← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الأسرار، وديوان الأمور، وترجمان القلوب، والمعبّر عن النفوس، والمخبر عن الخواطر، ومورّث الآخر مكارم الأوّل، والناقل إليه مآثر الماضى، والمخلّد له حكمته وعلمه، والمسامر للعين بسرّ القلب، والمخاطب عن الناصت (١)، والمجادل عن الساكت، والمفصح عن الأبكم، والمتكلّم عن الأخرس، الذى تشهد له آثاره بفضائله، وأخباره بمناقبه. وقد وضعت البلاغة من القلم (٢) علوّ القدر، وباذخ (٣) العز، كأبى مسلم صاحب الدولة: فرّقت شمله، وبدّدت جمعه، ونقضت برمه (٤)، وأفسدت صلاحه، وضعضعت بنيانه، مع ذكائه وتفطّنه، ومكايده ودهائه، وأصالة رأيه وشدة شكيمته (٥)، وامتناعه على أبى جعفر ونفاره عنه، كيف استفزّه ابن المقفع، وصالح بن عبد القدّوس، وجبل بن يزيد، واستمالوه بسحر ألفاظهم، وبلاغة أقلامهم، حتى نزل من باذخ عزه، وجاء مبادرا حتى وقع فى الشّرك المنصوب له، فتفرّق جمعه، وانطفأ نوره، وصار خبرا سائرا، ورسما دائرا (٦). ورفع القلم خاشع الطّرف، صغير الخطر (٧)، لئيم الجنس، درج من عشّ التّجّار، ونشأبين المكيال والميزان، كيف شالت (٨) البلاغة بضبعيه، ورفعت من ناظريه، حتى شافهت به عنان السماء، ورفعت بناءه فوق البناء، حتى طلبه الراكب، وقصده الطالب، وخشعت له الرجال، ولحظته العيون بالوقار، وتمكّن من الصنائع،

стр. 1787

ومدّت نحوه الأصابع، فشكرت منه اللّفظة، ورجيت منه اللّحظة، كمحمد (١) ابن عبد الملك بن الزيات، وفيه يقول على بن الجهم (٢): أحسن من عشرين بيتا سدى ... جمعك معناهنّ فى بيت ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت (٣) فأجابه محمد بن عبد الملك: رقيت فى القول إلى خطّة ... قدرك فيها قد تعدّيت

стр. 1788

قيّرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزّيت (١) وقال حبيب بن أوس يمدحه ويصف قلمه: لك القلم الأعلى الذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل (٢) وكان محمد من ألطف الناس ذهنا، وأرقّهم طبعا، وأصدقهم حسّا، وأرشقهم قلما، وأملحهم إشارة، إذا قال أصاب، وإذا كتب أبلغ، وإذا شعر (٣) أحسن، وإذا اختصر أغنى عن الإطالة: أمره الواثق أن يتلطف بعبد الله بن طاهر، ويعلمه أنه صرفه عن أمر الجزائر والعواصم (٤)، وفوّض ذلك لابن عمه إسحق بن إبراهيم، فكتب: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين رأى أن يخلع ما فى يمينك، من أمر الجزائر والعواصم، فيجعله فى شمالك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (٥)». وقال سهل بن بركة يهجو أبا نوح النصرانى الكاتب: بأبى وأمّى، ضاعت الأحلام ... أم ضاعت الأذهان والأفهام؟ (٦) من صدّ عن دين النبى محمد ... أله بأمر المسلمين قيام؟ إلّا تكن أسيافهم مشهورة ... فينا، فتلك سيوفهم أقلام

стр. 1789

وقال عبد الرحمن بن كيسان: «استعمال الكلام أجدر بإحضار الذهن عند تصحيح الكتاب من استعمال اللسان على تصحيح الكلام (١)». ولم يختلف فى شرف القلم، وإنما اختلف فى كيفية البلاغة وماهيّتها، وقد مدحها كل قوم بأوضح عبارتهم، وأحسن بيانهم، فقال صاحب اليونانيين: «البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام» وقال الرومى: «البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة (٢)» وقال الفارسى (٣): «هى معرفة الفصل من الوصل» وقال الهندى: «هى البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ثم إن تدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقا، وربما كان الإطراق عنها أبلغ فى الدّرك، وأحقّ بالظفر» وقال غيره: «جماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، والحذق بما التبس من المعانى وغمض، وبما شرد عليك من اللفظ وتعذّر» ثم قال: «وزين ذلك كلّه وبهاؤه، وحلاوته وسناؤه، أن تكون الشمائل معتدلة، والألفاظ موزونة، واللهجة نقية، فإن جامع ذلك السّنّ والسّمت (٤) والجمال وطول الصمت، فقدتم كل التمام (٥)». وقيل لهندى ما البلاغة؟ فأخرج صحيفة مكتوبة عندهم فيها (٦): «أول البلاغة

стр. 1790

اجتماع (١) آلة البلاغة، وذلك أن يكون البليغ رابط الجأش (٢)، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة ويكون فى قواه فضل التصرف فى كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفّيها كل التصفية (٣)، ولا يهذّبها غاية التهذيب، ولا يكون كذلك حتى يصادف فيلسوفا حكيما عليما، ومن قد تعوّد حذف فضل الكلام، وأسقط مشترك اللفظ» (٤) وقال أنو شروان لبزرجمهر (٥): متى يكون العيىّ بليغا؟ فقال: إذا وصف بليغا، وقال أرسطاطاليس: «البلاغة حسن الاستعارة» وقال بشر بن خالد (٦): «البلاغة التقرب من المعنى البعيد، والتباعد عن خسيس الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير» وقال خالد بن صفوان: «ليس البلاغة بخفّة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى، والقرع بالحجّة» وقال عمر بن عبد العزيز: «البليغ من إذا وجد كثيرا ملأه، وإذا وجد قليلا كفاه»، وقال ابن عتبة: «البلاغة دنوّ المآخذ، وقرع الحجة، والاستغناء بالقليل عن الكثير» وقال بعضهم: «إنى لأكره للإنسان أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار عقله، كما أكره أن يكون مقدار عقله فاضلا عن مقدار لسانه وعلمه، يكفى من حظ البلاغة

стр. 1791

أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع (١)» وقيل لعمرو بن عبيد (٢): ما البلاغة؟ فقال: «ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار، وما بصّرك بمواقع رشدك، وعواقب غيّك، فقال السائل: ليس هذا أريد، فقال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول (٣)، قال: ليس هذا أريد: قال: قال النبى ﵊: «إنا معاشر الأنبياء بكاء» (٤) وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله، فقال له السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام، ما لا يخافون من فتنة السكوت وسقطات الصّمت (٥)، فقال: ليس هذا أريد، فقال: فكأنك إنما تريد تخيّر اللفظ فى حسن إفهام، قال: نعم، قال: إنك إن أردت تقرير حجة الله فى عقول المكلّفين (٦)، وتخفيف المئونة على المستمعين، وتزيين تلك المعانى فى قلوب المريدين (٧)، بالألفاظ المستحسنة فى الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة فى سرعة استجابتهم، ونفى الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة الناطقة عن الكتاب والسنة،

стр. 1792

كنت قد أوتيت فصل الخطاب، واستوجبت من الله سبحانه جزيل الثواب (١). وقال الخليل بن أحمد: كلّ ما أدّى إلى قضاء الحاجة فهو بلاغة، فإن استطعت أن يكون لفظك لمعناك طبقا، ولتلك الحال وفقا، وآخر كلامك لأوّله مشابها، وموارده لمصادره موازنا فافعل، واحرص أن تكون لكلامك متّهما، وإن ظرف ولنظامك مستريبا وإن لطف. بمواتاة (٢) آلتك لك، وتصرّف إرادتك معك، فافعل إن شاء الله. وهذه الرسالة عذراء، لأنها بكر معان لم تفترعها بلاغة الناطقين، ولا لمستها أكفّ المفوّهين، ولا غاصت عليها فطن المتكلمين، ولا سبق إلى ألفاظها أذهان الناطقين، فاجعلها مثالا بين عينيك، ومصوّرة بين يديك، ومسامرة لك فى ليلك ونهارك، تهطل عليك شآبيب منافعها، ويظلّك منها بركاتها، وتوردك مناهل بلاغاتها، وتدلك على مهيع (٣) رشدها، وتصدرك وقد نقع (٤) ظمؤك بينابيع بحر إحسانها إن شاء الله ، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (٥)». (رسائل البلغاء ص ١٧٦، والعقد الفريد ٢: ١٧١)

стр. 1793

١٣١ - كتاب محمد بن مكرم إلى إبراهيم بن المدبر وكتب محمد (١) بن مكرّم إلى إبراهيم بن المدبر. «الحمد لله رب العالمين، حمدا يجوز حمد الحامدين، الذى جعل قضاءه خيرة لك، فإن زادك نعمة وفّقك لشكرها، وإن امتحنك ببلوى من نفث (٢) حاسد، أو كيد كائد، أنار برهانك، وأفلج (٣) حجّتك، وجمع بين وليّك وعدوّك فى الشهادة لك، وإن نقل أمرا عن يدك فربما يرجعه إليك مختلّا لفقدك، هذا إلى ما جعل عندك من خواصّ النعم التى إن ذكرناها فأطنبنا، أو تجوّزنا فقصّرنا، كان غايتنا إلى الحسور (٤) دون مدى غايتك، وقد زادك الله بهذا الحادث فضلا عظيما، لما ظهر من وله العامة إليك، وتطلّعها إلى ما كانت فيه، من لين إنصافك وكريم أخلاقك، ووحشة الخاصّة لما فقدت من حسن معاملتك، وكثير تفضّلك، وأيقن أهل الرأى والتأمل لصفحات الأمور أنّ كل ما خرج عنك فعائد إليك، ومتصل به غيره، حتى تستقرّ فى يدك عرا الأمور ومعاقدها، وتفتح برأيك وتدبيرك أبوابها ومغالقها، فليهنئك أن كلّ ما زاد غيرك نقصا، زادك فضلا، وكلّ ما نقص من الرجال وحطّها، ألحق بك شرفا فزادك الله وزادنا منك، وجعلنا ممن يقبله رأيك، ويقدّمه اختيارك، ويقع من الأمور بموافقتك، ويجرى منها على سبيل طاعتك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠١)

стр. 1794

١٣٢ - كتابه إلى أحمد بن المدبر وكتب ابن مكرّم إلى أحمد بن المدبّر: «إن جميع أكفائك ونظرائك يتنازعون الفضل، فإذا انتهوا إليك أقرّوا لك، ويتنافسون المنازل، فإذا بلغوك وقفوا دونك، فزادك الله وزادنا بك وفيك، وجعلنا ممن يقبله رأيك، ويقدّمه اختيارك، ويقع من الأمور بموقع موافقتك، ويجرى فيها على سبيل طاعتك». (العقد الفريد ٢: ١٩٦) ١٣٣ - كتابه إلى أحمد بن دينار وكتب محمد بن مكرّم إلى أحمد بن دينار يعزيه بأخيه: «الذى حرّكنى للكتاب أيها الأمير تعزيتك بمن لا ترميك الأيام بمثل الحادث فيه، ولا تعتاض مما كان الله جمعه لك عنده، من الميل إليك، والاستباق (١) فى صفوك، والصبر على مكروه جفائك، مع ما كان الله أعاره من قوة العقل، وأصالة الرأى، ومدّ له من عنانه إلى قصوى غايات أمله ورجائه، أبى محمد رضى الله عنه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما أفاتتنا الأيام منه حين تمّ واستوى، وعالى فى الثروة وتناهى، وعند الله أحتسب المصاب به، وعظّم الله لك الأجر، وأجزل لك العوض والذّخر، فكل ماض من أهلك فأنت سداد ثلمته، وجابر رزيّته، والمؤنس من وحشته وفقده، وقد خلف من أنت أحقّ الناس به: من عجوز وليت تربيتك (٢) وحياطتك فى طبقات سنّك، وولد ربّوا فى حجرك، ونبتوا فى حوزتك، وليس لهم بعد الله مرجع سواك، ولا مقيل إلا فى ظلّك وذراك (٣)، فأنشدك الله فيهم، فإنه

стр. 1795

رضى الله عنه أخربهم بعمارة مروءته، وقطعهم بصلة (١) فضله، فالله يجزيه بجميل أثره، ويخلف عليهم ما هو أهله، فإن رأى الأمير أن يضمّهم إليه، ويحقّق ثقة أبيهم كانت به، ويجرى على أمّه ما يقوم بعصمتها وصيانتها، فعل إن شاء الله». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٨) ١٣٤ - كتابه إلى أحمد بن دينار وكتب إلى أحمد بن دينار: «نحن من السرور أيها الأمير بما قد استفاض من جميل أثرك فيما تلى من أعمالك، وزمّك إياها بحزمك وعزمك، وانتياشك (٢) أهلها من جور من وليهم قبلك، وسرورهم بتطاول أيامك، والكون فى ظلّ يدك وجناحك، فى إعانة من تخصّه وتعمّه نعمتك، وتحول به الحول حيث حالت بك، فالحمد لله الذى جعل العاقبة لك، ولم يردد علينا آمالنا فيك منكوسة، كما ردّها على غيرنا فى غيرك، ولوددت أن أباك كان عاين آثارك هذه ومناقبك، وإن كان الافتراق لم يقع بينكما حتى علم أنك خلفه، وألقى إليك بأمره ومعاقد ثقته، وجعلك موضع اختصاصه وأثرته، وصرف ذلك عمن كان لا يستحقه، وذمّ سالف رأيه فيك وفيه، وحمد آخره، ثم نعمة اتصلت لك بما قبلها، انتظمت بها أمورك فاعتدلت، وتلاحمت عليها واتّسقت: ما منحت فى كاتبك، ومستقرّ ثقتك، وحامل أعبائك، من الكفاية والنصيحة، ووضعه عن قلبك مئونة التّهمة والقصّ لأثره، وإدخاله راحة الطمأنينة إليه، وروح الثقة به، لا كما ابتلى أخوك (٣)، فإنه صحبه فخلط عليه أمره، وأفشى أسراره إلى صاحب بريده، فأنفل (٤) ذلك بينهم، وقطّع حبالهم، حتى هجّنت (٥)

стр. 1796

آثاره مع حسنها ووضوحها، وصفرت يده من حظّ عمله، ولزمه الذمّ من أهله، فهذه كتبه إلىّ، فى اطّراح نصيحة له كانت فيه، ويسألنى أن أشخص إليه كاتبا يحمل ثقله، ويفتح له ما أرتجه (١) من أمره، وهذا من سعادة جدّك، ويمن طائرك، وإقبال الأمور إليك، وسعيها على طريق موافقتك، وهنيئا، هنأك الله نعمه خاصّها وعامّها، وأوزعك (٢) شكرها، وأوجب لك بالشكر أحسن المزيد فيها». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٠) ١٣٥ - كتابه إلى نصرانىّ أسلم وكتب محمد بن مكرّم إلى نصرانى أسلم. «أما بعد: فالحمد لله الذى وفّقك لشكره، وعرّفك هدايته، فطهّر من الارتياب قلبك، ومن الافتراء عليه لسانك، وما زالت مخايلك ممّثلة لنا جميل ما وهبه الله لك، حتى كأنك لم تزل بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وكنا مؤمّلين لما صرت إليه، مشفقين لك مما كنت عليه، حتى إذا كاد إشفاقنا يستعلى رجاءنا، أتت السعادة بما لم تزل الأنفس تعدّ منك، فأسأل الله الذى نوّر لك فى رأيك، وأضاء لك سبيل رشدك، أن يوفّقك لصالح العمل، وأن يؤتيك فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، ويقيك عذاب النار». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٥، وزهر الآداب ١: ٣٢٥) ١٣٦ - كتابه إلى حاجّ وكتب تهنئة لحاجّ: «بلّغك الله الرضا فى أملك، من نجح كل حاجة، وإبلاغ كل أمنيّة، وتقبّل كلّ دعوة خصصت بها نفسك أو عممت بها أحدا من أهلك، فى مجامع

стр. 1797

وفوده، ومعتزل قراره. فكنت شافع من شاهدك، ووافد من غاب عنك، يستفتح بدعائك، ويرجّى بركة محضرك، والقربة إلى الله بفضل جاهك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٩٩) ١٣٧ - كتابه إلى بعض الرؤساء وكتب ابن مكرّم إلى بعض الرؤساء يعتذر: «نبت بى عنك (١) غرّة الحداثة، فردّتنى إليك التجربة (٢)، وباعدتنى عنك الثقة بالأيام، فأدنتنى إليك الضرورة، ثقة بإسراعك إلىّ وإن أبطأت عنك، وقبولك لعذرى، وإن قصّرت عن واجبك، وإن كانت ذنوبى قد سدّت علىّ مسالك الصّفح عنى، فراجع فىّ مجدك وسؤددك، وإنى لا أعرف موقفا أذلّ من موقفى، لولا أن المخاطبة فيه لك، ولا خطّة أدنأ من خطّتى، لولا أنها فى طلب رضاك (٣)». (زهر الآداب ٣: ٣٨٢، وعيون الأخبار م ٣: ص ١٠٥) ١٣٨ - كتابه إلى سليمان بن وهب وله إلى سليمان بن وهب يعزّيه عن أخيه الحسن: «لئن أطنبت فى وصف جلالة المصيبة بفلان، لأجدنّ من القول مستعرضا فسيحا يزيد الإمعان فيه على غايته بعدا، ولئن أسهبت فى ذكر ثوابها- الذى إذا خطرت الدنيا لأقلّه لها كانت به وفاء وله تبعا (٤) - لا أجدنّ أرحب منه مذهبا،

стр. 1798

وأوسع مجالا ومضطربا، فجعل الله حظّك حظّ الصابرين المحتسبين، الذين عرفوا فسلّموا، وأيقنوا فصبروا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، أخذا بأدب الله الذى قرن به صلاته ورحمته، ورحم الله فلانا رحمة تأتى من وراء زلله، وتعفّى على فرطات لسانه ويديه، فلقد ظعن عن الدنيا محمودا مفقودا، قد أطال تفجّع عشيره وخليله، وصدع فى قلبه، وجافى جنبه، وأعدمه سلوة العوض، وراحة السكون إلى أحد. وبعد، فإن الرّمض (١) والهلع إنما يكونان للمصيبة الخاصّة التى لا تعدو صاحبها، ولا يجد مسعدا عليها، ولا شريكا فيها، وقد أعانك الله على مصيبتك بالواشج (٢) رحما بك، والبعيد نسبا منك، وجمع فى ثقل محملها وألم فجعها صديقك وعدوّك، وكلّ مكتس منها سربال وحشة، ومنطو على دخيل حزن، وناظر من أعقابها فى منظر وعر، فجميعهم (٣) فيها مشترك، وأنت بالتعزّى حقيق قمن (٤)، على أنها لو خصّتك لكان فى علمك- بأن كل مصيبة سلمت من شائنة تنتقص ثوابها فهى النعمة الوافية، وكلّ مصيبة تحيّف (٥) جزعها أجرها فهى الرّزية الباقية- ما أغناك وكفاك عن أن تعيش من غيرك، أو تعوّل فى حظّك على سواك، وأن يتخطّى الجزع نعمة الله عليك إلى قلبك، أو يجتازها إلى عزمك، اللهمّ إلّا ما لا تملكه النفس فى بدء الصّدمة من لوعة الفرقة حتى تقسم أمرها، وتصير إلى أخذ مالها وترك ما عليها، فتفثأ (٦) بفوز قدحك، وبغنم سهمك، ويبقى الله أثرك منهجا لغيرك، فقديما وهب الله لك الخيرة فى رأيك، والتوفيق فى إيرادك وإصدارك، فله الحمد ومنه المعونة على الشكر، وبطوله يستحقّ المزيد، فإن رأيت أن تأمر

стр. 1799

بالكتاب إلىّ بما نفسى إليه متطلّعة، وإليه مرجعى، من صبر إن كان عزم لك عليه، أتخذك فيه إماما، وأروّح عن قلبى براحة قلبك- أو غيره (١) - لا ابتلاك الله به- فأقضى فيه معك، وأحلّ فيه محلّتك، فعلت إن شاء الله». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٩) ١٣٩ - كتاب محمد بن مكرم إلى أبى العيناء وكتب محمد بن مكرّم إلى أبى العيناء. «أما بعد، فإنى لا أعرف للمعروف طريقا أحزن (٢) ولا أوعر من طريقه إليك، ولا مستودعا أقلّ زكاء (٣) ولا أبعد من ثمرة خير من مكانه عندك، لأنه يحصل منك المعروف فى حسب دنىء، ولسان بذىء، وجهل قد ملك عليك عنانك، فالمعروف لديك ضائع، والشكر عندك مهجور، غايتك فى المعروف أن تجزره (٤)، وفى وليّه أن تكفره» (٥). (المنظوم والمنثور ١٣: ٤١١) ١٤٠ - فصول لابن مكرم فصل له: «إن من النعمة على المثنى عليك ألّا يخاف الإفراط، ولا يأمن التقصير، ويأمن

стр. 1800

أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به المدح إلى غاية إلا وجد فضلك تجاوزها، ومن سعادة جدّك أن الداعى لا يعدم (١) كثرة المتابعين له والمؤمّنين معه». *** وفصل له: «السيف العتيق إذا أصابه الصّدأ، استغنى بالقليل من الجلاء، حتى تعود جدّته ويظهر فرنده (٢)، للين طبيعته، وكرم جوهره، ولم أصف نفسى لك عجبا بك بل شكرا». *** وفصل له: «زاد معروفك عندى عظما أنه عندك مستور حقير، وعند الناس مشهور كبير (٣)». *** وكتب فى التنصل: «لاق عظيم أملى فيك، ما أتيت فيما بينى وبينك ذنبا: مخطئا ولا متعمّدا، ولعلّ فلتة لم ألق لها بالا، فأوطّئ لها اعتذارا، وإن تكن، فبغية حاسد زخرفها على لسان واش نبذها إليك فى بعض غرّاتك، أصابت منى مقتلا، وشفت منك غليلا». (العقد الفريد ٢: ١٩٤، ١٩٦) ***

стр. 1801

وله: «لا تتركنّى معلّقا بحاجتى، فالصبر الجميل خير من المطل الطويل». *** وله: «إنه يسهّل علىّ فى طلب حاجتى إليك أمران فى نفسى، وأمران فيك فأما اللذان فى نفسى فأنى لست أضيق عنك بعذرى، ولا أصون عنك شكرى. وأما اللذان فيك، فسرورك إن أجديت (١)، وصحة عذرك إن أكديت (٢). (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٣) ١٤١ - كتاب سعيد بن موسى إلى أبى شراعة وكتب أبو شراعة (٣) إلى سعيد بن موسى بن سعيد بن مسلم بن قتيبة يستهديه نبيذا، فكتب إليه سعيد: «إذا سألتنى- جعلنى الله فداءك- حاجة فاشطط، واحتكم فيها حكم الصبى على أهله، فإن ذلك يسرّنى وأسارع إلى إجابتك فيه». وأمر له بما التمس من النبيذ، فمزجه صاحب شرابه وبعث به إليه. ١٤٢ - ردّ أبى شراعة على سعيد بن موسى فكتب إليه أبو شراعة: «أستنسئ (٤) الله أجلك، وأستعيذه من الآفات لك، وأستعينه على شكر ما وهب من النعمة فيك، إنه لذلك ولىّ، وبه ملىّ:

стр. 1802

أتانى غلامك المليح قدّه، السعيد بملكتك (١) جدّه، بكتاب قرأته غير مستكره اللفظ ولا مزورّ (٢) عن القصد، ينطق بحكمتك، ويبين عن فضلك، فو الله ما أوضح لى خنيّا، ولا زادنى بك علما، وإذا أنت تسأل فيه أن تهب، وتحبّ أن تحمد، ولا غرو (٣) أن تفعل ذلك، ومن كثب (٤) أخذته، وعن كلالة (٥) وغير كلالة ورثته، موسى أبوك، وسعيد جدك، وعمرو عمك، ولك دار الصّلة ودار الضيافة، وصاحب البغلة الشّهباء (٦)، وحصين بن الحمام (٧)، وعروة بن الورد (٨) قفى أىّ غلوات (٩) المجد يطمع قرينك أن يستولى على المدى والأمد، والأمد دونك. وكتابك إلىّ أن أتحكّم عليك تحكّم الصبىّ على أهله، فلشدّ ما جررت إلى معروفك، ودللت على الأنس بك، وحاشا للمحكوم له والمحكوم عليه فى ذات الحسب العتيق (١٠)، والمنظر الأنيق، الذى يسرّ القلب، ويلائم الرّوح، ويطرد الهمّ: تدبّ خلال شئون الفتى ... دبيب دبا النملة المنتعش (١١)

стр. 1803

إذا فتحت فغمت ريحها ... وإن سيل حمّارها قال: «خش (١)» فإن كنت رعيت لها عهدا، وحفظت لها عندك يدا، فانظر ربّ الحانوت (٢) فامطله دينه، واقطع السبب بينك وبينه، فقد أساء صحبتها، وأفسد بالماء جثّتها (٣)، وسلّط عليها عدوها، واعلم بأن أباك المتمثّل بقوله: يرى درجات المجد لا يستطيعها ... فيقعد وسط القوم لا يتكلم وقد بسطت قدرتك لسانك، وأكثرت لك الحمد، فدونك نهزة (٤) البيهة منه فقال: وبادر بمعروف إذا كنت قادرا ... زوال افتقار أو غنى عنك يعقب وقد بعثت إليك بقرابة (٥) مع الرسول، وأنشأت فى إثرها أقول: إليك ابن موسى الجود أعملت ناقتى ... مجللّة يضفو عليها جلالها (٦) كتوم الوجى لاتشتكى ألم السّرى ... سواء عليها موتها واعتلالها (٧) إذا شربت أبصرت ما جوف بطنها ... وإن ظمئت لم يبد منها هزالها وإن حملت حملا تكلّف حملها ... وإن حطّ عنها لم أبل كيف حالها (٨) بعثنا بها تسمو العيون وراءها ... إليك، وما يخشى عليها كلالها (٩) وغنّى مغنّينا بصوت فشاقنى ... متى راجع من أم عمرو خيالها

стр. 1804

أحبّ لكم قيس بن عيلان كلّها ... ويعجبنى فرسانها ورجالها (١) ومالى لا أهوى بقاء قبيلة ... أبوك لها بدر وأنت هلالها! فبعث إليه برسوله الذى حمل إليه النبيذ، وبصاحب شرابه، وكل ما كان فى خزانته من الشراب، وبثلثمائة دينار. (الأغانى ٢٠: ٤٠) ١٤٣ - كتاب البيعة للمنتصر بالله ومات المتوكل على الله سنة ٢٤٧ هـ فبويع ابنه المنتصر بالله بالخلافة، وكانت نسخة البيعة التى أخذت له: «بسم الله الرحمن الرحيم: تبايعون عبد الله المنتصر بالله أمير المؤمنين، بيعة طوع واعتقاد، ورضا ورغبة، بإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نيّاتكم، لا مكرهين ولا مجبرين، بل مقرّين عالمين بما فى هذه البيعة وتأكيدها، من طاعة الله وتقواه، وإعزاز دين الله وحقّه، ومن عموم صلاح عباد الله، واجتماع الكلمة، ولمّ الشّعث، وسكون الدّهماء (٢)، وأمن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين، على أن محمدا الإمام المنتصر بالله عبد الله وخليفته المفترض عليكم طاعته ومناصحته، والوفاء بحقه وعقده، لا تشكّون ولا تدهنون (٣) ولا تميلون ولا ترتابون، وعلى السّمع له والطاعة، والمسالمة والنّصرة، والوفاء والاستقامة، والنصيحة فى السّر والعلانية، والخفوف (٤) والوقوف عند كل ما يأمر به عبد الله الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين، وعلى أنكم أولياء أوليائه، وأعداء أعدائه

стр. 1805

من خاصّ وعامّ، وأبعد وأقرب، وتتمسّكون ببيعته بوفاء العقد، وذمّة العهد، سرائركم فى ذلك مثل علانيتكم، وضمائركم مثل ألسنتكم، راضين بما يرضاه لكم أمير المؤمنين فى عاجلكم وآجلكم، وعلى إعطائكم أمير المؤمنين بعد تجديدكم بيعته هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها فى أعناقكم، صفقة أيمانكم راغبين طائعين عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونيّاتكم، وعلى ألّا تسعوا فى نقض شىء مما أكّد الله عليكم، وعلى ألّا يميل بكم مميل (١) فى ذلك عن نصرة وإخلاص، ونصح وموالاة وعلى أن لا تبدّلوا، ولا يرجع منكم راجع عن نيته وانطوائه إلى غير علانيته، وعلى أن تكون بيعتكم التى أعطيتم بها ألسنتكم وعهودكم، بيعة يطّلع الله من قلوبكم على اجتبائها (٢) واعتقادها، وعلى الوفاء بذمته بها، وعلى إخلاصكم فى نصرتها وموالاة أهلها، لا يشوب ذلك منكم دغل (٣) ولا إدهان، ولا احتيال ولا تأوّل، حتى تلقوا الله موفين بعهده، ومؤدّين حقّه عليكم، غير مستشرفين (٤) ولا ناكثين، إذ كان الذين يبايعون منكم أمير المؤمنين إنّما يبايعون الله، يد الله فوتى أيديهم فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما، عليكم بذلك وبما أكّدت هذه البيعة فى أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيمانكم، وبما اشترط عليكم بها، من وفاء ونصر وموالاة واجتهاد ونصح، وعليكم عهد الله إن عهده كان مسئولا، وذمة الله وذمة رسوله، وأشدّ ما أخذ على أنبيائه ورسله وعلى أحد من عباده من متأكّد وثائقه، أن تسمعوا ما أخذ عليكم فى هذه البيعة ولا تبدّلوا، وأن تطيعوا ولا تعصوا، وأن تخلصوا ولا ترتابوا، وأن تتمسّكوا بما عاهدتم عليه تمسّك أهل الطاعة بطاعتهم، وذوى العهد والوفاء بوفائهم

стр. 1806

وحقّهم، لا يلفتكم عن ذلك هوّى ولا مميل، ولا يزيغ بكم فيه ضلال عن هدى، باذلين فى ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حق الدين والطاعة، بما جعلتم على أنفسكم، لا يقبل الله منكم فى هذه البيعة إلا الوفاء بها، فمن نكث منكم ممن بايع أمير المؤمنين هذه البيعة عما أكّد عليه، مسرّا أو معلنا، أو مصرّحا أو محتالا، فأدهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذت به مواثيق أمير المؤمنين وعهود الله عليه، مستعملا فى ذلك الهويسنى دون الجدّ، والرّكون إلى الباطل دون نصرة الحق، وزاغ عن السبيل التى يعتصم بها أولو الوفاء منهم بعهودهم، فكلّ ما يملك كلّ واحد ممن خان فى ذلك بشىء نقض عهده، من مال أو عقار أو سائمة أو زرع أو ضرع صدقة على المساكين فى وجوه سبيل الله، محرّم عليه أن يرجع شىء من ذلك إلى ماله، عن حيلة يقدّمها لنفسه أو يحتال بها، وما أفاد (١) فى بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ قدرها، فتلك سبيله إلى أن توافيه منيّته، ويأتى عليه أجله، وكلّ مملوك يملكه اليوم إلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه الحنث، ومن يتزوج بعدهن إلى ثلاثين سنة، طوالق البتة طلاق الحرج (٢)، لا مثنويّة (٣) فيه ولا رجعة، وعليه المشى إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة (٤) لا يقبل الله منه إلا الوفاء بها، وهو برىء من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان، ولا قبل الله منه صرفا ولا عدلا (٥)، والله عليكم بذلك شهيد؛ وكفى بالله شهيدا». (تاريخ الطبرى ١١: ٧١)

стр. 1807

١٤٤ - كتاب المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وفى سنة ٢٤٨ أغزى المنتصر وصيفا التركى- أحد كبار الموالى الأتراك- بلاد الروم، وكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر كتابا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين: سلام عليك فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّى على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله. أما بعد: فإن الله- وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه- اختار الإسلام وفضّله، وأتمّه وأكمله، وجعله وسيلة إلى رضاه ومثوبته، وسبيلا نهجا (١) إلى رحمته، وسببا إلى مذخور كرامته، فقهر له من خالفه، وأذلّ له من عند عن حقه، وابتغى غير سبيله، وخصّه بأتمّ الشرائع وأكملها، وأفضل الأحكام وأعدلها، وبعث به خيرته من خلقه، وصفوته من عباده، محمدا ﷺ ، وجعل الجهاد أعظم فرائضه منزلة عنده، وأعلاها رتبة لديه، وأنجحها وسيلة إليه، لأن الله أعزّ دينه، وأذلّ عتاة الشّرك، قال الله آمرا بالجهاد، ومفترضا له: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ». وليست تمضى بالمجاهد فى سبيل الله حال لا يكابد فى الله نصبا ولا أذى، ولا ينفق نفقة، ولا يقارع عدوّا، ولا يقطع بلدا، ولا يطأ أرضا، إلّا وله بذلك أمر مكتوب، وثواب جزيل، وأجر مأمول، قال الله : «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً

стр. 1808

يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ثم أثنى بفضل منزلة المجاهدين على القاعدين عنده، وما وعدهم من جزائه ومثوبته وما لهم من الزّلفى عنده فقال: «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً». فبالجهاد اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وجعل جنّته ثمنا لهم، ورضوانه جزاء لهم على بذلها وعدا منه حقّا لا ريب فيه، وحكما عدلا لا تبديل له، قال الله : «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» وحكم الله لأحياء المجاهدين بنصره، والفوز برحمته، وأشهد لموتاهم بالحياة الدائمة، والزّلفى لديه، والحظ الجزيل من ثوابه، فقال: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ». وليس من شىء يتقرب به المؤمنون إلى الله من أعمالهم، ويسعون به فى حطّ أوزارهم، وفكاك (١) رقابهم، ويستوجبون به الثواب من ربهم، إلّا والجهاد عنده أعظم منه منزلة، وأعلى لديه رتبة، وأولى بالفوز فى العاجلة والآجلة، لأن

стр. 1809

أهله بذلوا لله أنفسهم، لتكون كلمة الله هى العليا، وسمحوا بها دون من وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبيضتهم، ووقموا (١) بجهادهم العدوّ. وقد رأى أمير المؤمنين- لما يحبّه من التقرب إلى الله بجهاد عدوه، وقضاء حقّه عليه فيما استحفظه من دينه، والتماس الزّلفى له فى إعزاز أوليائه، وإحلال البأس والنّقمة بمن حاد عن دينه، وكذّب رسله، وفارق طاعته- أن ينهض «وصيفا» مولى أمير المؤمنين فى هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة الرّوم غازيا، لما عرّف الله أمير المؤمنين من طاعته ومناصحته، ومحمود تعبئته، وخلوص نيّته فى كل ما قرّبه من الله ومن خليفته. وقد رأى أمير المؤمنين- والله ولىّ معونته وتوفيقه- أن يكون موافاة «وصيف» فيمن أنهض أمير المؤمنين معه من مواليه وجنده وشاكريّته (٢) ثغر ملطية (٣)، لا ثنتى عشرة ليلة تخلو من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وذلك من شهور العجم للنّصف من حزيران، ودخوله بلاد أعداء الله فى أول يوم من تموز. فاعلم ذلك واكتب إلى عمالك على نواحى عملك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا، ومرهم بقراءته على من قبلهم من المسلمين، وترغيبهم فى الجهاد وحثّهم عليه، واستنفارهم إليه، وتعريفهم ما جعل الله من الثواب لأهله، ليعمل ذوو النيّات والحسبة والرغبة فى الجهاد على حسب ذلك فى النهوض إلى عدوّهم، والخفوف إلى معاونة إخوانهم، والذّياد عن دينهم، والرمى من وراء حوزتهم، بموافاة عسكر «وصيف»

стр. 1810

مولى أمير المؤمنين ملطية فى الوقت الذى حدّه أمير المؤمنين لهم إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته». وكتب أحمد بن الخصيب (١) لسبع ليال خلون من المحرم سنة ثمان وأربعين ومائتين. (تاريخ الطبرى ١١: ٧٤) ١٤٥ - رقعة المعتز والمؤيد فى خلع أنفسهما من البيعة وسعى الأتراك سعيهم- بتدبير الوزير أحمد بن الخصيب- لدى المنتصر، فى أن يخلع أخويه أبى عبد الله المعتزّ وإبراهيم المؤيّد من الخلافة، فلم يزالوا به حتى فعل، واستكتب كلا منهما رقعة بخطّه أنه خلع نفسه من البيعة، وقاما فيمن اجتمع من وجوه الناس فأعلنا ذلك لهم، وكانت النسخة التى كتباها. «بسم الله الرحمن الرحيم: إن أمير المؤمنين المتوكّل على الله رضى الله عنه قلّدنى هذا الأمر، وبايع لى وأنا صغير، من غير إرادتى ومحبّتى، فلما فهمت أمرى علمت أنى لا أقوم بما قلّدنى، ولا أصلح لخلافة المسلمين، فمن كانت بيعتى فى عنقه فهو من نقضها فى حلّ، وقد حلّلتكم منها، وأبرأتكم من أيمانكم، ولا عهد لى فى رقابكم ولا عقد، وأنتم برآء من ذلك». وكان الذى قرأ الرقعة أحمد بن الخصيب، ثم قام كل منهما فقال لمن حضر: هذه رقعتى وهذا قولى، فاشهدوا علىّ، وقد أبرأتكم من أيمانكم وحلّلتكم منها؛ فقال لهما المنتصر عند ذلك: قد خار الله لكما وللمسلمين. (تاريخ الطبرى ١١: ٧٧)

стр. 1811

١٤٦ - كتاب المنتصر بخلع المعتز والمؤيد وكتب المنتصر كتابا إلى العمال بخلعهما، وهذه نسخة كتابه إلى أبى العباس محمد بن عبد الله بن طاهر فى ذلك: «من عبد الله محمد الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين. أما بعد، فإن الله- وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه- جعل ولاة الأمر، من خلفائه القائمين بما بعث به رسوله ﷺ ، والذّابّين عن دينه، والداعين إلى حقه، والممضين لأحكامه، وجعل ما اختصّهم به من كرامته قواما لعباده، وصلاحا لبلاده، ورحمة عمر بها خلقه، وافترض طاعتهم ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد ﷺ ، وأوجبها فى محكم تنزيله، لما جمع فيها من سكون الدّهماء، واتّساق الأهواء، ولمّ الشّعث، وأمن السّبل ووقم العدو، وحفظ الحريم، وسدّ الثغور، وانتظام الأمور، فقال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» فمن الحقّ على خلفاء الله الذين حباهم بعظيم نعمته، واختصّهم بأعلى رتب كرامته، واستحفظهم فيما جعله وسيلة إلى رحمته، وسببا لرضاه ومثوبته، أن يؤثروا طاعته فى كل حال تصرّفت بهم، ويقيموا حقّه فى أنفسهم، والأقرب فالأقرب منهم، وأن يكون محلّهم من الاجتهاد فى كل ما قرّب من الله حسب موقعهم من الدين، وولاية أمير المسلمين، وأمير المؤمنين يسأل الله مسألة، رغبة إليه وتذلّلا لعظمته، أن يتولاه فيما استرعاه، ولاية يجمع له بها صلاح ما قلده، ويحمل عنه أعباء ما حمّله، ويعينه بتوفيقه على طاعته، إنه سميع قريب.

стр. 1812

وقد علمت ما حضرت من رفع أبى عبد الله وإبرهيم ابنى أمير المؤمنين المتوكّل على الله رضى الله عنه إلى أمير المؤمنين رقعتين بخطوطهما يذكران فيهما ما عرّفهما الله من عطف أمير المؤمنين عليهما ورأفته بهما، وجميل نظره لهما، وما كان أمير المؤمنين المتوكّل على الله عقده لأبى عبد الله من ولاية عهد أمير المؤمنين، ولإبرهيم من ولاية العهد بعد أبى عبد الله، وأن ذلك العقد كان وأبو عبد الله طفل لم يبلغ ثلاث سنين، ولم يفهم ما عقد له، ولا وقف على ما قلّده، وإبرهيم صغير لم يبلغ الحلم، ولم تجر (١) أحكامهما، ولا جرت أحكام الإسلام عليهما، وأنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عجزهما عن القيام بما عقد لهما من العهد، وأسند إليهما من الأعمال، أن ينصحا لله ولجماعة المسلمين، بأن يخرجا من هذا الأمر الذى عقد لهما أنفسهما، ويعتزلا الأعمال التى قلّداها، ويجعلا كلّ من فى عنقه لهما بيعة وعليه يمين، فى حلّ، إذ كانا لا يقومان بما رشّحا له، ولا يصلحان لتقلّده، وأن يخرج من كان ضمّ إليهما ممن فى نواحيهما من قوّاد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشاكريّته وجميع من مع أولئك القواد بالحضرة وخراسان وسائر النواحى عن رسومهما، وبزال عنهم جميعا ذكر الضّم إليهما، وأن يكونا سوقة (٢) من سوق المسلمين وعامّتهم، ويصفان ما لم يزالا يذكران لأمير المؤمنين من ذلك، ويسألانه فيه، منذ أفضى الله بخلافته إليه، وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد وخرجا منها، وجعلا كلّ من لهما عليه بيعة ويمين، من قواد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيته قريبهم وبعيدهم، وحاضرهم وغائبهم، فى حلّ وسعة من بيعتهم وأيمانهم، ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما، وجعلا لأمير المؤمنين على أنفسهما عهد الله وأشدّ ما أخذ على ملائكته وأنبيائه وعباده من

стр. 1813

عهد وميثاق، وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الأيمان، بإقامتهما على طاعته ومناصحته وموالاته فى السر والعلانية، ويسألان أمير المؤمنين أن يظهر ما فعلاه وينشره، ويحضر جميع أوليائه ليسمعوا ذلك منهما، طالبين راغبين، طائعين غير مكرهين ولا مجبرين، ويقرأ عليهم الرّقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما، بما ذكرا من وقوع الأمر لهما من ولاية العهد وهما صبيّان، وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما، وما سألا من صرفهما عن الأعمال التى يتولّيانها، وإخراج من كان بها ممن ضمّ إليهما فى نواحيهما من قوّاد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشاكريّته وجميع من مع أولئك القواد بالحضرة وخراسان وسائر النواحى عن رسومهما، وإزالة ذكر الضمّ إليهما عنهم، وأن يكتب الكتاب بذلك إلى جميع عمال النواحى، وأن أمير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا ورفعا، وتقدّم فى إحضار جميع إخوته، ومن بحضرته من أهل بيته وقواده ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريّته وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم. وحضر أبو عبد الله وإبرهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكّل على الله رضى الله عنه، وقرئت رقعتاهما بخطوطهما بحضرتهما فى مجلس أمير المؤمنين عليهما وعلى جميع من حضر، وأعادا من القول بعد قراءة الرقعتين مثل الذى كتبابه، ورأى أمير المؤمنين أن يجمع فى إجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره وإمضائه ذلك، قضاء حقوق ثلاثة: منها حقّ الله فيما استحفظه من خلافته، وأوجب عليه من النظر لأوليائه فيما يجمع لهم كلمتهم فى يومهم وغدهم، ويؤلّف بين قلوبهم، ومنها حقّ الرعية الذين هم ودائع الله عنده، حتى يكون المتقلّد لأمورهم من يراعيهم آناء الليل والنهار، بعنايته ونظره وتفقّده وعدله ورأفته، ومن يقوم بأحكام الله فى خلقه، ومن يضطلع بثقل (١) السياسة وصواب التدبير، ومنها حقّ أبى عبد الله وإبرهيم فيما يوجبه أمير المؤمنين لهما بأخوّتهما وماسّ رحمهما، لأنهما لو أقاما على ما خرجا منه، مع عجزهما عنه، لم يؤمن تأدى ذلك إلى ما يعظم فى الدين

стр. 1814

ضرره، ويعمّ المسلمين مكروهه، ويرجع عليهما عظيم الوزر فيه، فخلعهما أمير المؤمنين إذ خلعا أنفسهما من ولاية العهد، وخلعهما جميع إخوة أمير المؤمنين ومن بحضرته من أهل بيته، وخلعهما جميع من حضر من قواد أمير المؤمنين ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريّته وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من سائر أولياء أمير المؤمنين، الذين كانت أخذت لهما البيعة عليهم، وأمر أمير المؤمنين بإنشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال، ليتقدّموا فى العمل بحسب ما فيها، ويخلعوا أبا عبد الله وإبرهيم من ولاية العهد، إذ كانا قد خلعا أنفسهما من ذلك، وحلّلا الخاصّ والعامّ، والحاضر والغائب، والدانى والقاصى منه، ويسقطوا ذكرهما بولاية العهد، وذكر ما نسبا إليه من نسب ولاية العهد، من المعتزّ بالله والمؤيّد بالله من كتبهم وألفاظهم، والدعاء لهما على المنابر، ويسقطوا كلّ ما ثبت فى دواوينهم من رسومهما القديمة والحديثة الواقعة على من كان مضموما إليهما، ويزيلوا ما على الأعلام والمطارد (١) من ذكرهما، وما وسمت به دوابّ الشاكريّة والرّابطة من أسمائهما، ومحلّك من أمير المؤمنين وحالك عنده على حسب ما أخلص الله لأمير المؤمنين من طاعتك ومناصحتك وموالاتك ومشايعتك ما أوجب الله لك بسلفك ونفسك، وما عرّف الله أمير المؤمنين من طاعتك، ويمن نقيبتك (٢)، واجتهادك فى قضاء الحق، وقد أفردك أمير المؤمنين بقيادتك، وإزالة الضمّ إلى أبى عبد الله عنك، وعمّن فى ناحيتك بالحضرة وسائر النواحى، ولم يجعل أمير المؤمنين بينك وبينه أحدا يرأسك، وخرج أمره بذلك إلى ولاة دواوينه. فاعلم ذلك واكتب إلى عمالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وأوعز إليهم فى العمل على حسبه إن شاء الله والسلام».

стр. 1815

وكتب أحمد بن الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومائتين. (تاريخ الطبرى ١١: ٧٧) ١٤٧ - كتاب البيعة للمعتز بالله وتوفّى المنتصر بالله سنة ٢٤٨ هـ فولى الخلافة أحمد بن محمد بن المعتصم، ولقّب بالمستعين بالله، وفى عهده قويت شوكة الأتراك. وفى سنة ٢٥١ انحدر المستعين من سامرّا (١) إلى بغداد، وما لبث الأتراك أن ثاروا به، وأخرجوا المعتز (٢) بالله وبايعوه، وكانت نسخة بيعته (٣): «بسم الله الرحمن الرحيم، تبايعون عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين، بيعة طوع واعتقاد، ورضا ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نيّاتكم، لا مكرهين ولا مجبرين، بل مقرّين عالمين بما فى هذه البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته، وإعزاز حقه ودينه، ومن عموم صلاح عباد الله، واجتماع الكلمة، ولمّ الشّعث، وسكون الدّهماء، وأمن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين، على أن أبا عبد الله المعتزّ بالله، عبد الله وخليفته، المفترض عليكم طاعته ونصيحته، والوفاء بحقه وعهده، لا تشكّون ولا تدهنون ولا تميلون ولا ترتابون، وعلى السمع والطاعة والمشايعة والوفاء والاستقامة والنصيحة فى السرّ والعلانية، والخفوف والوقوف عند كل ما يأمر به عبد الله أبو عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين، من موالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، من خاصّ وعامّ، وقريب وبعيد، متمسّكين ببيعته بوفاء العقد، وذمة العهد، سرائركم فى ذلك كعلانيتكم،

стр. 1816

وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم، راضين بما يرضى به أمير المؤمنين بعد بيعتكم هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها فى أعناقكم، صفقة، راغبين طائعين، عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونيّاتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبرهيم المؤيّد بالله أخى أمير المؤمنين وعلى ألّا تسعوا فى نقض شىء مما أكّد عليكم، وعلى أن لا يميل بكم فى ذلك مميل عن نصرة وإخلاص وموالاة، وعلى ألا تبدّلوا ولا تغيّروا، ولا يرجع منكم راجع عن بيعته وانطوائه إلى غير علانيته، وعلى أن تكون بيعتكم التى أعطيتموها بألسنتكم وعهودكم بيعة يطّلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها، وعلى الوفاء بذمة الله فيها وعلى إخلاصكم فى نصرتها وموالاة أهلها، لا يشوب ذلك منكم نفاق ولا إدهان، ولا تأوّل، حتى تلقوا الله موفين بعهده، مؤدّين حقّه عليكم، غير مستريبين ولا ناكثين، إذ كان الذين يبايعون منكم أمير المؤمنين، بيعة خلافته وولاية العهد من بعده لإبرهيم المؤيد بالله أخى أمير المؤمنين، إنّما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما، عليكم بذلك وبما أكّدت عليكم به هذه البيعة فى أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيمانكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونصرة وموالاة واجتهاد، وعليكم عهد الله، إن عهده كان مسئولا، وذمّة الله وذمة محمد ﷺ ، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه، أن تسمعوا ما أخذ عليكم فى هذه البيعة، ولا تبدّلوا ولا تميلوا، وأن تمسّكوا بما عاهدتم الله عليه تمسّك أهل الطاعة بطاعتهم، وذوى الوفاء والعهد بوفائهم، لا يلفتكم عن ذلك هوى ولا ميل، ولا يزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن هدى، باذلين فى ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة والوفاء بما جعلتم على أنفسكم، لا يقبل الله منكم فى هذه البيعة إلا الوفاء بها، فمن نكث منكم ممن بايع أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه البيعة، على ما أخذ عليكم، مسرّا أو معلنا،

стр. 1817

مصرّحا أو محتالا أو متأوّلا، وأدهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده، وزاغ عن السبيل التى يعتصم بها أولو الرأى، فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم ممن ختر (١) فى ذلك منكم عهده، من مال أو عقار أو سائمة أو زرع أو ضرع، صدقة على المساكين فى وجوه سبيل الله، محبوس محرّم عليه أن يرجع شيئا من ذلك إلى ماله، عن حيلة يقدّمها لنفسه أو يحتال له بها، وما أفاد فى بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ، فذلك سبيلها إلى أن توافيه منيّته، ويأتى عليه أجله وكل مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحنث ومن يتزوج بعدهنّ إلى ثلاثين سنة، طوالق طلاق الحرج، لا يقبل الله منه إلا الوفاء بها، وهو برىء من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان، ولا قبل الله منه صرفا ولا عدلا، والله عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل». (تاريخ الطبرى ١١: ٩٨) ١٤٨ - كتاب عن محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أهل بغداد (كتبه سعيد بن حميد) ولما بايع الأتراك المعتز بسامرّا، أمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصين بغداد، فتقدّم فى ذلك، وعقد المعتزّ لأخيه أبى أحمد بن المتوكل على حرب المستعين وابن طاهر وولّاه ذلك، فسار إلى بغداد فى جمع من الأتراك والمغاربة، فصدّهم ابن طاهر وأوقع بهم ودارت عليهم الدائرة. وأمر ابن طاهر سعيد بن حميد فكتب كتابا يذكر فيه هذه الوقعة، فقرئ على أهل بغداد فى مسجد جامعها، ونسخته:

стр. 1818

«بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكر نعمته، والقادر فلا يعارض فى قدرته، والعزيز فلا يذلّ فى أمره، والحكم العدل فلا يردّ حكمه، والناصر فلا يكون نصره إلا للحق وأهله، والمالك لكل شىء فلا يخرج أحد عن أمره، والهادى إلى سبيل رحمته فلا يضلّ من انقاد لطاعته، والمقدّم إعذاره ليظاهر به حجّته، الذى جعل دينه لعباده رحمة، وخلافته لدينه عصمة، وطاعة خلفائه فرضا واجبا على كافّة الأمة، فهم المستحفظون فى أرضه على ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم إليه من دينه، والحاملون لهم على منهاج حقّه، لئلا تتشعّب بهم الطّرق المخالفة لسبيله، والهادون لهم إلى صراطه، ليجمعهم على الجادّة (١) التى ندب إليها عباده، بهم حمى الدين من البغاة الطاغين، وحفظت معالم الحق من الغواة المخالفين، محتجّين على الأمم بكتاب الله الذى استعملهم به، ورعاة للأمر بحق الله الذى اختارهم له، إن جادلوا كانت حجة الله معهم، وإن حاربوا حكم بالنصر لهم، وإن جاهدوا كانت فى طاعة الله نصرهم، وإن بغاهم عدو كانت كفاية (٢) الله حائلة دونهم، ومعقلا لهم، وإن كادهم كائد فالله من وراء عونهم، نصبهم الله لإعزاز دينه، فمن عاداهم فإنما عادى الدين الذى أعزّه وحرسه بهم، ومن ناوأهم (٣) فإنما طعن على الحق الذى يكلؤه بحراستهم. جيوشهم بالرّعب (٤) منصورة، وكتائبهم بسلطان الله من عدوهم محوطة (٥)، وأيديهم بذبّها عن دين الله عالية، وأشياعهم بتناصرهم فى الحق غالبة، وأحزاب أعدائهم ببغيهم مقموعة (٦)، وحجتهم عند الله وعند خلقه داحضة (٧)، ووسائلهم إلى النصر مردودة، وأحكام الله بخذلانهم واقعة

стр. 1819

وأقداره بإسلامهم إلى أوليائه جارية، وعادته فيهم وفى الأمم السالفة والقرون الخالية ماضية، ليكون أهل الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجوجين بما قدّم إليهم من الإنذار، معجّلة لهم نقمة الله بأيدى أوليائه، معدّا لهم العذاب عند ربهم، والخزى موصول بنواصيهم فى دنياهم، وعذاب الآخرة من ورائهم، وما الله بظلّام للعبيد، وصلّى الله على نبيه المصطفى، ورسوله المرتضى، والمنقذ من الضلالة إلى الهدى، صلاة تامّة نامية بركاتها، دائما اتصالها، وسلّم تسليما، والحمد لله تواضعا لعظمته، والحمد لله إقرارا بربوبيّته، والحمد لله اعترافا بقصور أفصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته، والحمد لله الهادى إلى حمده، والموجب به مزيده، والمحصى به عوائد إحسانه، حمدا يرضاه ويتقبّله، ويوجب طوله وإفضاله، والحمد لله الذى حكم بالخذلان على من بغى على أهل دينه، وسبق وعده بالنصر لمن بغى عليه من أنصار حقه، وأنزل بذلك كتابه العزيز موعظة للباغين، فإن أقلعوا كانت التذكرة نافعة لهم، والحجّة عند الله لمن قام بها فيهم، ثم أوجب بعد التذكرة والإصرار جهادهم، فقال فيما قدّم من وعده، وأبان من برهانه: ومن «بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ» وعدا من الله حقا، نهى به أعداءه عن معصيته، وثبّت به أولياءه على سبيله، والله لا يخلف الميعاد. ولله عند أمير المؤمنين- فى رئيس دعوته، وسيف دولته، والمحامى عن سلطانه، ومحلّ ثقته، والمتقدّم فى طاعته ونصيحته لأوليائه، والذّابّ عن حقه، والقائم بمجاهدة أعدائه، محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين- نعمة يرغب إلى الله فى إتمامها، والتوفيق لشكرها، والتطوّل بمن أراد المزيد فيها، فإن الله قدّر لآبائه القيام بالدعوة الأولى لآباء أمير المؤمنين، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدولة الثانية، حين حاول

стр. 1820

أعداء الله أن يطمسوا معالم دينه ويعفّوها (١)، فقام بحق الله وحقّ خليفته، محاميا عنها، ومراميا من ورائها، متناولا للبعيد برأيه ونظره، مباشرا للقريب بإشرافه وتفقّده، باذلا نفسه فى كل ما قرّ به من الله، وأوجب له الزّلفة عنده، وسيمنع الله أمير المؤمنين به وليّا مكانفا (٢) على الحق، وناصرا مؤازرا على الخير، وظهيرا مجاهدا لعدوّ الدين. وقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدّم به إليكم فيما أحدثته الفرقة الضالّة عن سبيل ربها، المفارقة لعصمة دينها، الكافرة بنعم الله، ونعم خليفته عندها، المباينة لجماعة الأمة التى ألّف الله بخلافته نظامها، المحاولة لتشتيت الكلمة بعد اجتماعها، الناكثة لبيعته، الخالعة لربقة (٣) الإسلام من أعناقها، الموالى الأتراك وما صارت إليه من نصب الغلام المعروف بأبى عبد الله بن المتوكل لإمامتها (٤)، عند مصير أمير المؤمنين إلى مدينة السلام، محلّ سلطانه، ومجتمع أنصاره وأبناء أنصار آبائه، وما قابل به أمير المؤمنين خيانتهم، وآثره من الأفاة فى أمرهم، ثم إن هؤلاء الناكثين جمعوا جمعا من الأتراك والمغاربة ومن ولج فى سوادهم، ودخل فى غمارهم (٥) مؤاتيا للفتنة من ألفاف (٦) الغىّ، ورأسوا عليهم المعروف بأبى أحمد بن المتوكل، ثم ساروا نحو مدينة السلام فى الجانب الشرقىّ، معلنين للبغى والاقتدار، مظهرين للغىّ والإصرار، فتأنّاهم (٧) أمير المؤمنين، وفسح لهم فى النّظرة لهم، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرهم الرشد، وتذكيرهم بما قدّموا من البيعة،

стр. 1821

وإفهامهم ما لله عليهم وله فى ذلك من الحق، وأن خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعا الخروج من دين الله والبراءة منه ومن رسوله، وتحريمهم أموالهم ونساءهم عليهم، وأن فى تمسّكهم به سلامة أديانهم، وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حلول النقم بهم، وأن يبيّن لهم ما سلف من بلائه عندهم، من أسنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنىّ المراتب، والتقدّم فى المحافل، فأبوا إلا تماديا ونفارا، وتمسّكا بالغىّ وإصرارا، فقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمن ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم، ودعاءهم إلى الحق ما كانت الإنابة، أو محاربتهم إن جنح بهم غيّهم، وتتلّعوا (١) فى ضلالهم، فلم يألهم (٢) نظرا وإفهاما، وتبيينا وإرشادا، وهم فى ذلك رافعون أصواتهم بالتوعّد لأهل مدينة السلام، بسفك دمائهم، وسبى نسائهم، وتغنّم (٣) أموالهم، وقبل ذلك ما كانوا فى مسيرهم على السبيل التى يستعملها أهل الشّرك فى غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة (٤)، لا يجتازون بعامر إلا أخربوه، ولا بحريم (٥) لمسلم ولا غيره إلا أباحوه، ولا بمسلم يعجز عنهم إلا قتلوه، ولا بمال لمسلم ولا ذمّىّ إلا أخذوه، حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم (٦)، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصّنا من معرّتهم، لا يمزون بغنى إلا خلعوا عنه لباس الغنى، ولا بمستور إلا هتكوا عن الذّريّة والنساء ستره، لا يرقبون فى مؤمن إلّا (٧) ولا ذمّة، ولا يتوقّفون عن مسلم بهتك ولا مثلة (٨)، ولا يرغبون عما حرّم الله من دم ولا حرمة.

стр. 1822

ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار فى الباطل، فدلفوا (١) نحو باب الشمّاسيّة، وقد رتّب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التى سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش فى العدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة، معاقلهم التوكّل على ربهم، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم، ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين يأمرهم بتحصين ما يليهم، والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة (٢) لهم، فباداهم الأولياء بالموعظة، وبدأهم الغواة الناكثون بحربهم، وغادوهم أياما بجموعهم وعدادهم، مدلّين بعدّتهم ومقدّرين أن لا غالب لهم، ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم، وأن أقداره نافذة بخلاف إرادتهم، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحق عليهم، حتى إذا كان يوم السبت للنّصف من صفر، وافوا باب الشماسية بأجمعهم، قد نشروا أعلامهم، وتنادوا بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبى النساء، واستباحة الأموال، فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا، وقابلوهم بالتذكرة فلم يصغوا إليها، وبدءوا بالحرب منابذين لها، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم، واستنصروا الله عليهم، واستحكمت بالله ثقتهم، ونفذت به بصائرهم، فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم، فقتل الله من حماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرا عددها، ونالت الجراحة المثخنة (٣) التى تأتى على من نالته أكثر عامّتهم، فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أن قد أكذب ظنونهم، وحال بينهم وبين أمانيّهم، وجعل عواقبها حسرات عليهم، استنهضوا جيشا من «سامرّا» من الأتراك والمغاربة: فى العتاد (٤) والعدّة والجلد والأسلحة،

стр. 1823

فى الجانب الغربىّ طالبين المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلا من أهله، باشتغال إخوانهم فى الجانب الشرقىّ بأعدائهم، وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شحن الجانبين جميعا بالرجال والعدّة، ووكّل بكل ناحية من يقوم بحفظها وحراستها، ويكفّ عن الرعية بوائق (١) أعدائهم، ووكّل بكل باب من الأبواب قائدا فى جمع كثيف، ورتّب على السّور من يراعيه فى الليل والنهار، وبثّ الرجال ليعرف أخبار أعداء الله فى حركاتهم ونهوضهم، ومقامهم وتصرّفهم، فيعامل كل حال لهم بحال يفتّ الله فى أعضادهم (٢) بها، فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وافى الجيش الذى أنهضوه من الجانب الغربى الباب المعروف بباب فطربّل (٣)، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقىّ من دجلة، فى عدد لا يسعه إلا الفضاء، ولا يحمله إلا المجال الفسيح، وقد تواعدوا أن يكون دنوّهم من الأبواب معا، لشغل الأولياء بحربهم من الجهات، فيضعفوا عنهم، ويغلبوا حقّهم بباطلهم، أملا كادهم الله فيه غير صادق، وظنّا خائبا لله فيه قضاء نافذ، وأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبى عون وبندار بن موسى الطبرى مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربّل، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، والاتّباع لأمره، والتصرف مع كتابه، والتوقّف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع، وتنزل الحجة بالتتابع منهم والإصرار، فنفذوا فى جمع يقابل جمعهم، مستبصرين فى حق الله عليهم، مسارعين إلى لقاء عدوهم، محتسبين خطاهم ومسيرهم واثقين بالثواب الآجل، والجزاء العاجل، فتلقاهم ومن معهم أعداء الله قد أطلقوا نحوهم أعنتّهم، وأشرعوا (٤) لنحورهم أسنّتهم، لا يشكّون أنهم نهزة المختلس، وغنيمة المنتهب، فنادوهم بالموعظة نداء مسمعا فمجّتها أسماعهم، وعميت عنها

стр. 1824

أبصارهم، وصدقهم أولياء الله فى لقائهم بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأن الله لا يخلف وعده فيهم؛ فجالت الخيل بهم جولة، وعاودت كرّة بعد كرة عليهم، طعنا بالرماح، وضربا بالسيوف، ورشقا بالسهام، فلما مسّهم ألم جراحها، وكلمتهم (١) الحرب بأنيابها، ودارت عليهم رحاها وصمّم عليهم أبناؤها، ظمأ إلى دمائهم، ولّوا أدبارهم ومنح الله أكتافهم، وأوقع باسه بهم، فقتلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بإنابة (٢)، ثم ثابت ثانية فوقفوا بإزاء الأولياء، وعبر إليهم أشياعهم الغاوون من عسكرهم بباب الشماسية ألف رجل من أنجادهم (٣) فى السفن، معاونين لهم على ضلالتهم، فأنهض محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاه ابن ميكال مولى طاهر نحوهم، فنفذوا ببصيرة لا يتخوّنها فتور، ونيّة لا يلحقها تقصير، ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين فلما وافى الشاه فيمن معه أعداء الله وكّل بالمواضع التى يتخوّف منها مدخل الكمناء، ثم حمل ومن توجّه معه من القواد المسمّين ماضين لا يعوقهم (٤) الوعيد، ولا يشكّون من الله فى النصر والتأييد، فوضعوا أسيافهم فيهم، تمضى أحكام الله عليهم، حتى ألحقوهم بالمعسكر الذى كانوا عسكروا فيه وجاوزوه، وسلبوهم كلّ ما كان من سلاح وكراع (٥) وعتاد الحرب، فمن قتيل غودرت جثته بمصرعه، ونقلت هامته (٦) إلى مصير فيه معتبر لغيره، ومن لاجىء من السيف إلى الغرق، لم يجره الله من حذاره، ومن أسير مصفود (٧) يقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هارب بحشاشة (٨) نفسه، قد أسكن

стр. 1825

الله الخوف قلبه، فكانت النّقمة بحمد الله واقعة بالفريقين: من وافى الجانب الغربىّ قادما، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقى منجدا لم ينج منهم ناج، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم، ولا أقبل إلى الله مقبل، فرقا أربعا يجمعها النار» ويشملها عاجل النّكال، عظة ومعتبرا لأولى الأبصار، فكانوا كما قال الله : «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (١)، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ» ولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التى كانت فى الجانب الشرقىّ، والقتل محتفل (٢) فى أعلامهم، والجراح فاشية فيهم، حتى إذا عاينوا ما أنزل الله بأشياعهم من البوار، وأحلّ بهم من النّقمة والاستئصال، ما لهم من الله من عاصم، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل، ولّوا منهزمين مفلولين منكوبين، قد أراهم الله العبر فى إخوانهم الغلوية، وطوائفهم المضلة، وضلّ ما كان فى أنفسهم، لما رأوا من نصر الله لجنده، وإعزازه لأوليائه، والحمد لله رب العالمين، قامع الغواة الناكبين عن دينه، والبغاة الناقضين لعهده والمرّاق الخارجين من جملة أهل حقه حمدا مبلّغا رضاه. وموجبا أفضل مزيده، وصلّى الله أولا وآخرا على محمد عبده ورسوله الهادى إلى سبيله، والداعى إليه بإذنه، وسلّم تسليما». وكتب سعيد بن حميد يوم السبت لسبع خلون (٣) من صفر سنة ٢٥١ (تاريخ الطبرى ١١: ١٠٦، واختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٤)
следующие страницы →