وإفهامهم ما لله عليهم وله فى ذلك من الحق، وأن خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعا الخروج من دين الله والبراءة منه ومن رسوله، وتحريمهم أموالهم ونساءهم عليهم، وأن فى تمسّكهم به سلامة أديانهم، وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حلول النقم بهم، وأن يبيّن لهم ما سلف من بلائه عندهم، من أسنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنىّ المراتب، والتقدّم فى المحافل، فأبوا إلا تماديا ونفارا، وتمسّكا بالغىّ وإصرارا، فقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمن ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم، ودعاءهم إلى الحق ما كانت الإنابة، أو محاربتهم إن جنح بهم غيّهم، وتتلّعوا (١) فى ضلالهم، فلم يألهم (٢) نظرا وإفهاما، وتبيينا وإرشادا، وهم فى ذلك رافعون أصواتهم بالتوعّد لأهل مدينة السلام، بسفك دمائهم، وسبى نسائهم، وتغنّم (٣) أموالهم، وقبل ذلك ما كانوا فى مسيرهم على السبيل التى يستعملها أهل الشّرك فى غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة (٤)، لا يجتازون بعامر إلا أخربوه، ولا بحريم (٥) لمسلم ولا غيره إلا أباحوه، ولا بمسلم يعجز عنهم إلا قتلوه، ولا بمال لمسلم ولا ذمّىّ إلا أخذوه، حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم (٦)، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصّنا من معرّتهم، لا يمزون بغنى إلا خلعوا عنه لباس الغنى، ولا بمستور إلا هتكوا عن الذّريّة والنساء ستره، لا يرقبون فى مؤمن إلّا (٧) ولا ذمّة، ولا يتوقّفون عن مسلم بهتك ولا مثلة (٨)، ولا يرغبون عما حرّم الله من دم ولا حرمة.
стр. 1822
ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار فى الباطل، فدلفوا (١) نحو باب الشمّاسيّة، وقد رتّب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التى سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش فى العدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة، معاقلهم التوكّل على ربهم، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم، ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين يأمرهم بتحصين ما يليهم، والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة (٢) لهم، فباداهم الأولياء بالموعظة، وبدأهم الغواة الناكثون بحربهم، وغادوهم أياما بجموعهم وعدادهم، مدلّين بعدّتهم ومقدّرين أن لا غالب لهم، ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم، وأن أقداره نافذة بخلاف إرادتهم، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحق عليهم، حتى إذا كان يوم السبت للنّصف من صفر، وافوا باب الشماسية بأجمعهم، قد نشروا أعلامهم، وتنادوا بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبى النساء، واستباحة الأموال، فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا، وقابلوهم بالتذكرة فلم يصغوا إليها، وبدءوا بالحرب منابذين لها، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم، واستنصروا الله عليهم، واستحكمت بالله ثقتهم، ونفذت به بصائرهم، فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم، فقتل الله من حماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرا عددها، ونالت الجراحة المثخنة (٣) التى تأتى على من نالته أكثر عامّتهم، فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أن قد أكذب ظنونهم، وحال بينهم وبين أمانيّهم، وجعل عواقبها حسرات عليهم، استنهضوا جيشا من «سامرّا» من الأتراك والمغاربة: فى العتاد (٤) والعدّة والجلد والأسلحة،
стр. 1823
فى الجانب الغربىّ طالبين المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلا من أهله، باشتغال إخوانهم فى الجانب الشرقىّ بأعدائهم، وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شحن الجانبين جميعا بالرجال والعدّة، ووكّل بكل ناحية من يقوم بحفظها وحراستها، ويكفّ عن الرعية بوائق (١) أعدائهم، ووكّل بكل باب من الأبواب قائدا فى جمع كثيف، ورتّب على السّور من يراعيه فى الليل والنهار، وبثّ الرجال ليعرف أخبار أعداء الله فى حركاتهم ونهوضهم، ومقامهم وتصرّفهم، فيعامل كل حال لهم بحال يفتّ الله فى أعضادهم (٢) بها، فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وافى الجيش الذى أنهضوه من الجانب الغربى الباب المعروف بباب فطربّل (٣)، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقىّ من دجلة، فى عدد لا يسعه إلا الفضاء، ولا يحمله إلا المجال الفسيح، وقد تواعدوا أن يكون دنوّهم من الأبواب معا، لشغل الأولياء بحربهم من الجهات، فيضعفوا عنهم، ويغلبوا حقّهم بباطلهم، أملا كادهم الله فيه غير صادق، وظنّا خائبا لله فيه قضاء نافذ، وأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبى عون وبندار بن موسى الطبرى مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربّل، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، والاتّباع لأمره، والتصرف مع كتابه، والتوقّف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع، وتنزل الحجة بالتتابع منهم والإصرار، فنفذوا فى جمع يقابل جمعهم، مستبصرين فى حق الله عليهم، مسارعين إلى لقاء عدوهم، محتسبين خطاهم ومسيرهم واثقين بالثواب الآجل، والجزاء العاجل، فتلقاهم ومن معهم أعداء الله قد أطلقوا نحوهم أعنتّهم، وأشرعوا (٤) لنحورهم أسنّتهم، لا يشكّون أنهم نهزة المختلس، وغنيمة المنتهب، فنادوهم بالموعظة نداء مسمعا فمجّتها أسماعهم، وعميت عنها
стр. 1824
أبصارهم، وصدقهم أولياء الله فى لقائهم بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأن الله لا يخلف وعده فيهم؛ فجالت الخيل بهم جولة، وعاودت كرّة بعد كرة عليهم، طعنا بالرماح، وضربا بالسيوف، ورشقا بالسهام، فلما مسّهم ألم جراحها، وكلمتهم (١) الحرب بأنيابها، ودارت عليهم رحاها وصمّم عليهم أبناؤها، ظمأ إلى دمائهم، ولّوا أدبارهم ومنح الله أكتافهم، وأوقع باسه بهم، فقتلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بإنابة (٢)، ثم ثابت ثانية فوقفوا بإزاء الأولياء، وعبر إليهم أشياعهم الغاوون من عسكرهم بباب الشماسية ألف رجل من أنجادهم (٣) فى السفن، معاونين لهم على ضلالتهم، فأنهض محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاه ابن ميكال مولى طاهر نحوهم، فنفذوا ببصيرة لا يتخوّنها فتور، ونيّة لا يلحقها تقصير، ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين فلما وافى الشاه فيمن معه أعداء الله وكّل بالمواضع التى يتخوّف منها مدخل الكمناء، ثم حمل ومن توجّه معه من القواد المسمّين ماضين لا يعوقهم (٤) الوعيد، ولا يشكّون من الله فى النصر والتأييد، فوضعوا أسيافهم فيهم، تمضى أحكام الله عليهم، حتى ألحقوهم بالمعسكر الذى كانوا عسكروا فيه وجاوزوه، وسلبوهم كلّ ما كان من سلاح وكراع (٥) وعتاد الحرب، فمن قتيل غودرت جثته بمصرعه، ونقلت هامته (٦) إلى مصير فيه معتبر لغيره، ومن لاجىء من السيف إلى الغرق، لم يجره الله من حذاره، ومن أسير مصفود (٧) يقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هارب بحشاشة (٨) نفسه، قد أسكن
стр. 1825
الله الخوف قلبه، فكانت النّقمة بحمد الله واقعة بالفريقين: من وافى الجانب الغربىّ قادما، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقى منجدا لم ينج منهم ناج، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم، ولا أقبل إلى الله مقبل، فرقا أربعا يجمعها النار» ويشملها عاجل النّكال، عظة ومعتبرا لأولى الأبصار، فكانوا كما قال الله :
«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (١)، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ» ولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التى كانت فى الجانب الشرقىّ، والقتل محتفل (٢) فى أعلامهم، والجراح فاشية فيهم، حتى إذا عاينوا ما أنزل الله بأشياعهم من البوار، وأحلّ بهم من النّقمة والاستئصال، ما لهم من الله من عاصم، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل، ولّوا منهزمين مفلولين منكوبين، قد أراهم الله العبر فى إخوانهم الغلوية، وطوائفهم المضلة، وضلّ ما كان فى أنفسهم، لما رأوا من نصر الله لجنده، وإعزازه لأوليائه، والحمد لله رب العالمين، قامع الغواة الناكبين عن دينه، والبغاة الناقضين لعهده والمرّاق الخارجين من جملة أهل حقه حمدا مبلّغا رضاه. وموجبا أفضل مزيده، وصلّى الله أولا وآخرا على محمد عبده ورسوله الهادى إلى سبيله، والداعى إليه بإذنه، وسلّم تسليما».
وكتب سعيد بن حميد يوم السبت لسبع خلون (٣) من صفر سنة ٢٥١
(تاريخ الطبرى ١١: ١٠٦، واختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٤)
стр. 1826
١٤٩ - كتاب سعيد بن حميد إلى بعض أهل السلطان
وكتب سعيد (١) بن حميد إلى بعض أهل السلطان فى يوم النّيروز:
«أيّها السيد الشريف، عشت أطول الأعمار، بزيادة من العمر موصولة بفرائضها من الشكر، لا ينقضى حقّ نعمة حتى يجدّد لك أخرى، ولا يمرّ بك يوم إلا كان مقصّرا عما بعده، موفيا عما قبله.
إنى تصفحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السّادة، فالتمست التأسّى (٢) بهم فى الإهداء، وإن قصّرت بى الحال عن الواجب، وإنى إن أهديت نفسى فهى ملك لك، لا حظّ فيها لغيرك، ورميت بطرفى إلى كرائم مالى فوجدتها منك، فإن كنت أهديت منها شيئا فإنى لمهد مالك إليك، ونزعت إلى مودتى فوجدتها خالصة لك، قديمة غير مستحدثة، فرأيت إن جعلتها هديتى لم أجدّد لهذا اليوم الجديد برّا ولا لطفا، ولم أميّز منزلة من شكرى بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصّرا عن الحق والنعمة، زائدا على ما تبلغه الطاقة، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، والإقرار عما يجب لك برّا أتوصّل به إليك، وقلت فى ذلك.
إن أهد مالا فهو واهبه ... وهو الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكرى فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغنى إذا طلعت ... أن تستضىء بسنّة البدر (٣)
(العقد الفريد ٣: ٣٠٧)
стр. 1827
١٥٠ - كتاب سعيد بن حميد إلى صديق له
وكتب سعيد بن حميد إلى صديق له يوم نيروز:
«هذا يوم سهّلت فيه السّنة للعبيد الإهداء للملوك، فتعلّقت كلّ طائفة من البرّ بحسب القدرة والهمة، ولم أجد فيما أملك ما يفى بحقّك، ووجدت تقريظك أبلغ فى أداء ما يجب لك، ومن لم يؤت فى هديّته إلا من جهة قدرته فلا طعن عليه».
(صبح الأعشى ٢: ٤٢٠)
١٥١ - كتاب سعيد بن حميد إلى أبى العباس بن ثوابة
وكان سعيد بن حميد صديقا لأبى العباس (١) بن ثوابة، فدعاه يوما، وجاءه رسول «فضل (٢)» الشاعرة، يسأله المصير إليها، فمضى معه وتأخر عن أبى العباس، فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها معاتبة فيها بعض الغلظة: فكتب إليه سعيد:
أقلل عتابك، فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول
ولكلّ نائبة ألمّت مدة ... ولكلّ حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصّلوا أفناهم التحصيل (٣)
ولعلّ أحداث الليالى والرّدى ... يوما ستصدع بيننا وتحول (٤)
стр. 1828
فلئن سبقت لتبكينّ بحسرة ... وليكثرنّ علىّ منك عويل
ولتفجعنّ بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول (١)
(الأغانى ١٧: ٦)
١٥٢ - كتاب سعيد بن حميد إلى فضل الشاعرة
وغضبت فضل الشاعرة على سعيد بن حميد، فكتب إليها:
يأيها الظالم ما لى ولك؟ ... أهكذا تهجر من واصلك؟
لا تصرف الرحمة عن أهلها ... قد يعطف المولى على من ملك (٢)
ظلمت نفسا فيك علّقتها ... فدار بالظلم علىّ الفلك (٣)
تبارك الله، فما أعلم الل ... هـ بما ألقى، وما أغفلك!
فراجعت وصله وصارت إليه جوابا للرقعة.
(الأغانى ١٧: ٦)
١٥٣ - كتابه إلى فضل الشاعرة
وكتب سعيد بن حميد رقعة إلى فضل الشاعرة يعتذر إليها من تغيّر ظنها به، وفى آخرها:
تظنّون أنى قد تبدّلت بعدكم ... بديلا، وبعض الظن إثم ومنكر
إذا كان قلبى فى يديك رهينة ... فكيف بلا قلب أصافى وأهجر؟
(الأغانى ١٧: ٤)
стр. 1829
١٥٤ - كتابه إلى فضل الشاعرة
وتغاضب سعيد بن حميد وفضل الشاعرة أياما، ثم كتب إليها:
تعالى نجدّد عهد الرّضا ... ونصفح فى الحبّ عما مضى
ونجرى على سنّة العاشقين ... ونضمن عنى وعنك الرّضا
ويبذل هذا لهذا هواه ... ويصبر فى حبّه للقضا
ونخضع ذلّا خضوع العبيد ... لمولى عزيز إذا أعرضا
فإنّى مذ لجّ هذا العتاب ... كأنّى أبطنت جمر الغضا (١)
فصارت إليه وصالحته (٢).
(الأغانى ١٧: ٥)
١٥٥ - كتابه إلى أبى هفان
وبلغ أبا هفّان (٣) عن سعيد بن حميد كلام فيه جفاء وطعن على شعره، فتوعّده بالهجاء. وكان الحاكى عن ذلك كاذبا، فبلغ سعيدا ما جرى، فكتب إلى أبى هفان.
أمسى يخوّفنى العبدى بصولته ... وكيف آمن بأس الضّيغم الهصر (٤)
من ليس يحرزنى من سيفه أجلى ... وليس يمنعنى من كيده حذرى
ولا أبارزه بالأمر يكرهه ... ولو أعنت بأنصار من الغير (٥)
стр. 1830
له سهام بلا ريش ولا عقب ... وقوسه أبدا عطل من الوتر (١)
وكيف آمن من نحرى له غرض ... وسهمه صائب يخفى عن البصر؟
(الأغانى ١٧: ٧)
١٥٦ - كتابه إلى بعض إخوانه
وكتب سعيد بن حميد إلى بعض إخوانه يهنئه بعزل عن عمله:
«جعلنى الله من السوء والمكروه فداءك، وأطال فى الخير والسرور بقاءك، وأتمّ نعمه عليك، وأحسن منها مزيدك، وبلّغك أقصى أمنيّتك، وقدّمنى أمامك، وقد بلغنى ما اختار الله لك، فسررت من حيث يغتمّ لك من لا يعرف قدر النعمة عليك، ولا يراك بعين استحقاقك، ولئن ساءنى ما ساء إخوانك من عزلك، لقد سرّنى ما يسّر الله لك، والحمد لله الذى جعل انصرافك محمودا، وقضى لك فى عاقبتك الحسنى، وأقول:
ليهنك أن أصبحت مجتمع الحمد ... وراعى المعالى، والمحامى عن المجد
وأنك صنت الأمر فيما وليته ... ففرّقت ما بين الغواية والرّشد
فلا يحسب الباغون عزلك مغنما ... فإنّ إلى الإصدار عاقبة الورد
وما كنت إلا السّيف جرّد للوغى ... فأحمد فيها ثم ردّ إلى الغمد
وقد قال الأول:
فمن يكن بورود العزل مكتئبا ... فإنّنى بورود العزل مسرور
بعد الولاية عزل يستبين به ... طول الولاة، وبعد العزل تأمير
أمّا ما عندى مع تصوّر العاقبة لك فى نفسى، فيمسّنى فى أمرك فى حال المحنة ما يخصّنى منه فى وقت تجدّد النعمة، وبحسب ضميرك الشاهد على ما عندى ما أجده
стр. 1831
لك فى نفسى، فلا زلت فى نعم متتابعة متجدّدة، ولا عدمت الثّروة والزيادة، وبلّغك الله أقصى أملك وأمل أخيك لك، وكبت (١) أعداءك، وجعلنى وقاءك المقدّم عنك.
أحبّ أن تشرح لى صورة الأمر، إلام تأدّت؟ وكيف كان الابتداء؟ فإنى لا أشكّ أنها حيلة ونيّة من عزّ الصاحب الجليل القدر، ولها عاقبة منه إن شاء الله محمودة، وتفضى من ذلك إلى ما تسكن إليه نفسى، إن شاء الله».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠١)
١٥٧ - كتابه إلى بعض إخوانه
وكتب سعيد بن حميد إلى بعض إخوانه يهنئه بعزل عن عمله:
«حفظك الله بحفظه، وأسبغ عليك كرامته، وأدام إليك إحسانه.
إن سرورى بصرفك، أكثر من سرور أهل عملك بما خصّوا به من ولايتك، وقد كنت أعزك الله- فيما يربأ (٢) بك عنه، بما أنت عليه فى قدرك واستئهالك، ولكنا رجونا أن يكون سببا لك إلى ما تستحق، فطبنا نفسا بالذى رجونا، فالحمد لله الذى سلّمك منه، ونسأله تمام نعمه عليك وعلينا فيك، بتبليغك أملك وآمالنا فيك، وشفع ما كان من ولايتك بأعظم الدرجات، وأشرف المراتب، ثم خصّك الله بجميل الصّنع، وبلّغك غاية المؤمّلين.
إن من سعادة الوالى- حفظك الله- وأعظم ما يخص به فى عمله وولايته، السلامة من بوائق (٣) الإثم، ونوائب الدنيا وشرها، والعاقبة مما يخاف منها،
стр. 1832
وقد خصّك الله منها- بمنّه وطوله- ما نرجو أن يكون سببا لك إلى نيل ما تستحق من المراتب، والله نسأل إيزاعك (١) شكر ما منّ به عليك، وتبليغك غاية أملك فى جميع أمورك، برحمته وفضله».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠١)
١٥٨ - كتابه إلى بعض إخوانه
وكتب إلى بعض إخوانه:
«سرّك الله بتتابع نعمه، وترادف إحسانه، وزادك من فواضل أقسامه، بلغنى- أكرمك الله- ما وهب الله لك من سلطانك، فقوّاك الله على ما استرعاك، ورزقك الشكر على ما أولاك، والسلامة منه فى الدنيا».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٩٩)
١٥٩ - كتابه إلى بعض إخوانه
وكتب إلى بعض إخوانه:
«أنا أهنئ بك العمل الذى ولّيته، ولا أهنّئك به، لأن الله أصاره إلى من يورده موارد الصواب، ويصدره مصادر الحجّة، ويصونه من كل خلل وتقصير، ويمضيه بالرأى الأصيل، والمعرفة الكاملة، قرن الله لك كل نعمة بشكرها، وأوجب لك بطوله المزيد منها، وأوزعك من المعرفة بها ما يصونها من الفتن، ويحوطها من النقص».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٩٩)
١٦٠ - كتاب له فى السلامة
«كتابى إليك عن سلامة، ووحشتى لفراق البلد الذى يجمع السّادة والإخوان، والأهل والجيران، على حسب الأنس بمكانى فيه، والسرور به، ولكنّ المقدار
стр. 1833
يجرى فيتصرّف معه، وقع ذلك بالهوى أو خالفه، ولئن كانت هذه حالى فى الوحشة، إنّ أكثر ذلك وأوفره لفراقك وما بعدنا من الأنس بك، فأسأل الله أن يهب لنا اجتماعا عاجلا فى سلامة من الأبدان والأديان، وغبطة من الحال، وغنى عن المطالب برحمته».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٥)
١٦١ - كتاب له فى الشوق
«كتابى والله يعلم كيف وحشتى لك، لا أوحشك الله من نعمه، ولا فرّق بينك وبين عافيته، وكان مما زاد فى الوحشة أنها جاوزت الأمل المتمكّن فى الأنس بقرب الدار، وتدانى المزار، بحمد الله على نعمه، ونستديمه لك ولنا فيك أجمل بلائه، ونسأله ألّا يخليك من شكره ومزيده، ولو كنت فى كل يوم أكتب إليك كتابا، بل لو شخصت نحوك قاصدا، لكان ذلك دون الحق، ولكنى غلق (١) بما تعلم من العمل، وأكره أن أتابع كتبى فأسلك سبيلا من سبل الثّقل، وأقف بمنزلة توسّط، أرجو أن أسلم بها من الجفاء والإبرام (٢)، وأنا وإن أبقيت عليك من الزيادة فى شغلك، فلست بممتنع من مسألتك التطول بتعريفى جملة من خبرك أسكن إليها، وأعتدّ بالنعمة وأحمد الله عليها».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٥)
١٦٢ - كتاب آخر
«كتابك ليس من الحق أن أسألكه فى كل ما نفذ لى رسول، ومن الجفاء (٣) أن أعفيك منه فى كل وقت، ولكن اسلك بنا سبيلا بين السبيلين نخرج نحن وأنت بها من حدّ المبرمين، وتخرج أنت بها من حدّ الجفاء».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٥)
стр. 1834
١٦٣ - كتاب آخر
«أنا أتعمّد فى كتبى إليك ما يخفّ ويسهل عليك، فأمسك عن الكتاب أحيانا بالإبقاء (١)، وأكتب أحيانا لئلّا يتوهّم علىّ الجفاء، فإن يجر الأمر عندك فيها هذا المجرى، وإلّا فالمستعتب قريب، ومتابعة الكتب علىّ سهل ممكن».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧٥)
١٦٤ - كتاب له فى توصية
«من شكر فقد قضى حقّ النعمة، واستوجب من المنعم الزيادة، وقد شكر فلان ما وعدته فى حاجته، فاستوجب الإنجاز بالشكر، وكلّ ما ناله من مرفق وحظّ فهما واصلان إلىّ دونه، فأحبّ أن تأتى فى أمره ما أنت أهله».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٣)
١٦٥ - كتاب له فى الاعتذار
«من قبل عذرك فى ترك إجابته فلا قبل الله عذره، ومن حسّن أمرك فى تركك ابتداءه بالكتاب فلا حسّن الله أمره، فإنك الآن بفضل خذقك أردت أن تجفونى بحجّة، وتقصّر فى برّى ببرهان قاطع يقوم عند الجاهل- غيرك- مقام المقبول من الأمر، ولكنه إذا تصفّحه أهل النظر علموا أنه طرف من الحيلة استعملته، وطريق من الغدر سلكته، والله إنّ فى طمعك فىّ أن أقبل إقرارك بالعجز عن إجابتى، لمساومة منك بعقلى، وتشكيك لى فيما تحيط به معرفتى، وتقرّ لى بالجهل من حيث شهدت بالعلم لى، وأبلغ المناقضة ما لم تطل فيه المجاذبة، وما استشهد فيه على المنازع من قوله، وعدل عن التماس الدليل من جهة تبعد بينه وبين صاحبه،
стр. 1835
قد صدقت- أعزك الله- فى كلّ ما قدّمت من الدعوى، وفلجت (١) فيما ذهبت إليه من الحجّة، وعجزت بالحقيقة عما انتحلت العجز عنه فى الظاهر، فقد كتبت إلىّ كتابا لم تعد فيه طريق العادة، هو كتابنا، فاكتب الآن الجواب، وأنت محمود يا صلف (٢)، وحسبى من معاتبتك، فليس يجب للفارغ أن يكلّف المشغول النظر فى أكثر من هذا المقدار من كتابه فيما لا يجدى ولا يعود بحظّ».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٠)
١٦٦ - كتاب تعزية له
«إذا استوى المعزّى والمعزّى فى النائبة، استغنى عن الاكثار فى الوصف لموقع الرزيّة، والعذر فى التأخّر يكاد ظهوره ينبئ عن التنبيه عليه، وأنت أولى بما تتطوّل به فى قبوله، وأنا أقول: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، إقرارا له بالهلكة، واعترافا بالمرجع إليه، وتسليما لقضائه: ورضا بمواقع أقداره، وأسأل الله أن يصلّى على محمد صلاة متصلة بركاتها، وأن يوفّقك لما يرضيه عنك قولا وفعلا، حتى يكمل لك ثواب الصابر المحتسب، وجزاء المطيع المتنجّز للوعد؛ ويرحم فلانا ويحلّه أعلى منازل أوليائه الذين رضى سعيهم، وتطوّل بفضله عليهم، إنه ولىّ قدير».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ؟ ؟ ؟ ٢)
١٦٧ - كتاب تعزية له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر
وكتب تعزية إلى محمد بن عبد الله بن طاهر عن بعض أوليائه:
«ورد علىّ الخبر- أعز الله الأمير- بحادث قضاء الله فى الولىّ الناصح، المطيع الشاكر، فلان- ﵀ فكان وقع المصاب به على حسب علمى بمحلّه كان من
стр. 1836
الأمير وما يرعاه من حق طاعته ونصيحته، وما يجرى عليه من أدبه وسلوك نهجه، والتمسّك بأمره، وما يوجبه الأمير لمن وسمه بمعروفه، وشرّفه باختياره، واختصّه بالقرب من خدمته، هذا مع ما أخلص الله بينى وبينه من المودة الصادقة، والثقة الصحيحة التى بعثتنا على التمسك بحبل الأمير، والاتصال بأسبابه، والوقوف فى ظلّه، فإنّ الله جعل ذلك سببا بجمع أهله، وإن اختلفت بهم الأسباب، وتفرقت بهم الديار، وتباعدت الأشكال.
وأعظم الله للأمير الأجر، وأجزل له المثوبة والذّخر، وجعل الله الأمير وارث أعمارنا، والباقى بعدنا، والمومّل لخلوفنا وأعقابنا، ورحم الله أبا فلان ونقله إلى جنته التى لا يجاوزها أمل، ولا يوازيها خطر، فما أكاد أشهد مشهدا من مشاهد التمييز والنظر، إلا وهم شاهدون له بالفضل الذى شرّفه به اصطناع الأمير واختياره والنصيحة له، وقدّمه الله به على أكفائه (١)، فلقد رفعه الله به إن شاء الله فى حياته [وأورثه (٢)] ثناء جميلا بعد وفاته».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٧)
١٦٨ - تعزية له فى مثله
«لولا أن التعزية على المصائب سبيل لا ينكر على مثلى من خدم الأمير وعبيده سلوكها، لأجللت الأمير أن أذكّره من الصبر وحسن العزاء مما أعلم أنه بفضل نعمة الله عليه، وما خوّله من العلم الذى جعله به قدوة، وإنما أسأل الله أن يوفق أمير المؤمنين لما يعظم به أجره، ويجزل به مثوبته، ولا يهدّ له ركنا، ولا يريه فى شىء من عواريه لديه ومنائحه نقصا ولا غيرا، ولا تبديلا، بمنّه ولطفه».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٠٧)
стр. 1837
١٦٩ - كتاب له
وكتب:
«شغلك يقطعنا عن مطالبتك بالحق فى جوابات كتبنا إليك، وصدق مودّتنا لك يمنعنا من التقصّى فى الحجّة عليك، ومن يكلك إلى رأيك فإنه لا يفى بك إلا لك، صلة إخوانك والتعاهد لهم من برّك بما يشبه فضلك، والنعمة عليهم فيك.
وفلان بينى وبينه مودة أقدّمه بها على الأخوّة، لأنك تعلم قرب ما بين المودّة والقرابة، وقد بلوته (١) على الحالات كلّها، فلم يزدنى اختباره إلا اختيارا له، ولا أعلم بالعسكر جليلا إلّا وهو لى صديق، يشكر بشكره، ويوجب على نفسه المنّة فيما آتى إليه، فأمّا من بين إخوانه فلست أعدل عن قضاء حقه، ولا أتأخّر عن معروف أسدى إليه، فإن رأيت أن تحلّه بالمحلّ الذى يستحقه بنفسه وسلفه، فو الله ما رأيت سوق الأحرار أنفق (٢) منها عندكم، أهل البيت، أبقى الله ﵎ باقيكم، ورحم ماضيكم».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٥٩)
١٧٠ - تحميد له فى فتح
وله تحميد فى فتح عن وصيف:
«أما بعد، فالحمد لله الحميد المجيد، الفعّال لما يريد، الذى خلق الخلق بقدرته، وأمضاه على مشيئته، ودبّره بعلمه، وأظهر فيه آثار حكمته التى تدعو العقول إلى معرفته، وتشهد لذوى الألباب بربوبيّته، وتدلّ على وحدانيته، لم يكن له شريك فى ملكه فينازعه، ولا معين على ما خلق فتلزمه الحاجة إليه، فليس يتصرّف عباده فى حال إلا كانت دليلا عليه، ولا تقع الأبصار على شىء إلا كان شاهدا له، بما
стр. 1838
رسم فيه من آثار صنعه، وأبان فيه من دلائل تدبيره، إعذارا بحجّته، وتطوّلا بنعمته، وهداية إلى حقه، وإرشادا إلى سبيل طاعته «وهو الّذى يبدأ الخلق ثمّ يعيده وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى فى السّموات والأرض وهو العزيز الحكيم».
والحمد لله العزيز القهّار، الملك الجبّار، الذى اصطفى الإسلام واختاره، وارتضاه وطهّره، وأعلاه وأظهره، فجعله حجة أهله على من شاقّهم (١)، ووسيلتهم إلى النصر على من عند (٢) فى حقهم، وابتغى غير سبيلهم، وبعث به رسله يدعون إلى حقه، ويهدون إلى سبيله بالآيات التى يبيّنون بها عن المخلوقين، ويوجبون بها الحجة على المخالفين، حتى انتهت كرامة الله إلى خاتم أنبيائه، وحامل كتابه، ومفتاح رحمته ﷺ على حين فترة من الرّسل، واختلاف من الملل، ودثور (٣) من أعلام الحق، واستعلاء من الباطل، والناس عاندون عن سبيل ربهم، يتسافكون دماءهم، ويحلّون ما حرّم الله عليهم، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وأيّده بالبرهان الواضح، والحجج القواطع، والآيات الشواهد، وأنزل عليه كتابه العزيز الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وجعل فيه أوضح الدليل على رسالته، وأعدل الشواهد على نبوّته، إذ عجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله على مرّ الأيام، وكثرة الأعداء والمنازعين، يتحدّاهم به فى المواسم، ويقصدهم بحجّته فى المحافل، ولا يزدادون عنه إلا حسورا (٤) وعجزا، ولا تزداد حجة الله عليهم إلا تظاهرا وعلوّا، ثم أيّده بالنصر بأنصار ألّف بينهم بطاعته، وجمعهم على حقه، ولمّ شعثهم بنصرة دينه، بعد الشّقاق المتصل بينهم، والحرب المفرّقة لجماعتهم كما قال : «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ» وقدّم إليه وعده بالنّصرة والتمكين، فجعله بشرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، ودليلا على ما بعثه
стр. 1839
به من الدين، فهزم بالقليل من عددهم الكثير من عدد أعدائهم، وغلب بضعفائهم أهل القوة ممن ناوأهم (١)، ففلّ به حدّهم، وفضّ جموعهم، وافتتح حصونهم وحريز (٢) معاقلهم، وأظهر بحجته ونصره عليهم، وأنجز سابق وعده لهم وفيهم، والله لا يخلف الميعاد».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٢٨٢)
١٧١ - فصول لسعيد بن حميد فى المودة
وكتب سعيد بن حميد:
«إنى أهديت مودتى رغبة إليك، ورضيت بالقبول منك مثوبة، فصرت بقبولها قاضيا لحقّ، ومالكا لرقّ، وصرت- بالتسرع إلى الهدية، والتخيّر للمثوبة- مرتهن اللسان بالرضا، واليدين بالوفا».
*** وفصل له:
«إنى صادقت منك جوهر نفسى، فأنا خير محمود على الانقياد لك بغير زمام، لأن النفس يقود بعضها بعضا».
*** وفصل له:
«لسانى ترطّب بذكرك، وقلبى معمور بمحبتك، حضرت أو غبت، سرت أو أقمت».
(العقد الفريد ٢: ١٩٢)
стр. 1840
١٧٢ - كتاب سعيد بن عبد الملك إلى سعيد بن حميد
وكتب سعيد بن عبد الملك إلى سعيد بن حميد:
«أكره- أطال الله بقاءك- أن أضعك ونفسى موضع العذر والقبول، فيكون أحدنا معتذرا مقصّرا، والآخر قابلا متفضّلا. ولكن أذكر ما فى التّلاقى من تجديد البرّ، وفى التخلّف من قلّة الصبر، وأسأل الله تعالى أن يوفقك وإيّانا لما يكون منه عقبى الشكر».
١٧٣ - رد سعيد بن حميد عليه
فأجابه سعيد بن حميد:
«وصل كتابك- أكرمك الله تعالى- الحاضر سروره، اللطيف موقعه، الجميل صدوره ومورده، الشاهد ظاهره على صدق باطنه، ونحن- أعزك الله- نجعل عزاءك الاعتراف بفضلك، ومجازاتك التقصير دونك، ونرى أن لا عذر فى التخلّف عنك وإن حال الاشتغال بيننا وبينك، فإن كنت سامحت على العذر قبل الاعتذار، وسبقت إلى فضيلة الاغتفار، فلا زلت على كل خير دليلا، وإليه داعيا، وبه آمرا، وقد التقينا قبل وصول كتابك لقاء أحدث قطرا (١)، وهاج شوقا، وأرجو أن تتّسع لنا الجمعة بما فاضت به الأيام، فننال حظّا من محادثتك والأنس بك».
(زهر الآداب ٣: ٣٦١)
١٧٤ - كتاب لسعيد بن عبد الملك فى السلامة
«أما بعد، فإن أولى نعمة تشكر وتقبل، نعمة حصّت فاستقامت بها الأمور واقعة بمصالحها، جارية على أقصد (٢) سننها، وأجمل ما ولى الله به منها،
стр. 1841
وعمّت فألّفت البشر، وجمعت الكلمة، وآمنت السّرب (١)، وسكنت بها الدّهماء (٢)
وإن أمير المؤمنين كتب إليك، وهو من ترادف النعم الخاصّة عنده فى نفسه وولده وأدانيه وأوليائه، من شمول السلامة والنعمة والصّنع وتتابعه فى رعيته وأموره بحضرته وقاصيته وكذا ...
فالله يتولى لأمير المؤمنين فى ذلك شكر تفضّله، وإليه الرغبة فى إدامة أحسن ما أنعم به عليه، إنه ولىّ قدير».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٦٦)
١٧٥ - كتاب له فى سلامة الفطر
«أما بعد، فإن الله هو ولىّ أمير المؤمنين فيما استحفظه من النظر فى سياسة عباده ومراعاة نبيه ﷺ ، وإقامة شرائع دينه، ودلالة الأمة إلى مراشدها فى قضاء حق الله عليها، وجمعها فى المواطن التى ندبها إليها، وجعل نوافل (٣) الخير والبرّ فيها، فأدام الله صلاحها، ولا أخلاها من بركة رعايته، ومن ولايته وسياسته، ولا زالت فى كنف السلامة بسلامته، وظلّ العافية بعافيته، وعلى سبيل نجاة هدايته.
وقد كتبت إلى أمير المؤمنين فيما وليه الله به فى مخرجه إلى عيده من يوم فطره، وما وفّقه له من التقرب إليه بوسائل التذلّل فى طاعته، والاجتهاد فى شكره، والمناصحة فى مخاطبة من حضره، وإنصاتهم لوعظه وتذكيره، وما وليه الله به من العافية والسلامة الشاملة، والنعمة الكاملة (والسلامة (٤) التامة) والعز الموصول بالسكينة،
стр. 1842
والإخبات (١) والخشوع، وحسن الرغبة والدّعة والوقار والاستغفار والتكبير، والتهليل، وما منحه الله من كثرة الدعاء ممن شاهد من خاصّته وعامّته، ومن أوفى من البلدان والأمصار، وآتاه من تفرّغهم لشكر النعمة عليهم، وأفرشهم (٢) من عدله وإحسانه، وفضله وامتنانه، وأعانهم على ما كانوا يتشوّفونه (٣)، ويعدّون له فى أعيادهم، من رفع حوائجهم وذكر مظالمهم، منّا من الله خصّ به خليفته، وأعطاه فضل مزيته، بما وفّقه له من العدل والنّصفة، والبرّ والمرحمة، والعطف (٤) والرأفة، كتابا أمرت بنسخه لك آخر كتابى هذا، فافعل وافعل ... والسلام».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٧١)
١٧٦ - كتاب له فى الاعتذار
«لحظك الله بمغفرته، وعاد عليك وعلينا بعفوه، فنسأل الله ما لا يقبله على العلم والقدرة غيره، لو بدّلت مكان سوء الظن أحسنه، وتيقنت أن قليل ما يلمّ بصديقى- ممّا يطرف عينه، ويؤذيه سماعه، دون ما يخاف من لواحق (٥) عيبه- لا يزايل خلدى الاهتمام به، حتى يجعل الله مخرجا، كنت روّحت عن قلبك وعنى فى استبطائك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٩)
١٧٧ - تعزية لسعيد بن عبد الملك
«لكل معزّ- أعزّ الله الأمير، سبيل فى موقعه من التعزية والعزاء، وحقّ الأمير لا يقضيه طول السعى فيه، لجلالة خطره، وعظم قدره، وكلّ ما أدّى إليه منه
стр. 1843
فهو دون ما يجب له (وما (١) قصّر عنه) لفضل منزلته، وارتفاع مزيد النعمة عليه وتواليها (٢)، فإن النعم على الأمير متكاملة قد وفّرته عن الجزع لحادث المصيبة، وذلّلته بالتقوى لخالص الشكر، وعلت به فى كل أمر يحدث له أو عليه، وحطّت درجة مثلى عن تعزيته إلا بالدعاء، فثبّت الله الأمير بعزيمة الصبر، ووفّاه متكامل الأجر وزاده فى مدة العمر، ولا أخلاه فى السّرّاء والضّرّاء من نعمة تثبّته على شكر يجمع له به ذخائر البر، ووهب لميّته رضوانه ومغفرته، وبرد عفوه فى جنته التى لا يجاوزها أمل، ولا يبلغها خطر».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٢)
١٧٨ - تعزية له
«المصائب- أكرمك الله- هدايا لقوم، وبلايا على آخرين، فجعلك الله ممن عقل، عند ما استعمل الشكر عند الإمتاع، والصّبر عند الارتجاع».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٧)
١٧٩ - كتاب له فى توصية
«للمودة أسباب تؤدّى إلى اتصال المحبة، واجتماع المودة، واتّساق نظم الأخوّة وكتابى هذا من أسبابها القوية، إذ كان فى سبيل البرّ والمثوبة، ولفلان قبلك حاجة، فافعل وافعل».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٣)
стр. 1844
١٨٠ - كتاب آخر
«كتابى إليك لك، فإن قبلته كان شبيها بكرمك ونعمة الله عندك، وما أقبل منك إلّا أن تقبله ولا تؤخّره، وهو أنك قد عرفت ما يجب لفلان، وما كتبت به له، وما أرجع عليه بلوم فى حسن ظنّه بك، وصبره عليك، ووفائه لك، ولا أرضى منك أن تغفل عنه، وأن تجعل حاجته فيما تدافع به أو تعتلّ فيه، فقد ضمنت له عنك أن يكون جوابه النّجح، وقد اقتصر على كتابى واقتصرت له عليه، وأرجو ألّا تخلّ به، ولا تردّه بغير حظ إن شاء الله».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٣)
١٨١ - كتاب له فى إطلاق محبوس
«معرفتى أنك لا تجاوز فى العقوبة سيلها من مواقع الأدب بالحق، تحملنى على مسألتك ما أنت موجب له، والذّكرى تنفع المؤمنين، ولولا ذلك لاستغنى صاحب كتابى عنه، فإن كان ذنبه صغيرا، فالعقوبة تخرجه من حبسه، وإن كنت تناهيت فى حبسه إلى مدة ذنبه، فالحقّ يخرجه، وكتابى متقاض لك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٩٤)
١٨٢ - كتاب له
وكتب سعيد بن عبد الملك:
«كتبت- على شغل- فى قطع من القرطاس، ولم يقطع بى حسن الظن بك فى قبولك العذر، وتحسينك ما أنت أهل لتحسينه، فإنك تقبل دون حقك، وتهب الذنب فيه، فيكون شكرك جاريا على سبيلين، كلاهما يبين لك عن فضلك، «يوجب لك ما لا يقصّر معه إلا مغبون الحظّ، خسيس النصيب».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٢: ٢٦٤)
стр. 1845
١٨٣ - ومن فصوله
فصل له:
«أنا صبّ إليك، سامى الطّرف نحوك، وذكرك ملصق بلسانى، واسمك حلو على لهواتى (١) وشخصك ماثل بين عينىّ، وأنت أقرب الناس من قلبى، وآخذهم بمجامع هواى».
*** وفصل له:
«لنحن أحقّ بابتدائك بما ابتدأتنا به من الصّلة، إلا أنك أحقّ بالفضل الذى سبقتنا إليه».
(العقد الفريد ٢: ١٩٢)
١٨٤ - كتاب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى المعتز
وطفق أمر المستعين يضعف، والمعتزّ يقوى، فلما رأى ذلك محمد بن عبد الله ابن طاهر كاتب المعتزّ، وجنح إليه، ومال إلى الصلح على خلع المستعين، وكانت عاقبة أمره أن خلع نفسه من الخلافة وبايع للمعتز (سنة ٢٥٢) فأخذ له ابن طاهر البيعة ببغداد، وأشهد عليه الشهود من بنى هاشم والقضاة والفقهاء والقواد، وأخذ منه البردة والقضيب والخاتم، ووجّه ذلك مع أخيه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلى المعتز بسامرّا، وكتب إليه:
أما بعد، فالحمد لله متمّم النعم برحمته، والهادى إلى شكره بفضله، وصلّى الله على محمد عبده ورسوله الذى جمع له ما فرّق من الفضل فى الرسل قبله، وجعل تراثه راجعا إلى من خصّه بخلافته وسلم تسليما.
стр. 1846
كتابى إلى أمير المؤمنين، وقد تمّم الله له أمره، وتسلّمت تراث رسول الله ﷺ ممن كان عنده، وأنفذته إلى أمير المؤمنين مع عبيد الله ابن عبد الله مولى أمير المؤمنين وعبده».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٣٧)
وجاء فى مروج الذهب للمسعودى:
وقدم على المعتز عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أخو محمد بن عبد الله بالبردة والقضيب والسيف وبجوهر الخلافة ومعه شاهك الخادم، وكتب محمد بن عبد الله إلى المعتز فى شاهك:
«إن من أتاك بإرث رسول الله ﷺ لجدير أن لا تخفر ذمّته (١)»
(مروج الذهب ٢: ٤٢٠)
ثم أحدر المستعين إلى «واسط» وقتل فى شوّال من سنة ٢٥٢ هـ.
١٨٥ - كتاب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى عمال النواحى
ولما أفضت الخلافة إلى المعتز، أمر بالعقد لأنصاره على النواحى، وأطلقهم فى أشعار أعدائهم وأبشارهم (٢) ودمائهم، فلما بلغ محمد بن عبد الله بن طاهر ما أمر به فى النواحى أنشأ كتابا نسخته:
«أما بعد: فإن زيغ الهوى صدف (٣) بكم عن حزم الرأى، فأقحمكم (٤) حبائل الخطأ، ولو ملّكتم الحقّ عليكم، وحكمتم به فيكم، لأورد كم البصيرة، ونفى عنكم غيابة (٥) الحيرة، والآن، فإن تجنحوا (٦) للسّلم تحقنوا دماءكم، وترغدوا
стр. 1847
عيشكم، ويصفح أمير المؤمنين عن جريرة (١) جارمكم، وأخلى لكم ذروة سبوغ النّعمة عليكم، وإن مضيتم على غلوائكم (٢)، وسوّل لكم الأمل أسوأ أعمالكم، فأذنوا (٣) بحرب من الله ورسوله بعد نبذ (٤) المعذرة إليكم، وإقامة الحجة عليكم، ولئن شنت الغارات، وشبّ ضرام (٥) الحرب، ودارت رحاها على قطبها، وحسمت (٦) الصوارم أوصال حماتها، واستجرّت الغوالى (٧) من نهمها، ودعيت نزال (٨)، والتحم الأبطال، وكلحت (٩) الحرب عن أنيابها أشداقها، وألقت للتجرّد عنها قناعها، واختلفت أعناق الخيل، وزحف أهل النجدة إلى أهل البغى، لتعلمنّ أىّ الفريقين أسمح بالموت نفسا، وأشدّ عند اللقاء بطشا، ولات حين معذرة، ولا قبول فدية، وقد أعذر من أنذر، وسيعلم الّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٤٩)
١٨٦ - رد الأتراك على كتاب ابن طاهر
فبلغ كتاب محمد بن عبد الله الأتراك فكتبوا جواب كتابه:
«إنّ شخص الباطل تصوّر لك فى صورة الحق، فتخيّل لك الغىّ رشدا،
стр. 1848
كسراب بقيعة (١) يحسبه الظّمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا، ولو راجعت عزوب (٢) عقلك، أنار لك برهان البصيرة، وحسم عنك موّادّ الشّبهة، لكن حصت (٣) عن سنّة الحقيقة، ونكصت على عقبيك، لما ملك طباعك من دواعى الحيرة، فكنت فى الإصغاء لهتافه، والتجرّد إلى وروده، كالّذى استهوته الشّياطين فى الأرض حيران، ولعمرك يا محمد: لقد ورد وعدك لنا، ووعيدك إيانا، فلم يدننا منك، ولم ينئنا عنك، إذ كان فحص اليقين قد كشف عن مكنون ضميرك، وألفاك كالمكتفى بالبرق نهجا إذا أضاء له مشى فيه، وإذا أظلم عليه قام، ولعمرك لئن اشتدّ فى البغى شأوك (٤)، ومتّعت بصبابة من الأمل، ليكونن أمرك عليك غمّة، ولنأتينّك بجنود لا قبل لك بها، ولنخرجنّك منها ذليلا وأنت من الصاغرين، ولولا انتظارنا كتاب أمير المؤمنين بإعلامنا ما نعمل فى شاكلته (٥)، بلغنا بالسياط النّياط، وغمدنا السيوف وهى كالّة، وجعلنا عاليها سافلها، وجعلناها مأوى الظّلمان (٦) والحيّات والبوم، وقد ناديناك من كثب (٧)، وأسمعناك إن كنت حيا، فإن تجب تفلح، وإن تأب إلا غيّا نخزك به، وعمّا قليل لتصبحنّ نادمين».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٥٠)
стр. 1849
١٨٧ - كتاب محمد بن عباد إلى جعفر بن محمود الإسكافى
وكتب محمد بن عباد إلى أبى الفضل جعفر بن محمود الإسكافى (١) وزير المعتز بالله- وكان المعتز يختص به ويتقرب إليه قبل الوزارة-:
«ما زلت- أيّدك الله تعالى- أذمّ الدهر بذمّك إياه، وأنتظر لنفسى ولك عقباه، وأتمنّى زوال من لا ذنب له إلى عاقبة محمودة تكون بزوال حاله، وأترك الإعذار فى الطلب، على الاختلال الشديد، ضنّا بالمعروف عندى إلا عن أهله، وحبسا لشعرى إلا عن مستحقّه».
١٨٨ - رد جعفر على محمد بن عباد
فوقع فى كتابه:
«لم أؤخّر ذكرك ناسيا لحظّك، ولا مهملا لواجبك، ولا موهنا لمهمّ أمرك، لكنى ترقبت اتساع الحال، وانفساح الأعمال، لأخصّك بأسناها خطرا، وبأجلّها قدرا، وأعودها نفعا عليك، وأوفرها رزقا لك، وأقربها مسافة منك، فإذا كنت ممن تحفزه (٢) الأعمال، ولا يتسع له الإمهال، فسأختار لك خير ما يشير إليه الوقت، وأنعم (٣) النظر فيه، فأجعله أول ما أمضيه».
(زهر الآداب ٣: ١٩٨)
стр. 1850
١٨٩ - كتاب ابن طاهر إلى عماله
وفى سنة ٢٥٣ هـ مات محمد بن عبد الله بن طاهر- وكانت علته التى مات فيها قروحا أصابته فى حلقه ورأسه فذبحته- واستخلف محمد قبل موته أخاه عبيد الله على أعماله، ووصى بذلك وكتب به إلى عماله، ثم وجه المعتز الخلع وولاية بغداد إلى عبيد الله.
وهذه نسخة الكتاب الذى كتبه محمد بن عبد الله إلى عماله باستخلافه أخاه عبيد الله بعده:
«أما بعد: فإن الله جعل الموت حتما مقضيّا جاريا على الباقين من خلقه، حسب ما جرى على الماضين. وحقيق على من أعطى حظا من توفيق الله أن يكون على استعداد لحلول ما لا بدّ منه، ولا محيص (١) عنه فى كل الأحوال.
وكتابى هذا وأنا فى غلّة قد اشتد الإشفاق منها، وكاد الإياس يغلب على الرجاء فيها، فإن يبلّ (٢) الله ويدفع فبقدرته وكريم عادته، وإن يحدث بى الحدث الذى هو سبيل الأولين والآخرين، فقد استخلفت عبيد الله بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، أخى الموثوق باقتفائه أثرى، وأخذه بسدّ ما أنا بسبيله من سلطان أمير المؤمنين، إلى أن يأتيه من أمره ما يعمل بحسبه، فاعلم ذلك وأتمر فيما تتولاه بما ترد به كتب عبيد الله وأمره إن شاء الله».
وكتب يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذى القعدة سنة ٢٥٣ هـ.
(تاريخ الطبرى ١١: ١٥٥)
стр. 1851
١٩٠ - رقعة المعتز بخلع نفسه
واضطرب أمر المعتز واضطره الأتراك أن يخلع نفسه ففعل، وبايعوا بالخلافة محمدا المهتدى بالله بن الواثق بالله سنة ٢٥٥، ثم قتلوا المعتز، وكانت نسخة الرقعة بخلع المعتز نفسه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أشهد عليه الشهود المسمّون فى هذا الكتاب، شهدوا أن أبا عبد الله ابن أمير المؤمنين المتوكل على الله أقرّ عندهم وأشهدهم على نفسه، فى صحة من عقله، وجواز من أمره، طائعا غير مكره، أنّه نظر فيما كان تقلّده من أمر الخلافة والقيام بأمور المسلمين، فرأى أنه لا يصلح لذلك ولا يكمل له، وأنه عاجز عن القيام بما يجب عليه منها، ضعيف عن ذلك، فأخرج نفسه وتبرّأ منها وخلعها من رقبته وخلع نفسه منها، وبرّأ كلّ من كانت له فى عنقه بيعة، من جميع أوليائه وسائر الناس، مما كان له فى رقابهم من البيعة والعهود والمواثيق والأيمان بالطلاق والعتاق والصّدقة والحج وسائر الأيمان، وحلّلهم من جميع ذلك، وجعلهم فى سعة منه فى الدنيا والآخرة، بعد أن تبيّن له أن الصلاح له وللمسلمين فى خروجه عن الخلافة والتبرّى منها، وأشهد على نفسه بجميع ما سمّى ووصف فى هذا الكتاب جميع الشهود المسمّين فيه وجميع من حضر، بعد أن قرئ عليه حرفا حرفا، فأقرّ بفهمه ومعرفته جميع ما فيه طائعا غير مكره، وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة ٢٥٥».
فوقّع المعتز فى ذلك:
«أقرّ أبو عبد الله بجميع ما فى هذا الكتاب وكتب بخطه».
وكتب الشهود شهاداتهم: شهد الحسن بن محمد، ومحمد بن يحيى، وأحمد بن جناب، ويحيى بن زكرياء بن أبى يعقوب الأصبهانى، وعبد الله بن محمد العامرى، وأحمد بن الفضل بن يحيى، وحماد بن إسحاق، وعبد الله بن محمد، وإبراهيم بن محمد.
(تاريخ الطبرى ١١: ١٦٢)
стр. 1852
١٩١ - كتاب الموالى بالكرخ والدور إلى المهتدى
وفى سنة ٢٥٦ هـ انتشر الخبر فى العامة أن القوم على أن يخلعوا المهتدى ويفتكوا به، فتحرّك الموالى بالكرخ والدّور (١)، ووجّهوا إلى المهتدى وسألوه أن يوجّه إليهم أحد إخوته، فوجّه إليهم أخاه أبا القاسم، فذكروا أنهم سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، وأنه بلغهم أن موسى بن بغا وبايكباك وجماعة من قوّادهم يريدونه على الخلع، وأنهم يبذلون دماءهم دون ذلك، وأنهم قد قرءوا بذلك رقاعا ألقيت فى المسجد والطّرقات، وشكوا مع ذلك سوء حالهم وتأخّر أرزاقهم، وما صار من الإقطاعات إلى قوادهم التى قد أجحفت بالضّياع والخراج، وما صار لكبرائهم من المعاون والزيادات من الرسوم القديمة، مع أرزاق النساء والدّخلاء الذين قد استغرقوا أكثر أموال الخراج، وكثر كلامهم فى ذلك، فقال لهم أبو القاسم: اكتبوا هذا فى كتاب إلى أمير المؤمنين أتولّى إيصاله لكم، فكتبوا ذلك.
١٩٢ - رد المهتدى عليهم
فكتب المهتدى جواب كتابهم بخطه وختمه بخاتمه، وغدا أبو القاسم إلى الكرخ فوافاهم بكتاب المهتدى فقرئ عليهم، وإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وصلّى على محمد النبى وعلى آله وسلم تسليما كثيرا، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم وليّا وحافظا، فهمت كتابكم، وسرّنى ما ذكرتم من طاعتكم، وما أنتم عليه، فأحسن الله جزاءكم، وتولّى حياطتكم، فأمّا ما ذكرتم من خلّتكم (٢) وحاجتكم فعزيز علىّ ذلك فيكم، ولوددت والله أن
стр. 1853
صلاحكم يهيّا بأن لا آكل ولا أطعم ولدى وأهلى إلا القوت الذى لا يسع شىء دونه، ولا ألبس أحدا من ولدى إلا ما ستر العورة، ولا والله- حاطكم الله- ما صار إلىّ منذ تقلدت أمركم لنفسى وأهلى وولدى ومتقدّمى غلمانى وحشمى إلا خمسة عشر ألف دينار، وأنتم تقفون على ما ورد ويرد، وكل ذلك مصروف إليكم، غير مدّخر عنكم، وأما ما ذكرتم مما بلغكم وقرأتم به الرقاع التى ألقيت فى المساجد والطرق، وما بذلتم من أنفسكم، فأنتم أهل ذلك، وأين تعتذرون مما ذكرتم، ونحن وأنتم نفس واحدة، فجزاكم الله عن أنفسكم وعهودكم وأمانتكم خيرا، وليس الأمر كما بلغكم، فعلى ذلك فليكن عملكم إن شاء الله، وأما ما ذكرتم من الإقطاعات والمعاون وغيرها، فأنا أنظر فى ذلك وأصير منه إلى محبتكم إن شاء الله والسلام عليكم، أرشدنا الله وإياكم، وكان لنا ولكم حافظا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبى وآله وسلم تسليما كثيرا».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٩٥)
١٩٣ - كتاب الموالى بالكرخ والدور إلى المهتدى
فلما فرغ القارئ كثر الكلام، فقال لهم أبو القاسم اكتبوا بذلك كتابا، فكتبوا بعد أن دعوا الله فيه لأمير المؤمنين:
«إن الذى يسألون أن تردّ الأمور إلى أمير المؤمنين فى الخاصّ والعامّ، ولا يعترض عليه معترض، وأن تردّ رسومهم إلى ما كانت عليه أيام المستعين بالله، وأن يكون على كل تسعة منهم عريف، وعلى كل خمسين خليفة، وعلى كل مائة قائد، وأن تسقط أرزاق النساء والزيادات والمعاون ولا يدخل مولى فى قبالة (١) ولا غيرها، وأن يوضع لهم العطاء فى كل شهرين على ما لم يزل، وأن تبطل الإقطاعات، وأن يكون أمير المؤمنين يزيد من شاء ويرفع من شاء».
стр. 1854
وذكروا أنهم صائرون فى إثر كتابهم إلى باب أمير المؤمنين، ومقيمون هناك إلى أن تقضى حوائجهم، وأنه إن بلغهم أن أحدا اعترض على أمير المؤمنين فى شىء من الأمور أخذوا رأسه، وإن سقط من رأس أمير المؤمنين شعرة قتلوا به موسى بن بغا وبايكباك ومفلحا وياجور وبكالبا وغيرهم، ودعوا الله لأمير المؤمنين، ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم فانصرف به حتى أوصله.
١٩٤ - كتاب المهتدى إليهم
فأخذ المهتدى كتابهم، ووقّع بإجابتهم إلى ما سألوا، ثم كتب كتابا مفردا يخطه وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أبى القاسم. وصار أبو القاسم إليهم بكتاب أمير المؤمنين فقرئ عليهم فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله وحده. وصلى الله على محمد النبى وآله وسلم.
أرشدكم الله وحاطكم وأمتع بكم، وأصلح أموركم وأمور المسلمين بكم، وعلى أيديكم؛ فهمت كتابكم وقرأته على رؤسائكم، فذكروا مثل الذى ذكرتم، وسألوا مثل الذى سألتم، وقد أجبتكم إلى جميع ما سألتم، محبة لصلاحكم وألفتكم واجتماع كلمتكم، وقد أمرت بتقرير أرزاقكم، وأن تصير دارّة عليكم، فليست لكم حاجة إلى حركة، فطيبوا نفسا والسلام».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٩٧)
١٩٥ - كتابهم إلى المهتدى
فتكلموا كلاما كثيرا، ثم كتبوا كتابا يعتذرون فيه بمثل العذر الأول إلى أمير المؤمنين، وذكروا فيه خصالا مما ذكروه فى الكتاب الذى قبله، ووصفوا أنه لا يقنعهم إلا أن ينفذ إليهم خمسة توقيعات: - توقيعا بحطّ الزيادات، وتوقيعا بردّ
стр. 1855
الإقطاعات، وتوقيعا بإخراج الموالى البوّابين من الخاصّة إلى عداد البرّانيين (١)، وتوقيعا بردّ الرسوم إلى ما كانت عليه أيام المستعين، وتوقيعا بردّ التلاجى (٢) - حتى يدفعوها إلى رجل يضمّون إليه خمسين رجلا من أهل الدور، وخمسين رجلا من أهل سامرّا يتنجّزون من الدواوين، ثم يصيّر أمير المؤمنين الجيش إلى أحد إخوته أو غيرهم ممن يرى، ليسفر (٣) بينه وبينهم بأمورهم، ولا يكون رجلا من الموالى، وأن يؤمر صالح بن وصيف فيحاسب هو وموسى بن بغا على ما عندهم من الأموال، وأنه لا يرضيهم دون ما سألوا فى كتبهم كلها، مع تعجيل العطاء وإدرار أرزاقهم عليهم فى كل شهرين، وأنهم قد كتبوا إلى أهل سامرّا والمغاربة فى موافاتهم، وأنهم صائرون إلى باب أمير المؤمنين لينجز ذلك لهم، ودفعوا الكتاب إلى أبى القاسم.
١٩٦ - كتابهم إلى القواد
وكتبوا كتابا آخر إلى موسى بن بغا وبابكباك ومحمد بن بغا ومفلح وياجور وبكالبا وغيرهم من القواد كتابا ذكروا فيه:
«أنهم قد كتبوا إلى أمير المؤمنين بما كتبوا، وأن أمير المؤمنين لا يمنعهم ما سألوا إلا أن يعترضوا عليه، وأنهم إن فعلوا ذلك وخالفوهم لم يوافقوهم على شىء، وأن أمير المؤمنين إن شاكته شوكة أو أخذ من رأسه شعرة، أخذوا رءوسهم جميعا، وأنهم ليس يقنعهم إلا أن يظهر صالح بن وصيف حتى يجمع بينه وبين موسى
стр. 1856
ابن بغا حتى ينظر أين موضع الأموال، فإن صالحا قد كان وعدهم قبل استتاره أن يعطيهم أرزاق ستة أشهر».
ثم دفعوا هذا الكتاب إلى رسول موسى.
١٩٧ - كتاب المهتدى إليهم
فأمر المهتدى سليمان بن وهب (١) بإنشاء الكتب على ما سألوا فى خمسة رقاع، فأنفذها المهتدى فى درج كتاب منه بخطه، ودفعه إلى أخيه أبى القاسم، وكتب القواد إليهم جواب كتابهم، ودفعوه إلى صاحب موسى، فصار إليهم أبو القاسم وقرأ عليهم كتاب المهتدى فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه، فهمت كتابكم- حاطكم الله- وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم، فوكّلوا من يتنجّزها من الدواوين إن شاء الله، وأما ما سألتم من تصيير أمركم إلى أحد إخوتى ليوصّل إلىّ أخباركم، ويؤدّى إلىّ حوائجكم، فو الله إنى لأحبّ أن أتفقد ذلك بنفسى، وأن أطّلع على كل أمركم وما فيه مصلحتكم، وأنا مختار لكم الرجل الذى سألتم من إخوتى أو غيرهم إن شاء الله، فاكتبوا إلىّ بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم، فإنى صائر من ذلك إلى ما تحبّون إن شاء الله، وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٩٨)
١٩٨ - كتاب القواد إليهم
وأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه فإذا فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: أبقاكم الله وحفظكم وأتم نعمته عليكم، فهمنا
стр. 1857
كتابكم، وإنما أنتم إخواننا وبنو عمنا، ونحن صائرون إلى ما تحبون، وقد أمر أمر أمير المؤمنين- أعزه الله- فى كل ما سألتم بما تحبّون، وأنفذ التوقيعات به إليكم، وأما ما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيّرنا له، فهو الأخ وابن العم، وما أردنا من ذلك ما تكرهون، فإن وعدكم أن يعطيكم أرزاق ستة أشهر فقد رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعا نسأله مثل الذى سألتم، وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على أمير المؤمنين وتفويض الأمر إليه، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، والأمور مفوّضة إلى الله، وهو مولانا ونحن عبيده، وما نعترض عليه فى شىء من الأمور أصلا، وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءا، فمن أراد ذلك فجعل الله دائرة السوء عليه، وأخزاه فى دنياه وآخرته، أبقاكم الله وحفظكم وأتم نعمته عليكم».
(تاريخ الطبرى ١١: ١٩٨)
١٩٩ - كتاب على بن يحيى إلى سليمان بن وهب
ونالت علىّ بن يحيى جفوة من سليمان بن وهب، فكتب إليه:
جفانى أبو أيوب، نفسى فداؤه ... فعاتبته كيما يربع ويعتبا (١)
فو الله لولا الظنّ منى بودّه ... لكان سهيل من عتابيه أقربا (٢)
٢٠٠ - رد ابن وهب عليه
فكتب إليه سليمان:
ذكرت جفائى وهو من غير شيمتى ... وإنّى لدان من بعيد تقرّبا
فكيف بخلّ لى أضنّ بودّه ... وأصفيه ودّا ظاهرا ومغيّبا (٣)
стр. 1858
علىّ بن يحيى لا عدمت إخاءه ... فما زال فى كل الخصال مهذّبا
ولكنّ أشغالا عدت وتواترت ... فلما رأيت الشغل عاق وأتعبا
ركنت إلى عذر الأخلّاء إنهم ... كرام وإن كان التواصل أوجبا
فإن يطّلب منى عتابك أوبة ... ببرّ تجدنى بالإنابة معتبا (١)
(الأغانى ٢٠: ٧٠)
٢٠١ - كتاب ابن وهب إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر
وأهدى سليمان بن وهب إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر سلال رطب من ضيعته، وكتب إليه:
أذن الأمير بفضله ... وبجوده وبنيله
لوليّه فى برّه ... بجناه سكّر نخله
فبعثت منه بسلّة ... تحكى حلاوة عدله
(الأغانى ٢٠: ٧١)
٢٠٢ - كتاب رجل إلى سليمان بن وهب
وكتب رجل إلى سليمان بن وهب وهو يتولى شيئا من أعمال الضّياع:
أطال الله إسعا ... دك فى الآجل والعاجل
أما ترعى لمن أمّ ... ل فضلا حرمة الآمل؟
وعندى عاجل من رش ... وة يتبعها آجل
وأنت العالم الشاه ... د أنى كاتب عامل
فولّ الكافل الباذ ... ل دون العاجز الباخل
فما أفشى لك السّرّ ... فعال الأخرق الجاهل
стр. 1859
٢٠٣ - رده عليه
فضحك وكتب فى رقعته:
أبن لى ما الذى تخط ... ب شرحا أيّها الباذل؟
وما تعطى إذا ولّي ... ت تعجيلا وما الآجل؟
أفى الإسلاف تنقيص ... أم الوزن له كامل؟
وفى الموقوف تضمين ... أم الوعد به حاصل؟
وهل ميقاته الغلّ ... ة فى العام أو القابل؟
أبن لى ذاك، واردد رق ... عتى يا كاتبا عامل
فلما قرأها الرجل قطع ما بينه، ورد الرقعة عليه، وولاه سليمان ما التمس.
(الأغانى ٢٠: ٧١)
٢٠٤ - كتاب اعتذار لسليمان بن وهب
«أنا مقرّ معترف، فما تراك صانعا بمن أعلقك زمامه، وأمكنك من قياده، وحكّمك فى أمره، معاقبا له أو متفضّلا عليه بالعفو عنه؟ لكنى أرجو أن أستقبل طاعة لا تمتنع من شكرها، واغتفار كل تقصير خلا فى جنبها، قالأيام بما تحبّ أمامك».
(اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٥)
٢٠٥ - كتاب أبى العيناء إلى أبى الصقر إسمعيل بن بلبل
ولما ولى أبو الصّقر إسمعيل (١) بن بلبل الوزارة للمعتمد (٢) على الله، خيّر أبا العيناء فيما يحبّه حتى يفعله به، فقال: أريد أن تكتب إلى أحمد بن محمد الطائى
стр. 1860
تعرّفه مكانى، وتلزمه قضاء حقّ مثلى من خدمه، فكتب إليه كتابا بخطه، فوصّله إلى الطائى، فسيّب (١) له فى مدة شهر مقدار ألف دينار وعشرة أجمل، فانصرف بجميع ما يحبه، وكتب إلى أبى الصقر كتابا مضمّنه:
«أنا- أعزك الله- طليقك من الفقر، ونقيذك (٢) من البؤس، أخذت بيدى عند عثرة الدهر، وكبوة الكبر، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء (٣) والأشكال، والإخوان والأمثال، الذين يفهمون فى غير تعب، وهم الناس الذين كانوا غياثا للناس، فحللت عقدة الخلّة (٤)، ورددت إلىّ بعد النفور النعمة، وكتبت لى كتابا إلى الطائى، فإنما كان منك إليك أثبته (٥)، وقد استصعبت (٦) علىّ الأمور، وأحاطت بى النوائب، فكثّر من بشره، وبذل من يسره، وأعطى من ماله أكرمه، ومن برّه أحكمه، مكرما لى مدة ما أقمت، ومثقّلا لى من فوائده لمّا ودّعت، حكّمنى فى ماله، فتحكمت، وأنت تعرف جورى إذا تمكنت، وزاد فى طوله (٧) فشكرت، فأحسن الله جزاك، وأعظم حماك، وقدّمنى أمامك، وأعاذنى من فقدك وحماك، فقد أنفقت علىّ مما ملّكك الله، وأنفقت من الشكر ما يسّره الله لى، والله يقول: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» فالحمد لله الذى جعل لك اليد العالية، والرّتبة الشريفة، لا أزال الله عن هذه الأمة ما بسط فيها من عدلك، وبثّ فيها من رفدك (٨)».
(زهر الآداب ٣: ٩٥)