وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤنتهم، وأصلح حالهم، حتى لا يجدوا لخلّتهم (١) مسّا، وأفرد نفسك بالنظر فى أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمته إليك، والمحتقر الذى لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أحفى مسألة، ووكّل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله به أمرهم، وتعاهد ذوى البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا من بيت المال، اقتداء بأمير المؤمنين- أعزه الله- فى العطف عليهم والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشهم، ويرزقك به بركة وزيادة، وأجر للأضرّاء من بيت المال، وقدّم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره فى الجراية (٢) على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقوّاما يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم، ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف فى بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيتهم، لم يرضهم ذلك، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم، طمعا فى نيل الزيادة وفضل الرفق منهم، وربما برم (٣) المتصفح لأمور الناس، لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة.
وليس من يرغب فى العدل ويعرف محاسن أموره فى العاجل، وفضل ثواب الآجل، كالذى يستقبل ما يقرّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به، وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهك، وسكّن لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم فى المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غير مكدّر ولا منّان، فإن العطية على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله، واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة فى القرون الخالية والأمم البائدة، ثم اعتصم فى أحوالك كلها
стр. 1507
بأمر الله، والوقوف عند محبته، والعمل بشريعته وسنته، وإقامة دينه وكتابه، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ودعا إلى سخط الله، واعرف ما تجمع عمّالك من الأموال وما ينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم. وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها. وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك، من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك فى سر، وإعلامك ما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك، وانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتّابك، فوقّت لكل رجل منهم فى كل يوم وقتا يدخل عليك فيه، بكتبه ومؤامرته وما عنده من حوائج عمّالك، وأمر كورك ورعيتك، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرّر النظر إليه والتدبّر له، فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه، واستخر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه، ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون فى أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك، وتفهّم كتابى إليك وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك، ما كان لله رضا، ولدينه نظاما، ولأهله عزا وتمكينا، وللذمة والملة عدلا وصلاحا. وأنا أسأل الله أن يصلح عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءتك، وأن ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك، حتى يجعلك أفضل أمثالك نصيبا، وأوفرهم حظّا، وأسناهم ذكرا وأمرا، وأن يهلك عدوك ومن ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيتك العافية، ويحجز الشيطان عنك ووساوسه، حتى يستعلى أمرك بالعزّ والقوة والتوفيق، إنه قريب مجيب».
وذكروا أن طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد، تنازعه الناس وكتبوه
стр. 1508
وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون، فدعا به وقرئ عليه، فقال: ما بقّى أبو الطيب يعنى (طاهرا) شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأى والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء، وتقويم الخلافة إلا وقد أحكمه وأوصى به وتقدم، وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال فى نواحى الأعمال.
(تاريخ الطبرى ١٠: ٢٥٨، وتاريخ الكامل لابن الأثير ٦: ١٢٤، ومقدمة ابن خلدون ص ٣٣٩ ومختصر أخبار الخلفاء لابن الساعى ص ٤٣، وكتاب بغداد لابن طيفور ٦: ٣٦)
٢٩٦ - كتاب إلى طاهر بن الحسين من بعض عماله
وكتب بعض عمال طاهر بن الحسين إليه كتابا، وفيه:
«وقد وجّهت إلى الأمير ثوب ديباج أحمر أحمر أحمر».
٢٩٧ - رد طاهر عليه
فكتب طاهر إليه:
«قد قرأت كتابك، فعلمت أنك أحمق أحمق أحمق، فاقدم اقدم اقدم، والسلام».
(غرر الخصائص الواضحة ص ١٧٥)
٢٩٨ - كتاب إبراهيم بن المهدى إلى طاهر
وكتب إبراهيم بن المهدى إلى طاهر كتابا، منه:
«زادك الله للحقّ قضاء، وللشكر أداء، أبلغنى رسولى عنك ما لم أزل أعرفه منك، والله يمّتعنى بك، ويحسن فى ذلك عنى جزاءك، ومع ذلك فإنى أظن أنى علّمتك الشوق، لأنى ذكرته لك، فهيّجته منك، والسلام».
(الأوراق للصولى ٢: ٣٥)
стр. 1509
٢٩٩ - كتاب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر يعزيه بأبيه
وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر يعزيه بأبيه:
«أما بعد: فإنه قد حدث من الرّزء العظيم- بوفاة ذى اليمينين- ما إلى الله جلّ وعزّ فيه المفزع والمرجع، وفيه عليه المستعان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اتّباعا لأمر الله، واعتصاما بطاعته، وتسليما لنازل قضائه، ورجاء لما وعد الصابرين:
من صلواته ورحمته وهداه، وعند الله نحتسب مصيبتنا به، فقد كان سبق إلى القلوب عند بداهة الخبر، من اللّوعة واطّلاع (١) الفحيعة، ما كنا نخاف إحباطه من الأجر، لولا ما تداركنا الله به من الذّكر لما وعد أهل الصبر، فنسأل الله أن يرأب (٢) هذه الثّلمة، ويسدّ هذه الخلّة بأمير المؤمنين أوّلا، وبك ثانيا، وأن يعظّم مثوبتك، ويحسن عقباك، ويخلف بك ذا اليمينين ويعمر بك مكانه من أمير المؤمنين ومن كافة المسلمين.
فأما ما تحتاج إليه من التسلية والتعزية، فإنك فى فضل رأيك، واتساع لبّك فى حال العزّة والنّماء، لم تكن تخلو من عوارض الذكر، وخواطر الفكر، فيما تعرو به الأيام من نوائبها، وتبعث به من حوادثها، وفى هذا لمن وفّق له إعداد للنوازل، وتوطين للأنفس على المكاره، فلا يكون معه هلع ولا إفراط جزع بإذن الله، مع أن مردّ كلّ ذى جزع إلى سلوة لا ثبات عليها، فأولى بالراغب
стр. 1510
فى ذات الله أن يهتبل (١) مثوبته فى أوانها، من مضض الأسى، وفجأة النكبة، وأولى بذ اللّبّ إذا علم ما هو لابدّ صائر إليه ألّا يبعد منه إبعادا يلزمه التفاوت عند التأمل واختلاف الحالين فى بعد الأمد بينهما.
وقد كنت أحبّ ألّا أقنع فى تعزيتك برسول ولا كتاب، دون الشخوص إليك بنفسى، لو أمكننى المسير، إجلالا للمصيبة، وتأنّسا بقربك، بعد الذى دخلنى من الوحشة، فقد عرفت ما خصّنى من المرزئة بذى اليمينين، لما كنت أتعرّف من جميل رأيه، وعظيم برّه حاضرا، وما كان يذكرنى به غائبا، ذكره الله فى الرفيق الأعلى، وأنت وارث حقّه علىّ، إلى ما كنت لك عليه، من صدق المودّة وخالص النصيحة، وإلى الله أرغب فى تأدية شكرك، والقيام بما أوجبه لك، فإن رأيت أن تأمر بالكتاب إلىّ بما أبلاك (٢) فى نفسك، وألهمك من العزاء والصبر، مع ما أحببت وبدا لك إن شاء الله».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٣٤، والمنظوم والمنثور ١٣: ٣٢٦)
٣٠٠ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى نصر بن شبث
ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الرّقّة كما قدمنا، وعهد إليه فى محاربة نصر ابن شبث- وكان خرج على المأمون بالجزيرة- فلما جادّه عبد الله بن طاهر القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه وتحوّل من معسكره إلى الرّقة، وصار إلى عبد الله بن طاهر.
стр. 1511
وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك كتابا (كتبه عمرو بن مسعدة (١)) يدعوه إلى طاعته، ومفارقة معصيته، فلم يقبل، فكتب عبد الله إليه:
«أما بعد: فإنك يا نصر بن شبث قد عرفت الطاعة وعزّها وبرد ظلّها، وطيب مرتعها، وما فى خلافها من النّدم والخسار، وإن طالت مدّة الله بك، فإنه إنما يملى (٢) لمن يلتمس مظاهرة الحجّة عليه لتقع غيره بأهلها على قدر إصرارهم واستحقاقهم، وقد رأيت إنكارك وتبصيرك لما رجوت أن يكون لما أكتب به إليك موقع منك، فإن الصّدق صدق، والباطل باطل، وإنما القول بمخارجه، وبأهله الذين يعنون به، ولم يعاملك من عمّال أمير المؤمنين أحد أنفع لك فى مالك ودينك ونفسك، ولا أحرص على استنقاذك، والانتياش (٣) لك من خطائك منى.
فبأىّ أوّل أو آخر أوسطة (٤) أو إمرة إفدامك يا نصر على أمير المؤمنين، تأخذ أمواله وتتولّى دونه ما ولّاه الله، وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا أو وادعا أو ساكنا أو هادئا، فو عالم السّرّ والجهر: لئن لم تكن للطاعة مراجعا، وبها خانعا (٥)، لتستويلنّ (٦) وخيم العاقبة، ثم لأبدأنّ بك قبل كل عمل، فإنّ قرون الشيطان إذا لم تقطع كانت فى الأرض فتنة وفسادا كبيرا، ولأطأنّ بمن معى من أنصار الدولة
стр. 1512
كواهل رعاع أصحابك، ومن تأشّب (١) إليك من أدانى البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها، ومن انضوى (٢) إلى حوزتك من خرّاب (٣) الناس، ومن لفظه بلده، ونفته عشيرته لسوء موضعه فيهم، وقد أعذر من أنذر، والسلام».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٣٧، وتاريخ الطبرى ١٠: ٢٦٧)
٣٠١ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى نصر بن شبث
وروى صاحب زهر الآداب قال:
وكتب عبد الله بن طاهر إلى نصر بن شبث وقد نزل به ليحاربه فى جنده فوجده محصّنا منه فكتب إليه:
«اعتصامك بالقلال (٤)، قيّد عزمك عن القتال، والتجاؤك إلى الحصون، ليس ينجيك من المنون (٥)، ولست بمفلت من أمير المؤمنين، فإمّا فارس مطاعن، أو راجل مستأمن»:
فلما قرأه حصره الرعب عن الجواب، فلم يلبث أن خرج مستأمنا.
(زهر الآداب ٣: ٣٣١)
٣٠٢ - أمان عبد الله بن طاهر لنصر بن شبث
وكان مقام عبد الله بن طاهر على نصر بن شبث محاربا له فيما ذكر خمس سنين حتى طلب الأمان، فكتب عبد الله إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيّق عليه وقتل رؤساء من معه، وأنه قد عاذ بالأمان وطلبه، فأمره أن يكتب له كتاب أمان، فكتب إليه أمانا نسخته:
стр. 1513
«أما بعد: فإن الإعذار بالحق حجّة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العزّ، ولا يزال المعذر بالحق، المحتجّ بالعدل فى استفتاح أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين، حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ويمكّن وهو خير الممكّنين، ولست تعدو أن تكون فيما لهجت (١) به أحد ثلاثة:
طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهوّرا يطلب الغلبة ظلما، فإن كنت للدّين تسعى بما تصنع، فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا، فلعمرى ما همّته الكبرى، ولا غايته القصوى، إلا الميل مع الحق حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال، وإن كنت للدنيا تقصد فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها، والأمر الذى تستحقها به، فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك، فلعمرى ما يستجيز منع خلق ما يستحقّه وإن عظم، وإن كنت متهوّرا فسيكفى الله أمير المؤمنين مؤنتك.
ويعجّل ذلك كما عجّل كفايتة مؤن قوم سلكوا مثل طريقك، كانوا أقوى يدا، وأكثف جندا، وأكثر جمعا وعددا ونصرا منك، فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين، وأنزل بهم من حوائج (٢) الظالمين.
وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، وضمانه لك فى دينه وذمّته الصّفح عن سوالف جرائمك، ومتقدّمات جرائرك (٣)، وإنزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة، إن أنبت وراجعت إن شاء الله، والسلام».
وخرج نصر إلى عبد الله بن طاهر بالأمان، فوجّه به إلى بغداد، فأنزله المأمون مدينة أبى جعفر، ووكّل به من يحفظه (سنة ٢١٠ هـ).
(تاريخ الطبرى ١٠: ٢٦٨)
стр. 1514
٣٠٣ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى عبد الله بن السرى
ولما فرغ عبد الله بن طاهر من نصر بن شبث، كتب إليه المأمون يأمره بالمسير إلى مصر- وكان قد خرج بها عبيد الله بن السّرىّ بن الحكم- فسار إليه، فلم تكن من عبد الله إلا حملة واحدة، حتى انهزم ابن السرىّ وأصحابه وطلب منه الأمان، وخرج إليه:
وروى أن ابن السرى بعث إلى ابن طاهر لما ورد مصر وصانعه من دخولها، بألف وصيف ووصيفة، ومع كل وصيف ألف دينار فى كيس حرير، وبعث بهم إليه ليلا، فرد ذلك عليه ابن طاهر وكتب إليه:
«لو قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا (١)، «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ، ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٤٩، وتاريخ الطبرى ١٠: ٢٧٤)
٣٠٤ - كتاب المامون إلى عبد الله بن طاهر
وكتب المأمون إلى عبد الله بن طاهر وهو بمصر حين فتحها، فى أسفل كتاب له:
أخى أنت ومولاى ... ومن أشكر نعماه (٢)
فما أحببت من أمر ... فإنى الدهر أهواه
وما تكره من شىء ... فإنى لست أرضاه
لك الله على ذاك ... لك الله لك الله
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٤٩؛ وتاريخ الطبرى ١٠: ٢٧٦)
стр. 1515
٣٠٥ - كتاب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر
وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر عند خروج عبيد الله ابن السّرىّ إليه يهنئه بذلك الفتح:
«بلغنى- أعزّ الله الأمير- ما فتح الله عليك، وخروج ابن السّريّ إليك، فالحمد لله الناصر لدينه، المعزّ لدولة خليفته على عباده، المذلّ لمن عند (١) عنه وعن حقّه، ورغب عن طاعته، ونسأل الله أن يظاهر له النّعم، ويفتح له بلدان الشّرك، والحمد لله على ما وليك به مذ ظعنت (٢) لوجهك، فإنّا ومن قبلنا نتذاكر سيرتك فى حربك وسلمك، ونكثر التعجّب لما وفّقت له من الشدة واللّيان فى مواضعهما، ولا نعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدلك، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه (٣) وأضغنه عفوك، ولقلّما رأينا ابن شرف لم يلق بيده متّكلا على ما قدّمت له أبوّته، ومن أوتى حظّا وكفاية وسلطانا وولاية، لم يخلد إلى ما عفا (٤) له حتى يخلّ بمساماة ما أمامه، ثم لا نعلم سائسا استحقّ النّجح لحسن السيرة، وكفّ معرّة الأتباع، استحاقك، وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدّم عليك أحدا يهوى عند الحاقّة (٥)، والنازلة المعضلة، فليهنيك (٦) منّة الله ومزيده، ويسوّغك الله هذه النعمة التى حواها لك، بالمحافظة على ما به نمّت لك، من التمسّك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملّاك (٧) وإيانا العيش ببقائه، وأنت تعلم أنّك لم تزل عندنا وعند من
стр. 1516
قبلنا مكرّما مقدّما معظّما، وقد زادك الله فى أعين الخاصّة والعامّة جلالة وبجالة (١)، فأصبحوا يرجونك لأنفسهم، ويعدّونك لأحداثهم ونوائبهم، وأرجو أن يوفّقك الله لمحابّه كما وفّق لك صنعه وتوفيقه، فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك، ولم تزدد إلا تذلّلا وتواضعا، فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك (٢) وأودع فيك، والسلام».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٥٠، وتاريخ الطبرى ١٠: ٢٧٨)
٣٠٦ - كتاب الهزبر بن صببح إلى عبد الله بن طاهر
وكتب إلى عبد الله بن طاهر الهزبر بن صبيح يستمنحه لشاعر مدحه: «جعلت فداك أيها الأمير، ومدّ الله لك فى العمر ممتّعا بالنعم، مكفيّا نوائب الدهر، أنت- أيها الأمير- سماء ممطر، وبحر لا يكدر، وغيث ممرع (٣) بحبائه المجدب، ومنتهى أبصار (٤) قوم، ومثنى أعناقهم، أصبحت لهم كالوالد تكرم زائرهم، وتصفد (٥) مادحهم، وتصدر واردهم وقد انفرجت عنه الضّيقة، وانزاحت عنه الكربة، وكذلك كان آباؤك للمتعلّقين بهم، والموجّهين رغبتهم نحوهم، وإن كنت تمهّلت وسبقت سبقا بيّنا، وذهبت بحيث لا يشقّ أحد غبارك، ولا يجرى إلى غايتك، وفتحت يدا مخضلّة (٦) متدفّقة بالنّوال والإفضال، على الحالّين بساحتك، والمنتجعين خصب جنابك.
وأنا أقدم عليك أيها الأمير فى أشياء تشبه قدرك، وأحبّ أن يكون أكثر زادك مما أفادك الله صنيعة تصنعها، ونعمة تشكرها، وتحوز أجرها، وتصدّق الظنّ فيها.
стр. 1517
وفلان فى الصحبة من ذوى البيوتات التى يرغب فى الصنائع عندها، والتوسط من الأداة (١) التى توجب احتمال من حملها، وقد أهدى إلى الأمير شعرا يتوصّل به إليه، ويستهدى من فضله وكرمه ما أعلم أنه يعينه فى مثله، وسألنى أن أكون سبب ذلك وفاتحه، وأولى الناس بالاعتداد بما ذكر والتطاول والابتهاج به، رهط الأمير الأدنون وأسرته الأقربون، الذين جعله الله سهمهم الذى به يقارعون، وعزّهم الذى به يعتزّون، وسندهم الذى به يلجئون، ومعقلهم الذى به يئولون، فرأى أمير المؤمنين فى هديته، واستماعها منه، ووضعه بحيث وضعه أمله ورجاؤه.
فدعا عبد الله بن طاهر بالشاعر الذى وجّهه إليه واستمع منه، وأحسن جائزته، وصرفه إليه. (كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ١٥١)
٣٠٧ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن عمرو
وكتب عبد الله بن طاهر إلى الحسن بن عمرو الثّعلبىّ:
«أما بعد فقد بلغنى من قطع الفسقة الطريق ما بلغ، فلا الطريق تحمى، ولا اللصوص تكفى، ولا الرعيّة ترضى، وتطمع بعد هذا فى الزيادة! إنك لمنفسح الأمل! وايم الله لتكفينّ من قبلك، أو لأوجّهنّ إليك رجالا، لا تعرف مرّة من جهم، ولا عدىّ من رهم (٢)، ولا حول ولا قوّة إلا بالله».
(العقد الفريد ١: ١٧)
стр. 1518
٣٠٨ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى المأمون
وأهدى عبد الله بن طاهر إلى المأمون فرسا، وكتب إليه:
«قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس، يلحق الأرانب فى الصّعداء (١)، ويجاوز الظّباء فى الاستواء، ويسبق فى الحدور (٢) جرى الماء، فهو كما قال تأبّط شرّا:
ويسبق وفد الرّيح من حيث تنتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك (٣)
(زهر الآداب ١: ٣٠٧)
٣٠٩ - كتاب المأمون إلى قثم بن جعفر
ولما كانت سنة ٢١٠ هـ أمر المأمون بدفع «فدك (٤)» إلى ولد السيدة فاطمة رضى الله عنها، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة:
«أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله، وخلافة رسوله ﷺ والقرابة به، أولى من استنّ بسنّته. ونفّذ أمره، وسلم- لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة- منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه- فى العمل بما يقرّبه إليه- رغبته، وقد كان رسول الله ﷺ أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك، وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله ﷺ ، ولم تزل تدّعى منه ما هى أولى من صدّق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها، ويسلّمها إليهم، تقرّبا
стр. 1519
إلى الله تعالى، بإقامة حقّه وعدله، وإلى رسول الله ﷺ ، بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك فى دواوينه، والكتاب إلى عماله، فلئن كان ينادى فى كل موسم بعد أن قبض الله نبيّه ﷺ ، أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك، فيقبل قوله، وتنفّذ عدته، إن فاطمة رضى الله عنها لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول الله ﷺ لها.
وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطّبرىّ مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله ﷺ بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها من الرّقيق والغلّات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسين بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلهما.
فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين، وما ألهمه الله من طاعته، ووفّقه له من التقرّب إليه وإلى رسول الله ﷺ ، وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبرى، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلّاتها إن شاء الله، والسلام».
وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذى القعدة سنة ٢١٠ هـ.
(فتوح البلدان للبلاذرى ص ٤٠، ومعجم البلدان ٦: ٣٤٥)
٣١٠ - كتاب أبى العتاهية إلى الفضل بن معن بن زائدة
وكتب أبو العتاهية إلى الفضل بن معن بن زائدة:
«أما بعد: فإنى توسّلت إليك فى طلب نائلك (١) بأسباب الأمل، وذرائع الحمد، فرارا من الفقر، ورجاء للغنى، فازددت بهما بعدا مما فيه تقرّبت وقربا مما فيه تبعّدت، وقد قسمت اللائمة (٢) بينى وبينك، لأنى أخطأت فى سؤالك، وأخطأت فى منعى:
стр. 1520
أمرت باليأس من أهل البخل فسألتهم، ونهيت عن منع أهل الرغبة فمنعتهم، وفى ذلك أقول:
فررت من الفقر الذى هو مدركى ... إلى بخل محظور النّوال منوع
فأعقبنى الحرمان غبّ مطامعى ... كذلك من يلقاه غير قنوع
وغير بديع منع ذى البخل ما له ... كما بذل أهل الفضل غير بديع (١)
إذا أنت كشّفت الرجال وجدتهم ... لأعراضهم من حافظ ومذيع
(العقد الفريد ٢: ١٩٦)
٣١١ - كتاب عمرو بن مسعدة إلى المأمون
وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون فى رجل من بنى ضبّة يستشفع له بالزيادة فى منزلته، وجعل كتابه تعريضا:
«أما بعد، فقد استشفع بى فلان يا أمير المؤمنين- لتطوّلك (٢) علىّ- فى إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به، وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفعين، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته، والسلام».
٣١٢ - رد المامون عليه
فكتب إليه المأمون:
«قد عرفنا توطئتك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ووافقناك عليهما».
(المثل السائر ص ٣٩١)
стр. 1521
٣١٣ - كتاب عمرو بن مسعدة إلى الحسن بن سهل
وكتب عمرو بن مسعدة إلى الحسن بن سهل:
«أما بعد: فإنك ممن إذا غرس سقى، وإذا أسّس بنى، ليستتمّ تشبيد أسّه، ويجتنى ثمار غرسه، وبناؤك (١) عندى قد شارف الدّروس (٢)، وغرسك مشف (٣) على اليبوس، فتدارك بناء ما أسّست، وسقى ما غرست، إن شاء الله» (٤).
(معجم الأدباء ٦: ٩٠) (طبع هندية)
٣١٤ - كتابه إلى الحسن بن سهل
وكتب إلى الحسن بن سهل عن لسان المأمون يهنئه بمولود:
«أما بعد: فإن هبة الله لك هبة لأمير المؤمنين، وزيادته إياك فى عددك زيادة له فى عدده، لمحلّك عنده، ومكانك من دولته، وقد بلغ أمير المؤمنين أن الله وهب لك غلاما سريّا (٥)، فبارك الله لك فيه، وجعله بارّا تقيّا، مباركا سعيدا زكيّا».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٣)
стр. 1522
٣١٥ - كتابه إلى المأمون
«وقدم على المأمون رجل من أبناء الدّهاقين (١) وعظمائهم من أهل الشام، على عدة سلفت له من المأمون، من توليته بلده، وأن يضمّ إليه مملكته، فطال على الرجل انتظار خروج أمر أمير المؤمنين، فقصد عمرو بن مسعدة، وسأله إيصال رقعة إلى المأمون من ناحيته، فقال: اكتب بما شئت فإنى موصله، قال: فتولّ ذلك عنى حتى تكون لك نعمتان، فكتب عمرو:
«إن رأى أمير المؤمنين أن يفكّ أسر عدته من ربقة (٢) المطل، بقضاء حاجة عبده، والإذن له بالانصراف إلى بلده، فعل موفّقا».
فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا وجعل يعجب من حسن لفظها، وإيجاز المراد فيها، فقال له عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتابة له فى هذا الوقت بما سأل، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة تفى دناءة المطل.
(زهر الآداب ٣: ٣٥٧)
٣١٦ - كتابه فى وصاة
وأمره المأمون أن يكتب لشخص كتابا إلى بعض العمّال بالوصية عليه والاعتناء بأمره فى سطر واحد، فكتب إليه:
«كتابى إليك كتاب واثق بمن كتب إليه، معنىّ بمن كتب له، ولن يضيع بين الثّقة والعناية حامله، والسلام».
قال ابن خلكان: وقيل إن هذا من كلام الحسن بن وهب، والأول أصح وأشهر (وفيات الأعيان ١: ٣٩٠؛ ونهاية الأرب ٧: ٢٦٠)
стр. 1523
٣١٧ - كتابه إلى بعض أصحابه
وكتب عمرو إلى بعض أصحابه فى حق شخص يعزّ عليه.
«أما بعد. فموصّل كتابى إليك سالم، والسلام».
أراد قول الشاعر:
يديروننى عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
أى يحلّ منى هذا المحلّ. (وفيات الأعيان ١: ٣٩٠)
٣١٨ - كتابه إلى المامون
وقال أحمد بن يوسف: دخلت على المأمون وفى يده كتاب، وهو يعاود قراءته مرّة بعد مرة، ويصعّد فيه بصره ويصوّبه، فالتفت إلىّ وقد لحظنى فى أثناء قراءته للكتاب، فقال: يأحمد أراك متفكرا فيما تراه منى! قلت: نعم، وقى الله أمير المؤمنين من المكاره، وأعاذه من المخاوف، قال: لا مكروه إن شاء الله، ولكنى قرأت كتابا وجدته نظير ما سمعت الرشيد يقوله فى البلاغة، فإنى سمعته يقول: «البلاغة التباعد من الإطالة، والتقرب من البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى» وما كنت أتوهم أن أحدا يقدر على هذه البلاغة، حتى قرأت هذا الكتاب من عمرو ابن مسعدة إلينا، ورمى به إلىّ فقرأته فإذا فيه:
«كتابى إلى أمير المؤمنين، ومن قبلى من قوّاده وسائر أجناده فى الانقياد والطاعة، على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، وانقياد كفاة تراخت أعطياتهم، واختلّت لذلك أحوالهم، والتاثت (١) معه أمورهم».
стр. 1524
فلما قرأته، قال: إن استحسانى إياه بعثنى أن أمرت للجند قبله بعطائهم لسبعة أشهر (١)، وأنا على مجازاة الكاتب بما يستحقه، من حلّ محلّه فى صناعته.
(وفيات الأعيان ١: ٣٩١؛ وزهر الآداب ٣: ١٥٥، ونهاية الأرب ٧: ٢٦٠)
٣١٩ - كتابه إلى بعض الرؤساء
وكان بعض الرؤساء قد تزوجت أمه فساءه ذلك، فكتب إليه عمرو بن مسعدة رسالة بديعة، فلما قرأها ذلك الرئيس تسلى بها وذهب عنه ما كان يجده، وهى:
الحمد لله الذى كشف عنا ستر الحيرة، وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة (٢)، ومنع من عضل الأمّهات (٣)، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبيّة عن الحميّة حميّة الجاهليّة، ثم عرّض لجزيل الأجر من استسلم لواقع قضائه، وعوّض جليل الذّخر من صبر على نازل بلائه، وهنأك الذى شرح للتقوى صدرك، ووسّع فى البلوى صبرك، وألهمك من التسليم لمشيئته، والرّضا بقضيته، ما وفّقك له من قضاء الواجب فى أحد أبويك ومن عظّم حقّه عليك، وجعل الله- تعالى جدّه- ما تجرّعته من أنف، وكظمته من أسف، معدودا فيما يعظم به أجرك، ويجزل عليه ذخرك، وقرن بالحاضر من امتعاضك بفعلها، المنتظر من ارتماضك (٤) بدفنها، فتستوفى بها المصيبة، وتستكمل عنها المثوبة، فوصل الله لسيدى ما استشعره من الصير على عرسها، بما يستكسبه من الصّبر على نفسها (٥)، وعوّضه من أسرّة فرشها، أعواد
стр. 1525
نعشها، وجعل- تعالى جدّه- ما ينعم به عليه بعدها من نعمة، معرّى من نقمة، وما يوليه بعد قبضها من منحة، مبرّأ من محنة، فأحكام الله- تعالى جدّه، وتقدست أسماؤه- جارية على غير مراد المخلوقين، لكنه تعالى يختار لعباده المؤمنين ما هو خير لهم فى العاجلة، وأبقى لهم فى الآجلة، اختار الله لك فى قبضها إليه، وقدومها عليه، ما هو أنفع لها وأولى بها، وجعل القبر كفؤا لها، والسلام».
وقيل إن هذه الرسالة لأبى الفضل بن العميد (١).
(وفيات الأعيان ١: ٣٩٠)
٣٢٠ - كتابه له
وكتب عمرو بن مسعدة:
وصل إلىّ كتابك، على ظمإ منى إليه، وتطلّع شديد، وبعد عهد بعيد، ولوم منى على ما مسستنى به من جفائك، على كثرة ما تابعت من الكتب، وعدمت من الجواب، فكان أولّ ما سبق إلىّ من كتابك السرور بالنظر إليه، أنسا بما تجدّد لى من رأيك، فى المواصلة بالمكاتبة، ثم تضاعف المسرّة بخبر السّلامة، وعلم الحال فى الهيئة، ورأيتك بما تظاهرت من الاحتجاج فى ترك الكتاب، سالكا سبيل التخلّص مما أنا مخلّصك منه، بالإغضاء عن إلزامك الحجّة فى ترك الابتداء والإجابة، وذكرت شغلك بوجوه من الأشغال كثيرة متظاهرة مملّة (٢) لا أجشّمك متابعة الكتب، ولا أحمل عليك المشاكلة بالجواب، ويقنعنى منك فى كل شهر
стр. 1526
كتاب، ولن (تلزم (١)) من نفسك فى البرّ قليلا إلّا ألزمت نفسى منه كثيرا، وإن كنت لا أستكثر شيئا منك، أدام الله مودّتك، وثبّت إخاءك، واستماح (٢) لى منك، فرأيك فى متابعة الكتب ومحادثتى فيها بخبرك، موفّقا إن شاء الله».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٢)
٣٢١ - كتابه إلى أبى الرازى
وخرج المأمون يوما من باب البستان ببغداد، فصاح به رجل بصرىّ:
يا أمير المؤمنين، إنى تزوجت بامرأة من آل زياد، وإن أبا الرازى (٣) فرّق بيننا، وقال: هى امرأة من قريش، فأمر المأمون عمرو بن مسعدة فكتب إلى أبى الرازى:
«إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزّياديّة وخلعك إياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت إليك العرب- لا أمّ لك (٤) - فى أنسابها؟ ومتى وكّلتك قريش يابن الّلخناء (٥) بأن تلصق بها من ليس منها؟ فخلّ بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لابن سميّة، بغىّ عاهرة، لا يفتخر بقرابتها، ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد لقد باء بأمر عظيم، إذ ادّعى إلى غير أبيه لحظّ تعجّله، وملك قهره».
стр. 1527
٣٢٢ - كتاب إبراهيم بن العباس إلى عمرو بن مسعدة
وكان بين عمرو بن مسعدة وبين إبراهيم بن العباس الصّولى (ابن عمه) مودة، فحصل لإبراهيم ضائقة بسبب البطالة فى بعض الأوقات، فبعث له عمرو مالا، فكتب إليه إبراهيم:
«سأشكر عمرا ما تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت
رأى خلتى من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت»
(وفيات الأعيان ١: ٣٩١)
٣٢٣ - كتاب أبى جعفر الكرمانى إلى المأمون
ورفع أبو جعفر الكرمانى إلى المأمون رقعة يقول فيها:
«ثقتى من أمير المؤمنين باعتنائه، تمنعنى من استبطائه، ومعرفتى بأشغاله، تدعونى إلى إذ كاره، ولا آمن بين منع الثقة ودعاء المعرفة، اخترام (١) قرب الأجل بعد أملى، إذ كانت الآجال آفات الآمال، نفّس الله لأمير المؤمنين فى أجله، وبلّغه منتهى أمله». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٣)
стр. 1528
٣٢٤ - كتابه إلى بختيشوع
وله إلى بختيشوع (١):
«فإنك ممن إذا أسّس بنى، وإذا غرس سقى، لاستتمام بناء أسّه، واجتناء ثمار غرسه، وأسّك قد بلى (٢) وقارب الدّروس، وغرسك فى حفظى قد عطش وشارف اليبوس، فتدارك بالبناء ما أسّست، وبالسّقى ما غرست.
قد جعلك الله ممن يحتمل الدّالة الكبيرة، لذى الحرمة اليسيرة، ورفعك عن أن تتلقّى استزادة المستزيد بعنف الحميّة والإعراض والنّبوة، لأن هذا من أخلاق من حدثت نعمته، وصغرت همته، فأمّا من انقادت النعم له فى أوّله وآخره، وكان له فى تشييد المكارم وربّ (٣) الصنائع، مثل سهمك. فإنه ينصف من نفسه، ويقضى عن حقه، ويحتمل دالّة المتحرّم (٤)، ويجاوز بالمستزيد غاية استحقاقه (٥)».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٣)
стр. 1529
٣٢٥ - كتاب العباس بن الحسن إلى جرير بن يزيد
وكتب العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب ﵇، إلى جرير بن يزيد يعزّيه فى العباس ابنه:
«أما بعد، فإنك لا تخبر عن الله فيما وعد على المصائب، ولا توعظ فيما حدث من بغتات الدهور، وملمّات الأمور، بأشفى من علمك به وأوعظه، بما لم تزل له معاينا من ملمّات قدره وفضله، وفى الله ﵎ لمن اعتصم به كاف، وفى ثوابه لمن رغب عن الأحبّة معزّ، وليس من أحداث الدهر حادث يمنى به امرؤ فى حميم، وإن لطف من القلوب موقعه، وجلّ فى المصاب رزؤه، إلّا والمرء مرتهن فى نفسه بأعظم منه، إمّا بفناء يكون به حظّا لحميمه فى المعاد إن قصّر به فى نفسه أمل، وإما بقاء يكون به عرضا لمختلف الأيام والليالى، حتى يموت منه ما لا ينتفع بعده بالبقاء إن عمّر، ثم يكون الموت من ورائه لا محالة، فأين المذهب لمن عرف هذا عن ثواب الله الذى منه الخلف والعوض، فى الدار التى لا تفنى ولا يفنى ما فيها؟
وكفى نظرا من الله لك، وإنعاما عليك، أن جعل ابنك لك ولدا، فشرّفك بشرفه على الأبناء، وزيّنك بخصاله الفائتة للوصف فى الفضائل والكمال، وبلغ به الغاية التى بلغ فى السّنّ والثروة، ثم جعله لك مقدّمة إليه، وذخيرة عنده، وأىّ الأمرين تراه يا أبا العباس أملأ ليدك: أبقاؤه لو بقى حتى تكون له؟ أم فناؤه إذ فنى حتى كان لك؟ وما كنت تأمل له أكثر مما أعطاه الله وأعطاك فيه؟ فخير ما أخذته تقوى الله فى حسن العزاء، واستيجاب العوض والاستعداد فيما هو نازل بك فى نفسك، وإن كان غير ذى أمثال عندنا إن تأخّر فى أجلك، ونسأل الله أن ينسئ فيه.
стр. 1530
فأما أنا فإنه لمّا بدهنى ما بدهنى من مصابه، وتخوّفت أن يستولى الأسى على الصبر، والجزع على السّلوّ، ذكرت ما وعد الله الصابرين، فأشفقت، أن يكون حظّى من الأخ الحبيب القريب الفاجع فقد المرجوّ ثوابه، وإعطاء النفس حاجتها من الجزع والهلع، فلما رضتها على الصبر، لم أجد عندها مع شدة اللوعة أكثر من ظاهر التعزّى، وكتبت إليك وأكثر ما عندى التجمّل، والله المستعان، وليس لك ولا لنا وإن عظم الرّزء عما أمر الله به مذهب، ولا على غيره معوّل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله نحتسبه لك ولأنفسنا، ونسأله الثواب عليه، والعفو عنه، والعقبى منه، والتجاوز والمغفرة لذنوبه، ولا تدع الكتاب إلىّ، فإنه قد زادنى تعزّيا، علمى بك فى حسن ظنى بالله لك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١١)
٣٢٦ - كتاب العباس بن الحسن إلى المامون
وكتب العباس بن الحسن الطالبىّ إلى المأمون يهنئه بمولود له:
«قد كان أجذلنى (١) ما أحدث الله لأمير المؤمنين من الموهبة التى ليس- وإن كان أولى بها من غيره- بأعظم فيها حظّا من رعيته، فعمر الله لك يا أمير المؤمنين قلوبهم (٢) بنور الحكمة وأبصارهم، حتى يشدّ بهم عضدك ويسدّ بهم ثلمتك، ويبلّغهم الغاية المأمول لهم بلوغها بعدك، غير مقعد بك مهل، ولا محلّ بك أجل، ولا مكذبك أمل، ولا منقطعة أيامك، حتى تخترم (٣) أنفسنا قبلك، وتأتى على تقصيرنا وزللنا بركاتك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٣)
стр. 1531
٣٢٧ - كتاب لجرير بن زيد البجلى
وكتب جرير (١) بن يزيد البجلىّ:
«أما بعد: فإنه لولا (ما له) (٢) الناس من تقلّب قلوبهم، وتصرّف حالاتهم وتباينهم، واختلافهم وائتلافهم، لما تشعّبوا من أصلهم، ولا ائتلف منهم اثنان بعد تشعّبهم، فلا بدّ فيما يحدث بين الناس من علل الوحشة، وأسباب العداوة والفرقة، ويجرى بينهم من المودة وداعى الصلة من سابق ومسبوق، وداع ومجيب، فسابق إلى قطيعة يجتنى بها من صاحبه الوحشة، ومبتدي بصلة اجتلب بها من صاحبه الثقة، وزرع بها فى قلبه المقة له.
وقد بلغنى عنك فى وفائك وفضلك ما حرّكنى لودّك، ورغّبنى فى خلّتك (٣)، ودعانى إلى طلب وصلك، فأجبت دعاءك إلى الصلة والملاطفة بما أحسست لك من الثقة، وحدث لى فيك من الرغبة، فاقبل ما بذلنا من ودّنا وأحسن الإجابة إلى ما دعوناك إليه من إخائنا، واتّبعنا بإحسان إذ كان الابتداء منا، فإن المجيب إلى الجميل شريك الراغب فيه، وإن المكافئ به شكل (٤) لمسديه، ولا تكرهنّ أن تكون لنا إذ دعوناك مجيبا، وإذ سبقناك بالفضيلة تابعا، فإنا قد أحسنّا إجابة فضلك، وسلسنا فى اتباع ما قادنا إليك من محاسنك، واعلم أنك لو كنت سبقتنا إلى الصّلة، وتقدمتنا بالرغبة، وطلبت فضلنا عليك بالمودّة، كنت لذلك فى الفضل أهلا، وبه جديرا، لأن مثلك فى فضلك عطّف على نفسه، ومثلنا رغب فى صلته، فقد أهدينا
стр. 1532
إليك صفو ودنا، وكفيناك ما كنت به جديرا من طلبنا ودعائنا، فأحسن قبول هديتنا، وبذل الحقّ فى مكافأتنا، ولا يفوتنّك السبق وحسن الاتباع معا، والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤٠٩)
٣٢٨ - كتاب آخر
«إن القبيح لو كان فضلا قلّ حظّك منه، وكنا أولى به منك، فأما إذ كان نقصا فأنت أحقّ به منا، وأنت وليّه دوننا، وقد ولّيناك منه ما تولّيت، وكرهنا منه ما ارتضيت، فاجر ما بدا لك فيه، غير محسود عليه، والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٣)
٣٢٩ - كتاب آخر
وله أيضا:
«فإن أحقّ من زهد فى الصنيعة عنده، من بلى الكفر منه، وأولى من يهوّن من لم ينفع فيه الإكرام له، وقد بلوناك بإتيان المعروف، فلم تؤدّ حفيظة فى الشكر عليه، وبلوناك بالإكرام لك فلم ينفع ذلك فيك، فبأىّ الأمور تستزيدنا فى الصلة، وتستبطئنا فى التكرمة، وتقحّم علينا «أن حرمناك» باللائمة؟ فلم نفسك فى قلة شكرك واحتمالك، فإنك بذلك أجدر، ومنه أعذر، والسلام».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٣)
стр. 1533
٣٣٠ - كتاب محمد بن سعيد فى السلامة
وكتب محمد (١) بن سعيد فى السلامة يوم عيد:
«إن الله وهب العلم لعباده، هداية إلى معرفة نعمه، وأداء شكرهم، ثم أمرهم بالحديث عن نعمه، وتواصف آلائه، وإن من حقّ النعمة فيما أكمل الله من هذا العيد الجليل قدره، الشامل نفعه، أن يجتمع العوامّ بالقصد لشكره، والثناء به على الله ﵎ وعلى خليقته، فإن لم يجمعها صعيد واحد تفرّد أهل الفقه والعلم وذوو الدين والفضل للقيام عن أنفسهم وعمن وراءهم بشكر النعمة فيه، فإنه أعظم عيد على المسلمين بركة وعائدة (٢) بعد العيد الذى جمعهم فيه نظره للإسلام، إذ عصم الله به الدين ولأم به الشّعث، وأطفأ النائرة (٣)، حوارىّ (٤) الأمة وإمامهم، والقائم بحق الله فيهم على منبرهم، يعظهم ويسدّدهم، ويقوم بهم على إخلاص العبادة، وفضيلة الطّهر والزكاة.
فالحمد لله على هذه النعمة التى جعلها تذكرة لما سبق من وعده، فى تمكين أوليائه، وتصييره العاقبة للمتقين من عباده، وأسأل الله أن يتقبل منه فريضة العمل، ونافلة القربة، فيما قضى عنه من شهره، وأدّى من الحق فيه عليه، ويجعله أعظم شهر وسنة وعيد، ومجمع يمن وبركة، مستقبلا وعائدة، إنه سميع قريب».
(المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٤)
стр. 1534
٣٣١ - كتاب إلى المامون من عامل
«قلّ من يسارع فى بذل الحق من نفسه، إذا كان الحق مضرّا به، وقلّ من يدع الاستعانة بالباطل، إذا كان فيه صلاح معاشه، وسبب مكتسبه، وإذا تفرّق الحق فى أيدى جماعة فطولبت به، تشابهت فى الكره لبذله، وتعاونت على دفعه ومنعه، بالحيل وبالشّبه، قولا وفعلا، واحتاج المبتلى باستخراج ذلك الحق من أيديها، إلى استعمال مجاهدتها، ومصابرتها على الحيلة فى مدافعتها».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦١)
٣٣٢ - كتاب رجل إلى المأمون
وكتب رجل كان فى حبس المأمون إليه لما طال حبسه:
«أغفلت يا أمير المؤمنين أمرى، وتناسيت ذكرى، ولم تتأمّل حجّتى وعذرى، وقد ملّ من صبرى الصبر، ومسّنى من حبسك الضّرّ».
٣٣٣ - رد المأمون عليه
فأجابه المأمون:
«ركوبك مطيّة الجهل، صيّرك أهلا للقتل، وبغيك علىّ وعلى نفسك، نقلك عن سعة الدنيا إلى قبر من قبور الأحياء، ومن جهل الشكر على المنن، قلّ صبره على المحن، فاصبر على عواقب هفواتك، وموبقات زلّاتك، على قدر صبرك على كثير جناياتك، فإن حصل فى نفسك كفّ عن معصيتى، وعزم على طاعتى، وندم على مخالفتى، فلن تعدم مع ذلك جميلا من نيّتى».
(غرر الخصائص الواضحة ص ٤٠٩)
стр. 1535
٣٣٤ - كتاب إحدى جوارى المامون إليه
وأهدت جارية من جوارى المأمون تفاحة له، وكتبت إليه:
«إنى يا أمير المؤمنين لما رأيت تنافس الرّعية فى الهدايا إليك، وتواتر ألطافهم (١) عليك، فكّرت فى هدية تخفّ مؤنتها، وتهون كلفتها، ويعظم خطرها (٢)، ويجلّ موقعها، فلم أجد ما يجتمع فيه هذا النّعت، ويكمل فيه هذا الوصف، إلا التفاح، فأهديت إليك منها واحدة فى العدد، كثيرة فى التقرّب، وأحببت يا أمير المؤمنين أن أعرب لك عن فضلها، وأكشف لك عن محاسنها، وأشرح لك لطيف معانيها، وما قالت الأطبّاء فيها، وتفنّن الشعراء فى أوصافها، حتى ترمقها (٣) بعين الجلالة، وتلحظها بمقلة الصّيانة، فقد قال أبوك الرشيد رضى الله عنه: «أحسن الفاكهة التفاح، اجتمع فيه الصّفرة الدّرّيّة، والحمرة الخمرية، والشّقرة الذّهبية، وبياض الفضة ولون التّبر يلذّ بها من الحواسّ: العين ببهجتها، والأنف بريحها، والفم بطمعها» وقال أرسطاطاليس الفيلسوف عند حضوره الوفاة، واجتمع إليه تلاميذه: «التمسوا لى تفاحة أعتصم بريحها، وأقضى وطرى (٤) من النظر إليها».
وقال إبراهيم بن هانئ: «ما علّل المريض المبتلى، ولا سكّنت حرارة الثّكلى (٥)، ولا ردّت شهوة الحبلى، ولا جمعت فكرة الحيران، ولا سكنت حنقة الغضبان، ولا تحبّب (٦) الفتيان فى بيوت القيان، بمثل التفاح» والتفاحة يا أمير المؤمنين إن
стр. 1536
حملتها لم تؤذك، وإن رميت بها لم تؤلمك، وقد اجتمع فيها ألوان قوس قزح، من الخضرة والحمرة والصفرة، وقال فيها الشاعر:
حمرة التفاح مع خضرته ... أقرب الأشياء من قوس قزح
فعلى التفاح فاشرب قهوة ... واسقنيها بنشاط وفرح (١)
ثم غنّنى لكى تطربنى ... طرفك الفتّان قلبى قد جرح (٢)
فإذا وصلت إليك يا أمير المؤمنين فتناولها بيمينك، واصرف إليها بغيتك، وتأمّل حسنها بطرفك، ولا تخدشها بظفرك، ولا تبعدها عن عينك، ولا تبذلها لخدمك، فإذا طال لبثها عندك، ومقامها بين يديك، وخفت أن يرميها الدهر بسهمه، ويقصدها بصرفه (٣)، فتذهب بهجتها، وتحيل (٤) نضرتها، فكلها.
«هنيئا مريئا غير داء مخامر (٥)» والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته». (العقد الفريد ٣: ٣١٠)
٣٣٥ - الرقعة التى علقت على رأس على بن هشام بعد قتله
وكان المأمون قد ولّى علىّ بن هشام كور الجبال وأذربيجان، وكور أرمينية، ثم غضب عليه للذى بلغه من سوء سيرته فى أهل عمله، وقتله الرجال، وأخذه الأموال، فوجّه إليه عجيف بن عنبسة، فأراد أن يفتك به، فظفر به عجيف،
стр. 1537
فقدم به على المأمون، فأمر بضرب عنقه (سنة ٢١٧) ثم بعث رأسه فطيف به فى الأقطار، ثم ألقى بعد ذلك فى البحر.
ولما قتله المأمون أمر أن تكتب رقعة وتعلّق على رأسه ليقرأها الناس، وفيها.
«أما بعد: فإن أمير المؤمنين كان دعا علىّ بن هشام فيمن دعا من أهل خراسان أيام المخلوع إلى معاونته والقيام بحقه، وكان فيمن أجاب وأسرع الإجابة، وعاون فأحسن المعاونة، فرعى أمير المؤمنين له ذلك، واصطنعه (١) وهو يظنّ به تقوى الله وطاعته، والانتهاء إلى أمر أمير المؤمنين فى عمل إن أسند إليه فى حسن السّيرة، وعفاف الطّعمة (٢)، وبدأه أمير المؤمنين بالإفضال عليه، فولّاه الأعمال السّنيّة، ووصله بالصّلات الجزيلة، التى أمر أمير المؤمنين بالنظر فى قدرها، فوجدها أكثر من خمسين ألف ألف درهم، فمدّ يده إلى الخيانة، والتضييع لما استرعاه من الأمانة فباعده عنه وأقصاه، ثم استقال أمير المؤمنين عثرته، فأقاله إياها، وولّاه الجبل وأذربيجان وكور أرمينية، ومحاربة أعداء الله الخرّميّة (٣) على أن لا يعود لما كان
стр. 1538
منه، فعاود أكثر ما كان، بتقديمه الدينار والدرهم على العمل لله ودينه وأساء السيرة، وعسف (١) الرعية، وسفك الدماء المحرّمة، فوجّه أمير المؤمنين عجيف ابن عنبسة مباشرا لأمره، وداعيا إلى تلافى ما كان منه، فوثب بعجيف، يريد قتله، فقوّى الله عجيفا، بنيّته الصادقة فى طاعة أمير المؤمنين، حتى دفعه عن نفسه، ولو تمّ ما أراد بعجيف، لكان فى ذلك ما لا يستدرك ولا يستقال، ولكن الله إذا أراد أمرا كان مفعولا، فلما أمضى أمير المؤمنين حكم الله فى على بن هشام، رأى أن لا يؤاخذ من خلفه بذنبه، فأمر أن يجرى لولده ولعياله، ولمن اتصل بهم، ومن كان يجرى عليهم، مثل الذى كان جاريا لهم فى حياته، ولولا أن على بن هشام أراد العظمى بعجيف، لكان فى عداد من كان فى عسكره ممن خالف وخان، كعيسى بن منصور ونظرائه والسلام». (تاريخ الطبرى ١٠: ٢٨٢)
٣٣٦ - كتاب ثوفيل ملك الروم إلى المامون
وفى سنة ٢١٥ هـ شخص المأمون من مدينة السلام لغزو الروم، واستخلف عليها إسحق بن إبراهيم بن مصعب، ففتح وقتل وسبى.
стр. 1539
وفى سنة ٢١٧ هـ، كتب ثوفيل (١) بن ميخائيل ملك الروم إلى المأمون يسأله الصلح:
«أما بعد: فإن اجتماع المختلفين على حظّهما أولى بهما فى الرأى مما عاد بالضرر عليهما، ولست حريّا أن تدع لحظّ يصل إلى غيرك- حظّا تحوزه إلى نفسك، وفى علمك كاف عن إخبارك، وقد كنت كتبت إليك داعيا إلى المسالمة، راغبا فى فضيلة المهادنة (٢)، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون: كلّ واحد لكلّ واحد وليّا وحزبا، مع اتّصال المرافق (٣)، والفسح فى المتاجر، وفكّ المستأسر، وأمن الطّرق والبيضة، فإن أبيت فلا أدب لك فى الخمر (٤) ولا أزخرف لك فى القول، فإنى لخائض إليك غمارها، آخذ عليك أسدادها (٥)، شانّ خيلها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدّمت المعذرة، وأقمت بينى وبينك علم الحجّة، والسلام».
(كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ٢٨٤ وتاريخ الطبرى ١٠: ٢٨٣)
стр. 1540
٣٣٧ - رد المأمون عليه
فكتب إليه المأمون:
«أما بعد، فقد بلغنى كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللّين والشدة، مما استعطفت به من سراح (١) المتاجر، واتّصال المرافق، وفكّ الأسارى، ورفع القتل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من إعمال التّؤدة، والأخذ بالحظّ فى تقليب الفكرة، وألّا أعتقد الرأى فى مستقبله إلّا فى استصلاح ما أوثره فى معتقبه، لجعلت جواب كتابك خيلا تحمل رجالا من أهل البأس والنّجدة والبصيرة، ينازعونكم عن ثكلكم (٢)، ويتقرّبون إلى الله بدمائكم، ويستقلّون فى ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم، ثم أوصل إليهم من الأمداد، وأبلغ لهم كافيا من العدّة والعتاد (٣)، هم أظمأ إلى موارد المنايا، منكم إلى السلامة، من مخوف معرّتهم عليكم، موعدهم إحدى الحسنيين: عاجل غلبة، أو كريم منقلب، غير أنى رأيت أن أتقدّم إليك بالموعظة التى يثبت الله بها عليك الحجّة، من الدعاء لك، ولمن معك إلى الوحدانية، والشريعة الحنيفيّة (٤)، فإن أبيت ففدية توجب ذمّة، وتثبت نظرة (٥)، وإن تركت ذلك ففى يقين المعاينة لنعوتنا ما يغنى عن الإبلاغ فى القول، والإغراق فى الصفة، والسلام على من اتبع الهدى». (كتاب بغداد لابن طيفور ٦: ٢٨٥ وتاريخ الطبرى ١٠: ٢٨٣)
стр. 1541
٣٣٨ - كتاب عبد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم
وكتب عبد الله (١) بن طاهر إلى إسحق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد، يسأله أن يوجّه إليه بأقلام قصبيّة:
«أما بعد، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة، التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم (٢) فحلّت محلّ الأنساب، وجرت مجرى الألقاب، وجدنا الأقلام القصبية (٣) أسرع (٤) فى الكواغد (٥)، وأمرّ فى الجلود، كما أن البحرية منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف، [وأكلّ عن تمزيقها، والتعلّق بما ينبو من شظاياها] (٦) ونحن فى بلاد قليلة القصب، ردىء ما يوجد بها منه.
وقد أحببت أن تتقدّم (٧) فى اختيار أقلام قصبية، وتتأنّق (٨) فى انتقائها قبلك،
стр. 1542
وتطلبها فى مظالّها ومنابتها (١)، من شطوط الأنهار، وأرجاء (٢) الكروم، وأن تتيمّم (٣) باختيارك منها: الشديدة المجسّ، الصّلبة المعضّ (٤)، النقيّة الخدود (٥)، القليلة الشحوم (٦)، الكثيرة اللحوم، المكتنزة (٧) الجوانب، الضيقة الأجواف، الرّزينة الوزن (٨)، فإنها أبقى على الكتابة، وأبعد من الحفى (٩)، وأن تقصد بانتفائك منها: الرّقاق القضبان، اللّطاف المنظر، المقوّمات الأود (١٠)، الملس العقد، فلا يكون فيها التواء عوج ولا أمت (١١)، وضمّ الصافية القشور، الخفيّة الإبر، الحسنة الاستدارة، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، تكاد أسافلها تهتز من أعلاها، لاستواء أصولها برءوسها، المستحكمة يبسا، القائمة على سوقها، قد تشرّب الماء فى لحائها (١٢)، وانتهت فى النّضج منتهاها، لم تعجل عن تمام مصلحتها، وإبّان ينعها، ولم تؤخّر إلى الأوقات المخوفة عاهاتها (١٣)، من خصر (١٤) الشتاء وعفن الأنداء، فإذا استجمعت عندك، أمرت بقطعها ذراعا ذراعا، قطعا رفيقا (١٥) تتحرّز معه من أن تتشعّث (١٦) رءوسها، وتنشقّ أطرافها، ثم عبّأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، وعليها الخيوط الوثيقة، ووجّهتها مع من يؤدى الأمانة (١٧)، فى حراستها وحفظها وإيصالها،
стр. 1543
إذ كان مثلها يتوانى فيها لقلة خطرها (١) عند من لا يعرف فضل جوهرها، واكتب معه بعدّتها وأصنافها، وأجناسها وصفاتها، على الاستقصاء، من غير تأخير ولا توان ولا إبطاء إن شاء الله تعالى».
(زهر الآداب ٢: ٢٤٨، والعقد الفريد ٢: ١٨٢، وصبح الأعشى ٢: ٤٥١، ونهاية الأرب ٧: ٢١، وأدب الكتاب ٦٩)
٣٣٩ - رد إسحق بن إبراهيم عليه
فأجابه ووجّه إليه الأنابيب:
«أتانى كتاب الأمير- أعزه الله تعالى- بما أمرنى به ولخّصه، من البعث إليه بما شاكل نعته، وضاهى صفته من أجناس الأقلام، فتيمّمت بغيته قاصدا لها، وانتهجت معالم سؤاله آخذا بها، فأنفذت إليه منها حزما: أنشئت بلطيف السّقيا، وحسن التعهد والبقيا، لم تعجل بإخراجها، ولا بودرت قبل إدراكها، فهى مستوية الأنابيب معتدلتها، مثقّفة (٢) الكعوب مقوّمتها، لا يرى فيها أمت زور (٣)، ولا وصم صعر، وقد رجوت أن يجدها الأمير عند إرادته وحسب بغيته، إن شاء الله».
(زهر الآداب ٢: ١٤٨، وأدب الكتاب ص ٧١)
стр. 1544
٣٤٠ - كتاب ابن الحرون إلى أحد إخوانه
وأهدى ابن الحرون (١) إلى رجل من إخوانه من الكتاب أقلاما، وكتب إليه:
«إنه لما كانت الكتابة- أبقاك الله- أعظم الأمور، وقوام الخلافة، وعمود المملكة، خصصتك من آلتها بما يخفّ محمله، وتثقل قيمته، ويعظم نفعه، ويجلّ خطره (٢)، وهى أقلام من القصب النابت فى الصّخر، الذى نشف (٣) بحرّ الهجير فى قشره ماؤه، وستره من تلويحه (٤) غشاؤه، فهى كاللآلئ المكنونة فى الصّدف، والأنوار المحجوبة فى السّدف (٥)، تبريّة القشور، درّيّة الظهور، فضّيّة الكسور، قد كستها الطبيعة جواهر كالوشى المحبّر (٦)، وفرند الدّيباج المنيّر» (٧).
(العقد الفريد ٢: ١٨٣، وصبح الأعشى ٢: ٤٥٢، ونهاية الأرب ٧: ٢٢)
*** وفى رواية أدب الكتاب وزهر الآداب:
أهدى بعض الكتاب إلى أخ له أقلاما، وكتب إليه:
«إنه- أطال الله بقاءك- لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وزينة الرياسة،
стр. 1545
وعمود المملكة، وأعظم الأمور الجليلة قدرا، وأعلاها خطرا، أحببت أن أتحفك من آلتها بما يخف عليك محمله، وتثقل (١) مع ذلك قيمته، ويكثر نفعه، ويجلّ خطره، فبعثت إليك أقلاما من القصب النابت فى الأعذاء (٢)، المغذوّ بماء السماء، كاللآلئ المكنونة فى الصّدف، والأحجار المحجوبة بالسّدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان، قد كستها طبائعها جوهرا كالوشى الخطير، وفرند الدياج المنير (٣)، فهى كما قال الكميت:
وبيض رقاق صفاح المتون ... تسمّع للبيض فيها صريرا (٤)
مهنّدة من عتاد الملوك ... يكاد سناهنّ يعشى البصيرا
وكقداح النّبل فى ثقل أوزانها، وقضب الخيزران فى اعتدالها، ووشيج الخطّىّ (٥) فى اطّرادها، كأنما خرطت فى شهر (٦) لاستدارتها، تمرّ فى القرطاس كالبرق اللائح، وتجرى فى الصّحف كالماء السائح، أحسن من العقيان (٧)، فى نحور القيان».
(أدب الكتاب ص ٧١ وزهر الآداب ٢: ٢٤٨)