← Адаб

Адаб · id 13658

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 027 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

ابن بغا حتى ينظر أين موضع الأموال، فإن صالحا قد كان وعدهم قبل استتاره أن يعطيهم أرزاق ستة أشهر». ثم دفعوا هذا الكتاب إلى رسول موسى. ١٩٧ - كتاب المهتدى إليهم فأمر المهتدى سليمان بن وهب (١) بإنشاء الكتب على ما سألوا فى خمسة رقاع، فأنفذها المهتدى فى درج كتاب منه بخطه، ودفعه إلى أخيه أبى القاسم، وكتب القواد إليهم جواب كتابهم، ودفعوه إلى صاحب موسى، فصار إليهم أبو القاسم وقرأ عليهم كتاب المهتدى فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم: وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه، فهمت كتابكم- حاطكم الله- وقد أنفذت إليكم التوقيعات الخمس على ما سألتم، فوكّلوا من يتنجّزها من الدواوين إن شاء الله، وأما ما سألتم من تصيير أمركم إلى أحد إخوتى ليوصّل إلىّ أخباركم، ويؤدّى إلىّ حوائجكم، فو الله إنى لأحبّ أن أتفقد ذلك بنفسى، وأن أطّلع على كل أمركم وما فيه مصلحتكم، وأنا مختار لكم الرجل الذى سألتم من إخوتى أو غيرهم إن شاء الله، فاكتبوا إلىّ بحوائجكم وما تعلمون أن فيه صلاحكم، فإنى صائر من ذلك إلى ما تحبّون إن شاء الله، وفّقنا الله وإياكم لطاعته وما يرضيه». (تاريخ الطبرى ١١: ١٩٨) ١٩٨ - كتاب القواد إليهم وأوصل إليهم رسول موسى كتاب موسى وأصحابه فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم: أبقاكم الله وحفظكم وأتم نعمته عليكم، فهمنا

стр. 1857

كتابكم، وإنما أنتم إخواننا وبنو عمنا، ونحن صائرون إلى ما تحبون، وقد أمر أمر أمير المؤمنين- أعزه الله- فى كل ما سألتم بما تحبّون، وأنفذ التوقيعات به إليكم، وأما ما ذكرتم من أمر صالح مولى أمير المؤمنين وتغيّرنا له، فهو الأخ وابن العم، وما أردنا من ذلك ما تكرهون، فإن وعدكم أن يعطيكم أرزاق ستة أشهر فقد رفعنا إلى أمير المؤمنين رقاعا نسأله مثل الذى سألتم، وأما ما قلتم من ترك الاعتراض على أمير المؤمنين وتفويض الأمر إليه، فنحن سامعون مطيعون لأمير المؤمنين، والأمور مفوّضة إلى الله، وهو مولانا ونحن عبيده، وما نعترض عليه فى شىء من الأمور أصلا، وأما ما ذكرتم أنا نريد بأمير المؤمنين سوءا، فمن أراد ذلك فجعل الله دائرة السوء عليه، وأخزاه فى دنياه وآخرته، أبقاكم الله وحفظكم وأتم نعمته عليكم». (تاريخ الطبرى ١١: ١٩٨) ١٩٩ - كتاب على بن يحيى إلى سليمان بن وهب ونالت علىّ بن يحيى جفوة من سليمان بن وهب، فكتب إليه: جفانى أبو أيوب، نفسى فداؤه ... فعاتبته كيما يربع ويعتبا (١) فو الله لولا الظنّ منى بودّه ... لكان سهيل من عتابيه أقربا (٢) ٢٠٠ - رد ابن وهب عليه فكتب إليه سليمان: ذكرت جفائى وهو من غير شيمتى ... وإنّى لدان من بعيد تقرّبا فكيف بخلّ لى أضنّ بودّه ... وأصفيه ودّا ظاهرا ومغيّبا (٣)

стр. 1858

علىّ بن يحيى لا عدمت إخاءه ... فما زال فى كل الخصال مهذّبا ولكنّ أشغالا عدت وتواترت ... فلما رأيت الشغل عاق وأتعبا ركنت إلى عذر الأخلّاء إنهم ... كرام وإن كان التواصل أوجبا فإن يطّلب منى عتابك أوبة ... ببرّ تجدنى بالإنابة معتبا (١) (الأغانى ٢٠: ٧٠) ٢٠١ - كتاب ابن وهب إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر وأهدى سليمان بن وهب إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر سلال رطب من ضيعته، وكتب إليه: أذن الأمير بفضله ... وبجوده وبنيله لوليّه فى برّه ... بجناه سكّر نخله فبعثت منه بسلّة ... تحكى حلاوة عدله (الأغانى ٢٠: ٧١) ٢٠٢ - كتاب رجل إلى سليمان بن وهب وكتب رجل إلى سليمان بن وهب وهو يتولى شيئا من أعمال الضّياع: أطال الله إسعا ... دك فى الآجل والعاجل أما ترعى لمن أمّ ... ل فضلا حرمة الآمل؟ وعندى عاجل من رش ... وة يتبعها آجل وأنت العالم الشاه ... د أنى كاتب عامل فولّ الكافل الباذ ... ل دون العاجز الباخل فما أفشى لك السّرّ ... فعال الأخرق الجاهل

стр. 1859

٢٠٣ - رده عليه فضحك وكتب فى رقعته: أبن لى ما الذى تخط ... ب شرحا أيّها الباذل؟ وما تعطى إذا ولّي ... ت تعجيلا وما الآجل؟ أفى الإسلاف تنقيص ... أم الوزن له كامل؟ وفى الموقوف تضمين ... أم الوعد به حاصل؟ وهل ميقاته الغلّ ... ة فى العام أو القابل؟ أبن لى ذاك، واردد رق ... عتى يا كاتبا عامل فلما قرأها الرجل قطع ما بينه، ورد الرقعة عليه، وولاه سليمان ما التمس. (الأغانى ٢٠: ٧١) ٢٠٤ - كتاب اعتذار لسليمان بن وهب «أنا مقرّ معترف، فما تراك صانعا بمن أعلقك زمامه، وأمكنك من قياده، وحكّمك فى أمره، معاقبا له أو متفضّلا عليه بالعفو عنه؟ لكنى أرجو أن أستقبل طاعة لا تمتنع من شكرها، واغتفار كل تقصير خلا فى جنبها، قالأيام بما تحبّ أمامك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٥) ٢٠٥ - كتاب أبى العيناء إلى أبى الصقر إسمعيل بن بلبل ولما ولى أبو الصّقر إسمعيل (١) بن بلبل الوزارة للمعتمد (٢) على الله، خيّر أبا العيناء فيما يحبّه حتى يفعله به، فقال: أريد أن تكتب إلى أحمد بن محمد الطائى

стр. 1860

تعرّفه مكانى، وتلزمه قضاء حقّ مثلى من خدمه، فكتب إليه كتابا بخطه، فوصّله إلى الطائى، فسيّب (١) له فى مدة شهر مقدار ألف دينار وعشرة أجمل، فانصرف بجميع ما يحبه، وكتب إلى أبى الصقر كتابا مضمّنه: «أنا- أعزك الله- طليقك من الفقر، ونقيذك (٢) من البؤس، أخذت بيدى عند عثرة الدهر، وكبوة الكبر، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء (٣) والأشكال، والإخوان والأمثال، الذين يفهمون فى غير تعب، وهم الناس الذين كانوا غياثا للناس، فحللت عقدة الخلّة (٤)، ورددت إلىّ بعد النفور النعمة، وكتبت لى كتابا إلى الطائى، فإنما كان منك إليك أثبته (٥)، وقد استصعبت (٦) علىّ الأمور، وأحاطت بى النوائب، فكثّر من بشره، وبذل من يسره، وأعطى من ماله أكرمه، ومن برّه أحكمه، مكرما لى مدة ما أقمت، ومثقّلا لى من فوائده لمّا ودّعت، حكّمنى فى ماله، فتحكمت، وأنت تعرف جورى إذا تمكنت، وزاد فى طوله (٧) فشكرت، فأحسن الله جزاك، وأعظم حماك، وقدّمنى أمامك، وأعاذنى من فقدك وحماك، فقد أنفقت علىّ مما ملّكك الله، وأنفقت من الشكر ما يسّره الله لى، والله يقول: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ» فالحمد لله الذى جعل لك اليد العالية، والرّتبة الشريفة، لا أزال الله عن هذه الأمة ما بسط فيها من عدلك، وبثّ فيها من رفدك (٨)». (زهر الآداب ٣: ٩٥)

стр. 1861

٢٠٦ - كتاب أبى العيناء إلى بعض الرؤساء وكتب أبو العيناء إلى بعض الرؤساء- وقد وعده بشىء فلم ينجزه: - «ثقتى بك تمنعنى من استبطائك، وعلمى بشغلك يدعونى إلى إذ كارك، ولست آمن- مع استحكام ثقتى بطولك، والمعرفة بعلوّ همتك- اخترام الأجل، فإن الآجال آفات الآمال، فسح الله فى أجلك، وبلّغك منتهى أملك، والسلام». (وفيات الأعيان ١: ٥٠٥) ٢٠٧ - كتاب أبى العباس بن ثوابة إلى إسماعيل بن بلبل وكتب أبو العباس (١) أحمد بن محمد بن ثوابة إلى إسمعيل بن بلبل حين صاهر الناصر لدين الله الموفّق بالله: «بسم الله الرحمن الرحيم، بلغنى، للوزير- أيده الله- نعمة زاد شكرها على مقادير الشكر، كما أربى مقدارها على مقادير النعمة، فكان مثلها قول إبراهيم بن العباس: بنوك غدوا آل النبىّ ووارثوا الخلافة والحاوون كسرى وهاشما وأنا أسأل الله تعالى أن يجعلها موهبة ترتبط ما قبلها، وتنتظم ما بعدها، وتصل جلال الشرف، حتى يكون الوزير- أعزه الله- على سادة الوزراء موفيا، ولجميل العادة مستحقا، ولمحمود العاقبة مستوجبا، وأن يلبس خدمه وأولياءه من هذه الحلل الغالية ما يكون لهم ذكرا باقيا وشرفا مخلّدا». (معجم الأدباء ٤: ١٥٧)

стр. 1862

٢٠٨ - كتاب عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلى عبيد الله بن سليمان ولما ولى عبيد الله (١) بن سليمان بن وهب الوزارة للمعتمد، كتب إليه عبيد الله ابن عبد الله بن طاهر كتابا، وفيه شعر له: أنى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونعظم فقلت له: نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا إن المهمّ المقدّم فلما قرأ عبيد الله هذا الشعر قال: ما أحسن ما احتال فى شكوى حاله بين أضعاف حدحه، وأمر بإيصال رقاعه إليه، وقضى كل حاجة كانت له. (أدب الكتاب ص ٢٣٤، ووفيات الأعيان ١: ٢١٧، وزهر الآداب ٢: ١٩٨) ٢٠٩ - كتاب سعيد بن عبد الملك إلى عبيد الله بن سليمان وحجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد الله بن سليمان. فكتب إليه: «سرت إلى بابك- أعزك الله- عند ما حدث من أمرك، فلم يقض لقاؤك، وعلمت أن ثقتك بما عندى قد مثّلت لك حالى من السرور بنعمة الله عندك، وأرتك موضعى من الاعتداد بكل ما خصّك ووصل إليك، فوكلت العذر إلى ذلك. ثم إنا نأتيك متيمّنين بطلعتك، مشتاقين إلى رؤيتك، فيحجبنا عنك ملاحظ،

стр. 1863

وهو- كما علمت- كنّ (١) الصنيعة، لئيم الطبيعة، يحجب عنك الكرام، ويأذن عليك للّئام، كلما نجمت (٢) له يد بيضاء، أتبعها يدا سوداء، فإن رأيت- أعزك الله- أن تصرفه عن باب مكارمك فعلت إن شاء الله». (زهر الآداب ٢: ١٢١) ٢١٠ - كتاب أبى العيناء إلى عبيد الله بن سليمان وكتب أبو الميناء إلى عبيد (٣) الله بن سليمان بن وهب وزير المعتمد: «أنا- أعزك الله تعالى- وولدى وعيالى زرع من زرعك، إن أسقيته راع (٤) وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى (٥)، وقد مسّنى منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعاهد، حتى تكلم عدوّ، وشمت حاسد، ولعبت بى ظنون رجال كنت بهم لاعبا، ولهم مخرسا، ولله درّ أبى الأسود فى قوله: لا تهنّى بعد إذ أكرمتنى ... وشديد عادة منتزعه (زهر الآداب ١: ٢٩١، وعيون الأخبار ٨: ١٩٥) ٢١١ - رد عبيد الله عليه فوقع فى رقعته: «أنا- أسعدك الله- على الحال التى عهدت، وميلى إليك كما علمت، وليس من أنسيناه أهملناه، ولا من أخّرناه تركناه، مع اقتطاع الشغل لنا، واقتسامه زماننا، وكان من حقك علينا أن تذكّرنا بنفسك، وتعلمنا أمرك، وقد وقّعت لك برزق شهرين، لتزيح علّتك، وتعرفنى مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقى أرزاقك، إن شاء الله، والسلام». (زهر الآداب ١: ٢٩١)

стр. 1864

٢١٢ - كتاب أبى العيناء إلى عبيد الله بن سليمان وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان، وقد نكبه وأباه المعتمد (١)، وهما يطالبان بمال يبيعان له ما يملكانه من عقار وأثاث وعبد وأمة، وقد أعطى بخادم أسود لعبيد الله خمسون دينارا: «قد علمت- أصلحك الله- أن الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور؛ لأن اللئيم يزيد مع النعمة لؤما، والكريم لا يزيد مع المحنة إلا كرما، هذا متّكل على رازقه، وهذا يسىء الظن بخالقه، وعبدك إلى ملك «كافور» فقير، وثمنه- على ما اتصل بى- يسير، لأنه بخدمته السلطان، يعرّفنى الرؤساء والإخوان، ولست بواجد ذلك فى غيره من الغلمان، فإن سمحت به فتلك عادتك، وإن أمرت بأخذ ثمنه فمالك مادّتى، أدام الله دولتك، واستقبل بالنعمة نكبتك». فأمر له به. (زهر الآداب ١: ٢٩١) ٢١٣ - جواب لأحمد بن سليمان بن وهب وقال الحسين بن إسحق: كنت عند أحمد (٢) بن سليمان بن وهب، ونحن على شراب، فوافته رقعة فيها أبيات مدح، فكتب الجواب: «وصلت رقعتك- أعزّك الله- فكانت كوصل بعد هجر، وغنى بعد فقر،

стр. 1865

وظفر بعد صبر، ألفاظها درّ مشوف (١)، ومعانيها جوهر مرصوف، وقد اصطحبا أحسن صحبة، وتألّفا أقرب ألفة، لا تمجّها الآذان، ولا تتعب بها الأذهان، وقرأت فى آخرها من الشعر ما لم أملك نفسى أن كتبت- لجلالته عندى، وحسن موقعه من نفسى- بما لا أقوم به، مع تحيّف (٢) الصّهباء لبّى، وشربها من عقلى مقدار شربى، ولكنى واثق منك بطىّ سيّئتى، ونشر حسنتى: نفسى فداؤك يا أبا العباس ... وافى كتابك بعد طول الياس وافى، وكنت بوحشتى متفرّدا ... فأصارنى للجمع والإيناس وقرأت شعرك فاستطلت لحسنه ... فخرا على الخلطاء والجلّاس (٣) عاينت منه عيون وشى سدّيت ... ببدائع فى جانب القرطاس (٤) فاقت دقائقه وجلّ لحسنه ... عن أن يحدّ بفطنة وقياس شعر كجرى الماء يخرج لفظه ... من حسن طبعك مخرج الأنفاس لو كان شعر الناس جسما لم يكن ... لكماله إلّا مكان الرّاس (معجم الأدباء ٣: ٥٦) ٢١٤ - كتابه إلى ابن أبى الأصبغ وكتب أحمد بن سليمان بن وهب إلى ابن أبى الأصبغ (٥): «لو أطعت الشوق إليك، والنّزاع (٦) نحوك، لكثر قصدى لك وغشيانى (٧)

стр. 1866

إياك، مع العلّة القاطعة عن الحركة، الحائلة بينى وبين الركوب، فالعلّة إن تخلفت مخلّفتى، وإيثار التخفيف يؤخّر مكاتبتى: فأمّا مودّة القلب، وخلوص النية، ونقاء الضمير، والاعتداد بما يجدّده الله لك من نعمة، ويرفعك إليه من درجة، ويبلّغك إياه من رتبة، فعلى ما يكون عليه الأخ الشقيق، وذو المودّة الشفيق، وأرجو أن يكون شاهدى على ذلك من قلبك أعدل الشهود، ووافدى بإعلامك إياه أصدق الوفود، وبحسب ذلك انبساطى إليك فى الحاجة تعرض قبلك، ويعنى بالنجاح منها عندك، وعرضت حاجة ليس تمنعنى قلّتها من كثير الشكر عليها، والاعتداد بما يكون من قضائك إياها، وقد حمّلتها يحيى لتسمعها منه، وتتقدّم بما أحبّ فيها، جاريا على كرم سجيّتك، وعادة تفضّلك إن شاء الله». (معجم الأدباء ٣: ٦٠) ٢١٥ - كتابه إلى أخيه عبيد الله بن سليمان وكتب إلى أخيه الوزير عبيد الله بن سليمان- وقد سافر ولم يودّعه-: «أطال الله بقاء الوزير، مصحبا له السلامة الشاملة، والغبطة المتكاملة، والنّعم المتظاهرة، والمواهب المتواترة، فى ظعنه ومقامه، وحلّه وترحاله، وحركته وسكونه، وليله ونهاره، وعجّل إلينا أوبته، وأقرّ عيوننا برجعته، ومتعنا بالنظر إليه. كان شخوص الوزير- أعزه الله- فى هذه المدة بغتة أعجل عن توديعه، فزاد ذلك فى ولهى، وإضرام لوعتى، واشتدت له وحشتى، وذكرت قول كثيّر: كنتم تزينون البلاد ففارقت ... (عشيّة بنتم) زينها وجمالها

стр. 1867

فقد جعل الراضون إذ أنتم لها ... بخصب البلاد يشتكون وبالها والوزير- أعزه الله- يعلم ما قيل فى يحيى بن خالد: ينسى صنائعه ويذكر وعده ... ويبيت فى أمثاله يتفكّر» (معجم الأدباء ٣: ٦١) ٢١٦ - كتابه إلى صديق له وكتب إلى صديق له: «ليس عن الصديق المخلص، والأخ المشارك فى الأحوال كلها مذهب، ولا وراءه للواثق به مطلب، والشاعر يقول: وإذا يصيبك (والحوادث جمّة) ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق وأنت الأخ الأوثق، والولىّ المشفق، والصديق الوصول، والمشارك فى المكروه والمحبوب، قد عرّفنى الله من صدق صفائك، وكرم وفائك، على الأحوال المتصرّفة، والأزمنة المتقلّبة، ما يستغرق الشكر، ويستعبد الحرّ، وما من يوم يأتى علىّ إلا وثقتى بك تزداد استحكاما، واعتمادى عليك يرداد تأكّدا والتئاما، أنبسط فى حوائجى، وأثق بنجح مسألتى، والله أسأل لك طول البقاء فى أدوم النعمة وأسبغها (١)، وأكمل العوافى وأتمّها، وألّا يسلب الدنيا نضرتها (٢) بك، وبهجها ببقائك، فما أعرف بهذا الدهر المتنكر فى حالاته، حسنة سواك، ولا حيلة غيرك، فأعيذك بالله من العيون الطامحة، والألسنة القادحة، وأسأله أن يجعلك فى حرزه الذى لا يرام، وكنفه الذى لا يضام، وأن يحرسك بعينه التى لا تنام، إنه ذو المنّ والإنعام». (معجم الأدباء ٣: ٦٢)

стр. 1868

٢١٧ - كتاب أبى العباس بن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان ومن فصل لأبى العباس أحمد بن محمد بن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان: «لم يؤت الوزير من عدم فضيلة، ولم أوت من عدم وسيلة، وغلّة الصادى (١) تأبى له انتظار الوارد، وتعجل عن تأمّل ما بين الغدير والوادى، ولم أزل أترقّب أن يخطرنى بباله، ترقّب الصائم لفطره، وأنتظره انتظار السّارى لفجره، إلى أن برح الخفاء (٢)، وكشف الغطاء، وشمت الأعداء، وإنّ فى تخلّفى وتقدّم المقصرين، لآية للمتوسمين، والحمد لله رب العالمين». (معجم الأدباء ٤: ١٤٧) ٢١٨ - كتاب له ومن كلام أبى العباس: «من حقّ المكاتبة أن يسبقها أنس، وينعقد قبلها ودّ، ولكنّ الحاجة أعجلت عن ذلك، فكتبت كتاب من يحسن الظن إلى من يحقّقه». (معجم الأدباء ٤: ١٧٤) ٢١٩ - كتاب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذر إليه من تركه مكاتبته بالتّفدية (٣): «الله يعلم- وكفى به عليما- لقد أردت مكاتبتك بالتفدية، فرأيت عيبا أن أفديك بنفس لا بدّ لها من الفناء، ولا سبيل لها إلى البقاء، ومن أظهر لك شيئا

стр. 1869

يضمر خلافه فقد غشّ، والأمر إذا كانت الضرورة توجبه، وتحقّق أنه ملك لا يتحقّق، وعطاء لا يتحصّل، لم يحز أن يخاطب به مثلك (١)، وإن كان عند قوم نهاية من نهايات التعظيم، ودليلا من دلالات الاجتهاد، وطريقا من طرق التقرب». (أدب الكتاب ص ١٥٥، وزهر الآداب ٣: ١٦) ٢٢٠ - جواب عن تعزية لابن ثوابة «وصل كتابك بالتعزية عن أخى وفهمته، وقد جلّت مصيبتى به وعظمت، فنكأت (٢) القلب، وهدّت الرّكن، وأذهبت القوة، ونغّصت العيش، وأزرت بالأمل، فعند الله أحتسبه، وإياه أسأل تفضّلا عليه، وصفحا عنه، وتغمّدا (٣) لذنوبه، وصبرا على حادث قضائه، واستعدادا للموت وتأهّبا له، فإنه مصرع لا بد منه، ومورد لا محيص عنه. وقد كنت استجفيت كتابك، وأنكرت تأخّر تعزيتك وعددت ذلك من هفوات الإخوان الذين يقع التقصير منهم، وتصحّ نيّاتهم وضمائرهم، فرددت الزلل من فعلك، إلى موثوق به من نيتك وضميرك، وأسأل الله ألّا يعد مناك على أحوالك كلّها، ويمتّعنا بمواهبه فيك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٣) ٢٢١ - تعزية له إلى ابنى عمر «أنا أستهجن وصف مشاركتكما عند كل حادث من نازلة بكما، اكتفاء بالحال، ومتأكّد الوصل والأسباب، وحدثت هذه المصيبة، فالله يعلم ما أثّرت بقلبى،

стр. 1870

وهدّت من قوتى، ومثّلت من قرب المنيّة لى، فإن المصائب نوائب، ومن رأى حلولها بغيره علم أنها حالّة فى نفسه ومن يتصل به، ولقد اشتد جزعى لذلك ووحشتى منه، ومن خلوّ منازلكما من الأم البرّة، والأخت الطاهرة، مع قصر أيام، وقرب مدة، وعدم سلوة، رضى الله عنكما، ولا نقص لكما عددا. وعزيز علىّ أن أتخلّف عن حقكما، أو أمر يلزمنى فيه ما يلزم كافّة أهلكما، لكنى فى حال قد عرفتماها (١)، فإن اتسع لى العذر مع ما نازعنى فيه من أحوالكما، وإلّا فإنّ فى تفضّلكما موضع احتمال الهفوة، وتغمّد الزّلة، وإقالة العثرة، والرجوع إلى نية قد صحّت، وطويّة قد خلصت واستحكمت». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣١٣) ٢٢٢ - عهد من الموفق إلى أحد الولاة كتبه ابن ثوابة «هذا (٢) ما عهد به أبو أحمد الموفّق بالله ولىّ عهد المسلمين، إلى فلان، حين ولّاه الصلاة بأهل كورة الرّىّ ودنباوند (٣) ونواحيها والحرب والأحداث فيهما. أمره بتقوى الله وطاعته، وخشيته ومراقبته، فى سرّه وعلانيته، وظاهر أمره وباطنه، والعمل بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه فيما وافقه وخالفه، وأرضاه وأسخطه، فإنه من يتّق الله يقه، ومن يعتصم به يهده، ومن يطعه يتولّه ويكفه، «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ». وأمره أن يشعر قلبه خيفة الله وهيبته والتفويض إليه، والاعتماد عليه، وأن يجعل كتاب الله له إماما، وسنّة نبيه ﷺ مثالا، فإن فيهما دلالة وتبيانا، وضياء ونورا وشفاء لما فى الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.

стр. 1871

وأمره أن يكون أول ما يعنى به ويقدّمه، ويراعيه ويؤثره، إقامة الصلاة لمواقيها، بإتمام ركوعها وسجودها، وأداء فرض الله فيها؛ إذ كانت عماد الدين، وأفضل ما تقرّب به المؤمنون، وكان من أضاعها وقصّر فى واجبها، أشدّ تضييعا لما سواها من حقوق الله وفرائضه ودينه وشرائعه «وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ». وأمره أن يلهم نفسه فى كل حال من حالاته، وصغير وكبير من أمره، ذكر الله جل ثناؤه، وقدرته عليه، وألّا يمضى أمرا إلا بعد استخارة الله فيه، واستقضائه فى ذلك بالذى هو له أرضى، وعنده أزكى، فإن العاقبة للتقوى، وإن أفضل الأمور خيرها عاقبة، وأحمدها مغبّة، وما التوفيق إلا بالله، عليه يتوكل المتوكّلون: وأمره أن يحسن الولاية لأهل عمله، والسياسة لمن استرعى أمره، ويكثر الجلوس لهم، والنظر فى أمورهم، ويفيض العدل والنّصفة فيهم، ويكفّ العدو الظالم عنهم، ويسوّى الحق بين كافّتهم، ولا يميل إلى شريف فى شرفه، ولا على خامل لسقوط منزلته، وأن يختار لولاية أعماله حاضرها ونائيها، وقريبها وبعيدها، ذوى العفاف والشهامة والكفاية، ويوعز إليهم فى الرفق بأهلها، والتألّف لمن حسنت طاعته، واستقامت طريقته، والشدة على من خالف الحقّ مذهبه، ولا يكون لأحد عنده إغضاء عن ريبة يشتمل عليها، وسبيل غير محمودة يسلكها، فإن فى إقامة الحق صلاحا وخيرا كثيرا، وفى التّفريط ضررا وخللا عظيما. وأمره أن يتفقّد من معه من موالى أمير المؤمنين وأوليائه، ويحسن صحبتهم وعشرتهم ويتفقّد أمورهم ومصلحتهم، ويراعى أحوالهم فى طاعتهم ومناصحتهم ومذاهبهم فيما يصرّفهم فيه، ويهيب (١) بهم إليه، وينزلهم منازلهم على حسب ما يحمد ويذمّ منهم، ليزداد محسنهم فى إحسانه، وينزع مقصّرهم عن تقصيره.

стр. 1872

وأمره أن يقدّم أهل الفضل والصلاح والمشايعة والموالاة والنصيحة للسلطان ويدنيهم ويقرّبهم، ويسمع منهم، ويعرف لهم ما سدّوا، ويظهر من نصائحهم، ويحمد من حالاتهم، حتى يدعو من فعله بهم غير هم إلى سلوك مناهجهم، والاقتداء بهم، واللزوم لهديهم، وأن يتخذ أهل العفة والرأى والسّنّ والورع جلساءه وبطانته ويشاورهم فى أمره، ويستعين بآرائهم فيما هو مصدره، حتى يكون ما يمضى وينفذ منه بحسب ما يجتمعون عليه، ويرونه موافقا للحق والعدل، ومجانبا للظلم والجور. وأمره أن تكون أحكامه فيما ينفرد بالنظر فيه، وإقامته من الحدود وما أشبهها، بما يجب لله عليه فى ذلك، من اتّباع محكم تنزيل، أو مأثور سنّة، أو رأى يتّفق عليه نبيل (١) محسن ومن يليه من الفقهاء وذوى المعرفة، وألّا يقدم على سفك دم، ولا تخلية سبيل محبوس، ولا قطع مستحقّ للقطع، حتى يكتب إليه باسم من وجب ذلك عليه، واسم أبيه وقصّته، فى إقرار إن كان منه، أو بيّنة إن قامت عليه، وأسماء تلك البينة، وما تعرف به فى أنسابها ومواضعها، وما شهدت به، وعدلها فيمن هى منه، ليأتيه الأمر فيه يتمثله، فإن هذين الجدّين من أجلّ الأحكام منزلة، وأعظمها تبعة، وأولاها بالحظر، إلى أن يوقف على حقيقة ما يجب فيها، ويأمر السلطان- أعزه الله- بما يوفّقه الله فى إقامتها إن شاء الله. وأمره ألّا يأخذ أحدا من الرّعية بقرفة (٢) ولا إحنة، ولا يعرض لأحد من أهل البراءة والسلامة والاستقامة، ولا يلحق بهم جرائر أهل النّطف (٣) والرّيبة، وأن يشرف على أهل الدّعارة والفساد فى عمله. ويقمعهم ويردعهم، فيشرّد بهم، ويعاقب من استحق العقوبة منهم بقدر جرمه، وبحسب ما حدّ فى مثله، من غير أن يبلغ بأحد ممن لا يجب عليه الحدّ حدّا، فإن لكل شىء قدرا، ولن يستطيع الرأى فيمن

стр. 1873

أشكل عليه مقدار تأديبه، ومن لا يصلحه إلا المبالغة فى عقوبته، ويكتب بحاله وشرح جريمته، ليأتيه الرأى فيه بما يعمل به إن شاء الله. وأمره أن يصرف عنايته إلى النواحى التى تصاقب (١) عمله، من نواحى الأعداء المكتنفة له، ويرتّب بإزائها من يسدّ خللها، ويرتق فتقها، ويراعيهم بإشرافه وتفقّده، ويعاجل من يحتاج إلى معاجلته ممن نجم (٢) وينجم بها، ويخاف عاديته وشرّته، ويناهضه بنفسه وبكافّة الأولياء الذين معه، ويستعمل فى أمره ما يدفع الله به مكروهة ومعرّته، مؤثرا فى ذلك اليقظة على الغفلة، والجدّ على الفتور، فإن مراعاة أولئك الأعداء وكفّ عاديتهم، من أهم الأمور التى يتقلّدها، ويؤمّل عنده الكفاية لها، وأن يتقدّم إلى من قبله من التجار وغيرهم ألّا يجاوزوا شيئا من عمله إلى شىء من تلك النواحى بالمير (٣) والأسلحة، ولا يحملوا تلك المير إليها، ويظهر النداء فيهم، فمن تجاوز أمره وتعداه تقدّم فى حبسه وكتب باسمه واسم أبيه وإحصاء ما وجد معه من أصناف المير وغيرها، ليأتيه الأمر بما يمتثله إن شاء الله. وأمره أن يتفقّد طرف عمله ومسالحه (٤) بالضّبط لها، وبذرقة (٥) السّابلة المختلفة فيها، ويبلغ فى ذلك المبلغ الذى يرجو معه بإذن الله أمنها وسلامتها، ويرتّب فيها الثقات من أصحابه، وأهل الجلد من جنده وأعوانه، ويأمرهم بمراعاة ما يوكّلهم به منها، ورفع مئوناتهم عمن يجتاز بها، حتى لا يلزمهم جناية بسبب ثأر ولا غيره، وألّا يحمّل أحدا منهم كلفة ولا نائبة (٦)، فإن فى ذلك رفقا بهم، وصلاحا لهم،

стр. 1874

وعمارة لطرقهم، ودرورا لتجاراتهم، ووصولا للنفع إلى البلدان التى يقصدونها للتجارات، وأمنا من انقطاعها عنها بإذن الله. وأمره أن يحسن معونة أحمد بن محمد، المتقلّد لأعمال الخراج والضّياع قبله، على ما استعانه عليه، مما فيه زجاء (١) الخراج، ودرور جبايته، ويزيح علّته (٢) فيمن يحتاج إلى إشخاصه اليوم (٣) من الممتنعين والمدافعين بما يجب عليهم، وفى سائر ما يلتمس منه المعونة عليه، وأن يضمّ إليه من الأعوان العدّة التى لم تزل تضمّ إلى المتولّى لما قلّده، ويعمل على أن ذلك من أولى ما قدّمه وآثره، واستفرغ فيه وسعه، للصلاح العائد به، والحظّ الراجع فيه إن شاء الله. وأمره أن يتفقّد من فى الحبس قبله، ويكثر عرضهم والنظر فى أمورهم، والأسباب التى حبسوا بها، ولا يقصد لإطالة حبس من لا يجب ذلك عليه، ولا لإطلاق ما يوجب الحقّ تخليده، ويعمل فى أمورهم ومشاورة أهل الفقه فيهم، وإقامة التأديب والحدود عليهم، بما حدّ فى أمثالهم إن شاء الله. وأمره ألّا يقسم على أهل عمله قسمة بسبب نزل (٤) ولا غيره، مما كان شرار العمّال يوظّفونه ويقسمونه على أهل أعمالهم، ويتجنّب الطّعم (٥) الشائنة، والمكاسب الرديئة، ويحذر أن يعرض لشىء منها، أو يطلقة لأحد من كفاته، فيرد عليه من النّكير ما هو حرىّ بتوقّيه والتصوّن عنه. وأمره أن يتقدّم فى تعريف ما يوجد من الضوالّ (٦) فى عمله والإشادة بذكرها، فإن عرف أحد ضالّة منها، وأوضح ملكه إياها بما يوضّح به مثله، سلّمت إليه،

стр. 1875

وأشهد بها عليه، وإن لم يحضر لها طالب، وأشفق من ضياعها، باعها فى أسواق المسلمين بأقصى أثمانها، وأحوط ما يعمل به فى أمرها، وسلّم ثمنها إلى عامل الخراج قبله، ليجعله عزلا (١) فى بيت المال، فإن استحقّه مستحقّ بعد ذلك دفعه إليه إن شاء الله. وأمره أن يحبس من ظفر به من أبّاق (٢) أرقّاء المسلمين والمعاهدين ويستوثق منهم، ويسأل عن أسمائهم وأسماء مواليهم ومواضعهم، ويكتب بذلك إلى العمال الذين هم فى أعمالهم، ويدفع كل عبد منهم أو أمة إلى مولاه، إذا قامت البيّنة العادلة على أنه رقّ له، أبق منه، ويشهد بذلك عليه إن شاء الله. وأمره أن يتخيّر للحسبة على أهل الأسواق وسائر أصحاب الصناعات والبياعات (٣) فى عمله، من يعرف بالقصد فى مذهبه، والسّتر فى نفسه، والعفاف فى طعمته، واستيفاء الحق فيما يقلّده ويستكفى القيام به، ويتقدّم إليه فى أخذ كل طبقة من أهل الطبقات التى يقع فى الحسبة فيها، بتصحيح المعاملة، ورفع الغش، وتجنّب كل ما عاد بمضرّة على المسلمين وتحيّف (٤) لهم، وتعيير (٥) المكاييل والموازين فى سائر عمله، وإقامتها على الوفاء والعدل، وختمها بالرّصاص، وحمل المبتاعين فيها وغيرهم عليها، والإشراف على ما يرسمه ويتقدم بامتثاله فى سائر وجوه الحسبة، حتى لا يخالف شىء منه إلى غيره، ومعاقبة من عسى أن يقدم على مخالفته فيه، يردعه ويعظ من سواه، فإن الله عز

стр. 1876

وجل يقول: «أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ». وأمره: إن كان فيما يؤدّى إلى صلاح ما ولاه واستقامته ووقوع الاحتياط فيه، موافقة أمر لم يعهد إليه فيه، واحتاج إلى استئماره فى ذلك، أن يتوقف عن إحداث حدث فى شىء منه، ويكتب إليه به، ليأتيه الأمر فى ذلك بما يعمل به ويقتصر عليه، وإن كان مما سبيله أن يمضى فيه رأيه، عمل فيه بما يوفّقه الله له، ممتثلا ذلك أعدل السير وأقصدها إن شاء الله. وأمره أن يقرأ عهده على أهل عمله، ويعلمهم رأيه فيه، وعنايته بما فيه صلاحهم، والإحسان إليهم، والعدل عليهم، والتقرب إلى الله بذلك فى أمرهم، ليبسط آمالهم، ويحسن ظنونهم، ويحمدوا الله على ما أنعم عليهم إن شاء الله». هذا عهدى إليك، وأمرى إياك فيما قلّدتك وأسندت إليك، فامتثله واعمل به ولا نجاوزه، واستعن بالله فيما غلبك منه يقك، والله أسأل أن يصلى على محمد عبده ورسوله، وأن يوفّقك ويحسن كفايتك، والسلام». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٤٦) ٢٢٣ - كتاب جعفر بن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان وكتب أبو الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان: «قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صرفها (١) إلى عطفك، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك، فإنها تؤخّرنى إذا قدّمت، وتحرمنى إذا قسمت، فإن أعطت أعطت يسيرا، وإن الرتجعت ارتجعت كثيرا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا أعددت لإنصافها إلا

стр. 1877

فضلك، ودفع ذمام (١) المسألة وحقّ الظّلامة حقّ التأميل وقدم صدق الموالاة والمحبّة، والذى يملأ يدى من النّصفة، ويسبغ العدل علىّ، حتى تكون إلىّ محسنا، وأكون بك للأيام معديا، أن تخلطنى بخواصّ خدمك، الذين نقلتهم من حال الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعدينى (٢) فقد استعديت، وتجيرنى فقد عذت بك، وتوسّع علىّ كنفك فقد أويت إليه، وتشملنى بإحسانك فقد عوّلت عليه، وتستعمل بدنى ولسانى فيما يصلحان لخدمتك فيه، فقد درست كتب أسلافك، وهم الأئمة فى البيان، واستضأت برأيهم، واقتفيت آثارهم افتفاء جعلنى بين وحشىّ كلام وأنيسه، ووقفنى منه على جادّة متوسّطة، يرجع إليها الغالى، ويسمو نحوها المقصّر، فعلت إن شاء الله تعالى». (معجم الأدباء ٧: ١٨٨) ٢٢٤ - كتاب أحمد بن أبى طاهر إلى على بن يحيى وكتب أحمد (٣) بن أبى طاهر يشكر على (٤) بن يحيى: «وصل إلىّ- وصل الله نعمتك بالمزيد- ما ابتدأت به من برّك المتتابع، وفضلك الواسع، فصادفنا على حال من الخلّة (٥) قد دعتنا ضرورة الحاجة بها إلى ذلّ المسألة، فرمّ (٦) ما ثلمه الدهر من مروءتنا، وسدّ ما كشفه من خلتنا، وكفانا مئونة الامتحان للإخوان فى مودّتنا، وستر وجوهنا بالصّيانة عن المسألة، وأبقى جاهنا

стр. 1878

عند أهل المودّة، فما ظنّك بمعروف صادف حاجة، وصنيعة كان إلباسها بلا ذلّة ولا بذلة (١)، ومعونة جاءت بلا مئونة، وغيث جاء بلا عارض ولا مخيلة (٢)، وأمل أدرك بلا تعب، وحقّ أوجب بلا حرمة ولا سبب؟ ما كان إلا كالقطر، فى الأرض القفر، أغفلها الزمان، وجفاها العمران، وكلّ معروف وإن كثر فأكثر منه فضلك، وكل صنيعة وإن كبرت فأكبر منها الأمل فيك، وكل شكر بلغ غاية محمودة فأقلّ كرمك يستغرقه، وكبيره يقصر عن تطوّلك به، فتّ والله المادح المطنب، وقصّر عنك لسان الشاكر المعترف، والحامد المجتهد، وأنفد فضلك المحاسن، واستوفى أقلّك جميع الفضائل، وكلّ دونك لسان الخطيب والشاعر، وتزيّنت بك الأيام، وازدحمت عليك الآمال، وامتثل مكارمك الكرام، وقصّر عنك الجياد والأجواد، فإلى الذى زيّننا بإخائك، نرغب فى بقائك، ونسأله أن يهبك لفاقتنا إليك، واتّكالنا بعده عليك». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨٢) ٢٢٥ - كتابه إلى على بن يحيى وله إلى على بن يحيى: «إن أحقّ معروف بأن يشكر، ويد بارّة لا تكفر، وأحقّ واجب بأن يؤدّى، وإحسان وبرّ بأن يجازى، معروفك- أعزك الله- عندى، ويدك قبلى، وحقّك علىّ، وإحسانك إلىّ، لأن المعروف يحسن عند الأحرار موقعه، ويجب عليهم شكره ونشره والإشادة بذكره، تتطوّع مبتدئا، وتشفع ما تقدّم معقّبا، وتحسن ربّ ما أسديته متفضّلا، لا أخلاك الله من برّ وإحسان، ولا أخلانا منك فى حال». (المنظوم والمنثور ١٣: ٣٨)

стр. 1879

٢٢٦ - كتابه فى ذم ابن ثوابة ولأحمد بن أبى طاهر فى ذم ابن ثوابة حين ولى طساسيج (١) الكوفة: «أما بعد، فإن فلانا قدم علينا شامخا بأنفه، عاقدا لعنقه، ذاهبا بنفسه، يرى أن الجنة خلقت لمن أطاعه، والنار لمن عصاه، وأن الملائكة المقرّبين لم تنزل على من نزلت عليه من الأنبياء إلّا بتوكيد ذلك له، فلا يعذّب الله العباد إلا على معصيته، ولا يثيبهم إلا على طاعته، ولا أن الصّيحة أخذت قوم ثمود إلا لاعتراض كان منهم على أوّليّة أجداده، ولم يرسل الله الرّيح العقيم على قوم عاد إلا عن خلاف كان منهم لآبائه، وأن الواجب على هذه الأمّة، والفرض المحتوم الذى لا يقبل منهم غيره، طاعته وقلة الخلاف عليه، بالاستحقاق منه لذلك فى نفسه، وللوراثة عن آبائه وأجداده، كأنه قدار (٢) عاقر ناقة ثمود فى خلقته، وفرعون ذو الأوتاد فى جبريّته، يحسب الجود ذلّا، والبخل عزا، والجور عدلا، وأنّ ما نهى الله عنه من قبيح فهو الجميل الذى أمره به، وما أمر به من جميل فهو القبيح الذى نهاه عنه، لا يستكثر الخلافة فيحدّث بها نفسه تيها، ولا النّبوة يتمناها على ربّه عجبا، وإذا قعد على فرشه وأخذ مجلسه، ورمى بطرفه فى منازله، دخلته العزّة، وعلمه الأبّهة، وغلب عليه الكبر، حتى يخيّل إليه أن بيت الله الحرام بعض داره، وأن ضحنها هو الصّرح الممرّد (٣) الذى ذكره الله فى كتابه، وأنّ مهبط الملائكة على ظهر كنيسته، وبئر زمزم من بعض آباره، وما بين الصّفا والمروة مراغة لدوابّه، يضع من قدر نفسه، ويرفع من قدر

стр. 1880

طعامه، فيرى أن مائدته هى التى ذكر الله فى كتابه (١)، فمن أكل منها كان رقّا له بأكلته، تجرى عليه أحكامه، وينفذ فيه أمره، ضيفه أشدّ الناس شبها بالملائكة: طعامه التسبيح، وشعاره الصبر، وكل حشمه طائفة من الجنّ، مبرّحون (٢) بالشّمّ دون الأكل، وبالمصّ دون الشرب، ولولا ما كفى الله من غربه (٣)، بالغرب (٤) الذى به لضجّت الأرض إلى الله من تيهه، ولتعبّدت الأئمة لله بالابتهال إليه من تجبّره، يرى أن قارون (٥) كان من بعض أكرته، والخضر (٦) صلوات الله عليه من بعض فيوجه، ولولا ما تقدّم من حقّه، وما سبق من مودته، والذى أنا عليه من الميل إلى ناحيته، والنّصرة لمذاهبه، والحيطة من ورائه، والذّبّ عنه، وأنى لا أرى أن أصفه إلا بأحسن ما فيه، ولا أستحلّ ذلك منه، لانطلق لسانى من وصف عجائبه، ولطيف بدائعه، بما لم يخطر على قلب بشر». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤١٩)

стр. 1881

٢٢٧ - كتاب ابن أبى طاهر إلى أبى على البصير وكتب أحمد بن أبى طاهر إلى أبى على البصير يعاتبه على مؤاخاة ابن مكرّم، معدّدا سيئاته ومثالبه: «وفّر الله يا أخى من كل خير حظّك، وأجزل منه قسمك، وبلّغك غاية هممك، ونهاية طلبتك، ومتّع إخوانك بما منحهم منك، وأعاذهم من الغير فيك، إنه يقال- جعلنى الله فداءك-: أخوك من صدقك، وعدوّك من نافقك، وعليك لأخيك مثل الذى عليه لك، والعتاب أمارة الإشفاق، ودليل الضّنّ من الإخوان، ومن جادل نفسه فى هواه، عرف صوابه وخطأه، وعلى النّصفة ثبات المودة، ومع المشاكلة تكون الموافقة (١)، ولولا رجائى يا أخى أن تستميلك المعاتبة، وترجعك (٢) المراقبة، وعلمى أن فيما أعدّد عليك، وأذكّرك به، وأتقدّم فيه إليك، ما يثنى أخلاقك، إلى ما يشبه أعراقك (٣)، وأنى قد بلغت بك فى النّظرة (٤) الموضع الذى يتعذّر مخرج العذر عليك منه، إلا أن تعود بالإقرار، بمقامك على الجفاء والإصرار، وما أرحع إليه من الثقة بك، وإخلاص المحبة والمقة لك، وما أعرفه من صحة ودّك، وكريم عهدك، وحسن اختيارك وتمييزك، ما عتبت عليك ولا استعتبتك، ولخلّيتك وما اخترت، ولم أنبّهك على ما أضعت؛ ولما وصلت ما قطعت، حتى يثوب إليك حازم من رأيك، وعاطف من ودك وإخائك، ولكنى ما أمسكت عن المعاتبة، وتأنيتك (٥) بالمراقبة، ورأيتك قد رضيت بالمهنة (٦) التى تلزمك فى الهجنة، وكنت

стр. 1882

إلى لين استعطافك، وحسن إنصافك، أحوج منى إلى قطع أسبابك، والمقام على ترك عتابك، وكنت مستعدّا لاحتمال ما يضيمنى منك، ويتناهى إلىّ عنك، لميل النفس بالرغبة إليك، وإقبالها- وإن أدبرت عنها- عليك، لأن العدوان فى المعاملة، من شأن من يحظر عليه فى المواصلة، سيّما من قد أحلق عندك إخاؤه، ورثّ فى نفسك وفاؤه، ودعاك طول عهده إلى ملالة ودّه، لم أجد بدّا من ردّك، باستعتابك إلى ما هو أولى بك، ردّك الله إلى أجمل العادة، وما هو أولى بك فينا من النّصفة. أأخى- أقبل الله بك إلى الواجب- أنا الخليل الذى لا يزيله عن ودّك وقديم عهدك سكر (١)، ولا يغيّر من قد بلاك وبلوته (٢)، وامتحنك فاختارك واخترته، أوّلك عنده حميد، وآخرك (٣) عنده جديد، مودّته لك غير مدخولة، وعشرته غير مملولة، لم تنب (٤) عنك خلائقه، ولم تنشعب عنك طرائقه، يغضّ من نفسه ليرفعك، ويضرّها لينفعك، فحين نطقت بلسانك فيما ضرّنى، وتقدمت لك فيما أخّرنى، وأخدمت (٥) مودتك نفسى وعرضى، وهتكت لك أدنى ومروءتى، فوددت بودّك، وصددت بصدّك، ووقفت بك حيث وقفت بنفسك، وانقدت لك حيث سلكت بى محبّتك، ولم أجشّمك الوقوف عند هواى، ولم أسمك الانصراف إلى رضاى، إلا فى أمر تسلم عاقبته، ولا تسوءك مغبّته، أوثر على محبتى ما سرّك، وأقدّم على أمرى أمرك، لا أوازنك المعاملة، ولا أقارضك المشاغلة، ما تحبّ فمضمون لك عندى، وما تكره فمصروف عنك منى، أحمل عنك الثقيل، وأتوعّر ليسهل لك السبيل، أوسّع لك فى الذّنب المنهج، إذا ضاق عليك من العذر

стр. 1883

المخرج، أطلعك على مكنون سرى، وأظهرك على باطن أمرى، لا أقول هذا تمنّنا، ولا أعتدّ به تبجّحا (١)، ولا أقتضيك عليه شكرا، إذ كنت أرى أنى أؤدّى به فرضا واجبا، وأقضى به حقّا لازما، ولكنى أذكّرك ما نسيت، وأنبّهك على ما أضعت، وأحتجّ عليك إذ قصّرت، وقدّمت علىّ فى إخائك من ليس من أكفائى ولا أكفائك، المقلىّ المذمّم، المهين «ابن مكرّم»، العاقّ لأبيه، والمنتفى من أخيه، والقاذف لأمه، والقاطع لرحمه، المهتوك الحرمة، الوضيع الهمّة، الضيّق الصدر، القريب القعر، السريع إلى الصديق، البطىء عن الحقوق، المشهور بالزّناء (٢)، المعروف بالبغاء .... (٣)، العاكف على ذنبه، (٤) الصادف (٥) عن ربه، الوضيع فى خلائقه، العاتى (٦) على خالقه، الدائم البطنة، النّطف (٧) الدّين والجيب، الدّنس العرض والثوب، عدوّه آمن من غائلته، وصديقه خائف من بائقته، جهله جهل الصّبيان، وضعفه ضعف النّسوان، سهك (٨) الرّيح، ثقيل الرّوح، خفيف العقل والوزن، خبيث الفرج والبطن، جليسه بين نتن وأذى، وقذر وبذى (٩)، من استخفّ به أكرمه، ومن وصله صرمه، غثّ الخلقة، رثّ الهيئة، وسخ المروءة، يحلف ليحنث، ويعهد لينكث، ويعد ليخلف، ويحدّث ليكذب، إن تكلّم ملأ الأسماع عيّا، والأنف نتنا، وإن سكت قرى (١٠) العيون قبحا، والقلوب مقتا،

стр. 1884

إسناده عن المخنّثين، وبلاغته فى ذم الصالحين، وطرفه قذف المحصنات (١)، وسعيه فى كسب السيئات وخلوته لاقتراف السّوءات وتمنّى الشهوات، أحسن عنده من مدحه الأفراط فى ذمّه، كما أنه أجمل من وصله المقام على صرمه (٢). هذا قليل من كثير ما أعرف عنه، ويسير فى (جنب ما (٣)) يوصف منه، فأنى يا أخى اخترته؟ ولأىّ شىء علىّ آثرته؟ ....... (٤) وأىّ أموره استلنت؟ أتنديده بالإخوان (٥)، أم محافظته على الخوان (٦)، أم أنسه بالخيانة، أم شتمه الصحابة، أم مؤاكلته الكلاب، أم مقامه على الاغتياب، أم نتن رائحته، أم سوء معاشرته، أم ملاله وضجره، أو وضره وبخره (٧)؟ أم وصلته حين قطعته، واخترته حين اطّرحته؟ . وإن مما حقّق ظنى بك فيه، أنك لم تكن له زوّارا فواظبت عليه، وكنت عنه متثاقلا فأسرعت إليه، وله ذامّا فلسانك رطب بمدحه، حتى كأنك إلى غاية مكروهى أجريت فى أمره، وإلا فكيف أنست بالجانب الوحشىّ من الثّقة، وأوحشت الجانب المعمور لك بالأنس والمقة، وقد تظاهرت عليه بما قلت الشهادة، وهتفت به الألسن من كل ناحية، وتحاماه كل ذى دين ومروءة، فأعطيت المودة غير أهلها، ومنحت الجفوة غير مستحقّها، ووصلت من قطعك، وقطعت من وصلك.

стр. 1885

فبادر يا أخى فى يومك منه بترك ما لا ينفعك فى غد معرفته، وتوقع هجاءه (١) لك عن قليل، ونبوّ (٢) أخلاقه عنك عن قريب «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ». (اختيار المنظوم والمنثور ١٣: ٤٢٣) ٢٢٨ - كتاب عبد الله بن المعتز إلى عبيد الله بن سليمان وكتب عبد الله بن المعتز (٣) إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب فى يوم عيد: «أخّرتنى العلّة عن الوزير- أعزه الله- فحضرت بالدعاء فى كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسّل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه فى مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل سوء فداءه، ويصرف عيون الغير (٤) عنه وعن حظى منه». (زهر الآداب ١: ٢٠٧)

стр. 1886

٢٢٩ - كتابه إلى عبيد الله بن سليمان يهنئه بقدومه وكتب عبد الله بن المعتز إلى الوزير عبيد الله بن سليمان يهنئه بقدومه: «الحمد لله على ما امتن به على الوزير- أعزه الله- من جميل السلامة، وحسن الإياب (١)، حمدا مستمدّا من مزيده (٢)، وإخلاصا مستدعيا لقبوله، وبارك الله له فى قدومه ومسيره، وفى جميع أموره، وجعل له منّة وافية على نعمه، وأبقاه لملك يحرسه، ومؤمّل ينعشه، وعاثر يرفعه، وحفظ له ما خوّله (٣)، كما حفظ له ما استرعاه، ووفّقه فيما طوّقه، وزاده كما زاد منه». (الأوراق للصولى ٢: ٢٨٨) ٢٣٠ - كتابه إلى عبيد الله بن سليمان يعزيه عن ابنه وكتب إليه يعزيه عن ابنه أبى محمد: «علم الوزير- أيّده الله- بذخائر الأجر يغنى عن نزعته فيه، وسبقه إلى الصبر بكفينى تذكرة به، لكن لولىّ الوزير- أيده الله- موضع إن أخلاه دخل فى جملة المضيّعين لحقّه، الّلاهين عما عناه، وقد كان من قضاء الله فى أبى محمد- رضى الله عنه- ما خصّت به المصيبة مواقع نعم الوزير، وآثار إحسانه، حاش لله إقرارا بالحق، وتنجّزا للوعد منه، وعظّم الله أيّها الوزير أجرك، ووفر ذحرك، وعمّر بقيّتك، وكثّر عددك، وسرّك ولا ساءك، وزادك ولا نقصك، ووصل بسلام الزمان نعمتك، ووليك بما تحبّ فيما خوّلك، وكلّ مصيبة وإن عظمت صغيرة فى ثواب الله عليها، ضئيلة بين نعم الله قبلها وبعدها، وما زال أولياء الله يعرضون على المحن، فيستقبلونها بالصبر، ويتبعونها بالشكر، وتنفذ بصائرهم

стр. 1887

مذموم أوائلها إلى محمود عواقبها، ويعدّونها مراقى إلى شرف الآخرة، ومراتب لأهل السعادة، فى دار لا تلجها الهموم، ولا يزول فيها النعيم. وإذا تأمل الوزير ما تجاوزت هذه الحادثة عنده من النّعم، فى ولده أبى الحسين، الذى قد نهض بما حمّله، ووفّى آماله، وأقرّ عينه، وغاظ حاسده، واكتسى لباس كرامته، وقام للخلافة بخلافته، علم أنه راع على الدهر، حقيق بتجاوز الصبر إلى الشكر، فجعل الله الخلف للوزير من الماضى، طول عمر الباقى، وحرسه من المكاره كلّها، وكفاه وكفافا فيه». (الأوراق للصولى ٢: ٢٨٨) ٢٣١ - وله فصل من تعزية بولد «لئن حرم الأجر ببرّك، لقد كفى الإثم بعقوقك، ولئن فجعت بفقده، لقد أمنت الفتنة به». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٠) ٢٣٢ - وله تعزية «عاريّة سرّك الله بمدّتها، وآثرك بثوابها، وأثابك عن ارتجاعها، فأبشر بعاجل من صنعه، وآجل من جزائه ومثوبته. عظّم الله أجرك، وجعل الثواب عوضك، ووفّقك لنيل مرضاته عنك، وإنا لله، قولا بما علّم، نتنجّز به ما وعد». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٤) ٢٣٣ - وله تعزية أخرى «الخلود فى الدنيا لا يؤمل، والفناء لا يؤمن، ولا سخط على حكم الله، ولا وحشة مع خلافته والأنس بطاعته، فأدّ ما استردّ صابرا، وأصبح لما استرجع مسلّما، فإن من علم أن النعمة تفضل من واهبها، شكرها مقبلة، وصبر عنها مولّية،

стр. 1888

جعلك الله محتملا للنعمة، مؤدّيا للشكر، صابرا عند المحنة، محفوظا موفور أجرها، والفوز بالصبر عليها». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٤) ٣٢٤ - وله تهنئة بمولود «اتّصل بى خبر مولودك، فسرّنى لك ما سرّك، وأنا أسأل الله أن يتبع النعمة به عليك ببقائه لك، وأن يعمّرك حتى ترى زيادة إليه منه، كما رأيتها به». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٣) ٢٣٥ - وله فصل فى قبول عذر «كيف أردّ عذر من لا تهتدى إليه الموجدة (١)، ولا تتسلّط عليه التّهمة، ووالله ما عرضت لك وحرّكت منك إلا بخلا بما ذخرته من مودتك، واعتمدت عليه من إخلاصك، لخوفى مع ذلك أن تصير غفلتك تغافلا، وزلّتك تعمّدا، وهذا مالا أحبه لك، وإن كنت أحتمله منك، وما أعتذر من مطالبتك بما جعلك أهلا للمعرفة به، وجعلنى بودّك مستحقّا له». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٠) ٢٣٦ - وله فصل فى حاجة «موصّل كتابى فلان، وقد جعلت الثقة بك مطيّته إليك، فلا تنضها (٢) بمطلك، وأسرع ردّها بسابق إنجازك، وتصديق الأمل فيك والظنّ بك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٠)

стр. 1889

٢٣٧ - وله فصل «قد ملت إليك فما أعتدل، ونزلت بك فما أرتحل، ووقفت عليك فما أنتقل». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩١) ٢٣٨ - وله فصل «لولا أن الإطناب فى وصف مطيّة للمتخرّص (١)، وتهمة للمخلص (٢)، لأطلت به كتابى، وكفى بمقاساة ذى النقص مذكّرا بأهل التمام، وقد لبثت بعدك بقلب يودّلو كان عينا ليراك، وعين تودّلو كانت قلبا فلا تخلو من ذكراك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩١) ٢٣٩ - وله فصل «كيف ينقطع ذكرى لك بغير خلف منك، وينصرف قلبى عنك والتجارب تزوى (٣) إليك. والله يعلم أنّ خيالك شمس نفسى إذا نمت، وذكرك سراجها إذا انتبهت، وإن ذلك لأقلّ حقوقك، ولا ظلمت غيرك بك، ولا ملت عليه لك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩١) ٢٤٠ - وله فصل ذكرت حاجة فلان، لا فصّلها الله بالنجاح، ولا يسّر بابها بالانفتاح، ووصفت عذرا له نصح به غير نفسه، وما نصح عنها، ولكنه نصح عليها، وأنا والله أصونك عنه، وأنصح لك فيه، فإنه خبيث النيّة، فاسد الطوية، جائر المعاتب، طالب للمعايب،

стр. 1890

مقلّب لسانه بالملق، ساتر بالتخلّق وجه الخلق، موجود عند الرجاء. مفقود مع البلاء، فأتعب عقلك باختياره، ولا توحش نعمتك باصطناعه». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٢) ٢٤١ - وله فصل فى الشوق «إنى لآسف على كل يوم فارغ منك، وكلّ لحظة لا تؤنسها رؤيتك، وسقيا لدهر كان موسوما بالاجتماع معك، معمورا بلقائك، جمع الله شمل سرورى بك، وعمّر بقائى بالنظر إليك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٢) ٢٤٢ - وله شفاعة فى شغل «من عظمت النعمة عليه، كثرت الرغبة إليه، فاستجلب بالإنعام منك إنعام الله عليك، واستزد بما تهب (١) منك ما يهب لك، واجعل حظّى من ولايتك قبول اختيارى لك هذا الرجل، واخلطه بأوليائك القائلين (٢) فى ظلّك، فقد أفردك برغبته، وصرف إليك وجه رجائه، وليس فيه فضل للانتظار، ولا بقيّة للإذكار، فعجّل إن نويت جودا، وبادر إن نويت صنعا، ولا تكن ممن ولايته وعد، وصرفه اعتذار». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٣) ٢٤٣ - وله فصل فى فراق «كأنّ الدهر أبخل من أن يملّينى (٣) بك، وأنكد من أن يسوّغنى (٤) قربك، وإنى له لصابر إلّا على فقدك، وراض إلّا ببعدك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٣)

стр. 1891

٢٤٤ - وله فصل «تولى الله عنى مكافأتك، وأعان على فعل الخير نيتك، وأصحب بقاءك عزّا يبسط يدك لوليّك، وعلى أعدائك، وكلاءة (١) تذبّ عن ودائع مننه عندك، وزاد فى نعمك وإن عظمت، وبلّغك آمالك وإن انفسحت». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٤) ٢٤٥ - وله فصل «لا أزال الله عنا ظلّك، وأعلى فى شرف المنازل مرتقاك، ولا أعدمنا فيك إحسانا باقيا، ومزيدا متصلا، ويوما محمودا، وغدا مأمولا، وعزا يمكّن قبضتك، ويمدّ بسطتك». (الأوراق للصولى ٢: ٢٩٤) ٢٤٦ - وله فصل «لن تكسب- أعزك الله- المحامد، وتستوجب الشرف، إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مؤنة، لاشترك فيها السّفل والأحرار، وتساهمها الوضعاء من ذوى الأخطار، ولكن الله تعالى خص الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفّف عليهم حملها، وسوّغهم فضلها، وحظرها على السّفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم». (زهر الآداب ٣: ٣١٣)

стр. 1892

٢٤٧ - وله فى وصف البيان «البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول، ومجلّى الشبهة، وموجب الحجّة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرّق بين الشك واليقين، وهو من سلطان الرّسل الذى انقاد به المستصعب، واستقام الأصيد (١)، وبهت الكافر، وسلّم الممتنع، حتى أشب (٢) الحقّ بأنصاره، وخلا ربع الباطل من عمّاره. وخير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى، ليسرع إلى الفهم تلقيّه، وموجزا ليخفّ على اللفظ تعاطيه، وفضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول، وظاهر غير خفىّ، يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن المتكلّفين، وتحيّر الكذّابين وهو المبلّغ الذى لا يملّ، والجديد الذى لا يخلق، والحق الصادع، والنور الساطع، والماحى لظلم الضلال، ولسان الصدق النافى للكذب، ونذير قدّمته الرحمة قبل الهلاك، وفاعى الدنيا المنقولة، وبشير الآخرة المخلّدة، ومفتاح الخيرة، ودليل الجنّة، إن أوجز كان كافيا، وإن أكثر كان مذكّرا، وإن أومأ كان مقنعا، وإن أطال كان مفهما، وإن أمر فناصحا، وإن حكم فعادلا، وإن أخبر فصادقا، وإن بيّن فشافيا، سهل على الفهم، صعب على المتعاطى، قريب المأخذ، بعيد المرام، سراج تستضىء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، بحر العلوم، وديوان الحكم، وجوهر الكلم، ونزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين، على محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، فخصم الباطل، وضدع بالحق، وتألّف من النّفرة، وأنقذ من الهلكة، فوصل الله له النصر، وأضرع (٣) به خدّ الكفر». (زهر الآداب ١: ١١٤)

стр. 1893

٢٤٨ - وله فى وصف الكتاب والقلم «الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق (١). والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، يسكت واقفا، وبنطق سائرا (٢)، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبّل بساط سلطان، أو يفتتّح نوّار بستان (٣)». (زهر الآداب ٢: ٣٢، والعقد الفريد ٢: ١٨١، والأوراق للصولى ٢: ٢٩٢) ٢٤٩ - كتاب أحمد بن إسمعيل إلى بعض الكتاب وكتب أحمد بن إسمعيل إلى بعض الكتاب- وقد نال رتبة فتقص إخوانه فى الدعاء-: «الكبر- أعزّك الله- معرض يستوى فيه النبيه ذكرا، والخامل قدرا، ليس أمامه حجاب يمنعه، ولا حاجز يحظره، والناس أشدّ تحفّظا على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء لأفعاله، وتتبّعا لمعايبه: وتصفّحا لأخلاقه، وتنقيرا (٤) عن خصاله، منهم، عن خامل لا يعبأ به، وساقط لا يكترث له فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذّنب يكبر منه، وقليل الذم يسرع إليه. والحال التى جدّدها الله لك- وإن كنت أراها دون حقّك، وناقصة عن همّتك، وأرضا عند سمائك- حال: الحاسد عليها كثير، وآمال المنافسين إليها

стр. 1894

تسير، والمودّة تقتضى النصيحة، والمقة (١) تدعو إلى صدق المشورة، وليس يحرس النعمة ويحوطها، وبحسم الأطماع ويصرفها، ويستجيب القلوب النافرة ويطلقها، إلّا ترك ما أراك تستعمله فى ترتيب المكاتبة، وتمييز المخاطبة والمحاصّة (٢) فى ألفاظ الدعاء، والبخل بيسير الثناء، وتطبيق (٣) إخوانك ومعامليك فى ذلك، حتى صار عندك كأنه نسب لا تتعدّاه، ونعت لهم لا تتخطّاه، فأمّا إخوانك فليس من حقك أن تحطّهم حال رفعتك، وأن تنقصهم دولة زادتك، كما ليس من حقك عليهم أن يغالطوك، فيمسكوا عن خطابك، ويتحاموا عن عتابك». (أدب الكتاب ص ١٠٥) ٢٥٠ - كتاب أحمد بن إسمعيل إلى صديق له وكتب أحمد بن إسمعيل إلى صديق له نقصه فى دعائه، ولحن فى كتابه: «وما أنا والكتاب إلى صديق ... أدين من الوفاء بغير دينه؟ أعظّمه ويحقرنى، وأدعو ... له باللفظ يدعو لى بدونه! وبنقصنى ولم أنقصه حقّا ... ويخشن لفظه من بعد لينه! فقام كتابه بالردّ عنى ... لكثرة ما تضمّن من لحونه» (أدب الكتاب ص ١٦١) ٢٥١ - كتاب أحمد بن يحيى الأسدى إلى الحسين بن سعد وقال أحمد بن يحيى الأسدى: كتب إلىّ الحسين بن سعد، فنقصنى فى الدعاء، فكتبت إليه:

стр. 1895

«قد علمت- أعزك الله- أن السبب فى العداوة بين محمد بن عبد الملك الزيات وإبراهيم بن العباس الصّولى، أنه لما ولى وزارة المعتضد (١) نقص إبراهيم عما يستحقه من الدعاء، فلم تحتمل ذلك نفسه ورياسته وموضعه من الصّناعة والدّولة، فعاتب فى ذلك فلم يعتبه، فألهب له نار هجاء لا يطفئها الدهر، وعلامة ذلك قوله فى كلام منثور قد ذكره: «ولى هذا الأمر فما ظنّ أن الرياسة تنجذب إليه، ولا أن العزّ يتحصل له، إلّا بحطّ إخوانه عن منزلتهم، ونقصهم عن مرتبتهم، فبخسنى (٢) فى المكاتبة، وساءنى فى المعاملة» فى كلام له طويل، ثم نظم ذلك فى شعر فقال: من رأى فى الأنام مثل أخ لى؟ ... كان عونى على الزمان وخلّى رفعته حال، فحاول حطّى ... وأبى أن يعزّ إلّا بذلّى وكان هذا الخطاب فى أول الأمر، ثم أنحى عليه بالهجاء، فافتقد- أعزك الله- إنصاف إخوانك، وتجنّب ظلمهم، يصف لك غدير ودّهم». (أدب الكتاب ص ١٥٩) ٢٥٢ - كتاب أحمد بن على المازرانى إلى ابن بشر المرثدى وروى الصّولى أيضا فى أدب الكتاب قال: لما ولى ابن بشر المرثدىّ كتابة الموفّق بالله، نقص أحمد بن على المازرانىّ فى الدعاء حين كاتبه، فكتب إليه: كلما رمت أن أخلّف من كا ... ن أمامى خلفت عمّن ورائى (٣) أنقصت الدّعاء لى منك لمّا ... زادك الله رفعة فى دعائى؟
следующие страницы →