فكتب إليه خالد:
«إنا قتلناها فعادت غسولا (١) غير خمر».
*** فكتب إليه عمر:
«إنى أظن آل المغيرة (٢) قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه».
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٠٤، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٢٦٣)
١٥١ - كتاب عمر إلى أبى عبيدة
وكان خالد بن الوليد بعد أن فتح قنّسرين أدرب وراء هرقل (٣) هو وعياض ابن غنم (سنة ١٧ هـ) فأصابا أموالا عظيمة، فلما قفل خالد، انتجعه رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بن قيس ممن انتجعه بقنسرين، فأجازه بعشرة آلاف- وكان عمر لا يخفى عليه شئ فى عمله: كتب إليه من العراق بخروج من خرج، ومن الشأم بجائزة من أجيز فيها- فدعا البريد، وكتب معه إلى أبى عبيدة:
«أن يقيم خالدا ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته، حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث: أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها، فقد أقرّ بخيانة، وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف، واعزله على كل حال، واضمم إليك عمله».
فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه ثم جمع الناس، فقام البريد فقال: يا خالد، أمن مالك أجزت بعشرة آلاف أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه، وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئا، فقام بلال إليه، فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا،
стр. 177
ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته، وقال ما تقول: أمن مالك أم من أصابة؟ قال: لا، بل من مالى، فأطلقه وأعاد قلنسوته ثم عمّمه بيده، ثم قال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخّم، ونخدم موالينا (١)».
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٠٥)
١٥٢ - كتب بين أبى عبيدة وبين عمر
وكتب أبو عبيدة إلى عمر:
«إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار وأبو جندل، فسألناهم فتأوّلوا، وقالوا: خيّرنا فاخترنا، قال: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٢)»، ولم يعزم علينا».
*** فكتب إليه عمر:
«فذلك بيننا وبينهم، «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» يعنى فانتهوا».
***
стр. 178
وجمع الناس، فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة، ويضمّنوا الفسق، ومن تأوّل عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل، فكتب عمر إلى أبى عبيدة:
«أن ادعهم على رءوس الناس واسألهم: أحرام الخمر أم حلال؟ فإن قالوا:
حرام، فاجلدهم ثمانين جلدة واستتبهم، وإن قالوا: حلال فاضرب أعناقهم».
*** فدعا بهم فسألهم، فقالوا: بل حرام، فجلدهم، وحدّ القوم وندموا على لجاجتهم، فاستحيوا فلزموا البيوت، ووسوس أبو جندل، فكتب أبو عبيدة إلى عمر:
«إن أبا جندل قد وسوس، إلا أن يأتيه الله على يديك بفرج، فاكتب إليه وذكّره».
*** فكتب إليه عمر وذكّره:
«من عمر إلى أبى جندل:
«إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء». فتب وارفع رأسك، وابرز ولا تقنط، فإن الله يقول: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
*** فلما قرأه عليه أبو عبيدة، تطلّق وأسفر وجهه، وكتب إلى الآخرين بمثل ذلك فبرزوا، وكتب إلى الناس:
«عليكم أنفسكم، ومن استوجب التغيير فغيّروا عليه، ولا تعيّروا أحدا فيفشو فيكم البلاء».
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٢٢، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٢٧٣)
стр. 179
١٥٣ - كتاب عمر إلى أبى عبيدة
وقد كان أهل الشأم حصروا أبا عبيدة وأصحابه فأصابهم جهد، فكتب إليه عمر:
«سلام عليك، أما بعد: فإنه لم تكن شدة إلا جعل الله بعدها فرجا، ولن عسر يسرين (١) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ».
١٥٤ - رد أبى عبيدة على عمر
فكتب إليه أبو عبيدة:
«سلام عليك، أما بعد: فإن الله ﵎ قال: «أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ
стр. 180
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».
فلم يلبث أن ورد البشير على عمر بفتح الله على أبى عبيدة وهزم المشركين.
(كتاب الخراج ص ١٧٧)
١٥٥ - كتب بين أبى عبيدة وبين عمر
ولما وقع بالشأم طاعون عمواس (١) سنة ١٨ هـ، وقيل سنة ١٧ هـ واشتعل الوجع فى الناس، وبلغ ذلك عمر، كتب إلى أبى عبيدة ليستخرجه منه:
«سلام عليك، أما بعد: فإنه قد عرضت لى إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا نظرت فى كتابى هذا ألّا تضعه من يدك حتى تقبل إلىّ».
*** فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء، وقال: يغفر الله لأمير المؤمنين! ثم كتب إليه:
«يا أمير المؤمنين إنى قد عرفت حاجتك إلىّ، وإنى فى جند من المسلمين لا أجد بنفسى رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله فىّ وفيهم أمره وقضاءه، فحلّلنى من عزمتك يا أمير المؤمنين ودعنى فى جندى».
*** فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أمات أبو عبيدة؟
قال: لا، وكأن قد، ثم كتب إليه:
стр. 181
«سلام عليك، أما بعد: فإنك أنزلت الناس أرضا غمقة (١)، فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة (٢)».
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٠١، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٢٧٥)
وفى لسان العرب- فى مادة غمق- أنه كتب إليه:
«إن الأردنّ أرض غمقة، وإن الجابية أرض نزهة، فاظهر بمن معك من المسلمين إليها».
١٥٦ - كتاب معاذ بن جبل إلى عمر
وعمّ طاعون عمواس أهل الشأم، ومات فيه بشر كثير، منهم أبو عبيدة ابن الجراح ﵀، وكان قد استخلف معاذ بن جبل رضى الله عنه، فكتب إلى عمر رضى الله عنه ينعى أبا عبيدة.
«لعبد الله عمر أمير المؤمنين من معاذ بن جبل. سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فاحتسب امرأ كان لله أمينا، وكان الله فى عينه عظيما، وكان علينا وعليك يا أمير المؤمنين عزيزا: أبا عبيدة بن الجرّاح، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» وعند الله نحتسبه، وبالله نثق له، كتبت إليك، وقد فشا الموت وهذا الوباء فى الناس، ولن يخطئ أحدا أجله من الموت، ومن لم يمت فسيموت، جعل الله له ما عنده خيرا لنا من الدنيا، إن أبقانا أو أهلكنا، فجزاك الله عن جماعة المسلمين، وعن خاصتنا وعامّتنا رحمته ومغفرته ورضوانه وجنّته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».
(فتوح الشام ص ٢٤٧)
стр. 182
١٥٧ - كتاب عمرو بن العاص إلى عمر
ثم طعن معاذ بن جبل فمات ﵀، وكان قد استخلف عمرو بن العاص، فكتب إلى عمر ينعى معاذا:
«لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإن معاذ بن جبل ﵀ هلك، وقد فشا الموت فى المسلمين، وقد استأذنونى فى التنحّى عنه إلى البرّ، وقد علمت أن إقامة المقيم لا تقرّبه من أجله، وأن هرب الهارب منه لا يباعده من أجله، ولا يدفع به قدره، والسلام عليك ورحمة الله».
(فتوح الشام ص ٢٤٧)
١٥٨ - كتاب عمر إلى يزيد بن أبى سفيان
ثم إن عمر رضى الله عنه كتب إلى يزيد بن أبى سفيان:
«أما بعد، فقد ولّيتك أجناد الشأم كلّه، وكتبت إليهم أن يسمعوا لك ويطيعوا، وألّا يخالفوا لك أمرا، فاخرج فعسكر بالمسلمين ثم سر إلى قيسارية، فانزل عليها ثم لا تفارقها حتى يفتحها الله عليك، فإنه لا ينبغى افتتاح ما اقتحتم من أرض الشأم مع مقام أهل قيسارية فيها، وهم عدوّكم وإلى جانبكم، وإنه لا يزال قيصر طامعا فى الشأم ما بقى فيها أحد من أهل طاعته منيعا (١)، ولو قد فتحتموها قطع الله رجاءه من جميع الشأم، والله فاعل ذلك وصانع للمسلمين إن شاء الله».
(فتوح الشأم ص ٢٥٠)
١٥٩ - كاب عمر إلى أمراء الأجناد
فخرج يزيد بن أبى سفيان فعسكر بالمسلمين، وجاء كتاب من عمر رضى الله عنه إلى أمراء الأجناد نسخة واحدة:
стр. 183
«أما بعد: فقد ولّيت يزيد بن أبى سفيان أجناد الشأم كلّه، وأمرته أن يسير إلى أهل قيسارية، فلا تعصوا له أمرا، ولا تخالفوا له رأيا، والسلام».
(فتوح الشأم ص ٢٥٠)
١٦٠ - كتاب يزيد بن أبى سفيان إلى أمراء الأجناد
وكتب يزيد بن أبى سفيان إلى أمراء الأجناد نسخة واحدة:
«أما بعد: فإنى قد ضربت على الناس بعثا أريد أن أسير بهم إلى قيسارية، فأخرجوا من كل ثلاثة رجلا، وعجّلوا إشخاصهم إلىّ والسلام».
فلم يلبث إلا قليلا حتى توافت عنده عساكر الأجناد فسار إلى قيسارية وكان بها جموع من بطارقة الروم وفرسانهم وأشدائهم كثيرة، وكل من كره الدخول فى دين الإسلام من النصارى، ومن كره الجزية، فحمل عليهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانهزموا انهزاما شديدا (١).
(فتوح الشأم: ص ٢٥١)
١٦١ - كتاب عمر إلى معاوية
وكتب عمر رضى الله عنه إلى معاوية (٢) كتابا فى القضاء يقول فيه:
«أما بعد، فإنى كتبت إليك بكتاب فى القضاء لم آلك (٣) ونفسى فيه خيرا، الزم خمس خصال يسلم لك دينك، وتأخذ فيه بأفضل حظّك: إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبيّنة العادلة، أو اليمين القاطعة، وأدن الضعيف حتى يشتدّ قلبه، وينبسط لسانه، وتعهّد (٤) الغريب، فإنك إن لم تتعهده ترك حقه، ورجع إلى أهله، وإنما
стр. 184
ضيّع حقه من لم يرفق به، وآس بين الناس فى لحظك وطرفك، وعليك بالصلح بين الناس ما لم يستبن لك فصل القضاء (١)».
(البيان والتبيين ٢: ٧٥، والعقد الفريد ١: ٢٧، وكتاب الخراج لأبى يوسف ص ١٤٠)
١٦٢ - كتاب عمر إلى عمرو بن العاص
ولمّا قدم عمر الشام سنة ١٨ هـ خلا به عمرو بن العاص، وجعل يرغّبه فى فتح مصر، وما زال به حتى أجابه فعقد له على أربعة آلاف رجل، وقال له: سر وأنا مستخير الله فى مسيرك، وسيأتى كتابى إليك سريعا إن شاء الله، فإن أدركك كتابى وأمرتك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخلها، أو شيئا من أرضها فانصرف، وإن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابى فامض لوجهك. واستعن بالله واستنصره، فسار إليها عمرو، واستخار عمر الله فكأنه تخوف على المسلمين فى وجههم ذلك، فكتب إلى عمرو ابن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين، فأدرك الكتاب عمرا وهو برفح، فتخوّف إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الانصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه وسار حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش، فسأل عنها فقيل إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين، ثم قال: ألستم تعلمون أن هذه القرية من مصر؟ قالوا: بلى، فقال: إن أمير المؤمنين عهد إلىّ وأمرنى إن لحقنى كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع، وإن لم يلحقنى كتابه حتى دخلنا أرض مصر فسيروا وامضوا على بركة الله، وكان كتاب عمر إليه:
стр. 185
«من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، أما بعد: فإنك سرت إلى مصر ومن معك، وبها جموع الروم، وإنما معك نفر يسير، ولعمرى لو نكّل بك ما سرت بهم، فإن لم تكن بلغت مصر فارجع».
(خطط المقريزى ١: ٢٨٨، وحسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة ١: ٤٦)
١٦٣ - كتاب عمر إلى عمرو بن العاص
وسار عمرو بن العاص إلى أن بلغ «الفرما» فقاتله بها الروم قتالا شديدا ثم فتحها الله على يديه، وتقدم إلى بلبيس ففتحها، ومضى حتى أتى أمّ دنين (١) فناهضوه مناهضة عنيفة وأبطأ عليه الفتج، فكتب إلى عمر يستمده فأمده بأربعة آلاف، فسار بمن معه حتى نزل على حصن يا بليون (٢) وقاتلهم قتالا شديدا يصبّحهم ويمسّيهم، فلما أبطأ عليه الفتح كتب إلى عمر يستمده، فأمده بأربعة آلاف رجل، على كل ألف رجل منهم رجل وكتب إليه:
«إنى قد أمددتك بأربعة آلاف رجل، منهم رجال مقام الألف: الزّبير بن العوام والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصّامت، ومسلمة بن مخلد، واعلم أن معك اثنى عشر ألفا، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة».
وحاصر عمرو الحصن سبعة أشهر حتى فتحه.
(حسن المحاضرة ١: ٤٧ وخطط المقريزى ١: ٢٨٩)
١٦٤ - عهد عمرو بن العاص لأهل مصر
ولما رأى القبط أن لا طاقة لهم بحرب قوم فلّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم، طلبوا الصلح، فقبل منهم عمرو بن العاص، وكتب لهم كتابا. صورته:
стр. 186
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم، وكنائسهم وصلبهم، وبرّهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شئ من ذلك، ولا ينتقص، ولا تساكنهم النّوبة.
وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية- إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم- خمسين ألف ألف، وعليهم ما جنى لصوتهم (١)، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء (٢) بقدرهم، وذمّتنا ممن أبى بريئة.
وإن نقص نهرهم عن غايته إذا انتهى، رفع عنهم بقدر ذلك، ومن دخل فى صلحهم من الروم والنّوبة، فله مثل ما لهم، وعليه مثل ما عليهم، ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا، وعليهم ما عليهم أثلاثا، فى كل ثلث جباية ثلث ما عليهم.
على ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمته، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين.
وعلى النّوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا، وعلى أن لا يغزوا، ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة»:
شهد الزّبير، وعبد الله، ومحمد ابناه، وكتب وردان وحضر.
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٢٩، وصبح الأعشى ١٣: ٣٢٤، والنجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ١: ٢٤)
١٦٥ - كتاب عمر إلى عمرو بن العاص
ثم خرج عمرو إلى الإسكندرية لقتال من تجمع بها من الروم، وأقام على حصارها أربعة عشر شهرا، حتى فتحها يوم الجمعة مستهلّ المحرم سنة عشرين هـ.
стр. 187
وذكروا أنه لما أبطأ على عمر بن الخطاب فتح مصر (يعنى الإسكندرية) كتب إلى عمرو بن العاص.
«أما بعد: فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، إنكم تقاتلونهم منذ سنتين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحبّ عدوكم، وإن الله ﵎ لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجّهت إليك أربعة نفر. وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكون غيّرهم ما غيّرهم، فإذا أتاك كتابى فاخطب الناس، وحضّهم على قتال عدوهم ورغّبهم فى الصبر والنية، وقدّم أولئك الأربعة فى صدور الناس، ومر الناس جميعا أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزّوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة فيها، ووقت الإجابة، وليعجّ (١) الناس إلى الله، ويسألوه النصر على عدوهم».
فلما أتى عمرا الكتاب جمع الناس وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر فقدّمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين ثم يرغبوا إلى الله تعالى، ويسألوه النصر على عدوهم، ففعلوا، ففتح الله عليهم.
(حسن المحاضرة ١: ٥٣، وخطط المقريزى ١: ١٦٥)
١٦٦ - كتاب عمر إلى عمرو بن العاص
وأرسل صاحب الإسكندرية إلى عمرو بن العاص: إن أحببت أن أعطيك الجزية على أن تردّ علىّ ما أصبتم من سبايا أرضى فعلت، فبعث إليه عمرو: إنّ ورائى أميرا لا أستطيع أن أصنع أمرا دونه، فإن شئت أن أمسك عنك وتمسك عنى حتى أكتب إليه بالذى عرضت علىّ، فإن هو قبل ذلك منك قبلت، وإن أمرنى بغير ذلك مضيت لأمره، فقال: نعم، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب فى ذلك، فجاءه كتاب عمر، وفيه:
стр. 188
«أما بعد: فإنه جاءنى كتابك تذكر أن صاحب الإسكندرية عرض أن يعطيك الجزية، على أن تردّ عليه ما أصيب من سبايا أرضه، ولعمرى لجزية قائمة تكون لنا ولمن بعدنا من المسلمين أحبّ إلىّ من فئ يقسم، ثم كأنه لم يكن، فأعرض على صاحب الإسكندرية أن يعطيك الجزية، على أن تخيّروا من فى أيديكم من سبيهم بين الإسلام وبين دين قومه، فمن اختار منهم الإسلام، فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن اختار دين قومه وضع عليه من الجزية ما يوضع على أهل دينه، فأمّا من تفرق من سبيهم بأرض العرب فبلغ مكة والمدينة واليمن، فإنا لا نقدر على ردهم، ولا نحبّ أن نصالحه على أمر لا نفى له به».
فبعث عمرو إلى صاحب الإسكندرية يعلمه الذى كتب به أمير المؤمنين، فقال قد فعلت.
(تاريخ الطبرى ٤: ٢٢٧)
١٦٧ - كتاب عمر إلى عمرو بن العاص
وروى أن عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية همّ أن يسكنها، فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه فى ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بينى وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النيل، فكتب إلى عمرو:
«إنى لا أحب أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بينى وبينهم فى شتاء ولا صيف».
فتحوّل عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط.
(خطط المقريزى ١: ١٦٧، حسن المحاضرة ١: ٥٧)
١٦٨ - كتاب عمرو بن العاص إلى عمر
ولما استقرّ عمرو بن العاص على ولاية مصر، كتب إليه عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن صف لى مصر، فكتب إليه:
стр. 189
«ورد كتاب أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- يسألنى عن مصر: اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر قرية غبراء (١)، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر (٢)، يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر (٣)، يخطّ وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الرّوحات، تجرى فيه الزيادة والنقصان كجرى الشمس والقمر، له أوان يدرّ حلابه (٤)، ويكثر فيه ذبابه، تمدّه عيون الأرض وينابيعها، حتى إذا ما اصلخمّ عجّاجه (٥)، وتعظّمت أمواجه، فاض على جانبيه، فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا فى صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهن فى المخايل ورق الأصائل (٦)، فإذا تكامل فى زيادته نكص على عقبيه كأوّل ما بدأ فى جريته، وطما فى درّته (٧)، فعند ذلك تخرج أهل ملّة محقورة، وذمّة مخفورة (٨)، يحرثون الأرض، ويبذرون بها الحبّ، يرجون بذلك النّماء من الربّ، لغيرهم ما سعوا من كدّهم، فناله منهم بغير جدّهم (٩) فإذا أحدق (١٠) الزرع وأشرق، سقاه النّدى، وغذاه من تحته الثّرى،
стр. 190
فبينما مصر يا أمير المؤمنين لؤلؤة بيضاء، إذا هى عنبرة سوداء، فإذا هى زمرّدة خضراء، فإذا هى ديباجة رقشاء (١)، فتبارك الله الخالق لما يشاء، والذى يصلح هذه البلاد وينمّيها، وبقرّ قاطنيها فيها، ألّا يقبل قول خسيسها فى رئيسها، وألّا يستادى (٢) خراج ثمرة إلا فى أوانها، وأن يصرف ثلث ارتفاعها فى عمل جسورها وترعها، فإذا تقرّر الحال مع العمال على هذه الأحوال، تضاعف ارتفاع المال، والله تعالى يوفّق فى المبدإ والمآل».
فلما ورد الكتاب على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لله درّك يا بن العاص! لقد وصفت لى خبرا كأنى أشاهده.
(النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ١: ٣٢)
١٦٩ - كتاب معاوية إلى عمر
وألحّ معاوية على عمر فى غزو البحر، وكتب إليه كتابا يرغّبه فيه، ويقول:
«يا أمير المؤمنين، إن بالشأم قرية يسمع أهلها نباح كلاب الروم، وصياح ديوكهم، وهم تلقاء ساحل من سواحل حمص (٣)».
стр. 191
فاتّهمه عمر، لأنه المشير، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو عامله على مصر أن صف لى البحر وراكبه، فكتب إليه عمرو.
١٧٠ - كتاب عمرو بن العاص إلى عمر
«يا أمير المؤمنين، إن البحر خلق عظيم، يركبه خلق صغير، إن ركن (١) خرّق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلّة والشكّ كثرة، ليس إلا السماء والماء. وإنما هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق (٢)».
فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية: «لا، والذى بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا».
(تاريخ الطبرى ٥: ٥١، والعقد الفريد ١: ٢٨، والبيان والتبيين ٢: ٥٧)
١٧١ - كتاب عمر إلى عمرو بن العاص
وروى أنه لما ولى عمرو بن العاص مصر، أتاه أهلها حين دخل شهر بؤونة، فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا سنّة لا يجرى إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه إذا كان فى اثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من عند أبويها، فأرضينا أبويها وأخذناها وجعلنا عليها من الحلىّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها فى النيل فيجرى، فقال لهم عمرو بن العاص: إن هذا لا يكون فى الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بؤونة، وأبيب، ومسرى، لا يجرى النيل قليلا ولا كثيرا حتى همّوا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكتب إليه عمر بن الخطاب أن:
стр. 192
«قد أصبت، إنّ الإسلام يهدم ما قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها فى النيل إذا أتاك كتابى».
فلما قدم الكتاب على عمرو بن العاص، فتح البطاقة، فإذا فيها: «من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر:
أما بعد، فإن كنت تجرى من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذى يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك».
فعرّفهم عمرو بكتاب أمير المؤمنين، وبالبطاقة، ثم ألقى البطاقة فى النيل قبل يوم عيد الصّليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصالحهم فيها إلا النيل، فأصبحوا يوم عيد الصليب، وقد أجراه الله ستة عشر ذراعا فى ليلة واحدة، وقطع تلك السنة القبيحة عن أهل مصر ببركة سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه».
(النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ١: ٣٦، وخطط المقريزى ١: ٥٨)
١٧٢ - كتاب عمر إلى عمرو
وأصاب الناس بالمدينة جهد شديد فى خلافة عمر، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك. أما بعد:
فلعمرى يا عمرو ما تبالى إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معى، فيا غوثاه، ثم يا غوثاه».
(حسن المحاضرة ١: ٦٨، وخطط المقريزى ٢: ١٤١)
١٧٣ - رد عمرو على عمر
فكتب إليه عمرو بن العاص:
«لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عبد الله عمرو بن العاص، أما بعد، فيا لبّيك ثم يا لبّيك، قد بعثت إليك بعير (١) أوّلها عندك، وآخرها عندى والسلام عليك ورحمة الله»
стр. 193
فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضا.
(حسن المحاضرة ١: ٦٨، وخطط المقريزى ٢: ١٤١)
١٧٤ - كتاب عمر إلى عمرو
وذكروا أن أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فكتب إلى عمرو بن العاص:
«سلام عليك، أما بعد: فإنه بلغنى أن خارجة بن حذافة بنى غرفة أراد أن يطّلع على عورات جيرانه، فإذا أتاك كتابى هذا فاهد مها إن شاء الله، والسلام».
(حسن المحاضرة ١: ٥٩)
١٧٥ - كتاب عمرو إلى عمر ورده عليه
ولما اختطّت القبائل استحبّت همدان ومن والاها «الجيزة» وكتب عمرو ابن العاص إلى عمر بن الخطاب بعلمه بما صنع الله للمسلمين، وما فتح الله عليهم، وما صنعوا فى خططهم، وما استحبّت همدان، ومن والاها من النزول بالجيزة، فكتب إليه عمر: «يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرّق أصحابك، ولم يكن ينبغى لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدرى ما يفجؤهم، فلعلك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره، فاجمعهم إليك، فإن أبوا، وأعجبهم موضعهم، فابن عليه من فىء المسلمين حصنا».
فعرض ذلك عمرو عليهم، فأبوا وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم نافع وغيرها، وأحبّوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن بالجيزة فى سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه فى سنة اثنتين وعشرين.
(حسن المحاضرة ١: ٥٩)
стр. 194
١٧٦ - كتاب عمر إلى عمرو
وكتب عمر إلى عمرو بن العاص:
«أما بعد: فإنى فرضت لمن قبلى فى الديوان (١)، ولمن ورد علينا فى المدينة من أهل المدينة وغيرهم ممن توجه إليك وإلى البلدان، فانظر من فرضت له، ونزل بك فاردد عليه العطاء وعلى ذرّيته، ومن نزل بك ممن لم أفرض له فافرض له على نحو مما رأيتنى فرضت لأشباهه، وخذ لنفسك مائتى دينار (٢)، فهذه فرائض أهل بدر من المهاجرين والأنصار، ولم أبلغ بهذا أحدا من نظرائك غيرك، لأنك من عمال المسلمين فألحقتك بأرفع ذلك.
وقد علمت أن مؤنا تلزمك، فوفّر الخراج وخذه من حقّه، ثم عفّ عنه بعد جمعه، فإذا حصل إليك وجمعته أخرجت عطاء المسلمين وما يحتاج إليه مما لا بدّ منه، ثم انظر فيما فضل بعد ذلك فاحمله إلىّ.
واعلم أن ما قبلك من أرض مصر ليس فيها خمس، وإنما هى أرض صلح (٣)،
стр. 195
وما فيها للمسلمين فىء: تبدأ بمن أغنى عنهم (١) فى ثغورهم، وأجزأ عنهم فى أعمالهم، ثم أفض ما فضل بعد ذلك على من سمّى الله.
واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال ﵎ فى كتابه:
«واجعلنا للمتّقين إماما» يريد أن يقتدى به، وأن معك أهل ذمّة وعهد، وقد أوصى رسول الله ﷺ بهم وأوصى بالقبط فقال: «استوصوا بالقبط خيرا فإن لهم ذمّة ورحما (٢)» ورحمهم أن أم إسمعيل (٣) منهم، وقد قال ﷺ :
«من ظلم معاهدا أو كلفّه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة» احذر يا عمرو أن يكون رسول الله ﷺ لك خصما، فإنه من خاصمه خصمه (٤) والله يا عمرو لقد ابتليت بولاية هذه الأمة، وآنست من نفسى ضعفا، وانتشرت (٥) رعيتى، ورقّ عظمى، فأسأل الله أن يقبضنى إليه غير مفرّط، والله إنى لأخشى لو مات جمل بأقصى عملك ضياعا أن أسأل عنه».
(أشهر مشاهير الإسلام ج ٣: ص ٦١٤)
١٧٧ - كتاب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص
ولما استبطأ عمر بن الخطاب رضى الله عنه الخراج من قبل عمرو بن العاص كتب إليه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فإنى فكّرت فى أمرك والذى أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة، عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها
стр. 196
عددا وجلدا وقوة فى بر وبحر، وإنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوّهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدّى نصف ما كانت تؤدّيه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدب، ولقد أكثرت فى مكاتبتك فى الذى على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير تريّث (١)، ورجوت أن تفيق فترفع إلىّ ذلك، فإذا أنت تأتينى بمعاريض (٢) تعبأ بها، لا توافق الذى فى نفسى، ولست قابلا منك دون الذى كانت تؤخذ به من الخراج قبل ذلك، ولست أدرى مع ذلك، ما الذى نفرّك من كتابى وقبضك، فلئن كنت مجرّبا كافيا صحيحا إن البراءة لنافعة، ولئن كنت مضيّعا نطعا (٣) إن الأمر لعلى غير ما تحدّث به نفسك، وقد تركت أن أبتلى (٤) ذلك منك فى العام الماضى، رجاء أن تفيق فترفع إلىّ ذلك، وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلّا عمّالك عمال السوء، وما توالس (٥) عليك وتلفّف، اتخذوك كهف، وعندى بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك عنه، فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه، فإن النهر يخرج الدّرّ، والحقّ أبلج (٦)، ودعنى وما عنه تلجلج، فإنه قد برح الخفاء، والسلام».
(حسن المحاضرة ١: ٦٤، وخطط المقريزى ١: ٧٨)
стр. 197
١٧٨ - رد عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب
فكتب إليه عمرو بن العاص:
«بسم الله الرحمن الرحيم: لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فقد بلغنى كتاب أمير المؤمنين، فى الذى استبطأنى فيه من الخراج، والذى ذكر فيه من عمل الفراعنة قبلى، وإعجابه من خراجها (١) على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام، ولعمرى للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر، لأنهم كانوا على كفرهم وعتوّهم أرغب فى عمارة أرضهم منّا منذ كان الإسلام، وذكرت أن النهر يخرج الدّرّ فحلبتها حلبا قطع درّها، وأكثرت فى كتابك وأنّبت وعرّضت وترّبت (٢)، وعلمت أن ذلك عن شئ تخفيه على غير خبر (٣)، فجئت لعمرى بالمفظعات المقذعات، ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رسين صارم، بليغ صادق، وقد عملنا لرسول الله ﷺ ولمن بعده، فكنا بحمد الله مؤدّين لأماناتنا، حافظين لما عظّم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا والعمل به شينا، فيعرف ذلك لنا، ويصدق فيه قلبنا، معاذ الله من تلك الطّعم، ومن شر الشّيم، والاجتراء على كل مأثم، فاقبض عملك فإن الله قد نزّهنى عن تلك الطعم الدنيّة والرغبة فيها، بعد كتابك الذى لم تستبق فيه عرضا، ولم تكرم فيه أخا، والله يا بن الخطاب: لأنا حين يراد ذلك منى أشدّ لنفسى غضبا، ولها إنزاها (٤) وإكراما، وما عملت من عمل أرى علىّ فيه متعلّقا،
стр. 198
ولكنى حفظت ما لم تحفظ، ولو كنت من يهود يثرب ما زدت، يغفر الله لك ولنا وسكتّ عن أشياء كنت بها عالما، وكان اللسان بها منى ذلولا، ولكن الله عظّم من حقك ما لا يجهل، والسلام».
(حسن المحاضرة ١: ٦٤، خطط المقريزى ١: ٨٨)
١٧٩ - رد عمر على عمرو
فكتب إليه عمر بن الخطاب:
«من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد: فقد عجبت من كثرة كتبى إليك فى إبطائك بالخراج، وكتابك إلىّ ببنيّات الطرق (١)، وقد علمت أنى لست أرضى منك إلا بالحق البيّن، ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا لقومك، ولكنى وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابى هذا فاحمل الخراج فإنما هو فئ المسلمين، وعندى من قد تعلم، قوم محصورون، والسلام».
(حسن المحاضرة ١: ٦٥، خطط المقريزى ١: ٧٨)
١٨٠ - رد عمرو على عمر
فكتب إليه عمرو بن العاص:
«بسم الله الرحمن الرحيم، لعمر بن الخطاب من عمرو بن العاص، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد فقد أتانى كتاب أمير المؤمنين يستبطئنى فى الخراج، ويزعم أنى أعند (٢) عن الحق، وأنكب عن الطريق، وإنى والله ما أرغب عن صالح ما تعلم، ولكن أهل الأرض استنظرونى إلى أن تدرك
стр. 199
غلّتهم، فنظرت للمسلمين، فكان الرّفق بهم خيرا من أن نخرق (١) بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه، والسلام».
(حسن المحاضرة ١: ٦٥، خطط المقريزى ١: ٧٩)
١٨١ - كتاب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص
وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى عمرو بن العاص- وهو يومئذ أمير مصر-:
«من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، سلام عليك، أما بعد:
فقد بلغنى أنه فشت لك فاشية (٢) من خيل وإبل وغنم وبقر وعبيد، وعهدى بك قبل ذلك ولا مال لك، فاكتب إلىّ: من أين أصل هذا المال، ولا تكتمه».
(صبح الأعشى ٦: ٣٨٦، والعقد الفريد ١: ١٦)
١٨٢ - رد عمرو بن العاص على عمر
فكتب إليه عمرو بن العاص:
«لعبد الله عمر أمير المؤمنين، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، أما بعد، فإنه أتانى كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه فاشية مال فشالى، وأنه يعرفنى قبل ذلك ولا مال لى.
وإنى أعلم أمير المؤمنين أنى ببلد، السّعر فيه رخيص، وأنى أعالج من الحرفة (٣) والزراعة ما يعالج أهله، وفى رزق أمير المؤمنين (٤) سعة، وو الله لو رأيت خيانتك حلالا ما خنتك، فأقصر (٥) أيها الرجل، فإن لنا أحسابا هى خير من العمل لك،
стр. 200
إن رجعنا إليها عشنا بها، ولعمرى إن عندك من لا تذمّ معيشته، ولا تذمّ له (١) فإن كان ذلك فلم نفتح قفلك، ولم نشر كك فى عملك».
(صبح الأعشى ٦: ٤٧٧، والعقد الفريد ١: ٦١)
١٨٣ - رد عمر على عمرو بن العاص
فكتب إليه عمر:
«أما بعد، فإنى والله ما أنا من أساطيرك التى تسطّر (٢)، ونسقك الكلام فى غير مرجع، لا يغنى عنك أن تزكّى نفسك، وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة فشاطره مالك، فإنكم أيها الرّهط الأمراء جلستم على عيون (٣) المال لم يفزعكم عذر، تجمعون لأبنائكم، وتمهدون لأنفسكم، أما إنكم تجمعون العار، وتورّثون الثار، والسلام».
(العقد الفريد ١: ١٦)
رواية ثانية
ورويت هذه المكاتبات بصورة ثانية، وهى:
كتب عمر إلى عمرو بن العاص:
«إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم يكن حين وليت مصر».
فكتب إليه عمرو:
стр. 201
«إن أرضنا أرض مزدرع ومتّجر (١)، فنحن نصيب فضلا عما نحتاج إليه لنفقتنا».
فكتب إليه عمر:
«إنى قد خبرت من عمال السوء ما كفى، وكتابك إلىّ كتاب من أقلقه الأخذ بالحق، وقد سؤت بك ظنا (٢)، وقد وجهت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك، فأطلعه طلعه (٣) وأخرج إليه ما يطالبك، وأعفه من الغلظة عليك فإنه قد برح الخفاء».
(فتوح البلدان للبلاذرى ص ٢٢٦)
رواية ثالثة
وفى رواية ثالثة: أنه لما قلد عمر عمرو بن العاص مصر، بلغه أنه قد صار له مال عظيم من ناطق وصامت، فكتب إليه:
«أما بعد، فقد ظهر لى من مالك ما لم يكن فى رزقك، ولا كان لك مال قبل أن استعملك، فأنّى لك هذا؟ فو الله لو لم يهمّنى فى ذات الله إلا من اختان (٤) فى مال الله لكثر همى، وانتثر أمرى، ولقد كان عندى من المهاجرين الأولين من هو خير منك، ولكنى قلّدتك رجاء غنائك (٥)، فاكتب إلىّ: من أين لك هذا المال؟
وعجّل».
فكتب إليه عمرو:
«أما بعد: فقد فهمت كتاب أمير المؤمنين، فأمّا ما ظهر لى من مال فإنا قدمنا بلادا رخيصة الأسعار كثيرة الغزو، فجعلنا ما أصابنا فى الفضول التى اتصل
стр. 202
بأمير المؤمنين نبؤها، وو الله لو كانت خيانتك حلالا ما خنتك، وقد ائتمنتنى، فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن خيانتك، وذكرت أن عندك من المهاجرين الأولين من هو خير منى، فإذا كان ذاك فو الله ما دققت لك يا أمير المؤمنين بابا، ولا فتحت لك قفلا».
فكتب إليه عمر:
«أما بعد، فإنى لست من تسطيرك الكتاب وتشقيقك (١) الكلام فى شئ، ولكنكم معشر الأمراء قعدتم على عيون المال، ولن تعدموا عذرا، وإنما تأكلون النار، وتتعجّلون العار، وقد وجّهت إليك محمد بن مسلمة، فسلّم إليه شطر مالك».
(شرح ابن أبى الحديد م ١: ص ٥٨)
رواية رابعة
وفى رواية رابعة أن عمر كتب إلى عمرو:
«أما بعد، فقد بلغنى أنه قد ظهر لك مال من إبل وغنم وخدم وغلمان، ولم يكن لك قبله مال، ولا ذلك من رزقك، فأنّى لك هذا؟ ولقد كان لى من السابقين الأولين من هو خير منك، ولكنى استعملتك لغنائك، فإذا كان عملك لك وعلينا (٢) فبم نؤثرك على أنفسنا؟ فاكتب إلىّ: من أين مالك؟ وعجّل، والسلام».
فكتب إليه عمرو بن العاص:
«قرأت كتاب أمير المؤمنين، ولقد صدق، فأمّا ما ذكره من مالى فإنى قدمت بلدة الأسعار فيها رخيصة، والغزو فيها كثير، فجعلت فضول ما حصل لى من ذلك فيما ذكره أمير المؤمنين، والله يا أمير المؤمنين لو كانت خيانتك لنا حلالا ما خنّاك حيث ائتمنتنا، فأقصر عنا عناك، فإن لنا أحسابا إذا رجعنا إليها أغنتنا عن العمل لك،
стр. 203
وأما من كان لك من السابقين الأولين فهلّا استعملتهم! فو الله ما دققت لك بابا».
فكتب إليه عمر:
«أما بعد، فإنى لست من تسطيرك وتشقيقك الكلام فى شئ، إنكم معشر الأمراء أكلتم الأموال، وأخلدتم إلى الأعذار، فإنما تأكلون النار وتورثون العار، وقد وجّهت إليك محمد بن مسلمة ليشاطرك ما فى يديك، والسلام» (١).
(شرح ابن أبى الحديد م ٣ ص: ١٠٤)
١٨٤ - كتاب أبى عبيد بن مسعود الثقفى إلى عمر
ولما انتصر أبو عبيد بن مسعود الثّقفى على جيش الفرس فى وقعة السّقاطية (٢) سنة ١٣ هـ، وجمع الغنائم بعث بخمسها إلى عمر بن الخطاب، وكتب إليه:
стр. 204
«إن الله أطعمنا مطاعم، كانت الأ كاسرة يحمونها، وأحببنا أن تروها، لتذكروا إنعام الله وإفضاله».
(تاريخ الطبرى ٤: ٦٥)
١٨٥ - كتاب عمر إلى المثنى بن حارثة الشيبانى
ولما ملّك الفرس يزدجرد بن كسرى، واطمأنت فارس واستوثقت (١)، كتب المثنّى بن حارثة (٢) إلى عمر بما ينتظر المسلمون ممن بين ظهرانيهم (٣)، فجاءه كتاب عمر:
«أما بعد، فاخرجوا من بين ظهرى الأعاجم، وتفرّقوا فى المياه التى تلى الأعاجم على حدود أرضكم وأرضهم، ولا تدعوا فى ربيعة ولا مضر ولا حلفائهم أحدا من أهل النّجدات ولا فارسا إلا اجتلبتموه، فإن جاء طائعا وإلّا حشرتموه، احملوا العرب على الجدّ إذ جدّ العجم، فلتلقوا جدّهم بجدّكم».
فكانوا فى أمواه العراق من أولها إلى آخرها مسالح (٤) يغيث بعضهم بعضا إن كان كون.
(تاريخ الطبرى ٤: ٨٢)
стр. 205
١٨٦ - كتاب عمر إلى عماله
وكان أول ما عمل به عمر حين بلغه أن فارس قد ملّكوا يزدجرد أن كتب إلى عمّال العرب على الكور والقبائل- وذلك فى ذى الحجّة سنة ثلاث عشرة-:
«لا تدعوا أحدا له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأى إلا انتخبتموه، ثم وجّهتموه إلىّ، والعجل العجل».
(تاريخ الطبرى ٤: ٨٢)
١٨٧ - كتاب سعد بن أبى وقاص إلى عمر
وكان سعد بن أبى وقّاص على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر فيمن كتب إليه بانتخاب ذوى الرأى والنجدة ممن كان له سلاح أو فرس، فجاءه كتاب سعد:
«إنى قد انتخبت لك ألف فارس مؤد (١)، كلهم له نجدة ورأى، وصاحب حيطة يحوط حريم قومه، ويمنع ذمارهم، إليهم انتهت أحسابهم ورأيهم، فشأنك بهم».
وقد أرسل عمر إلى سعد فقدم عليه، فأمّره على حرب العراق (٢).
(تاريخ الطبرى ٤: ٨٤)
стр. 206
١٨٨ - كتاب عمر إلى سعد بن أبى وقاص
وكتب عمر إلى سعد مرتحله من زرود (١):
«أن ابعث إلى فرج الهند رجلا ترضاه يكون بحياله، ويكون ردءا لك من شئ إن أتاك من تلك التّخوم».
فبعث المغيرة بن شعبة فى خمسمائة، فكان بحيال الأبلّة من أرض العرب.
١٨٩ - كتاب عمر إلى سعد
فلما نزل سعد بشراف (٢) كتب إلى عمر بمنزله، فكتب إليه عمر:
«إذا جاءك كتابى هذا، فعشّر الناس وعرّف عليهم، وأمّر على أجنادهم، وعبّهم، ومر رؤساء المسلمين فليشهدوا وقدّرهم وهم شهود، ثم وجّههم إلى أصحابهم، وواعدهم القادسيّة (٣) واضمم إليك المغيرة بن شعبة فى خيله، واكتب إلىّ بالذى يستقر عليه أمرهم».
فأنفذ سعد ما أمره به عمر (٤).
(تاريخ الطبرى ٤: ٨٧)
١٩٠ - كتاب عمر إلى سعد
وقدم على سعد وهو بشراف كتاب عمر بن الخطاب، وفيه:
«أما بعد: فسر من شراف نحو فارس بمن معك من المسلمين، وتوكّل على الله، واستعن به على أمرك كلّه، واعلم فيما لديك أنك تقدّم على أمّة عددهم كثير،
стр. 207
وعدّتهم فاضلة (١)، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع وإن- كان سهلا- كئود (٢)، لبحوره وفيوضه ود آدئه (٣) إلا أن توافقوا غيضا من فيض (٤).
وإذا لقيتم القوم، أو أحدا منهم فابدءوهم الشّدّ والضرب، وإياكم والمناظرة لجموعهم، ولا يخدعنّكم فإنهم خدعة مسكرة، أمرهم غير أمركم، إلا أن تجادّوهم، وإذا انتهيت إلى القادسيّة- والقادسية باب فارس فى الجاهلية، وهى أجمع تلك الأبواب لمادّتهم، ولما يريدونه من تلك الآصل (٥)، وهو منزل رغيب، خصيب حصين، دونه قناطر، وأنهار ممتنعة- فتكون مسالحك (٦) على أنقابها، ويكون الناس بين الحجر والمدر، على حافات الحجر، وحافات المدر، والجراع بينهما، ثم الزم مكانك فلا تبرحه، فإنهم إذا أحسّوك أنغضتهم (٧) رموك بجمعهم الذى يأتى على خيلهم ورجلهم، وحدّهم وجدّهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم، واحتسبتم لقتاله، ونوبتم الأمانة، رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدا، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى كان الحجر فى أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم، إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ، وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن، وبها أجهل، حتى يأتى الله بالفتح عليهم، ويردّ لكم الكرّة».
وكتب إليه أيضا باليوم الذى يرتحل فيه من شراف:
«فإذا كان يوم كذا وكذا، فارتحل بالناس حتى تنزل فيما بين عذيب الهجانات، وعذيب القوادس، وشرّق بالناس، وغرّب بهم».
(تاريخ الطبرى ٤: ٨٩)
стр. 208
١٩٠ - كتاب عمر إلى سعد
وكتب عمر إلى سعد، ومن معه من الأجناد:
«أما بعد: فإنى آمرك، ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإنّ تقوى الله أفضل العدّة على العدو، وأقوى المكيدة فى الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصى منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدّتهم، فإن استوينا فى المعصية، كان لهم الفضل علينا فى القوّة، وإلّا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوّتنا، فاعلموا أن عليكم فى سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصى الله وأنتم فى سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شرّ منا، فلن يسلّط علينا، فربّ قوم سلّط عليهم شرّ منهم، كما سلّط على بنى إسرائيل- لمّا عملوا بمساخط الله- كفّار المجوس، فجاسوا خلال الدّيار، وكان وعدا مفعولا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم.
وترفّق بالمسلمين فى مسيرهم، ولا تجشّمهم مسيرا يتعبهم، ولا تقصّر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوّهم (والسّفر لم ينقص قوّتهم) فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامى الأنفس والكراع (١)، وأقم بمن معك فى كل جمعة يوما وليلة، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم، ويرمّون (٢) أسلحتهم وأمتعتهم، ونحّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذّمّة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ (٣) أحدا من أهلها شيئا، فإن لهم حرمة وذمّة ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا
стр. 209
بالصبر عليها، فما صبروا لكم فتولّوهم خيرا، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح، وإذا وطئت أرض العدوّ فأذك (١)، للعيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئنّ إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدقك فى بعضه، والغاشّ عين عليك، وليس عينا لك، وليكن منك عند دنوّك من أرض العدو أن تكثر الطلائع، وتبثّ السّرايا (٢) بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتّبع الطلائع عوراتهم، وتنقّ (٣) للطلائع أهل الرأى والبأس من أصحابك، وتخيّر لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوّا كان أول ما تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد، والصّبر على الجلاد، ولا تخصّ بها أحدا بهوى فتضيّع من رأيك وأمرك أكثر مما حاببت به أهل خاصّتك، ولا تبعثنّ طليعة، ولا سريّة فى وجه تتخوّف فيه غلبة أو ضيعة أو نكاية، فإذا عاينت العدو، فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوّتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك كصنعه بك، ثم أذك أحراسك على عسكرك، وتيقّظ من البيات جهدك، ولا تؤتى بأسير ليس له عقد (٤) إلا ضربت عنقه، لترهب به عدوّ الله وعدوك، والله ولىّ أمرك ومن معك، وولىّ النصر لكم على عدوكم، والله المستعان».
(العقد الفريد ١: ٤٠)
١٩١ - كتاب عمر إلى سعد
وكتب إليه:
«أما بعد: فتعاهد قلبك، وحادث جندك بالموعظة والنيّة والحسبة (٥)، ومن
стр. 210
غفل فليحدثهما، والصّبر الصّبر، فإن المعونة تأتى من الله على قدر النية، والاجر على قدر الحسبة، والحذر الحذر على من أنت عليه، وما أنت بسبيله، واسألوا الله العافية، وأكثروا من قول «لا حول ولا قوة إلا بالله» واكتب إلىّ: أين بلغك جمعهم؟ ومن رأسهم الذى يلى مصادمتكم؟ فإنه قد منعنى من بعض ما أردت الكتاب به، قلّة علمى بما هجمتم عليه، والذى استقرّ عليه أمر عدوكم، فصف لنا منازل المسلمين، والبلد الذى بينكم وبين «المدائن» صفة كأنى أنظر إليها، واجعلنى من أمركم على الجليّة (١) وخف الله وارجه، ولا تدلّ بشئ، واعلم أن الله قد وعدكم، وتوكّل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن تصرفه عنك، ويستبدل بكم غيركم».
(تاريخ الطبرى ٤: ٨٩)
١٩٢ - رد سعد على كتاب عمر
فكتب إليه سعد بصفة البلدان:
«القادسية بين الخندق والعتيق، وإن ما عن يسار القادسية بحر أخضر فى جوف (٢) لاح إلى الحيرة بين طريقين، فأمّا أحدهما فعلى الظّهر، وأما الآخر فعلى شاطئ نهر يدعى «الحضوض (٣)» يطلع بمن سلكه على ما بين الخورنق والحيرة، وإن ما عن يمين القادسية إلى الولجة فيض من فيوض مياههم، وإن جميع من صالح المسلمين من أهل السّواد قبلى ألب (٤) لأهل فارس قد خفّوا لهم، واستعدّوا لنا، وإن الذى أعدّوا لمصادمتنا رستم فى أمثال له منهم، فهم يحاولون إنغاضنا (٥) وإقحامنا، ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلّم إلى ما قدّر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء، وخير القدر فى عافية».
(تاريخ الطبرى ٤: ٩٠، ومعجم البلدان ٧: ٦)
стр. 211
١٩٣ - رد عمر على كتابه
فكتب إليه عمر:
«قد جاءنى كتابك وفهمته، فأقم بمكانك حتى ينفض الله لك عدوّك، واعلم أنّ لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم، فلا تنزع (١) عنهم حتى تقتحم عليهم «المدائن»، فإنه خرابها إن شاء الله».
(تاريخ الطبرى ٤: ٩٠)
١٩٤ - كتاب عمر إلى سعد
وكتب عمر إلى سعد رضى الله عنهما:
«إنى قد ألقى فى روعى (٢) أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموهم، فاطّرحوا الشكّ، وآثروا التّقيّة عليه، فإن لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان، أو قرفه (٣) بإشارة، أو بلسان كان لا يدرى الأعجمى ما كلّمه به، وكان عندهم أمانا، فأجروا ذلك له مجرى الأمان، وإياكم والضّحك، والوفاء الوفاء، فإن الخطأ بالوفاء بقيّة، وإن الخطأ بالغدر الهلكة، وفيها وهنكم، وقوة عدوكم، وذهاب ريحكم (٤)، وإقبال ريحهم، واعلموا أنى أحذّركم أن تكونوا شينا على المسلمين، وسببا لتوهينهم».
(تاريخ الطبرى ٤: ٩٠، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ١٧٤)
١٩٥ - كتاب سعد إلى عمر
ونزل سعد القادسية، فأقام بها شهرا، ثم كتب إلى عمر: «لم يوجّه القوم إلينا أحدا، ولم يسندوا حربا إلى أحد علمناه، ومتى ما يبلغنا ذلك نكتب به، واستنصر الله فإنا بمنحاة (٥) دنيا عريضة دونها بأس شديد، قد تقدّم إلينا فى الدعاء إليهم، فقال: «ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد».
(تاريخ الطبرى ٤: ٩١)
стр. 212
١٩٦ - كتاب عمر إلى سعد
وبعث سعد عيونا ليعلموا له خبر أهل فارس، فرجعوا إليه بالخبر بأن الملك قد ولى رستم حربه، فكتب سعد بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر:
«لا يكربنّك (١) ما يأتيك عنهم، ولا ما يأتونك به، واستعن بالله، وتوكّل عليه، وابعث إليه رجالا من أهل المنظرة (٢)
والرأى والجلد يدعونه، فإن الله جاعل دعاءهم توهينا لهم، وفلجا عليهم، واكتب إلىّ فى كل يوم».
(تاريخ الطبرى ٤: ٩٢)
١٩٧ - كتاب سعد إلى عمر
ولما عسكر رستم بساباط، كتب سعد إلى عمر.
«إن رستم قد عسكر بساباط، وزحف إلينا بالخيول والفيول، وزهاء (٣) فارس، وليس شئ أهمّ إلىّ، ولا أنا له أكثر ذكرا منى، لما احببت أن أكون عليه، ونستعين بالله ونتوكل عليه، وقد بعثت فلانا وفلانا وهم كما وصفت (٤)».
(تاريخ الطبرى ٤: ٩٢)
١٩٨ - كتاب عمر إلى سعد
وسار رستم بجيشه حتى نزل القادسية، ونشبت الحرب بين الفريقين، فدارت الدائرة على جيش الفرس، وحمل هلال بن علّفة على رستم فقتله، وحمل زهرة بن الحوّية على الجالينوس- أحد عظماء الفرس- فقتله، وجاء بسلبه (٥) إلى سعد بن أبى وقّاص فنفّله (٦) سلبه.
стр. 213
وكان سعد قد استكثر له سلبه، فكتب فيه إلى عمر، فكتب إليه عمر «تعمد إلى مثل زهرة، وقد صلى بمثل ما صلى به، وقد بقى عليك من حربك ما بقى تكسر قرنه، وتفسد قلبه! أمض له سلبه، وفضّله على أصحابه عند العطاء بخمسمائة».
وفى خبر آخر أن عمر كتب إلى سعد:
«أنا أعلم بزهرة منك، وإن زهرة لم يكن ليغيّب من سلب سلبه شيئا، فإن كان الذى سعى به إليك كاذبا فلقّاه الله، مثل زهرة فى عضديه يارقان (١)، وإنى قد نفّلت كلّ من قتل رجلا سلبه».
فدفعه إليه فباعه بسبعين ألفا.
(تاريخ الطبرى ٤: ١٣٥)
١٩٩ - كتاب سعد إلى عمر
وبعد أن تم الظفر للمسلمين فى هذه الوقعة «وقعة القادسية، وكانت سنة ١٤ هـ» كتب سعد إلى عمر: بالفتح.
«أمّا بعد: فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين، بعدّة لم ير الرّاءون مثل زهائها (٢)، فلم ينفعهم الله بذلك، بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين.
واتّبعهم المسلمون على الأنهار، وعلى طفوف (٣) الآجام، وفى الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم، الله بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذ جنّ عليهم الليل دوىّ النحل، وهم آساد الناس لا يشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقى إلا بفضل الشهادة، إذ لم يكتب لهم».
(تاريخ الطبرى ٤: ١٤٤)
стр. 214
٢٠٠ - كتاب سعد إلى عمر
وكتب سعد إلى عمر مع أنس بن الحليس يستفتيه فى شأن أهل السّواد وقد نقضوا عهودهم مدّعين أن الفرس أكرهوهم وحشروهم:
«إن أقواما من أهل السّواد ادّعوا عهودا، ولم يقم على عهد أهل الأيّام لنا ولم يف به أحد علمناه، إلا أهل بانقيا وبسما وأهل ألّيس الآخرة، وادّعى أهل السّواد أن فارس أكرهوهم وحشروهم، فلم يخالفوا إلينا ولم يذهبوا فى الأرض».
(تاريخ الطبرى ٤: ١٤٥)
٢٠١ - كتاب سعد إلى عمر
وكتب إليه أيضا مع أبى الهياج بن مالك الأسدى:
«إن أهل السواد جلوا فجاءنا من أمسك بعهده ولم يجلب علينا، فتمّمنا لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم، وزعموا أن أهل السواد قد لحقوا بالمدائن، فأحدث إلينا وفيمن ثمّ (١) وفيمن جلا، وفيمن ادّعى أنه استكره وحشر فهرب ولم يقاتل أو استسلم، فإنا بأرض رغيبة، والأرض خلاء من أهلها، وعددنا قليل، وقد كثر أهل صلحنا، وإن أعمر لها وأوهن لعدوّنا تألّفهم».
(تاريخ الطبرى ٤: ١٤٥)
٢٠٢ - كتاب عمر إلى سعد
فجمع عمر الناس، واستشارهم فى الأمر، فأشاروا عليه بما يرون، فكتب إلى سعد جواب كتاب أنس بن الحليس:
«أما بعد، فإن الله جل وعلا أنزل فى كل شئ رخصة فى بعض الحالات، إلا فى أمرين: العدل فى السّيرة، والذّكر، فأمّا الذكر فلا رخصة فيه فى حالة، ولم
стр. 215
يرض منه إلا بالكثير، وأما العدل فلا رخصة فيه فى قريب ولا بعيد، ولا فى شدة ولا رخاء، والعدل وإن رئى ليّنا فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمع للباطل من الجور، وإن رئى شديدا، فهو أنكش (١) للكفر، فمن تمّ على عهده من أهل السواد، ولم يعن عليكم بشئ، فلهم الذمة وعليهم الجزية، وأمّا من ادّعى أنه استكره ممن لم يخالفهم إليكم، أو يذهب فى الأرض فلا تصدّقوهم بما ادّعوا من ذلك، إلا أن تشاءوا وإن لم تشاءوا فانبذ إليهم، وأبلغوهم مأمنهم».
٢٠٣ - كتاب عمر إلى سعد
وأجاب فى كتاب أبى الهياج:
«أما من أقام ولم يجل وليس له عهد فلهم ما لأهل العهد بمقامهم لكم وكفّهم عنكم إجابة، وكذلك الفلاحون إذا فعلوا ذلك، وكل من ادّعى ذلك فصدّق فلهم الذمة، وإن كذّبوا نبذ إليهم، وأما من أعان وجلا فذلك أمر جعله الله لكم، فإن شئتم فادعوهم إلى أن يقيموا لكم فى أرضهم، ولهم الذمة وعليهم الجزية، وإن كرهوا ذلك فاقسموا ما أفاء الله عليكم منهم».
(تاريخ الطبرى ٤: ١٤٥)
٢٠٤ - كتاب عمر إلى سعد بن أبى وقاص
وكتب عمر رضى الله عنه إلى سعد بن أبى وقّاص حين افتتح السّواد:
«أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر فيه أن الناس قد سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابى هذا، فانظر ما أجلب الناس عليك به إلى العسكر من كراع (٢)، ومال، فاقسمه بين من حضر من المسلمين، واترك