٣٦ - كتاب تعزية له
وله تعزية أيضا:
«قد نفذ كتابى إليك فى التعزية عن السيّد الذى لا نفجع بمثله، ولا نؤمّل عوضا منه، إلا باتصال أيامك، وجميل حياطة الله إياك، بما أرجو أن يكون قد وصل والحمد لله، وإليه أوجّه الرغبة فى إلهامك الصبر، وحسن المعاونة لك على قضاء الحق عليك، وقضاء الحق لك، وما أعتدّ به من مودتك، التى تقتصر على ما دونها الثقة، وتستحكم بأقلّ منها الأسباب والمقة».
(اختيار المنظوم والمثور ١٣: ٣١٧)
٣٧ - كتاب له فى الشكر
وكتب الحسن بن وهب فى الشكر:
«من شكرك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أقدرته عليها، فإن شكرى لك على مهجة أحييتها، وحشاشة (١) أبقيتها، ورمق أمسكت به، وقمت بين التّلف وبينه، فلكل نعمة من نعم الدنيا حدّ ينتهى إليه، ومدى يوقف عنده، وغاية من الشكر يسمو إليها الطّرف، خلا هذه النعمة التى قد فاقت الوصف، وطالت الشكر، وتجاوزت قدره، وأنت من وراء كل غاية، رددت عنا كيد العدو، وأرغمت أنف الحسود، فنحن نلجأ منك فيها إلى ظل ظليل وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأنّى يبلغ جهد المجتهد؟ ».
(العقد الفريد ٢: ١٩٥)
стр. 1612
٣٨ - كتاب فى الشكر
قال ابن طيفور:
ومن مختار ما كتب به من باب الشكر:
«أما بعد، فما أعجز تعدادى عما أتعرّف منك وأتعرّفه بك دانيا ونائيا» وما أدرى ما ابتدأتنى به من معروفك، أرهن لشكرى؟ أم ما ثنّيت به من برّك، لبدئك بعنايتك على نأيك؟ أم ما ألبستنى جماله، على لسانك، بإطرائك وثنائك؟
أم ما عقدته لى عند غيرك بتلطّفك وتأتيك (١)؟ غير أنى أعلم أنك لم تقصّر فى استحقاق شكر علىّ، وأرجو ألّا أكون مقصّرا فى معرفة ذلك منك، ومن لم يقصّر علمه ولم يؤنّ (٢) فى شكره إلّا من عظم المعروف عنده مع جهده، فقد دخل بالعلم والجهد فى الشاكرين، غير أن الذى آنستنى به من رفدك (٣) وتوطيدك، قد زادنى وحشة إليك، وإنّ حفظ من حفظنى فيك- وإن لم يكن مقصّرا- قد جدّد لى المعرفة بوثارة (٤) مكانى عندك، ولقد بلغت أن أصلحت لى الأمور والرجال، وأصلحتنى إلى صلاحى لنفسك، فليس كتابى هذا باستبطاء لأحد حتى يستبطئه، ولا شكرى حتى يكون البدء منك، ولكن روّحت عن نفسى بذكرك، وزيّنتها بشكرك، وزكّيتها بالإقرار بفضلك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٨)
стр. 1613
٣٩ - كتاب الحسن بن وهب إلى إبراهيم بن العباس
وكتب الحسن بن وهب إلى إبراهيم بن العباس:
«وصل كتابك، فما رأيت كتابا أسهل فنونا، ولا أملس متونا، ولا أكثر عيونا، ولا أحسن مقاطع ومطالع منه، أنجزت فيه عدة الرأى، وبشرى الفراسة، وعاد الظنّ يقينا، والأمل مبلوغا، والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات».
(العقد الفريد ٢: ١٩٦)
٤٠ - كتابه إلى أبى تمام الطائى
وكتب الحسن بن وهب إلى أبى تمام الطائى:
«أنت- حفظك الله- تحتذى من البيان فى النّظام، مثل ما يقصد بحر فى الدّرر من الأفهام، والفضل لك- أعزّك الله- إذ كنت تأتى به فى غاية الاقتدار، على غاية الاقتصار، فى منظوم الأشعار، فتحلّ متعقّده، وتربط متشرّده، وتنظم أشطاره، وتجلو أنواره، وتفصّله فى حدوده، وتخرجه فى قيوده، ثم لا تأتى به مهما اقتبسته مشتركا فيلبس، ولا متعقّدا فيطول، ولا متكلّفا فيحول، فهو كالمعجزة، تضرب فيها الأمثال، ويشرح فيها المقال، فلا أعدمنا الله هداياك واردة، وفرائدك وافدة».
(زهر الآداب ٣: ١٥٤)
٤١ - كتاب له
«لا ترض لى بيسير النظر، فإنى لم أرض لك بيسير الشكر، وضع عنى مؤنة التقاضى، ما وضعت عنك مؤنة الإلحاح، وأحضر قلبى من ذكرك ما هو أكفى من قعودى بصدد عينك، فإنى أحقّ من فعلت ذاك به، كما أنك أحقّ من فعله بى، وحقّق الظنّ، فليس وراءك مذهب، ولا عنك مقصّر».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨١٣)
(٣ - جمهرة رسائل العرب- رابع)
стр. 1614
٤٣ - كتاب ميمون بن إبراهيم إلى الحسن بن وهب
وكتب ميمون (١) بن إبراهيم إلى الحسن بن وهب يعزّيه عن أمه:
«خطوب الأيام مقضيّة على هذا الخلق، ولو كانت مدفوعة عن أحد، لكثرة من يقيه من إخوانه، ويفديه منهم الأخصّ فالأخصّ من أعزّائه وخلّانه، سلمت منها وعريت من ملمّها، وكان سبقى إلى ذلك أبرز سبق، وحظّى فى التقدم فيه أوفر حظّ، ومصيبتك- أكرمك الله- بالوالدة لى مصيبة، وما نالك من ذلك لقلبى موجع. ولو كان فى طاقتى أن أعلم كنه ما خامر قلبك من ألم ذلك، لحملت مثله على نفسى، وإنى أحبّ أن أكون أسوتك فى كل سارّ وغامّ، ولا أتمتّع بأيام غمومك، ولا أقصّر فيها عن مقدار حالك، فعظّم الله أجرك، وجبر مصابك، وضاعف ثوابك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله الذى لا يحمد على المكروه غيره. ثم الحمد لله الذى جعلك مكتفيا بنفسك فى مواطن حقوق الله عليك، والمرجع فى اقتصارى على الكتاب- إذ كان دون الذى ينبغى فيما يلزمنى، وإن كنت قد سلكت نفسى أوّل من لقيك معزّيا ومؤاسيا- إلى علمك بالحال فى ذلك، وإن كنت أثق بأنى ممن لا يحتاج إلى اعتذار عندك، فإن رأيت أن تدخل إلىّ الرّوح (٢) بكتابك وخبرك فى نفسك، وما رزقك الله من حسن التّعزّى عند مصيبتك، لأحمد الله على النعمة عندى فيما ألهمك من التوفيق والعصمة فعلت، والتعزية- جعلت فداءك- تجدّد اللوعة للمحزون، وقد توقيت ذلك فى أبى أيوب (٣) إشفاقا عليه، فجعل الله لكل عبرة أفضتماها، وجرعة تجرعتماها فى هذه المصيبة، حجابا لكما من كل سوء، ووقاية لكما من كل محذور».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٧)
стр. 1615
٤٣ - كتاب الحسين بن الحسن بن سهل إلى صديق له
وكتب الحسين بن الحسن بن سهل إلى صديق له:
«نحن فى مأدبة لنا، تشرف على روضة، تضاحك الشمس حسنا، قد باتت السماء تعلّها (١)، فهى شرقة بمائها، حالية بغوّارها، فرأيك فينا، لنكون على سواء من استمتاع بعضنا ببعض».
٤٤ - رد صديقه عليه
فكتب إليه:
«هذه صفة لو كانت فى أقاصى الأرض لوجب انتجاعها، وحثّ المطىّ فى ابتغائها، فكيف فى موضع أنت تسكنه، ويجمع إلى أنيق منظره حسن وجهك، وطيب شمائلك! وأنا الجواب».
(العقد الفريد ٢: ١٩٢)
٤٥ - كتاب عبد الرحمن بن أحمد الحرانى إلى محمد بن سهل
وكتب عبد الرحمن بن أحمد الحرّانى إلى محمد بن سهل:
«أعزك الله، إن كل مجازاة قاصرة عن حق السابق إلى افتتاح الودّ، وقد علمت أنى استقبلتك من الإقبال عليك بما لم تستدعه، واعتمدتك من الرغبة فيك بما لم توله»
(العقد الفريد ٢: ١٩٢)
стр. 1616
٤٦ - كتاب ابن الزيات بالعهد للواثق على مكة
وكتب محمد بن عبد الملك الزيات عهد الواثق على مكة بحضرة المعتصم:
«أما بعد: فإن أمير المؤمنين قلّدك مكة وزمزم، تراث أبيك الأقدم، وجدّك الأكرم، وركضة جبريل، وسقيا إسمعيل، وحفر عبد المطلب، وسقاية العباس (١)، فعليك بتقوى الله تعالى، والتوسعة على أهل بيته».
(زهر الآداب ٣: ٣٥٩)
٤٧ - كتاب إبراهيم بن العباس إلى الواثق
ولما توفّى المعتصم، وولى الخلافة بعده ابنه الواثق، كتب إليه إبراهيم (٢) ابن العباس الصّولى يعزّيه بأبيه ويهنئه بالخلافة:
«إن أحقّ الناس بالشكر من جاء به عن الله، وأولاهم بالصبر من كان سلفه رسول الله، وأمير المؤمنين- أعزّه الله- وآباؤه- نصرهم الله- أولو الكتاب الناطق عن الله بالشكر، وعترة رسوله المخصوصون بالصبر، وفى كتاب الله أعظم الشّفاء، وفى رسوله أحسن العزاء:
стр. 1617
وقد كان من وفاة أمير المؤمنين المعتصم بالله، ومن مشيئة الله فى ولاية أمير المؤمنين الواثق بالله، ما عفا (١) على أوّله آخره، وتلافت بدأته عاقبته، فحقّ الله فى الأولى الصبر، وفرضه فى الأخرى الشكر، فإن رأى أمير المؤمنين أن يستنجز ثواب الله بصبره، ويستدعى زيادته بشكره، فعل إن شاء الله تعالى وحده».
(معجم الأدباء ١: ١٨٩)
٤٨ - كتاب إبراهيم بن العباس إلى ابن الزيات
وكان إبراهيم بن العباس الصّولى صديقا لمحمد بن عبد الملك الزيات، فولى محمد الوزارة، وإبراهيم وال على الأهواز، فقصده ووجّه إليه بأبى الجهم أحمد بن سيف، وأمره بكشفه (٢)، فتحامل عليه تحاملا شديدا، فكتب إبراهيم إلى ابن الزيات يشكو إليه أبا الجهم ويقول: هو كافر لا يبالى ما عمل، وهو القائل لمّا مات غلامه يخاطب ملك الموت:
تركت عبيد بنى طاهر ... وقد ملئوا الأرض عرضا وطولا
وأقبلت تسعى إلى واحدى ... ضرارا كأن قد قتلت الرسولا
قسوف أدين بترك الصلاة ... وأصطبح الخمر صرقا شمولا (٣)
فكان محمد لعصبيته على إبراهيم وقصده له يقول: ليس هذا الشعر لأبى الجهم، وإنما إبراهيم قاله ونسبه إليه.
(الأغانى ٩: ٢٤ ومعجم الأدباء ١: ١٦٩)
стр. 1618
٤٩ - كتاب إبراهيم بن العباس إلى ابن الزيات
وعزل ابن الزيات إبراهيم بن العباس عن الأهواز واعتقله بها وآذاه- وكان يؤمل منه أن يسامحه ويطلقه لقديم صحبته له- فكتب إليه:
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب ... وسلّط أعداء وغاب نصير (١)
تكون عن الأهواز دارى ينجوة! ... ولكن مقادير جرت وأمور (٢)
وإنى لأرجو بعد هذا محمدا ... لأفضل ما يرجى أخ ووزير
(الأغانى ٩: ٢٤ ومعجم الأدباء ١٦٩)
٥٠ - كتابه إلى عمر بن فرج
وكتب إبراهيم بن العباس إلى عمر بن فرج بعد أن عزل عن الأهواز، وابن الزيات يعذّبه بالناحية.
«ولست أعزّك الله واحدا من عدد تحصّلهم وتقدّمهم، فتوسّع على نفسك فى أمرى، أنا والله واحدك، بالأسباب التى تجتمع لى فيك وبك، ولا تجتمع فى غيرى، من أخ ولا ولد ولا صاحب، وقد كنت تدّخرنى أعزك الله لطاعتك والوفاء لك، فقد والله فعلت غير ممتنّ بذلك، وقد كنت أرجو ألّا أضام فى جيرتك ومعك، فلا تخذلنى، فإنى فى حالة إن أخليتنى فيها من نصرتك، لم يرجع علىّ من ذلك مقدار فى نعمتى ونفسى، إلّا رجع عليك أكثر منه فى نعمتك، وقدرك، والسلام».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٥)
стр. 1619
٥١ - كتابه إلى ابن الزيات
وكتب إبراهيم بن العباس إلى ابن الزيات يستعطفه:
«كتبت إليك وقد بلغت المدية المحزّ (١)، وعدت الأيام بك علىّ، بعد عدوى بك عليها، وكان أسوأ ظنى، وأكثر خوفى، أن تسكن فى وقت حركتها، وتكفّ عند أذاها، فصرت علىّ أضرّ منها، وكفّ الصديق عن نصرتى خوفا منك، وبادر إلىّ العدوّ تقرّبا إليك».
وكتب تحت ذلك:
أخ بينى وبين الدهر صاحب أيّنا غلبا ... صديقى ما استقام، فإن
نبا دهر علىّ نبا ... وثبت على الزّمان به
فعاد به وقد وثبا ... ولو عاد الزمان لنا
لعاد به أخا حدبا (٢)
(الأغانى ٩: ٢٦ ومعجم الأدباء ١: ١٧٠)
٥٢ - كتابه إلى ابن الزيات
قال ابن طيفور:
وكتب إبراهيم بن العباس إلى محمد بن عبد الملك الزيات وهو واقف على بابه، وقد حجب عنه بعد أن عزل عن الأهواز:
«جعلت فداءك، بالحين (٣) وقعت، وإلّا فمن كان أعزّ بحالة رضيها فى نفسه وعند إخوانه منى؟ ومن كان واحدك إذا حصّلت واحدا؟ وواحدى إذا خفت
стр. 1620
من زمان نبوة؟ أما والله لو أمنتك لقلت، ولكنى أخاف منك حالة لا تحتملها لى، وأتوقّى منك عتبا لا تنصفنى فيه، وما قدّر فقد كان ويكون، وعن كل حادثة أحدوثة، ولا أقول والله- إنى غلطت على نفسى، فتبدّلت بحالة كنت مبغوطا فيها، حالة أنا فى مكروهها، بل أقول: إنى قهرت، فلما فزعت إلى ناصرى الذى كنت أعدّ (١)، وجدت من قهرنى أقلّ نية فى ظلمى، ممن استنصرت فى نصرتى، وتسبّبت للمقادير أسبابها، وتجلت عما تجلّت عنه فى أمرى (٢)، وأحمد الله وأشكره» (٣).
وكتب فى آخره:
وكنت أخى بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا
وكنت أذمّ إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدّك للنائبات ... فهأنا أطلب منك الأمانا
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٥ والأغانى ٩: ٢٧، ومعجم الأدباء ١: ١٧١ ووفيات الأعيان ١: ١٠)
٥٣ - كتابه إلى ابن الزيات
ومما كتب إلى ابن الزيات:
«من رأى فى المنام مثل أخ لى ... كان عونى على الزمان وخلّى
رفعت حاله فحاول حطّى ... وأبى أن يعزّ إلا بذلّى»
стр. 1621
وكتب إليه يستعطفه:
فهبنى مسيئا مثل ما قلت ظالما ... فعفوا جميلا كى يكون لك الفضل
فإن لم أكن للعفو منك- لسوء ما ... جنيت به- أهلا فأنت له أهل
(معجم الأدباء ١: ١٨٥)
*** وأقام ابن الزيات على الإساءة إليه، حتى بلغ منه كل مكروه، ثم وقف الواثق على تحامله عليه، فرفع يده عنه، وأمر أن يقبل منه ما رفعه، ورده إلى الحضرة مصونا، فبسط لسانه فى ابن الزيات وهجاه هجاء كثيرا.
(الأغانى ٩: ٢٧)
٥٤ - كتاب ابن الزيات عن الخليفة إلى أحد عماله
وكتب عن الخليفة إلى أحد العمال:
«أما بعد، فقد انتهى إلى أمير المؤمنين (كذا) فأنكره، ولا تخلو من إحدى منزلتين، ليس فى واحدة منهما عذر يوجب حجة، ولا يزيل لائمة (١):
إما تقصير فى عملك دعاك للإخلال بالحزم، والتفريط فى الواجب، وإما مظاهرة (٢) لأهل الفساد، ومداهنة لأهل الرّيب، وأيّة هاتين كانت منك، محلّة النّكر بك، وموجبة العقوبة عليك، لولا ما يلقاك به أمير المؤمنين من الأناة والنّظرة (٣)، والأخذ بالحجّة، والتقدّم فى الإعذار والإنذار، وعلى حسب ما أقلت من عظيم العثرة، يجب اجتهادك فى تلافى التقصير والإضاعة، والسلام».
(العقد الفريد ٢: ١٩٨)
стр. 1622
٥٥ - فصول لابن الزيات
وكتب ابن الزيات:
«إن حقّ الأولياء على السلطان تنفيذ أمورهم، وتقويم أودهم، ورياضة أخلاقهم، وأن يميّز بينهم: فيقدّم محسنهم، ويؤخر مسيئهم، ليزداد هؤلاء فى إحسانهم، ويزدجر هؤلاء عن إساءتهم».
وفصل له:
«إن من أعظم الحق حقّ الدين، وأوجب الحرمة حرمة المسلمين، فحقيق لمن راعى ذلك الحقّ، وحفظ تلك الحرمة، أن يراعى له، حسب ما رعاه الله، ويحفظ له، حسب ما حفظ الله على يديه».
وفصل له:
«إن الله أوجب لخلفائه على عباده حقّ الطاعة والنصيحة، ولعبيده على خلفائه بسط العدل والرأفة، وإحياء السّن الصالحة، فإذا أدى كلّ إلى كلّ حقّه، كان ذلك سببا لتمام المعونة، واتصال الزيادة، واتّساق الكلمة، ودوام الألفة».
(العقد الفريد ٢: ١٩٨)
٥٦ - كتاب لابن الزيات
وتوسّل رجل إلى رجل بمحمد بن عبد الملك الزيات وادّعى قرابته منه، وبلغ ذلك محمدا، فكتب إلى المتوسّل إليه:
«بلغنى أن رجلا ادّعى قرابتى، وأورد عليك كتابا ذكر أنه منى، وما أنكر أن ينتفع بى من توسّل بنسبى، إلا أنه من ادّعى قرابة ولا قرابة له، كان استعمال الشفاعة فى أمره أولى».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٧)
стр. 1623
٥٧ - كتاب رجل إلى ابن الزيات
وكتب رجل إلى ابن الزيات:
«إن مما يطمعنى فى بقاء النعمة عليك، ويزيدنى بصيرة فى العلم بدوامها لديك، أنّك أخذتها بحقّها، واستوجبتها بما فيك من أسبابها، ومن شأن الأجناس أن تتواصل، وشأن الأشكال أن تتقاوم (١)، والشىء يتغلغل فى معدنه، ويحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته، ولزّ (٢) فى مغرسه، ضرب بعرقه، وسمق (٣) بفرعه، وتمكّن تمكّن الإقامة، وثبت ثبات الطبيعة».
(عيون الأخبار ١: ٩٥)
٥٨ - كتاب الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك الزيات
قال الجاحظ (٤):
تشاغلت مع الحسن بن وهب أخى سليمان بن وهب بشرب النّبيذ أياما، فطلبنى محمد بن عبد الملك لمؤانسته. فأخبر باتصال شغلى مع الحسن بن وهب، فتنكّر لى، وتلوّن علىّ، فكتبت إليه رقعة نسختها:
«أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك
стр. 1624
من القوة إلى حبّ الإنصاف، ورجّح فى قلبك إيثار الأناة (١)، فقد خفت- أيّدك الله- أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السّفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت:
وإن امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلّا ما جنى لسعيد (٢)
وقال الآخر (٣):
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
فإن كنت اجترأت عليك- أصلحك الله- فلم أجترئ إلّا لأن دوام تغافلك عنى شبيه بالإهمال الذى يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة (٤)، ولذلك قال عيينة (٥) بن حصن بن حذيفة لعثمان ﵀: «عمر كان خيرا لى منك: أرهبنى فأتقانى، وأعطانى فأغنانى» (٦).
فإن كنت لا تهب عقابى- أيدك الله- لحرمة (٧)، فهبه لأياديك عندى، فإن النّعمة تشفع فى النّقمة، وإلّا تفعل ذلك لذلك، فعد إلى حسن العادة، وإلّا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فأت ما أنت أهله من العفو، دون ما أنا أهله من
стр. 1625
استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمّد، وتتجافى عن عقاب المصرّ، حتى إذا صرت إلى من هفوته بكر (١)، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، ولا الإنعام إلا منك (٢)، هجمت عليه بالعقوبة.
واعلم- أيدك الله- أن شين غضبك علىّ كزين صفحك (٣) عنى، وأن موت ذكرى مع انقطاع سببى منك، كحياة ذكرى (٤) مع اتصال سببى بك، واعلم أن لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام.
(زهر الآداب ٢: ١٠٨)
٥٩ - كتاب الجاحظ إلى أحمد بن أبى دواد
وكتب الجاحظ إلى أحمد (٥) بن أبى دواد يستعطفه:
«ليس عندى- أعزّك الله- سبب، ولا أقدر على شفيع، إلّا ما طبعك الله عليه من الكرم والرّحمة والتأميل الذى لا يكون إلا من نتاج حسن الظن، وإثبات الفضل بحال المأمول، وأرجو أن أكون من العتقاء الشاكرين، فتكون خير
стр. 1626
معتب (١)، وأكون أفضل شاكر، ولعلّ الله أن يجعل هذا الأمر سببا لهذا الإنعام، وهذا الإنعام سببا للانقطاع إليكم، والكون تحت أجنحتكم، فيكون: لا أعظم بركة، ولا أنمى بقيّة، من ذنب أصبحت فيه، وبمثلك- جعلت فداك- عاد الذنب وسيلة، والسيئة حسنة، ومثلك من انقلب به الشرّ خيرا، والغرم غنما.
من عاقب فقد أخذ حظّه، وإنما الأجر فى الآخرة، وطيب الذّكر فى الدنيا، على قدر الاحتمال، وتجرّع المرائر، وأرجو الّا أضيع وأهلك فيما بين كرمك وعقلك، وما أكثر من يعفو عمن صغر ذنبه وعظم حقه! وإنما الفضل والثناء:
العفو عن عظيم الجرم، ضعيف الحرمة، وإن كان العفو عظيما مستطرفا من غيركم، فهو تلاد فيكم، حتى ربما دعا ذلك كثيرا من الناس إلى مخالفة أمركم، فلا أنتم عن ذلك تنكلون (٢)، ولا على سالف إحسانكم تندمون، وما مثلكم إلا كمثل عيسى بن مريم ﵇ حين كان لا يمرّ بملإ من بنى إسرائيل إلا أسمعوه شرا وأسمعهم خيرا، فقال له شمعون الصفا: ما رأيت كاليوم! كلما أسمعوك شرا سمعتهم خيرا! فقال «كل امرئ ينفق مما عنده» وليس عندكم إلا الخير، ولا فى أوعيتكم إلا الرحمة، «وكل إناء بالذى فيه ينضح».
(سرح العيون ص ١٧٥)
٦٠ - كتاب له فى الاستعطاف
«زيّنك الله بالتقوى، وكفاك ما همّك فى الآخرة والأولى، من عاقب- أبقاك الله تعالى- على الصغيرة عقوبة الكبيرة، وعلى الهفوة عقوبة الإصرار، فقد تناهى فى الظلم، ومن لم يفرّق بين الأسافل والأعالى، والأدانى والأقاصى، فقد قصّر، والله لقد كنت أكره سرف الرّضا، مخافة أن يؤدّى إلى سرف الهوى،
стр. 1627
فما ظنّك بسرف الغيظ وغلبة الغضب، من طيّاش، عجول فحّاش، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرّة (١) الحمراء، وأنت روح كما أنت جسم، وكذلك جنسك ونوعك، إلا أن التأثر فى الرّقاق أسرع، وضدّه فى الغلاظ الجفاة أكمل، ولذلك اشتدّ جزعى عليك من سلطان الغيظ وغلبته، فإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك، من مقدار عقابك عليه، فانظر فى علّته، وفى سبب إخراجه إلى معدنه الذى منه نجم، وعشّه الذى منه درج، وإلى جهة صاحبه فى التسرع والثبات، وإلى حلمه عند التعريض، وفطنته عند التوبة، فكلّ ذنب كان سببه ضيق صدر من جهة القبض (٢) فى المقادير، أو من طريق الأنفة، وغلبة طباع الحميّة من جهة الجفوة، أو من جهة استحقاقه فيما زيّن له عمله أنه مقصّر به فى حقه، مؤخّر عن رتبته، أو كان مبلّغا عنه مكذوبا عليه، أو كان ذلك جائزا فيه غير ممتنع عنه، فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل، فليس يقف عليها كريم، ولا ينظر فيها حليم، ولست أسمّيه بكثرة
стр. 1628
معروفه كريما، حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا على طباعه، كما لا أسمّيه بكفّ العقاب حكيما، حتى يكون عارفا بمقدار ما أخذ وترك، ومتى وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلا البغض المحض، والنّفار الغالب، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنّم، لعذرك كثير من العقلاء، وصوّب رأيك عالم من الأشراف، والأناة أقرب من الحمد، وأبعد من الذم، وأنأى من خوف العجلة، وقد قال الأول:
«عليك بالأناة، فإنك على إيقاع ما تتوقعه أقدر منك على ردّ ما قد أوقعته» وليس يصارع الغضب أيام شبابه شىء إلا صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه إلا قهره، وإنما يحتال له قبل هيجه، فمتى تمكن واستفحل، وأذكى ناره وأشعل، ثم لاقى من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا وطاعة، فلو استبطنته بالتوراة، وأوجرته (١) بالإنجيل، ولددته (٢) بالزبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم شفيعا، لما قصّر دون أقصى قوّنه، ولن يسكن غضب العبد إلا ذكّره غضب الرّبّ.
فلا تقف- حفظك الله- بعد مضيّك فى عتابى التماسا للعفو عنى، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة بى، ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله، والشيطان على دينه، ويعلم أن للكرم أعداء، ويمسك إمساك من لا يبرّئ نفسه من الهوى، ولا يبرئ الهوى من الخطأ، ولا تنكر لنفسك أن تزلّ، ولعقلك أن يهفو، فقد زلّ آدم ﷺ ، وقد خلقه بيده، ولست أسألك إلا ريثما تسكن نفسك، ويرتدّ إليك ذهنك، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة، والله يعلم- وكفى به عليما- لقد أردت أن أفديك بنفسى فى مكاتباتى، وكنت عند نفسى
стр. 1629
فى عداد الموتى، وفى حيّز الهلكى، فرأيت أن من الخيانة لك، ومن اللؤم فى معاملتك، أن أفديك بنفس ميّتة، وأن أريك أنى قد جعلت لك أنفس ذخر، والذخر معدوم، وأنا أقول كما قال أخو ثقيف «مودة الأخ التالد وإن أخلق، خير من مودة الأخ الطارف وإن ظهرت مساعيه، وراقت جدّته» سلّمك الله، وسلّم عليك، وكان لك ومعك».
(سرح العيون ص ١٧٦)
٦١ - كتابه إلى بعض إخوانه فى ذم الزمان
وكتب الجاحظ إلى بعض إخوانه فى ذم الزمان:
«بسم الله الرحمن الرحيم: حفظك الله حفظ من وفقّه للقناعة، واستعمله بالطاعة، كتبت إليك وحالى حال من كثفت غمومه، وأشكلت عليه أموره، واشتبه عليه حال دهره، ومخرج أمره، وقلّ عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبّة (١) إخائه، لاستحالة زماننا، وفساد أيامنا، ودولة أنذالنا: وقدما كان من قدّم الحياء على نفسه، وحكّم الصدق فى قوله، وآثر الحقّ فى أموره. ونبذ المشتبهات عليه من شئونه، تمّت له السلامة، وفاز بوفور حظّ العافية، وحمد مغبّة مكروه العاقبة، فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحوّلت دولته، فوجدنا الحياء متّصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد فى الطلب- بترك استعمال القحة (٢)، وإخلاق العرض من طريق التوكل- دليلا على سخافة الرأى، إذ صارت الحظوة الباسقة (٣)، والنعمة السابغة، فى لؤم المشبئة، وسناء (٤) الرزق، من جهة محاشاة الرّخاء (٥)، وملابسة معرّة العار.
стр. 1630
ثم نظرنا فى تعقّب المتعقّب لقولنا، والكاشر (١) لحجّتنا، فأقمنا له علما واضحا، وشاهدا قائما، ومنارا بيّنا، إذ وجدنا من فيه السّفوليّة الواضحة، والمثالب (٢)، الفاضحة، والكذب المبّرح، والخلف المصرّح، والجهالة المفرطة، والرّكاكة المستخفّة، وضعف اليقين والاستثبات، وسرعة الغضب والجراءة قد استكمل سروره واعتدلت أموره وفاز بالسّهم الأغلب (٣) والحظّ الأوفر، والقدر الرفيع، والجواز الطائع، والأمر النافذ، إن زلّ قيل حكم، وإن أخطأ قيل أصاب، وإن هذى فى كلامه وهو يقظان قيل رؤيا صادقة، من نسمة (٤) مباركة.
فهذه حجتنا والله على من زعم أن الجهل يخفض، وأن النّوك (٥) يردى، وأن الكذب يضرّ، وأن الخلف يزرى.
ثم نظرنا فى الوفاء والأمانة والنّبل والبلاغة وحسن المذهب وكمال المروءة وسعة الصدر، وقلة الغضب، وكرم الطبيعة، والفائق فى سعة علمه، والحاكم على نفسه، والغالب لهواه، فوجدنا فلان بن فلان، ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقه، ولا قام له بوظائف فرضه. ووجدنا فضائله القائمة له قاعدة به، فهذا دليل أن الطّلاح (٦)، أجدى من الصلاح، وأن الفضل قد مضى زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه، كما كانت الدائرة على ضده، ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى به خدينه (٧)، ووجدنا الشّعر ناطقا على الزمان، ومعربا عن الأيام حيث يقول:
стр. 1631
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولا قهم بالجهل، فعل أخى الجهل
وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا ... يخّلط فى قول صحيح وفى هزل
فإنى رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
فبقيت- أبقاك الله- مثلى من أصبح على أوفاز (١)، ومن النّقلة على جهاز لا يسوغ له نعمة، ولا تطعم عينه غمضة، فى أهاويل يباكره مكروهها، ويراوحه عقائبها. فلو أن الدعاء أجيب، والتضرّع سمع، لكانت العدة العظمى (٢)، والرّجفة الكبرى، فليت- أى أخى- ما أستبطئه من النّفخة، ومن فجأة الصّيحة، قضى فحان، وأذن به فكان، فوالله ما عذّبت أمة برجفة ولا ريح ولا سخطة، عذاب عينى برؤية المغايظة المدمنة، والأخبار المهلكة، كأنّ الزمان يوكّل بعذابى، أو ينصب بأيامى، فما عيش من لا يسرّ بأخ شفيق، ولا يصطبح فى أول نهاره إلّا برؤية من يكرهه، وبغمّة من يغمّه طلعته، فقد طالت الغمّة، وواظبت الكربة، وادلهمّت (٣) الظّلمة، وخمد السّراج، وتباطأ الانفراج».
(العقد الفريد ١: ١٩٥)
٦٢ - كتاب الجاحظ فى استنجاز وعده
وكتب الجاحظ إلى رجل وعده:
«أما بعد، فإن شجرة وعدك قد أورقت، فليكن ثمرها سالما من جوائح المطل، والسلام».
(العقد الفريد ١: ٧٥، ٢: ١٩٩)
стр. 1632
٦٣ - كتاب آخر
وكتب أيضا:
«أما بعد، فإن سحائب وعدك قد برقت، فليكن وبلها سالما من صواعق المطل والاعتلال».
(العقد الفريد ٢: ١٩٩)
٦٤ - كتاب آخر
وكتب أيضا:
«أما بعد، فقد رسفنا (١) فى قيود مواعيدك، وطال مقامنا فى سجون مطلك، فأطلقنا- أبقاك الله- من ضيقها وشديد غمّها بنعم، منك مثمرة، أولا مريحة».
(العقد الفريد ٢: ١٩٩)
٦٥ - كتاب له فى الاستمناح
وكتب:
«أما بعد، فما أقبح الأحدوثة من مستمنح حرمته، وطالب حاجة رددته، ومثابر حجبته، ومنبسط إليك قبضته، ومقبل إليك بعنايته لويت عنه، فتثبّت فى ذلك «ولا تطع كلّ حلّاف مهين، همّاز مشّاء بنميم».
(العقد الفريد ٢: ١٩٩)
стр. 1633
٦٦ - كتابه إلى أبى حاتم السجستانى
وكتب إلى أبى حاتم السّجستانى (١) - وبلغه عنه أنه نال منه-:
«أما بعد فلو كففت عنا من غربك (٢)، لكنّا أهلا لذلك منك، والسلام».
فلم يعد أبو حاتم إلى ذكره بقبيح.
(العقد الفريد ٢: ١٩٩)
٦٧ - كتابه إلى قليب المغربى
وكتب إلى قليب المغربى:
«والله يا قليب لولا أن كبدى فى هواك مقروحة، وروحى بك مجروحة، لساجلتك (٣) هذه القطيعة، وماددتك حبل المصارمة، وأرجو أن الله تعالى يديل (٤) صبرى من جفائك، فيردّك إلى مودّتى، وأنف القلى (٥) راغم، فقد طال العهد بالاجتماع، حتى كدنا نتناكر عند الالتقاء».
(سرح العيون ص ١٧٥)
٦٨ - فصول للجاحظ
«أما بعد، فإن أحقّ من أسعفته فى حاجته، وأجبته إلى طلبته، من توسّل إليك بالأمل، ونزع نحوك بالرجاء».
***
стр. 1634
«أما بعد، فإن فلانا أسبابه متّصلة بنا، يلزمنا ذمامه (١)، وبلوغ موافقته من أياديك عندنا، وأنت لنا موضع الثقة من مكافأته، فأولنا فيه ما يعرف به موقفنا من حسن رأيك، ويكون مكافأة لحقّه علينا».
*** «أما بعد، فإن الماضى قبلك الباقى لك، والباقى بعدك المأجور فيك، وإنما يوفّى الصّابرون أجرهم بغير حساب».
*** «أما بعد، فإن فى الله العزاء من كل هالك، والخلف من كل مصاب، وإنه من لم يتعزّ بعزاء الله تنقطع نفسه عن الدنيا حسرة».
*** «أما بعد، فإن الصبر يعقبه الأجر، والجزع يعقبه الهلع، فتمسّك بحظّك من الصبر، تنل به الذى تطلب، وتدرك به الذى تأمل».
*** «أما بعد، فكفى بكتاب الله واعظا، ولذوى الألباب زاجرا، فعليك بالتلاوة، تنج مما أوعد الله أهل المعصية».
(العقد الفريد ٢: ١٩٩، ٢٠٠)
*** وله فصول فى الاعتذار:
«أما بعد، فنعم البديل من الزّلّة الاعتذار، وبئس العوض من التوبة الإصرار».
***
стр. 1635
أما بعد، فإن أحقّ من عطفت عليه بحلمك، من لم يتشفّع إليك بغيرك.
*** أما بعد، فإنه لا عوض من إخائك، ولا خلف من حسن رأيك، وقد انتقمت منى فى زلّتى بجفائك، فأطلق أسير تشوّقى إلى لقائك.
*** أما بعد، فإننى بمعرفتى ببلوغ حلمك، وغاية عفوك، ضمنت لنفسى العفو عن زلّتها عندك.
*** أما بعد، فإن من جحد إحسانك بسوء مقالته فيك، مكذّب نفسه بما يبدو للناس منه.
*** أما بعد، فقد مسّنى من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك، مع حبسك الاعتذار عن هفوتك، ولكن ذنبك تغتفره مودتك، فامنن علينا بصلتك، تكن بدلا من مساءتك، وعوضا من هفوتك.
*** أما بعد، فلا خير فيمن استغرقت موجدته عليك قدرك عنده، ولم يتّسع لهنات الإخوان.
*** أما بعد، فإن أولى الناس عندى بالصفح، من أسلمه إلى ملكك التماس رضاك، من غير مقدرة منك عليه.
*** أما بعد، فإن كنت ذممتنى على الإساءة فلم رضيت لنفسك المكافأة».
(العقد الفريد: ٢: ١٩٩)
стр. 1636
٦٩ - رسالة الجاحظ فى بنى أمية
«بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاءك، وأتمّ نعمته عليك، وكرامته لك، اعلم- أرشدك الله أمرك- أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها، والخروج من جاهليّتها، إلى طبقات متفاوته، ومنازل مختلفة: فالطبقة الأولى: عصر النبى ﷺ ، وأبى بكر، وعمر رضى الله عنهما، وستّ سنين من خلافة عثمان رضى الله عنه، كانوا على التوحيد الصحيح، والإخلاص المحض، مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسّنّة، وليس هناك عمل قبيح، ولا بدعة فاحشة، ولا نزع يد من طاعة، ولا حسد ولا غلّ ولا تأوّل، حتى كان الذى كان: من قتل عثمان رضى الله عنه، وما انتهك منه، ومن خبطهم إياه بالسلاح، وبعج (١) بطنه بالحراب، وفرى أوداجه بالمشاقص (٢)، وشدخ هامته (٣) بالعمد، مع كفّه عن البسط، ونهيه عن الامتناع، مع تعريفه لهم قبل ذلك، من كم وجه يجوز قتل من (٤) شهد الشهادة! ؟
وصلّى القبلة، وأكل الذّبيحة، ومع ضرب نسائه بحضرته، وإقحام الرجال على حرمته، مع اتّقاء نائلة بنت الفرافصة عنه بيدها، حتى أطنّوا (٥) إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها، ليكون ذلك رادعا لهم، وكاسرا من غربهم (٦)، مع وطئهم فى أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على المزبلة جسده
стр. 1637
مجرّدا بعد سحبه! ؟ وهى الخرزة (١) التى جعلها رسول الله ﷺ كفئا لبناته (٢) وأياماه وعقائله، بعد السبّ والتعطيش والحصر الشديد، والمنع من القوت، مع احتجاجه عليهم وإفحامه لهم، ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام كدم المؤمن، إلا من ارتدّ بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان (٣) أو قتل مؤمنا على عمد، أو رجل عدا على الناس بسيفه، فكان فى امتناعهم منه عطبه (٤)، ومع اجتماعهم على ألا يقتل من هذه الأمة مولّ، ولا يجهز منها على جريح، ثم مع ذلك كله ذمروا (٥) عليه وعلى أزواجه وحرمه، وهو جالس فى محرابه، ومصحفه يلوح فى حجره، لن يرى أن موحّدا يقدم على قتل من كان فى مثل صفته وحاله.
لا جرم (٦) لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ثائره، ولا يكلّ طالبه، وكيف يضّيع الله دم وليّه، والمنتقم له! ؟ وما سمعنا بدم بعد دم يحيى (٧) بن زكريا ﵉ غلا غليانه، وقتل سافحه (٨) وأدرك بطائلته، وبلغ كل محبته، كدمه، رحمة الله عليه.
ولقد كان لهم فى أخذه وفى إقامته للناس، والاقتصاص منه، وفى بيع ما ظهر من رباعه (٩) وحدائقه وسائر أمواله، وفى حبسه بما بقى عليه، وفى طمره (١٠) حتى لا يحسّ بذكره، ما يغنيهم عن قتله إن كان قد ركب كلّ ما قذفوه به،
стр. 1638
وادّعوه عليه، وهذا كله بحضرة جلّة (١) المهاجرين والسّلف المقدّمين، والأنصار والتابعين.
ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة، ومرانب متباينة، من قاتل، ومن شادّ على عضده، ومن خاذل عن نصرته، والعاجز ناصر بإرادته، ومطيع بحسن نيّته، وإنما الشك منّا فيه وفى خاذله، ومن أراد عزلة والاستبدال به، فأمّا قاتله والمعين على دمه والمريد لذلك منه، فضلّال، لا شكّ فيهم، ومرّاق، لا امتراء (٢) فى حكمهم، على أن هذا لم يعد منهم الفجور: إما على سوء تأويل، وإما على تعمّد للشّقاء. ثم ما زالت الفتن متصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفّين، وكيوم النّهروان، وقبل ذلك يوم الزّابوقة (٣)، وفيه أسر ابن حنيف (٤)، وقتل حكيم بن جبلة، إلى أن قتل أشقاها (٥) علىّ بن طالب، رضوان الله عليه، فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللّعنة، إلى أن كان من اعتزال الحسن ﵇ الحروب، وتخليته الأمور، عند انتثار أصحابه، وما رأى من الخلل فى عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلوّنهم عليه، فعندها استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشّورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين، فى العام الذى سمّوه عام (٦) الجماعة، وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبريّة وغلبة، والعام الذى تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويّا، والخلافة غصبا قيصريا، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتّبنا، حتى رد قضّية رسول الله ﷺ
стр. 1639
ردا مكشوفا، وجحد حكمه جحدا ظاهرا، فى ولد الفراش وما يجب للعاهر (١)، مع اجتماع الأمة أن سميّة لم تكن لأبى سفيان فراشا، وأنه إنما كان بها عاهرا، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفار، أو ليس قتل حجر (٢) بن عدىّ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعة يزيد الخليع، والاستئثار بالفىء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشّفاعة والقرابة، من جنس جحد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة، والسنن المنصوبة! ؟ وسواء فى باب ما يستحق من الكفار، جحد الكتاب، وردّ السنّة إذ كانت السنة فى شهرة الكتاب وظهوره، إلا أن أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشدّ، فهذه أول كفرة كانت من الأمة، ثم لم تكن إلا فيمن يدّعى إمامتها والخلافة عليها! على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربت (٣) عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، فقالت: «لا تسبّوه فإن له صحبة! وسبّ معاويه بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السّنّة» فزعمت أن من السّنة ترك البراءة ممن جحد السنة! ثم الذى كان من يزيد ابنه، ومن عماله وأهل نصرته، ثم غزو مكّة، ورمى الكعبة (٤)، واستباحة المدينة (٥)، وقتل الحسين (٦) ﵇ فى أكثر أهل بيته، مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام، بعد الذى أعطى من نفسه، من تفريق أتباعه، والرجوع إلى داره وحرمه، أو الذهاب فى الأرض حتى لا يحسّ به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلا قتله، والنزول على
стр. 1640
حكمهم، وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوه، وخيّر فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه، فأحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجّة، كيف تقولون فى رمى الكعبة، وهدم البيت الحرام، وقبلة المسلمين؟ فإن قلتم ليس ذلك أرادوا، بل إنما أرادوا المتحرّز به (١)، والمتحصّن بحيطانه، أفما كان فى حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه، إلى أن يعطى بيده؟ وأى شىء بقى من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه؟ واحسبوا ما رووا عليه من الأشعار، التى قولها شرك، والتمثّل بها كفر، شيئا مصنوعا، كيف تصنع بنقر القضيب بين ثنيّتى الحسين (٢) ﵇، وحمل بنات رسول الله ﷺ حواسر على الأقتاب العارية (٣)، والإبل الصعاب، والكشف عن عورة على بن الحسين عند الشك فى بلوغه:
على أنهم إن وجدوه وقد أنبت (٤) قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه، كما يصنع
стр. 1641
أمير جيش المسلمين بذرارىّ المشركين، وكيف تقول فى قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصّته: دعونى أقتله، فإنه بقيّة هذا النّسل، فأحسم به هذا القرن، وأميت به هذا الداء، وأقطع به هذه المادة.
خبّرونا! علام تدلّ هذه القسوة، وهذه الغلظة، بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم، ونالوا ما أحبّوا فيهم؟ أتدلّ على نصب (١) وسوء رأى وحقد وبغضاء ونفاق، وعلى يقين مدخول، وإيمان مخروج، أم تدلّ على الإخلاص، وعلى حبّ النبى ﷺ ، والحفظ له، وعلى براءة السّاحة وصحّة السّريرة؟ فإن كان ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال- وذلك أدنى منازله- فالفاسق ملعون، ومن نهى عن [سبّ (٢)] الملعون فملعون.
وزعمت نابتة عصرنا ومبتدعة دهرنا: أن سبّ ولاة السّوء فتنة، ولعن الجورة بدعة، وإن كانوا يأخذون السّمىّ بالسّمىّ، والولىّ بالولىّ (٣) والقريب بالقريب، وأخافوا الأولياء، وأمّنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار الغدرة والتهاون بالأمة، والقمع للرعية، وأنهم فى غير مداراة ولا تقيّة. وإن عدا ذلك إلى الكفر، وجاوز الضلال إلى الجحد، فذاك أضلّ ممن كفّ عن شتمهم والبراءة منهم، على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل، كمن استحقه بردّ السنة وهدم الكعبة، وليس من استحق اسم الكفر بذلك، كمن شبّه الله بخلقه، وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجوير (٤) والنابتة فى هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه،
стр. 1642
وابن زياد وأبيه، ولو ثبت أيضا على يزيد أنه تمثّل بقو وابن الزّبعرى (١):
ليت أشياخى ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل (٢)
لاستطاروا واستهلّوا فرحا ... ثم قالوا يا يزيد لا تشلّ (٣)
قد قتلنا الغرّ من ساداتهم ... وعدلناه ببدر فاعتدل (٤)
стр. 1643
كان تجوير النابتىّ لربه، وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأفظع، على أنهم مجمعون على أنه: ملعون من قتل مؤمنا، متعمّدا أو متأوّلا، فإذا كان القاتل سلطانا جائرا، أو أميرا عاصيا، لم يستحلّوا سبّه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه، وإن أخاف الصلحاء، وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير، وظلم الضعيف، وعطّل الحدود والثّغور، وشرب الخمور، وأظهر الفجور! ثم ما زال الناس يتسكّعون مرة، ويداهنونهم مرة، ويقاربونهم مرة، ويشاركونهم مرة، إلّا بقيّة ممّن عصمه الله تعالى ذكره، حتى قام عبد الملك بن مروان، وابنه الوليد، وعاملهما الحجاج بن يوسف، وموه لا يزيد بن أبى مسلم، فأعادوا على البيت بالهدم (١)، وعلى حرم المدينة بالغزو (٢)، فهدموا الكعبة، واستباحوا الحرمة، وحوّلوا قبلة واسط (٣)، وأخّروا صلاة الجمعة إلى مغيربان (٤) الشمس، فإن قال رجل لأحدهم: اتّق الله فقد أخّرت الصلاة عن وقتها، قتله على هذا القول جهارا غير ختل (٥)، وعلانية غير سرّ، ولا يعلم
стр. 1644
القتل على ذلك إلا أقبح من إنكاره، فكيف يكفّر العبد بشىء ولا يكفر بأعظم منه؟
وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة، وخوّفهم العواقب، وأراهم أن فى الناس بقيّة ينهون عن الفساد فى الأرض، حتى قام عبد الملك بن مروان، والحجاج ابن يوسف، فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه، وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه، فاحسب تحويل القبلة كان غلطا، وهدم البيت كان تأويلا، واحسب ما رووا من كل وجه أنهم كانوا يزعمون أن خليفة المرء فى أهله أرفع عنده من رسوله إليهم (١)، باطلا ومسموعا مولّدا، واحسب وسم أيدى المسلمين (٢)، ونقش أيدى المسلمات، وردّهم بعد الهجرة إلى قراهم، وقتل الفقهاء، وسبّ أئمة الهدى، والنّصب لعترة رسول الله ﷺ ، لا يكون كفرا، كيف تقول فى جمع ثلاث صلوات فيهن الجمعة، ولا يصلّون أولاهنّ حتى تصير الشمس على أعالى الجدران كالملاء المعصفر (٣)، فإن نطق مسلم خبط بالسيف، وأخذته العمد، وشكّ بالرماح، وإن قال قائل: اتق الله، أخذته العزّة بالإثم، ثم لم يرض إلا بنثر دماغه على صدره، وبصلبه حيث تراه عياله.
стр. 1645
ومما يدل على أن القوم لم يكونوا إلّا فى طريق التمرّد على الله ، والاستخفاف بالدين، والتهاون بالمسلمين، والابتذال لأهل الحق، أكل أمرائهم الطعام، وشربهم الشراب، على منابرهم أيام جمعهم (١) وجموعهم، فعل ذلك حبيش ابن دلجة (٢)، وطارق (٣) مولى عثمان، والحجاج بن يوسف وغيرهم، وذلك إن كان كفرا كلّه فلم يبلغ كفر نابتة عصرنا، وروافض دهرنا، لأن جنس كفر هؤلاء غير كفر أولئك. كان اختلاف الناس فى القدر على أن طائفة تقول: كلّ شىء بقضاء وقدر، وتقول طائفة أخرى: كل شىء بقضاء وقدر إلا المعاصى، ولم يكن أحد يقول: إن الله يعذب الأبناء ليغيظ الآباء، وإن الكفر والإيمان مخلوقان فى الإنسان مثل العمى والبصر، وكانت طائفة منهم تقول: إن الله يرى، لا تزيد على ذلك، فإن خافت أن يظنّ بها التشبيه، قالت: يرى بلا كيف، تقزّزا من التجسيم والتصوير، حتى نبتت هذه النابتة، وتكلمت هذه الرافضة، فقالت جسيما، وجعلت له صورة وحدّا، وأكفرت من قال بالرؤية على غير التجسيم والتصوير.
ثم زعم أكثرهم أن كلام الله حسن وبيّن وحجة وبرهان، وأن التوراة غير الزّبور، والزّبور غير الإنجيل، والإنجيل غير القرآن، والبقرة غير آل عمران، وأن الله تولى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنه لو شاء أن يزيد فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص، ولو شاء أن يبدّله بدّله، ولو شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه، وأنه نزله تنزيلا. وأنه فصّله تفصيلا، وأنه بالله كان دون غيره، ولا يقدر
стр. 1646
عليه إلّا هو، غير أن الله مع ذلك كلّه لم يخلقه، فأعطوا جميع صفات الخلق، ومنعوا اسم الخلق.
والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه، فلذا قالوا: خلق كذا وكذا، ولذلك قال: «أحسن الخالقين» وقال: «وتخلقون إفكا» وقال:
«وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير» فقالوا: صنعه وجعله وقدّره، وأنزله وفصّله وأحدثه، ومنعوا «خلقه» وليس تأويل «خلقه» أكثر من «قدّره» ولو قالوا بدل قولهم «قدّره ولم يخلقه»: «خلقه ولم يقدّره» ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد. والعجب أن الذى منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق، أنه لم يسمع ذلك من سلفه، وهو يعلم أنه لم يسمع أيضا من سلفه أنه ليس بمخلوق، وليس ذلك يهمّ، ولكن لما كان الكلام من الله تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف، وعلى جهة تقطيع الحروف وإعمال اللسان والشفتين، وما كان على غير هذه الصورة والصفة فليس بكلام، ولمّا كنا عندهم على غير هذه الصفة، وكنا لكلامنا غير خالقين، وجب أن الله لكلامه غير خالق، إذ كنّا لكلامنا غير خالقين، فإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا، وإن لم يقرّوا بذلك بألسنتهم، فذلك معناهم وقصدهم.
وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال، إلا ما حكيت لك عن بنى أمية وبنى مروان وعمّالهم، ومن لم يدن بإكفارهم، حتى نجمت النوابت، وتابعتها هذه العوامّ، فصار الغالب على هذا القرن الكفر، وهو التشبيه والجبر، فصار كفرهم أعظم من كفر من مضى فى الأعمال التى هى الفسق، وصاروا شركاء (١) من كفر منهم بتولّيهم وترك إكفارهم، قال الله من قائل «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ».
стр. 1647
وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقّين، ورحمهم، وقوّى ضعفهم، وكثّر قلّتهم، حتى صار ولاة أمرنا فى هذا الدهر الصعب، والزمن الفاسد، أشدّ استبصارا فى التشبيه من عليتنا، وأعلم بما يلزم فيه منا، وأكشف للقناع من رؤسائنا، وصادفوا (١) الناس وقد انتظموا معان (٢) الفساد أجمع، وبلغوا غايات البدع، ثم قرنوا بذلك العصبية التى هلك بها عالم بعد عالم، والحميّة التى لا تبقى دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشّعوبيّة (٣)، وما قد صار إليه الموالى من الفخر على العجم والعرب، وقد نجمت من الموالى ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا، لقول النبى ﷺ : «مولى القوم منهم» ولقوله: «الولاء لحمة (٤) كلحمة النّسب، لا يباع ولا يوهب» قال: فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوّة كانوا أشرف من العرب، ولمّا حوّل ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم، قالوا: فنحن معاشر الموالى- بقديمنا فى العجم- أشرف من العرب، - وبالحديث الذى صار لنا فى العرب- أشرف من العجم، وللعرب القديم دون الحديث، ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة، وقد جعل الله المولى- بعد أن كان عجميا- عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيّا بحلفه، وجعل إسمعيل- بعد أن كان أعجميا- عربيا، ولولا قول النبى ﷺ «إن إسمعيل كان عربيا» ما كان عندنا إلا أعجميا، لأن الأعجمى لا يصير عربيا، كما أن العربىّ لا يصير أعجميا، فإنما علمنا أن إسمعيل صيّره الله عربيا بعد أن كان أعجميا، بقول النبى ﷺ ، فكذلك حكم قوله «مولى القوم منهم» وقوله «الولاء لحمة» قالوا: وقد جعل الله إبراهيم ﵇ أبا لمن لم يلد، كما جعله أبا
стр. 1648
لمن ولد، وجعل أزواج النبى أمّهات المؤمنين (١) - ولم يلدن منهم أحدا- وجعل الجار والد من لم يلد فى قول، وغير هذا كثير قد أتينا عليه فى موضعه، وليس أدعى إلى الفساد، ولا أجلب للشرّ من المفاخرة، وليس على ظهرها إلا فخور- إلا قليل- وأىّ شىء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك- وهو مقرّ أنه صار شريفا بعتقك إياه-؟ .
وقد كتبت- مدّ الله فى عمرك- كتبا فى مفاخرة قحطان، وفى تفضيل عدنان.
وفى ردّ الموالى إلى مكانهم من الفضل والنقص، وإلى قدر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من الشرف، وأرجو أن يكون عدلا بينهم، وداعية إلى صلاحهم، ومنبهة عليهم ولهم، وقد أردت أن أرسل بالجزء الأول إليك، ثم رأيت ألا يكون إلا بعد استئذانك واستئمارك (٢)، والانتهاء فى ذلك إلى رغبتك، فرأيك فيه موفّق إن شاء الله وبه الثقة»:
«رسالة للجاحظ فى بنى أمية (٣)».
٧٠ - رسالة أبى العاص (٤) بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى إلى الثقفى
«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن جلوسك إلى الأصمعى (٥)، وعجبك بسهل بن هرون، واسترجاحك إسمعيل بن غزوان، وطعنك على مويس بن عمران، وخلطتك (٦) بابن مشارك، واختلافك إلى ابن التّوءم، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه، والقيام عليه واصطناعه، وإطنابك فى وصف الترويج والتثمير (٧)،
стр. 1649
وحسن التعهّد والتوفير، دليل على خبىء سوء، وشاهد على عيب وإدبار، بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع فعلهم، وتتعجّب من مذهبهم، وتسرف فى ذمّهم، وليس يلهج بذكر الجمع (١) إلا من قد عزم على الجمع، ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من الأسخياء، وفى تحفّظك قول سهل بن هرون: فى الاستعداد فى حال المهلة، وفى الأخذ بالثقة (٢)، وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة، وأن الحزم كلّ الحزم، والصواب كلّ الصواب، أن تستظهر على الحدثان (٣)، وأن تجعل ما فضل عن قوام الأبدان، ردءا (٤) دون صروف الزمان، وأنّا لا ننسب إلى الحكمة، حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنّة (٥)، شاهد (٦) على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله، وفى استحسانك رواية الأصمعى فى: «أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن أكثر أهل الجنة البله والأغنياء، وأن أرباب الدّثور هم الذين ذهبوا بالأجور (٧)» برهان (٨) على صحة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك، وفى تفضيلك (٩) كلام ابن غزوان حين قال: تنعمتم بالطعام الطيّب، وبالثياب الفاخرة، وبالشراب الرقيق، وبالغناء المطرب، وتنعمنا بعز الثروة، وبصواب النظر فى العاقبة، وبكثرة المال، والأمن من سوء الحال، ومن ذل الرغبة إلى الرجال، والعجز عن مصلحة العيال، فتلك لذّتكم، وهذه لذتنا، وهذا رأينا فى التسلّم من الذم، وذاك رأيكم فى التعرّض للحمد، وإنما ينتفع بالحمد
стр. 1650
السليم الفارغ البال، ويسرّ باللذات الصحيح الصادق الحس، فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم الحمد، والطعام الذى آثرتموه يعود رجيعا (١)، والشراب يصير بولا، والبناء يعود نقضا (٢)، والغناء (٣) ريح هابّة، ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ورنّة تسير (٤)، فلذّتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة، ولذّتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة، فنحن فى بناء، وأنتم فى هدم، ونحن فى إبرام، وأنتم فى نقض، ونحن فى التماس العز الدائم مع فوت بعض اللذة، وأنتم فى التعرض للذل الدائم مع فوت كل مروءة، وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به من روايتك، والدليل على انتقاض طباعك، وإدبار أمرك، استحسانك ضدّ ما كنت تستحسن، وعشقك لما لم تزل تمقت، فبعدا وسحقا. ولا يبعد الله إلا من ظلم، والشاعر أبصر بكم حيث يقول:
فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودى (٥)
تراثه جنّة للوارثين إذا ... أودى وجثمانه للتّرب والدّود
وقال آخر:
تبلى محاسن وجهه فى قبره ... والمال بين عدوّه مقسوم
والحمد لله الذى لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا فى مالك (٦)، وأجيرا لوارثك، وأمّا أنت فقد تعجّلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود فى غير لذة، وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه فى عياله، وظهر فقره، وشمت به عدوّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله، وعلى خشونة الملبس وخشونة