← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

١٢٣ - كتاب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق وكتب الحسن بن وهب إلى مالك بن طوق فى ابن أبى الشّيص: «كتابى إليك كتاب خططته بيمينى، وفرّغت له ذهنى، فما ظنّك بحاجة: هذا موقعها منى؟ أترانى أقبل العذر فيها؟ أو أقصّر فى الشكر عليها، وابن أبى الشّيص قد عرفت حاله ونسبه وصفاته (١)، ولو كانت أيدينا تنبسط ببره ما عدانا إلى غيرنا، فاكتف بهذا منا». (العقد الفريد ٢: ١٩٣، واختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٤) ١٢٤ - كتاب أحد الكتاب إلى إبراهيم وأحمد ابنى المدبر وكتب بعض الكتاب إلى إبراهيم وأحمد ابنى المدبّر (٢) وقد نالتهما محنه، ثم ردفتها نعمة:

стр. 1752

«بسم الله الرحمن الرحيم: لو قبلت فيكما، ودانيت قدريكما، لقلت: جعلنى الله فداكما، ولكن أخّرت عنكما، فلا أقبل فيكما (١)، وقد بلغتنى المحنة التى لو مات إنسان غمّا بها لكنته، ثم اتصلت بى النعمة التى لو طار (٢) إنسان فرحا بها لكنته». وكتب تحته: وليس بتزويتى اللسان وصوغه ... ولكنه قد خالط اللحم والدّما (زهر الآداب ٣: ١٦، وأدب الكتاب ص ١٥٣) ١٢٥ - كتاب عمر بن أيوب إلى أحمد بن المدبر وكتب أبو حفص عمر بن أيوب إلى أبى الحسين أحمد بن محمد بن المدبّر، بعاتبه فى أن دعا له مدّ الله فى عمرك»: «يا جوادا بالثّنا وبخيلا بالعطا ... إنّ: «مدّ الله فى عمرك» من كتب الجفا ليس يستعمل هذا الصّدر بين الأصفيا ... فتفضّل يا فتى النّا س بتفخيم الدّعا» (أدب الكتاب ص ١٦٠) ١٢٦ - كتاب أبى العباس المبرد إلى إبراهيم بن المدبر وقال أبو الحسن الأخفش (٣) على بن سليمان: استهدى إبراهيم بن المدبّر

стр. 1753

أبا العباس (١) محمد بن يزيد جيسا يجمع إلى تأديب ولده الإمتاع بإيناسه (٢)، فندبنى لذلك وكتب إليه معى: «قد أنفذت إليك- أعزك الله- فلانا وجملة أمره أنه كما قال الشاعر: إذا زرت الملوك فإن حسبى ... شفيعا عندهم أن يخبرونى» (زهر الآداب ١: ١٤٤) ١٢٧ - كتاب إبراهيم بن المدبر إلى أبى عبد الله بن حمدون قال صاحب الأغانى: وكتب إبراهيم بن المدبّر إلى أبى عبد الله بن حمدون فى أيام نكبته يسأله إذ كان المتوكل والفتح بن خاقان بأمره: كم ترى يبقى على ذا بدنى؟ ... قد بلى من طول همّ وضنى

стр. 1754

أنا فى أسر وأسباب ردى ... وحديد فادح يكلمنى (١) يابن حمدون فتى الجود الذى ... أنا منه فى جنى ورد جنى (٢) ما الذى ترقبه، أم ما ترى ... فى أخ مضطهد مرتهن؟ وأبو عمران موسى حنق ... حاقد يطلبنى بالإحن (٣) وعبيد الله أيضا مثله ... ونجاح بى مجدّ ما ينى (٤) ليس يشفيه سوى سفك دمى ... أو يرانى مدرجا فى كفنى والأمير الفتح إن أذكرته ... حرمتى قام بأمرى وعنى قال: صدق حين أدعو باسمه ... وسرور حين يعرو حزنى قل له: يا حسن ما أوليتنى ... ما لما أوليتنى من ثمن زاد إحسانك عندى عظما ... أنّه باد لمن يعرفنى لست أدرى كيف أجزيك به ... غير أنّى مثقل بالمنن ما رأى القوم كذنبى عندهم ... عظم ذنبى أننى لم أخن ذاك فعلى وتراثى عن أبى ... واقتدائى بأخى فى السّنن سنّة صالحة معروفة ... هى منّا فى قديم الزمن ظفر الأعداء بى عن حيلة ... ولعلّ الله أن يظفرنى ليت أنى وهم فى مجلس ... يظهر الحقّ به للفطن فترى لى ولهم ملحمة ... يهلك الخائن فيها والدّنى (٥) والذى أسأل أن ينصفنى ... حاكم يقضى بما يلزمنى

стр. 1755

قل لحمدون خليلى وابنه ... ولعيسى حرّكوه يا بنى (١) فلم يزالوا فى أمره حتى خلّصوه. (الأغانى ١٩: ١١٩) ١٢٨ - كتابه إلى عريب وكان بين إبراهيم بن المدبّر وبين عريب (٢) المغنية حال مشهورة، كان يهواها وتهواه، ولهما فى ذلك أخبار كثيرة. وقد كتبت إليه من سرّ من رأى كتابا تتشوقه فيه، وتخبره باستيحاشها له، واهتمامها بأمره، وأنها قد سألت الخليفة فى أمره، فوعدها بما تحب. فأجابها عن كتابها، وكتب فى آخر الكتاب: لعمرك ما صوت بديع لمعبد (٣) ... بأحسن عندى من كتاب عريب تأمّلت فى أثنائه خطّ كاتب ... ورقّة مشتاق، ولفظ خطيب وراجعنى من وصلها ما استرقّنى ... وزهّدنى فى وصل كلّ حبيب فصرت لها عبدا مقرّا بملكها ... ومستمسكا من ودّها بنصيب (٤) (الأغانى ١٩: ١١٦) ١٢٩ - كتاب لابن المدبر ولا بن المدبّر: «وصل كتابك المفتتح بالعتاب الجميل، والتقريع اللطيف، فلولا ما غلب علىّ من السرور بسلامتك، لتقطّعت غمّا بعتابك، الذى لطف حتى كاد يخفى عن أهل

стр. 1756

الرّقة والفطنة، وغلظ حتى كاد يفهمه أهل الجهل والبله، فلا أعدمنى الله رضاك مجازيا به على ما استحقّه عتبك، فأنت ظالم فيه، وعتابك ولىّ المخرج منه». (العقد الفريد: ٢: ١٩٤) ١٣٠ - الرسالة العذراء لإبراهيم بن المدبر وهى رسالة فى موازين البلاغة وأدوات الكتابة، كتب بها أبو اليسر إبراهيم ابن محمد بن المدبّر: «بسم الله الرحمن الرحيم: فتق الله بالحكمة ذهنك، وشرح بها صدرك، وأنطق بالحق لسانك، وشرّف به بيانك، وصل إلىّ كتابك العجيب الذى استفهمتنى فيه- بجوامع كلمك- جوامع أسباب البلاغة، واستكشفتنى عن غوامض آداب أدوات الكتابة: سألتنى أن أقف بك على وزن عذوبة اللفظ وحلاوته، وحدود فحامة المعنى وجزالته، ورشاقة نظم الكتاب، ومشاكلة سرده، وحسن افتتاحه وختمه، وانتهاء فصوله، واعتدال وصوله، وسلامتهما من الزّلل، وبعدهما من الخطل (١)، ومتى يكون الكاتب مستحقّا اسم الكتابة، والبليغ مسلّما له معانى البلاغة، فى إشارته واستعارته، وإلى أىّ أدواته هو أحوج، وبأىّ آلاته هو أعمل، إذا حصحص (٢) الحقّ، ودعى إلى السّبق، وفهمته. وأنا راسم لك- أيّدك الله- من ذلك ما يجمع أكثر شرائطك، ويعبّر عن جملة سؤالك، وإن طوّلت فى الكتاب وعرّضت، وأطنبت فى الوصف وأسهبت، ومستقص على نفسى فى الجواب، على قدر استقصائك فى السؤال، وإن أخلّ به التياث (٣) الحال، وسكون الحركة، وفتور النشاط، وانتشار الرويّة، وتقسّم الفكر، واشتراك القلب، والله المستعان.

стр. 1757

اعلم- أيّدك الله- أن أدوات ديوان جميع المحاسن، وآلات المكارم، طائعة منقادة لهذه الصناعة التى خطبتها، وتالية تابعة لها، وغير خارجة إلى جحد أحكامها، ولا دافعة لما يلزمها الإقرار به لها، إضرارا منها إليها، وعجزا عنها، فإن تقاضتك نفسك علمها، ونازعتك همّتك إلى طلها، فاتخذ البرهان دليلا شاهدا، والحقّ إماما قائدا، يقرّب مسافة ارتيادك، وبسهّل عليك سبل مطالبها، واستوهب الله توفيقا تستنجح به مطالبك، واستمنحه رشدا يقبل إليك بوجه مذاهبك، فاقصد فى ارتيادك، وتأمّل الصواب فى قولك وفعلك، ولا تسكن إلى جحود قصد السابق باللّجاج، ولا تخرج إلى إهمال حقّ المصيب بالمعاندة والإنكار، ولا تستخفّ بالحكمة ولا تصغرها حيث وجدتها، فترحل نافرة عن مواطنها من قلبك، وتظعن شاردة عن مكانها من بالك، وتتعفّى (١) بعد العمارة من قلبك آثارها، وتنطمس بعد الوضوح أعلامها. واعلم أن الاكتساب بالتعلّم والتكلّف، وطول الاختلاف إلى العلماء، ومدارسة كتب الحكماء، فإن أردت خوض بحار البلاغة، وطلبت أدوات الفصاحة، فتصفّح من رسائل المتقدّمين ما تعتمد عليه، ومن رسائل المتأخرين ما ترجع إليه، فى تلقيح ذهنك، واستنجاح بلاغتك، ومن نوادر كلام الناس ما تستعين به، ومن الأشعار والأخبار والسّير والأسمار (٢) ما يتّسع به منطقك، ويعذب به لسانك، ويطول به قلمك، وانظر فى كتب المقامات والخطب، ومحاورات العرب، ومعانى العجم، وحدود المنطق، وأمثال الفرس ورسائلهم وعهودهم، وسيرهم ووقائعهم، ومكايدهم فى حروبهم، بعد أن تتوسط فى علم النحو والتصريف واللغة والوثائق والسور والشروط ككتب السّجلّات والأمانات، فإنه أول ما يحتاج إليه الكاتب، وتمهر (٣) فى نزع

стр. 1758

آى القرآن فى مواضعها، واجتلاب الأمثال فى أماكنها، واختراع الألفاظ الجزلة، وقرض الشعر الجيد وعلم العروض، فإن تضمين المثل السائر، والبيت الغابر البارع، مما يزين كتابتك، ما لم تخاطب خليفة أو ملكا جليل القدر، فإن اجتلاب الشّعر فى كتب الخلفاء والجلّة الرؤساء، عيب واستهجان للكتب، إلا أن يكون الكاتب هو القارض للشعر والصانع له، فإن ذلك مما يزيد فى أبّهته، ويدل على براعته، وإن شدوت (١) من هذه العلوم ما لا يشغلك محلّه، وتنقّيت من هذه الفنون ما تستعين به على إطالة قلمك، وتقويم أود (٢) بيانك. بعد أن يكون الكاتب صحيح القريحة، حلو الشمائل، عذب الألفاظ، دقيق الفهم، حسن القامة، بعيدا من الفدامة (٣)، خفيف الرّوح، حاذق الحسّ، محنّكا بالتجربة، عالما بحلال الكتاب والسّنّة وحرامهما، وبالملوك وسيرها وأيامها، وبالدهور فى تقلّبها وتداولها، مع براعة الأدب، وتأليف الأوصاف، ومشاكلة الاستعارة، وحسن الإشارة، وشرح المعنى بمثله من القول، حتى تنصبّ صورا منطقيّة تعرب عن أنفسها، وتدل على أعيالها، لأن الحكماء قد شرطوا فى صفات الكتّاب: اعتدال (٤) القامة، وصغر الهامة (٥)، وخفة اللهازم (٦)، وكثافة اللّحية، وصدق الحسّ، ولطف المذهب، وحلاوة الشمائل، وخفة الإشارة، وملاحة الزّىّ، حتى قال بعض المهالبة (٧) لولده: «تزيّوا بزىّ الكتّاب، فإن فيهم أدب الملوك، وتواضع السّوقة». ومن كمال آلة الكتابة: أن يكون الكاتب بهىّ الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهن، صادق الحس، حسن البيان، رقيق حواشى

стр. 1759

اللسان، حلو الإشارة، مليح الاستعارة، لطيف المسلك، مستفره (١) المركب، ولا يكون مع ذلك فضفاض الجثّة، متفاوت الأجزاء، طويل اللحية. عظيم الهامة؛ فإنهم زعموا أن هذه الصورة لا يليق بصاحبها الذكاء والفطنة. وإذا احتجت إلى مخاطبة الملوك والوزراء والعلماء والكتاب والخطباء والأدباء والشعراء وأوساط الناس وسوقتهم، فخاطب كلّا على قدر أبّهته وجلالته، وعلوّه وارتفاعه، وتفطّنه وانتباهه، واجعل طبقات الكلام على ثمانية أقسام، فأربعة منها للطبقة العلوية، وأربعة دونها، ولكل طبقة منها درجة، ولكلّ قسمة حظّ لا يتسع للكاتب البليغ أن يقصّر بأهلها عنها، ويقلب معناها إلى غيرها. فالطبقة العليا: الخلافة التى أجلّ الله قدرها، وأعلى شأنها عن مساواتها بأحد من أبناء الدنيا فى التعظيم والتوقير والمخاطبة والترسّل. والطبقة الثانية الوزراء والكتّاب الذين يخاطبون الخلفاء بعقولهم وألسنتهم، ويرتقون الفتوق بآرائهم، ويتجمّلون بآدابهم. والطبقة الثالثة: أمراء ثغورهم وقواد جيوشهم، فإنه يجب مخاطبة كل امرئ منهم على قدره وموضعه وحظه وغنائه (٢) وجزائه واضطلاعه بما حمل من أعباء أمورهم، وجلائل أعمالهم. والطبقة الرابعة: القضاة، فإنهم وإن كان لهم تواضع العلماء، وحلية الفضلاء، فمعهم أبّهة السلطنة، وهيبة الأمراء. أما الطبقات الأربع الأخرى، فهم الملوك الذين أوجبت نعمهم تعظيمهم فى الكتب إليهم، وأفضالهم تفضيلهم فيها. والثانية: وزراؤهم وكتّابهم وأتباعهم الذين بهم نقرع أبوابهم، وبعنايتهم تستماح (٣) أموالهم. والثالثة: هم العلماء الذين يجب توقيرهم فى الكتب، لشرف العلم وعلو درجة أهله. والرابعة: أهل القدر والجلالة والظّرف والحلاوة والطّلاوة (٤) والعلم والأدب، فإنهم يضطرّونك بحدّة أذهانهم، وشدة تمييزهم وانتقادهم وأدبهم وتصفحهم، إلى الاستقصاء على نفسك فى مكاتبتهم.

стр. 1760

واستغنينا عن الترتيب للتجار والسّوقة والعوامّ رتبة، لاستغنائهم بتجارتهم عن هذه الآلات، واشتغالهم بمهمّاتهم عن هذه الأدوات. ولكل طبقة من هذه الطبقات معان ومذاهب يجب عليك أن تراعيها فى مراسلتك إياهم فى كتبك، فتزن كلامك فى مخاطبتهم بميزانه، وتعطيه قسمه، وتوفّيه نصيبه، فإنك متى أهملت ذلك وأضعته، لم آمن عليك أن تعدل بهم عن طريقهم، وتسلك بهم فى غير مسلكهم، وتجرى شعاع بلاغتك فى غير مجراه، وتنظم جوهر كلامك فى غير سلكه. فلا تعتدّ (١) بالمعنى الجزل ما لم تلبسه لفظا جزلا لائقا بمن كاتبته، ومشابها لمن راسلته، فإن إلباسك المعنى- وإن شرف وصلح- لفظا مختلفا عن قدر المكتوب إليه، لم تجربه عادتهم، تهجين (٢) للمعنى، وإخلال بقدره، وظلم لحقّ المكتوب إليه، ونقص مما يجب له؛ كما أن فى اتّباع (٣) تعارفهم، وما انتشرت به عاداتهم، وجرت به سنّتهم، قطعا لعذرهم، وخروجا من حقوقهم، وبلوغا إلى غير غاية مرادهم، وإسقاطا لحجّة أدبهم، فمن (٤) الألفاظ المرغوب عنها، والصدور المستوحش منها، فى كتب السادات والأمراء والملوك- على اتفاق المعانى- مثل: «أبقاك الله طويلا» و «عمرك مليّا (٥)» وإن كنا نعلم أنه لا فرقان بين قولهم: «أطال الله بقاءك» وبين قولهم: «أبقاك الله طويلا» ولكنهم جعلوا هذا أرجح وزنا، وأنبه قدرا، فى مخاطبة الملوك، كما أنهم جعلوا: «أكرمك الله وأبقاك» أحسن منزلة فى كتب الفضلاء والأدباء، من «جعلت فداك» على اشتراك معناه، واحتماله أن يكون فداء من الخير، كما يحتمل أن يكون فداء له من الشر، ولولا أن رسول الله ﷺ

стр. 1761

قال لسعد بن أبى وقاص: «ارم، فداك أبى وأمّى» لكرهت أن يكتب بها أحد. على أن كتاب العسكر وعوامّهم قد أولعوا بهذه اللفظة، حتى استعملوها فى جميع محاوراتهم، وجعلوها هجّيراهم (١) فى مخاطبة الشريف والوضيع، والكبير والصغير ولذلك قال محمود الورّاق: كلّ من حلّ «سرّ من را» من النا ... س، وممن يصاحب الأملاكا لو رأى الكلب مائلا فى طريق ... قال للكلب: يا جعلت فداكا وكذلك لم يجيزوا أن يكتبوا بمثل «أبقاك الله وأمتع بك» إلا إلى الحرمة والأهل والتابع المنقطع إليك، وأمّا فى كتب الإخوان فغير جائز، بل مذموم مرغوب عنه؛ ولذلك كتب عبد الله بن طاهر إلى محمد بن عبد الملك الزيات: أحلت عمّا عهدت من أدبك ... أم نلت ملكا فتهت فى كتبك؟ (٢) أم هل ترى أنّ فى التواضع لل ... إخوان نقصا علبك فى حسبك؟ أتعبت كفّيك فى مكاتبتى ... حسبك مما يزيد فى تعبك إنّ جفاء كتاب ذى أدب ... يكتب فى صدره: «وأمتع بك» (٣) فكتب إليه محمد بن عبد الملك: أنكرت شيئا فلست فاعله ... فلن تراه يخطّ فى كتبك فاعف- فدتك النفوس- عن رجل ... يعيش حتى الممات فى أدبك كيف أخون الإخاء يا أملى ... وكلّ شىء أنال من سببك إن يك جهلا أتاك من قبلى ... فعد بفضل علىّ من حسمك

стр. 1762

وأما صدور السّلف فإنما كانت من فلان بن فلان إلى فلان، كذلك جرت كتب رسول الله ﷺ إلى العلاء بن الحضرمىّ، وإلى أقيال اليمن، وإلى كسرى وقيصر، وكتب أصحابه والتابعين كذلك، حتى استخلص الكتّاب هذه المحدثات من بدائع الصدور، واستنبطوا لطيف الكلام، ورتّبوا لكلّ رتبة، وجروا على تلك السّنّة الماضية إلى عصرنا هذا فى كتب الخلفاء والأمراء، وثبتوا على ذلك المنهاج فى كتب الفتوحات والأمانات والسّجلّات. ولكل مكتوب إليه قدر ووزن ينبغى للكاتب أن لا يتجاوز به عنه، ولا يقصّر به دونه، وقد رأيتهم عابوا الأحوص (١) حين خاطب الملوك بمخاطبة العوامّ فى قوله: وأراك تفعل ما تقول، وبعضهم ... مذق الحديث، يقول ما لا يفعل (٢) فهذا معنى صحيح فى المدح، ولكنهم أجلّوا أقدار الملوك أن يمدحوا بما يمدح به العوامّ، لأن صدق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان مدحا، فهو واجب على كلّ، والملوك لا يمدحون بالفروض الواجبة، وإنما يحسن مدحهم بالنوافل (٣)، لأن المادح لو قال لبعض الملوك: إنك لا تزنى بحليلة (٤) جارك، وإنك لا تخون ما استودعت، وإنك تصدق فى وعدك، وتفى بعهدك، كان قد أثنى بما يجب، ولكنه لم يصل بثنائه إلى مقصد، وقال ما لا يستحسن مثله فى الملوك. ونحن نعلم أن كل أمير تولّى من أمور المؤمنين شيئا فهو أمير المؤمنين، غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا للخلفاء خاصّة، ونعلم أن الكيس هو العقل إذا عنوا به ضدّ الحمق (٥)، ولكنك لو وصفت رجلا فقلت: «إن فلانا لعاقل»

стр. 1763

كنت قد مدحته عند الناس، ولو قلت: «إنه كيّس» كنت قد قصّرت به عن وصفه، وصغّرت من قدره، إلا عند أهل العلم باللغة، لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة إلا إلى حيث جرت منها العادة فى استعمالها فى الظاهر، إذ كان استعمال العامة لهذه الكلمة مع الحداثة والغرّة وخساسة النفس وصغر السّنّ، وقد روينا عن علىّ رضى الله عنه أنه تبجّح (١) بالكيس حين بنى سجن الكوفة فقال فى ذلك: أما ترانى كيّسا مكيّسا ... بنيت بعد نافع مخيّسا (٢) * حصنا حصينا وأمينا كيّسا (٣) * وقال الشاعر: «ما يصنع الأحمق المرزوق بالكيس، ونعلم أن الصلاة رحمة، غير أنهم قد حرّموها (٤) إلّا على الأنبياء، كذلك روى عن ابن عباس رضى الله عنه، وسمع سعد بن أبى وقّاص أخاله يلبّى ويقول فى تلبيته: «لبّيك يا ذا المعارج (٥)» فقال: نحن نعلم أنه ذو المعارج، ولكن ليس كذلك، كنا نلبى على عهد رسول الله ﷺ ، إنما كنا نقول: لبّيك اللهمّ لبّيك» وكان أبو إبراهيم المزنىّ قال فى بعض

стр. 1764

ما خاطب به داود بن خلف الأصبهانى: «وإن قال كذا فقد خرج عن الملّة، والحمد لله» فنقض ذلك عليه داود، وقال فيما رد عليه: تحمد الله على أن تخرج امرا مسلما من الإسلام! هذا موضع استرجاع، وللحمد مكان يليق به وإنما يقال فى المصيبة: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ». فامتثلّ هذه الرسوم والمذاهب، واجر على آدابهم، فلكلّ رسوم امتثلوها، وتحفّظ فى صدور كتبك وفصولها، وافتتاحها وخاتمتها، وضع كل معنى فى موضع يليق به، وتخيّر لكل لفظة معنى يشاكلها، وليكن ما تختم به فصولك فى موضع ذكر الشكوى بمثل: «والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل» وفى موضع ذكر البلوى: «نسأل الله دفع المحذور، ونسأل الله صرف السوء» وفى موضع ذكر المصيبة بمثل «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» وفى موضع ذكر النعم بمثل: «والحمد لله خالصا، والشكر لله واجبا» فإنها مواضع ينبغى للكاتب تفقّدها، فإنما يكون كاتبا إذا وضع كل معنى فى موضعه، وعلّق كل لفظة على طبقها من المعنى، فلا يجعل أول ما ينبغى له أن يكتب فى آخر كتابه فى أوله، ولا أوله فى آخره، فإنى سمعت جعفر بن محمد الكاتب يقول: «لا ينبغى للكاتب أن يكون كاتبا، حتى لا يستطيع أحد أن يؤخر أول كتابه، ولا يقدّم آخره». واعلم أنه لا يجوز فى الرسائل استعمال ما أتى فى آى القرآن، من الاقتصار والحذف، ومخاطبة الخاصّ بالعام، والعامّ بالخاص، لأن الله إنما خاطب بالقرآن قوما فصحاء، فهموا عنه جل ثناؤه أمره ونهيه ومراده، والرسائل إنما يخاطب بها قوم دخلاء على اللغة لا علم لهم بلسان العرب، وكذلك ينبغى للكاتب أن يتجنب اللفظ المشترك والمعنى الملتبس، فإنه إن ذهب الكاتب على مثل قوله تعالى: «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها (١)» وقوله:

стр. 1765

«بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ» احتاج أن يبين معناه: بل مكركم بالليل والنهار، ومثل هذا فى القرآن كثير لا يتّسع الكتاب لذكره. وكذلك لا يجوز أيضا فى الرسائل والبلاغات المشهورة ما يجوز فى الأشعار الموزونة، لأن الشاعر مضطر، والشعر مقصور (١) مقيّد بالوزن والقوافى؛ فلذلك أجازوا لهم صرف ما لا ينصرف من الأسماء، وحذف ما لا يحذف منها، واغتفروا فيه الإغراب وسوء النظم، وأجازوا فيه التقديم والتأخير، والإضمار فى موضع الإظهار وذلك كله غير مساغ (٢) فى الرسائل، ولا جائز فى البلاغات، فمما فى الشعر من الحذف: قول الشاعر: «قواطنا مكّة من ورق الحمى (٣)» يعنى الحمام وقول الآخر: «صفر الوشاحين صموت الخلخل (٤)» يريد الخلخال وكقول الآخر: «دار لسلمى إذه من هواكا (٥)» يريد إذ هى

стр. 1766

وكقول الحطيئة: فيه الرماح وفيه كلّ سابغة ... جدلاء مسرودة من صنع سلام (١) يريد سليمان بن داود، وكقول النابغة: «ونسج سليم كلّ قضّاء ذائل (٢)»

стр. 1767

وقول الآخر: «من نسج داود أبى سلّام (١)» وقول الآخر: «والشيخ عثمان أبى عفّان» أراد عثمان بن عفان، وكما قال الآخر: وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق (٢) أراد ثعلبة بن سيّار، وقول الآخر: ولست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقنى إن كان ماؤك ذا فضل (٣) أراد ولكن: وكذلك ينبغى فى الرسائل ألا يصغّر الأسم فى موضع التعظيم، وإن كان ذلك جائزا، مثل قولهم: دويهية تصغير داهية، وجذبل تصغير جذل، وعذيق تصغير عذق، قال لبيد: وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل (٤) وقال الحباب بن المنذر يوم سقيفة بنى ساعدة: «أنا عذيقها المرجّب، وجذيلها المحكّك (٥)».

стр. 1768

ومما لا يجوز فى الرسائل، وكرهوه فى الكلام أيضا، مثل قولهم: كلمت إياك وأعنى إياك، وهو جائز فى الشعر، قال الشاعر: وأحسن وأجمل فى أسيرك إنه ... ضعيف، ولم يأسر كإياك آسر وقال الراجز: «إياك حتى بلغت إياك» وإساءة النظم فى التأليف فى الشعر كثير. وتكون الكلمة بشعة حتى إذا وضعت موضعها، وقرنت مع أخوانها» حسن حالها وراقت، كقول الحسن بن هانئ (١): «ذو خصر أفلت من كدّ البل (٢)» والكدّ كلمة قلقة لا سيّما فى الرقيق والغزل والتشبيب، غير أنها لمّا وقعت فى موضعها حسنت، كما أن اللفظة العذبة إذا لم توضع موضعها نفرت، قال الشاعر: رأت عارضا جونا فقامت غريرة ... بمسحاتها قبل الظلام تبادره (٣) فأوقع الجلف (٤) الجافى هذه اللفظة غير موقعها، وظلمها إذ جعلها فى غير مكانها، لأن المساحى لا تكون ولا تصلح للغرائر، وأين كان عن قول الشاعر: غرائر، ما حدّثن يهدين أنسه ... فما فوقه منهن غير غرائر حديث لو أنّ العصم تدعى به أتت ... ودون يد الفحشاء حدّ البواتر (٥) فتخيّر من الألفاظ أرجحها وزنا، وأجزلها معنى، وأشرفها جوهرا، وأكرمها

стр. 1769

حسبا، وأليقها فى مكانها، وأشكلها فى موضعها، وليكن فى صدر كتابك دليل واضح على مرادك، وافتتاح كلامك برهان شاهد على مقصدك، حيثما جريت فيه من فنون العلم، ونزعت نحوه من مذاهب الخطب والبلاغات (١)، فإن ذلك أجزل لمعناك، وأحسن لاتّساق كلامك، ولا تطيانّ صدر كلامك إطالة تخرجه عن حدّه، ولا تقصّر به عن حقه، ولو صوّر اللفظ وكان له حدّ، لوقفتك عليه، غير أنهم- فى الجملة- كرهوا أن يزيدوا صدور كتب الملوك على سطرين أو ثلاثة، وهذه إشارة لا تعبّر إلا عن الجملة من المقصود إليه، لأن الأسطر غير محدودة. واعلم أن أول ما ينبغى لك، أن تصلح آلتك التى لا بدّ لك منها، وأدواتك التى لا تتمّ (٢) صناعتك إلا بها، وهى دواتك، فابدأ بعمارتها وإصلاحها (٣)، وتخيّر لها ليقة (٤) نقيّة من الشّعر والوذح، لئلا يخرج على حرف قلمك ما يفسد كتابك، ويشغلك بتنقيته، وخذ من المداد الفارسىّ خمسة دراهم، ومن الصّمغ العربى درهما، وعفصا (٥) مسحوقا نصف درهم، ورماد القرطاس المحرق درهمين، ثم تسحقها وتغربلها، وتجمعها ببياض البيض، ثم بندقها (٦) واجعلها فى الظّلّ، فإذا احتجت إليها أخذت منها مقدار حاجتك فكسرته وحشوت به دواتك، وإذا نقعته فى ماء السّلق حتى ينحلّ ويذوب ويختمر، ثم أمددت من مائه دوانك، كان أجود وأنقى. ثم اختر بعد ذلك من أنابيب القصب الذى يصلح لكتابة القراطيس، أقله عقدا،

стр. 1770

وأكثفه لحما، وأصلبه قشرا، وأعدله استواء، وتجنّب الأقلام الفارسية ما استطعت، فإنها ما تصلح إلا للكواغد والرّقوق (١). واجعل لقلمك برية حادّة، فإنّ تعثّر يد الكاتب وقت قطع القرطاس، ناقص مروءته، ومخلّ بظرفه، وإن قدرت ألا تقطع القرطاس إذا فرغت من كتابك إلا بخرطوم قلمك، فافعل، فإن ذلك أكمل لمروءتك، وأبدع لظرفك، وقطعك. واستعمل لبرى القلم سكّينا طواويسيّا (٢)، مذلق الحّد، وميض الطرف، فيكون ذلك عونا لك على برى أقلامك، فإن محل القلم من الكاتب محلّ الرّمح من الفارس، ولئن قيل كأنه الرمح الرّدينى (٣)، لقد قال الكاتب كأنه القلم البحريّ، وتفقّد الأنبوبة قبل بريكها لئلا تجعلها منكوسة، وابرها من ناحية نبات القصبة، وارهف (٤) - ما قدرت- جانبى قلمك، ليردّ ما انتشر من المداد، ولا تطل شقّه. فإن القلم لا يمجّ المداد من شقّه إلا مقدار ما احتملت شعبتاه (٥). فرفّع شعبتيه ليجمعا لك حواشى تصويره.

стр. 1771

وأما قطّ القلم فعلى قدر القلم الذى يتعاطاه الكاتب من الخطّ، غير أن المسلسل (١) لا يكاد يتسلسل إلا بالقلم المربّع القطّ، كما أن كتب الملوك والسّجلّات لا تحسن إلا بالقلم المحرّف الكوفى، وأمّا قلم اللّازورد فهو المعتمد عليه والمقصود إليه فى النوائب والمهمّات. ورأيت كثيرا من الكتاب يختارون قلم النّرجس لتجعّده وتجانسه، ومن اللازورد أبسط منه وأقوم حروفا، وأما الموشّع والمولّع والمدبّج والمنمنم والمسهّم، فعلى قدر رشاقة خط الكاتب وحلاوة قلمه، وأما حسن الخط فلست أجد له حدّا أقف عليه أكثر من قول علىّ النّصر اباذىّ (٢) الكاتب، فإنى سألته واستوصفته الخطّ، فقال: أعلّمك الخط فى كلمة واحدة، فقلت له: تفضل بذلك، فقال: لا تكتبنّ حرفا حتى تستفرغ مجهودك فى كتابة الحرف المبدوء به، وتجعل فى نفسك أنك لا تكتب غيره، حتى لا تعجل (٣) عنه إلى غيره، وإياك والنقط والشكل فى كتابك، إلا أن تمر بالحرف المعضل الذى تعلم أن المكتوب إليه يعجز عن استخراجه، فإنى سمعت سعيد بن حميد الكاتب يقول: «لأن يشكل علىّ الحرف، أحب إلىّ من أن يعاب بالنقط والإعجام» وقال المأمون لكتّابه: إياكم والشّونيز (٤) فى كتبكم، يعنى النقط؛ ولذلك قال ابن هانئ: لم ترض بالإعجام حين كتبته ... حتى كتبت السّبّ بالإعراب ولا تغفل الصلاة على النبى ﵊، فقد قال أبو العيناء: «إن

стр. 1772

بنى أمية هم الذين كانوا أمروا كتّابهم فطرحوا ذلك من كتبهم، فجرت عادة الكتاب إلى يومنا هذا على ماسنّوه» وقد قال ﵊: «لا تجعلونى كقدح (١) الراكب، ولكن اجعلونى فى أول الدعاء وأوسطه وآخره» صلى الله عليه وعلى آله وسلّم أوّلا وأوسط وآخرا. وأحبّ أن تجعل بدل الإشارة (٢) التراب؛ فإن النبى ﷺ قال: «أتربوا كتبكم، فإنه أنجح للحاجة» ولا تدع التاريخ، فإنه يدل على تحقيق الأخبار وقربها وبعدها، وانظر إلى ما مضى من الشهر وما بقى منه، فإن كان الماضى أقلّ من نصف الشهر قلت: لكذا ليلة مضت من شهر كذا، وإن كان الباقى أقل من النصف قلت: لكذا أيضا بقيت، وقد قال بعض الكتاب: إن الماضى من الشهر تحصيه، والباقى لا تحصيه، لأنك لا تدرى: أيتمّ الشهر أو ينقص، وليس هذا بشىء، لأن تاريخ الكتاب ليس من الأحكام فى شىء، وما على الكاتب أن يكتب إلا بما ظهر وتبيّن لا بما يظن. ولا تجعل سحاة (٣) كتبك غليظة إلا فى العهود والسجلات التى تحتاج إلى خواتمها وطوابعها؛ فإن محمد بن عيسى الكاتب كاتب آل طاهر أخبر عنهم أن عبد الله بن طاهر كتب إلى العراق فى إشخاص كاتب كان كتب إليه، فكتب وغلّظ سحاة كتابه، فردّ الكتاب إليه، فقدم عليه راجيا لبرّه وجائزته، فقال عبد الله بن طاهر: إن كان معك مسحاة (٤) فاقطع خزم كتابك وانصرف وراءك،

стр. 1773

وكذلك لا تعظّم الطّينة، ففى المثل: «من عظّم الطّينة فإنه مظلوم» ولا تطبعها إلا بعد عنواناتها، فإن ذلك من أدبهم (١)، وقد يجب عليك علم إلصاق القراطيس ومحوها، ولم أر شيئا فى إلصاقها ألطف من أن ينقع الصّمغ العربى فى الماء ساعة حتى يذوب، ثم يلصق به، وكذلك ماء الكثيراء والنّشاستج (٢)، ثم تطويه طيّا رقيقا، وتجعله فى منديل نظيف، ويرفع تحت وسادة حتى يجفّ. وأما محوها، فعلى قدر لطف الكاتب وتأنيّه، غير أنه ينبغى له أن لا يلقط السواد من القرطاس إلا بمثل الشمع المسخّن واللّبان الممضوغ، وما أشبههما، ثم يكون لفظه رويدا رويدا، كلما لقط جانبا حوّله إلى الجانب الآخر. وأما قراءة الكتب المختومة والتلطّف لنقض خواتيمها، فمما لا نذكره خوفا من سفيه. وأما تضمين الأسرار فى الكتب حتى لا يقرأها غير المكتوب إليه، ففيه أدب يجب معرفته، وقد تعلّقت العامّة بالمعمّى، قال الأصبهانى (٣): وكان أبو حاتم سهل ابن محمد قد وضع منه أشياء جليلة من تبديل الحروف تبديلا يخفى، وألطف من ذلك أن تأخذ لبنا حليبا فتكتب به فى قرطاس، فيذرّ المكتوب إليه عليه رمادا حارا من رماد القراطيس، فإنه يظهر ما كتبت به إن شاء الله، وإن كتبت بماء الزاج الأبيض وذرّ عليه العفص المدقوق بزاج، أو بماء العفص وذر عليه شيئا من الزاج، أو تنقع شيئا من وشّق (٤) ثم تكتب به، ثم نثرت عليه الرماد فإنه يظهر، وإن أحببته لا يقرأ بالنهار ويقرأ بالليل فاكتبه بمرارة السّلحفاة. وإن حاولت صنعة رسالة أو إنشاء كتاب، فزن اللفظة قبل أن تخرجها بميزان

стр. 1774

التصريف إذا عرضت، وعاير الكلمة بمعياره إذا سنحت، فربما مرّ بك موضع يكون مخرج الكلام إذا كتبت: «أنا فاعل» أحسن من أن تكتب: «أنا أفعل» وموضع آخر يكون فيه «استفعلت» أحلى من «فعلت». فأدر الألفاظ على أعكانها (١)، واعرضها على معانيها، وقلّبها على جميع وجوهها، فأى لفظة رأيتها فى المكان الذى ندبتها إليه، فأنزعها إلى المكان الذى أوردتها عليه، وأوقعها فيه، ولا تجعل اللفظة قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها. فإنك متى فعلت هجّنت الموضع الذى حاولت تحسينه، وأفسدت المكان الذى أردت إصلاحه، فإنّ وضع الألفاظ فى غير أماكنها، وقصدك بها إلى غير نصابها (٢)، إنما هو كترقيع الثوب الذى إذا لم تتشابه رقاعه، ولم تتقارب أجزاؤه، خرج من حدّ الجدّة، وتغيّر حسنه، كما قال الشاعر: إن الجديد إذا ما زيد فى خلق ... يبين للنّاس أن الثوب مرقوع وارتصد لكتابك فراغ قلبك، وساعة نشاطك، فتجد ما يمتنع عليك بالكدّ والتكلف، لأن سماحة النفس بمكنونها، وجود الأذهان بمخزونها، إنما هو مع الشهوة المفرطة فى الشعر (٣)، والمحبة الغالبة فيه، أو الغضب الباعث منه ذلك. قيل لبعضهم لم لا تقول الشعر؟ قال: كيف أقوله، وأنا لا أغضب ولا أطرب! وهذا كله إن جريت من البلاغة على عرق (٤)، وظهرت منها على حظ، فأما إن كانت غير مناسبة لطبعك، ولا واقعة شهوتك عليها، فلا تنض (٥) مطيّتك فى التماسها، ولا تتعب

стр. 1775

بدنك فى ابتغائها، واصرف عنانك عنها، ولا تطمع فيها باستعارتك ألفاظ الناس وكلامهم، فإن ذلك غير مثمر لك، ولا مجد عليك، ومن كان مرجعه فيها إلى اغتصاب ألفاظ من تقدّمه، والاستضاءة بكوكب من سبقه، وسحب ذيل حلّة غيره، ولم يكن معه أداة تولّد له من بنات قلبه، ونتائج ذهنه الكلام الحرّ، والمعنى الجزل، لم يكن من الصناعة فى عير ولا نفير (١)، على أن كلام العظماء المطبوعين، ودرس رسائل المتقدمين على كل حال مما يفتق اللسان، ويوسّع المنطق، ويشحذ الطبع، ويستثير كوامنه إن كانت فيه سجيّة، قال العتّابى: «ما رأينا فيما تصرفنا فيه من فنون العلم، وجرينا فيه من صنوف الآداب، شيئا أصعب مراما، ولا أوعر مسلكا ولا أدلّ على نقص الرجال ورجاحتهم، وأصالة الرأى وحسن التمييز منه واختياره، من الصناعة التى خطبتها، والمعنى الذى طلبته» وليس شىء أصعب من اختيار الألفاظ وقصدك بها إلى موضعها؛ لأن اللفظة تكون أخت اللفظة وقسيمتها فى الفصاحة والحسن ولا تحسن فى مكان غيرها. وبتمييز هذه المعانى، ومناسبة طبائع جهابذتها (٢)، ومشاكلة أرواحهم، جعلوا الكتابة نسبا وقرابة، وأوجبوا على أهلها حفظها. قال الحسن بن وهب: الكتابة نفس واحدة تجزأت فى أبدان متفرقة، ومن لم يعرف فضلها وجهل أهلها، وتعدّى بهم رتبتهم التى وصفهم الله بها (٣)، فإنه ليس من الإنسانية فى شىء. وقالت البرامكة: رسائل المرء فى كتبه دليل على عقله، وشاهد على غيبه. وقال الشاعر: وتنكر ودّ المرء فى لحظ عينه ... وتعرف عقل المرء حين تكاتبه

стр. 1776

وقال آخر: وشعر الفتى يبدى غريزة طبعه ... وبالكتب يبدو عقله وبلاغته وقيل للشّعبى: أى شىء تعرف به عقل الرجل؟ قال: إذا كتب فأجاد. وقال العتبى: عقول الناس مدوّنة فى كتبهم، وقال ابن المقفّع: كلام الرجل وافد عقله. وشبّهت الحكماء المعانى بالغوانى، والألفاظ بالمعارض، فإذا كسا الكاتب البليغ المعنى الجزل لفظا رائقا، وأعاره مخرجا سهلا، كان للقلب أحلى، وللصدر أملى (١)، ولكنه بقى عليه أن ينظمه فى سلكه مع شقائقه، كاللؤلؤ المنثور الذى يتولّى نظمه الحاذق، والجوهرىّ العالم يظهر بإحكام الصّنعة له حسنا هو فيه، ومنحة بهجة هى له، كما أن الجاهل إذا وضع بين الجوهرتين خرزة، هجّن (٢) نظمه، وأطفأ نوره. كان حبيب (٣) بن أوس ربما وقع على جوهرة فجعلها بين بعرتين، قال الشاعر: ولو قرنت بدرّ فاخر خرزا ... من الزجاج لقلنا بئس ما نظما والياقوت حسن، وهو فى جيد الحسناء أحسن، وكذلك الشعر الجيّد مونق (٤) ولكنه من أفواه العظماء آنق، والتاج الشريف بهىّ المنظر، وهو على الملك أبهى، كما قال ابن قيس الرّقيّات (٥):

стр. 1777

يعتدل التاج فوق مفرقه (١) قال أبو العتاهية لابن مناذر (٢): بلغنى أنك تقول الشعر فى الدهر، والقصيدة فى الشهر، فقال: نعم، لو رضيت لنفسى أن أؤلف تأليفك، وأقول: «يا عتب يا درّة الغوّاص (٣)» لقلت فى اليوم والليلة ألف قصيدة، وقال عمر (٤) بن لجأ لشاعر: أنا أشعر منك، قال: ولم؟ قال: لأنك تقول البيت وابن عمه، وأنا أقول البيت وأخاه. فإن منيت بحب الكتابة وصناعتها، والبلاغة وتأليفها، وجاش صدرك بشعر معقود، أو دعتك نفسك إلى تأليف الكلام المنثور. وتهيّأ لك نظم هو عندك معتدل، وكلام لدبك متّسق، فلا تدعونّك الثقة بنفسك، والعجب بتأليفك، أن تهجم به على أهل الصناعة، فإنك تنظر إلى تأليفك بعين الوالد لولده، والعاشق إلى عشيقته، كما قال حبيب:

стр. 1778

ويسىء بالإحسان ظنّا، لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون ولكن اعرضه على البلغاء والشعراء والخطباء ممزوجا بغيره، فإن أصغوا إليه، وأذنوا (١) له، وشخصوا بالأبصار، واستعادوه وطلبوه منك وامتزج، فاكشف من تلك الرسالة والخطبة والشعر اسمه، وانسبه إلى نفسك، وإن رأيت عنه العيون منصرفة، والقلوب عنه ذاهبة (٢)، فاستدلّ به على تخلفك عن الصناعة، وتقاصرك عنها، واسترب رأيك عند رأى غيرك من أهل الأدب والبلاغة، فقد بلغنى أن بعض الملوك دعا إنسانا إلى مؤانسته، حتى ارتفعت الحشمة بينهما، فأخرج له كتابا قد غشّاه بالجلود، وجمع أطرافه بالإبريسم (٣)، وسوّى ورقه، وزخرف كتابته، وجعل يقرأ عليه كلاما قد حبّره (٤) فيه، ونمّقه عند نفسه، وجعل يستحسن ما لا يحسن، ويقف على ما لا يستثقل قراءته، حتى أتى على الكتاب، فقال له: كيف رأيت ما قرأت عليك؟ فقال: أرى عقل صانع هذا الكلام أكثر من كلامه، ففطن له ولم يعاوده، إلى أن وقف به على تنّور مسجور (٥)، ثم قذف بالكتاب فى النار، وهذا رجل فى عقله فضلة، وفيه تمييز. وإنما البليّة فيمن إذا بيّنت له سوء نظمه واختياره، ووقفته على سخافة لفظه، هجرك وعاداك، فاجعل هذا الأصل ميزانا تزن به مذهبك فى رسائلك وبلاغتك، ولا تخاطبنّ خاصّا بكلام عام، ولا عامّا بكلام خاصّ، فمتى خاطبت أحدا بغير ما يشاكله، فقد أجريت الكلام غير مجراه، وكشفته، وقصدك بالكلام الشريف للرجل الشريف تنبيه لقدر كلامك، ورفع لدرجته، قال: فلم أمدحه تفخيما لشعرى ... ولكنى مدحت بك المديحا

стр. 1779

فلا تخرجنّ كلمة حتى تزنها بميزانها، فتعرف تمامها ونظامها، ومواردها ومصادرها، وتجنّب ما قدرت الألفاظ الوحشية، وارتفع عن الألفاظ السّخيفة، واقتضب كلاما بين الكلامين. قال الجاحظ: «ما رأيت قوما أمثل طريقة فى البلاغة من هؤلاء الكتّاب، فإنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعّرا وحشيّا، ولا ساقطا سوقيّا». وقال خالد ابن صفوان: «أبلغ الكلام ما لا يحتاج إلى كلام، وأحسنه ما لم يكن بالبدوى المغرب ولا القروىّ المخدج (١)، الذى صحّت مبانيه، وحسنت معانيه، ودار على ألسن القائلين، وخفّ على آذان السامعين، ويزداد حسنا على ممرّ السنين، بتجلية الرّواة، وتنقية السّراة». والكاتب المستحق اسم الكتابة، والبليغ المحكوم له بالبلاغة، من إذا حاول صيغة كتاب سالت على قلمه عيون الكلام من ينابيعها، وظهرت من معادنها، وندرت (٢) من مواطنها، عن غير استكراه ولا اغتصاب. حدّثنا صديق للعتّابى قال له: اعمل لى رسالة، فاستمدّه مدّة بعد أخرى، فقال له: ما أرى بلاغتك إلا شاردة عنك، فقال له العتابىّ: إنى لمّا تناولت القلم تداعت علىّ المعانى من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى يرجع إلى موضعه، ثم أجتنى لك أحسنها. وأملى يزيد بن عبد الله أخو ذبيان (٣) على كاتب له، فأعجل الكاتب، ودارك فى الإملاء عليه (٤)، فتعثّر قلم الكاتب عن تقييد إملائه، فقال له متحرّشا: اكتب

стр. 1780

يا حمار، فقال له الكاتب: أصلح الله الأمير، إنه لما هطلت شآبيب (١) الكلام، وتدافعت سيوله على حرف القلم، كلّ القلم عن إدراك ما وجب عليه تقييده، فليتذكر الأمير عذرى، فكان حضور جواب الكاتب أبلغ من بلاغة يزيد. وقال له يوما وقد نطّ حرفا فى غير موضعه: ما هذا؟ قال: طغيان فى القلم. وكلما احلولى الكلام وعذب ورقّ وسهلت مخارجه، كان أسهل ولوجا فى الأسماع، وأشدّ اتصالا بالقلوب، وأخفّ على الأهواء، ولا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق (٢) شريف، ومعبّرا بكلام مؤلّف رشيق، لم يشنه التكلّف بميسمه (٣)، ولم يفسده التعقيد باستهلاكه، كقول ابن أبى كريمة: قفاه وجه حسن، والذى ... قفاه وجه يشبه الشمسا فهجّن المعنى بتوعّر مخارج الحروف، وأخذه الحسن بن هانئ فسهّله وقال: «بذّ (٤) حسن الوجوه حسن قفاكا» وكلاهما من حسّان حيث يقول: قفاؤك أحسن من وجهه ... وأمّك خير من المنذر (٥) وانظر إلى سلاسة الحسن بن سهل حيث قال: شرست بل لنت بل قابلت ذاك بذا ... فأنت لا شكّ فيك السهل والجبل وكتب عيسى بن لهيعة كتابا إلى أخيه أبى الحسن، فعقّد كلامه، وجاز المقدار فى التّنطع، فوقّع فى أسفل كتابه:

стр. 1781

أنّى يكون بليغا ... من اسمه كان عيّا وثالث الحرف منه ... إذا كتبت مسيّا (١) وبلغنى أن بعض الكتاب عاد بعض الملوك فوجده يئنّ من علّة، فخرج من عنده، ومر بباب الطاق، وإذا بطير يدعى «الشفانين (٢)» فاشتراه وبعث به إليه، وكتب كتابا يتنطّع فى بلاغته، وذكر أنه يقال له شفانين، وأرجو أن يكون شفاء من أنين، فوقع فى أسفل الكتاب: «والله لو عطست ضبّا لم تكن عندى إلا نبطيّا (٣)، فأقصر (٤) عن تنطّعك، وسهّل كلامك، وفى هذا المعنى قال مخلد الموصلىّ يهجو حبيب بن أوس الطّائى: أنت عندى عربىّ ... ليس فى ذاك كلام شعر ساقيك وفخذي ... ك خزامى وتمام (٥) وقذى عينيك صمغ ... ونواصيك شبام (٦) وضلوع الصّدر من شل ... وك نبع وبشام (٧)

стр. 1782

لو تحرّكت كذا لان ... جفلت منك نعام (١) وظباء راتعات ... ويرابيع عظام (٢) وحمام يتغنّى ... حبّذا ذاك الحمام أنا ما ذنبى إن كذ ... ذبنى فيك الأنام وقفا يحلف ما إن ... أعرقت فيه الكرام ثم قالوا هاشمىّ ... من بنى الأنباط حام كذبوا ما أنت إلّا ... عربىّ والسلام وسألنى بعض أهل العلم أن أكتب له قصّة إلى جعفر بن عبد الواحد القاضى، وقال: اكتب لى قصّة سهلة بليغة الألفاظ، فقلت له: دعنى أكتب لك ما يصلح للقضاة، فغضب وقال: ما أسأل أن تعطينى شيئا إنما أسألك هذا المعنى الرخيص، فاحتملت عتبة لذمام (٣)، فكتبت له قصة لا تصلح أن تدفع إلا لرؤبة (٤) بن العجّاج يقرؤها أو الطّرمّاح (٥)، فلما حصلت بيد القاضى أراد قراءتها فإذا هى مغلقة عليه، فقال له: أنت كتبت هذه القصة؟ قال: نعم، قال: إذن فاقرأها، فذهب ليقرأها، فإذا هى بالسّودانية، استعجاما عليه، فقال له: أصلح الله القاضى، إنما أقرؤها فى بيتى، فقال له: فاطلب حاجتك إذن فى بيتك، فرجع إلىّ غضبان أسفا يشتم ويؤذى،

стр. 1783

وسألنى أن أكتب له قصة على ما أرى، فكتبت له كتابا يشبه أن يكون من مثله إلى القضاة، فقرأه وقضى حاجته، وعلم أنه لم يكتب واحدة منهما. والكتاب إذا لم يكن شبيها بحالة (١) صاحبه، كان أحد الأسباب المانعة، والمعانى كلها ممتثلة، والكلام مشبع (٢)، ولكن سياسته صعبة، وتأليفه شديد، إلا على جهابذته وفرسانه أمراء الكلام، يصرّفونه كيف شاءوا، ولا يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ويكون اللفظ أسبق إلى الأسماع من معناه إلى القلوب (٣). قال الجاحظ: كان لفظه فى وزن إشارته، وطبعه فى معناه فى مطابقة معناه. وذكر الحسن بن وهب أحمد بن يوسف فقال: ما كنت أدرى: ألفظه آنق أم معناه، أو معناه أجزل أم لفظه؟ والمعانى وإن كانت كامنة فى الصدور، فإنها مصوّرة فيها ومتّصلة بها، وهى كاللآلئ المنطوية (٤) فى أصدافها، والنار المخبوءة فى أحجارها، فإن أظهرتها من أكنانها (٥) وأصدافها، تبيّن حسنها، وإن قدحت النار من مكامنها وأحجارها انتفعت بها، وإلّا بقيت محجوبة مستورة، وربما يستثار الكامن منها، ويستخرج المستسرّ (٦) من جواهرها، بقدر حذق المستنبط، وصواب حركات المستخرج، وقصد إشارته، ولطف مذاهبه، وكذلك ليس كل ناطق ولا كاتب يوضح عن المعنى، ولا يصيب إشارته، وكلما كان الكلام أفصح، والبيان أوضح، كان أدلّ

стр. 1784

على حسن وجه المعنى، وقد رأيتهم شبهوا المعنى الخفىّ بالرّوح الخفى، واللفظ الظاهر بالجثمان الظاهر، وإذا لم ينهض بالمعنى الشريف لفظ شريف جزل، لم تكن العبارة واضحة، ولا النظام متّسقا، وتضاءل المعنى الحسن تحت اللفظ القبيح، كتضاؤل الحسناء فى الأطمار (١) الرّثّة. وإنما يدل على المعنى أربعة أصناف: لفظ، وإشارة، وعقد وخطّ، وقد ذكر أرسطاطاليس صنفا خامسا فى كتاب المنطق، وهو الذى يسمى النّصبة، والنّصبة: الحال الدّالة التى تقوم مقام تلك الأصناف الأربعة، وهى الناطقة بغير لفظ، والمشيرة إليه بغيريد، وذلك ظاهر فى خلق السموات والأرض، وفى كل صامت وناطق، وهى داخلة فى جملة هذه المعانى الأربعة، وخارجة منها بالحلية، ولكل واحدة من هذه الدلائل صورة مخالفة لصورة صاحبتها، وحلية غير مشاكلة لحلية أختها، غير أنها فى الجملة كاشفة عن أعيان المعانى، وسافرة (٢) عن وجوهها (٣). وأوضح هذه الدلائل، وأفصح هذه الأصناف، صنفان منها، وهما اللسان والقلم، وكلاهما يترجمان ويدلان على القلب، ويستمليان منه، ويؤديان عنه ما لا تؤدى هذه الأصناف الباقية، فأما اللسان فهو الآلة التى يخرج الإنسان بها عن حد الاستبهام إلى حد الإنسانية بالكلام، ولذلك قال صاحب المنطق: حدّ الإنسان: الحى الناطق. وقال هشام ابن عبد الملك «إن الله رفع درجة اللسان فأنطقه من بين الجوارح بتوحيده، وما جعل الله من عبّر عن شىء مثل من لم يعبّر عنه». وقال على بن عبدة: «إنما يبين عن الإنسان اللسان، وعن المودّة العينان». وقال آخر: «الرجل مخبوء تحت لسانه (٤)». وقالوا «المرء بأصغريه: قلبه ولسانه».

стр. 1785

وقال الشاعر: وما المرء إلا الأصغران، لسانه ... ومعقوله، والجسم خلق مصوّر فإن ترها راقتك يوما، فربّما ... أمرّ مذاق العود والعود أخضر (١) وقال الأعور التّيمىّ (٢): لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وقال آخر: إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا وقال الطائى: ومما كانت الحكماء قالت ... لسان المرء من خدم الفؤاد وللخط صورة معروفة، وحلية موصوفة، وفضيلة بارعة، ليست لهذه الأوصاف، لأنه ينوب عنها فى الإيضاح عند المشهد، ويفضلها فى المغيب، لأن الكتب تقرأ فى الأماكن المتباينة، والبلدان المتفرقة، وتدرس فى كل عصر وزمان، وبكل لسان، واللسان وإن كان ذلقا فصيحا لا يعدو سامعه، ولا يجاوزه إلى غيره، وكفى بفضيلة العلم والخط قول الله : «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» وأقسم (٣) به كما أقسم بغيره (٤)، ثم أقسم بما يكتبه القلم، إفصاحا عن حاله، وإعظاما لشأنه، وتنبيها لذكره، فقال: «وَما يَسْطُرُونَ». ومن فضيلة الخط: أنه لسان اليد، ورسول الضمير (٥) ودليل الإرادة، والناطق عن الخواطر، وسفير العقول، ووحى الفكر، وسلاح المعرفة، ومحادثة الأخلّاء على التنائى، وأنس الإخوان عند الفرقة، ومستودع

стр. 1786

الأسرار، وديوان الأمور، وترجمان القلوب، والمعبّر عن النفوس، والمخبر عن الخواطر، ومورّث الآخر مكارم الأوّل، والناقل إليه مآثر الماضى، والمخلّد له حكمته وعلمه، والمسامر للعين بسرّ القلب، والمخاطب عن الناصت (١)، والمجادل عن الساكت، والمفصح عن الأبكم، والمتكلّم عن الأخرس، الذى تشهد له آثاره بفضائله، وأخباره بمناقبه. وقد وضعت البلاغة من القلم (٢) علوّ القدر، وباذخ (٣) العز، كأبى مسلم صاحب الدولة: فرّقت شمله، وبدّدت جمعه، ونقضت برمه (٤)، وأفسدت صلاحه، وضعضعت بنيانه، مع ذكائه وتفطّنه، ومكايده ودهائه، وأصالة رأيه وشدة شكيمته (٥)، وامتناعه على أبى جعفر ونفاره عنه، كيف استفزّه ابن المقفع، وصالح بن عبد القدّوس، وجبل بن يزيد، واستمالوه بسحر ألفاظهم، وبلاغة أقلامهم، حتى نزل من باذخ عزه، وجاء مبادرا حتى وقع فى الشّرك المنصوب له، فتفرّق جمعه، وانطفأ نوره، وصار خبرا سائرا، ورسما دائرا (٦). ورفع القلم خاشع الطّرف، صغير الخطر (٧)، لئيم الجنس، درج من عشّ التّجّار، ونشأبين المكيال والميزان، كيف شالت (٨) البلاغة بضبعيه، ورفعت من ناظريه، حتى شافهت به عنان السماء، ورفعت بناءه فوق البناء، حتى طلبه الراكب، وقصده الطالب، وخشعت له الرجال، ولحظته العيون بالوقار، وتمكّن من الصنائع،

стр. 1787

ومدّت نحوه الأصابع، فشكرت منه اللّفظة، ورجيت منه اللّحظة، كمحمد (١) ابن عبد الملك بن الزيات، وفيه يقول على بن الجهم (٢): أحسن من عشرين بيتا سدى ... جمعك معناهنّ فى بيت ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت (٣) فأجابه محمد بن عبد الملك: رقيت فى القول إلى خطّة ... قدرك فيها قد تعدّيت

стр. 1788

قيّرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزّيت (١) وقال حبيب بن أوس يمدحه ويصف قلمه: لك القلم الأعلى الذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل (٢) وكان محمد من ألطف الناس ذهنا، وأرقّهم طبعا، وأصدقهم حسّا، وأرشقهم قلما، وأملحهم إشارة، إذا قال أصاب، وإذا كتب أبلغ، وإذا شعر (٣) أحسن، وإذا اختصر أغنى عن الإطالة: أمره الواثق أن يتلطف بعبد الله بن طاهر، ويعلمه أنه صرفه عن أمر الجزائر والعواصم (٤)، وفوّض ذلك لابن عمه إسحق بن إبراهيم، فكتب: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين رأى أن يخلع ما فى يمينك، من أمر الجزائر والعواصم، فيجعله فى شمالك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (٥)». وقال سهل بن بركة يهجو أبا نوح النصرانى الكاتب: بأبى وأمّى، ضاعت الأحلام ... أم ضاعت الأذهان والأفهام؟ (٦) من صدّ عن دين النبى محمد ... أله بأمر المسلمين قيام؟ إلّا تكن أسيافهم مشهورة ... فينا، فتلك سيوفهم أقلام

стр. 1789

وقال عبد الرحمن بن كيسان: «استعمال الكلام أجدر بإحضار الذهن عند تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام (١)». ولم يختلف فى شرف القلم، وإنما اختلف فى كيفية البلاغة وماهيّتها، وقد مدحها كل قوم بأوضح عبارتهم، وأحسن بيانهم، فقال صاحب اليونانيين: «البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام» وقال الرومى: «البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة (٢)» وقال الفارسى (٣): «هى معرفة الفصل من الوصل» وقال الهندى: «هى البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ثم إن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقا، وربما كان الإطراق عنها أبلغ فى الدّرك، وأحقّ بالظفر» وقال غيره: «جماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، والحذق بما التبس من المعانى وغمض، وبما شرد عليك من اللفظ وتعذّر» ثم قال: «وزين ذلك كلّه وبهاؤه، وحلاوته وسناؤه، أن تكون الشمائل معتدلة، والألفاظ موزونة، واللهجة نقية، فإن جامع ذلك السّنّ والسّمت (٤) والجمال وطول الصمت، فقدتم كل التمام (٥)». وقيل لهندى ما البلاغة؟ فأخرج صحيفة مكتوبة عندهم فيها (٦): «أول البلاغة

стр. 1790

اجتماع (١) آلة البلاغة، وذلك أن يكون البليغ رابط الجأش (٢)، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة ويكون فى قواه فضل التصرف فى كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفّيها كل التصفية (٣)، ولا يهذّبها غاية التهذيب، ولا يكون كذلك حتى يصادف فيلسوفا حكيما عليما، ومن قد تعوّد حذف فضل الكلام، وأسقط مشترك اللفظ» (٤) وقال أنو شروان لبزرجمهر (٥): متى يكون العيىّ بليغا؟ فقال: إذا وصف بليغا، وقال أرسطاطاليس: «البلاغة حسن الاستعارة» وقال بشر بن خالد (٦): «البلاغة التقرب من المعنى البعيد، والتباعد عن خسيس الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير» وقال خالد بن صفوان: «ليس البلاغة بخفّة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقرع بالحجّة» وقال عمر بن عبد العزيز: «البليغ من إذا وجد كثيرا ملأه، وإذا وجد قليلا كفاه»، وقال ابن عتبة: «البلاغة دنوّ المآخذ، وقرع الحجة، والاستغناء بالقليل عن الكثير» وقال بعضهم: «إنى لأكره للإنسان أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار عقله، كما أكره أن يكون مقدار عقله فاضلا عن مقدار لسانه وعلمه، يكفى من حظ البلاغة
следующие страницы →