← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

عليه إلّا هو، غير أن الله مع ذلك كلّه لم يخلقه، فأعطوا جميع صفات الخلق، ومنعوا اسم الخلق. والعجب أن الخلق عند العرب إنما هو التقدير نفسه، فلذا قالوا: خلق كذا وكذا، ولذلك قال: «أحسن الخالقين» وقال: «وتخلقون إفكا» وقال: «وإذ تخلق من الطّين كهيئة الطّير» فقالوا: صنعه وجعله وقدّره، وأنزله وفصّله وأحدثه، ومنعوا «خلقه» وليس تأويل «خلقه» أكثر من «قدّره» ولو قالوا بدل قولهم «قدّره ولم يخلقه»: «خلقه ولم يقدّره» ما كانت المسألة عليهم إلا من وجه واحد. والعجب أن الذى منعه بزعمه أن يزعم أنه مخلوق، أنه لم يسمع ذلك من سلفه، وهو يعلم أنه لم يسمع أيضا من سلفه أنه ليس بمخلوق، وليس ذلك يهمّ، ولكن لما كان الكلام من الله تعالى عندهم على مثل خروج الصوت من الجوف، وعلى جهة تقطيع الحروف وإعمال اللسان والشفتين، وما كان على غير هذه الصورة والصفة فليس بكلام، ولمّا كنا عندهم على غير هذه الصفة، وكنا لكلامنا غير خالقين، وجب أن الله لكلامه غير خالق، إذ كنّا لكلامنا غير خالقين، فإنما قالوا ذلك لأنهم لم يجدوا بين كلامنا وكلامه فرقا، وإن لم يقرّوا بذلك بألسنتهم، فذلك معناهم وقصدهم. وقد كانت هذه الأمة لا تجاوز معاصيها الإثم والضلال، إلا ما حكيت لك عن بنى أمية وبنى مروان وعمّالهم، ومن لم يدن بإكفارهم، حتى نجمت النوابت، وتابعتها هذه العوامّ، فصار الغالب على هذا القرن الكفر، وهو التشبيه والجبر، فصار كفرهم أعظم من كفر من مضى فى الأعمال التى هى الفسق، وصاروا شركاء (١) من كفر منهم بتولّيهم وترك إكفارهم، قال الله من قائل «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ».

стр. 1647

وأرجو أن يكون الله قد أغاث المحقّين، ورحمهم، وقوّى ضعفهم، وكثّر قلّتهم، حتى صار ولاة أمرنا فى هذا الدهر الصعب، والزمن الفاسد، أشدّ استبصارا فى التشبيه من عليتنا، وأعلم بما يلزم فيه منا، وأكشف للقناع من رؤسائنا، وصادفوا (١) الناس وقد انتظموا معان (٢) الفساد أجمع، وبلغوا غايات البدع، ثم قرنوا بذلك العصبية التى هلك بها عالم بعد عالم، والحميّة التى لا تبقى دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشّعوبيّة (٣)، وما قد صار إليه الموالى من الفخر على العجم والعرب، وقد نجمت من الموالى ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولائه قد صار عربيا، لقول النبى ﷺ : «مولى القوم منهم» ولقوله: «الولاء لحمة (٤) كلحمة النّسب، لا يباع ولا يوهب» قال: فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوّة كانوا أشرف من العرب، ولمّا حوّل ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم، قالوا: فنحن معاشر الموالى- بقديمنا فى العجم- أشرف من العرب، - وبالحديث الذى صار لنا فى العرب- أشرف من العجم، وللعرب القديم دون الحديث، ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة، وقد جعل الله المولى- بعد أن كان عجميا- عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيّا بحلفه، وجعل إسمعيل- بعد أن كان أعجميا- عربيا، ولولا قول النبى ﷺ «إن إسمعيل كان عربيا» ما كان عندنا إلا أعجميا، لأن الأعجمى لا يصير عربيا، كما أن العربىّ لا يصير أعجميا، فإنما علمنا أن إسمعيل صيّره الله عربيا بعد أن كان أعجميا، بقول النبى ﷺ ، فكذلك حكم قوله «مولى القوم منهم» وقوله «الولاء لحمة» قالوا: وقد جعل الله إبراهيم ﵇ أبا لمن لم يلد، كما جعله أبا

стр. 1648

لمن ولد، وجعل أزواج النبى أمّهات المؤمنين (١) - ولم يلدن منهم أحدا- وجعل الجار والد من لم يلد فى قول، وغير هذا كثير قد أتينا عليه فى موضعه، وليس أدعى إلى الفساد، ولا أجلب للشرّ من المفاخرة، وليس على ظهرها إلا فخور- إلا قليل- وأىّ شىء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك- وهو مقرّ أنه صار شريفا بعتقك إياه-؟ . وقد كتبت- مدّ الله فى عمرك- كتبا فى مفاخرة قحطان، وفى تفضيل عدنان. وفى ردّ الموالى إلى مكانهم من الفضل والنقص، وإلى قدر ما جعل الله تعالى لهم بالعرب من الشرف، وأرجو أن يكون عدلا بينهم، وداعية إلى صلاحهم، ومنبهة عليهم ولهم، وقد أردت أن أرسل بالجزء الأول إليك، ثم رأيت ألا يكون إلا بعد استئذانك واستئمارك (٢)، والانتهاء فى ذلك إلى رغبتك، فرأيك فيه موفّق إن شاء الله وبه الثقة»: «رسالة للجاحظ فى بنى أمية (٣)». ٧٠ - رسالة أبى العاص (٤) بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى إلى الثقفى «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن جلوسك إلى الأصمعى (٥)، وعجبك بسهل بن هرون، واسترجاحك إسمعيل بن غزوان، وطعنك على مويس بن عمران، وخلطتك (٦) بابن مشارك، واختلافك إلى ابن التّوءم، وإكثارك من ذكر المال وإصلاحه، والقيام عليه واصطناعه، وإطنابك فى وصف الترويج والتثمير (٧)،

стр. 1649

وحسن التعهّد والتوفير، دليل على خبىء سوء، وشاهد على عيب وإدبار، بعد أن كنت تستثقل ذكرهم، وتستشنع فعلهم، وتتعجّب من مذهبهم، وتسرف فى ذمّهم، وليس يلهج بذكر الجمع (١) إلا من قد عزم على الجمع، ولا يأنس بالبخلاء إلا المستوحش من الأسخياء، وفى تحفّظك قول سهل بن هرون: فى الاستعداد فى حال المهلة، وفى الأخذ بالثقة (٢)، وأن أقبح التفريط ما جاء مع طول المدة، وأن الحزم كلّ الحزم، والصواب كلّ الصواب، أن تستظهر على الحدثان (٣)، وأن تجعل ما فضل عن قوام الأبدان، ردءا (٤) دون صروف الزمان، وأنّا لا ننسب إلى الحكمة، حتى نحوط أصل النعمة، بأن نجعل دون فضولها جنّة (٥)، شاهد (٦) على عجبك بمذهبه، وبرهان على ميلك إلى سبيله، وفى استحسانك رواية الأصمعى فى: «أن أكثر أهل النار النساء والفقراء، وأن أكثر أهل الجنة البله والأغنياء، وأن أرباب الدّثور هم الذين ذهبوا بالأجور (٧)» برهان (٨) على صحة حكمنا عليك، ودليل على صواب رأينا فيك، وفى تفضيلك (٩) كلام ابن غزوان حين قال: تنعمتم بالطعام الطيّب، وبالثياب الفاخرة، وبالشراب الرقيق، وبالغناء المطرب، وتنعمنا بعز الثروة، وبصواب النظر فى العاقبة، وبكثرة المال، والأمن من سوء الحال، ومن ذل الرغبة إلى الرجال، والعجز عن مصلحة العيال، فتلك لذّتكم، وهذه لذتنا، وهذا رأينا فى التسلّم من الذم، وذاك رأيكم فى التعرّض للحمد، وإنما ينتفع بالحمد

стр. 1650

السليم الفارغ البال، ويسرّ باللذات الصحيح الصادق الحس، فأما الفقير فما أغناه عن الحمد، وأفقره إلى ما به يجد طعم الحمد، والطعام الذى آثرتموه يعود رجيعا (١)، والشراب يصير بولا، والبناء يعود نقضا (٢)، والغناء (٣) ريح هابّة، ومسقط للمروءة، وسخافة تفسد، ورنّة تسير (٤)، فلذّتكم فيما حوى لكم الفقر ونقض المروءة، ولذّتنا فيما حوى لنا الغنى وبنى المروءة، فنحن فى بناء، وأنتم فى هدم، ونحن فى إبرام، وأنتم فى نقض، ونحن فى التماس العز الدائم مع فوت بعض اللذة، وأنتم فى التعرض للذل الدائم مع فوت كل مروءة، وقد فهمنا معنى حكايتك، وما لهجت به من روايتك، والدليل على انتقاض طباعك، وإدبار أمرك، استحسانك ضدّ ما كنت تستحسن، وعشقك لما لم تزل تمقت، فبعدا وسحقا. ولا يبعد الله إلا من ظلم، والشاعر أبصر بكم حيث يقول: فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودى (٥) تراثه جنّة للوارثين إذا ... أودى وجثمانه للتّرب والدّود وقال آخر: تبلى محاسن وجهه فى قبره ... والمال بين عدوّه مقسوم والحمد لله الذى لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا فى مالك (٦)، وأجيرا لوارثك، وأمّا أنت فقد تعجّلت الفقر قبل أوانه، وصرت كالمجلود فى غير لذة، وهل تزيد حال من أنفق جميع ماله، ورأى المكروه فى عياله، وظهر فقره، وشمت به عدوّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بغض عياله، وعلى خشونة الملبس وخشونة

стр. 1651

المأكل، وهذا كلّه مجتمع فى مسك (١) البخيل، ومصبوب على هامة (٢) الشحيح، ومعجّل للئيم، وملازم للمنوع، ألا إنّ المنفق قد ربح المحمدة، وتمتّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة (٣)، ووفّى كلّ خصلة من هذه حقّها، ووفّر عليها نصيبها، والممسك معذّب بحصر نفسه، وبالكدّ لغيره، مع لزوم الحجّة، وسقوط الهمة، والتعرّض للذم والإهانة، ومع تحكيم المرّة (٤) السوداء فى نفسه، وتسليطها على عرضه، وتمكينها من عيشه وسرور قلبه. ولقد سرى إليك عرق (٥)، ولقد دخل أعراقك جور (٦)، ولقد عمل فيها قادح (٧)، ولقد غالها غول، وما هذا المذهب من أخلاق صميم ثقيف، ولا من شيم أعرقت (٨) فيها قريش، ولقد عرض لك إقراف (٩)، ولقد أفسدتك هجنة (١٠)، ولقد قال معاوية: «من لم يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل (١١)، ومن لم يكن من آل الزبير شجاعا فهو لزيق (١٢)، ومن لم يكن من بنى المغيرة تيّاها فهو سنيد (١٣)». وقال سلم بن قتيبة: «إذا رأيت الثقفىّ يعزّ من غير إطعام (١٤)، ويكسب لغير إنفاق، فبهرجه (١٥) ثم بهرجه ثم بهرجه» وقال

стр. 1652

ابن أبى بردة: «لولا شباب ثقيف وسفهاؤهم، ما كان لأهل البصرة مال (١)» إن الله جواد لا يبخل، وصدوق لا يكذب، ووفىّ لا يغدر، وحليم لا يعجل، وعدل لا يظلم، وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة؛ وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر، فلم يأمرنا إلا بما اختاره لنفسه، ولم يزجرنا إلّا عمّا لم يرضه لنفسه وقد قالوا بأجمعهم إن الله أجود الأجودين، وأمجد الأمجدين، كما قالوا: أرحم الراحمين، وأحسن الخالقين، وقالوا فى التأديب لسائليهم، والتعليم لأجوادهم: لا تجاودوا (٢) الله فإن الله جل ذكره أجود وأمجد، وذكر نفسه ﷻ وتقدّست أسماؤه، فقال: ذو الفضل العظيم (٣)» وقال «ذى الطّول لا إله إلّا هو» وقال: «ذو الجلال والإكرام» وذكروا النبىّ ﷺ فقالوا: لم يصع درهما على درهم، ولا لبنة على لبنة، وملك جزيرة العرب فقبض الصدقات، وجبيت له الأموال ما بين غدران العراق إلى شحر عمان (٤)، إلى أقصى مخاليف (٥) اليمن، ثم توفّى وعليه دين، ودرعه مرهونة ولم يسأل حاجة قطّ فقال: لا، وكان إذا سئل أعطى، وإذا وعد أو أطمع كان وعده كالعيان (٦)، وإطماعه كالإنجاز، ومدحته الشعراء بالجود، وذكرته الخطباء بالسّماح، ولقد كان يهب للرجل الواحد الضاجعة (٧) من الشاء، والعرج (٨) من الإبل وكان أكثر ما يهب الملك من العرب مائة بعير فيقال: وهب هنيدة (٩)، وإنما

стр. 1653

يقال ذلك إذا أريد بالقول غاية المدح- ولقد وهب (١) لرجل ألف بعير فلما رآها تزدحم فى الهوادى (٢)، قال: أشهد أنك نبىّ، وما هذا مما تجود به الأنفس، وفخرت هاشم على سائر قريش فقالوا: نحن أطعم للطّعام، وأضرب للهام، وذكرها بعض العلماء فقالوا: أجواد أمجاد، ذوو ألسنة حداد. وأجمعت الأمم كلّها بخيلها وسخيّها وممزوجها (٣)، على ذم البخل وحمد الجود، كما أجمعوا على ذمّ الكذب وحمد الصدق، وقالوا: أفضل الجود الجود بالمجهود (٤)، وحتى قالوا فى جهد المقلّ (٥) وفيمن أخرج الجهد وأعطى الكلّ (٦)، وحتى جعلوا لمن جاد بنفسه فضيلة على من جاد بماله، فقال الفرزدق: على ساعة لو كان فى القوم حاتم ... على جوده، ضنّت به نفس حاتم (٧) ولم يكن الفرزدق ليضرب المثل فى هذا الموضع بكعب بن مامة، وقد جاد بحوبائه عند المصافنة (٨)، فما رأينا عربيّا سفّه حلم حاتم لجوده بجميع ماله، ولا رأينا

стр. 1654

أحدا منهم سفّه حلم كعب على جوده بنفسه، بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا، وجعلوا ذلك من حاتم طيّئ مأثرة لعدنان على قحطان، ثم للعرب على العجم، ثم لسكّان جزيرة العرب ولأهل تلك البرّيّة على سائر الجزائر والتّرب، فمن أراد أن يخالف ما وصف الله جلّ ذكره به نفسه، وما منح من ذلك نبيّه ﷺ ، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة، والأمم كافّة، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه، ولم نر الأمة أبغضت جوادا قطّ ولا حقرته، بل أحبّته وأعظمته، بل أحبّت عقبه وأعظمت من أجله رهطه، ولا وجدناهم أبغضوا جوادا لمجاوزته حدّ الجود إلى السّرف ولا حقرته، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه، ويتدارسون محاسنه، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل (١) ما لم يفعله، ونحلوه (٢) من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه، ولذلك زعموا أن الثناء فى الدنيا يضاعف كما تضاعف الحسنات فى الآخرة، نعم وحتى أضافوا إليه كلّ مديح شارد، وكلّ معروف مجهول الصاحب. ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم (٣) للبخيل على ضد هذه الصّفة، وعلى خلاف هذا للذهب، وجدناهم يبغضونه مرة، ويحقرونه مرة، ويبغضون بفضل بغضه ولده، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رهطه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلغه، ومن غرائب البخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء، وعلى أنّا لا نجد الجوائح (٤) إلى أموال الأسخياء

стр. 1655

أسرع منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عدد من افتقر من البخلاء أقلّ، والبخيل عند الناس ليس هو الذى يبخل على نفسه فقط، فقد يستحقّ عندهم اسم البخيل، ويستوجب الذمّ، من لا يدع (١) لنفسه هوّى إلا ركبه، ولا حاجة إلا قضاها، ولا شهوة إلا ركبها، وبلغ فيها غايته، وإنما يقع عليه اسم البخيل إذا كان زاهدا فى كل ما أوجب الشكر، ونوّه بالذكر، وادّخر الأجر، وقد يعلّق البخيل على نفسه من المؤن، ويلزمها من الكلف، ويتخذ من الجوارى والخدم، ومن الدوابّ والحشم (٢)، ومن الآنية العجيبة، ومن البزّة (٣) الفاخرة، والشّارة (٤) الحسنة، ما يربى (٥) على نفقة السّخىّ المثرى، ويضعف (٦) على جود الجواد الكريم، فيذهب ماله وهو مذموم، ويتغيّر حاله وهو ملوم، وربما غلب عليه حبّ القيان (٧)، واشتهر (٨) بالخصيان، وربما أفرط فى حبّ الصيد، واستولى عليه حبّ المراكب (٩)، وربما كان إتلافه فى العرس والخرس (١٠) والوليمة، وإسرافه فى الإعذار (١١) وفى العقيقة (١٢) والوكيرة (١٣)، وربما ذهبت أمواله فى الوضائع (١٤) والودائع، وربما كان شديد

стр. 1656

البخل شديد الحبّ للذّكر، ويكون بخله أوشج، ولؤمه أقبح، فينفق أمواله، ويتلف خزائنه، ولم يخرج كفافا (١) ولم ينج سليما، كأنك لم تر بخيلا مخدوعا (٢)، وبخيلا مضعوفا (٣)، وبخيلا مضياعا، وبخيلا نفّاجا (٤)، وبخيلا ذهب ما له فى البناء، وبخيلا ذهب ماله فى الكيمياء (٥)، وبخيلا أنفق ما له فى طمع كاذب، وعلى أمل خائب، وفى طلب الولايات، والدخول فى القبالات (٦)، وكانت فتنته بما يؤمّل من الإمرة، فوق فتنته بما قد حواه من الذهب والفضة، قد رأيناه ينفق على مائدته وفاكهته ألف درهم فى كل يوم، وعنده فى كل يوم عرس (٧)، ولأن يطعن طاعن فى الإسلام أهون عليه من أن يطعن طاعن فى الرغيف الثانى، ولشقّ عصا الدين أهون عليه من شقّ رغيف، لا يعدّ الثّلمة (٨) فى عرضه ثلمة، ويعدّها فى ثريدته من أعظم الثّلم، وإنما صارت الآفات إلى أموال البخلاء أسرع، والجوائح عليهم أكلب (٩)، لأنهم أقلّ توكّلا، وأسوأ بالله ظنا. والجواد إما أن يكون متوكلا، وإما أن يكون أحسن بالله ظنا، وهو على كل حال بالمتوكّل أشبه، وإلى ما أشبه أنزع (١٠)، وكيفما دار أمره، ورجعت الحال (١١) به، فليس ممن يتّكل على حزمه، ويلجأ إلى كيسه،

стр. 1657

ويرجع إلى جودة احتياطه، وشدة احتراسه، واعتلال البخيل بالحدثان (١)، وسوء الظن بتقلّب الزمان، إنما هو كناية عن سوء الظن بخالق الحدثان، وبالذى يحدث الأزمان وأهل الزمان، وهل تجرى الأحداث إلا على تقدير المحدث لها؟ وهل تختلف الأزمنة إلّا على تصريف من دبّرها؟ أولسنا وإن جهلنا أسبابها فقد (٢) أيقنّا بأنها تجرى إلى غاياتها؟ والدليل على أنه ليس بهم خوف الفقر، وأنّ الجمع والمنع إمّا أن يكون عادة منهم، أو طبيعة فيهم، أنّك قد تجد الملك بخيلا، ومملكته أوسع، وخرجه أدرّ، وعدوّه أسكن، وتجد آخر أكثر منه جودا (٣)، وإن كانت مملكته أضيق، وخرجه أقلّ، وعدوّه أشدّ حركة، وقد علمنا أن الزّنج أقصر الناس مرّة (٤) ورويّة، وأذهلهم عن معرفة العاقبة (٥)، فلو كان سخاؤهم إنما هو لكلال حدّهم (٦)، ونقص عقولهم، وقلة معرفتهم، لكان ينبغى لفارس أن تكون أبخل من الرّوم، وتكون الروم أبخل من الصّقالبة (٧)، وكان ينبغى فى الرجال- فى الجملة- أن يكونوا أبخل من النساء- فى الجملة- وكان ينبغى للصّبيان أن يكونوا أسخى من النساء، وكان ينبغى أن يكون أقلّ البخلاء عقلا أعقل من أشد الأجواد عقلا، وكان ينبغى للكلب- وهو المضروب به المثل فى اللؤم- أن يكون أعرف بالأمور من الديك المضروب به المثل فى الجود (٨)، وقالوا هو أسخى من

стр. 1658

لافظة (١)، وألأم من كلب على جيفة (٢)، وألأم من كلب على عرق (٣)، وقالوا: أجع كلبك يتبعك (٤)، ونعم كلب فى بؤس أهله (٥)، وسمّن كلبك يأكلك (٦)

стр. 1659

وأحرص من كلب على عقى (١) صبى، وأجوع من كلبة حومل (٢)، ولهو أبذأ من كلب (٣) وحشّ فلان من خرء الكلب (٤)، واخسأ، كما يقال للكلب (٥)، وكالكلب فى الآرىّ (٦)، لا هو يعتلف، ولا هو يترك الدابة تعتلف، وقال الشاعر: سرت ما سرت من ليلها ثمّ عرّست ... على رجل بالعرج ألأم من كلب (٧) وقال الله جل ذكره: «فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث» وكان ينبغى فى هذا القياس أن يكون المراوزة (٨) أعقل البريّة، وأهل خراسان أدرى البرية (٩)، ونحن لا نجد الجواد يفرّ من اسم السّرف إلى الجود،

стр. 1660

كما نجد البخيل يفرّ من اسم البخل إلى الاقتصاد، ونجد الشجاع يفرّ من اسم المهزم، والمستحى يفرّ من اسم الخجل، ولو قيل لخطيب ثابت الجنان «وقاح (١)» لجزع فلو لم يكن من فضيلة الجود إلا أن جميع المتجاوزين لحدود أصناف الخير يكرهون اسم تلك الفضلة (٢) إلا الجواد، لقد كان فى ذلك ما يبين قدره، ويظهر فضله، المال فاتن، والنفس راغبة، والأموال ممنوعة، وهى (٣) على ما منعت حريصة، وللنفوس فى المكائرة علّة معروفة، لأن من لا فكرة له ولا روية، موكّل (٤) بتعظيم ذى الثروة، وإن لم تكن منه منالة (٥)، وقد قال الأول: وزادها كلفا بالحبّ أن منعت ... وحبّ شىء إلى الإنسان ما منعا وفى بعض كتب الفرس: كلّ عزيز تحت القدرة فهو ذليل. وقالت معاذة العدوية: كل مقدور عليه فمقلىّ (٦) أو محقور، ولو كانوا لأولادهم يجمعون، ولهم يكدّون، ومن أجلهم يحرصون، لجعلوا لهم كثيرا مما يطلبون، ولتركوا محاسبتهم فى كثير مما يشتهون، وهذا بعض ما بغّض بعض المورّثين إلى الوارثين، وزهّد الأخلاف (٧) فى طول عمر الأسلاف، ولو كانوا لأولادهم يمهّدون،

стр. 1661

ولهم يجمعون، لما جمع الخصيان الأموال، ولما كنز الرّهبان الكنوز، ولاستراح العاقر من ذلّ الرغبة، ولسلم العقيم من كدّ الحرص، وكيف ونحن نجده بعد أن يموت ابنه الذى كان يعتلّ به، والذى من أجله كان يجمع، على حاله (١) فى الطّلب والحرص، وعلى مثل ما كان عليه من الجمع والمنع، والعامّة لم تقصّر فى الطلب والحكرة (٢)، والبخلاء لم يحدّوا شيئا من جهدهم (٣)، ولا عفّوا بعد قدرتهم (٤)، ولا قصّروا فى شىء من الحرص والحصر (٥)، لأنهم فى دار قلعة (٦)، وتعرّض نقلة (٧)، حتى لو كانوا بالخلود موقنين لأغفلوا تلك الفضول، فالبخيل مجتهد، والعامّىّ غير مقصر، فمن لم يستعن على ما وصفنا (٨) بطبيعة قوية، وبشهوة شديدة، وبنظر شاف، كان إما عامّيّا، وإما بخيلا شقيّا، ففيم اعتلالهم بأولادهم، واحتجاجهم بخوف التلوّن من أزمنتهم؟ قال رسول الله ﷺ : لوافد كذب عنده كذبة- وكان جوادا-: «لولا خصلة (٩) ومقك الله عليها، لشرّدت بك من وافد قوم» وقيل للنبى ﷺ : هل لك فى بيض النساء وأدم الإبل (١٠)؟ قال: ومن هم؟ قال: بنو مدلج، قال: «يمنعنى من ذاك قراهم الضيف، وصلتهم الرّحم» وقال لهم أيضا: «إذا نحروا ثجّوا (١١) ، وإذا لبّوا عجّوا (١٢)» وقال للأنصار: من

стр. 1662

سيدكم؟ قالوا الحرّ (١) بن قيس، على أنه بزنّ (٢) فينا ببخل، فقال: «وأىّ داء أدوأ من البخل؟ » ثم جعله من أدوإ الداء، وقال للأنصار: «أما والله ما علمتكم إلا لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع» وقال: «كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر» وقال: «لو أن لابن آدم واديين من مال لا بتغى ثالنا، ولا يشبع ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» وقال: «السخاء من الحياء، والحياء من الإيمان» وقال: «إن الله جواد يحبّ الجواد» وقال: «أنفق يا بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالا (٣)» وقال: «لا توك فيوكى عليك (٤)» وقال: «لا تحص فيحصى عليك» وقالوا: لا ينفعك من زاد ما تبقّى (٥)، ولم يسمّ الذهب والفضة بالحجرين إلا وهو يريد أن يضع من أقدارهما، ومن فتنة الناس بهما، وقال لقيس ابن عاصم: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فللوارث» وقال النّمر بن تولب: وحثّت على جمع ومنع، ونفسها ... لها فى صروف الدهر حقّ كذوب (٦) وكائن رأينا من كريم مرزّا ... أخى ثقة طلق اليدين وهوب (٧) شهدت وفاتونى، وكنت حسبتنى ... فقيرا إلى أن يشهدوا وتغيبى (٨) أعاذل إن يصبح صداى بقفرة ... بعيدا نآنى صاحبى وقريبى (٩)

стр. 1663

ترى أنّ ما أبقيت لم أك ربّه ... وأن الذى أمضيت كان نصيبى (١) وذى إبل يسعى ويحسبها له ... أخى نصب فى رعيها ودءوب (٢) غدت وغدا ربّ سواه يسوقها ... وبدّل أحجارا وجال قليب (٣) وقال أيضا: قامت تباكى أن سبأت لفتية ... زقّا وخابية بعود مقطع (٤) وقريت فى مقرى قلائص أربعا ... وقريت بعد قرى قلائص أربع (٥) أتبكّيا من كل شىء هيّن؟ ... سفه بكاء العين ما لم تدمع (٦) فإذا أتانى إخوتى فدعيهم ... يتعلّلوا فى العيش أو يلهوا معى (٧)

стр. 1664

لا تطرديهم عن فراشى، إنه ... لا بدّ يوما أن سيخلو مضجعى (١) هلّا سألت بعادياء وبيته ... والخيل والخمر التى لم تمنع (٢) وقال الحارث بن حلّزة: بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج (٣) يترك ما رقّح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج (٤) لا تكسع الشّول بأغبارها ... إنك لا تدرى من الناتج (٥) وقال الهذلىّ: إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلّهم فناهب (٦) أخلف وأتلف، كلّ شى ... ء ذرّعته الريح ذهب (٧)

стр. 1665

وقالت امرأة: أنت وهبت الفتية السّلاهب ... وإبلا يحار فيها الحالب (١) وغنما مثل الجراد الهارب ... متاع أيام، وكلّ ذاهب (٢) وقال تميم بن مقبل: فأخلف، وأتلف، إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذى هو آكله (٣) وقال أبوذرّ: «لك فى مالك شريكان: الوارث والحدثان» وقال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس وجاء فى الأثر: «إن أهل المعروف فى الدنيا أهل المعروف فى الآخرة» وفى المثل: «اصنع الخير ولو إلى كلب» وفى الحث (٤) على القليل- فضلا عن الكثير- قال الله جل ذكره: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ (٥) ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» وقالت عائشة فى حبّة عنب: «إن فيها لمثاقيل ذر» ولذلك قالوا فى المثل «من حقر حرم (٦)» وقال سلم بن قتيبة: «يستحى أحدهم من تقريب القليل من الطعام، ويأبى أعظم منه» وقال: «جهد المرء أكثر من عفوه (٧)» وقدّم رسول الله ﷺ جهد المقلّ على عفو المكثر، وإن كان مبلغ جهده قليلا، ومبلغ عفو المكثر كثيرا، وقالوا: «لا يمنعك من معروف صغره» وقال النبى ﷺ :

стр. 1666

«اتقوا النار ولو بشقّ (١) تمرة» وقال: «لا تردّوا السائل ولو بظلف محرق (٢)» وقال: لا تردّوه ولو بفرسن (٣) شاة» وقال: «لا تحقّروا اللقمة فإنها تعود كالجبل العظيم (٤)»، لقول الله جل ذكره. «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ» وقال: «لا تردّوه ولو بصلة حبل (٥)» وقالت العرب. «أتاكم أخوكم يستتمّكم (٦) فأتمّوا له» وقالوا. «مانع الإتمام ألوم» وقالوا. «البخيل إن سأل ألحف (٧) وإن سئل سوّف» وقالوا. «إن سئل جحد، وإن أعطى حقد» وقالوا. «يردّ قبل أن يسمع، ويغضب قبل أن يفهم» وقالوا. «البخيل إذا سئل ارتزّ (٨)، وإذا سئل الجواد اهتزّ» وقال النبى ﷺ . «ينادى كلّ يوم مناديان من السماء يقول أحدهما. اللهم عجّل لمنفق خلفا، ويقول الآخر: اللهم عجّل لممسك تلفا» وقالوا: «شرّ الثلاثة المليم (٩)، يمنع درّه (١٠) ودرّ غيره» وقال الله جل ذكره: «الّذين يبخلون ويأمرون النّاس بالبخل» وقالوا فى المثل: «إذا ألجأك الدهر إلى بخيل، شرّ ما ألجأك إلى مخّة عرقوب (١١)» وقال النبى ﷺ : «قل العدل، وأعط الفضل» وقال النبى ﷺ : «أنهاكم

стр. 1667

عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات» وقال الله «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» وقال «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» وقال «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» وقالوا: فى الصبر على النائبة وفى عاقبة الصبر: «عند الصباح يحمد القوم السّرى (١) وقالوا: «الغمرات، ثم ينجلين (٢)» وقال الخزيمى: ودون النّدى فى كل قلب ثنيّة ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل (٣) وودّ الفتى فى كل نيل ينيله ... (إذا ما انقضى) لو أن نائله جزل (٤) وقالوا: خير الناس خير الناس للناس، وشر الناس شر الناس للناس» وقالوا: «خير مالك ما نفعك» وقالوا: «عجبا لفرط الكبرة مع شباب الرّغبة (٥)» وقال الراجز:

стр. 1668

كلّنا يأمل مدّا فى الأجل ... والمنايا هى آفات الأمل (١) وقال عبيد الله بن عكراش: «زمن خئون، ووارث شفون (٢)، وكاسب حزون (٣)، فلا تأمن الخئون، وكن وارث الشّفون (٤)» وقال: يهرم ابن آدم ويشبّ معه خصلتان: الحرص والأمل» وكانوا يعيبون من يأكل وحده، وقالوا: «ما أكل ابن عمر وحده قطّ»، وقالوا: «ما أكل الحسن (٥) وحده قط» وسمع مجاشع الرّبعىّ قولهم: «الشحيح أعذر من الظالم» فقال: «أخزى الله أمرين خيرهما الشحّ» وقال بكر بن عبد الله المزنىّ: «لو كان هذا المسجد مفعما بالرجال ثم قيل لى: من خيرهم؟ لقلت: خيرهم لهم (٦)» وقال النبى ﷺ : «ألا أنبئكم بشراركم؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده» وقالت امرأة عند جنازة رجل: أما والله ما كان مالك لبطنك، ولا أمرك لعرسك (٧)». ٧١ - رسالة ابن التوءم إلى الثقفى فلما بلغت الرسالة ابن التوءم، كره أن يجيب أبا العاص، لما فى ذلك من المناقشة والمباينة (٨)، وخاف أن يترقّى الأمر إلى أكثر من ذلك، فكتب هذه وبعث بها إلى الثقفى:

стр. 1669

«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فقد بلغنى ما كان من ذكر أبى العاص لنا» وتنويهه (١) بأسمائنا، وتشنيعه علينا، وليس يمنعنا من جوابه إلا أنه إن أجابنا لم يكن جوابنا أيّاه على قوله الثانى أحقّ بالترك من جوابنا له على قوله الأول، فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا، وجعلنا لجوابه الثانى جوابا، خرجنا إلى التّهاتر (٢)، وصرنا إلى التخابر (٣)، ومن خرج إلى ذلك فقد رضى باللّجاج (٤) حظّا، وبالسّخف (٥) نصيبا، وليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى (٦)، ومن وقاه الله سوء التكفى (٧) وسخفه، وعصمه من سوء التصميم (٨) ونكده، فقد اعتدلت طبائعه، وتساوت خواطره، ومن قامت أخلاطه على الاعتدال وتكافأت خواطره فى الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد، ولم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير والإفراط، لأن الموزون لا يولّد إلا موزونا، كما أن المختلف لا يولّد إلا مختلفا (٩)، فالمتتايع (١٠) لا يثنيه زجر، وليست له غاية دون التّلف، والمتكّفى ليس له مأتى ولا جهة، ولا له رقية (١١) ولا فيه حيلة، وكلّ متلوّن (١٢) فى الأرض فمنحلّ العقد،

стр. 1670

ميسّر لكل ريح، فدع عنك خلطة الإمّعة (١) فإنه حارص (٢) لا خير فيه، واجتنب ركوب الجموح ذى النّزوات؛ فإن غايته القتل الزّؤاف (٣)، ولا (٤) فى الحرون ذى التصميم، والمتلون شر من المصمّم، إذ كنت لا تعرف له حالا يقصد إليها، ولا جهة يعمل عليها، ولذلك صار العاقل يخدع العاقل ولا يخدع الأحمق؛ لأن أبواب تدبير العاقل وحيله معروفة، وطرق خواطره مسلوكة، ومذاهبه محصورة معدودة، وليس لتدبير الأحمق وحيله جهة واحدة من أخطأها كذب (٥)، والخبر الصادق عن الشىء الواحد واحد، والخبر الكاذب عن الشىء الواحد لا يحصى له عدد، ولا يوقف منه على حدّ، والمصمّم قتله بالإجهاز (٦)، والمتلوّن قتله بالتعذيب (٧)، فإن قلنا فليس إليه (٨) نقصد، وإن احتججنا فلسنا عليه نردّ، ولكنا إليك نقصد بالقول، وإليك نريد بالمشورة، وقد قالوا: «احفظ سرّك فإن سرّك من دمك» وسواء ذهاب نفسك وذهاب ما به يكون قوام نفسك (٩)، قال المنجاب العنبرىّ: «ليس بكبير ما أصلحه المال (١٠)» وفقد الشىء الذى به تصلح الأمور، أعظم من الأمور (١١)، ولهذا قالوا فى الإبل: «لو لم يكن فيها إلا أنها رقوء (١٢) الدم» فالشىء

стр. 1671

الذى هو ثمن الإبل وغير الإبل أحقّ بالصون، وقد قضوا بأن حفظ المال أشدّ من جمعه، ولذلك قال الشاعر: وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشد من الجمع الذى أنت طالبه ولذلك قال مشترى الأرض لبائعها حين قال له البائع: دفعتها إليك بطيئة الإجابة، عظيمة المئونة (١)، قال (٢) دفعتها (٣) إليك بطيئة الاجتماع، سريعة التفرق، والدرهم هو القطب الذى تدور عليه رحى الدنيا. واعلم أن التخلص من نزوات الدرهم وتقلّبه من سكر الغنى وتفلّته شديد (٤)، فلو كان إذا تفلّت كان حارسه صحيح العقل سليم الجوارح لردّه فى عقاله، ولشدّه بوثاقه، ولكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه بقدر قلقه فى يده (٥)، ولا تغترّ بقولهم: «مال صامت (٦)» فإنه أنطق من كل خطيب، وأنمّ من كل نمّام، فلا تكترث بقولهم: «هذين الحجرين (٧)» فتتوهّم جمودهما وسكونهما وقلة ظعنهما وطول إقامتهما، فإنّ عملهما وهما ساكنان، ونقضهما للطبائع وهما ثابتان، أكثر من صنيع السّمّ الناقع، والسّبع العادى، فإن كنت لا تكتفى بصنيعه (٨) حتى تمدّه، ولا تحتال فيه حتى يحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، والسجن خير لك من الذّلّ. وقولى هذا مرّه يعقب حلاوة الأبد، فخذ لنفسك بالثّقة (٩)، فقولك الماضى حلو

стр. 1672

يعقب مرارة الأبد، فخذ لنفسك بالثقة، ولا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك، فإن الشاعر يقول: أنّى أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا (١) واحذر أن تخرج من مالك درهما حتى ترى مكانه خيرا منه، ولا تنظر إلى كثرته، فإنّ رمل عالج (٢) لو أخذ منه ولم يردّ عليه لذهب عن آخره، إن القوم قد أكثروا فى ذكر الجود وتفضيله، وفى ذكر الكرم وتشريفه، وسمّوا الشّرف جودا وجعلوه كرما، وكيف يكون كذلك وهو نتاج ما بين الضعف والنّفج (٣)، وكيف والعطاء لا يكون سرفا إلا بعد مجاوزة الحق، وليس وراء الحق إلى الباطل كرم، وإذا كان الباطل كرما كان الحقّ لؤما، والسّرف- حفظك الله- معصية، وإذا كانت معصية الله كرما، كانت طاعته لؤما، ولئن جمعهما (٤) اسم واحد، وشملهما حكم واحد (ومضادّة (٥) الحقّ للباطل كمضادّة الصدق للكذب، والوفاء للغدر، والجور للعدل، والعلم للجهل) ليجمعنّ هذه الخصال اسم واحد، وليشملنّها حكم واحد، وقد وجدنا الله عاب السّرف، وعاب الحميّة (٦)، وعاب المعصية، ووجدناه

стр. 1673

قد خص السّرف بما لم يخصّ يه الحمّية (١)، لأنه ليس حبّ المرء لرهطه من المعصية، ولا أنفته من الضيم من حميّة الجاهلية، وإنما المعصية ما جاوز الحقّ، والحمية المعيبة ما تعدّى القصد، فوجدنا اسم الأنفة قد يقع محمودا ومذموما، وما وجدنا اسم المعصية ولا اسم السّرف يقع أبدا إلا مذموما، وإنما يسرّ باسم السرف جاهل لا علم له، أو رجل إنما يسرّ به لأن أحدا لا يسميه مسرفا حتى يكون عنده قد جاوز حدّ الجود، وحكم له بالحق ثم أردفه بالباطل (٢)، فإن سرّ من غير هذا الوجه (٣)، فقد شارك المادح فى الخطأ، وشاكله فى وضع الشىء فى غير موضعه. وقد أكثروا فى ذكر الكرم، وما الكرم إلا كبعض الخصال المحمودة التى لم يعدمها بعض الذمّ (٤)، وليس شىء يخلو من بعض النقص والوهن، وقد زعم الأولون أن الكرم يسبّب الغبا (٥)، وأن الغبا يسبّب البله (٦)، وأنه ليس وراء البله إلا العته (٧)، وقد حكوا عن كسرى أنه قال: «احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع» وسواء جاع فظلم، وأحفظ وعسف، أم جاع وكذب، وضرع وأسفّ (٨)، وسواء جاع فظلم غيره، أم جاع فظلم نفسه، والظلم لؤم، وإن كان الظلم ليس بلؤم، فالإنصاف ليس بكرم، وإن كان الجود على من لا يستحق الجود كرما، فالجود لمن وجب له ذلك ليس بكرم، فالجود إذا كان لله كان شكرا له، والشكر كرم،

стр. 1674

ولن يكون الجود إذا كان معصية كرما، وكيف يتكرّم من يتوسل بأياديك إلى معصيتك، وبنعمك إلى سخطك، فليس الكرم إلا الطاعة، وليس اللؤم إلا المعصية، وليس بجود ما جاوز الحق، وليس بكرم ما خالف الشكر، ولئن كان مجاوز الحقّ كريما ليكوننّ المقصّر دونه كريما (١)، فإن قضيتم بقول العامّة (٢) فالعامة ليست بقدوة. وكيف يكون قدوة من لا ينظر، ولا يحصّل، ولا يفكّر ولا يمثّل (٣)، وإن قضيتم بأقاويل الشعراء وما كان عليه أهل الجاهلية الجهلاء، فما فبّحوه مما لا يشكّ فى حسنه أكثر من أن نقف عليه أو نتشاغل باستقصائه. على أنه ليس بجود إلا ما أوجب الشكر، كما أنه ليس يبخل إلا ما أوجب اللؤم، ولن تكون العطية نعمة على المعطى حتى تراود بها (٤) نفس ذلك المعطى، ولن يجب عليه الشكر إلا مع شريطة القصد، وكلّ من كان جوده يرجع إليه- لولا رجوعه إليه لما جاد عليك، ولو تهيأ له ذلك المعنى فى سواك، لما قصد إليك- فإنما (٥) جعلك معبرا لدرك حاجته، ومركبا لبلوغ محبته، ولولا بعض القول (٦) لوجب لك عليه حق يجب به الشكر، فليس يجب لمن كان كذلك شكر، وإن انتفعت بذلك منه، إذ كان لنفسه عمل، لأنه لو تهيأ له ذلك النفع فى غيرك لما تخطّاه إليك. وإنما يوصف بالجود فى الحقيقة، ويشكر على النفع فى حجّة العقل، الذى إن جاد عليك، فلك جاد، ونفعك أراد، من غير أن يرجع إليه جوده بشىء من المنافع

стр. 1675

على جهة من الجهات، وهو الله وحده لا شريك له، فإن شكرنا للناس على بعض ما قد جرى لنا على أيديهم، فإنّما هو لأمرين: أحدهما التعبّد، وقد نعبد الله بتعظيم الوالدين وإن كانا شيطانين، وتعظيم من هو أسنّ (١) منا، وإن كنا أفضل منه، والآخر لأن النفس ما لم تحصّل الأمور وتميّز المعانى، فالسابق إليها حبّ من جرى لها على يده خير، وإن كان لم يردها ولم يقصد إليها. ووجدنا عطية الرجل لصاحبه لا تخلو أن تكون لله، أو لغير الله، فإن كانت لله فثوابه على الله، وكيف يجب علىّ فى حجّة العقل شكره، وهو لو صادف ابن سبيل غيرى لما حملنى (٢) ولا أعطانى، وإما أن يكون إعطاؤه إياى للذّكر، فإذا كان الأمر كذلك فإنما جعلنى سلّما إلى تجارته، وسببا إلى بغيته، أو يكون إعطاؤه إياى من طريق الرحمة والرّفّة، ولما يجد فى فؤاده من الغصّة والألم، فإن كان لذلك أعطى فإنما داوى نفسه من دائه، وكان كالذى رفّه من خناقه، وإن كان إنما أعطانى على طلب المجازاة وحبّ المكافأة، فأمر هذا معروف، وإن كان إنما أعطانى من خوف يدى أو لسانى، أو اجترار معونتى ونصرتى (٣)، فسبيله سبيل جميع ما وصفنا وفصّلنا. فلاسم الجود موضعان: أحدهما حقيقة، والآخر مجاز، فالحقيقة: ما كان من الله، والمجاز: المشتقّ من هذا الاسم (٤)، وما كان لله كان ممدوحا، وكان لله طاعة، فإذا لم تكن العطية من الله، ولا لله، فليس يجوز هذا فيما سمّوه جودا، فما ظنّك بما سمّوه سرفا؟ .

стр. 1676

افهم ما أنا مورده عليك، وواصفه لك إن التربّح والتكسّب والاستئكال (١) بالخديعة والطّعم الخبيثة فاشية غالبة، ومستفيضة ظاهرة، على أن كثيرا ممن يضاف اليوم إلى النزاهة والتكرّم، وإلى الصيانة والتوقّى، ليأخذ من ذلك بنصيب وافر، وبمدّ واف (٢)، فما ظنّك بدهماء الناس وجمهورهم، بل ما ظنّك بالشعراء والخطباء الذين إنما تعلّموا المنطق لصناعة التكسّب؟ وهؤلاء قوم بودّهم أن أرباب الأموال قد جاوزوا حدّ السلامة إلى الغفلة، حتى لا يكون للأموال حارس، ولا دونها مانع، فاحذرهم، ولا تنظر إلى بزّة (٣) أحدهم؛ فإن المسكين أقنع منه، ولا تنظر إلى موكبه، فإنّ السّائل أعفّ منه، واعلم أنه فى مسك (٤) مسكين، وإن كان فى ثياب جواد (٥)، وروحه روح نذل، وإن كان فى جرم ملك، وكلّهم وإن اختلفت وجوه مسألتهم، واختلفت أقدار مطالبهم، فهو مسكين إلا أن واحدا يطلب العلق (٦)، وآخر يطلب الخرق، وآخر يطلب الدّوانيق (٧)، وآخر يطلب الألوف، فجهة هذا هى جهة هذا، وطعمة (٨) هذا هى طعمة هذا، وإنما يختلفون فى أقدار ما يطلبون على قدر الحذق والسبب (٩)، فاحذر رقاهم (١٠) وما نصبوا لك من الشّرك، واحرس نعمتك وما دسّوا لها من الدواهى، واعمل على أنّ سحرهم يسترقّ الذهن، ويختطف البصر، قال رسول الله ﷺ : «إنّ من البيان لسحرا» وسمع عمر بن عبد العزيز رجلا يتكلم فى حاجة فقال: «هذا والله السّحر الحلال» وقد قال رسول الله

стр. 1677

صلى الله عليه وسلم: «لا خلابة (١)» واحذر احتمال مديحهم، فإن محتمل المديح فى وجهه كمادح نفسه. إنّ مالك لا يسع مريديه، ولا يبلغ رضا طالبيه، ولو أرضيتهم بإسخاط مثلهم لكان ذلك خسرانا مبينا، فكيف ومن يسخط أضعاف من يرضى؟ وهجاء الساخط أضرّ من فقد مديح الراضى، وعلى أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم (٢)، وتداولوك بسهامهم، لم تر ممن أرضيته بإسخاطهم أحدا يناضل عنك. ولا يهاجى شاعرا دونك، بل يخلّيك غرضا لسهامهم، ودريئة (٣) لنبالهم، ثم يقول: وما كان عليه لو أرضاهم! فكيف يرضيهم، ورضا الجميع شىء لا ينال؟ وقد قال الأول: وكيف يتّفق لك رضا المختلفين؟ وقالوا: منع الجميع أرضى للجميع، إنى أحذّرك مصارع المخدوعين، وأرفعك عن مضاجع المغبونين، ولست (٤) كمن لم يزل يقاسى تعذّر الأمور، ويتجرّع مرارة العيش، ويتحمل ثقل الكدّ، ويشرب بكأس الذل، حتى يكاد يمرن على ذلك جلده، ويسكن عليه قلبه، وفقر مثلك مضاعف الألم، وجزع من لم يعرف الألم أشدّ، ومن لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين، ولا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، ولا يلام على فقره، ولا يصير موعظة لغيره، وحديثا يبقى ذكره، ويلعنه بعد الممات ولده. ودعنى من حكايات (٥) المستأكلين، ورقى الخادعين، فما زال الناس يحفظون أموالهم من مواقع السّرف، وبجنّبونها وجوه التبذير، ودعنى مما لا نراه إلا فى الأشعار المتكلّفة، والأخبار المولّدة، والكتب الموضوعة، فقد قال بعض أهل زماننا: ذهبت المكارم إلا من الكتب.

стр. 1678

فخذ فيما تعلم، ودع نفسك مما لا تعلم، هل رأيت أحدا قطّ أنفق مآله على قوم كان غناهم سبب فقره أنّه سلّم (١) عليهم حين افتقر فردّوا عليه، فضلا على غير ذلك (٢)؟ أولست قد رأيتهم بين محمّق ومحتجب عنه، وبين من يقول: فهلّا أنزل حاجته بفلان الذى كان يفضّله ويقدّمه، ويؤثره ويخصّه؟ ثم لعلّ بعضهم أن يتجنّى عليه ذنوبا ليجعلها عذرا فى منعه، وسببا إلى حرمانه، قال الله جل ذكره: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ. خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٣)» فأنا القائم عليك بالموعظة والزجر والأمر والنهى، وأنت سالم العقل والعرض، وافر المال، حسن الحال، فاتّق أن أقوم غدا على رأسك بالتقريع والتعيير، وبالتوبيخ والتأنيب، وأنت عليل القلب، مختلّ العرض، عديم من المال، سيىء الحال، ليس جهد البلاء (٤) مدّ الأعناق، وانتظار وقع السيوف، لأن الوقت قصير، والحسّ مغمور، ولكن جهد البلاء أن تظهر الخلّة (٥)، وتطول المدّة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقا مؤنّبا، وابن عمّ شامتله وجارا حاسرا (٦)، ووليّا قد تحوّل عدوا، وزوجة مختلعة (٧)، وجارية مستبيعة (٨)، وعبدا يحقرك، وولدا ينتهرك، فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك

стр. 1679

من هذا البلاء؟ على أن الثناء طعم (١)، ولعلّك ألّا تطعمه (٢)، والحمد أرزاق ولعلك ألّا تجرمه، وما يضيع من إحسان الناس أكثر (٣). وعلى أن الحفظ (٤) قد ذهب بموت أهله، ألا ترى أن الشّعر لمّا كسد أفحم أهله، ولمّا دخل النقص على كل شىء أخذ الشعر منه بنصيبه؟ ولمّا تحولت الدولة فى العجم- والعجم لا تحوط الأنساب، ولا تحفظ المقامات، لأن من كان فى الرّيف (٥) والكفاية، وكان مغمورا بسكر الغنى، كثر نسيانه، وقلّت خواطره، ومن احتاج تحركت همته، وكثر تنقيره (٦)، وعيب الغنى أنه يورّث البلادة، وفضيلة الفقر أنه يبعث الفكر، وإن أنت صحبت الغنى بإهمال النفس أسكرك الغنى، وسكر الغنى سبّة المستأكلين، ونهزة الخدّاعين، وإن كنت لا ترضى بحظّ النائم، وبعيش البهائم، وأحببت أن تجمع مع تمام نفس المثرى، ومع عز الغنى وسرور القدرة، فطنة المخفّ، وخواطر المقلّ، ومعرفة الهارب، واستدلال الطالب، اقتصدت فى الإنفاق، وكنت معدّا للحدثان، ومحترسا من كل خدّاع. لست تبلغ حيل لصوص النهار، وحيل سرّاق الليل، وحيل طرّاق البلدان، وحيل أصحاب الكيمياء، وحيل التجّار فى الأسواق، والصّنّاع فى جميع الصناعات، وحيل أصحاب الحروب، وحيل المستأكلين والمتكسّبين، ولو جمعت الخبر (٧) والسّحر والتمائم (٨) والسم، لكانت حيلهم فى الناس أشد تغلغلا، وأعرض وأسرى فى عمق

стр. 1680

البدن، وأدخل إلى سويداء القلب وإلى أمّ الدّماغ، وإلى صميم الكبد، ولهى أدقّ مسلكا، وأبعد غاية من العرق (١) السّارى، والشّبه النازع (٢)، ولو اتّخذت الحيطان الرفيعة الثخينة، والأقفال المحكمة الوثيقة، ولو اتّخذت الممارق (٣) والجواسق (٤) والأبواب الشّداد، والحرس المتناوبين بأغلظ المؤن، وأشدّ الكلف، وتركت التقدم فيما هو أحضر ضررا (٥)، وأدوم شرا، ولا غرم عليك فى الحراسة فيه، ولا مشقة عليك فى التحفظ منه (٦)، إنك إن فتحت لهم على نفسك مثل سمّ الخياط جعلوا فيه طريقا نهجا، ولقى (٧) رحبا، فأحكم بابك، ثم أدم (٨) إصفاقه، بل أدم إغلاقه، فهو أولى بك، وإن قدرت على مصمت (٩) لا حيلة فيه فذلك أشبه بحزمك، ولو جعلت الباب مبهما، والقفل مصمتا، لتسوّروا عليك من فوقك، ولو رفعت سمكه إلى العيّوق (١٠) لنقبوا عليك من تحتك، قال أبو الدّرداء: «نعم صومعة المؤمن بيته» وقال ابن سيرين: «العزلة عبادة». وحلاوة حديثهم (١١) تدعو إلى الاستكثار منهم، وتدعو إلى إحضار (١٢) غرائب شهواتهم، فمن ذلك قول بعضهم لبعض أصحابه: «كل رخلة (١٣) واشرب مشعلا (١٤)،

стр. 1681

ثم تجشّا واحدة لو أنّ عليها رحى لطحنت» ومن ذلك قول الآخر حين دخل على قوم وهم يشربون، وعندهم قيان، فقالوا: اقترح أىّ صوت شئت، قال: «أقترح نشيش (١) مقلى» ومن ذلك قول المدينىّ (٢): «من تصبّح بسبع موزات، وبقدح من لبن (٣) الأوارك، تجشّأ بخور (٤) الكعبة». ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء- وقدّامهم خبيص (٥) -: «أيّما أطيب: أهذا أم الفالوذج (٦)، أم اللّوزينج (٧)؟ قال: «لا أقضى على غائب» ومن ذلك كلام الجارود بن أبى سبرة لبلال بن أبى بردة حين قال له: صف لى عبد الأعلى (٨) وطعامه، قال: «يأتيه الخبّاز فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندى جدى كذا، وعناق (٩) كذا، وبطّة كذا، حتى يأتى على جميع ما عنده» قال: وما يدعوه إلى هذا؟ قال: «ليقتصد (١٠) كلّ أمرئ فى الأكل، حتى إذا أتى بالذى يشتهى بلغ منه حاجته» قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم يؤتى بالمائدة فيتضايقون (١١) حتى يخوّى تخوية الظّليم (١٢)، فيجدّون ويهزل،

стр. 1682

حتى إذا فتروا أكل أكل الجائع المقرور (١)» وقال آخر: «أشتهى ثريدة دكناء (٢) من الفلفل، ورقطاء (٣) من الحمّص، ذات حفافين (٤) من اللحم، لها جناحان من العراق (٥)، أضرب فيها ضرب اليتيم عند وصىّ السّوء (٦)». وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان فى الطعام، وما قسم لكل قوم منه؟ فقال: «ذهبت الروم بالجشم (٧) والحشو، وذهبت فارس بالبارد والحلو» وقال عمر لفارس الشّفارج (٨) والحموض (٩) «فقال دوسر المدينى: » لنا الهرائس (١٠) والقلايا، ولأهل البدو اللبأ (١١) والسّلاء (١٢) والجراد والكمأة (١٣) والخبزة فى الرائب والتّمر بالزّبد، وقد قال الشاعر:

стр. 1683

ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا ... وخيلا من البرنىّ فرسانها الزّبد (١) ولهم البرمة (٢) والخلاصة (٣) والحيس (٤) والوطيئة (٥)». وقال أعرابى: «أتينا ببرّ كأفواه البعران (٦) فحبزنا منه خبزة زيت (٧) فى النار، فجعل الجمر يتحدّر عنها تحدّر الحشو عن البطان (٨): ثم ثردناها فجعل الثريد يجول فى الإهالة (٩) جولان الضّبعان فى الضّفرة (١٠)، ثم أتينا بتمر كأعيان الورلان (١١) يوحل فيه الضّرس». ونعت السّويق (١٢) بأنه من عدد المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكّر (١٣)، وبلغة المريض، يشدّ فؤاد الحزين، ويردّ من نفس المحدود (١٤)، وحيد فى السّمين (١٥)، ومنعوت فى الطيّب، قفاره يجلو البلغم، ومسمونه (١٦) يصفّى الدم، إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان طعاما، وإن شئت كان شرابا.

стр. 1684

وقيل لبعض هؤلاء اللّعامظة (١) والمستأكلين والسّفّافين (٢) المقفّعين- ورئى سمينا- ما أسمنك؟ قال: «أكلى الحارّ وشربى القارّ، والاتكاء على شمالى، وأكلى من غير مالى (٣)» وقد قال الشاعر: وإن امتلاء البطن فى حسب الفتى ... قليل الغناء وهو فى الجسم صالح (٤) وقيل لآخر: ما أسمنك؟ قال: «قلة الفكرة، وطول الدّعة، والنوم على الكظّة (٥)» وقال الحجاج للغضبان (٦) بن القبعثرى: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة (٧)، ومن كان فى ضيافة الأمير سمن» وقيل لآخر: إنك لحسن السّحنة (٨)، قال: «آكل لباب البرّ، وصغار الممز، وأدّهن بخام (٩) البنفسج، وألبس الكتّان» والله لو كان من يسأل يعطى لما قام كرم العطية بلؤم المسألة. ومدار الصواب على طيب المكسبة والاقتصاد فى النفقة، وقد قال بعض العرب «اللهم إنى أعوذ بك من بعض الرزق» حين رأى نافجة (١٠) من ماله من صداق أمه.

стр. 1685

وأىّ سائل كان ألحف مسألة من الحطيئة وألأم؟ ومن ألأم من جرير ابن الخطفى وأبخل؟ ومن أمنع من كثيّر، وأشحّ من ابن هرمة (١)؟ ومن كان يشقّ غبار ابن أبى حفصة (٢)؟ ومن كان يصطلى بنار أبى العتاهية؟ ومن كأبى نواس فى بخله؟ أو كأبى يعقوب الخزيمى فى دقة نظره وكثرة كسبه؟ ومن كان أكثر نحرا لجزرة (٣) لم تخلق من ابن هرمة؟ وأطعن برمح لم ينبت، وأطعم لطعام لم يزرع، من الخزيمىّ (٤)؟ فأين أنت عن ابن يسير؟ وأين تذهب عن ابن أبى كريمة؟ ولم تقصّر فى ذكر الرّقاشّى، ولم تذكر شرّه؟ إن الأعرابى شرّ من الحاضر (٥)، سائل جبّار، وثّابة ملّاق، إن مدح كذب، وإن هجا كذب، وإن أيس كذب، وإن طبع كذب، لا يعرفه إلا نطف (٦) أو أحمق، ولا يعطيه إلا من يحبّه، ولا يحبه إلا من هو فى طباعه. ما أبطأكم عن البذل فى الحق، وأسرعكم إلى البذل فى الباطل! فإن كنتم الشعراء تفضّلون، وإلى قولهم ترجعون، فقد قال الشاعر: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد وقد قال الشّمّاخ بن ضرار: لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره، أعفّ من القنوع (٧)
следующие страницы →