٢٦٣ - كتاب آخر
«قد ارتهنت لك الشكر من نفسى، معرفة بالتقصير عن حقك، واعتقدت لك الميثاق، على علمى بحمد الوفاء فى أمرك، فأنا وكيلك على ما أصلح الله لك قلبى، وأمينك فى المناصحة لحجّتك على نفسى، والله على ذلك شهيد».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠)
٢٦٤ - كتاب آخر
«قد يسع العذر من ضاقت عليه الحجّة، وحيث قبحت الاستكانة فهى هاهنا حسنة، ولعلّ الله أن يهب لنا نفسا (١) فى المدّة نتلافى به سالف التفريط والإضاعة».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠)
٢٦٥ - كتاب له فى حاجة
«قد كان لك فلان على ما بلغك فى الفضل وجميل الأخلاق، وقد حواهم (٢) الله لك وصيّرهم فى ظلّك وتحت جناحك، فإن رأيت أن ترعى ما تقدّم لهم عندك من المعروف، فإن عليك أن تربّه (٣) كما عليهم أن يشكروه، ..... (٤) من انقبضت عنه فى حوائجى، فإنى أنبسط إليك وآنس بك فيها، ومن ادّخرته ذات نفسى فإنى أبثّك إياها لخلال كثيرة، خار الله لك فضلها، وقدّمك على غيرك عندى بها: قبل اللقاء على حسن الأحدوثة، وبعده على محمود الخبرة، والله أشكر على السبب الذى وصله بيننا شكرا أستثيبه به إتمام ما وصل منه، وإعاذته من تخوّن (٥) الحوادث إياه.
стр. 1472
وكان إتيانى إياك- أعزك الله- فى حوائجى، بعد أن طال بغيرك تشاغلى.
وبعد أن استهلكت إضاعته الواجب فى أمرى، واتكاله على لين مطالبتى، سلّما كنت أعتمد عليه، وأتروّح إليه، فأتيتك حين أنفذ الصبر مدته، وبلغ المكروه غايته، ولم يبق من السّتر إلا ما كاد أن يشفّ عما دونه، ألزمك عمارة حال أبدى سواها خللها، وأعجلك فى تدارك أمور تسلّف التفريط من غيرك مهلها، فتلقّيت بالقبول وسائلى، وبالإنجاز حاجتى، وأعجلتنى عن الشكوى بالعلم بالداء، وتضمّن الدواء، ثم لم تجعل جاهك، مع كثرته وانبساطه، مندوحة (١) عن مالك مع قلة مادته، وضعفه عما تحمّله، بذلا قبل المسألة، وتطوّعا بعد الفريضة، ولا والذى جميل رأيك من عظيم نعمه عندى، ما أصبحت لى هناك عرجة إلا عليك، طالت أم قصرت، ولا أنتظر بها فسحة إلا من قبلك، تقدّمت أو تأخرت، ولا أتشبّث فى مقامى إلا بعلقة (٢) متراخية عن الوثيقة، لا فضل فيها للأناة والنظر، ولا تبلغ أن تكون بلغة، فرأيك فى الأمر الذى رغبت إليك فيه، وهو حسن موقعه، محتلّ إليك موضعه، مستكثر قليله، مقبول عفوه» (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩١)
٢٦٦ - كتاب له فى الشوق
وكتب إلى صديق له يشكو شوقه إليه:
«شوقى إليك شديد، يستوى فى العجز عن صفته الخطيب البليغ والعىّ المفحم (٣)، فدعانى ذلك إلى الخفض على نفسى، وتقديم جملة من ذكره إذا عارضت بها ما فى قلبك كانت له موافقة، بل كانت عليه مفضلة (٤)».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٦)
стр. 1473
٢٦٧ - فصل له فى الإخاء
«وليس ينبغى لك أن نؤاخى إلا الكريم الأخوّة، الكامل المروّة، الذى إذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، إن لقى صديقك استزاد لك فى مودّته، وإن لقى عدوك كفّ عنك من عاديته، إن رأيته ابتهجت، وإن أتيته استرحت».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٨)
٢٦٨ - كتاب له فى العتاب
وكتب أحمد بن يوسف:
لولا حسن الظن بك- أعزّك الله- لكان فى إغضائك عنى ما يقبضنى عن الطّلبة (١) إليك، ولكن أمسك برمق من الرجاء علمى برأيك فى رعاية الحق، وبسط يدك إلى الذى لو قبضتها عنه لم يكن له إلّا كرمك مذكّرا، وسوددك شافعا».
(العقد الفريد ٢: ١٩٣)
*** وكتب أيضا:
«لا تجوز قطيعة، لأنها لا تخلو من أحد وجهين، إما ضعف فى نفس الاختيار، وإما ملل، وكلاهما حجّة فيه». (العقد الفريد ٢: ١٩٣)
٢٦٩ - كتاب له فى الذم
وكتب يذم:
«أما بعد، فإنى لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك، فالمعروف
стр. 1474
لديك ضائع، والشكر عندك مهجور، وإنما غايتك فى المعروف أن تحقره، وفى وليّه أن تكفره». (العقد الفريد ٢: ١٩٦)
٢٧٠ - كتاب له فى الذم
وله فى الذم إلى وال:
«أما والله إن كنت لمسيئا إلى جندك، مخطئا لحظّك، غير نبيل فى عملك، ولا مصيب عزّك عن عمل فى حكمك، تحيف فى القضاء، وتتّبع الهوى وتقبل الرّشا، لست الثابت الرزين، ولا الحليم الركين (١)».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٠)
٢٧١ - كتاب إلى أحمد بن يوسف من صديق له
وكتب إلى أحمد بن يوسف صديق له فى يوم دجن (٢):
«يومنا ظريف النواحى، رقيق الحواشى، قد رعدت سماؤه وبرقت، وحنّت وارجحنّت (٣)، وأنت قطب السرور، ونظام (٤) الأمور، فلا تفردنا منك، فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ، فإن المرء بأخيه كثير، وبمساعدته جدير».
(معجم الأدباء ٥: ١٧٠)
٢٧٢ - كتاب القاسم بن يوسف إلى صديق له
وجازى القاسم بن يوسف صديقا له على مكروه أتاه، فكتب إليه يعذله فى ذلك، وكتب القاسم:
стр. 1475
«ظلمت- أعزّك الله- وما أنصفت، وأسأت وما أحسنت، تأتى ذلك اختيارا، ولا تتبعه اعتذارا، حتى إذا لذعت بلظى المكافأة (١)، وسلك بك طريق المجازاة، جعلت ذلك لنا ذنبا، وألزمتنا له عتبا، ومن لم يعرف قببج ما يبلى، لم يعرف حسن ما يولى، ولله در القائل:
إذا ما امرؤ لم يحمل الحقد لم يكن ... لديه لذى نعمى جزاء ولا شكر»
(كتاب الأوراق للصولى ١: ٢٠٦)
٢٧٣ - كتاب أحد غلمان الديوان إلى آخر منهم
قال أحمد بن يوسف:
كتب غلام من ولد أنو شروان ممن كان أحد غلمان الدّيوان إلى آخر منهم، وكان قد علق به وكان شديد الكلف (٢) به والمحبة له:
«ليس من قدرى- أدام الله سعادتك- أن أقول لمثلك: جعلت فداك، لأنى أراك فوق كلّ قيمة نضيرة، وتمن معجز، ولأن نفسى لا تساوى نفسك، فتقبل فى فديتك على كل حال، فجعلنى الله فداء ساعة من أيامك.
اعلم أيها السيد العلىّ المنزلة، أنّه لو كان لعبدك من شدة الخطب أمر يقف على حدّه النعت، لاجتهد أن يصف من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، ويحنو على الرّقة والتحفّى (٣) أثناء جوانحك، ولكن الذى أمسيت وأصبحت ممتحنا به فيك، منع عن كل بيان، ونزح (٤) عن كل لسان.
والحبّ أيها الملك لم يشبه قذى (٥) ريبة، ولم يختلط به قلب معاب، فلا ينبغى
стр. 1476
لمن كرمت أخلاقه أن يعاف (١) مقاربة صاحبه المدلّ بجزم نيّته، والذى أتمناه أيها المولى اللطيف مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدى، وفتّت كبدى، فإن خفّ ذلك عليك، ورأيت نشاطا من نفسك إليه، كنت كمن فكّ أسيرا، وأبرأ عليلا، ومن الخير سلك سبيلا يتوعّر سلوكها على من كان قبله ويكون بعده، ثم أضاف إلى ذلك منّة لا يطيقها جبل راس، ولا فلك دائر.
فرأيك أيها السيد المعتمد فى الإسعاف قبل أن يبدر (٢) فىّ الموت، فيحول بينى وبين ما نزعت (٣) إليه النفس مواصلا برّا إن شاء الله تعالى».
(زهر الآداب ٣: ١٤)
٢٧٤ - رده عليه
فأجابه:
«تولّى الله تعالى ما جرى به لسانك بالمزيد، ولا أوحش ما بيننا بطائر فرقة، ولا حافر (٤) تشتّت، وضمّنا وإياك فى أوثق حبال الأنس، وأوكد أسباب الألفة وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامر قلبك، وانطوى فى ضميرك، من الشّغف المقلقل، والهوى المضرع (٥)، ولعمرى لو كشف لك عن معشار (٦) ما اشتمل عليه مضمر صدرى، لأيقنت أن الذى عندك إذا نسبته إلى ما عندى كالمتلاشى الزّائل ولكنك بفضل الإنعام سبقتنا إلى كشف ما فى الضمير. وأما طاعتى لك وذمامى (٧) إليك، فطاعة العبد المقتنى الطائع لما يحكم له وعليه مولاه ومالكه، وأنا سائر إليك وقت كذا، فتأهّب لذلك بأجهد عافية، وأتم عاقبة، وأسعد نجم، حرىّ بالألفة إن شاء الله تعالى». (زهر الآداب ٣: ١٥)
стр. 1477
٢٧٥ - رسالة سهل بن هرون فى البخل
وهذه رسالة سهل (١) بن هرون بن راهبون إلى بنى عمه من آل راهبون، حين ذمّوا مذهبه فى البخل، وتتبّعوا كلامه فى الكتب:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير، وجعلكم من أهله، قال الأحنف بن قيس: «يا معشر بنى تميم لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال أقلّهم حياء من الفرار» وقد كانوا يقولون: «إذا أردت أن ترى العيوب جمّة فتأمّل عيّابا، فإنه إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب»، وأوّل العيب (٢) أن تعيب ما ليس بعيب، وقبيح أن تنهى مرشدا، وأن تغرى بمشفق، وما أردنا بما قلنا إلّا هدايتكم وتقويكم، وإلّا إصلاح فسادكم وإبقاء النعمة
стр. 1478
عليكم، ولئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النيّة فيما بيننا وبينكم، ثم قد تعلمون أنّا ما أوصيناكم إلا بما قد اخترناه لأنفسنا قبلكم (١)، وشهرنا به فى الآفاق دونكم، ثم نقول فى ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: «وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»، فما كان أحقّكم فى تقديم حرمتنا بكم (٢)، أن ترعوا حقّ قصدنا بذلك إليكم، وتنبيهنا على ما أغفلنا من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم، ولا بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب برّا وفضلا (٣) لرأينا أن فى أنفسنا عن ذلك شغلا.
وإن من أعظم الشّقوة، وأبعد من السعادة، ألّا يزال يتذكر زلل المعلّمين، ويتناسى سوء استماع المتعلمين، ويستعظم غلظ العاذلين، ولا يحفل بتعمّد المعذولين.
عبتمونى بقولى لخادمى (٤) أجيدى عجنه خميرا كما أحدته فطيرا (٥)، ليكون أطيب لطعمه، وأزيد فى ريعه. وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه ورحمه لأهله:
«املكوا العجين فإنه أريع للطّحين (٦)».
وعبتم علىّ قولى: من لم يعرف مواقع السّرف فى الموجود الرخيص، لم يعرف مواقع الاقتصاد فى الممتنع الغالى، فلقد أوتيت من ماء الوضوء بمكيلة (٧) يدل حجمها
стр. 1479
على مبلغ الكفاية، وأشدّ من الكفاية، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء، وإلى التوفير عليها من وظيفة (١) الماء، وجدت فى الأعضاء فضلا على الماء، فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد فى أوائله، ورغبت عن التهاون به فى ابتدائه، لخرج آخره على كفاية أوّله، ولكان نصيب العضو الأوّل كنصيب الآخر، فعبتمونى بذلك، وشنّعتموه بجهدكم وقبّحتموه، وقد قال الحسن (٢) عند ذكر السّرف «أما إنّه ليكون فى الماعونين (٣): الماء والكلأ» فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلأ.
وعبتمونى حين ختمت على سدّ (٤) عظيم، وفيه شىء ثمين من فاكهة نفيسة، ومن رطبة (٥) غريبة، على عبد نهم، وصبىّ جشع، وأمة لكعاء، وزوجة خرفاء (٦)، وليس من أصل الأدب ولا فى ترتيب الحكم، ولا فى عادات (٧) القادة، ولا فى تدبير السّادة، أن يستوى فى نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير (٨) المركوب، والناعم من كل فن، واللّباب (٩) من كل شكل، التابع والمتبوع، والسيّد والمسود، كما لا تستوى مواضعهم فى المجالس، ومواقع أسمائهم فى العنوانات وما يستقبلون به من التحيّات، وكيف وهم لا يفقدون من ذلك ما يفقد القادر، ولا يكترثون له اكتراث العارف؟ ومن شاء أطعم كلبه الدجاج المسمّن، وعلف
стр. 1480
حماره السّمسم المقشّر، فعبتمونى بالختم، وقد ختم بعض الائمة على مزود (١) سويق، وختم على كيس فارغ، وقال: «طينة (٢) خير من طيّة» فأمسكتم عمن ختم على لا شىء، وعبتم من ختم على شىء».
وعبتمونى حين قلت للغلام إذا زدت فى المرق فزد فى الإنضاج، ليجتمع مع التأدّم باللحم طيب المرق، وقد قال النبى ﷺ : «إذا طبختم لحما فزيدوا فى الماء، فإن لم يصب أحدكم لحما أصاب مرقا».
وعبتمونى بخصف (٣) النّعال، وبتصدير القميص، وحين زعمت أنّ المخصوفة من النعل أبقى وأوطأ وأقوى وأنفى للكبر، وأشبه بالنّسك، وأن الترقيع من الحزم، وأن الاجتماع مع الحفظ، وأن التفرق مع التضييع (٤)، وقد كان النبى ﷺ بخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويلعق أصابعه، ويقول: «لو أتيت بذراع لأكلت (٥)، ولو دعيت إلى كراع (٦) لأجبت» ولقد لفقت (٧) سعدى بنت عوف إزار طلحة (٨)
стр. 1481
وهو جواد قريش، وهو طلحة الفيّاض، وكان فى ثوب عمر رقاع أدم، وقال (١):
«من لم يستحى من الحلال خفّت مؤنته وقلّ كبره. وقالت الحكماء: لا جديد لمن لا يلبس الخلق» وبعث زياد رجلا يرتاد له (٢) محدّثا، واشترط على الرائد أن يكون عاقلا مسدّدا، فأتاه به موافقا، فقال: أكنت ذا معرفة به؟ قال: لا ولا رأيته قبل ساعته، قال: أفناقلته (٣) الكلام، وفاتحته الأمور قبل أن توصله إلىّ؟ قال: لا، قال: فلم اخترته على جميع من رأيته؟ قال: يومنا يوم قائظ (٤)، ولم أزل أتعرّف عقول الناس بطعامهم ولباسهم فى مثل هذا اليوم، ورأيت ثياب الناس جددا، وثيابه لبسا (٥)، فظننت به الحزم (٦). وقد علمنا أن الجديد فى موضعه دون الخلق (٧)، وقد جعل الله لكل شىء قدرا، وبوّأ له موضعا، كما جعل لكل دهر رجالا، ولكل مقام مقالا، وقد أحيا الله بالسّم، وأمات بالغذاء، وأغصّ بالماء، وقتل بالدواء، فترقيع الثوب يجمع مع الإصلاح التواضع، وخلاف ذلك يجمع مع الإسراف التكبّر، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكسبين، كما زعموا أن قلّة العيال أحد اليسارين،
стр. 1482
وقد جبر الأحنف يدعنز وأمر بذلك النعمان (١)، وقال عمر: «من أكل بيضة فقد أكل دجاجة»، ولبس سالم (٢) بن عبد الله جلد أضحية، وقال رجل لبعض السادة: أريد أن أهدى إليك دجاجة، فقال: إن كان لا بدّ فاجعلها بيوضا، وعدّ أبو الدّرداء العراق (٣) جزر البهيمة.
وعبتمونى حين قلت: لا يغترّنّ أحدكم بطول عمره، وتقوّس ظهره، ورقّة عظمه، وهن قوّته، وأن يرى نحوه أكثر ذريته فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يديه، وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السّرف فيه، وتسليط الشهوات عليه، فلعلّه أن يكون معمّرا، وهو لا يدرى، وممدودا له فى السّنّ وهو لا يشعر، ولعلّه أن يرزق الولد على اليأس، أو يحدث عليه بعض مخبّآت الدهور، مما لا يخطر على البال ولا تدركه العقول، فيستردّه ممن لا يردّه، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أضعف ما كان عن الطلب، وأقبح ما يكون، به الكسب (٤)، فعبتمونى بذلك، وقد قال عمرو بن العاص: «اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا».
وعبتمونى حين زعمت أن السرف والتبذير: إلى مال القمار، ومال الميراث، وإلى مال الالتقاط، وحباء (٥) الملوك، أسرع، وأن الحفظ إلى المال المكتسب، والغنى المجتلب، وإلى ما لا يعرض فيه لذهاب الدين، واهتضام العرض، ونصب البدن واهتمام القلب، أسرع، وإن من لم يحسب ذهاب نفقته لم يحسب دخله، ومن لم
стр. 1483
يحسب الدّخل فقد أضاع الأصل، وإن من لم يعرف للغنى قدره، فقد أوذن بالفقر، وطاب نفسا بالذّل.
وعبتمونى بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق فى الحلال. وإن الخبيث ينزع إلى الخبيث، وإن الطيّب يدعو إلى الطيب، وإن الإنفاق فى الهوى حجاب دون الحقوق، وإن الإنفاق فى الحقوق حجاب دون الهوى (١)، فعبتم علىّ هذا القول، وقد قال معاوية: «لم أر تبذيرا قطّ إلا وإلى جانبه حقّ مضيّع» وقد قال الحسن:
«إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ما له، فانظروا فى أى شىء ينفقه؟ فإن الخبيث إنما ينفق فى السّرف».
وقلت لكم: بالشفقة منى عليكم، وبحسن النظر منى لكم، وبحفظكم لآبائكم، ولما يجب فى جواركم، وفى ممالحتكم (٢)، وملابستكم، وأنتم فى دار الآفات، والجوائح (٣) غير مأمونات، فإن أحاطت بمال أحدكم آفة لم يرجع إلى بقيّة، فأحرزوا (٤) النعمة باختلاف الأمكنة، فإن البليّة لا تجرى فى الجميع إلا بموت الجميع، وقد قال عمر رضى الله عنه فى العبد والأمة والشاة والبعير، وفى الشىء الحقير اليسير:
«فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين (٥)» وقال ابن سيرين (٦) لبعض البحريين:
كيف تصنعون بأموالكم؟ قالوا: نفرّقها فى السفن، فإن عطب بعض سلم بعض،
стр. 1484
ولولا أن السلامة أكثر لما حملنا خزائننا فى البحر، قال ابن سيرين: تحسبها خرقاء وهى صناع (١).
وعبتمونى بأن قلت لكم عند إشفاقى عليكم: إن للغنى لسكرا، وإن للمال لنزوة (٢)، فمن لم يحفظ الغنى من سكر الغنى فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله، فعبتمونى بذلك، وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غنىّ أمن الفقر، وسكر الغنى أشدّ من سكر الخمر، وقلتم: قد لزم الحثّ على الحقوق، والتزهيد فى الفضول، حتى صار يستعمل ذلك فى أشعاره بعد رسائله، وفى خطبه بعد سائر كلامه، وقد قال الشاعر فى يحيى بن خالد بن برمك:
عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما (٣)
وقال فى محمد بن زياد:
وخليقتان: تقى وفضل تحرّم ... وإهانة فى حقّه للمال
وعبتمونى حين زعمت أنى أقدّم المال على العلم، لأن المال به يفاد العلم (٤)، وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضل العلم، فهو أصل، والأصل أحقّ بالتفضيل من الفرع، وأنى قلت: إن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، وبالخلّة نعمى (٥)، وقلتم كيف تقول هذا؟ وقد قيل لرئيس الحكماء، ومقدّم الأدباء: العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال: بل العلماء، قيل: فما بال العلماء يأتون باب الأغنياء أكثر مما يأتى الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل
стр. 1485
الأغنياء بفضل العلم، فقلت: حالهما هى القاضية بينهما، وكيف يستوى شىء ترى حاجة الجميع إليه، وشىء يغنى بعضهم فيه عن بعض؟
وعبتمونى حين قلت: إن فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون فى الدار: إن احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدّة، وقد قال الحضين (١) بن المنذر: وددت أنّ لى مثل أحد (٢) ذهبا لا أنتفع منه بشىء، قيل:
فما ينفعك من ذلك؟ قال: لكثرة من كان يخدمنى عليه، لأن المال مخدوم، وقد قال بعض الحكماء: «عليك بطلب الغنى فلو لم يكن لك فيه إلّا أنه عزّ فى قلبك، وذلّ فى قلب عدوّك، لكان الحظّ فيه جسيما، والنفع فيه عظيما» ولسنا ندع سيرة الأنبياء، وتعليم الخلفاء، وتأديب الحكماء، لأصحاب الأهواء (٣). كان رسول الله ﷺ يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدّجاج، وقال «درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك» فقسّموا الأمور كلها على الدين والدنيا، ثم جعلوا أحد قسمى الجميع الدرهم.
وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: «إنى لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة الأيام فى اليوم الواحد» وكانوا يبغضون أهل البيت اللّحمين (٤)، وكان هشام (٥) يقول:
«ضع الدرهم على الدّرهم يكون مالا» ونهى أبو الأسود الدّؤلى (٦) وكان حكيما أديبا، وداهيا أريبا (٧) عن جودكم هذا المولّد، وعن كرمكم هذا المستحدث، فقال لابنه:
«إذا بسط الله لك فى الرزق فابسط، وإذا قبض فاقبض، ولا تجاود (٨) الله فإن الله
стр. 1486
أجود منك» وقال: «درهم من حلّ يخرج فى حق، خير من عشرة آلاف قبضا» وتلقّط عرندا من بريم (١) فقال: تضيّعون مثل هذا وهو قوت امرئ مسلم يوما إلى الليل! وتلقّط أبو الدّرداء حبّات حنطة، فهاه بعض المسرفين، فقال: «ليهن ابن العبسية أن مرفقة المرء رفقه فى معيشته» فلستم علىّ تردّون، ولا رأيى تفنّدون (٢) فقدّموا النظر قبل العزم وتذكّروا ما عليكم قبل أن تذكروا ما لكم (٣)، والسلام عليكم».
(كتاب البخلاء ص ٨، والعقد الفريد ٣: ٢٧٤)
٢٧٦ - كتاب سهل بن هرون إلى صديق له
وكتب سهل بن هرون إلى صديق له أبلّ (٤) من ضعف:
«بلغنى خبر الفترة (٥) فى إلمامها وانحسارها، والشّكاة فى حلولها، وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوّله عن السكون لآخره، وتذهل الحيرة فى ابتدائه، عن المسرّة فى انتهائه، وكان تغيّرى فى الحالين بقدرهما، ارتياعا (٦) للأولى، وارتياحا للأخرى».
(سرح العيون ص ١٦٨)
стр. 1487
٢٧٧ - كتابه إلى صدق له
وكتب لآخر:
«أما بعد، فالسلام على عهدك، وداع ذى ودّ ضنين بك، فى غير مقلية (١) لك، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى فى أمرك، وإقرار بالعجز عن استعطافك إلى أوان فيئتك (٢)، أو يجعل الله لنا دولة من رمقك (٣)». (سرح العيون ص ١٦٨)
٢٧٨ - ومن رسالة له يفضل الزجاج على الذهب
وقال يفضل الزجاج على الذهب فى رسالة:
«الزجاج مجلوّ نورىّ، والذهب متاع سائر، والشّراب فى الزجاج أحسن منه فى كل معدن، ولا يفقد معه وجه النديم، ولا يثقل اليد، ولا يرتفع فى السّوم (٤)، واسم الذهب يتطيّر منه، ومن لؤمه سرعته إلى اللئام، وهو فاتن فاتك (٥) لمن صانه، وهو أيضا من مصايد إبليس، ولذلك قالوا: أهلك الرجال الأحمران (٦)، والزجاج لا يحمل الوضر (٧)، ولا يداخله الغمر، ومتى غسل بالماء وحده عاد جديدا، وهو
стр. 1488
أشبه شىء بالماء، وصفته عجيبة، وصناعته أعجب .. » من رسالة طويلة (١).
(سرح العيون ص ١٦٨)
٢٧٩ - كتاب الحسن بن سهل إلى سهل بن هرون
وقال ابن النديم فى الفهرست:
وعمل سهل بن هرون للحسن بن سهل رسالة يمدح فيها البخل ويرغّبه فيه، ويستميحه (٢) فى خلال ذلك، فأجابه الحسن على ظهر رسالته:
«وصلت رسالتك، ووقفنا على نصيحتك، وقد جعلنا المكافأة عنها القبول منك والتصديق لك، والسلام».
ولم يصله عنها بشىء.
وجاء فى زهر الآداب وسرح العيون:
وصنّف سهل بن هرون كتابا يمدح فيه البخل ويذم الجود، ليظهر قدرته على البلاغة، ثم أهداه للحسن بن سهل فى وزارته للمأمون واستماحه، فكتب إليه الحسن:
стр. 1489
«لقد مدحت ما ذمّه الله، وحسّنت ما قبّحه الله، وما يقوم صلاح لفظك بطلاح معناك، وقد جعلنا ثواب مدحك قبول قولك فيه، فما نعطيك شيئا».
(الفهرست لابن النديم ص ١٧٤، وزهر الآداب ٣: ١٥٠، وسرح العيون ص ١٦٦)
٢٨٠ - كتاب العتابى إلى بعض إخوانه
وكتب كلثوم بن عمرو العتابى (١) إلى بعض إخوانه:
«لو اعتصم شوقى إليك بمثل سلوّك عنى، لم أبذل وجه الرّغبة إليك، ولم أتجشّم مرارة تماديك، ولكن استخفّتنا صبابتنا، فاحتملنا قسوتك، لعظيم قدر مودّتك، وأنت أحقّ من اقتصّ لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه». (زهر الآداب ٣: ٣٢٦)
٢٨١ - كتاب آخر له
وله:
«دعيت إليك ونفسى رهينة بشكرك، ولسانى علق بالثناء عليك، والغالب على ضميرى لائمة لنفسى فى الإبطاء عنك، واستقلال لجهدى فى مكافأتك، وأنت- أعزّك الله- فى عز الغنى عنّى، وأنا تحت ذل الفاقة إلى عطفك، وليس من متشابه أخلاقك أن تولى جانب النّبوة (٢) منك، من هو عان فى الضّراعة إليك».
(زهر الآداب ٣: ٣٢٦، والمنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٩)
стр. 1490
٢٨٢ - كتاب آخر له
وكتب العتابى:
«أما بعد، فإنّ أحدا ليس بمستخلص شيئا من غضارة (١) عيش إلا من بين خلال مكاره، فمن (٢) انتظر بعاجل الدّرك آجل الاستقضاء، سلبته الأيام فرصته، لأن من صناعتها السّلب، ومن شرط الزمن الإفاتة».
(زهر الآداب ٣: ٣٨٦، واختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٥٩)
٢٨٣ - كتابه إلى بعض أهل السلطان
وكتب العتّابى إلى بعض أهل السلطان:
«أما بعد، فإن سحاب وعدك قد أبرقت، فليكن وبلها (٣) سالما من علل المطل، والسلام». (العقد الفريد ١: ٧٥)
٢٨٤ - كتابه إلى صديق له
وكتب إلى صديق له:
أما بعد، أطال الله بقاءك، وجعله يمتدّ بك إلى رضوانه والجنّة، فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، وكنا نعفيها من النّجعة (٤) استتماما لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادّخارا لثمرتها،
стр. 1491
حتى أصابتنا سنة كانت عندى قطعة من سنى يوسف، واشتد علينا كلبها (١)، وغابت قطّتها (٢)، وكذبتنا غيومها، وأخلفتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، فانتجعتك (٣) وأنا بانتجاعى إياك شديد الشفقة عليك، مع علمى بأنك موضع الرائد (٤)، وأنك تغطّى عين الحاسد، والله يعلم أنى ما أعدّك إلا فى حومة الأهل. واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل، ولم يمكنه الكثير، لم يعرف جوده، ولم تظهر همّته، وأنا أقول فى ذلك (٥):
ظلّ اليسار على العبّاس ممدود ... وقلبه أبدا بالبخل معقود
إن الكريم ليخفى عنك عسرته ... حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود (٦)
إذا تكرّمت عن بذل القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود (٧)
بثّ النوال ولا تمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
فشاطره ما له حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه.
(الأمالى ٢: ١٣٧)
стр. 1492
٢٨٥ - تعزية له
«إن أشدّ من المصيبة حرمان الأجر فيها والحسبة، وقد ذهب منك ما رزئت.
فلا يذهب منك ما عوّضت، قال الشاعر:
وعوّضت أجرا من فقيد فلا يكن ... فقيدك لا يأتى وأجرك يذهب (١)
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣١١)
٢٨٦ - كتاب له
«إن أقلّ من بلائك عندى يستغرق ثنائى، وأقلّ من تأميلى إياك يعفّى على ما كان منى، وليس لك- مع فضلك ورجائى تجاوزك سبيل إلى قطيعتى».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٩)
٢٨٧ - فصول للعتابى
فصل له:
«أنت أيها الأمير وارث سلفك، وبقيّة أعلام أهل بيتك، المسدود به ثلمهم، المجدّد به قديم شرفهم؛ المحيا به أيام سعيهم، وإنه لم يخمل من كنت وارثه، ولا درست آثار من كنت سالك سبيله، ولا امّحت أعلام من خلفته فى رتبته».
وفصل له:
«تأنّينا (٢) إفاقتك من سكرتك، وترقّبنا اننباهك من رقدتك، وصبرنا على تجرّع الغيظ فيك، حتى بان لنا اليأس من خيرك، وكشف لنا الصبر عن وجه
стр. 1493
الغلط فيك، فهأنا قد عرفتك حقّ معرفتك، فى تعدّيك لطورك، واطّراحك حقّ من غلط فى اختيارك».
وفصل له:
«أما بعد، فإن قريبك من قرب منك خيره، وابن عمك من عمّك نفعه، وعشيرك من أحسن عشرتك، وأهدى الناس إلى مودتك من أهدى يرّه إليك».
وكتب فى وصاة:
«حامل كتابى إليك أنا، فكن له أنا، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ١٩٣، ١٩٦، ١٩٧)
٢٨٨ - كتاب لابن الكلبى
وكتب ابن الكلبى (١):
«كان خبر ما أبلاك الله (٢) فى فلان بعد إيتائه (٣) ما عزمت عليه من الأمان، خبرا عظم مكانه من أمير المؤمنين، وحسن موقعه من الدين، ثم ردف (٤) خبرك بإذعانه، عند ما عضّه من بأسك، ومسّه من مؤلم إيقاعك، للاستسلام وطلب عقد الأمان، وأنك بذلت له ما طلب لا لرهبة بقيت فى ناحيتك، إلّا الاحتذاء على مثال أمير المؤمنين وأدبه، فكان إباؤه ما عرضت عليه فى أول أمره ذخيرة حظّ فيما كشفت عنه البلوى من محمود أثرك، واجتمع لك فى ذلك حظّان: الظفر آخرا، والدّرك لما حاولته أوّلا، فلا زلت على نصيبك من الحظ، مؤيّدا بالنصر
стр. 1494
والمعونة، والحمد لله ما حقّق من الظن، [وآتى] (١) من هذه النعمة على يديك وبسعيك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦١)
٢٨٩ - كتاب آخر
«أنت من أطول بمكانه، وأثق بجميل رأيه، وأعتمد على رفده (٢)، وأرجو درك كل فضيلة به، ومما أحبّ علمه مقرّ نعم الله لديك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٤)
٢٩٠ - كتاب على بن عبيدة إلى ابن الكلبى
وكتب على (٣) بن عبيدة إلى ابن الكلبى:
«وصل الله أيام عمرى باتّباع موافقتك، ولولا موعد أخذ علىّ لأطعتك فيما أمرت به متّبعا مع إجابتك سرور نفسى برؤيتك فى السلامة.
أما بعد، فإنى أصبحت وقد استفرغ الأمير منى كلّ مودة ونصيحة، ومبلغ جهد وطاقة فيما عرفت له فيه موافقة».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٤)
٢٩١ - كتاب عنبسة بن إسحق إلى المأمون
وكتب عنبسة بن إسحق إلى المأمون، وهو عامله على الرّقّة (٤) يصف خروج الأعراب بناحية سنجار وعيثهم (٥) بها.
стр. 1495
«يا أمير المؤمنين: قد قطع سبل المجتازين، من المسلمين والمعاهدين، نفر من شذّاذ (١) الأعراب، الذين لا يرقبون فى مؤمن إلّا (٢) ولا ذمة ولا يخافون فى الله حدّا ولا عقوبة، ولولا ثقتى بسيف أمير المؤمنين، وحصده هذه الطائفة، وبلوغه فى أعداء الله ما يدعّ (٣) قاصبهم ودانيهم، لأذنت بالاستنجاد عليهم، ولأسعيت الخيل إليهم، وأمير المؤمنين معان فى أموره بالتأييد والنصر».
٢٩٢ - رد المأمون عليه
فكتب إليه المأمون:
«أسمعت غير كهام السّمع والبصر ... لا يقطع السيف إلا فى يد الحذر (٤)
سيصبح القوم من سيفى وضاربه ... مثل الهشيم ذرته الرّيح بالمطر (٥)
فوجّه عنبسة بالبيتين إلى الأعراب، فما بقى منهم اثنان.
(زهر الآداب ٣: ٣٨٧)
٢٩٣ - كتاب طاهر بن الحسين إلى يحيى بن حماد
وروى ابن طيفور فى كتاب بغداد قال:
وهذا توقيع لذى اليمينين طاهر بن الحسين (٦) إلى يحيى بن حماد الكاتب النّيسابورى:
стр. 1496
«قلة نظرك لنفسك حرمتك سنىّ (١) المنزلة، وغفلتك عن حظّك حطّتك عن أعلى الدرجة، وجهلك بموضع النعمة أحلّ بك الغير (٢) والنّقمة، وعماك عن سبيل الدّعة أسلكك فى طريق المشقّة، حتى صرت من قوة الأمل، معتاضا شدّة الوجل، ومن رجاء الغد، معقبا يأس الأبد، وحتى ركبت مطيّة المخافة، بعد مجلس الأمن والكرامة، وصرت موضعا للرحمة، بعد أن تكنّفتك الغبطة (٣)، على أنى أرى أمثل أمريك أدعاهما للمكروه إليك، وأنفع حالتيك أضيقهما متنفّسا عليك بقول القائل:
إذا ما بدأت امرأ جاهلا ... ببرّ فقصّر عن حمله
ولم تلفه قابلا للجميل ... ولا عرف العزّ من ذلّه
فسمه الهوان فإن الهوان ... دواء لذى الجهل من جهله (٤)
وقد قرأت كتابك، بإغراقك وإطنابك، فوجدت أرجاه عندك، آنسه لك، وأرقّه فى نفسك، أقساه لقلبى عليك، ومن صادفه (٥) ما أذهبت، وخامره ما ذكرت خرس عن تشقيق (٦) الكلام، وتزويق الكذب والآثام، ولعمرى لولا تعلّقك منى بحرمة المعاينة، واتّصالك منى بسبب المفاوضة، وإنحائى بهما لمن نالهما بسط المنفعة، وقبض الأذى والمعرّة، مع استدامتى النعمة بالعفو عن ذى الجريمة، واستدعائى الزيادة بالتجاوز عن ذى الهفوة، واستقالتى العثرة بإقالة الزّلة، لنالك من عقوبتى ما يؤذيك،
стр. 1497
ومسّك من سطوتى ما ينهكك (١)، وبحسبك ما اجترمته لنفسك من العجز ذلا وجهلا، وما أخلدت إليه من الخمول وضعا، وما حرمته من الفضل عقوبة ونقصا، وفى كفاية الله غنى عنك، وفى عادته الجميلة عوض منك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، أقوى معين وأهدى دليل».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٢٣، واختيار المنظوم والمنثور ١٠: ٣٦٣)
٢٩٤ - كتاب يحيى بن حماد إلى طاهر
وقال ابن طيفور:
وهذه نسخة كتاب يحيى بن حمّاد الذى هذا التوقيع حواب عنه لما حبسه لتركه ما أراد أن يقلّده من كتابته:
«بسم الله الرحمن الرحيم: تمّم الله للأمير السلامة، وأدام له الكرامة، ووصل نعمه عليه بالزيادة، وقوّى إحسانه إليه بالسعادة، ضعف صبرى- أعز الله الأمير- عما أقاسى، من ثقل الحديد، ومكابدة الهموم، ومصاحبة الوحشة فى دار الغربة، من انقطاع الأهل، وتعقّب الوجل، واستخلاف البلاء من وثيق الرجاء، وتذكّرى ما أفاتنى القضاء الماضى من رأى الأمير- أعزه الله- فىّ، وموجدته (٢) علىّ.
لقد تخوّفت أن يسرع لزوم الفكرة إياى فى فسادى، ويصير بى تمكّن الهمّ إلى تغيّر حالى، ولولا أنّ سخط الأمير- أيّده الله- لا يصبر عليه، ووجده لا يقام له، لرأيت الإمساك عن ذكر أمرى، وشكوى ما بى، إلى أن يستوى غير ما أنا فيه لسرور ما كنت صرت إليه من إكرام الأمير- أيّده الله- وبرّه وتشريفه وتقريبه، ولعمري إن شديد ما أقاسى، - ولو دام حينا من دهرى- ليصغر عند
стр. 1498
لحظة لحظها إلىّ ببرّه، فضلا عن رأيه الذى جلّ عن قدرى، وعجز عن احتماله شكرى.
وقد تبيّن للأمير- أعزه الله- أمرى، وتحقيق شأنى، فإن كان ما أنا فيه للهفوة التى كانت منى، والجناية التى جنيتها على نفسى بالجهل بصباى، فقد وضع الله عن الصبىّ فرائضه علما بحاله، وكانت حالى فى الصّبا قريبة من حاله، والأمير- أعزه الله- أولى من عطف فى ذات الله عن زلّتى، واحتسب الأجر فى إقالة عثرتى وهفوتى، فإن رأى الأمير أبقاه الله أن يأمر بالدعاء بى، والاستماع منى، فعل منعما، إن شاء الله». (كتاب بغداد ٦: ١٢٥)
٢٩٥ - عهد طاهر بن الحسين لابنه عبد الله
وكتب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله (١) لما ولّاه المأمون الرّقّة ومصر وما بينهما (سنة ٢٠٦ هـ).
«بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فعليك بتقوى الله وحده لا شريك له، وخشيته ومراقبته ومزايلة سخطه وحفظ رعيتك، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه، وموقوف عليه، ومسئول عنه، والعمل فى ذلك كله بما يعصمك الله، وينجيك يوم القيامة من عذابه، وأليم عقابه، فإن الله قد أحسن إليك، وأوجب عليك الرأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبّ عنهم (٢)، والدفع عن حريمهم وبيضتهم (٣) والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم (٤)، وإدخال الراحة عليهم فى معايشهم، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموفّقك عليه، ومسائلك عنه، ومثيبك عليه بما قدمت
стр. 1499
وأخرت، ففرّغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك، ولا يذهلك (١) عنه ذاهل، ولا يشغلك (٢) عنه شاغل، فإنه رأس أمرك، وملاك شأنك، وأول ما يوفقك الله به لرشدك.
وليكن أول ما تلزم به نفسك، وتنسب إليه فعالك، المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس والجماعة عليها بالناس قبلك فى مواقيتها على سننها فى إسباغ (٣) الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها، وترتّل (٤) فى قراءتك، وتمكّن فى ركوعك وسجودك وتشهدك، ولتصدق فيها لربك نيتك، واحضض عليها جماعة من معك وتحت يدك.
وادأب عليها فإنها كما قال الله تأمر بالمعروف، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ثم أتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله ﷺ والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده، وإذا ورد عليك أمر فاستعن عليه باستخارة (٥) الله وتقواه، ولزوم ما أنزل الله فى كتابه من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمام ما جاءت به الآثار عن النبى ﷺ ، ثم قم فيه بما يحق لله عليك، ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت، لقريب من الناس أو بعيد، وآثر الفقه وأهله، والدين وحملته، وكتاب الله والعاملين به، فإن أفضل ما تزيّن به المرء الفقه فى دين الله والطلب له والحث عليه، والمعرفة بما يتقرب به إلى الله، فإنه الدليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهى عن المعاصى والموبقات كلها، وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفة بالله ، وإجلالا له، ودركا للدرجات العلا فى المعاد، مع ما فى ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك، والثقة بعدلك.
стр. 1500
وعليك بالاقتصاد فى الأمور كلها، فليس شىء أبين نفعا، ولا أحضر أمنا، ولا أجمع فضلا من القصد، والقصد داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التوفيق، والتوفيق قائد إلى السعادة وقوام الدين، والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره فى دنياك كلها ولا تقصّر فى طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة، والسنن المعروفة، ومعالم الرشد، فلا غاية للاستكثار من البرّ والسعى له، إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ومرافقة أوليائه فى دار كرامته. واعلم أن القصد فى شأن الدنيا يورث العز، ويحصّن من الذنوب، وإنك لن تحوط (١) نفسك ومن يليك، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه، فأته واهتد به نتمّ أمورك، وتزد مقدرتك، وتصلح خاصتك وعامتك، وأحسن الظن بالله تستقم لك رعيتك، والتمس الوسيلة إليه فى الأمور كلها تستدم به النعمة عليك.
ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل أن تكشف أمره فإن إيقاع التهم بالبرآء والظنون السيئة بهم ما ثم، واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم، يعنك ذلك على اصطناعهم (٢) ورياضتهم، ولا يجدن عدو الله الشيطان فى أمرك مفخرا، فإنه إنما يكتفى بالقليل من وهنك (٣)، فيدخل عليك من الغم فى سوء الظن ما ينغّصك لذاذة عيشك. واعلم أنك تجد بحسن الظن قوة وراحة، وتكفى يه ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبتك، والاستقامة فى الأمور كلها، ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك، والرأفة برعيتك، أن تستعمل المسألة، والبحث عن أمورك، والمباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، بل لتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية، والنظر فى حوائجهم وحمل مئوناتهم، آثر عندك مما سوى ذلك،
стр. 1501
فإنه أفوم للدّين، وأحيا للسنة. وأخلص نيّتك فى جميع هذا، وتفرّد بتقويم نفسك تفرّد من يعلم أنه مسئول عما صنع، ومجزىّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله جعل الدين حرزا وعزّا، ورفع من اتبعه وعزّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقة الهدى. وأقم حدود الله فى أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما استحقوه، ولا تعطّل ذلك ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن فى تفريطك فى ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك، واعزم على أمرك فى ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشّبه والبدعات يسلم لك دينك، وتقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فف به، وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها، وأغمض عن عيب كل ذى عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور، وأبغض أهله، وأقص أهل النميمة، فإن أوّل فساد أمرك فى عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب، لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر. وأحبّ أهل الصدق والصلاح، وأعزّ الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرحم، وابتغ بذلك وجه الله وعزة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة، واجتنب سوء الأهواء والجور واصرف عنهما رأيك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل فى سياستهم، وقم بالحق فيهم، والمعرفة التى تنتهى بك إلى سبيل الهدى، واملك نفسك عند الغضب وآثر الوقار والحلم، وإياك والحدة والطيش والغرور فيما أنت بسبيله، وإياك أن تقول:
إنى مسلّط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع بك إلى نقص الرأى، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له، وأخلص لله النية فيه واليقين به. واعلم أن الملك لله، يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء. ولن تجد تغيّر النعمة وحلول النقمة إلى حد أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان، والمبسوط لهم فى الدولة، إذ كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله، ودع عنك شره نفسك، ولتكن ذخائرك وكنوزك
стр. 1502
التى تدّخر وتكنز البرّ والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية وعمارة بلادهم، والتفقّد لأمورهم، والحفظ لدهمائهم (١) والإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت فى الخزائن لا تثمر، وإذا كانت فى إصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المئونة عنهم، نمت وربت وصلحت به العامة، وتزينت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال فى عمارة الإسلام وأهله ووفّر منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم وتعهّد ما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرّت النعمة عليك واستوجبت المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتهم، وأطيب نفسا لكل ما أردت فاجهد نفسك فيما حددت لك فى هذا الباب، ولتعظم حسبتك فيه، فإنما يبقى من المال ما أنفق فى سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرهم، وأثبهم عليه. وإياك أن تنسيك الدنيا وغرورها هول الآخرة، فتتهاون بما يحق عليك، فإن التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار، وليكن عملك لله وفيه ﵎، وارج الثواب، فإن الله قد أسبغ عليك نعمته فى الدنيا، وأظهر لدينك فضله، فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد، يزدك الله خيرا وإحسانا، فإن الله يثيب بقدر شكر الشاكرين، وسيرة المحسنين، وقضى الحقّ فيما حمّل من النعم، وألبس من العافية والكرامة، ولا تحقرن ذنبا، ولا تمالئن حاسدا، ولا ترحمن قاجرا، ولا تصلنّ كفورا، ولا تداهننّ عدوا، ولا تصدّقن نمّاما، ولا تأمنن غدّارا، ولا توالينّ فاسقا، ولا تتبعن غاويا، ولا تحمدن مرائيا، ولا تحقرن إنسانا، ولا تردّن سائلا فقيرا، ولا تجيبنّ (٢) باطلا، ولا تلاحظن مضحكا، ولا تخلفن وعدا، ولا تزهونّ فخرا، ولا تظهرن غضبا، ولا تأتين بذخا (٣)، ولا
стр. 1503
تمشين مرحا، ولا تركبن سفها (١)، ولا تفرّطن فى طلب الآخرة، ولا ترفع للنّمام عينا ولا تغمضنّ عن الظالم رهبة منه أو مخافة، ولا تطلبن ثواب الآخرة بالدنيا، وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب، وذوى العقل والرأى والحكمة، ولا تدخلن فى مشورتك أهل الدقة (٢) والبخل ولا تسمعن لهم قولا، فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شىء أسرع فسادا لما استقبلت فى أمر رعيتك من الشح. واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا، فإن رعيتك إنما تعتقد على محبتك، بالكفّ عن أموالهم، وترك الجور عنهم. ويدوم صفاء أوليائك لك، بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم، فاجتنب الشح، واعلم أنه أوّل ما عصى به الإنسان ربه، وأن المعاصى بمنزلة خزى، وهو قول الله : «وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» * فسهّل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فأعدده لنفسك خلقا، وارض به عملا ومذهبا.
وتفقد أمور الجند فى دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووسّع عليهم فى معايشهم، ليذهب بذلك الله فاقتهم، ويقوّم لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم فى طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا، وحسب ذى سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيته رحمة فى عدله وحيطته (٣) وإنصافه وعنايته وشفقته وبرّه وتوسعته، فزايل مكروه أحد البابين باستشعار تكملة الباب الآخر ولزوم العمل به، تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا.
واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذى ليس به شىء من الأمور، لأنه ميزان الله الذى يعتدل عليه الأحوال فى الأرض، وبإقامة العدل فى القضاء والعمل تصلح الرعية، وتأمن السبل،
стр. 1504
وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجرى السنن والشرائع، وعلى مجاريها يتنجّز الحق والعدل فى القضاء، واشتد فى أمر الله، وتورع عن النّطف (١)، وامض لإقامة الحدود، وأقلل العجلة، وابعد من الضجر والقلق، واقنع بالقسم، ولتسكن ريحك، ويقرّ حدك، وانتفع بتجربتك، وانتبه فى صمتك، واسدد (٢) فى منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشّبهة، وأبلغ فى الحجة، ولا يأخذك فى أحد من رعيتك محاباة ولا محاماة (٣) ولا لوم لائم، وتثبت وتأنّ وراقب، وانظر وتدبر، وتفكر واعتبر، وتواضع لربك، وارأف (٤) بجميع الرعية، وسلّط الحق على نفسك، ولا تسرعنّ إلى سفك دم- فإن الدماء من الله بمكان عظيم- انتهاكا لها بغير حقها.
وانظر هذا الخراج الذى قد استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزّا ورفعة، ولأهله سعة ومنعة، ولعدوّه وعدوهم كبتا (٥) وغيظا، ولأهل الكفر من معاديهم ذلّا وصغارا، فوزّعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئا عن شريف لشرفه، ولا عن غنىّ لغناه، ولا عن كاتب لك ولا أحد من خاصتك، ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلّفن أمرا فيه شطط، واحمل الناس كلهم على مرّ الحق، فإن ذلك أجمع لألفتهم، وألزم لرضا العامة. واعلم أنك جعلت بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمّى أهل عملك رعيتك لأنك راعيهم وقيّمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه فى قوام أمرهم وصلاحهم وتقويم أودهم، فاستعمل عليهم فى كور عملك ذوى الرأى والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل، والعلم بالسياسة والعفاف، ووسّع عليهم فى الرزق، فإن ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلدت
стр. 1505
وأسند إليك، ولا يشغلنّك عنه شاغل، ولا يصرفنك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب، استدعيت به زيادة النعمة من ربك وحسن الأحدوثة فى عملك، واحترزت النصحة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، فدرّت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب فى كورك، فكثر خراجك، وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإفاضة العطاء فيهم عن نفسك، وكنت محمود السياسة، مرضىّ العدل فى ذلك عند عدوك، وكنت فى أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة، فنافس فى هذا ولا تقدّم عليه شيئا، تحمد مغبّة أمرك إن شاء الله.
واجعل فى كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل فى عمله، معاين لأمره كله، وإن أردت أن تأمره بأمر، فانظر فى عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصّنع، فأمضه، وإلّا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم، ثم خذ فيه عدته، فإنه ربما نظر الرجل فى أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى، فقوّاه (١) ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر فى عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره، فاستعمل الحزم فى كل ما أردت، وباشره بعد عون الله بالقوة، وأكثر استخارة ربك فى جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك، ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذى أخرت.
واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، فإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه. فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك، وأحكمت أمور سلطانك.
وانظر أحرار الناس وذوى الشرف منهم، ثم استيقن صفاء طويّتهم، وتهذيب مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم،
стр. 1506
وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤنتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لخلّتهم (١) مسّا، وأفرد نفسك بالنظر فى أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك، والمحتقر الذى لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكّل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال، اقتداء بأمير المؤمنين- أعزه الله- فى العطف عليهم والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضرّاء من بيت المال، وقدّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره فى الجراية (٢) على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقوّاما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم، ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف فى بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيتهم، لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعا فى نيل الزيادة وفضل الرفق منهم، وربما برم (٣) المتصفح لأمور الناس، لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة.
وليس من يرغب فى العدل ويعرف محاسن أموره فى العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذى يستقبل ما يقرّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به، وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكّن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم فى المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدّر ولا منّان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله، واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة فى القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم فى أحوالك كلها
стр. 1507
بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله، واعرف ما تجمع عمّالك من الأموال وما ينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم. وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها. وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك، من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك فى سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك، وانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتّابك، فوقّت لكل رجل منهم فى كل يوم وقتا يدخل عليك فيه، بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمّالك، وأمر كورك ورعيتك، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرّر النظر إليه والتدبّر له، فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه، واستخر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون فى أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك، وتفهّم كتابى إليك وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك، ما كان لله رضا، ولدينه نظاما، ولأهله عزا وتمكينا، وللذمة والملة عدلا وصلاحا. وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا، وأوفرهم حظّا، وأسناهم ذكرا وأمرا، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك ووساوسه، حتى يستعلى أمرك بالعزّ والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب».
وذكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد، تنازعه الناس وكتبوه
стр. 1508
وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون، فدعا به وقرئ عليه، فقال: ما بقّى أبو الطيب يعنى (طاهرا) شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم، وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال فى نواحى الأعمال.
(تاريخ الطبرى ١٠: ٢٥٨، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٦: ١٢٤، ومقدمة ابن خلدون ص ٣٣٩ ومختصر أخبار الخلفاء لابن الساعى ص ٤٣، وكتاب بغداد لابن طيفور ٦: ٣٦)
٢٩٦ - كتاب إلى طاهر بن الحسين من بعض عماله
وكتب بعض عمال طاهر بن الحسين إليه كتابا، وفيه:
«وقد وجّهت إلى الأمير ثوب ديباج أحمر أحمر أحمر».
٢٩٧ - رد طاهر عليه
فكتب طاهر إليه:
«قد قرأت كتابك، فعلمت أنك أحمق أحمق أحمق، فاقدم اقدم اقدم، والسلام».
(غرر الخصائص الواضحة ص ١٧٥)
٢٩٨ - كتاب إبراهيم بن المهدى إلى طاهر
وكتب إبراهيم بن المهدى إلى طاهر كتابا، منه:
«زادك الله للحقّ قضاء، وللشكر أداء، أبلغنى رسولى عنك ما لم أزل أعرفه منك، والله يمّتعنى بك، ويحسن فى ذلك عنى جزاءك، ومع ذلك فإنى أظن أنى علّمتك الشوق، لأنى ذكرته لك، فهيّجته منك، والسلام».
(الأوراق للصولى ٢: ٣٥)
стр. 1509
٢٩٩ - كتاب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر يعزيه بأبيه
وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر يعزيه بأبيه:
«أما بعد: فإنه قد حدث من الرّزء العظيم- بوفاة ذى اليمينين- ما إلى الله جلّ وعزّ فيه المفزع والمرجع، وفيه عليه المستعان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اتّباعا لأمر الله، واعتصاما بطاعته، وتسليما لنازل قضائه، ورجاء لما وعد الصابرين:
من صلواته ورحمته وهداه، وعند الله نحتسب مصيبتنا به، فقد كان سبق إلى القلوب عند بداهة الخبر، من اللّوعة واطّلاع (١) الفحيعة، ما كنا نخاف إحباطه من الأجر، لولا ما تداركنا الله به من الذّكر لما وعد أهل الصبر، فنسأل الله أن يرأب (٢) هذه الثّلمة، ويسدّ هذه الخلّة بأمير المؤمنين أوّلا، وبك ثانيا، وأن يعظّم مثوبتك، ويحسن عقباك، ويخلف بك ذا اليمينين ويعمر بك مكانه من أمير المؤمنين ومن كافة المسلمين.
فأما ما تحتاج إليه من التسلية والتعزية، فإنك فى فضل رأيك، واتساع لبّك فى حال العزّة والنّماء، لم تكن تخلو من عوارض الذكر، وخواطر الفكر، فيما تعرو به الأيام من نوائبها، وتبعث به من حوادثها، وفى هذا لمن وفّق له إعداد للنوازل، وتوطين للأنفس على المكاره، فلا يكون معه هلع ولا إفراط جزع بإذن الله، مع أن مردّ كلّ ذى جزع إلى سلوة لا ثبات عليها، فأولى بالراغب
стр. 1510
فى ذات الله أن يهتبل (١) مثوبته فى أوانها، من مضض الأسى، وفجأة النكبة، وأولى بذ اللّبّ إذا علم ما هو لابدّ صائر إليه ألّا يبعد منه إبعادا يلزمه التفاوت عند التأمل واختلاف الحالين فى بعد الأمد بينهما.
وقد كنت أحبّ ألّا أقنع فى تعزيتك برسول ولا كتاب، دون الشخوص إليك بنفسى، لو أمكننى المسير، إجلالا للمصيبة، وتأنّسا بقربك، بعد الذى دخلنى من الوحشة، فقد عرفت ما خصّنى من المرزئة بذى اليمينين، لما كنت أتعرّف من جميل رأيه، وعظيم برّه حاضرا، وما كان يذكرنى به غائبا، ذكره الله فى الرفيق الأعلى، وأنت وارث حقّه علىّ، إلى ما كنت لك عليه، من صدق المودّة وخالص النصيحة، وإلى الله أرغب فى تأدية شكرك، والقيام بما أوجبه لك، فإن رأيت أن تأمر بالكتاب إلىّ بما أبلاك (٢) فى نفسك، وألهمك من العزاء والصبر، مع ما أحببت وبدا لك إن شاء الله».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٣٤، والمنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٦)
٣٠٠ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى نصر بن شبث
ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الرّقّة كما قدمنا، وعهد إليه فى محاربة نصر ابن شبث- وكان خرج على المأمون بالجزيرة- فلما جادّه عبد الله بن طاهر القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه وتحوّل من معسكره إلى الرّقة، وصار إلى عبد الله بن طاهر.