← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الروم غير ذى عدد ولا قوة، والله فاصمهم (١)، وقاطع دابرهم (٢)، وجاعل دائرة (٣) السّوء عليهم، وقد شخصت إليهم يوم سرّحت رسولى إليكم، فإذا قدم عليكم فانهضوا إلى عدوكم رحمكم الله فى أحسن عدّتكم، وأصحّ نيتكم، ضاعف الله لكم أجوركم، وحطّ أوزاركم، والسلام عليكم ورحمة الله». (فتوح الشأم ص ٧٤) ١١٠ - كتاب خالد إلى أبى بكر فأقبلوا حتى اجتمعوا جميعا بأجنادين، وحملوا على الروم فهزموهم وقتلوا منهم عددا كثيرا، فلحقوا بإيليا، وقيساريّة، ودمشق، وحمص، فتحصنوا فى المدائن العظام، وكتب خالد بن الوليد إلى أبى بكر رضى الله عنهما: بفتح الله عليه، وعلى المسلمين: «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله أبى بكر خليفة رسول الله ﷺ من خالد بن الوليد سيف الله المصبوب على المشركين، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإنى أخبرك أيها الصّدّيق أنا التقينا نحن والمشركون، وقد جمعوا لنا جموعا جمّة كثيرة بأجنادين، وقد رفعوا صلبهم، ونشروا كتبهم، وتقاسموا بالله لا يفرّون حتى يفنونا، أو يخرجونا من بلادهم، فخرجنا إليهم واثقين بالله متوكلين على الله، فطاعنّاهم بالرماح، ثم صرنا إلى السيوف فقارعناهم بها، ثم إن الله أنزل نصره، وأنجز وعده، وهزم الكافرين، فقاتلناهم فى كل فجّ وشعب وغائط (٤)، فاحمد الله على إعزاز دينه، وإذلال عدوه، وحسن الصّنع لأوليائه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

стр. 142

وكانت وقعة أجنادين أول وقعة عظيمة بالشأم، وكانت فى جمادى الأولى سنة ١٣ هـ، ثم جمع هرقل للمسلمين فالتقوا باليرموك، وجاءهم الرسل وهم متصافّون بخبر وفاة أبى بكر، واستخلاف عمر، وولاية أبى عبيدة حرب الشأم، وعزل خالد ابن الوليد، فكتموا الخبر الناس حتى ظفر المسلمون، وذلك فى رجب سنة ١٣ هـ. (فتوح الشأم ص ٨٠) ١١١ - عهد أبى بكر عند موته لعمر بن الخطاب ولما حضرت الوفاة أبا بكر الصديق دعا عثمان بن عفان رضى الله عنهما فقال: اكتب عهدى، فكتب عثمان، وأملى عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به أبو بكر بن أبى قحافة خليفة محمد رسول الله ﷺ عند آخر عهده بالدنيا نازحا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها، فى الحال التى يؤمن فيها الكافر، ويتّقى فيها الفاجر، ويصدق الكاذب: إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطّاب، فإن برّ وعدل فذلك علمى به ورأيى فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لى بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (الكامل للمبرد ١: ٦، وصبح الأعشى ٩: ٣٥٩ والإمامة والسياسة ١: ١٦، والعقد الفريد ٢، ٢٠٧»، وإعجاز القرآن ص ١١٥)

стр. 143

[فى الزمان] خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ١١٢ - كتابه إلى أبى عبيدة بن الجراح روى الطبرى أن أول كتاب كتبه عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين ولى الخلافة هو كتابه إلى أبى عبيدة عامر بن الجرّاح يوليه على جند خالد بن الوليد (١)، وهو: «أوصيك بتقوى الله الذى يبقى ويفنى ما سواه، الذى هدانا من الضّلالة وأخرجنا من الظلمات إلى النور.

стр. 144

وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذى يحقّ عليك، لا تقدّم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده (١) لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سريّة إلا فى كثف (٢) من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين فى الهلكة، وقد أبلاك (٣) الله بى وأبلانى بك، فغمّض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم». (تاريخ الطبرى ٤: ٥٤) ١١٣ - كتاب عمر إلى الأمصار وكتب عمر إلى الأمصار: «إنى لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وأن لا يكونوا بعرض فتنة». (تاريخ الطبرى ٤: ٢٠٦) ١١٤ - كتاب عمر بن الخطاب إلى أبى عبيدة وفى رواية: أن أبا بكر توفّى، وخالد بن الوليد على حصار دمشق، فكتب عمر إلى أبى عبيدة بنعى أبى بكر، واستعماله أبا عبيدة، وعزله خالدا: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجرّاح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن أبا بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ قد توفّى، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ورحمة الله

стр. 145

وبركاته على أبى بكر الصّدّيق العامل (١) بالحق، والآمر بالقسط (٢)، والآخذ بالعرف، اللّيّن السّتير الوادع (٣)، السّهل القريب الحكيم، نحتسب مصيبتنا فيه ومصيبة المسلمين عامّة عند الله تعالى، وإنا نرغب إلى الله فى العصمة برحمته من كل معصية، ونسأله العمل بطاعته ما أحيانا، والحلول فى جنته إذا توفّانا، إنه على كل شئ قدير. وقد بلغنا حصاركم لأهل دمشق، وقد ولّيتك جماعة المسلمين فبثّ سراياك (٤) فى نواحى أهل حمص ودمشق وما سواها من أرض الشأم، وانظر فى ذلك برأيك، ومن حضرك من المسلمين، ولا يحملنّك قولى هذا على أن تغرى عسكرك فيطمع فيك عدوك، ولكن من استغنيت عنه فسيّره، ومن احتجت إليه فى حصارك فاحتبسه، وليكن فيمن يحتبس خالد بن الوليد، فإنه لاغنى بك عنه، والسلام عليك ورحمة الله». (تهذيب تاريخ ابن عساكر ١: ١٥١، وفتوح الشام ص ٨٦) ١١٥ - كتاب أبى عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب فكتب أبو عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهم كتابا واحدا، وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم. من أبى عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل إلى عمر ابن الخطاب، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا عهدناك، وأمر نفسك لك مهمّ، وإنك يا عمر أصبحت وقد وليت أمر أمّة محمد:

стр. 146

أحمرها (١) وأسودها، يعقد بين يديك الصديق والعدو، والشريف والوضيع، والشديد والضعيف، ولكلّ عليك حق وحصّة (٢) من العدل، فانظر كيف أنت يا عمر عند ذلك، وإنا نذكّرك يوما تبلى (٣) فيه السرائر، وتكشف فيه العورات، وتظهر فيه المخبّآت، وتعنو فيه الوجوه لملك قاهر، قهرهم بجبروته، والناس له داخرون ينتظرون قضاءه، ويخافون عقابه، ويرجون رحمته. وإنه بلغنا أنه يكون فى هذه الأمة رجال يكونون إخوان العلانية، أعداء السريرة وإنّا نعوذ بالله أن تنزل كتابنا من قلبك سوى المنزل الذى نزل من قلوبنا، فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». (فتوح الشأم ص ٨٨، وإعجاز القرآن ص ١١٦) ١١٦ - رد عمر على أبى عبيدة ومعاذ فكتب عمر رضى الله عنه جواب كتابهما: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذى لا إله إلا هو؛ أما بعد: فإنى أوصيكما بتقوى الله، فإنه رضا ربكما، وحظّ أنفسكما وغنيمة الأكياس لأنفسهم عند تفريط العجزة، وقد بلغنى كتابكما تذكران أنكما عهدتمانى وأمر نفسى لى مهمّ، فما يدريكما؟ وهذه تزكية منكما لى، وتذكران أنى وليت أمر هذه الأمة يقعد بين يدىّ الصديق والعدو، والشريف والوضيع، والقوى والضعيف، ولكلّ حصّته من العدل، وكتبتما أن انظر كيف أنت يا عمر عند ذلك، وإنه لا حول ولا قوة لعمر

стр. 147

عند ذلك إلا بالله، وكتبتما تخوّفاننى (١) يوما هوآت، وذلك باختلاف الليل والنهار، فإنهما يبليان كل جديد، ويقرّبان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، حتى يأتيا بيوم القيامة، يوم تبلى فيه السرائر، وتكشف العورات، وتعنو فيه الوجوه، لعزّة ملك قهرهم بجبروته، فالناس له داخرون يخافون عقابه، وينتظرون قضاءه، ويرجون رحمته، وذكرتما أنه بلغكما أنه يكون فى هذه الأمة رجال يكونون إخوان العلانية أعداء السريرة، فليس هذا بزمان ذلك، إنما ذلك فى آخر الزمان إذا كانت الرغبة والرهبة رغبة الناس بعضهم إلى بعض. .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢) لولا أنك علمته من غيرى، وما سلطان الدنيا وإمارتها؟ فإن كل ما ترى يصير إلى زوال، وإنما نحن إخوان، فأيّنا أمّ أخاه أو كان أميرا عليه لم يضرّه ذلك فى دينه ولا دنياه، بل لعل الوالى أن يكون أقربهما إلى الفتنة، وأوقعهما بالخطيئة لأنه بعرض هلكة إلا من عصم الله ، وقليل ما هم، وكتبتما تعوّذاننى بالله أن أنزل كتابكما منى سوى المنزل الذى نزل من قلوبكما، وإنما كتبتما نصيحة لى، وقد صدقتما، فتعهدّانى منكما بكتاب، ولا غنى بى غنكما». (فتوح الشأم ص ٨٩، وإعجاز القرآن ص ١١٧)

стр. 148

١١٧ - كتاب عمر إلى أبى عبيدة وبعد أن تم الظفر للمسلمين فى وقعة «اليرموك» بلغ أبا عبيدة أن الروم أرزوا (١) إلى «فحل»، وأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فكتب إلى عمر بن الخطاب يستشيره: أبد مشق يبدأ أم بفحل من بلاد الأردنّ؟ فكتب إليه عمر: «أما بعد، فابدءوا بدمشق فانهدوا (٢) لها، فإنها حصن الشأم، وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهل فحل بخيل تكون بإزائهم فى نحورهم، وأهل فلسطين وأهل حمص، فإن فتحها الله قبل دمشق فذاك الذى نحب، وإن تأخر فتحها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق من يمسك بها، ودعوها وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تغيروا على فحل، فإن فتح الله عليكم فانصرف أنت وخالد إلى حمص، ودع شرحبيل وعمرا وأخلهما بالأردنّ وفلسطين، وأمير كل بلد وجند على الناس حتى يخرجوا من إمارته». (تاريخ الطبرى ٤: ٥٧) ١١٨ - عهد خالد بن الوليد لأهل دمشق وسار المسلمون إلى دمشق وحاصروها، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقى، وعمرو بن العاص على باب توما، وشرحبيل على باب الفراديس، وأبو عبيدة على باب الجابية، ويزيد بن أبى سفيان على باب كيسان، وألحوا عليها، فقال الأسقفّ يوما لخالد: صالحنى على هذه المدينة، فدعا خالد بدواة وقرطاس وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها (٣)،

стр. 149

أعطاهم أمانا على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شئ من دورهم، لهم على ذلك عهد الله وذمة رسوله ﷺ والخلفاء والمؤمنين، لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية». وكتب فى رجب من سنة أربع عشرة. (فتوح البلدان للبلاذرى ص ١٢٧، وتهذيب تاريخ ابن عساكر ١: ١٤٨، ٢: ١٠٥) ١١٩ - عهد أبى عبيدة لأهل دمشق وشمّر خالد لفتح المدينة، فدخلها من جهته عنوة، فلما رأى ذلك الروم قصدوا أبا عبيدة، وبذلوا له الصلح، فقبل منهم، وفتحوا له الباب، فالتقى خالد والقواد فى وسطها (١)، ثم كتب لهم أبو عبيدة كتاب الصلح، وهو: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لأبى عبيدة بن الجراح ممن أقام بدمشق وأرضها، وأرض الشام من الأعاجم، إنك حين قدمت بلادنا سألناك الأمان على أنفسنا وأهل ملّتنا، وإنا اشترطنا لك على أنفسنا أن لا نحدث فى مدينة دمشق، ولا فيما حولها كنيسة، ولا ديرا ولا قلّاية (٢) ولا صومعة راهب، ولا نجدّد ما خرب من كنائسنا، ولا شيئا منها مما كان فى خطط (٣) المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها فى الليل والنهار، وأن نوسّع أبوابها للمارّة، وأبناء السبيل، ولا نؤوى فيها، ولا فى منازلنا جاسوسا، ولا نكتم على من غشّ المسلمين، وعلى أن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيّا فى جوف كنائسنا، ولا نظهر الصليب عليها، ولا نرفع أصواتنا

стр. 150

فى صلاتنا وقراءتنا فى كنائسنا، ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا، ولا نخرج باعوثا ولا سعانين (١)، ولا نرفع أصواتنا بموتانا، ولا نظهر النيران معهم فى أسواق المسلمين، ولا نجاورهم بالحنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركا فى نادى المسلمين، ولا نرغّب مسلما فى ديننا، ولا ندعو إليه أحدا، وعلى أن لا نتخذ شيئا من الرّقيق الذين جرت عليهم سهام المسلمين، ولا نمنع أحدا من قرابتنا إن أرادوا الدخول فى الإسلام، وأن نلزم ديننا حيثما كنا، ولا نتشبّه بالمسلمين فى لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا فى مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتسمّى بأسمائهم، وأن نجزّ مقادم رءوسنا، ونفرق نواصينا، ونشدّ الزّنانير (٢) على أوساطنا، وأن لا ننقش فى خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السّروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نجعله فى بيوتنا، ولا نتقلّد السيوف، وأن نوقّر المسلمين فى مجالسهم، ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم من المجالس إذا أرادوها، ولا نطّلع عليهم فى منازلهم، ولا نعلّم أولادنا القرآن، ولا نشارك أحدا من المسلمين إلا أن يكون للمسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل من أوسط ما نجد، ونطعمه فيها ثلاثة أيام، وعلينا أن لا نشتم مسلما، ومن ضرب مسلما فقد خلع عهده. ضمنّا ذلك لك على أنفسنا وذراريّنا وأرواحنا ومساكننا، وإن نحن غيّرنا أو خالفنا عما اشترطنا لك وقبلنا الأمان عليه، فلا ذمّة لنا، وقد حلّ لك منا ما حلّ من أهل المعاندة والشقاق، على ذلك أعطينا الأمان لأنفسنا وأهل ملّتنا، فأقرّونا فى بلادكم التى ورّثكم الله إياها. شهد الله على ما شرطنا لكم على أنفسنا، وكفى بالله شهيدا». (تهذيب تاريخ ابن عساكر ١: ١٤٩)

стр. 151

١٢٠ - كتاب عمرو بن العاص إلى أبى عبيدة ولما ظهر أبو عبيدة على دمشق أمر عمرو بن العاص بأن يسير إلى أرض الأردن وفلسطين فيكون بينهما، ففعل ما أمر به، وبلغه وهو هناك أن الروم قد جمعوا جموعهم، وتأهبوا لقتال المسلمين، فكتب إلى أبى عبيدة بن الجراح: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الروم قد أعظمت فتح دمشق، واجتمعوا من نواحى الأردنّ وفلسطين، فتكاتبوا وتواثقوا وتعاقدوا أن لا يرجعوا إلى النساء والأولاد حتى يخرجوا العرب من بلادهم، والله مكذّب قولهم وأملهم، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، فاكتب إلىّ برأيك فى هذا الحدث، أرشد الله أمرك، وسدّدك وأدام رشدك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». فأمده أبو عبيدة بجيش عظيم. (فتوح الشأم ص ٩٤) ١٢١ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر بن الخطاب وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما: «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلّا هو، أما بعد: فإنّ الروم قد أقبلت فنزلت «فحل» طائفة منهم مع أهلها، وقد سارع إليهم أهل البلد، ومن كان على دينهم من العرب، وقد أرسلوا إلىّ أن: «اخرج من بلادنا التى تنبت الحنطة والشعير والفواكه والأعناب، وإنكم لستم لها بأهل، والحقوا ببلادكم بلاد الشقاء والبؤس، فإن أنتم لم تفعلوا سرنا إليكم بما لا قبل لكم به، ثم أعطينا الله عهدا أن لا ننصرف عنكم، ومنكم عين تطرف (١)» فأرسلت إليهم:

стр. 152

«أمّا قولكم: «اخرجوا من بلادنا، فلستم لها بأهل» فلعمرى ما كنا لنخرج منها، وقد دخلناها وورّثناها الله منكم، ونزعناها من أيديكم وإنما البلاد بلاد الله، والعباد عباده، وهو ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، وأمّا ما ذكرتم من بلادنا وزعمتم أنها بلاد البؤس والشقاء، فقد صدقتم، وقد أبدلنا الله بها بلادكم بلاد العيش الرّفيغ (١)، والسّعر الرّخيص، والفواكه الكثيرة، فلا تحسبونا بتاركيها، ولا منصرفين عنها، ولكن أقيموا لنا فو الله لا نجشّمكم إتياننا، ولنأتينّكم إن أقمتم لنا». فكتبت إليك حين نهضت إليهم، متوكّلا على الله، راضيا بقضاء الله، واثقا بنصر الله، كفانا الله وإياك والمؤمنين مكيدة كل كائد، وحسد كل حاسد، ونصر الله أهل دينه نصرا عزيزا، وفتح لهم فتحا يسيرا، وجعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا». (فتوح الشأم ص ١٠٩) ١٢٢ - رد عمر على أبى عبيدة فكتب إليه عمر رضى الله عنه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة ابن الجرّاح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن كتابك جاءنى بنفير الروم إليك، ومنزلهم الذى نزلوا به، ورسالتهم التى أرسلوا، وبالذى رجعت إليهم فيما سألوك، وقد سددت بحجتك، وأوتيت رشدك، فإن أتاك كتابى هذا وأنتم الغالبون، فكثيرا ما نذكر من ربنا الإحسان إلينا وإليكم، وإن أتاكم وقد أصابكم نكب (٢)، أو قرح فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تستكينوا،

стр. 153

فإنكم الأعلون، وإنها دار الله، وهو فاتحها عليكم تصديقا منا لقول نبينا ﷺ (١) فاصبروا إن الله مع الصابرين. واعلم أنك متى ما لقيت عدوّك، فاستعنت بالله عليهم، وعلم منك الصدق، نصرك عليهم، فقل إذا أنت لقيتهم: اللهم إنك الناصر لدينك، والمعزّ لأوليائك قديما وحديثا، اللهم فتولّ نصرهم، وأظهر فلجهم (٢) ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، وكن الصانع لهم، والدافع عنهم برحمتك، إنك الولىّ الحميد». (فتوح الشأم ص ١١١) ١٢٣ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر ونهض المسلمون لقتال الروم فهزموهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغلبوا على سواد الأردنّ وعلى أرضها، وكتب أبو عبيدة إلى عمر رضى الله عنهما: «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى أنزل على المسلمين المؤمنين نصره، وعلى الكافرين رجزه، أخبر أمير المؤمنين- أصلحه الله- أنا التقينا نحن والروم، وقد جمعوا لنا الجموع العظام، فجاءونا من رءوس الجبال، وأسياف (٣) البحار، وظنّوا أنه لا غالب لهم من الناس، فبرزوا لنا

стр. 154

وبغوا علينا، وتوكلنا على الله، ورفعنا رغبتنا إليه، وقلنا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ونهضنا إليهم بخيلنا ورجّالتنا، وكان القتال بين الفريقين مليّا (١) من النهار، أهدى الله فيه الشهادة لرجال من المسلمين، منهم عمرو بن سعيد بن العاص، وضرب الله وجوه المشركين، واتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، حتى اعتصموا بحصونهم، فأصاب المسلمون عسكرهم، وغلبوا على بلدهم، وأنزلهم الله من صياصيهم (٢)، وقذف فى قلوبهم الرّعب، فاحمد الله يا أمير المؤمنين أنت ومن قبلك من المسلمين على إعزاز دينه، وإظهار الفلج على المشركين، وادعوا الله لنا بتمام النعمة، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص: ١٢٢) ١٢٤ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر فلما رأى أهل «فحل» أن المسلمين قد غلبوا على أرض الأردنّ، سألوهم الصلح فصالحوهم، وأما أهل الأردنّ وأهل القرى، فإن المسلمين أخذوا ذلك عنوة بغير صلح، فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: نقتسمهم، وقالت طائفة: نتركهم، وكتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإن الله ذا المنّ والفضل والنّعم العظام فتح على المسلمين من أرض الروم، فرأت طائفة من المسلمين أن يقرّوا أهلها على أن يؤدّوا الجزية إليهم، ويكونوا عمّار الأرض، ورأت طائفة منهم أن يقتسموهم، فليكتب إلينا أمير المؤمنين برأيه فى ذلك، أدام الله لك التوفيق فى (٣) جميع الأمور». (فتوح الشام ص ١٢٣)

стр. 155

١٢٥ - رد عمر على أبى عبيدة فكتب إليه عمر رضى الله عنه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه بلغنى كتابك تذكر إعزاز الله أهل دينه، وخذلان أهل عداوته، وكفايته إيانا مؤنة من عادانا، فالحمد الله على إحسانه إلينا فيما مضى، وحسن صنيعه لنا فيما غبر (١)، الذى عافى جماعة المسلمين، وأكرم بالشهادة فريقا من المؤمنين، فهنيئا لهم برضا ربّهم، وكرامته إياهم، ونسأله ألّا يحرمنا أجرهم، وألّا يفتننا بعدهم، فقد نصحوا لله، وقضوا ما عليهم، ولربهم كانوا يعملون، ولأنفسهم كانوا يهتدون. وقد فهمت ما ذكرت من الأرض التى ظهر عليها وعلى أهلها المسلمون، فقالت طائفة: نقرّ أهلها على أن يؤدّوا الجزية إلى المسلمين، ويكونوا عمّار الأرض، وقالت طائفة: نقتسمهم، وإنى قد نظرت فيما كتبت إلىّ من هذا، فغرق رأيى فيما سألتنى عنه، إلّا أنى قد رأيت أن تقرّهم، وأن تحمل الجزية عليهم، وتقسمها بين المسلمين، ويكونوا عمّار الأرض، فهم أعلم بها، وأقوى عليها من غيرهم، أرأيتم لو أنّا أخذنا أهلها واقتسمناهم، من كان يكون لمن يأتى بعدنا من المسلمين؟ والله ما كانوا إذن ليجدوا إنسانا يكلّمونه، ولا يكلمهم، ولا ينتفعون بشئ من ذات يده، وإن هؤلاء يأكلهم المسلمون ما داموا أحياء، فإذا هلكنا وهلكوا أكل أبناؤنا أبناءهم أبدا ما بقوا، وكانوا عبيدا لأهل الإسلام أبدا ما دام دين الإسلام ظاهرا، فضع عليهم الجزية، وكفّ عنهم السّبى، وامنع المسلمين من ظلمهم، والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحقها». فلما جاء أبا عبيدة هذا الرأى من عمر عمل به. (فتوح الشأم ص ١٢٤)

стр. 156

صورة أخرى وجاء فى كتاب الخراج لأبى يوسف: وكتب أبو عبيدة إلى عمر رضى الله عنه بهزيمة المشركين، وبما أفاء الله على المسلمين، وما أعطى أهل الذمة من الصلح، وما سأله المسلمون من أن يقسم بينهم المدن وأهلها، والأرض وما فيها من شجر أو زرع، وأنه أبى ذلك عليهم، حتى كتب إليه فيه، ليكتب إليه برأيه فيه فكتب إليه عمر: «إنى نظرت فيما ذكرت مما أفاء الله عليك، والصلح الذى صالحت عليه أهل المدن والأمصار، وشاورت فيه أصحاب رسول الله ﷺ ، فكل قد قال فى ذلك برأيه، وإن رأيى تبع لكتاب الله تعالى، قال الله تعالى: «وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ (١) عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً (٢) بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ» هم المهاجرون الأولون «وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (٣) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ

стр. 157

الْمُفْلِحُونَ» فإنهم الأنصار «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ» ولد آدم الأحمر والأسود، فقد أشرك الله الذين من بعدهم فى هذا الفئ إلى يوم القيامة، فأقرّ ما أفاء الله عليك فى أيدى أهله، واجعل الحزية عليهم بقدر طاقتهم تقسمها بين المسلمين، ويكونون عمّار الأرض، فهم أعلم بها وأقوى عليها، ولا سبيل لك عليهم، ولا للمسلمين معك أن تجعلهم فيئا وتقسمهم، للصلح الذى جرى بينك وبينهم، ولأخذك الجزية منهم بقدر طاقتهم، وقد بيّن الله لنا ولكم فقال: فى كتابه «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ». فإذا أخذت منهم الجزية فلا شئ لك عليهم ولا سبيل، أرأيت لو أخذنا أهلها فاقتسمناهم، ما كان يكون لمن يأتى من بعدنا من المسلمين؟ والله ما كانوا يجدون إنسانا يكلمونه، ولا ينتفعون بشئ من ذات يده، وإن هؤلاء يأكلهم المسلمون ماداموا أحياء، فإذا هلكنا وهلكوا أكل أبناؤنا أبناءهم أبدا ما بقوا، فهم عبيد لأهل دين الإسلام مادام دين الإسلام ظاهرا فاضرب عليهم الجزية، وكفّ عنهم السّبى، وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلّها ووفّ لهم بشرطهم الذى شرطت لهم فى جميع ما أعطيتهم. وأما إخراج الصّلبان فى أيام عيدهم فلا تمنعهم من ذلك خارج المدينة بلا رايات ولا بنود (١)، على ما طلبوا منك يوما فى السنة، فأمّا داخل البلد بين المسلمين ومساجدهم فلا تظهر الصلبان». فأذن لهم أبو عبيدة فى يوم من السنة، وهو يوم عيدهم الذى فى صومهم، فأما فى غير ذلك اليوم فلم يكونوا يخرجون صلبانهم. (كتاب الخراج ص ١٦٧)

стр. 158

١٢٦ - عهد أبى عبيدة لأهل بعلبك ثم خرج أبو عبيدة نحو حمص فمرّ ببعلبكّ، فطلب أهلها الأمان والصلح، فصالحهم، وكتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب أمان لفلان بن فلان وأهل بعلبك، رومها وفرسها وعربها، على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ودورهم داخل المدينة وخارجها، وعلى أرحائهم، وللرّوم أن يرعوا سرحهم (١) ما بينهم وبين خمسة عشر ميلا، ولا ينزلوا قرية عامرة، فإذا مضى شهر ربيع وجمادى الأولى، ساروا إلى حيث شاءوا، ومن أسلم منهم فله مالنا وعليه ما علينا، ولتجّارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التى صالحنا عليها، وعلى من أقام منهم الجزية والخراج، شهد الله، وكفى بالله شهيدا». (فتوح البلدان للبلاذرى ص ١٢٦) ١٢٧ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر ثم دخل أبو عبيدة حمص وطلب أهلها الصلح، فصالحهم المسلمون، وكتبوا لهم كتابا بالأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما. «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذى أفاء علينا وعليك يا أمير المؤمنين أفضل كورة فى الشأم أهلا وقلاعا، وأكثرهم عددا وجمعا وخراجا، وأكتبهم للمشركين كتبا (٢)، وأيسره على المسلمين فتحا، أخبرك يا أمير المؤمنين- أصلحك الله- أنا قدمنا بلاد حمص وبها من المشركين عدد كثير،

стр. 159

والمسلمون يزفونهم (١) ببأس شديد، فلما دخلنا بلادهم ألقى الله الرعب فى قلوبهم، ووهّن كيدهم، وقلّم أظفارهم، وسألوا الصلح وأذعنوا بأداء الجزية، فقبلنا منهم وكففنا عنهم، وفتحوا لنا الحصون، واكتتبوا منا الأمان، وقد وجّهنا الخيول إلى الناحية التى فيها ملكهم وجنوده، فنسأل الله ملك الملوك، وناصر الجنود، أن يعزّ المسلمين بنصره، وأن يسلم (٢) المشرك الخاطئ بذنبه، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص ١٢٨) ١٢٨ - رد عمر على أبى عبيدة فكتب إليه عمر: «أما بعد: فقد بلغنى كتابك تأمرنى فيه بحمد الله على ما أفاء الله علينا من الأرض، وفتح علينا من القلاع، ومكّن لنا فى البلاد، وصنع لنا ولكم وأبلانا وإياكم من حسن البلاء، فالحمد لله حمدا كثيرا ليس له نفاد، ولا يحصى له تعداد، وذكرت أنك وجّهت الخيول نحو البلاد التى فيها ملك الروم وجموعهم، فلا تفعل، وابعث إلى خيلك فاضممها إليك، وأقم حتى يمضى هذا الحول، ونرى من رأينا، ونستعين بالله ذى الجلال والإكرام على جميع أمورنا، والسلام». (فتوح الشأم ص ١٢٩) ١٢٩ - كتاب أبى عبيدة إلى ميسرة بن مسروق وكان أبو عبيدة رضى الله عنه قد قدّم ميسرة بن مسروق إلى ناحية حلب، فكتب إليه: «أما بعد: فإذا لقيك رسولى فأقبل معه، ودع ما كنت وجّهتك فيه، حتى نرى من رأينا، وننظر فيما يأمر به خليفتنا، والسلام عليك». فأقبل ميسرة فى أصحابه حتى انتهى إلى أبى عبيدة بحمص فنزل معه. (فتوح الشأم ص ١٣٠)

стр. 160

١٣٠ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر وبعث أبو عبيدة بن الجراح ليلة غدا من حمص إلى دمشق سفيان بن عوف ابن معقل رسولا إلى عمر رضى الله عنه، وكتب معه: «أما بعد: فإن عيونى قدمت علىّ من أرض عدونا من القرية التى فيها ملك الروم، فحدّثونى بأن الروم قد توجّهوا إلينا، وجمعوا لنا من الجموع ما لم يجمعوه لأمة قط كانت قبلنا، وقد دعوت المسلمين، وأخبرتهم الخبر، واستشرتهم فى الرأى، فأجمع رأيهم على أن أن يتنحّوا عنهم حتى يأتينا رأيك، وقد بعثت إليك رجلا عنده علم ما قبلنا، فسله عما بدا لك، فإنه بذلك عليم، وهو عندنا أمين، ونستعين بالله العزيز العليم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص ١٣٨) ١٣١ - رد عمر على أبى عبيدة فكتب إليه عمر رضى الله عنه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبيدة بن الجراح، وإلى الذين معه من المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان، والمجاهدين فى سبيل الله، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه بلغنى توجّهكم من أرض حمص إلى أرض دمشق، وترككم بلادا قد فتحها الله عليكم، وخلّيتموها (١) لعدوكم وخرجتم منها طائعين فكرهت هذا من رأيكم وفعلكم، وسألت رسولكم: أعن رأى من جميعكم كان ذلك؟ فزعم أن ذلك كان من رأى خياركم وأولى النّهى (٢) منكم وجماعتكم، فعلمت أن الله لم يكن ليجمع رأيكم إلا على توفيق وصواب

стр. 161

ورشد فى العاجلة والعاقبة، فهوّن ذلك علىّ ما كان دخلنى من الكراهية قبل ذلك لتحوّلكم (١)، وقد سألنى رسولكم المدد لكم، وأنا ممدّكم قبل أن يقرأ عليكم كتابى هذا، وأشخص إليكم المدد من قبلى إن شاء الله، واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير كنا نهزم الجمع الكثير، ولا بالجمع الكثير كان الله ينزل النصر عليهم، ولربما خذل الله الجموع الكثيرة، فوهنت وفلّت وفشلت، ولم تغن عنهم فئتهم شيئا، ولربما نصر الله العصابة القليل عددها على الكثير عددها من أعداء الله، فأنزل الله عليكم نصره، وعلى المشركين من أعداء الله وأعداء المسلمين بأسه ورجزه، والسلام عليكم». (فتوح الشأم ص ١٤١) ١٣٢ - كتاب عمرو بن العاص إلى أبى عبيدة وخرج أبو عبيدة حتى قدم دمشق، وبها خالد بن الوليد، فأتاه خالد وضمّ عسكره إلى عسكره، ثم قدم على أبى عبيدة عبد الله بن عمرو بن العاص بكتاب من أبيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإن أهل إيليا وكثيرا ممن كنا صالحناهم من أهل الأردنّ قد نقضوا العهد فيما بيننا وبينهم، وذكروا أن الروم قد أقبلت إلى الشأم بقضها وقضيضها (٢)، وأنكم قد خلّيتم لهم عن الأرض، وخرجتم منها، وأقبلتم منصرفين عنها، وقد جرّأهم ذلك علىّ وعلى من قبلى من المسلمين، وقد تراسلوا وتواثقوا وتعاقدوا ليسيرنّ إلىّ، فاكتب إلىّ برأيك، فإن كنت تريد القدوم علىّ أقمت لك حتى تقدم، وإن كنت تريد أن تنزل منزلا من الشأم، أو من غيرها، وأن أقدم عليك، فأعلمنى برأيك أوافك به، فإنى صائر إليك أينما كنت، فابعث إلىّ مددا أقوى بهم على

стр. 162

عدو على ضبط ما قبلى، فإنهم قد أرجفوا (١) بنا، واغتمزوا فينا (٢)، واستعدّوا لنا، ولو يجدونا فينا ضعفا أو يرون فينا فرصة ما ناظرونا (٣)، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص ١٤٣) ١٣٣ - رد أبى عبيدة على عمرو فكتب إليه أبو عبيدة بن الجراح: «أما بعد: فقد قدم علىّ عبد الله بن عمرو بكتابك، تذكر فيه إرجاف المرجفين، واستعدادهم لك، وجرأتهم عليك، للّذى (٤) بلغهم من انصرافنا عن الروم، وما خلّينا لهم من الأرض، وإن ذلك- والحمد لله- لم يكن من المسلمين عن ضعف من بصائرهم ولا وهن من عدوهم ولكنه كان رأيا من جماعتهم كادوا به عدوهم من المشركين ليخرجوهم من مدائهم وحصونهم وقلاعهم وليجتمع بعض من المسلمين إلى بعض، ويجتمعوا من أطرافهم، وينضمّ إليهم من كان قربهم، وينتظرون قدوم أمدادهم عليهم، ثم يناهضونهم إن شاء الله، وقد اجتمعت خيلهم وتتامّت فرسانهم، ووثقنا بنصر الله أولياءه، وإنجاز موعده، وإعزاز دينه، وإذلال المشركين، حتى لا يمنع أحدهم أمّه، ولا حليلته، ولا نفسه، حتى يتوقّلوا (٥) فى رءوس الجبال، ويعجزوا عن منع الحصون، ويجنحوا للسّلم (٦)، ويلتمسوا الصلح، «سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا». ثم أعلم من قبلك من المسلمين أنى قادم عليهم بجماعة أهل الإسلام إن شاء الله، فليحسنوا بالله الظنّ، ولا يجدن أهل حربكم وعدوكم فيكم ضعفا، ولا وهنا، ولا فشلا، فيغتمزوا فيكم، ويتجرّءوا عليكم، أعزّنا الله وإياكم بنصره، وألبسنا وإياكم عافيته وعفوه، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص ١٤٤)

стр. 163

١٣٤ - كتاب عمرو بن العاص إلى بطارقة إيلياء فلما ورد على عمرو كتاب أبى عبيدة سار إلى إيلياء «بيت المقدس» وكتب إلى بطارقتها: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن العاص إلى بطارقة إيلياء، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله العظيم الذى لا إله إلا هو، ومحمد ﷺ ، أما بعد: فإنا نثنى على ربنا خيرا، ونحمده حمدا كثيرا كما رحمنا بنبيّه، وشرّفنا برسالته، وأكرمنا بدينه، وأعزّنا بطاعته، وأكرمنا بتوحيده والإخلاص بمعرفته، فلسنا- والحمد لله- نجعل له ندّا، ولا نتخذ من دونه إلها، لقد قلنا إذن شططا، سبحانه وبحمده وجلّ ثناؤه، والحمد لله الذى جعلكم شيعا، وجعلكم فى دينكم أحزابا بكفركم بربكم، فكلّ حزب بما لديهم فرحون. فمنكم من يزعم أن لله ولدا، ومنكم من يزعم أن الله ثانى اثنين، ومنكم من يزعم أن الله ثالث ثلاثة، فبعدا لمن أشرك بالله وسحقا، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا، والحمد لله الذى قتل بطارقتكم، وسلب عزكم، وطرد من هذه البلاد ملوككم، وأورثنا أرضكم ودياركم وأموالكم، وأذلكم بكفركم بالله، وشرككم به، وترككم ما دعوناكم إليه من الإيمان بالله ورسوله، فأعقبكم الله الجوع والخوف والذلّ بما كنتم تصنعون، فإذا أتاكم كتابى هذا فأسلموا تسلموا، وإلّا فأقبلوا إلينا حتى أكتب لكم كتابا أمانا على دمائكم وأموالكم، وأعقد لكم عقدا تؤدّوا إلىّ الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإلّا فو الله الذى لا إله إلا هو لأرمينّكم بالخيل بعد الخيل، وبالرجال بعد الرجال، ثم لا أقلع عنكم حتى أقتل المقاتلة، وأسبى الذرية، وتكونوا كأمة كانت، فأصبحت كأنها لم تكن». (فتوح الشأم ص ١٤٧)

стр. 164

١٣٥ - كتاب أهل إيلياء إلى عمرو بن العاص وكان أهل إيلياء قد بعثوا عينا لهم، فأتاهم فأخبرهم أن باهان قد أقبل من قبل ملك الروم فى ثلاثة عساكر، كل عسكر منها أكثر من مائة ألف مقاتل، وأن العرب لما بلغهم ما سار إليهم من تلك الجموع، علموا أنه لا قبل لهم بما جاءهم، فانصرفوا راجعين، وقد كان أوائل العرب دخلوا أرض قنّسرين فأخرجوهم منها، ثم أتوا أرض حمص فأخرجوهم منها ثم أتوا أرض دمشق فأخرجوهم منها، ثم أقبلت العرب نحو الأردنّ نحو صاحبهم الذى كتب إليكم، والروم فى آثارهم يسوقونهم سوقا عنيفا سريعا إلى ما قبلكم من البلاد فتباشروا بذلك وسرّوا به، وكتبوا إلى عمرو: أما بعد: فإنك كتبت إلينا كتابا تزكّى فيه نفسك، وتعيب ما نحن عليه، والقول بالباطل لا ينفع به أحد نفسه، ولا يضرّ به عدوّه، وقد فهمنا ما دعوتنا إليه، وهؤلاء ملوكنا وأهل ديننا قد جاءوكم، فإن أظهرهم الله عليكم فذلك بلاؤه عندنا فى القديم، وإن ابتلانا بظهوركم علينا، فلعمرى لنقرّنّ (١) لكم بالصّغار، وما نحن إلا كمن ظهرتم عليهم من إخواننا، ثم دانوا لكم، فأعطوكم ما سألتم». (فتوح الشام ص ١٤٩) ١٣٦ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر وخرج أبو عبيدة من دمشق بالمسلمين إلى بلاد الأردنّ، وعلى مقدمته خالد ابن الوليد حتى نزل اليرموك وأقبل عمرو حتى نزل معه، وجاشت الروم على المسلمين ودنوا منهم، فقال معاذ بن جبل، ورجال معه من المسلمين لأبى عبيدة: ألا تكتب إلى أمير المؤمنين تعلمه علم هذه الجيوش التى قد جاءتنا وتسأله المدد؟ فكتب إليه مع عبد الله بن قرط الثّمالىّ:

стр. 165

«أما بعد: أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أن الروم نفرت إلى المسلمين برّا وبحرا، ولم يخلّفوا وراءهم رجلا يطيق حمل السلاح إلّا جاشوا به، وأخرجوا معهم القسّيسين والأساقفة، ونزلت إليهم الرّهبان من الصوامع، واستجاشوا بأهل أرمينية، وأهل الجزيرة، وجاءونا وهم نحو من أربعمائة ألف رجل، وإنه لما بلغنى ذلك من أمرهم كرهت أن أغرّ المسلمين من أنفسهم، أو أكتمهم ما بلغنى عنهم، فكشفت لهم عن الخبر، وشرحت لهم عن الأمر، وسألتهم عن الرأى، فرأى المسلمون أن يتنحّوا (١) إلى أرض من أرض الشام، ثم يضم إلينا أطرافنا وقواصينا، وتكون بذلك المكان جماعتنا حتى يقدم علينا من قبل أمير المؤمنين المدد لنا، فالعجل العجل يا أمير المؤمنين بالرجال بعد الرجال، وإلّا فاحتسب أنفس المؤمنين إن هم أقاموا، ودينهم منهم إن هم تفرقوا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به، إلّا أن يمدهم الله بملائكته، أو يأتيهم بغياث من قبله، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص ١٦٠) ١٣٧ - رد عمر على أبى عبيدة فكتب عمر إلى أبى عبيدة: «أما بعد: فقد قدم علىّ أخو ثمالة بكتابك يخبرنى فيه بنفير الروم إلى المسلمين برّا وبحرا، وبما جاشوا عليكم من أساقفتهم وقسّيسهم ورهبانهم، وإن ربنا المحمود عندنا، والصانع لنا، والعظيم ذا المنّ والنعمة الدائمة علينا، قد رأى مكان هؤلاء الأساقفة والرهبان حيث بعث محمدا ﷺ بالحقّ، وأعزه بالنّصرة، ونصره بالرعب على عدوه، وقال- وهو لا يخلف الميعاد: «هو الّذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون» فلا تهولنّك كثرة

стр. 166

ما جاءك منهم، فإن الله منهم برئ، ومن برئ الله منه كان قمنا (١) أن لا تنفعه كثرة، وأن يكله الله إلى نفسه ويخذله، ولا توحشك قلة المسلمين فى المشركين (٢) فإن الله معك، وليس قليلا من كان الله معه، فأقم بمكانك الذى أنت به حتى تلقى عدوك وتناجزهم، وتستظهر بالله عليهم، وكفى به ظهيرا ووليّا ونصيرا، وقد فهمت مقالتك: «احتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا، ودينهم إن هم تفرقوا، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به، إلا أن يمدّهم الله بملائكته، ويأتيهم بغياث من قبله» وايم الله لولا استثناؤك بهذا لقد كنت أسأت، ولعمرى إن أقام (٣) لهم المسلمون وصبروا فأصيبوا، لما عند الله خير للأبرار. ولقد قال الله : «فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ (٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا»، فطوبى (٥) للشهداء، وإنّ لمن عقل عن الله ممن معك من المسلمين لأسوة بالمصرّعين حول رسول الله ﷺ فى مواطنه، فما عجز الذين قاتلوا فى سبيل الله، ولا هابوا الموت فى جنب الله، ولا وهن الذين بقوا من بعده، ولا استكانوا لمصيبتهم، ولكنهم تأسّوا بهم، وجاهدوا فى الله من خالفهم منهم، وفارق دينهم، ولقد أثنى الله على قوم بصبرهم فقال: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ (٦) كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» فأما ثواب الدنيا فالغنيمة والفتح، وأما ثواب الآخرة فالمغفرة والجنة. واقرأ كتابى هذا على الناس، ومرهم فليقاتلوا فى سبيل الله، وليصبروا كيما يؤتيهم الله ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.

стр. 167

فأما قولك: إنهم قد جاءهم ما لا قبل لهم به، فإن لا يكن لكم بهم قبل، فإن لله بهم قبلا، ولم يزل ربنا عليهم مقتدرا، ولو كنا والله إنما نقاتل الناس بحولنا وقوّتنا وكثرتنا، لهيهات ما قد أبادونا (١) وأهلكونا، ولكن نتوكل على الله ربنا، ونبرأ إليه من الحول والقوة، ونسأله النصر والرحمة، وإنكم منصورون إن شاء الله على كل حال، فأخلصوا لله نيتكم، وارفعوا إليه رغبتكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون». (فتوح الشأم ص ١٦٢) وبعث إليه عمر سعيد بن عامر بن حذيم فى جيش مددا له. ١٣٨ - كتاب باهان إلى قيصر وكتب باهان إلى قيصر: «أما بعد: فإنا نسأل الله لك أيها الملك ولجندك وأهل مملكتك النصر، ولدينك وأهل سلطانك العزّ، فإنك قد بعثتنى فيما لا يحصيه من العدد إلا الله فقدمت على قوم فأرسلت إليهم، وهيّبتهم فلم يهابوا، وأطمعتهم فلم يطمعوا، وخوّفتهم فلم يخافوا، وسألنهم الصلح فلم يقبلوا، وجعلت لهم الجعل على أن ينصرفوا فلم يفعلوا، وقد ذعر منهم جندك ذعرا شديدا، وقد خشيت أن يكونوا الفشل قد عمّهم، والرعب قد دخل فى قلوبهم، إلّا أن منهم رجالا قد عرفتهم ليسوا بفرّار عن عدوهم، ولا شكّاك (٢) فى دينهم، ولو قد لقوهم لم يفرّوا حتى يظهروا أو يقتلوا، وقد جمعت أهل الرأى من أصحابى، وأهل النصيحة لملكنا وديننا، فاجتمع رأيهم على النهوض إليهم جميعا فى يوم واحد، ثم لا نزايلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم». ونشبت بين الفريقين وقعة اليرموك، وكانت النّصرة فيها للمسلمين، والدّبرة (٣) على المشركين، ولما انتهى خبر الهزيمة إلى ملك الروم وهو بأنطاكية، نادى فى أصحابه

стр. 168

بالرحيل إلى القسطنطينيّة راجعا، فلما خرج من أرض الشأم، وأشرف على أرض الروم، استقبل الشأم بوجهه، فقال: السلام عليك يا سورية سلام مودّع لا يرى أنه يرجع إليك أبدا». وكانت وقعة اليرموك فى رجب سنة خمس عشرة (١). (فتوح الشأم ص ١٨٧) ١٣٩ - كتاب أبى عبيدة إلى ميسرة بن مسروق ثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرّحه فى ألفى فارس، فمضى فى آثار القوم حتى قطع الدّروب (٢)، وبلغ مرج القبائل وهى ناحية أنطاكية والمصيصة، ثم انصرف راجعا، وكان أبو عبيدة قد أشفق عليهم حين بلغه أنهم أدربوا وجزع جزعا شديدا، وندم على إرساله إياهم فى طلب الروم فكتب إلى ميسرة: «أما بعد: فإذا أتاك رسولى هذا فأقبل إلىّ حين تنظر فى كتابى هذا، ولا تعرّجنّ على شئ، فإن سلامة رجل واحد من المسلمين أحبّ إلىّ من جميع أموال المشركين، والسلام عليك». فوافاه كتاب أبى عبيدة وقد هبط من الدروب راجعا، وأقبل حتى قدم على أبى عبيدة. (فتوح الشام ص ٢١٨) ١٤٠ - كتاب أبى عبيدة إلى أهل إيلياء وكتب أبو عبيدة إلى أهل إيلياء. «بسم الله الرحمن الرحيم. من أبى عبيدة بن الجراح إلى بطارقة أهل إيليا وسكّانها، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله العظيم ورسوله، أما بعد: فإنا ندعوكم إلى شهادة

стр. 169

أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، «وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» فإذا شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم، وكنتم إخواننا فى ديننا، وإن أبيتم فأقرّوا لنا بإعطاء الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإن أبيتم سرت إليكم بقوم هم أشد حبّا للموت منكم للحياة ولشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله حتى أقتل مقاتلتكم، وأسبى ذراريّكم». (فتوح الشأم ص ٢١٩) ١٤١ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر وكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما حين أظهره الله على أهل اليرموك وخرج يطلبهم: «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذى أهلك المشركين، ونصر المسلمين، وقديما ما تولّى الله أمرهم، وأظهر فلجهم، وأعزّ دعوتهم، فتبارك الله رب العالمين. أخبر أمير المؤمنين- أكرمه الله- أنّا لقينا الروم، وهم فى جموع لم تلق العرب مثلها جموعا قطّ، فأتوا وهم يرون أن لا غالب لهم من الناس أحد، فقاتلوا المسلمين قتالا شديدا ما قوتل المسلمون مثله فى موطن قطّ، ورزق الله المسلمين الصبر، وأنزل عليهم النصر، فقتلهم الله فى كل قرية، وكل شعب (١)، وكل واد وجبل وسهل، وغنم المسلمون عسكرهم، وما كان فيه من أموالهم ومتاعهم، ثم إنى أتبعتهم بالمسلمين حتى بلغت أقاصى بلاد الشأم، وقد بعثت إلى أهل الشأم عمّالى، وقد بعثت إلى أهل إيلياء أدعوهم إلى الإسلام، فإن قبلوا وإلّا فليؤدّوا إلينا الجزية عن يد وهم صاغرون،

стр. 170

فإن أبوا سرت إليهم حتى أنزل بهم، ثم لا أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين، إن شاء الله، والسلام عليك». (فتوح الشأم ص ٢٢٠) ١٤٢ - رد عمر على أبى عبيدة فكتب إليه عمر رضى الله عنه: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه أتانى كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله المشركين، ونصرة المؤمنين، وما صنع الله لأوليائه، وأهل طاعته، فأحمد الله على حسن صنيعه إلينا، وأسنتم الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تظهروا على عدوكم بعدد، ولا عدّة، ولا حول ولا قوة، ولكنه بعون الله ونصره ومنّه وفضله، فلله الطّول والمنّ، والفضل العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين، والحمد لله رب العالمين، والسلام». (فتوح الشأم ص ٢٢١) ١٤٣ - كتاب سعيد بن زيد إلى أبى عبيدة وانتظر أبو عبيدة أهل إيلياء فأبوا أن يأتوه فيصالحوه، فأقبل إليهم حتى نزل بهم فحاصرهم حصارا شديدا، وضيّق عليهم من كل جانب، فخرجوا إليه ذات يوم فقاتلوا المسلمين ساعة، ثم إن المسلمين شدّوا عليهم من كل جانب فقاتلوهم ساعة، ثم انهزموا فدخلوا حصنهم، فكان الذى ولى قتالهم خالد بن الوليد، ويزيد بن أبى سفيان، كل واحد منهما فى جانب، فبلغ ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو على دمشق، فكتب إلى أبى عبيدة: «من سعيد بن زيد إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنى لعمرى ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد

стр. 171

فى سبيل الله على نفسى، وعلى ما يقرّبنى من مرضاة ربى ، فإذا أتاك كتابى هذا فابعث إلى عملك من هو أرغب فيه منى، فليعمل لك عليه ما بدا لك، فإنى قادم عليك وشيكا إن شاء الله والسلام». فلما وصل كتابه إلى أبى عبيدة قال: أشهد ليفعلنّها، فقال ليزيد بن أبى سفيان: اكفنى دمشق، فوجّهه إليها، فسار يزيد إليها فوليها. (فتوح الشأم ص ٢٢١) ١٤٤ - كتاب أبى عبيدة إلى عمر فلما حصر أبو عبيدة أهل إيلياء ورأو أنه غير مقلع عنهم، وأنهم لا طاقة لهم بحربه، سألوه الصلح، فقبل منهم فقالوا: أرسل إلى خليفتكم عمر فيكون هو الذى يعطينا العهد، وهو يصالحنا ويكتب لنا الأمان، فقبل ذلك أبو عبيدة منهم وهمّ بالكتاب، فقال له معاذ بن جبل: تكتب إلى أمير المؤمنين، وتسأله القدوم عليك فلعلّه يقدم عليك، ثم يأبى هؤلاء الصلح، فيكون مسيره عناء وفضلا (١)، فلا تكتب إليه حتى تتوثق من هؤلاء، وتستحلفهم بأيمانهم المغلّظة: لئن أنت سألت أمير المؤمنين القدوم عليهم، وكتبت إليه بذلك فقدم عليهم فأعطاهم الأمان، وكتب لهم كتابا على الصلح ليقبلن ذلك، ففعل أبو عبيدة ما أشار به معاذ، ثم كتب إلى عمر رضى الله عنه: «بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا أقمنا على إيلياء، وظنوا أن لهم فى المطاولة بهم فرجا ورجاء، فلم يزدهم الله بها إلا ضيقا ونقصا وهزلا وأزلا (٢)، فلما رأوا ذلك سألونا أن نعطيهم ما كانوا به ممتنعين قبل ذلك، وله كارهين، وإنهم سألوا الصلح على أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو المؤمّن لهم، والكاتب لهم كتابا، وإنا خشينا أن يقدم أمير المؤمنين، ثم يغدر القوم، فيرجعون،

стр. 172

فيكون مسيرك- أصلحك الله- عناء وفضلا، فأخذنا عليهم المواثيق المغلّظة بأيمانهم: لئن أنت قدمت عليهم فأمّنتهم على أنفسهم وأموالهم ليقبلنّ ذلك، وليؤدّن الجزية، وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة، ففعلوا وأخذنا عليهم الأيمان بذلك، فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تقدم علينا فافعل، فإن فى مسيرك أجرا وصلاحا وعافية للمسلمين، أراك الله مرشدك، ويسّر أمرك، والسلام عليك». (فتوح الشام ص ٢٢٤) ١٤٥ - كتاب عمر إلى معاوية قال الطبرى: وكتب عمر إلى يزيد بن أبى سفيان أن يسرّح معاوية إلى قيسارية، وكتب إلى معاوية: «أما بعد: فإنى قد ولّيتك قيسارية، فسر إليها واستنصر الله عليهم وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربّنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى، ونعم النصير». فسار معاوية إلى قيسارية وفتحها سنة ١٥ هـ. (تاريخ الطبرى ٤: ١٥٦) ١٤٦ - كتاب أرطبون الرومى إلى عمرو بن العاص وقال: وكتب عمر إلى عمرو بن العاص يأمره بصدم أرطبون- وكان أدهى الروم وأبعدها غورا وأنكالا فعلا- فصمد إليه (١)، والتقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم (٢)، ثم انهزم أرطبون فأوى إلى إيلياء، ونزل عمرو أجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو:

стр. 173

«إنك صديقى ونظيرى، أنت فى قومك مثلى فى قومى، والله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع ولا تغترّ فتلقى ما لقى الذين قبلك من الهزيمة». ١٤٧ - رد عمرو على كتاب أرطبون فكتب إليه عمرو: «جاءنى كتابك، وأنت نظيرى ومثلى فى قومك لو أخطأتك خصلة، تجاهلت فضيلتى، وقد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، وأستعدى (١) عليك فلانا وفلانا وفلانا- لوزرائه- فأقرئهم كتابى ولينظروا فيما بينى وبينك (٢)». (تاريخ الطبرى ٤: ١٥٨) ١٤٨ - عهد عمر بن الخطاب لأهل إيلياء ولما قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الشأم، ونزل بالجابية، أتاه أهل إيلياء، فصالحهم عمر، وكتب لهم أمانا، نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمهم وبريئهم، وسائر ملّتهم، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من

стр. 174

حيّزها، ولا من صليبهم، ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية، كما يعطى أهل المدائن (١)، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللّصوت (٢)، فمن خرج منهم، فإنه آمن على نفسه وماله، حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحبّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلّى بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم. ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل «فلان» فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم. وعلى ما فى هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذى عليهم من الجزية». شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبى سفيان. «وكتب وحضر سنة خمس عشرة. وكتب لأهل «لدّ» ومن دخل معهم من أهل فلسطين أمانا كأمان أهل إيلياء. (تاريخ الطبرى ٤: ١٥٩) وروى القلقشندى فى صبح الأعشى ج ١٣ ص ٣٥٧ كتابا كتبه عمر لنصارى الشأم حين صالحهم، ونصّه نص عهد أبى عبيدة لأهل دمشق الذى ورد آنفا مع تغيير يسير.

стр. 175

١٤٩ - كتاب عمر إلى عمار بن ياسر ولما كان عمر رضى الله عنه بالشأم قال له عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين. إن أهل هذه البلاد يأتوننا بعصير قد عصروه وطبخوه قبل أن يغلى، فيأتون به حلوا كأنه الرّب (١)، قد طبخوه حتى ذهب ثلثاه، وبقى الثلث، فنظر إليه عمر وقال: لا أظن بهذا بأسا، ذهب حرامه وبقى حلاله ثم قال: اشرب منه يا عمرو فلا بأس به، وقال: كأن هذا طلاء الإبل، فسمى يومئذ «الطّلاء». ثم إن عمر كتب فيه بعد ذلك إلى عمّار بن ياسر (٢). «أما بعد: فإنى هبطت أرض الشأم، فأتونى بشراب لهم، فسألتهم كيف تصنعون به؟ فأخبرونى أنهم يطبخونه حتى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، وذلك حين يذهب رتبه (٣)، وريح حنونه، ويذهب حرامه، ويبقى حلاله والطيّب منه، فمر من قبلك من المسلمين فليستعينوا به فى شرابهم، والسلام». (فتوح الشأم ص ٢٣٠) ١٥٠ - كتب بين عمر وبين خالد وبلغ عمر أن خالد بن الوليد دخل الحمّام فتدلّك بعد النّورة (٤) بثخين عصفر معجون بخمر، فكتب إليه: «بلغنى أنك تدلّكت بخمر، وإن الله قد حرّم ظاهر الخمر وباطنه، كما حرّم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرّم مسّ الخمر إلا أن تغسل كما حرّم شربها، فلا تمسّوها أجساد كم فإنها نجس، وإن فعلتم فلا تعودوا». ***

стр. 176

فكتب إليه خالد: «إنا قتلناها فعادت غسولا (١) غير خمر». *** فكتب إليه عمر: «إنى أظن آل المغيرة (٢) قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه». (تاريخ الطبرى ٤: ٢٠٤، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٢٦٣) ١٥١ - كتاب عمر إلى أبى عبيدة وكان خالد بن الوليد بعد أن فتح قنّسرين أدرب وراء هرقل (٣) هو وعياض ابن غنم (سنة ١٧ هـ) فأصابا أموالا عظيمة، فلما قفل خالد، انتجعه رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بن قيس ممن انتجعه بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف- وكان عمر لا يخفى عليه شئ فى عمله: كتب إليه من العراق بخروج من خرج، ومن الشأم بجائزة من أجيز فيها- فدعا البريد، وكتب معه إلى أبى عبيدة: «أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته، حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث: أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها، فقد أقرّ بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله». فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه ثم جمع الناس، فقام البريد فقال: يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال إليه، فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا،

стр. 177

ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته، وقال ما تقول: أمن مالك أم من أصابة؟ قال: لا، بل من مالى، فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عمّمه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم، ونخدم موالينا (١)». (تاريخ الطبرى ٤: ٢٠٥) ١٥٢ - كتب بين أبى عبيدة وبين عمر وكتب أبو عبيدة إلى عمر: «إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار وأبو جندل، فسألناهم فتأوّلوا، وقالوا: خيّرنا فاخترنا، قال: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٢)»، ولم يعزم علينا». *** فكتب إليه عمر: «فذلك بيننا وبينهم، «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» يعنى فانتهوا». ***

стр. 178

وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة، ويضمّنوا الفسق، ومن تأوّل عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل، فكتب عمر إلى أبى عبيدة: «أن ادعهم على رءوس الناس واسألهم: أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا: حرام، فاجلدهم ثمانين جلدة واستتبهم، وإن قالوا: حلال فاضرب أعناقهم». *** فدعا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، وحدّ القوم وندموا على لجاجتهم، فاستحيوا فلزموا البيوت، ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: «إن أبا جندل قد وسوس، إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج، فاكتب إليه وذكّره». *** فكتب إليه عمر وذكّره: «من عمر إلى أبى جندل: «إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». فتب وارفع رأسك، وابرز ولا تقنط، فإن الله يقول: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». *** فلما قرأه عليه أبو عبيدة، تطلّق وأسفر وجهه، وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، وكتب إلى الناس: «عليكم أنفسكم، ومن استوجب التغيير فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحدا فيفشو فيكم البلاء». (تاريخ الطبرى ٤: ٢٢٢، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٢٧٣)

стр. 179

١٥٣ - كتاب عمر إلى أبى عبيدة وقد كان أهل الشأم حصروا أبا عبيدة وأصحابه فأصابهم جهد، فكتب إليه عمر: «سلام عليك، أما بعد: فإنه لم تكن شدة إلا جعل الله بعدها فرجا، ولن عسر يسرين (١) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». ١٥٤ - رد أبى عبيدة على عمر فكتب إليه أبو عبيدة: «سلام عليك، أما بعد: فإن الله ﵎ قال: «أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ

стр. 180

وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ». فلم يلبث أن ورد البشير على عمر بفتح الله على أبى عبيدة وهزم المشركين. (كتاب الخراج ص ١٧٧) ١٥٥ - كتب بين أبى عبيدة وبين عمر ولما وقع بالشأم طاعون عمواس (١) سنة ١٨ هـ، وقيل سنة ١٧ هـ واشتعل الوجع فى الناس، وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبى عبيدة ليستخرجه منه: «سلام عليك، أما بعد: فإنه قد عرضت لى إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت فى كتابى هذا ألّا تضعه من يدك حتى تقبل إلىّ». *** فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، وقال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثم كتب إليه: «يا أمير المؤمنين إنى قد عرفت حاجتك إلىّ، وإنى فى جند من المسلمين لا أجد بنفسى رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله فىّ وفيهم أمره وقضاءه، فحلّلنى من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعنى فى جندى». *** فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد، ثم كتب إليه:
следующие страницы →