← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ثم تجشّا واحدة لو أنّ عليها رحى لطحنت» ومن ذلك قول الآخر حين دخل على قوم وهم يشربون، وعندهم قيان، فقالوا: اقترح أىّ صوت شئت، قال: «أقترح نشيش (١) مقلى» ومن ذلك قول المدينىّ (٢): «من تصبّح بسبع موزات، وبقدح من لبن (٣) الأوارك، تجشّأ بخور (٤) الكعبة». ومن ذلك قولهم لبعض هؤلاء- وقدّامهم خبيص (٥) -: «أيّما أطيب: أهذا أم الفالوذج (٦)، أم اللّوزينج (٧)؟ قال: «لا أقضى على غائب» ومن ذلك كلام الجارود بن أبى سبرة لبلال بن أبى بردة حين قال له: صف لى عبد الأعلى (٨) وطعامه، قال: «يأتيه الخبّاز فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندى جدى كذا، وعناق (٩) كذا، وبطّة كذا، حتى يأتى على جميع ما عنده» قال: وما يدعوه إلى هذا؟ قال: «ليقتصد (١٠) كلّ أمرئ فى الأكل، حتى إذا أتى بالذى يشتهى بلغ منه حاجته» قال: ثم ماذا؟ قال: «ثم يؤتى بالمائدة فيتضايقون (١١) حتى يخوّى تخوية الظّليم (١٢)، فيجدّون ويهزل،

стр. 1682

حتى إذا فتروا أكل أكل الجائع المقرور (١)» وقال آخر: «أشتهى ثريدة دكناء (٢) من الفلفل، ورقطاء (٣) من الحمّص، ذات حفافين (٤) من اللحم، لها جناحان من العراق (٥)، أضرب فيها ضرب اليتيم عند وصىّ السّوء (٦)». وسئل بعضهم عن حظوظ البلدان فى الطعام، وما قسم لكل قوم منه؟ فقال: «ذهبت الروم بالجشم (٧) والحشو، وذهبت فارس بالبارد والحلو» وقال عمر لفارس الشّفارج (٨) والحموض (٩) «فقال دوسر المدينى: » لنا الهرائس (١٠) والقلايا، ولأهل البدو اللبأ (١١) والسّلاء (١٢) والجراد والكمأة (١٣) والخبزة فى الرائب والتّمر بالزّبد، وقد قال الشاعر:

стр. 1683

ألا ليت خبزا قد تسربل رائبا ... وخيلا من البرنىّ فرسانها الزّبد (١) ولهم البرمة (٢) والخلاصة (٣) والحيس (٤) والوطيئة (٥)». وقال أعرابى: «أتينا ببرّ كأفواه البعران (٦) فحبزنا منه خبزة زيت (٧) فى النار، فجعل الجمر يتحدّر عنها تحدّر الحشو عن البطان (٨): ثم ثردناها فجعل الثريد يجول فى الإهالة (٩) جولان الضّبعان فى الضّفرة (١٠)، ثم أتينا بتمر كأعيان الورلان (١١) يوحل فيه الضّرس». ونعت السّويق (١٢) بأنه من عدد المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكّر (١٣)، وبلغة المريض، يشدّ فؤاد الحزين، ويردّ من نفس المحدود (١٤)، وحيد فى السّمين (١٥)، ومنعوت فى الطيّب، قفاره يجلو البلغم، ومسمونه (١٦) يصفّى الدم، إن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا، وإن شئت كان طعاما، وإن شئت كان شرابا.

стр. 1684

وقيل لبعض هؤلاء اللّعامظة (١) والمستأكلين والسّفّافين (٢) المقفّعين- ورئى سمينا- ما أسمنك؟ قال: «أكلى الحارّ وشربى القارّ، والاتكاء على شمالى، وأكلى من غير مالى (٣)» وقد قال الشاعر: وإن امتلاء البطن فى حسب الفتى ... قليل الغناء وهو فى الجسم صالح (٤) وقيل لآخر: ما أسمنك؟ قال: «قلة الفكرة، وطول الدّعة، والنوم على الكظّة (٥)» وقال الحجاج للغضبان (٦) بن القبعثرى: ما أسمنك؟ قال: القيد والرّتعة (٧)، ومن كان فى ضيافة الأمير سمن» وقيل لآخر: إنك لحسن السّحنة (٨)، قال: «آكل لباب البرّ، وصغار الممز، وأدّهن بخام (٩) البنفسج، وألبس الكتّان» والله لو كان من يسأل يعطى لما قام كرم العطية بلؤم المسألة. ومدار الصواب على طيب المكسبة والاقتصاد فى النفقة، وقد قال بعض العرب «اللهم إنى أعوذ بك من بعض الرزق» حين رأى نافجة (١٠) من ماله من صداق أمه.

стр. 1685

وأىّ سائل كان ألحف مسألة من الحطيئة وألأم؟ ومن ألأم من جرير ابن الخطفى وأبخل؟ ومن أمنع من كثيّر، وأشحّ من ابن هرمة (١)؟ ومن كان يشقّ غبار ابن أبى حفصة (٢)؟ ومن كان يصطلى بنار أبى العتاهية؟ ومن كأبى نواس فى بخله؟ أو كأبى يعقوب الخزيمى فى دقة نظره وكثرة كسبه؟ ومن كان أكثر نحرا لجزرة (٣) لم تخلق من ابن هرمة؟ وأطعن برمح لم ينبت، وأطعم لطعام لم يزرع، من الخزيمىّ (٤)؟ فأين أنت عن ابن يسير؟ وأين تذهب عن ابن أبى كريمة؟ ولم تقصّر فى ذكر الرّقاشّى، ولم تذكر شرّه؟ إن الأعرابى شرّ من الحاضر (٥)، سائل جبّار، وثّابة ملّاق، إن مدح كذب، وإن هجا كذب، وإن أيس كذب، وإن طبع كذب، لا يعرفه إلا نطف (٦) أو أحمق، ولا يعطيه إلا من يحبّه، ولا يحبه إلا من هو فى طباعه. ما أبطأكم عن البذل فى الحق، وأسرعكم إلى البذل فى الباطل! فإن كنتم الشعراء تفضّلون، وإلى قولهم ترجعون، فقد قال الشاعر: قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد وقد قال الشّمّاخ بن ضرار: لمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره، أعفّ من القنوع (٧)

стр. 1686

وقال أحيحة بن الجلاح: استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ولا عمّ ولا خال إنى أكبّ على الزّوراء أعمرها ... إن الكريم على الأقوام ذو المال (١) وقال أيضا: استغن عن كل ذى قربى وذى رحم ... إن الغنىّ من استغنى عن الناس والبس عدوّك فى رفق وفى دعة ... لباس ذى إربة، للدهر لبّاس (٢) ولا يغرّنك أضغان مزمّلة ... قد يضرب الدّبر الدامى بأحلاس (٣) وقال سهل بن هرون: إذا امرؤ ضاق عنى لم يضق خلقى ... من أن يرانى غنيّا عنه بالياس فلا يرانى إذا لم يرع آصرتى ... مستمريا دررا منه بإبساس (٤) لا أطلب المال كى أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس (٥) وقال أبو العتاهية: أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه فإذا احتجت إليه ... ساعة مجّبك فوه وقال أحيحة بن الجلاح: فلو أنى أشاء نعمت بالا ... وبا كرنى صبوح أو نشيل (٦)

стр. 1687

ولا عبنى على الأنماط لعس ... على أنيابهنّ الزّنجبيل (١) ولكنى خلقت إزاء مال ... فأبخل بعد ذلك أو أنيل وقال آخر: أيا مصلح أصلح ولا تك مفسدا ... فإن صلاح المال خير من الفقر ألم تر أن المرء يزداد عزّة ... على قومه أن يعلموا أنه مثرى؟ وقال عروة بن الورد: ذرينى للغنى أسعى فإنى ... رأيت الناس شرّهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له نسب وخير (٢) ويقصى فى الندىّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير قليل ذنبه، والذنب جمّ ... ولكنّ الغنى ربّ غفور وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: تلك عرساى تنطقان على عمد ... لى اليوم قول زور وهتر (٣) سالتانى الطلاق أن رأتا ما ... لى قليلا، قد جئتمانى بنكر (٤)! فلعلّى أن يكثر المال عندى ... ويعرّى من المغارم ظهرى ويرى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من خوادم عشر (٥)

стр. 1688

وتجرّ الأذيال فى نعمة زو ... ل، تقولان ضع عصاك لدهر (١) وى كأن من يكن له نشب يحبب ... ، ومن يفتقر يعش عيش ضرّ (٢) ويجنّب سرّ النّجىّ ولكنّ ... أخا المال محضر كلّ سرّ (٣) وقال الآخر: وللمال منى جانب لا أضيعه ... وللهو منى والبطالة جانب (٤) وقال الأخنس بن شهاب: وقد عشت دهرا والغواة صحابتى ... أولئك إخوانى الذين أصاحب فأدّيت عنى، ما استعرت من الصّبا ... وللمال منى اليوم راع وكاسب وقال ابن أذينة الثقفى: أطعت النفس فى الشّهوات حتى ... أعادتنى عسيفا عبد عبد (٥) إذا ما جئتها قد بعت عتقا ... تعانق أو تقبّل أو تفدّى (٦) فمن وجد الغنى فليصطنعه ... ذخيرته ويجهد كلّ جهد وقال: من يجمع المال ولا يثبّه (٧) ... ويترك العام لعام جدبه (٨) * يهن على النّاس هوان كلبه* وقد قيل فى المثل: «الكدّ قبل المدّ (٩)» وقال لقيط: «ألقم وأذر للّقاح، وأحدّ السلاح (١٠)».

стр. 1689

وقال أبو المعافى: إن التوانى أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين زوّجها مهرا (١) فراشا وطيئا ثم قال لها اتّكى ... فقصر كما لا بدّ أن تلدا الفقرا (٢) وقال عثمان بن أبى العاص: «ساعة لدنياك وساعة لآخرتك». وقال رسول الله ﷺ : «أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» وقال: «خير الصّدقة ما أبقى غنى، واليد العليا خير من اليد السّفلى (٣)، وابدأ بمن تعول» وقال النبى ﷺ : «الثلث، والثلث كثير، إنّك أن تدع ولدك أغنياء خير من أن يتكفّفوا الناس» وقال ابن عباس: «وددت أن الناس غضّوا من الثلث شيئا، لقول النبى ﷺ : «الثلث، والثلث كثير» وقال النبى ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت». وأنتم ترون أن المجد والكرم أن أفقر نفسى بإغناء غيرى، وأن أحوط عيال غيرى بإضاعة عيالى، وقال فى ذلك ابن هرمة: كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا (٤) وقال آخر: كمفسد أدناه ومصلح غيره ... ولم يأتمر فى ذاك أمر صلاح

стр. 1690

وقال آخر: كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بنيها ولم ترقع بذلك مرقعا وقال الله ﵎: «ولا تبذّر تبذيرا. إنّ المبذّرين كانوا إخوان الشّياطين» وقال: «وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (١)» فأذن فى العفو ولم يأذن فى الجهد، وأذن فى الفضول ولم يأذن فى الأصول (٢)، وأراد كعب بن مالك أن يتصدق بماله، فقال له النبى ﷺ : «أمسك عليك مالك» فالنبى ﷺ يمنعه من إخراج ماله فى الصدقة. وأنتم تأمرونه بإخراجه فى السّرف والتبذير! . وخرج غيلان بن سلمة من جميع ماله، فأكرهه عمر على الرجوع فيه، وقال: «لو متّ لرجمت قبرك كما يرجم قبر أبى رغال (٣)» وقال الله جل وعز: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ» وقال النبى ﷺ : «يكفيك ما بلّغك المحلّ (٤)» وقال: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» وقال الله ﵎ «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» وقال النبى ﷺ : «إن المنبتّ لا أرضا

стр. 1691

قطع ولا ظهرا أبقى (١)» وقال الله جل ذكره: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» ولذلك قالوا: «خير مالك ما نفعك، وخير الأمور أوساطها، وشرّ السّير الحقحقة (٢)، والحسنة بين السيئتين» وقالوا: «دين الله بين المقصّر والغالى (٣)» وقالوا فى المثل: «بينهما يرمى الرامى (٤)» وقالوا: «عليك بالسّداد والاقتصاد، لا وكس ولا شطط (٥)» وقالوا: «بين الممخّة والعجفاء (٦)» وقالوا: «لا تكن حلوا فتبتلع، ولا مرّا فتلفظ» وقالوا فى المثل: «ليس الرّىّ عن التّشافّ (٧)» وقالوا: «يا عاقد اذكر حلّا (٨)» وقالوا: «الرّشف (٩)

стр. 1692

أنقع للظمآن» وقالوا: «القليل الدائم أكثر من الكثير المنقطع» وقال أبو الدّرداء «إنى لأستجمّ نفسى ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها» وقال الشاعر: وإنى لحلو تعترينى مرارة ... وإنى لصعب الرأس غير جموح (١) وقالوا فى عذل المصلح ولائمة المقتصد: «الشحيح أعذر من الظالم (٢)» وقالوا: «ليس من العدل سرعة العذل» وقالوا: «لعلّ له عذرا وأنت تلوم (٣)» وقالوا: «ربّ لائم مليم (٤)» وقال الأحنف: «ربّ ملوم لا ذنب له (٥)» وقال: «إعطاء السائل تضرية (٦)، وإعطاء الملحف مشاركة (٧)» وقال النبى ﷺ : «لا تصلح المسألة إلا فى ثلاث: فقر مدقع (٨)، وغرم مفظع، ودم موجع (٩)» وقال الشاعر: الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف غير الرّدّ (١٠) وقالوا: «إذا جدّ السؤال جدّ (١١) المنع» وقالوا: «احذر إعطاء المخدوعين (١٢)،

стр. 1693

«بذل المغبونين، فإن المغبون لا محمود ولا مأجور» ولذلك قالوا: «لا تكن أدنى العيرين (١) إلى السّهم» يقول: إذا أعطيت السائلين مالك صارت مقاتلك أظهر لأعدائك من مقاتلهم، وقالوا: «الفرار بقراب أكيس (٢)» وقال أبو الأسود: «ليس من العز أن تتعرض للذل، ولا من الكرم أن تستدعى اللؤم» ومن أخرج ماله من يده افتقر، ومن افتقر فلا بد له من أن يضرع (٣)، والضّرع لؤم. وإن كان الجود شقيق الكرم، فالأنفة أولى بالكرم (٤)، وقد قال الأول: «اللهم لا تنزلنى (٥) ماء سوء، فأكون امرأ سوء». وقد قال الشاعر: واخط مع الدهر إذا ما خطا ... واجر مع الدهر كما يجرى وقد قال الآخر: يا ليت لى نعلين من جلد الضّبع ... وشركا من ثغرها (٦) لا تنقطع كلّ الحذاء يحتذى الحافى الوقع (٧) وقد صدق قول القائل: «من احتاج اغتفر، ومن اقتضى (٨) تجوّز» وقيل

стр. 1694

لديسيموس (١): تأكل فى السوق! قال: «إن جاع [ديسموس (٢)] فى السوق، أكل فى السوق» وقال (٣): «من أجدب انتجع، ومن جاع جشع» وقال: «احذروا نفار النعمة فإنها نوار (٤)، وليس كل شارد بمردود، ولا كل نادّ (٥) بمصروف» وقال على بن أبى طالب: «قلّما أدبر شىء فأقبل» وقالوا: «ربّ أكلة تمنع أكلات (٦)، وربّ عجلة تهب ريثا (٧)» وعابوا من قال: «أكلة وموته (٨)» وقالوا: «لا تطلب أثرا بعد عين (٩)» وقالوا: «لا تكن كمن تغلبه

стр. 1695

نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن» فانظر كيف تخرج الدرهم؟ ولم تخرجه؟ وقالوا: «شرّ من المرزئة سوء الخلف (١)» وقال الشاعر: إن يكن ما به أصبت جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجلّ ولأن تفتقر بجائحة نازلة خير لك من أن تفتقر بجناية مكتسبة، ومن كان سببا لذهاب وفره، لم تعدمه الحسرة من نفسه، واللائمة من غيره، وقلة الرحمة، وكثرة الشماتة، مع الإثم الموبق والهوان على الصاحب، وذكر عمر بن الخطاب فتيان قريش وسرفهم فى الإنفاق، ومسابقتهم فى التبذير، فقال: «لخرقة (٢) أحدهم أشدّ علىّ من عيلته» يقول: إن إغناء الفقير أهون علىّ من إصلاح الفاسد: ولا تكن على نفسك أشأم من خوتعة (٣)، وعلى أهلك أشأم من البسوس (٤)،

стр. 1696

وعلى قومك أشأم من عطر منشم (١)، ومن سلّط الشهوات على نفسه، وحكّم الهوى فى ذات يده، فبقى حسيرا، فلا يلومنّ إلا نفسه، وطوبى لك يوم تقدر على قديم (٢) تنتفع به، وقال بعض الشعراء: أرى كل قوم يمنعون حريمهم ... وليس لأصحاب النبيذ حريم أخوهم إذا مادارت الكأس بينهم ... وكلّهم رثّ الوصال سئوم فهذا بيانى لم أقل بجهالة ... ولكننى بالفاسقين عليم وقد كان هذا المعنى فى أصحاب النبيذ أوجد (٣)، فأمّا اليوم فقد استوى الناس، قال الأضبط بن قريع لمّا انتقل فى القبائل فأساءوا جواره بعد أن تأذّى ببنى سعد. «بكل واد بنو سعد». خذ بقولى ودع قول أبى العاص، وخذ بقول من قال: «عشّ ولا تغترّ (٤)» ويقول من قال: «لا تطلب أثرا بعد عين» وبقول من قال: «املأ حبّك (٥) من أول مطرة، ودع ما يريبك إلى مالا يريبك، أخوك من صدقك، ومن أتاك من جهة عقلك، ولم يأتك من جهة شهوتك، وأخوك من احتمل ثقل نصيحتك فى حظك (٦)، ولم تأمن لائمته إياك فى غدك».

стр. 1697

وقال الآخر: إن أخاك الصّدق من لم يخدعك ... ومن يضير نفسه لينفعك (١) وقد قال عبيد بن الأبرص: واعلمن علما يقينا أنه ... ليس يرجى لك من ليس معك ولا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وعين من عقلك على طباعك، أو ما كان لك أخ نصيح، ووزير شفيق، والزوجة الصالحة عون صدق، والسعيد من وعظ بغيره، فإن أنت لم ترزق من هذه الخصال (٢) خصلة واحدة، فلا بدّ لك من نكبة موجعة، يبقى أثرها، ويلوح لك ذكرها؛ ولذلك قالوا: «خير مالك ما نفعك» ولذلك قالوا: «لم يذهب (٣) من مالك ما وعظك». إن المال محروص عليه، ومطلوب فى قعر البحار، وفى رءوس الجبال، وفى دغل الغياض (٤)، ومطلوب فى الوعورة كما يطلب فى السّهولة، وسواء فيها (٥) بطون الأودية، وظهور الطرق، ومشارق الأرض ومغاربها، فطلبت بالعز، وطلبت بالذل، وطلبت بالوفاء، وطلبت، بالغدر، وطلبت بالنّسك كما طلبت بالفتك، وطلبت بالصدق كما طلبت بالكذب، وطلبت بالبذاء، وطلبت بالملق، فلم تترك فيها حيلة ولا رقية

стр. 1698

حتى طلبت بالكفر بالله، كما طلبت بالإيمان، وطلبت بالسّخف كما طلبت بالنّبل، فقد نصبوا الفخاخ بكل موضع، ونصبوا الشّرك (١) بكل ربع، وقد طلبك من لا يقصّر دون الظفر، وحسدك من لا ينام دون الشّفاء. وقد يهدأ الطالب الطّوائل (٢) والمطلوب بذات نفسه، ولا يهدأ الحريص، يقال: إنه ليس فى الأرض بلدة واسطة (٣)، ولا بادية شاسعة، ولا طرف من الأطراف، إلا وأنت واجد بها المدينىّ والبصرىّ والحيرىّ، وقد ترى شنف (٤) الفقراء للأغنياء، وتسرّع الرغبة إلى الملوك، وبغض الماشى للراكب، وعموم الحسد فى المتفاوتين، وإن لم تستعمل الحذر، وتأخذ بنصيبك من المداراة، وتتعلّم الحزم، وتجالس أصحاب الاقتصاد، وتعرف الدهور ودهرك خاصّة، وتمثّل لنفسك الغير (٥) حتى تتوهّم نفسك فقيرا ضائعا، وحتى تتهم شمالك على يمينك، وسمعك على بصرك، ولا يكون أحد أتهم (٦) عند نفسك من نفسك، ولا أولى بأخذ الحذر منه من أمينك، اختطفت اختطافا (٧)، واستلبت استلابا، وذوّبوا مالك وتحيّفوه (٨)، وألزموه السّلّ ولم يداووه، وقد قالوا: «بلى المال ربّه وإن كان أحمق» فلا تكوننّ دون ذلك الأحمق، وقالوا: «لا تعدم صناع ثلّة (٩)» فلا تكوننّ دون تلك الصناع، وقد قال الأول فى المال المضيّع المسلّط عليه شهوات العيال: «ليس لها راع، ولكن حلبة (١٠)».

стр. 1699

وليس مالك المال المعفى من الأضراس فيقال فيه: مرعى ولا أكولة (١)، وعشب ولا بعير، فقصاراك مع الإصلاح أن يقوم ببطنك وبحوائجك وبما ينوبك، ولا بقاء للمال على قلة الرّعى وكثرة الحلب، فكس (٢) فى أمرك، وتقدّم فى حفظ مالك، فإن من حفظ ماله فقد حفظ الأكرمين، والأكرمان: الدّين، والعرض، وقد قيل: «للرمى يراش السهم (٣)» و «عند النّطاح تغلب القرناء (٤)». وإذا رأت العرب مستأكلا وافق غمرا (٥) قالت: «ليس عليك نسجه فاسحب وخرّق (٦)» وقد قال رسول الله ﷺ : «الناس كلّهم سواء كأسنان المشط» والمرء كثير بأخيه، ولا خير لك فى صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه، فتعرّف شأن أصحابك ومعنىّ (٧) جلسائك، فإن كانوا فى هذه الصفة فاستعمل الحزم، وإن كانوا فى خلاف ذلك عملت على حسب ذلك. إنى لست آمرك إلا بما أمرك به القرآن، ولست أوصيك إلا بما أوصاك به الرسول، ولا أعظك إلا بما وعظ به الصالحون بعضهم بعضا، قال رسول الله ﷺ : «اعقلها وتوكّل» وقال مطرّف بن الشّخّير: «من نام تحت صدف (٨) مائل وهو ينوى التوكل، فليرم بنفسه من طمار (٩) وهو ينوى التوكّل» فأين

стр. 1700

التوقّى الذى أمر الله به، وأين التغرير الذى نهى عنه؟ ومن طمع فى السلامة من غير تسلّم (١)، فقد وضع الطمع فى موضع الأمانىّ، وإنما ينجز الله الطمع إذا كان فيما أمر به، وإنما يحقّق من الأمل ما كان هو المسبّب له، وفرّ عمر من الطاعون فقال له أبو عبيدة: «أتفرّ من قدر الله؟ » قال: «نعم إلى قدر الله» وقيل له: «هل ينفع الحذر من القدر؟ » فقال «لو كان الحذر لا ينفع لكان الأمر به لغو» فإبلاء العذر (٢) هو التوكل، وقال رسول الله ﷺ لرجل قال فى خصومة: حسبى الله: «أبل الله عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: حسبى الله». وقال الشاعر: ومن يك مثلى ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح ليبلى عذرا أو ليبلغ حاجة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح وقال الآخر: فإن يكن القاضى قضى غير عادل ... فبعد أمور لا ألوم لها نفسى وقال زهير البابىّ (٣): «إن كان التوكل أن أكون متى أخرجت مالى أيقنت بالخلف، وجعلت الخلف ما لا يرجع فى كيسى، ومتى ما لم أحفظه أيقنت بأنه محفوظ، فإنى أشهدكم أنى لم أتوكل قطّ، إنما التوكل أن تعلم أنك متى أخذت بأدب الله تتقلب فى الخير فتجزى بذلك إما عاجلا وإما آجلا» ثم قال: فلم تجر أبو بكر؟ ولم تجر عمر؟ ولم تجر عثمان؟ ولم تجر الزبير؟ ولم تجر عبد الرحمن (٤)؟ ولم علّم عمر الناس يتجرون، وكيف يشترون ويبيعون؟ ، ولم قال عمر: «إذا اشتريت جملا

стр. 1701

فاجعله ضخما، فإن لم يبعه الخبر (١) باعه المنظر»؟ ، ولم قال عمر: «فرّقوا بين المنايا، واجعلوا الرأس رأسين (٢)»؟ ولم قال عثمان حين سئل عن كثرة أرباحه: «لم أروّ من ربح قطّ»؟ ولم قيل: «لا تشتر عيبا ولا شيبا (٣)»، وهل حجر على بن أبى طالب على ابن أخيه عبد الله بن جعفر إلا فى إخراج المال فى غير حقه، وإعطائه فى هواه؟ وهل كان ذلك إلا فى طلب الذكر، والتماس الشكر؟ وهل قال أحد إن إنفاقه (٤) كان فى الخمور والقمار، وفى الفسولة (٥) والفجور؟ وهل كان إلا فيما تسمونه جودا، وتعدّونه كرما؟ ومن رأى أن يحجر على الكرام لكرمهم رأى أن يحجر على الحلماء لحلمهم (٦)! وأىّ إمام بعد أبى بكر تريدون؟ وبأىّ سلف بعد علىّ تقتدون؟ . وكيف نرجو الوفاء والقيام بالحق والصبر على النائبة من عند لعموظ (٧) مستأكل وملّاق مخادع، ومنهوم بالطعام شره لا يبالى بأى شىء أخذ الدرهم، ومن أىّ وجه أصاب الدينار؟ ولا يكترث للمنّة، ولا يبالى أن يكون أبدا منهوما منعوما عليه، وليس يبالى إذا أكل كيف كان ذلك الطعام؟ وكيف كان سببه؟ ، وما حكمه. فإن كان مالك قليلا فإنما هو قوام عيالك، وإن كان كثيرا فاجعل الفاضل لعدّة نوائبك، ولا يأمن الأيام إلا المضلّل، ولا يغترّ بالسلامة إلا المغفّل، فاحذر

стр. 1702

طوارق البلاء، وخدع رجال الدهاء، سمنك فى أديمك (١)، وغثك خير من سمين غيرك (٢) لو وجدته، فكيف ودونه أسل (٣) حداد، وأبواب شداد؟ قالت امرأة لبعض العرب: «إن تزوجتنى كفيتك» فأنشأ يقول: إذا لم يكن لى غير مالك مسّنى ... خصاص وبان الحمد منّى والأجر (٤) وما خير مال ليس نافع أهله ... وليس لشيخ الحىّ فى أمره أمر؟ وقال المعلوّط القريعىّ: أبا هانئ لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك ستر الله فالله واسع فلو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملّوا فيمنعوا (٥) (كتاب البخلاء ص ١٢٩)

стр. 1703

٧٢ - كتاب عمرو بن عثمان القينى إلى محمد بن عبيد الله العتبى وكان محمد (١) بن عبيد الله العتبىّ صديقا لعمرو بن عثمان القينىّ، فكتب إليه العتبى كتابا فزاده فى الدعاء، فكتب إليه عمرو: يا بن الذّوائب من قريش والذّرى ... وسليل سادة ساكنى البطحاء (٢) حاشا لمثلك أن يرانى قائلا ... بكرامة تزرى لديه برائى لم ترض إذ كنّيتنى وبدأت بى ... حتى دعوت الله لى ببقائى ولو اقتصرت على التى هى قيمتى ... فيما تبتّ قضيّة الحكماء لكتبت لى: «عمرو بن عثمان» ولم ... تتبعه فى العنوان حرف دعاء فاترك- جعلت فداك- إكرامى بما ... أخشى به عند الورى استغبائى (٣) فالعين تصغر أن تقدّمها على ... أولاد «حرب» السّادة الكرماء حلّوا من العز المنيع نيافه ... يحمون غيرهم ذرى العلياء (٤) (أدب الكتاب ص ١٥٩)

стр. 1704

٧٣ - كتاب المتوكل فى الإعلان بلقبه ولما مات هرون الواثق بن المعتصم سنة ٢٣٢ هـ بويع بالخلافة أخوه جعفر، ولقّب المتوكّل على الله، فأحضر محمد بن عبد الملك الزيات وأمر بالكتاب بذلك إلى الناس، فنفذت إليهم الكتب، نسخة ذلك: «بسم الله الرحمن الرحيم: أمر- أبقاك الله- أمير المؤمنين- أطال الله بقاءه- أن يكون الرّسم الذى يجرى به ذكره على أعواد منابره، وفى كتبه إلى قضاته وكتّابه وعماله وأصحاب دواوينه وغيرهم من سائر من تجرى المكاتبة بينه وبينه: «من عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين» فرأيك فى العمل بذلك وإعلامى بوصول كتابى إليك موفّقا إن شاء الله». (تاريخ الطبرى ١١: ٢٦) ٧٤ - كتاب المتوكل إلى عماله فى النصارى وأهل الذمة وفى سنة ٢٣٥ هـ كتب المتوكل إلى عمّاله فى الآفاق، بشأن النصارى وأهل الذمة: «بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإن الله ﵎ بعزّته التى لا تحاول، وقدرته على ما يريد، اصطفى الإسلام فرضيه لنفسه، وأكرم به ملائكته وبعث به رسله، وأيّد به أولياءه، وكنفه بالبرّ، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديان، مبرّأ من الشّبهات، معصوما من الآفات، محبوّا بمناقب الخير، مخصوصا من الشرائع بأطهرها وأفضلها، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها، وأكرم أهله بما أحلّ لهم من حلاله، وحرّم عليهم من حرامه، وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه، وأعدّ لهم من سعة جزائه وثوابه، فقال فى كتابه فيما أمر به

стр. 1705

ونهى عنه، وفيما حضّ عليه فيه ووعظ: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» وقال فيما حرّم على أهله مما عمط (١) فيه من ردىء المطعم والمشرب والمنكح، لينزّههم عنه، وليطهّر به دينهم ليفضلهم عليهم تفضيلا: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (٢) وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ، وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ» ثم ختم ما حرّم عليهم من ذلك فى هذه الآية بحراسة دينه ممن عند (٣) عنه، وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم، فقال : «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» وقال : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ، وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ، وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ

стр. 1706

مِنْ أَصْلابِكُمْ، وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ، إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» وقال «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ (١) مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ». فحرّم على المسلمين من مآكل أهل الأديان أرجسها وأنجسها، ومن شرابهم أدعاه إلى العداوة والبغضاء، وأصدّه عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزرا، وأولاها عند ذوى الحجا والألباب تحريما، ثم حباهم محاسن الأخلاق، وفضائل الكرامات، فجعلهم أهل الإيمان والأمانة، والفضل والتراحم، واليقين والصدق، ولم يجعل فى دينهم التقاطع والتدابر، ولا الحميّة ولا التكبّر، ولا الخيانة ولا الغدر، ولا التّباغى ولا التظالم، بل أمر بالأولى، ونهى عن الأخرى، ووعد وأوعد عليها جنّته وناره، وثوابه وعقابه، فالمسلمون بما اختصّهم الله من كرامته وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذى اختاره لهم، بائنون على الأديان بشرائعهم الزاكية، وأحكامهم المرضيّة الطاهرة، وبراهينهم المنيرة، وبتطهير الله دينهم بما أحلّ وحرّم فيه لهم وعليهم، قضاء من الله فى إعزاز دينه حتما، ومشيئة منه فى إظهار حقه ماضية، وإرادة منه فى إتمام نعمته على أهله نافذة «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزى فى الدنيا والآخرة على الكافرين. وقد رأى أمير المؤمنين- وبالله توفيقه وإرشاده- أن يحمل أهل الذّمة جميعا بحضرته وفى نواحى أعماله أقربها وأبعدها، وأخصّهم وأخسّهم، على تصيير

стр. 1707

طيالستهم (١) التى يلبسونها، من لبسها من تجّارهم وكتّابهم وكبيرهم وصغيرهم، على ألوان الثياب العسليّة، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره، ومن قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم ومن يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم، أخذ بتركيب خرقتين، صبغهما ذلك الصّبغ، يكون استدارة كلّ واحدة منهما شبرا تامّا فى مثله، على موضع أمام ثوبه الذى يلبسه تلقاء صدره ومن وراء ظهره، وأن يؤخذ الجميع منهم فى قلانسهم (٢) بتركيب أزرّة عليها، يخالف ألوانها ألوان القلانس، ترتفع فى أماكنها التى تقع بها، لئلا تلصق فتستر، ولا ما يركّب منها على حباك (٣) فيخفى، وكذلك فى سروجهم باتخاذ ركب (٤) خشب لها، ونصب أكر على قرابيسها (٥) تكون ناتئة عنها وموفية عليها، لا يرخّص لهم فى إزالتها عن قرابيسهم وتأخيرها إلى جوانبها، بل تتفقّد ذلك منهم ليقع ما وقع من الذى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهرا يتبيّنه الناظر من غير تأمل، وتأخذه الأعين من غير طلب، وأن تؤخذ عبيدهم وإماؤهم ومن يلبس المناطق من تلك الطبقة بشدّ الزّنانير والكساتيج (٦) مكان المناطق التى كانت فى أوساطهم، وأن توعز إلى عمّالك فيما أمر به أمير المؤمنين فى ذلك إيعازا تحدرهم (٧) به إلى استقصاء ما تقدّم إليهم فيه،

стр. 1708

وتحذّرهم إدهانا (١) وميلا، وتتقدّم إليهم فى إنزال العقوبة بمن خالف ذلك من جميع أهل الذمة عن سبيل عناد، وتهوين إلى غيره، ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التى أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها، وأخذهم بها إن شاء الله. فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره، وأنفذ إلى عمّالك فى نواحى عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله، وأمير المؤمنين يسأل الله ربّه ووليّه أن يصلّى على محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه، ويتولّى ما ولّاه مما لا يبلغ حقّه فيه إلا بعونه، حفظا يحمل به ما حمّله، وولاية يقضى بها حقّه منه، ويوجب بها له أكمل ثوابه، وأفضل مزيده، إنه كريم رحيم». وكتب إبراهيم بن العباس فى شوّال سنة خمس وثلاثين ومائتين. (تاريخ الطبرى ١١: ٣٦) ٧٥ - كتاب المتوكل بولاية العهد لبنيه وفى سنة ٢٣٥ هـ أيضا عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة- المنتصر والمعتز والمؤيّد- بولاية العهد، وضم إلى المنتصر إفريقية والمغرب وما يضاف إليها، وإلى المعتز كور خراسان وما يضاف إليها، وإلى المؤيد الشأم، وكتب بينهم كتابا نسخته: «هذا كتاب كتبه عبد الله جعفر الإمام المتوكّل على الله أمير المؤمنين، وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه، ومن حضر من أهل بيته وشيعته وقوّاده وقضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين، لمحمد المنتصر بالله ولأبى عبد الله المعتزّ بالله، وإبراهيم المؤيّد بالله بنى أمير المؤمنين، فى أصالة من رأيه، وعموم من عافية بدنه،

стр. 1709

واجتماع من فهمه، مختارا لما شهد به، متوخّيا بذلك طاعة ربه، وسلامة رعيّته واستقامتها، وانقياد طاعتها، واتّساع كلمتها، وصلاح ذات بينها، وذلك فى ذى الحجّة سنة خمس وثلاثين ومائتين، إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الإمام المتوكّل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين فى حياته، والخلافة عليهم من بعده، وأمره بتقوى الله التى هى عصمة من اعتصم بها، ونجاة من لجأ إليها، وعزّ من اقتصر عليها فإنّ بطاعة الله تتمّ النعمة، وتجب من الله الرحمة، والله غفور رحيم، وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، إلى أبى عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين، ثم من بعد أبى عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيّد بالله ابن أمير المؤمنين. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، على أبى عبد الله المعتزّ بالله وإبراهيم المؤيّد بالله ابنى أمير المؤمنين: السمع والطاعة والنّصيحة والمشايعة والموالاة لأوليائه، والمعاداة لأعدائه، فى السّرّ والجهر، والغضب والرّضا، والمنع والإعطاء، والتمسك ببيعته، والوفاء بعهده، لا يبغيانه غائلة (١)، ولا يحاولانه مخاتلة، ولا يمالئان (٢) عليه عدوّا، ولا يستبدّان دونه بأمر يكون فيه نقص لما جعل إليه أمير المؤمنين، من ولاية العهد فى حياته والخلافة من بعده. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، لأبى عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيّد بالله ابنى أمير المؤمنين: الوفاء بما عقده لهما، وعهد به إليهما، من الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين- وإبراهيم المؤيّد بالله ابن أمير المؤمنين الخليفة من بعد أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين- والإتمام على ذلك، ولا يخلعهما، ولا واحدا منهما، ولا يعقد دونهما

стр. 1710

ولا دون واحد منهما بيعة لولد ولا لأحد من جميع البريّة، ولا يؤخّر منهما مقدّما، ولا يقدّم منهما مؤخّرا، ولا ينقصهما، ولا واحدا منهما شيئا من أعمالهما التى ولّاهما عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، وكلّ واحد منهما، من الصلاة والمعاون والقضاء والمظالم والخراج والضّياع والغنيمة والصّدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما، وما فى عمل كلّ واحد منهما من البريد والطّراز (١) وخزن بيوت الأموال والمعاون ودور الضّرب، وجميع الأعمال التى جعلها أمير المؤمنين ويجعلها إلى كل واحد منهما، ولا ينقل عن واحد منهما أحدا من ناحيته من القوّاد والجند والشاكريّة (٢) والموالى والغلمان وغيرهم، ولا يعترض عليه فى شىء من ضياعه وإقطاعاته وسائر أمواله وذخائره وجميع ما فى يده وما حواه وملكت يده، من تالد وطارف، وقديم ومستأنف، وجميع ما يستفيده ويستفاد له، بنقض، ولا بخرم، ولا بجنف (٣)، ولا يعرض لأحد من عمّاله وكتّابه وقضاته وخدمه ووكلائه وأصحابه وجميع أسبابه، بمناظرة ولا محاسبة، ولا غير ذلك من الوجوه والأسباب كلّها، ولا يفسخ فيما وكّده أمير المؤمنين لهما فى هذا العقد والعهد بما يزيل ذلك عن جهته، أو يؤخّره عن وقته، أو يكون ناقضا لشىء منه. وجعل عبد الله جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبى عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين، إن أفضت إليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، لإبراهيم المؤيّد بالله ابن أمير المؤمنين، مثل الشرائط التى اشترطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، بجميع ما سمّى فيه ووصف فى هذا الكتاب، وعلى ما بيّن وفسّر، مع الوفاء من أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، بما جعله أمير المؤمنين

стр. 1711

لإبراهيم المؤيّد بالله ابن أمير المؤمنين من الخلافة وتسليم ذلك رضيّا ممضيّا له مقدّما ما فيه حقّ الله عليه وما أمره به أمير المؤمنين، غير ناكث ولا ناكب (١) بذلك ولا مبدّل، فإن الله تعالى جدّه، وعزّ ذكره، يتوعد من خالف أمره، وعند (٢) عن سبيله فى محكم كتابه: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». على أن لأبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، ولإبرهيم المؤيّد بالله ابن أمير المؤمنين، على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين [إذا أفضت الخلافة إليه (٣)] وهما مقيمان بحضرته، أو أحدهما، أو كانا غائبين عنه، مجتمعين كانا أو متفرّقين، وليس أبو عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين فى ولايته بخراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، وليس إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين فى ولايته بالشام وأجنادها، فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين أن يمضى أبا عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين إلى خراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، وأن يسلّم له ولايتها وأعمالها كلّها وأجنادها، والكور الداخلة فيما ولّى جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين، فلا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قبله، ولا فى شىء من البلدان دون خراسان والكور والأعمال المضمومة إليها، وأن يعجّل إشخاصه إليها، واليا عليها وعلى جميع أعمالها، مفردابها، مفوّضا إليه أعمالها كلّها، لينزل حيث أحبّ من كور عمله، ولا ينقله عنها، وأن يشخص معه جميع من ضمّ إليه أمير المؤمنين، ويضمّ من مواليه وقواده وشاكريّته وأصحابه وكتّابه وعمّاله وخدمه، ومن اتبعه من صنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وعيالهم وأموالهم، ولا يحبس عنه أحدا، ولا يشرك فى شىء من أعماله أحدا، ولا يوجّه عليه

стр. 1712

أمينا ولا كاتبا ولا بريدا، ولا يضرب (١) على يده فى قليل ولا كثير، وأن يطلق محمد المنتصر بالله لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروج إلى الشأم وأجنادها، فيمن ضمّ أمير المؤمنين ويضمّه إليه، من مواليه وقواده وخدمه وجنوده وشاكريّته وصحابته وعمّاله وخدّامه، ومن اتّبعه من صنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وأموالهم ولا يحبس منهم أحدا، ويسلّم إليه ولايتها وأعمالها وجنودها كلّها، لا يعوّقه عنها ولا يحبسه قبله، ولا فى شىء من البلدان دونها، وأن يعجّل إشخاصه إلى الشأم وأجنادها، واليا عليها، ولا ينقله عنها، وأنّ عليه له فيمن ضمّ إليه من القوّاد والموالى والغلمان والجنود والشاكريّة وأصناف الناس، وفى جميع الأسباب والوجوه مثل الذى اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين فى خراسان وأعمالها، على ما رسم من ذلك وبيّن ولخّص وشرح فى هذا الكتاب. ولإبرهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين إذا أفضت الخلافة إليه وإبراهيم المؤيد بالله مقيم بالشأم أن يقرّه بها، أو كان بحضرته أو كان غائبا عنه، أن يمضيه إلى عمله من الشأم، ويسلّم إليه أجنادها وولايتها وأعمالها كلها، ولا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قبله ولا فى شىء من البلدان دونها، وأن يعجّل إشخاصه إليها، واليا عليها وعلى جميع أعمالها، على مثل الشرط الذى أخذ لأبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، فى خراسان وأعمالها، على ما رسم ووصف وشرط فى هذا الكتاب لم يجعل أمير المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط، من محمد المنتصر بالله وأبى عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله بنى أمير المؤمنين، أن يزيل شيئا مما اشترطنا فى هذا الكتاب ووكّدنا، وعليهم جميعا الوفاء به، لا يقبل الله منهم إلا ذلك ولا التمسك إلا بعهد الله فيه، وكان عهد الله مسئولا.

стр. 1713

أشهد الله ربّ العالمين جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ومن حضر من المسلمين بجميع ما فى هذا الكتاب، على إمضائه إياه، على محمد المنتصر بالله وأبى عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله بنى أمير المؤمنين، بجميع ما سمّى ووصف فيه، وكفى بالله شهيدا ومعينا لمن أطاعه راجيا، ووفى بعهده خائفا؛ وحسيبا ومعاقبا من خالفه معاندا، أو صدف (١) عن أمره مجاهدا. وقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ، وقّعت شهادة الشهود بحضرة أمير المؤمنين فى كل نسخة منها، فى خزانة أمير المؤمنين نسخة، وعند محمد المنتصر ابن أمير المؤمنين نسخة، وعند أبى عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين نسخة، ونسخة عند إبرهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين. وقد ولّى جعفر الإمام المتوكل على الله أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وأرمينيّة وأذربيجان إلى ما بلى أعمال خراسان وكورها وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، على أن يجعل له على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين فى ذلك، الذى جعل له فى الحياطة فى نفسه، والوثاق فى أعماله والمضمومين إليه وسائر من يستعين به من الناس جميعا، فى خراسان والكور المضمومة إليها والمتصلة بها، على ما سمّى ووصف فى هذا الكتاب». (تاريخ الطبرى ١١: ٣٩) ٧٦ - كتاب عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحسن بن عثمان وفى سنة ٢٤١ هـ ضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، صاحب خان عاصم ببغداد ألف سوط فيما قيل. وكان السبب فى ذلك أنه شهد عليه عند أبى حسّان الزيادىّ قاضى الشرقية، أنه

стр. 1714

شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة (١)، سبعة عشر رجلا، شهاداتهم فيما ذكر مختلفة من هذا النحو، فكتب بذلك صاحب بريد بغداد إلى عبيد الله (٢) بن يحيى بن خاقان، فأنهى عبيد الله ذلك إلى المتوكل (٣)، فأمر المتوكل أن يكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر (٤) يأمره بضرب عيسى هذا بالسياط، فإذا مات رمى به فى دجلة، ولم تدفع جيفته إلى أهله، فكتب عبيد الله إلى الحسن بن عثمان (٥) جواب كتابه إليه فى عيسى: «بسم الله الرحمن الرحيم: أبقاك الله وحفظك، وأتم نعمته عليك، وصل كتابك فى الرجل المسمّى عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب الخانات، وما شهد به الشهود عليه من شتم أصحاب رسول الله ﷺ ولعنهم وإكفارهم ورميهم بالكبائر، ونسبتهم إلى النفاق، وغير ذلك مما خرج به إلى المعاندة لله ولرسوله ﷺ ، وتثبّتك فى أمر أولئك الشهود وما شهدوا به، وما صحّ عندك من عدالة من عدل منهم، ووضح لك من الأمر فيما شهدوا به، وشرحك ذلك فى رقعة درج (٦)

стр. 1715

كتابك، فعرضت على أمير المؤمنين- أعزّه الله- ذلك، فأمر بالكتاب إلى أبى العباس محمد بن عبد الله بن طاهر مولى أمير المؤمنين- أبقاه الله- بما قد نفذ إليه مما يشبه ما عنده- أبقاه الله- من نصرة دين الله وإحياء سنّته، والانتقام ممن ألحد فيه، وأن يضرب الرجل حدّا فى مجمع الناس حدّ الشتم، وخمسمائة سوط بعد الحدّ للأمور العظام التى اجترأ عليها، فإن مات ألقى فى الماء من غير صلاة، ليكون ذلك ناهيا لكل ملحد فى الدين، خارج من جماعة المسلمين، وأعلمتك ذلك لتعرفه إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». وذكر أن عيسى هذا لما ضرب ترك فى الشمس حتى مات، ثم رمى به فى دجلة. (تاريخ الطبرى ١١: ٥١) ٧٧ - كتاب أبى العيناء إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وحمل محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان أبا العيناء (١) على دابّة زعم أنه غير فاره (٢)، فكتب إلى أبيه عبيد الله: «أعلم الوزير- أعزّه الله- أن أبا على محمدا أراد أن يبرّنى فعقّنى، وأن يركبنى فأرجلنى، أمرلى بدابة تقف للنّبرة (٣)، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس

стр. 1716

عجفا (١)، وكالعاشق المهجور دنفا (٢)، قد أذكرت الرّواة عروة (٣) العذرىّ، والمجنون العامرىّ (٤)، مساعد أعلاه لأسفله، حباقه (٥) مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجّيت، ولو أفرد لتعزّيت، ولكنه يجمعهما فى الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النّسوان، وتتناغى (٦) من أجله الصّبيان، فمن ضائح يصيح داوه بالطّباشير (٧)، ومن قائل يقول: نوّله (٨) الشعير، قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء فى الأمصار، فلو أعين بنطق، لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجعفىّ، وعامر الشّعبى (٩). وإنما أوتيت من كاتبه الأعور، الذى إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر (١٠)، فإن رأى الوزير أن يبدلنى به، ويريحنى منه بمركوب.

стр. 1717

يضحكنى كما أضحك منى، ويمحو بحسنه وفراهته، ما سطّره المعيب بقبحه ودمامته (١)، ولست أذكر أمر سرجه ولجامه، فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه». فوجّه عبيد الله إليه برذونا (٢) من براذينه بسرجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابة محمد، وقد أخبرنى الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما (٣) هذا ثمنه لا يشتكى! فقال: أعز الله الوزير، لو لم أكذب مستزيدا (٤)، لم أنصرف مستفيدا، وإنى وإياه لكما «قالت امرأة العزيز: الآن حصحص (٥) الحقّ، أنا راودته عن نفسه وإنّه لمن الصّادقين» فضحك عبيد الله وقال: حجتك الداحضة (٦)، بملاحتك وظرفك، أبلغ من حجة غيرك البالغة. (زهر الآداب ٢: ١٦٥) ٧٨ - كتاب عبد الله بن خاقان إلى أبى الجهم ولعبد الله (٧) بن خاقان إلى أبى الجهم. «أما بعد فإنى إن بدأت بصفة فضلك، وما خصّك الله به، فأنت أفضل مما أصفك، وإن قدّمت الصفة لنفسى فى الإخبار عنها بما هى عليه فى المودة والهوى، رأيتك قد ابتدأت متفضّلا متطوّلا بما لا يؤمل أكثر منه، ولا يلتمس على الاستحقاق فى حدّ الجزاء». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٤)

стр. 1718

٧٩ - كتاب أبى العيناء إلى أبى نوح وكتب أبو العيناء إلى أبى نوح يهنئه بإسلامه: «لقد عظمت نعمة الله عليك، فى منابذة (١) أهل الذّلة والصّغار، والكفر والإصرار، الذين أحلّوا قومهم دار البوار، جهنّم يصلونها وبئس القرار، والّذين جعلوا لله أندادا، ودعوا للرّحمن ولدا، وما ينبغى للرّحمن أن يتّخذ ولدا، إن كلّ من فى السّموات والأرض إلّا آتى الرّحمن عبدا، وليهنئك نعمة الله عليك فى أخوّة المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، فقد أصبحت لهم أخا، وأصبح الدعاء لهم عليك من الله فرضا، قال الله : «وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ». ولله أبوك! لقد قدحت فأوريت، واستضأت فاهتديت، ومخضت الأمر ثم اقتنيت، لا كمن فكّر وقدّر فقتل كيف قدّر، فالحمد لله الذى أفاز (٢) قدحك، وأعلى كعبك، وأنقذ من النار شلوك (٣)، وخلّصك من لبس الحيرة، وجمرة الشّرك، إن الشّرك لظلم عظيم. ومن يشرك بالله فكأنّما خرّ من السّماء فتخطفه الطّير أو تهوى به الرّيح فى مكان سحيق (٤)، فأصبحت- أكرمك الله- وقد استبدلت بالبيع المساجد، وبالآحاد الجمع، وبقبلة الشام البيت الحرام. وبتحريف الإنجيل صحة التنزيل، وبارتياب المشركين يقين الموحّدين، وبحكم الأسقفّ رأس الملحدين، حكم أمير المؤمنين، وسيّد المرسلين، فهنأك الله بما أنعم به عليك، وأحسن فيه إليك، وأوزعك (٥) شكره، وزادك بشكره من فضله». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٥)

стр. 1719

٨٠ - كتاب أبى على البصير إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وكتب أبو على البصير (١) إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان: «وإن أمير المؤمنين لمّا استخلصك لنفسه، وأتمنك على رعيّته، فنطق بلسانك وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن ميّل (٢) بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضمارك (٣)، وخفّوا فى ميزانك، ولم يزدك- أكرمك الله- رفعة وتشريفا، إلّا ازددت له هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا، إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا (٤) وتنزيها، ولا تقريبا واختصاصا، إلا ازددت بالعامة رأفة، وعليها حدبا (٥)، لا يخرجك فرط النّصح له عن النظر لرعيته، ولا إيثار حقّه، عن الأخذ بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمّن ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقّد صغارها، ولا الجدّ فى إصلاح ما يصلح منها عن النظر فى عواقبها، تمضى ما كان الرشد فى إمضائه، وترجئ (٦) ما كان الحزم فى إرجائه، وتبذل ما كان الفضل فى بذله، وتمنع ما كانت المصلحة فى منعه، وتلين فى غير تكبّر، وتخصّ فى غير ميل، وتعمّ فى غير تصنّع، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا، فالسلطان يعتدّ لك من الغناء (٧) والكفاية، والذّبّ والحياطة، والنصح والأمانة، والعفّة والنزاهة، والنّصب فيما أدّى

стр. 1720

إلى الراحة، بما يراك معه، حيث انتهى إحسانه إليك، مستوجبا للزيادة، وكافّة الرعية- إلّا من غمط (١) منهم النعمة- مثنون عليك بحسن السّيرة، ويمن النّقيبة (٢)، ويعدّون من مآثرك أنك لم تدحض (٣) لأحد حجة، ولم تدفع حقا لشبهة، وهذا يسير من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنفدنا الزمان قبل تحصله، ثم كان قصدنا الوقوف دون الغاية منه». (زهر الآداب ١: ٣٤١) ٨١ - كتابه إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان وكتب إليه أيضا: «بسم الله الرحمن الرحيم: أوجب المعروف شكرا، وأحسنه عند الأحرار موقعا، معروفك عندى، وذلك أنك تطوّعت به مبتدئا، وشفعت ما تقدّم منه متفضّلا، عن غير كدّلى ألزمك دينا. أو أوجب عليك حقا، ثم يقطعنى عن الأخذ بحظّى من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه من شكر إنعامك، والانتساب إلى نعمتك، وإفرادى إياك بالتأميل دون غيرك، تخلّفى عن منزلة الخاصّة، ورغبتى عن مشاركة العامّة (٤)، وأنى لست معتادا للخدمة، ولا الملازمة، ولا قويّا على المغاداة والمراوحة، فلا يمنعنّك ارتفاع قدرك، وعلوّ منزلتك، وما تعانى من جلائل الأمور التى تشغل عمن قدمت حرمته، ووجب حقّه، ونسى أن يذكّر بنفسه، من أن تتطوّل (٥) بتجديد ذكرى وخبرى، والإصغاء إلى من يحثّك على وصلى وبرّى، ويرغّبك فى الصنيعة عندى؛ وأنا أسأل الذى وهب ذلك منك بغير سعى منى له، ولا نصب
следующие страницы →