فائدتك، بعد أن كنت ملأتها من عائدتك (١)، فإن رأيت أن تجيرنى من الحدثان (٢)، وتقيلنى من قيد الزمان، فعلت إن شاء الله». (الأوراق للصولى ١: ٢٣٥) ٢٤٦ - ومن كلامه «لك جدّ (٣) تنجده همّتك، وإنعام تفوه به نعمتك، فهى تحسر (٤) الناظر إليها، وتحيّر الواقف عليها، حتى كأنها تناجيه بحسن العقبى، وتوحى إليه ببعد المدى، ولله درّ نابغة بنى ذييان فى قوله: مجلّتهم ذات الإله، ودينهم ... قويم، فما يرجون غير العواقب (٥) (الأوراق للصولى ١: ٢٣٢)

стр. 1464

٢٤٧ - ومن كلامه «من اتّسع فى الإفضال، انّسعت به الأقوال، من شاكر مثن، ومادح مطر، ولسنا نصفك بما يعنّ لنا، ويذلّ على ألسننا، مما يتقرّب به ذو الرغبة، ويضرع إليه ذو الرّهبة، لاستنزال مرغوب، أو استنجاز مطلوب، ولكننا ننطق عن سيرتك بإفصاح، ونبين عنها بإيضاح، فنكفّ شغب الكائد، ونطيل نفس الحاسد». (الأوراق للصولى ١: ٢٣٣) ٢٤٨ - ومن كلامه «كفى عارا على راغب أن يعدل برغبته عن الأمير، إذ كانت عائدته تشير إليها، وتقف راجية إليها، فالقصد بها حيث يومى لها، من منبت رافع، ومسرح واسع، أولى براجى نجاحها، وتصديق الأمل فيها، من إيقافها على حيرة، وإقحامها فى شبهة لم يضح نهج السبيل إليها، ولا نصبت أعلام جود عليها، فأقلّ ما فى الأمير من كرم الخلال، يربى (١) على كثير من فنون المقال، فجهد المادح له أن يبلغ أدنى فضله، كما أن غاية الشاكر (٢) أن يجزى أيسر نعمه، فأطال الله مدته، وأدام له دولته، وتمّم عليه نعمته». (الأوراق للصولى ١: ٢٣٣) ٢٤٩ - كتاب له فى الاعتذار ومن كلامه يعتذر إلى بعض الأخلّاء: «لى ذنوب إن عددتها جلّت، وإن ضممتها إلى فضلك حسنت، وقد راجعت إنابتى، وسلكت طريق استقامتى، وعلمت أن توبتى فى حجّتى وإقرارى أبلغ فى معذرتى، فهذا مقام التائب من جرمه، المتضمّن حسن الفيئة (٣) على نفسه، فقد كان

стр. 1465

عقابك بالحلم عنى، أبلغ من أمرك بالانتصاف منى، فإن رأيت أن تهب لى ما استحققته من العقوبة، لما ترجوه من المثوبة، فعلت إن شاء الله». (الأوراق للصولى ١: ٣٣٣) ٢٥٠ - ومن كلامه «قد كان كتابى نفذ إليك بما كان غيره أولى بى، وألزم لى فى حقّ الحرية والكرم، اللّذين جعلا لك إرثا، والشرف والفضل اللذين قسما لك حظّا، ولكنّنى دفعت من اتصال الزّلل، والإخلال بالعمل، إلى ما اضطرّنى إلى محادثتك، ودعانى إلى مخالفتك، لأجلّى عنى هبوة (١) الاتّهام، وأصرف عنك عارض الملام، وقد جرى لك المقدار بالسّؤدد الذى خصّك الله بمزيته، وأفردك بفضيلته، فليس يحاول أحد استقصاء عليك، إلا عرض دونه حاجز من واجبك، يضطرّه إلى ذلّة التنصّل إليك، ويحور ذلك عن التّعمّد». (الأوراق للصولى ١: ٢٣٤) ٢٥١ - كتابه إلى بنى سعيد بن مسلم وكتب إلى بنى سعيد بن مسلم: «لولا أن الله ختم نبوّته بمحمد ﷺ ، وكتبه بالقرآن، لبعث لكم نبىّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر، وما عسيت أن أقول فى قوم: محاسنهم مساوى السّفلة، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقولة بالعىّ، وأيديهم معقودة بالبخل، وأعراضهم أغراض للذمّ، وهم كما قال الشاعر: لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا (زهر الآداب ٢: ٤٠، واختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٠)

стр. 1466

٢٥٢ - كتاب له وروى الصّولى قال: ومن كلامه: «لقد أحلّك الله من الشرف أعلى ذروته، وبلّغك من الفضل أبعد غايته، فالآمال إليك مصروفة، والأعناق إليك معطوفة، عندك تنتهى الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة، وبك تثنى الخناصر (١)، وتستفتح أغلاق (٢) المطالب، ولا يستريث (٣) النّجح من رجاك، ولا تعروه النوائب فى ذراك (٤)». (كتاب الأوراق للصولى ١: ٢٣٢) *** وفى رواية أخرى للصولى أيضا قال: قالوا للقاسم بن يوسف- أخى أحمد بن يوسف- أقبلت على الشعر وتركت البلاغة، فقال: امتحنونى، فقيل له: فاكتب إلى محمد بن منصور فى الرضا عن هذا الرجل، فقد كان فى ناحيته ثم عتب عليه، فكتب إليه: «قد أحلّك الله من الشرف فى أعلى ذروته، وبلّغك من الفضل أبعد غايته، فالآمال إليك عائلة (٥)، والأعناق نحوك مائلة، وإليك تنتهى الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الراجية، لا يستريث نجحا من رجاك، ولا تعروه النوائب فى ذراك. وفلان ممن قدمت بك حرمته، وطالت لك خدمته، ووجبت لك حقوق عليه، وهى أوكد وسيلة، وأقصد ذريعة، وقد فرط (٦) جرم ما تعمّده، وخطأ جرى القضاء به، وفى عتبك ما قوّمه، وفى عفوك ما تلافى زلّته، إن شاء الله». (كتاب الأوراق للصولى ١: ١٩٧)

стр. 1467

٢٥٣ - كتاب لأحمد بن يوسف فى العدل والإنصاف «لو لم يكن العدل من شيمتك، والإنصاف من خليقتك، لكان يجب عليك فى قدر نعمة الله عندك، وما رفع إليه من الفضل غايتك، أن تتّخذهما عتادا (١) ليومك، وذخرا لغدك، فكيف وقد جعلهما الله شعارا باطنا، ولباسا ظاهرا؟ ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٥٩) ٢٥٤ - كتابه فى إنصاف قوم تظلموا «أما بعد، فإن الله جلّ ثناؤه جعل عزّ السلطان فى أرضه معاذا يلجأ إليه من اضطهد بقوة، أو عدى عليه بمظلمة، وحجابا بين الساعين بالفساد وبين ما يتشوّفون إليه، ويتنازعون نحوه، من ركوب الكبائر، وانتهاك المحارم (٢)، وموئلا لمن استرقّوا (٣) من أهل الضعف، بالعدوان والعسف، والولاة مسئولون عما خوّلوا، مرتهنون بما حمّلوا، حتى يكفّهم عدل، أو يوبقهم (٤) جور، وقليل ما يتقحّم (٥) العمّال من سوء السّيرة، أو يرغبون فيه لأتباعهم من الغميزة (٦)، أشدّ للقلوب [إفسادا] (٧)، ولكافّة الرعية إحجاما (٨)، مما يتساورون (٩) به بينهم، للمحلّ الذى نصبت له الرّعاة من إصراخ (١٠) الملهوفين، والأخذ فوق أيدى المعتدين، وما يسكّن (١١) فائرة من انتصر بهم، فلم يدفعوا عن حوزته من القنوط والإياس.

стр. 1468

وقد انتهى إلى أمير المؤمنين كذا وكذا، فأنكر ذلك إنكارا لم يرد عليه مثله، وكان أحقّ من غلظ عليه فى التنكيل، وضوعف له التأديب، من كان من أعوان السّلطان، الذين التمس بهم إحياء العدل وإماتة الجور، فانظر نظرا تقضى به حقّ الله وحقّ الناس، غير متجانف (١) بصغو إلى أحد ممن مال عن القصد، ثم أنفذ بينهم ما ألزمهم الحكم، غير متحاوز للحقّ، ولا معطّل للحكم، فإن الله ﵎ يقول: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» وقال: «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٥٩) ٢٥٥ - كتاب له فى السلامة «أما بعد، فإن بلاء الله عند أمير المؤمنين، مع ما يحوط له ما استحفظه واسترعاه وتولاه من حسن الخلافة فيما قرب منه ونأى، وتعقّبه من الصّنع على من شاقّه (٢) وناوأه، البلاء الذى حقّ علينا وعلى عامة رعيته القول فيه وإذاعته والحديث عن النعمة الشاملة والكرامة المجلّلة فيه، والله نسأل كذا. (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٨ و ٣٧٨) ٢٥٦ - وله صدر فى السلامة «إن من أعظم النظم عند الخاصّة والعامّة موقعا، وأوجبها عليهم شكرا، سلامة أمير المؤمنين التى جعلها الله عماد الدين، وقواما للمسلمين، وجعل بها فواتح اليمن والبركة، وفوائد السرور والغبطة لكافّة المؤمنين». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٨ و ٣٧٤ و ٣٧٨)

стр. 1469

٢٥٧ - فصل له فى السلامة «وقد أفادنى الله بما ورد علىّ من كتاب أمير المؤمنين سرورا وابتهاجا أيام أظلّ ما أظلّ من بركات اقترابه، وشارف من اليمن والسعادة فى رؤيته، وامتدت بذلك فيمن قبلى، فكلّ سرّ واستبشر، ودعا وتشكّر». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٤) ٢٥٨ - فصل له فى الشكر «لم يخطئنى من النعم ما أصابك، ولا عدانى منها ما حلّ بك، ولا خلوت من واجب حقها وما نفلك (١) الله منها إذ قلّدتها، اعتدادا منى بما طوّفت من المنن، وإيجابا على نفسى لما حملت من الشكر». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٠) ٢٥٩ - فصل له فى الشكر «ذكر أمير المؤمنين كذا، وليس ما تقدّم من رأيه فى الاستنامة (٢) إلىّ، والسكون إلى قولى، حالا يفى بها الشكر، وإن حظر عليها، وأفرد بتأديتها، فيكون فيه اتساع لما اتّصل بها، وتظاهر بعدها». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٢) ٢٦٠ - كتاب له فى الشكر «وقد قدم علىّ فلان بما حمّله أمير المؤمنين من كتابه وكرامته، فكفى صنيعة من أمير المؤمنين وسعادة إخلاص أمير المؤمنين الدعاء له فى كتبه، وتطلّعه إلى علم خبره، وتوجيهه ذا الثقة والنصيحة من خدمه ليصدر إليه بسلامته، فوفّاك الله يا أمير المؤمنين

стр. 1470

جزاء هذه الكرامات الّتى تظاهر بينها، وتربّ (١) نعمك فيها، وتتبع ما قدّمت بما استأنفت منها، وشكر الله لك ما أصبحت مشكورا به من الوفاء على ألسن البشر، طيّبا عليك النشر فى جميع الأمم. وقد كان كذا، وحضرنى فى يوم جلوسى لإظهار (٢) كرامته من قبلى من قواده، فكان من دعائهم لأمير المؤمنين، وتحمّل كل امرئ منهم بقسطه من شكره، ما أسأل الله أن يتقبّل رغباتهم إليه، ويقضى عنهم الحقّ بما عملوا له» (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٣) ٢٦١ - كتاب له فى الاعتذار «أما بعد، فإن لكل ذنب عفوا أو عقوبة، وذنوب الخاصّة عندك مستورة مغفورة، فأما مثلى من العامّة فذنبه لا يغفر، وكسره لا يجبر، فعاقبنى بإعراض لا يؤدّى إلى مقت». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٥) ٢٦٢ - كتاب آخر «أتيتك وافدا بذنوبى على عفوك، واثقا لعقوقى ببرّك، لا مستظهرا عليك بشفيع قدّمته، خلا تطوّلك بالعفو عن الإخوان، وتفضّلك عليهم بالإحسان، فإن تعاقب فقد حكمت بالمعدلة بعقوبتك على نفسى، وإن تجاف عن ذلك فإن الله يعلم أن قلبى لم يصرّ لك على قطيعة، وكلّ ذنب كان أصله الاستبطاء، لدالّة الحرمة، والاستعطاف بماتّة الخدمة، فهو مما يعدّ فى الحسنات لا السيئات». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠)

стр. 1471

٢٦٣ - كتاب آخر «قد ارتهنت لك الشكر من نفسى، معرفة بالتقصير عن حقك، واعتقدت لك الميثاق، على علمى بحمد الوفاء فى أمرك، فأنا وكيلك على ما أصلح الله لك قلبى، وأمينك فى المناصحة لحجّتك على نفسى، والله على ذلك شهيد». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠) ٢٦٤ - كتاب آخر «قد يسع العذر من ضاقت عليه الحجّة، وحيث قبحت الاستكانة فهى هاهنا حسنة، ولعلّ الله أن يهب لنا نفسا (١) فى المدّة نتلافى به سالف التفريط والإضاعة». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠) ٢٦٥ - كتاب له فى حاجة «قد كان لك فلان على ما بلغك فى الفضل وجميل الأخلاق، وقد حواهم (٢) الله لك وصيّرهم فى ظلّك وتحت جناحك، فإن رأيت أن ترعى ما تقدّم لهم عندك من المعروف، فإن عليك أن تربّه (٣) كما عليهم أن يشكروه، ..... (٤) من انقبضت عنه فى حوائجى، فإنى أنبسط إليك وآنس بك فيها، ومن ادّخرته ذات نفسى فإنى أبثّك إياها لخلال كثيرة، خار الله لك فضلها، وقدّمك على غيرك عندى بها: قبل اللقاء على حسن الأحدوثة، وبعده على محمود الخبرة، والله أشكر على السبب الذى وصله بيننا شكرا أستثيبه به إتمام ما وصل منه، وإعاذته من تخوّن (٥) الحوادث إياه.

стр. 1472

وكان إتيانى إياك- أعزك الله- فى حوائجى، بعد أن طال بغيرك تشاغلى. وبعد أن استهلكت إضاعته الواجب فى أمرى، واتكاله على لين مطالبتى، سلّما كنت أعتمد عليه، وأتروّح إليه، فأتيتك حين أنفذ الصبر مدته، وبلغ المكروه غايته، ولم يبق من السّتر إلا ما كاد أن يشفّ عما دونه، ألزمك عمارة حال أبدى سواها خللها، وأعجلك فى تدارك أمور تسلّف التفريط من غيرك مهلها، فتلقّيت بالقبول وسائلى، وبالإنجاز حاجتى، وأعجلتنى عن الشكوى بالعلم بالداء، وتضمّن الدواء، ثم لم تجعل جاهك، مع كثرته وانبساطه، مندوحة (١) عن مالك مع قلة مادته، وضعفه عما تحمّله، بذلا قبل المسألة، وتطوّعا بعد الفريضة، ولا والذى جميل رأيك من عظيم نعمه عندى، ما أصبحت لى هناك عرجة إلا عليك، طالت أم قصرت، ولا أنتظر بها فسحة إلا من قبلك، تقدّمت أو تأخرت، ولا أتشبّث فى مقامى إلا بعلقة (٢) متراخية عن الوثيقة، لا فضل فيها للأناة والنظر، ولا تبلغ أن تكون بلغة، فرأيك فى الأمر الذى رغبت إليك فيه، وهو حسن موقعه، محتلّ إليك موضعه، مستكثر قليله، مقبول عفوه» (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩١) ٢٦٦ - كتاب له فى الشوق وكتب إلى صديق له يشكو شوقه إليه: «شوقى إليك شديد، يستوى فى العجز عن صفته الخطيب البليغ والعىّ المفحم (٣)، فدعانى ذلك إلى الخفض على نفسى، وتقديم جملة من ذكره إذا عارضت بها ما فى قلبك كانت له موافقة، بل كانت عليه مفضلة (٤)». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٦)

стр. 1473

٢٦٧ - فصل له فى الإخاء «وليس ينبغى لك أن نؤاخى إلا الكريم الأخوّة، الكامل المروّة، الذى إذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، إن لقى صديقك استزاد لك فى مودّته، وإن لقى عدوك كفّ عنك من عاديته، إن رأيته ابتهجت، وإن أتيته استرحت». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٨) ٢٦٨ - كتاب له فى العتاب وكتب أحمد بن يوسف: لولا حسن الظن بك- أعزّك الله- لكان فى إغضائك عنى ما يقبضنى عن الطّلبة (١) إليك، ولكن أمسك برمق من الرجاء علمى برأيك فى رعاية الحق، وبسط يدك إلى الذى لو قبضتها عنه لم يكن له إلّا كرمك مذكّرا، وسوددك شافعا». (العقد الفريد ٢: ١٩٣) *** وكتب أيضا: «لا تجوز قطيعة، لأنها لا تخلو من أحد وجهين، إما ضعف فى نفس الاختيار، وإما ملل، وكلاهما حجّة فيه». (العقد الفريد ٢: ١٩٣) ٢٦٩ - كتاب له فى الذم وكتب يذم: «أما بعد، فإنى لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك، فالمعروف

стр. 1474

لديك ضائع، والشكر عندك مهجور، وإنما غايتك فى المعروف أن تحقره، وفى وليّه أن تكفره». (العقد الفريد ٢: ١٩٦) ٢٧٠ - كتاب له فى الذم وله فى الذم إلى وال: «أما والله إن كنت لمسيئا إلى جندك، مخطئا لحظّك، غير نبيل فى عملك، ولا مصيب عزّك عن عمل فى حكمك، تحيف فى القضاء، وتتّبع الهوى وتقبل الرّشا، لست الثابت الرزين، ولا الحليم الركين (١)». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٠) ٢٧١ - كتاب إلى أحمد بن يوسف من صديق له وكتب إلى أحمد بن يوسف صديق له فى يوم دجن (٢): «يومنا ظريف النواحى، رقيق الحواشى، قد رعدت سماؤه وبرقت، وحنّت وارجحنّت (٣)، وأنت قطب السرور، ونظام (٤) الأمور، فلا تفردنا منك، فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ، فإن المرء بأخيه كثير، وبمساعدته جدير». (معجم الأدباء ٥: ١٧٠) ٢٧٢ - كتاب القاسم بن يوسف إلى صديق له وجازى القاسم بن يوسف صديقا له على مكروه أتاه، فكتب إليه يعذله فى ذلك، وكتب القاسم:

стр. 1475

«ظلمت- أعزّك الله- وما أنصفت، وأسأت وما أحسنت، تأتى ذلك اختيارا، ولا تتبعه اعتذارا، حتى إذا لذعت بلظى المكافأة (١)، وسلك بك طريق المجازاة، جعلت ذلك لنا ذنبا، وألزمتنا له عتبا، ومن لم يعرف قببج ما يبلى، لم يعرف حسن ما يولى، ولله در القائل: إذا ما امرؤ لم يحمل الحقد لم يكن ... لديه لذى نعمى جزاء ولا شكر» (كتاب الأوراق للصولى ١: ٢٠٦) ٢٧٣ - كتاب أحد غلمان الديوان إلى آخر منهم قال أحمد بن يوسف: كتب غلام من ولد أنو شروان ممن كان أحد غلمان الدّيوان إلى آخر منهم، وكان قد علق به وكان شديد الكلف (٢) به والمحبة له: «ليس من قدرى- أدام الله سعادتك- أن أقول لمثلك: جعلت فداك، لأنى أراك فوق كلّ قيمة نضيرة، وتمن معجز، ولأن نفسى لا تساوى نفسك، فتقبل فى فديتك على كل حال، فجعلنى الله فداء ساعة من أيامك. اعلم أيها السيد العلىّ المنزلة، أنّه لو كان لعبدك من شدة الخطب أمر يقف على حدّه النعت، لاجتهد أن يصف من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، ويحنو على الرّقة والتحفّى (٣) أثناء جوانحك، ولكن الذى أمسيت وأصبحت ممتحنا به فيك، منع عن كل بيان، ونزح (٤) عن كل لسان. والحبّ أيها الملك لم يشبه قذى (٥) ريبة، ولم يختلط به قلب معاب، فلا ينبغى
следующие страницы →